شرح صفة صلاة النبي ﷺ للطريفي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: الصلاة أوجب ما يتعَلَّمُه الصغير والكبير من الأعمال الظاهرة، وهي مقدمة على كل عمل وبر، وقد رفع اللهُ نَبِيَّه إليه في السماء ليشرعها له، وأَنْزَلَ جبريل عليه ليؤمه فيها، فكانت الصلوات الخمس التي علمه مواقيتها وصفتها. والصلاة هي الصلة بين العبد وبين ربه، وأوَّلُ فرائض الجوارح وآكدها، وأعظمُ المُكفِّراتِ العَمَلية للذُّنوبِ، ولا تخلو شريعة نبي منها، ومراتب الصَّالحين عند الله بمقدار حفاظهم عليها.
والصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الدين، وقد فرَضَها الله له على نبيه محمد ﷺ حينما أُسْرِيَ به. والمقصود من هذا الكتاب أن يؤدي المسلم الصلاة كما شرعها الله، وكما أداها رسوله ﷺ، ظاهرًا وباطنًا؛ فيجتمع فيها خضوع الجوارح وحضور القلب، ويستشعر العبد أنه واقف بين يدي ربه. ولهذا كانت الصلاة أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وعلامةً بارزة على الإيمان، وعناية السلف بها من أعظم الشواهد على مكانتها في حياة المسلم.
وقد كان أصحاب النبي ﷺ أحرص الناس على معرفة صلاته والاقتداء به فيها؛ فقد صلّى بهم ﷺ صلوات كثيرة في الحضر والسفر، فشاهدوا أفعاله وسمعوا أقواله، ونقلوا للأمة دقائق هديه في الصلاة. ولذلك كثرت السنن والآثار الواردة في صفتها وآدابها، حتى غدا هذا الباب من أوسع أبواب العبادات روايةً وتفصيلًا، وفيه من وجوه الهدي النبوي ما يحتاج المسلم إلى معرفته والتفقّه فيه.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب «صفة صلاة النبي ﷺ وما يلحقها من أذكار ورواتب»؛ إذ قصد مؤلفه إلى تقريب هدي النبي ﷺ في صلاته المفروضة، وبيان ما يتصل بها من الأذكار والسنن الرواتب، ابتداءً من سعي المسلم إلى الصلاة واستعداده لها، وانتهاءً بانصرافه منها.
وقد كان أصل الكتاب مجالس علمية، ثم عُنِيَ مؤلفه بجمع مادته وتفصيلها وترتيبها وزيادتها، لتكون أقرب إلى تناول طالب العلم والقارئ، وأعون له على معرفة هدي النبي ﷺ في هذه العبادة العظيمة.
وهذه العناية بصفة الصلاة هي من تمام تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى؛ فكلما ازداد المسلم معرفةً بهدي النبي ﷺ في صلاته، ازداد حرصًا على إقامتها كما شُرعت، واجتهد في إتقان ظاهرها واستحضار باطنها. ومن أجل ذلك كان من أنفع ما يشتغل به المسلم أن يتعلم صلاة نبيه ﷺ، ثم يجعل هذا العلم واقعًا في عبادته وسلوكه، حتى تكون صلاته أقرب إلى الصلاة التي قال عنها رسول الله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وإليك مادة الكتاب كما هي:
______________________________________________
المُقدِّمة
نَحْمَدُ الله على مِنَتِه ونِعَمِه، له الحمد كله أوله وآخِرُه، وعلى نَبِيِّه تمام الصلاة وأزكاها، وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ، وَسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أَمَّا بَعْدُ:
فإن أعظم مقامات العبودية اجتماع ظاهر الإنسان وباطنه على الخضوع الله، ولا تجتمع الجوارح في عبادة الله خاضعة كما في أداء الصلاة؛ ولهذا كانتْ أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وجعلت في الشريعة فارقًا وفاصلا يُعرف بها المؤمِنُ مِن غيره، وعلامة ظاهرة على الطوائف، فيختص المسلمون باسم «أَهْلِ القِبْلة عن غيرهم؛ وذلك لاستقبالهم الكعبة عند أداء الصلاةِ؛ لأنَّه لا تَخْلُو الشرائع من صلاة أو من شيء من أجناسها: كسجود وركوع وغيرهما.
ولعظم الصلاةِ أَمر النبي ﷺ الأولياء بأمر الأولاد بها عند التمييز، والضرب عليها ضربا غيرَ مُبَرِّحٍ في العاشرة، وهذا ليس في شيء من شرائع الإسلام غير الصلاة.
والصلاة أوجب ما يتعَلَّمُه الصغير والكبير من الأعمال الظاهرة، وهي مقدمة على كل عمل وبر، وقد رفع اللهُ نَبِيَّه إليه في السماء ليشرعها، وأَنْزَلَ جبريل عليه ليؤمه بالصلوات الخمس فيُعلِّمه مواقيتها وصفتها، ثم قال لأُمَّتِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وهذا أعظمُ إسنادٍ يُطلب، وأوثق عروة يُستمسك بها.
وقد صَلَّى النبي ﷺ بأصحابه نحوا من عشرين ألف صلاة يأتمُّون به يَرَوْنَهُ وَيَسْمَعُونَهُ في حَضَرِه وسَفَرِه، حتى أصبحتِ الحُجَّةُ فيها قائمة أعظم من غيرها، ومداخل الابتداع فيها أَضيَقَ مِن غيرها، ولا يَظْهَرُ عمل من أعمال الصلاة في أصحاب النبي ﷺ إلا والأَمْرُ فيه اتباع أو سَعَةٌ، ومعرفة ما عليه الصحابة له باب لمعرفة ما عليه النبي ﷺ خاصةً أقربهم إليه وأَقدَمَهم صحبة.
وهذا الكتاب «ضِفَةُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا يَلْحَقُها مِنْ أَذْكَارٍ وَرَوَتابَ» تقريب لأعماله ﷺ في صلاته المفروضة؛ من سعيه إليها إلى انصرافه منها، وما لحق الفرائض مِن ذِكْرٍ وسُنَنِ راتبة، وقد كان أصل الكتاب مجالس عام ألف وأربع مئة وسبعة وعشرين للهجرة، ثم تَبِعَها فَرْسٌ وتفصيل وترتيب وزيادة، ولله الحمد، ومنه نستمد العون ونستلهم الهداية والتسديد.
كتبه عبد العزيز الطريفي
___________________________________________________
أهمية أركان الإسلام الخمسة
إِنَّ اللَّهَ قد فَرَضَ فرائض، وشَرَعَ شرائع أمر بلزومها، ومن أعظم هذه الشرائع: أركان الإسلام الخمسة، التي أمر الله رسوله بها، وأخبر النبيُّ ﷺ بركنيتها للإسلام؛ كما جاء في حديث عبد الله بن عُمَرَ في الصحيحين، وغيرهما، بقوله عليه الصلاة والسلام:
«بني الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا».
وكذلك ما جاء في الصحيحين؛ من حديث أبي هريرة في قصة إتيان جبريل إلى النبي ﷺ، وقد رواها مسلم من حديث عمر بن الخطاب، عن رسول الله ﷺ، وانفرد بها عن البخاري.
وأعظم هذه الأركان: توحيد الله - وهو الشهادتان - ثم يليهما الصلاة - وهي الفاصل والفارق بين المؤمن والكافر - كما جاء عن رسول الله ﷺ في عِدَّةِ أخبار.
والصلاة هي الصلة بين العبد وبين ربه، وأوَّلُ فرائض الجوارح وآكدها، وأعظمُ المُكفِّراتِ العَمَلية للذُّنوبِ، ولا تخلو شريعة نبي منها، ومراتب الصَّالحين عند الله بمقدار حفاظهم عليها.
أهمية الصلاة
والكلام على أهمية الصلاة وفضلها يطولُ جدا، والنصوص في هذا في كلام الله وفي سنة رسول الله ﷺ أَشْهَرُ وأَكثَرُ مِن أَن تُذْكَر.
والكلام على أحكام هذه الصلاة، وأركانها وواجباتها، وسُنَنِها وآدابها، وما جاء عن رسول الله ﷺ من ذلك يطولُ جِدًّا.
عدد أركان وواجبات وسُنَنِ الصلاة
ومن تعظيم الله تعظيم شعائره، ومن تعظيم شعائره: الإتيان بها كلها، وعدم التفريق بينها، وكان أحمد يخطئ من يقسم أفعال الصلاة إلى فريضة وسُنَّة، إلا لمن أراد تمييز ما تفسد به الصلاة عن غيره؛ حتى لا يقع الناسُ في حَرَج.
وقد ذكر العلماء: أنه قد جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك من الشرائع والآداب والسُّنَنِ: ما يزيد على سِتُّ مِئَةِ سُنَّةٍ.
وقد نص على هذا ابن حِبَّانَ رحمه الله في «صحيحه»، فقال: في أربع ركعات يصليها الإنسانُ سِتُّ مِئَةِ سُنَّةٍ عن النبيِّ ﷺ.
عدد أركان وواجبات وسُنَنِ الصلاة
أخرجناها بفصولها في كتاب صفة الصلاة، فأغنى ذلك عن نظمها في هذا النوع من هذا الكتاب؛ يعني: في كتابه الصحيح.
وابنُ حِبَّانَ رحمه الله -من الأئِمَّةِ المُكْثِرِينَ للتَّرْحال والرواية والأخذ عن الشيوخ، ولا غرابة أن يكون عنده مثل هذا العدد عن رسول الله ﷺ.
وقوله رحمه الله: «ست مئةِ سُنَّةٍ»، لعله أراد بذلك: ما جاء عن رسول الله ﷺ من الأوجُه الضعيفة والصحيحة، ولعله أراد ما هو مكرر من الأقوال والأفعال في كل ركعة، وعلى اختلافِ الصُّورِ والأحوال في كل ركعة.
ومعلوم أنه ما ثبت عن رسولِ اللهِ ﷺ فعله في بعض الركعات أو في بعض الأحوال لا يَدُلُّ على أنَّه يفعله في بعضها الآخر، إلا إذا كان ثَمَّةَ قرينةٌ على ذلك؛ فما جاء عن رسول الله ﷺ أَنَّه كان يرفع يديه في حال، لا يعني أنه يرفعها في موضع آخر يكون فيما يليها من الركعات حتى يأتي دليل عن رسول الله ﷺ في ذلك أو قرينة ظاهرة.
فإن كان مراد ابن حِبَّانَ كذلك، فإنَّ هذا وارد جدًّا، وإن كان غيره، ففيه نظر؛ ولذلك فقد قال ابن القيم رحمه الله في كتابه «مدارج السالكين: ولم يُوَفِّ الصلاةَ آدابها التي سنها رسولُ اللهِ ﷺ وفعلها، وهي قريبٌ مِن مِئَةِ أَدَبِ، ما بين واجب ومستَحَب».
وقد ذكر عبد الحي الكتاني في كتابه «فهرس الفهارس»- في ترجمة عبد الرحمنِ العَيْدَرُوس المصري - من تلامذة محمد حياة السندي، وشيخ الزبيدي، وعطية الأجهوري الشافعي-: أَنَّه دَخَلَ في مصر على العلماء في الأزهر وهم يَنْتَخِبُونَ مَنْ يَصلُحُ الإمامة الصلاة، فاستشاروه، فقال: «لا أؤهّل لها إلا مَنْ يَعُدُّ لصلاةٍ واحدةٍ خمس مِئَةِ سُنَّة يستحضرها» فعجبوا لذلك، وطالبوه بعدها، فعدها لهم.
قال عبد الحي الكتاني: ومنذ سمعتُ الحكاية وأنا أستَهْوِلُهَا، وأستعظم أمرها حتى وجدت قول ابن حِبَّانَ، ثم صرت أتتبع أحواله في الصلاة وحركاتِهِ؛ فكاد يجتمع العدد المذكور أو أَزْيَدُ، وَمَنْ تَرَكَ العجلة، أصاب واستفاد وأفاد.
وهذا نظير ما جاء عن ابن حِبَّانَ، وهو على ما تقدم تخريجه.
وإذا أردنا إحصاء ما جاء عن رسول الله ﷺ في أحكام الصلاة وآدابها وسُنَنِها، فإنَّه يطولُ جِدًّا، والأحاديث في هذا جَمَعَهَا جماعةٌ مِن العلماء، ولا يمكن استيفاؤها في مثل هذا المقام.
وقد صنف في هذا الباب جماعة من العلماء؛ كالإمام أحمد رحمه الله في رسالته «الصلاة»، وكذلك أبو نُعَيم الفضل بن دُكَيْن في كتابه «الصلاة»، ومحمَّدُ بنُ نَصْرٍ في كتابه «تعظيم قَدْرِ الصلاة»، وغيرهم، وقد جمعها بعض المتأخرين في عِدَّةِ مجلدات.
عدد أركان وواجبات وسُنَنِ الصلاة
وما جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ في هذا أَرْبَى على أَلْفِ خَبَر، بين صحيح، وضعيف، وما هو محلُّ نَظَرٍ، والكلام على معانيها وذكر كلام العلماء واختلافهم لا يمكن حَصْرُه، ولكننا نتكلم على ما اشْتَهَرَ، ويحتاج إليه كثير من الناس من المسائل مما قرَّره بعض العلماء، ويعضده الدليل عن رسول الله ﷺ والصحابة، ونبين بالجملة عند كل مسألة دليلها من كلام الله أو كلام رسوله الله، أو كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام.
والعُمْدَةُ في هذا الوحي؛ كلام الله تعالى، أو كلام رسول الله ﷺ، وما عدا ذلك، فإنَّما هو بحاجةٍ إلى أن يُحتَجَّ له، لا أنْ يُحتج به، والله إنَّما يتعبده الناس بكلامه، وكلام رسول الله ﷺ.
وبعد ذلك عمل الصحابة وإجماعُهُمْ؛ ولذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: «الإجماع إجماع الصحابة ومَنْ بعدَهُمْ تَبَعٌ لهم»، وقال ذلك أيضًا داود بن علي، فإن ثبَتَ إجماع الصحابة على مسألة من المسائل، فحينئذ لا قول لأحدٍ بعدَهُمْ - وإن كان من أجلة التابعين وأئمة الإسلام - ولهذا ينبغي أنْ يَعْتَنِي المتعلّمُ بأقوال الصحابة فيما يتعلق بالعبادات خاصةً؛ وذلك لأنَّهم أقرب إلى فهم مراد رسول الله ﷺ، وأوعى إلى التنزيل، وأعلم بواقع الحال، وسَبَبِ ورود الحديث؛ فإذا اختلفوا فحينئذ هو السَّعَةُ.
وقد قال الإمام أحمد لمن ألف «كتاب الاختلاف» - وهو إسحاق بن بُهْلُول الأنباري -: «سَمِّهِ كتابَ السَّعَةِ»، ومثله قول عمر بن عبد العزيز: ما أُحِبُّ أنَّ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ لم يختلفوا؛ لأنَّه لو كان قولا واحدا، كان الناسُ في ضِيقٍ، وإنَّهم أئمةٌ يُقْتَدَى بهم، فلو أخَذَ أحدٌ بقول رجل منهم، كان في سَعَةٍ.
وقال القاضي إسماعيل: إنما التَّوْسِعَةُ في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعةً أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا؛ قال ابن عبد البر معلقاً: كلام إسماعيل هذا حسَن جِدًّا.
وقتُ فَرْضِ الصلاة
والصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الدين، وقد فرَضَها الله له على نبيه محمد ﷺ حينما أُسْرِيَ به.
وقد اختلف العلماء من المؤرخين وغيرهم في سَنَةِ الإسراء والمعراج برسول الله، والذي عليه الاتفاق: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يصلي بمكة صلاةً لا يُعرَفُ مِن السُّنن والآداب منها إلا ما ندر، ولكن ما ثبت عن رسول الله ﷺ هو أنه يؤدي صلاة ذات ركوع واحد وسجدتين، وقد جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه كان يصلي ركعتين، وقد جاءت في هذا أخبار عن رسولِ اللهِ ﷺ عِدَّةٌ في السير والمغازي وبعض كتب السُّنَّةِ.
معنى الصلاة وتعريفها
والصلاة في كلام الله، وكلام رسول الله، وكذلك في لغة العرب، على ثلاثة معانٍ؛ كما نص على ذلك غير واحد من أئمة العربية؛ كأبي بكر الأنباري وغيره:
أولها: الصلاة المعروفة في الشرع:
ومن هذا قول الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
وقول الأعشى يصف راهبًا:
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ المَلِيكِ … فَطَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُوَارًا
والمعنى الثاني: الرحمة من الله لعباده:
وهذا كقول الله تعالى: ﴿أُولَئكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وكقول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى»، أي: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُم.
والمعنى الثالث: الدعاءُ:
ومن ذلك قولُ اللهِ عز وجل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْنَكَ سَكَنُ لهُمْ﴾ [التوبة: ۱۰۳]؛ أي: ادْعُ لهم؛ إنَّ دعاءك سكن لهم. ومن ذلك ـ على قول بعضهم - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ [الإسراء: ۱۱۰]؛ قالوا: إنَّ المراد بذلك: الدعاء.
وهذا هو الأصل؛ فالصلاة في اللغة: الدعاء، وسُمِّيَ ما نتعبد الله به: صَلَاةً؛ لأنَّ المصلِّي يدعو في صلاتِهِ، والعرب تسمي بالشيء إذا تعلق به، أو جاوَرَهُ، أو كان منه بسبب؛ ومن ذلك الصلاة على الميت: إنما هي الدعاء له.
وفي حال ورود شيءٍ من الألفاظ الشرعية على وجه، وله في اللغة وجوه، فينصرف عند ورودِهِ في النص إلى المراد الشرعي، وهو هنا - أي: الصلاة - «العبادة المفتَتَحَةُ بالتكبير، والمختَتَمَةُ بالتسليم، على هيئة معروفة»؛ ولهذا يعرف الفقهاء الصلاة بأنها: عبادة ذات أفعال وأقوال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، وقد جاء في الخبر عن رسول الله، كما في «المسندِ»، وكذلك في بعض السُّنَنِ؛ مِن حديث عبد الله بن محمد بنِ عَقِيلٍ، عن محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله، قال: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ».
والمراد بتحريمها؛ أي: أنَّه يحرُمُ على الإنسان ما كان يباح له قبل ذلك بهذا التكبير، وتحليلها التسليم؛ أي: أنَّه يَحِلُّ له ما كان قد حَرُمَ عليه قبل ذلك؛ وهذا الحديث قد جاء بطرقٍ عِدَّةٍ لا يخلو مجملها من ضعف.
حكم تارك الصلاة
وهذه الصلاة هي الفيصل بين المؤمن والكافر؛ ولهذا تَوَعَدَ اللهُ تاركها بالنار؛ بل توعد الله الساهي والمؤخِّرَ لها عن وقتها بالوعيد الشديد والعذاب الأليم، وقد جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ أخبار كثيرة تدلُّ على أنَّ مَنْ ترَكَ الصلاةَ، فقد كفَرَ، مِنْ ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه؛ من حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله ارضي الله عنهما؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشَّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ».
وقد جاء هذا أيضًا عند مسلم من حديث أبي الزُّبَيْرِ، عن جابر.
وقد جاء عند الترمذي في «الجامع» بلفظ: «بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ».
وعند أبي يعلى بلفظ: «لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ تَرْكِهِ الإِيمَانَ إِلَّا تَرْكُهُ الصَّلَاةَ».
ورواه محمد بن نصرِ المَرْوَزِيُّ في كتابه «تعظيم قَدْرِ الصلاة»؛ من حديث جابر؛ بلفظ: «إِلَّا أَنْ يَدَعَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً».
وجاء عن مجاهدِ بنِ جَبْرٍ؛ أنه سأل جابرا: «ما كان يُفَرِّقُ بينَ الكفر والإيمان عندكم مِنَ الأعمال في عَهْدِ النبي ؟ قال: الصلاة».
وروى عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن عباس؛ قال: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ احْتَمَلْتُهُ أَنا وَنَفَرٌ مِن الأنصار حتى أدخَلْنَاهُ منزلَهُ، فلم يَزَلْ في غَشْيةٍ واحدة حتى أسفر، فقال رجل: إنَّكم لن تُفْزِعُوه بشيءٍ إلا بالصلاةِ، قال: فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين، قال: ففتح عينَيْهِ، ثم قال: أصلَّى الناس؟ قلنا: نعم، قال: أَما إنه لا حَظَّ في الإسلام لأحدٍ ترك الصلاةَ، فصلَّى وجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا.
وما جاء عن عُمَرَ أصح شيءٍ جاء عن الصحابة في هذا الباب، ورُوِيَ في كفر تارك الصلاة عن أبي بكر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمرو، وفيها ضعف.
ويكفي في الوعيدِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا يُحْشَرُ مع فِرْعَوْنَ وهامان وقارونَ وأُبي بن خَلَفٍ؛ كما روى الإمام أحمد، وعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ حِبَّانَ، والطبراني، وغيرهم؛ مِن حديث عبد الله بن عمرو؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ حَافَظَ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، كُنَّ لَهُ نُورًا وَنَجَاةً وَبُرْهَانَا يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظُ عَلَيْهَا، لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا نَجَاةً وَلَا بُرْهَانًا يَوْمَ القِيَامَةِ، وَحُشِرَ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ».
وهذا من أوضح الأدلَّةِ على كفر تارك الصلاة؛ لأنَّ انتفاء النور والبرهان والنجاة، والكَيْنُونَةَ مع فِرْعَوْنَ وهامان وقارونَ وأُبي بنِ خَلَفٍ يوم القيامة، أوضح دليل على الكفر، ومَنْ حُشِرَ مع هؤلاء فلا فلاح له؛ ولذلك قد ذهَبَ الصحابة بالاتفاق، وذهَبَ التابعون كذلك إلى أنَّ مَنْ ترك الصلاة - سواء كان جاحدا لوجوبها، أو كان تاركا لها على الكسل والتهاون - أنَّه كافر، وهذا مَحَلُّ اتفاق عندهم، والخلاف إنما طَراً في مرادهم بالكفر هل هو المخرج من الملة أو ما دونه، والأول أظهر.
وتَرْك ما لا تصح الصلاة دونه كالوضوء وغُسْلِ الجَنَابَةِ كَتَرْكِها، وجَحْدُ وجوبِهِ كَجَحْدِ وجوبها؛ لأنَّ الصلاةَ هي الإيمان؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ يعني: صلاتكم، كما جاء مفسرا عند أكثَرِ المفسّرين، وفي الحديث: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإيمان»؛ يعني: شطر الصلاة، ولا تَتم إلا به.
وقد روى الترمذي، ومحمَّدُ بنُ نَصْرٍ؛ من حديث بِشْرِ بن المفضل، عن الجريري، عن عبد اللهِ بنِ شَقِيقِ العُقَيلِيّ: أَنَّه قال: «مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أصحاب رسول اللهِ ﷺ يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةَ».
وهذا حكاية إجماع.
ونَصَّ على الإجماع - أيضًا - التابعون؛ ومنهم: أَيُّوبُ بْنُ أَبي تَمِيمَةَ السختياني؛ كما روى ذلك محمَّد بن نصر المروزي؛ من حديث حَمَّادِ بن زَيْد، عن أيُّوبَ بن أبي تَمِيمَةَ السَّخْتِياني؛ أنَّه قال: «تَرْكُ الصلاة كُفْرٌ لا نَخْتَلِفُ فيه».
ولا أعلم نصا عن أحدٍ من الصحابة ولا من التابعين أنَّه قال بعدَمِ كفر تارك الصلاة، إلا ما رُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ - وهو أولُ مَنْ أشار إلى ذلك - كما رواه عنه محمَّد بن نَصْر المروزي؛ من حديث عبد العزيز بن عبدِ اللهِ الأُوَيْسِي، عن إبراهيم، عن ابن شِهَابٍ؛ أنه سُئِلَ عن الرجل يترك الصلاة؟ فقال: «إن كان إنما تركها أنه ابتدع دينا غير الإسلامِ قُتِلَ، وإنْ كان إنما هو فاسقٌ ضُرِبَ ضربًا مبرِّحًا وسُجِنَ».
وفي هذا أنَّه لا يَرَى كُفْرَ تارك الصلاة، ولعله أراد الصلاة الواحدة، ومَنْ تَرَكَ صلاةً واحدةً حتى يخرج وقتها، فهذا محل الخلاف، أما ترك الصلاة بالكليةِ أنَّ صاحبَهُ لا يكفُرُ، فلا أعلَمُ نصا يعضُدُهُ؛ لا مِن الكتاب ولا من السُّنَّة، ولا من قول الصحابة ولا من قول التابعين، وإنَّما الخلاف نشأ بعد ذلك.
وهذا الذي عليه إجماع الصحابة، وكما قال الإمام أحمد رحمه الله: الإجماع إجماع الصحابة، ومَنْ بعدَهُمْ تَبَع لهم.
وقد ذهب إلى عدم كفر تارك الصلاةِ مِنَ السَّلَفِ جماعة قليلون؛ منهم: محمَّدُ بنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وحماد بن زيد.
ومن بعدهم جمع؛ كابن رشد الحفيد، وابن حبان، والطحاوي، وابن قدامة، وابن عَبْدِ البَرّ، وابن عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام»، وأبي زرعة العِراقي، والسَّخاوِي.
والمشهور عن الأئِمَّةِ: عدَمُ كفرِ مَنْ تَرَكَ شيئًا من أركان الإسلام الخمسة إلا الركن الأول، والركن الثاني، وهو الصلاة.
وذهب بعض العلماء - وهو مروي عن الحَسَنِ، وقال به نافع، والحكم، وابن حبيب من المالكية، وقال به إسحاق بن راهويه، وهو رواية عن الإمام أحمد -: إلى أنَّ مَنْ تَرَكَ شيئًا مِنْ أركان الإسلام، وإنْ كان زكاةً أو صيامًا أو حجا، متعمدا كسلا أو تهاونا أو جحودًا، فإنَّه كافر.
والجمهور على عدم الكفر.
والقول بأنَّ مَنْ تَرَكَ شيئًا مِنْ أركان الإسلام كافر، قول معروف لأئمة من السلف، والتكفيرُ إِنَّما دَلَّ الدليل عليه في الركن الأول والثاني، ولا يعضد الدليل ما عدا ذلك.
وأظهر ما جاء فيه - فيما عدا الركنين الأولين - في الحج؛ كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ۹۷]، وما جاء عن عُمَرَ بن الخطاب له، فيما رواه أبو بكر الإسماعيلي؛ من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن إسماعيل بن عُبَيْدِ اللهِ بن أبي المهاجر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن عُمَرَ؛ قال: «مَنْ أطاقَ الحج فلم يَحُجَّ، فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا»؛ وهو متأول.
ورواه البيهقي، من وجه آخر، عن ابنِ غَنْم، به.
وإسناده صحيح عن عمر بن الخطاب.
وقد حكى غير واحدٍ من الأئمة الإجماع على كفر تارك الصلاة بأي حال كان تَرْكُها إذا كان متعمداً؛ منهم إسحاق بن راهويه، ومحمد بن نَصْرِ المروزي.
وقد ذهب إسحاق بن راهويه: إلى أنَّ مَنْ لم يكفر تارك الصلاة قد وافق قول المرجئة، ومال إلى هذا أبو داود في كتابه «السنن»، حينما ترجم قال: «بابُ رَدّ الإرجاء»، ثم أورَدَ حديث جابر في كفر تارك الصلاة.
وعليه يُعْلَمُ تساهل كثيرٍ من المتأخرين في حكم تارك الصلاة؛ بل قد شنع بعضُهُمْ على مَنْ قال بكفره مع ثبوت النص عن رسول الله ﷺ بذلك.
أقوال الأئمة الأربعة في تارك الصلاة
وأما الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فالنصوص عنهم في هذا متفاوتة:
فأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ رحمه الله - المشهور عنه القول بالتكفير - نص عليه جماهير أصحابه، بل عامَّتُهُمْ، حكاه عنه مِنْ أصحابه: ابن هانئ، والخَلَّالُ، وحَنْبَلُ بن إسحاق، وإسماعيل الشالَنْجِيُّ، والحَسَنُ بنُ عبدِ اللهِ الإسكافي، وأبو بكر المروزي، والمَيْمُونِيُّ، وأبو داود، وأحمد بن الحُسَيْنِ بنِ حَسَّانَ، وابنه عبد الله، وأبو طالب، والإصطخري في رسالة الإمام أحمد؛ كما ذكَرَها بإسنادِهَا ابن أبي يعلى القاضي في كتابه «طبقات الحنابلة».
ولا أعلم عن أحمد نصًا بعدم التكفير إلا ما يَفْهَمُهُ بعضُ الأصحاب من رواية ابنه صالح حينما سأله عن زيادة الإيمان ونقصانه، قال: كيف يزيد وينقص ؟ قال: مثلُ تَرْكِ الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض.
قيل: في هذا دليل على أنَّه يرى أنَّ مَنْ ترَكَ الصلاة، فإيمانُهُ يَنقُصُ لا يزول؛ وفي هذا نظر:
أولا: أَنَّ قولَ الإمام أحمد في نقصان الإيمان بترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها، هو ظاهر مذهبه؛ فإنَّه لا يقول بالكفر فيمن هذه حاله؛ ولهذا قد أخرج في كتابه «المسندِ»؛ من حديث قتادة، عن نصر؛ قال: جاء رجل منا إلى رسول الله، فأراد أَنْ يُبَايِعَهُ على أَلَّا يصلي إلا صلاتين، فبايعه رسولُ اللهِ ﷺ على ذلك.
ومعلوم عند غير واحدٍ من أصحاب الإمام أحمدَ: أَنَّ ما أَخْرَجَهُ في «مسنده» من حديث، ولم يصرح بخلافه، أو كان له في المسألة قولان، فإنَّ هذا الحديث الذي أخرَجَهُ في مسنده» يكون كالنص عنه.
وقد حكى الخلاف في هذه المسألة ابنُ مُفْلِحٍ في كتابه «الآداب الشرعية»، فقال: ما رواه أحمد في «المسند»، ولم يصرح بخلافه، فهل يكون مذهبا له؟ فيه خلاف بين الأصحاب، والظاهر أنه لا يخالفه».
وهذا كذلك عند مالك رحمه الله -في كتابه «الموطأ».
وعليه فإخراج الإمام أحمد لهذا الخبر: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بايع رجلًا على ألا يصلّي إلا صلاتين، دليل على أن بقاءه على هذه الحال لا يصلّي إلا صلاتَيْنِ أهْوَنُ مِن بقائه على كفره الأصلي؛ وعليه يقال: إِنَّ مَنْ تَرَكَ صلاةً واحدةً أو صلاتين في اليوم والليلة حتى يخرج وقتها لا يكفر.
وقد ثبت عن غير واحدٍ مِن السَّلَفِ القول بالكفر في هذه الحال؛ وهذا مروي عن الحسن البصري، ونصَّ عليه إسحاق بن راهويه، وهو رواية عن الإمام أحمد على خلاف الظاهر، وهو رواية عن مالك، ورواية عن الشافعي؛ نَقَلَهُمَا الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء».
وعلى هذا الذي ورَدَ في «المسندِ»، يُحْمَلُ ما جاء في رواية ابنه صالح عن زيادة الإيمان ونقصانِه فيمن ترك الفرائض، ومنها الصلاة.
ثانيًا: أنَّ عامَّةَ أصحاب أحمد ينقُلُونَ عنه القول بكفر تاركها؛ فلا يُصار إلى ظَنِّ، ويُتْرَكُ اليقين.
وأما ما جاء في رواية ابنه عبد الله: أنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَمَّن تَرَكَ شهرا ؟ قال: «يُعِيدُهَا »، فيقال: جوابه من وجهين:
الأول: أنه لا يَلْزَمُ مِن القول بالقضاء القول بعدم الكفر؛ فإسحاق بن راهويه يكفِّرُ بتَرْكِ الصلاة، ويرى عليه القضاء إذا تاب، ومثله عبد الله بن المبارك.
وإن كان قولهما لا يستقيم من جهة الخبر؛ فقد روى محمدُ بنُ نصر في تعظيم قَدْرِ الصلاة؛ من حديث عبد العزيز بن أبي رُزْمَةَ، عن ابن المبارك؛ أنه شَهِدَهُ وسألَهُ رجلٌ عن رجل ترك صلاة أيام، وقال: «فما صنع؟»، قال: نَدِمَ على ما كان منه؟ فقال ابنُ المبارَكِ: «لِيَقْضِ مَا تَرَكَ مِنَ الصلاةِ، ثم أقبل عليَّ، فقال: يا أبا محمد، هذا لا يَسْتَقِيمُ على الحديث».
الثاني: أن هذا حكاية عامَّةٌ، وليس بصريح؛ فالترك قد يكون بجهل الوجوب؛ كالمرأة التي يخرُجُ منها الدَّمُ الفاسد، ولا تستفتي تفريطاً منها، وتظُنُّ أنَّه حَيْضُ، وهو دم فسادٍ، هل يجب عليها أن تعيد تلك الصلاة؟ عليه يحمل قول أحمد، ومن ذلك: مَنْ تَرَكَ الصلاة شهرًا وهو غير واجد للماء، وهو على جَنَابة، ويَظُنُّ أنَّ التيمم لا يرفع الحدث الأكبر، ومن ذلك: مَنْ تَرَكَ الصلاة شهرًا؛ لعدم القدرة على استعمال التراب والماء.
وعلى ذلك؛ فيُحْمَلُ المتشابهُ مِنْ قولِهِ على الصريح مما نقله عنه عامة أصحابه.
وأما الإمام مالك رحمه الله، فلا أحفظ عنه نصا ولا قولا، بكفر تارك الصلاة، أو عدم كفرِهِ، وإنَّما هي حكاياتٌ ونُقُولُ تُنْسَبُ إليه، إلا قَتْلَ تاركها، فقد نص عليه عنه ابن عبد البر في «التمهيد»، وعن ابن القاسم عنه في «البيان والتحصيل».
والمشهور عنه عند أصحابِهِ: أن تارك الصلاة ليس بكافر؛ وهذا الذي ينقله عنه جماعة من أصحابه؛ بل جماهير أصحابه، كما نقله عنه ابن رشد، وابن عبد البر.
ونقل ابن رشد في كتابه «المقدّمات الممهدات»، «حاشية المدونة»، عن مالك: كُفْرَ تارك الصلاة، وقيَّده بالإصرار، وكأنَّه يذهَبُ إلى ما ذهب إليه الإمام أحمد مِنْ أن مَنْ ترَكَ صلاة أو صلاتَيْنِ؛ أنَّه لا يكفرُ؛ بإخراجه لحديثِ نَصْرٍ؛ كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه.
وقد عد الشنقيطي في أضواء البيان الرواية عن مالك بالتكفير ضعيفة.
ونقل الطحاوي عنه - كما في «المختصر » -: أنه يقولُ بِرِدَّةِ مَنْ ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها ما لم يَقْضِهَا.
ونُقُولُ الفقهاء من المالكيَّةِ عنه أصح وأرجح مِن نُقُول غيرهم؛ فهم أعلم الناس بمذهبه.
وأما الشافعي رحمه الله، فلا أَحْفَظُ عنه نصا صريحًا أيضًا بعدم كفر تارك الصلاة، وإن كان أصحابه ينقُلُونَ عنه عدم كفر تارك الصلاة، وقد نص على هذا القول وحكاه عن الإمام الشافعي جماهير أصحابه؛ كالصابوني في «عقيدة السلف»، والنووي في «المجموع»، وجماعة.
ونقل بعضُ الأئمة عن الإمام الشافعي؛ أنَّه يرى كُفْرَ تارك الصلاة، كما حكاه عنه الإمام الطحاوي في «مشكل الآثار»، وكذلك في «مختصر اختلاف العلماء»؛ بل نقل عنه كُفْرَ مَنْ تَرَكَ صلاةً واحدةً حتى يخرج وقتها.
وقد أشار الشافعي إلى عدم التكفير، وفي قوله عموم، وهو ما جاء في كتابه «الأم»؛ قال: «لو أنَّ رجلًا ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، كان قد تعرض شَرًّا إِلا أَنْ يَعْفُو الله».
يعني: تحت المشيئة، ولا يكون تحت المشيئة بالعفو أو العقاب إلا المسلم المُسْرِف.
ومَنْ نَفَى القول بالكفر عنه مطلقًا، ففي قوله نظر، ولعل مراده هنا:
الصلاة الواحدة حتى يخرُجَ وقتُها؛ كما هو ظاهر مذهب أحمد؛ ولذا قال: «لو أنَّ رجلا ترك الصلاة حتى يخرج وقتها»؛ ولعلَّ هذا قول آخَرُ له غير ما ذكره الطحاوي عنه، أو أنَّ ما نقله الطحاوي مقيد بعدم القضاء.
ثم إِنَّ ذِكْرَهُ لخروج الوقتِ دليلٌ على أن مراده الصلاة الواحدة، ولو كان مراده الترك بالكلية، لما كان لذكر خروج الوقت فائدة كبيرة.
وأما أبو حنيفة الله، فالمشهور عنه عدم التكفير، ونقله عنه جماهير أصحابه؛ منهم الإمام الطحاوي في كتابه «المُشْكِل»، وكذلك في كتابه «مختصر اختلاف العلماء»، وإلى هذا ذهب شيوخه؛ كحماد بن أبي سُلَيْمانَ، وغيره.
وقد ذكر السبكي في «طبقات الشافعية» مناظرة بين الإمام أحمد وبين الإمام الشافعي في مسألة كفر تارك الصلاة: أنَّ الشافعي وأحمد تناظرا، فقال الشافعي: يا أحمد، أتقول: إنه يكفر؟ قال: نعم.
قال: إذا كان كافرًا فَبِمَ يُسْلِمُ؟
قال: يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه؟
قال: يُسْلِمُ بأن يصلي.
قال: صلاة الكافر لا تصح، ولا يُحْكَمُ بالإسلام بها؟
فسكت الإمام أحمد.
وهذه حكاية منكَرَةٌ، وليس لها إسناد، وقد أورَدَهَا السُّبْكي في كتابه «طبقات الشافعية» بصيغة التمريض، وهذه المناظرة فيها من ضعف الاستدلال، وضعف الحجة ما لا يليق بهذين الإمامين.
وترك الصلاة ليس من خصال أهل الإيمان بحال؛ ولهذا قد ذكر العراقي في أوائل كتابه «طرح التثريب»: عن بعض علماء المغرب، فيما حكاه له صاحبه الشيخ الإمام أبو الطيب المغربي؛ أنه تكلم يوما في ترك الصلاة عمدًا، ثم قال: وهذه المسألة ممَّا فَرَضَها العلماء، ولم تقع؛ لأن أحدًا مِنَ المسلمين لا يتعمَّد ترك الصلاة، وكان ذلك العالم غير مخالط للناس، ونشأ عند أبيه مشتغلا بالعلمِ مِن صِغَرِهِ، حتى كَبِرَ، ودرس، فقال ذلك في دَرْسِهِ.
وعلى كل: فهذا القول وغيره يدلُّ على أنَّ تَرْكَ الصلاة ليس من خصال أهل الإسلام بحال، ويكفي التشديد في النصوص عن النبي ﷺ، وحكايات التكفير عن الأئمة من السلف والخلف، وهي كثيرة أشهر من أنْ تُذْكَرَ، وقد تقدمت جملة منها.
حكم القضاءِ لِمَنْ تَرَكَ الصلاة عامدًا
ومَنْ تَرَكَ صلاةً عامدًا حتى يخرج وقتها من غير عذر، فجمهور العلماء على أنه يجب عليه قضاؤُهَا؛ كَمَنْ أفطر من رمضانَ عامدًا يقضي.
والصحيح: أنه لا يجب عليه القضاء في الحالين، ولا يُشْرَعُ له؛ بل يُكْثِرُ من النوافل ويتوب؛ لأنه لا دليل على القضاء، والترك جُرم عظيم أعظمُ مِنْ أَن يُقْضَى.
ثم إنَّ القضاء عملٌ مستقل يفتقر إلى دليل، ولا دليل في هذه المسألة؛ فالصلاة إما أداء أو قضاء أو إعادة أو تكرار؛ فلا يُعْمَلُ شيء من ذلك إلا بدليل من الوحي، ولا أعلم أحدًا من الصحابة قال بالقضاء لِمَنْ تَرَكَهَا متعمدًا، فَضْلًا عن وجود شيء مرفوع في ذلك.
حكم القضاء لِمَنْ تَرَكَ الصلاة عامدًا
قال ابن رجب: ولا يُعرَفُ عن أحدٍ من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء؛ بل ولم أجد صريحًا عن التابعين - أيضًا - فيه شيئًا، إلا عن النَّخَعي.
وأعلى شيءٍ صحيح صريح في هذه المسألة أعلمه عن السلف: هو ما ثبت عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ كما رواه المَرْوَزِي، من طريق النضر، عن الأشعث، عن الحَسَنِ؛ قال: إذا ترَكَ الرجل صلاة واحدة متعمدا، فإنه لا يقضيها.
قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه كان يكفِّرُهُ بترك الصلاة متعمدا؛ فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأن الكافر لا يُؤْمَرُ بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره.
والمعنى الثاني: أنه إن لم يكن يكفِّرُهُ بِتَرْكِها، فَإِنَّه ذَهَبَ إلى أنَّ الله و إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها، فقد لَزِمَتْهُ المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك، فقد أتى به في وقت لم يُؤْمَرُ بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به، عن المأمور به.
قال: وهذا قول غير مستَنْكَرٍ في النظر، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه.
وقد نصر هذا القول ابن حزم، وابن بنت الشافعي، وأبو عبد الرحمن صاحب الشافعي، وهو قول الحُمَيْدِي، قال ذلك في عقيدته، وفي آخر كتابه «المسند، وأشار إلى هذا بعض الأئمة؛ كالبربهاري، وابن بطة، والجوزجاني.
وجزم به ابن تيمية، وعده ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة من مفرداته وغرائبه؛ يعني: أنه خالف المُفْتَى به في عَصْرِهِ، فابن رجب نفسه رجح هذا القول في كتابه «الفتح».
ثم إنه لا يَلْزَمُ مَنْ قال بالقضاء القول بعدم كفر تارك الصلاة؛ فإسحاق ينص على كفر تارك الصلاة، ويرى عليه القضاء إن تاب.
وما ذكره عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق» مِن إجماع سائر الأمة على كفرِ مَنْ قال بعدم وجوب قضاء الصلاة المتروكة عمدًا، فهو - مع جلالته - إلا أنه أبعد النجعة، وحمل سائر الأمة ما لم يُحَمِّله واحد منهم على مر العصور.
وقد حمله على ذلك شِدَّة نكيره على النظام المعتزلي.
وكلُّ من يستدل على وجوب القضاء على العامد غير المعذور يستدِلُّ بأدلة عامة في وجوب قضاء الفائتة، وسببُ ورودها العذر؛ كالنسيان والعجز والنوم وغير ذلك، وقد فرق الشارع بين المتعمد والناسي في أحوال كثيرة، وقياس المتعمد على الناسي غير مسلم، والأصل أن القضاء لا يجب بأمر الأداء، وإنما يجب بأمر جديد، وإذا جاء أمر الأداء مفصَّلاً، وجَبَ أن يكون أمر القضاء كذلك، وحق الله يختلف عن حق الآدميين فيمن ترك الحقَّ عمدًا أو نسيانا، ويجب قضاء الحقوق للآدميين بكل حال؛ لأنَّ في عَدَم قضاءِ حَقِّ الآدَمِيِّينَ تفويت حق ثابتٍ، وَمَجْلَبَةً للخصومة، وفي مشابهة العامد للناسي في العبادات تقليل من حق عبادة عظيمة، والناسي بقضائه يستدرك حظا وأجرًا فاته خصه الشارع به، والعامد لا يشابه الناسي في هذه العلة، والواجب عليه التوبة لا القضاء، والقضاء لا يكفر ذنبه.
فنقول:
النصوص في الشريعة جاءت مقيَّدةً بالمعذور، والتعميم أيسر للأفهام عند إرادته؛ فلما تنكبه الشارع، دل على عدم إرادته.
والصلاة التي نبين صفتها هي الفرائض الخمس التي فَرَضَها الله على عباده في كتابه وعلى لسان رسوله، والبيان لها من الابتداء إلى الانتهاء، وما اتصل بالفرائض من ذكر وسنن راتبة.
آداب المشي إلى الصلاة
إنَّ الصلاة يُشْرَعُ الإتيان إليها في المساجد، ولأجل ذلك بنيت، وقد فرَضَ الله الإتيان إليها جماعة؛ كما قال سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقد جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ نصوص عِدَّة.
ولم يثبت عن رسول الله ﷺ في الإتيان إلى الصلاة دعاء معلوم، وأما ما رواه مسلم في صحيحه؛ من حديث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس به، في قِصَّةِ بَيْتُوتَتِهِ عند خالته ميمونة؛ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى الصلاة، ثم قال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا»، فهذا الحديث غلَط ووهم، وقد أورده الإمام مسلم في صحيحه مُعِلا له بعد رواية حديث كُرَيْبِ مولى عبدِ اللهِ بنِ عباس، عن عبد الله بن عباس؛ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك في صلاته؛ فهذا الدعاء في السجود، وفي الليل، وليس في الذَّهَابِ إلى المسجد؛ كما مال إلى هذا الإمام البخاري حينما ترجم على هذا الحديث؛ قال: «باب الدعاء إذا انتبه من الليل»، وترجم على هذا الإمامُ النَّسَائِيُّ رحمه الله في سننه؛ قال: «باب الدعاء في السجود».
والصواب: أنَّ هذا الدعاء إنَّما هو في السجود، وليس في الذَّهَابِ إلى المسجد، وقد وَهِمَ فيه محمَّد بن علي في روايته عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، وإيراد الإمام مسلم له بعد أنْ أورَدَهُ مِن حديثِ كُرَيْبٍ مولى عبد الله بن عباس، إعلال له، لا احتجاج به.
ويُشرَعُ أن يخرج الإنسان متوضّئًا لكل صلاة، وإن صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد، فلا حرج عليه.
ويُشرَعُ له أن يأتي إلى الصلاة بسكينة ووقار، فيُشرع للماشي إلى الصلاة من السكينة والوقار كما يُشرَعُ في الصلاة؛ ففي صحيحمسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعا: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمَدُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ»؛ فأشار بذلك إلى أنه ينبغي أن يتأدب بآداب الصلاة؛ من ترك العَجَلَةِ، والخشوع والوقار وسكون الأعضاء، ومن هذا أمره عليه الصلاة والسلامُ مَنْ خَرَجَ إلى المسجد ألا يشبك بين أصابعه، وعلل ذلك بكونه في صلاة.
يقول الشافعي - كما نقله عنه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» -: «أُحِبُّ له في العمد لها مِنَ الوقار مثل ما أُحِبُّ له فيها».
وحديث أبي ثُمَامَةَ الحَنَّاطِ، عن كَعْب بن عجرة في النهي عن التشبيك بين الأصابع في الطريق إلى الصلاة، لا يصح؛ رواه أحمد، وأبو داود والترمذي، وغيرهم؛ قال: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَا يُشَبِّكُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ».
والحَنَّاطُ لا يُعْرَفُ، وخبره منكر عن كعب بن عُجْرَةَ، قال الدارقطني: «لا يُعْرَفُ، يُتْرَكُ».
ورواه الطحاوي بإسناد أمثل، ولا يصح أيضًا.
قال الطحاوي: «لا نعلم في هذا الباب عن كعب أحسَنَ مِن هذا الحديث».
وورد النهي في تشبيك الأصابع في المسجد من حديث مولى لأبي سعيد الخُدْرِي، ولا يصح.
وثَبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ شَبَّك بين أصابعه في «الصحيح من حديث أبي هريرة له في قصة ذي اليَدَيْنِ بلفظ: «ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ»، وفيه مِن حديث أبي موسى له: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، وشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» مِن حديث ابن عمر؛ قال: شَبَّكَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَابِعَهُ.
وذهب البخاري إلى جواز ذلك، وألمح إلى ضعف ما جاء في النهي؛ حيث ترجم في «صحيحه»، فقال: «باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره».
وساق ما يَدُلُّ على الجواز، وإذا جاز في المسجد، فهو في غيره أجوز.
ويمشي ولا يَسْعَى؛ لقوله ﷺ كما في الصحيحَيْنِ»: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ».
وهذا أمر عام لكل آت إلى كل صلاة ولو كان الإمام في الصلاة، وقد أنكر النبي ﷺ على مَنِ اسْتَعْجَلَ إلى الصلاة حينما كان الرسول يصلي بالناس، فَسَمِعَهُمْ مِن ورائِهِ؛ ففي البخاري، عن أبي قتادة، قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ، إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رجالٍ، فلما صلَّى، قال: «مَا شَأْنُكُمْ؟»، قالوا: استَعْجَلْنَا إلى الصلاة، قال: «فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَامْشُوا، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ؛ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا حرج أن يسعى يسيرًا إِنْ خَشِيَ فوات ركعة، أو تسليم الإمام؛ لثبوت هذا عن بعض الصحابة؛ كعبد الله بن عُمر؛ كما رواه مالك في الموطأ »، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه سَمِعَ الإقامة وهو بالبقيع، فأسرع المَشْيَ إلى الصلاة.
وروى ابن أبي شَيْبَةَ في «مصنفه»، عن عمارة بن عُمَيْر، عن ابن مسعود: «أَحَقُّ ما سَعَيْنا إليه الصلاة».
قال الإمام أحمد: ولا بأس إذا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ التكبيرة الأولى أنْ يُسْرِعَ شيئًا ما لم يكن عَجَلَةً تقبح».
وروي عن غير واحدٍ من الصحابة كراهة الإسراع حتى لو خَشِيَ فوات الركعة؛ ثبت هذا عن أنس، وثابت بن زيد، وأبي ذرّ.
روى عبد الرزاق، وابن أبي شَيْبَةَ، وابنُ المُنذِرِ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي ذر؛ قال: «إذا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيَمْشِ إِلَيْهَا أَحَدُكُمْ كَمَا كَانَ يَمْشِي قَبْلَ ذَلِكَ».
وعند ابن أبي شَيْبَةَ، عن ثابت، عن أنس، قال: «خَرَجْتُ معَ زيد بن ثابت إلى المَسْجِدِ، فَأَسْرَعْتُ المَشْيَ، فَحَبَسَنِي».
وعند عبد الرزَّاقِ، وابن المنذر؛ من حديث ثابت؛ قال: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ أَهَابُهُ أَنْ أَرْفَعَ يَدَهُ عَنِّي، وَجَعَلَ يُقارِبُ بينَ الخُطَا، فانتَهَيْنَا إِلى المَسْجِدِ، وقد سُبِقْنَا بِرَكْعَةٍ، وقد صَلَّيْنَا مَعَ الإمامِ وقَضَيْنَا ما كان فاتنا، فقال لي أنس بن مالك:
«يا ثابت، اعمل بالذي صَنَعْتُ بك، قلتُ: نَعَمْ، قال: صَنْعَهُ بِي أَخِي زيد بن ثابت».
وهي صحيحة كالشمس عنهم.
وروي خبر زيد في مقاربة الخطا مرفوعاً، ولا يصح، رجح وقفه أبو حاتم وغيره.
وقد روى الأثرم،، عن عبد الله بن رَوَاحَةً؛ أنه كان يبكر إلى الجُمُعَةِ، ويَخْلَعُ نَعْلَيْهِ، ويَمْشِي حافيا يَخْتَصِرُ في مَشْيِهِ.
وما جاء عن زيد أمثل شيء في مقاربة الخطا وأصح.
والاحتفاء لا دليل يصح على مشروعيته، والانتعال أفضل؛ لعموم الأدلة؛ منها ما جاء في الصحيح: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ النَّعَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ»، وإن مشي حافيا، فالأصل الجواز، وقد سُئِل عن ذلك ابن عباس ؟ فقال: لا بأس.
وكلما بعد الإنسان عن المسجد، فهو أعظم أجراء لكثرة خطاه؛ لِمَا روی مسلم من حديث جابر، قال الرسول ﷺ لبني سَلِمَةً لما أرادوا أن يقربوا منازلهم مِن المسجدِ: يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبُ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».
وإن احتسب الإنسان مقاربة الخطا من غير فوات شيء من الصلاة، فإِنَّه يُؤْجَرُ على ذلك بإذن الله؛ ففضل الله واسع.
الدعاء والذِّكْرُ عند الخروج للصلاة
ولم يثبت عن رسول الله ﷺ خبر في خروج الإنسان من منزله إلى المسجد أو غيره بدعاء معين، وما جاء في هذا عند أبي داود وغيره من حديث أمِّ سَلَمَة؛ أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلَّ أَوْ أَزَلَّ....» إلى آخِرِ الخبر، فإنَّه لا يثبت؛ ففي إسناده الشَّعْبِي، عن أمِّ سَلَمَة؛ ولم يسمع منها؛ فيكون السند منقطعًا، ومن شرائط الصحة الاتصال.
وقد نص على الانقطاع علي بن المديني، وإن كان قد قال الحاكم في «مستَدْرَكِهِ» عن هذا الخبر: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وربَّما توهم متوهم أَنَّ الشَّعْبِيَّ لم يَسْمَعْ مِن أم سلمة، وليس كذلك؛ فإنَّه دَخَلَ على عائشة وأمِّ سَلَمَةَ، جميعًا، ثم أكثر الرواية عنهما جميعا.
فإن هذا قد خالَفَهُ الحاكم نَفْسُهُ في كتابه «علوم الحديث»؛ وهذا الدعاء والذِّكْرُ عند الخروج للصلاة الكتاب ألفه الحاكم في قوَّته قبل أن يَشِيخَ وتُصِيبَهُ الغَفْلَة؛ قال: «الشَّعْبِيُّ لم يسمع من عائشة».
وما في كتابه «علوم الحديث» أَدَقُّ ممَّا قاله في كتابه «المستَدْرَك».
ورواه ابن عدي، عن مُجَالِدٍ، عن الشَّعْبِي، عن الحارث، عن علي؛ قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من بيته، قال: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلَّ أَوْ أَضِلَّ أَوْ أَظْلِمَ...»، الخبَرَ. ولا يصح.
وأما ما جاء في حديث أنس بن مالك له، فيما رواه الترمذي، والنسائي، وغيرهما؛ مِنْ َحديثِ حَجَّاج، عن ابن جريج، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أنَّ النبيَّ ﷺ إذا خرَجَ مِنْ بيتِهِ، قال: «بِاسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ».
فإنه حديث غريب منكر، تفرد به ابنُ جُرَيْجٍ، عن إسحاق، عن أنس، ولم يسمعهُ ابنُ جُرَيْجٍ مِن إسحاق؛ كما نص على ذلك البخاري؛ فقد سأله الترمذي كما في العلل، فقال: حدثوني عن يحيى بن سعيد، عن ابن جُرَيْجٍ بهذا الحديث، ولا أعرِفُ لابن جُرَيْجٍ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة غير هذا الحديث، ولا أعرف له سماعًا منه».
وكذلك نص عليه الدارقطني؛ كما في كتابه «العلل»؛ قال: «الصحيحُ: أَنَّ ابنَ جُرَيْجٍ لم يسمعه من إسحاق».
وأما قول الترمذي في سننه»: «هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه:
فقد يقال: إنه اغتفر الانقطاع؛ لكون الحديث في الفضائل.
وروى الحديث الحاكم، عن عطاء بن يسار، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة الله؛ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقول إذا خرج من بيتِهِ: «بِاسْمِ اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، التَّكْلَانُ عَلَى اللهِ».
والصحيح: أنَّ الحديث من قول كَعْبِ الأحبار؛ كما رواه ابن أبي شَيْبَةَ في مصنفه» بسند صحيح عنه.
النَّيَّة في الصلاة
وينبغي أن يستحضر المسلم النية في كل حين، وفي كل عمل، حتى مما هو من العادات؛ حتى يعظم له الأجرُ؛ ولهذا يقول غير واحد من العلماء: «النية تجارةُ العُلَماء؛ أي: يَكْسِبُونَ بعمل قليل أجورا كثيرة؛ لعلمهم بعظم النية، فكانت النيَّة عندهم مكاسب، فربما كان العالم في عمل من الأعمال، فيستحضر عددًا من النيَّات، فيكتب الله له أجورًا عدة، مع أن عمله واحد، فإذا استحضر الإنسان مقاربة الخطا، واستحضر المرابطة في المسجد، واستحضر التبكير إلى الصلاة، واستحضر مشروعية السكينة والوقار، وغير ذلك، فإنَّه يُؤْجَرُ على ذلك كله أعظم من غيره ممن جاء بنية واحدة، فهما في العمل الظاهر سواء، وبالنيات يتفاضلون.
الوقت الذي يجب فيه الحضور للصلاة
ويجب على الإنسان الحضور إلى الصلاة عند سماع الإقامة، وأما قبل ذلك، فيستَحَبُّ له، ولا يجب عليه، وإن بكر فهو الأفضل بالاتفاق.
وإن تكاسل بعد الإقامةِ يَأْثَم بقدر تأخره؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ».
وأما إذا كان الإنسان بعيدًا؛ وإذا سَمِعَ الإقامة، لا يتمكَّنُ مِن أداء الصلاة -: فهذا يجب عليه التبكير بما يُدْرِكُ به الجماعة.
تفاضل المساجد، وفَضْلُ المَسْجِدِ القديم
ولا فرق في المساجد بعضها عن بعض إلا المساجد الثلاثة؛ لثبوت النص، والأولى للإنسان أنْ يصلّي فيما هو قريب منه؛ لتحقق المصلحة من معرفة من له حق عليه من جارٍ وقريب، وهذا الذي عليه السلف؛ كما عند ابن أبي شَيْبَة، عن منصور، عن الحسن؛ أنه سُئِلَ عن الرجل يَدَعُ مسجد قومه، ويأتي غَيْرَهُ؟ فقال الحسَنُ: كانوا يحبُّونَ أَن يُكثر الرجل قومه بنفسه.
وقد جاء عن بعض السَّلَفِ استحباب الصلاة في المسجد القديم على المسجد الحديث؛ وهذا ثابت عن أنس بن مالك؛ كما رواه أبو نعيم الفضل بن دُكَيْن في كتابه «الصلاة»؛ من حديث ابن سيرين، قال: «كنتُ أقبل مع أنس بن مالك من الزاوية، فإذا مَرَّ بمسجد، قال: أَمُحْدَتْ هذا؟
فإن قلتُ: نَعَمْ، مضى، وإن قلت: عتيق، صلَّى».
وروى ابن أبي شَيْبَةَ، عن مَعْمَرٍ، عن عوف قال: أخبرني رجل من أهل البادية، قال: قَدِمَ علينا مصدِّقٌ مِن المدينة ليالي معاوية، فبينما هو على ماء لنا ذات يوم، قال: وحضَرَتِ الصلاةُ وعلى الماءِ مَسْجِدانِ من مساجد أهل البادية، قال: أيُّهما بُنِيَ أولا ؟ فقيل: هذا، فقصد نحوه.
وعضده بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ۱۰۸]، قالوا: فيه مشروعية الصلاة في المسجد القديم.
ولعل مراد أنس بن مالك هو دفع الإكثار من بناء المساجد من غير حاجة، مما يفرق المسلمين، ويَحُثُ على القطيعة، ويكون بابًا لِمَنْ أراد التشويش على أهل الحي، والتفريق بينهم، فمَنْ لا يُحِبُّ فلانًا وَيُبْغِضُهُ، فيصلي في غير مسجده الذي يصلي فيه. ومعلوم أن في اجتماع الناس في موضع واحد - من التعارف والتألفِ، ودفع البغضاء، والمعرفة بحال بعض عند نزول الحاجةِ أو المَرَضِ أو المصيبة أو الصائل وغيره - ما هو من أعظم المقاصد الشرعية، والسُّنَنِ الفطرية.
وبعض العلماء لم يفرّق؛ فقد قال الآمدي: لا فرق بين المسجد القديم والحديث.
الدعاء لدخول المسجد
والسُّنَّةُ للإنسان إذا أتى المَسْجِدَ: أن يقول الدعاء المشروع عن رسول الله ﷺ عند دخول المسجد؛ كما رواه الإمام مسلم من حديث سُلَيْمَانَ بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي أسيد أو أبي حُمَيْد؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ».
وأما الصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام عند دخول المسجد قبل هذا الدعاء، فقد جاءت عند أبي داود من أوجه معلولة من حديث الدَّرَاوَرْدِي عن ربيعة، وقد تفرد به عنده الدراوردي، وليس بمحفوظ.
وروى أحمد، والترمذي، وغيرهما، من حديث عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين الصغرى، عن فاطمة الكبرى، قالت: «كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دخل المسجد، صلى على محمد وسلم، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ». وفيه انقطاع.
قال الترمذي: حديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تُدرِكْ فاطمة الكبرى، إنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أشهرا.
إِذَنْ: فلا يثبت السلام والصلاة على النبي ﷺ عند دخول المسجد.
تقديم الرجل اليمنى للدخول، واليُسْرَى للخروج - والأولى له أن يقدِّمَ رِجْلَهُ اليمنى، وأَمْثَلُ شيءٍ جاء في هذا الباب - بل هو الوحيد في بابه - فيما أعلَمُ صريحًا ـ عن رسول الله ﷺ -: ما رواه الحاكم في مستدركه»، وعنه البيهقي في «السنن»، من حديث أبي الوليد الطيالسي عن شَدَّاد بن سعيد، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك؛ قال: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ المَسْجِدَ: أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ اليُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ: أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى».
وهذا الحديث قد تفرد به شداد بن سعيد، ومع أنَّه ثِقَةٌ فَلا يَظْهَرُ أَنَّ تفرُّدَهُ يُحتمل؛ ولذا قال البيهقي بعد إخراجه لحديثه: «تفرد به شداد بن سعيد؛ وليس بالقوي».
والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ هذا الحديث منكر، وتفرد شداد بن سعيد فيه إعلال لا يُقبَلُ به، وهذا هو الحديث الفَرْدُ المرفوع عن رسول الله ﷺ بالتيامن عند دخول المسجد.
لكن قد حُكِيَ أنَّ العمل عليه؛ قال البخاري في صحيحه: «باب التيمن في دخول المسجد وغيره، وكان ابنُ عُمَرَ يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج، بدأ برجله اليسرى».
ولم أقف على إسناد ما جاء عن عبد اللهِ بْنِ عُمَرَ، وقد جَزَمَ البخاري به مشيرًا إلى صحته.
تقديم الرِّجْلِ اليمنى للدخول، واليُسْرَى للخروج.
وهذه الترجمة من البخاري تدلُّ على أنه يميل إلى الاستحباب، وأورد حديث عائشة رضي الله عنها: «ان يُعْجِبُهُ التيمن».
وثمة قاعدة؛ وهي: أنَّ ما اشتَرَكَتْ فيه اليدان أو الرجلان، وكان من باب الكرامة، قُدِّمَتْ فيه اليمنى، وإن كان خلاف ذلك، قُدِّمَتْ فيه اليسرى.
وقد يُقال: إنَّ هذا في شأن الإنسان وعادته، لا في العبادات، أما العبادات، فلا بُدَّ فيها من دليل، لكنْ لَمَّا ثَبَتَ عن عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ تخصيص ذلك، فلعله فقد وجد لذلك دليلاً.
أما الاستدلال بحديث عائشة، فالذي يظهر لي - والله أعلم - أنَّ الاستدلال به بعيد؛ فإنَّه يَلْزَمُ مِن هذا أن نقول بمشروعية التيامن في كثير من الأعمال في العبادات التي لم يَرِدْ فيها دليل، لكن قد يستأنس به مع الاعتضاد بأثر ابن عمر.
أما في العادات كالأخذ والعطاء، والدخول للدور وغير ذلك مما هو من عادات الناس، فلا حرج على الإنسان أن يتيامَنَ في ذلك؛ بل هو السُّنَّة، وإن لم يرد فيه دليلٌ؛ ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: «وفي شأنه كله».
وعند الدخول يحتاج الداخل لخَلْعِ الحِذَاء، فيقدم في الخلع اليسرى.
وإن كان الداخل أراد خلع نعله على باب المسجد، وألا يخطو بعدها إلا في المسجد، بحيثُ يخلَعُ النعل ويُدْخِلُ قَدَمَهُ فيه، فالأَوْلى أَنْ يَخْلعَ اليسرى، ويضعها على النعل أو بجوارها، ثم يخلع اليمني، ويَضَعَها مثلها، ثم يدخل المسجد باليمنى، ثم اليسرى، ليكون مؤخرًا لليمنى في الخلع، مقدما لها في الدخول.
تحية المسجد وأحكامها
وإن كان وجَدَ المؤذِّنَ قد أقام للصلاة، فيدخل معهم، وإلا فيصلي تحية المسجد، وهي سُنَّةٌ حُكِيَ الإجماع عليها، وحكى القاضي عياض عن داود وأصحابه: وجوبها، والأئمة الأربعة ذهبوا إلى الاستحباب.
وإذا دخل الإنسان في المسجد أكثر من مرة في وقت متقارب، فإنه يكفيه أن يؤديها مرةً واحدة.
وذهب بعض الفقهاء من الحنفية إلى أنها تؤدى في اليوم مرة، ويكفيه أن يقول: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر؛ وهذا يفتقر إلى دليل.
ولا يقطع مشروعية أداء هذه الصلاة الجلوس؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ سُلَيْكًا الغطفاني أن يَرْكَعَ ركعتين بعد جلوسه، وقد ترجم عليه ابنُ حِبَّانَ في صحيحه: «أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس».
وقول بعض العلماء - كالمُحِبِّ الطبري -: «إِنَّ وقتَهُما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز»، أو: «إِنَّ وقتَهُما قبلَهُ أداء، وبعده قضاء»، أو إنَّ مشروعيتهما بعد الجلوس إذا لم يطل الفصل»، فهذا قول فيه نظر.
ولا حرج على الإنسان أن يجلس لحاجة؛ كأن يتناول شيئًا، أو يشرب ماء، أو يتحدَّث يسيرًا، أو يستريح من تَعَبٍ، ونحو ذلك، ثم يصلي، وإن لم يكن مضطرا؛ لأنَّ المقصود من قوله: «فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»: الحرص على عمارة المساجد بالصلاة؛ لكيلا يرتادها الناس لغير صلاة؛ فإنَّما بُنِيَتْ للعبادة، وما عدا العبادة مما هو من حاجة الناس تبع لها؛ كالجلوس والحديث، والأكل والنوم؛ فلا بأس به عند الحاجة، والأصل فيها التعبد مما جاء عن رسول الله ﷺ؛ من صلاة، واعتكاف، وذكر، وقراءة قرآن، وانتظار الصلاة، وغير ذلك مما دَلَّ عليه الدليل.
وتسمية هاتين الركعتين بـ «تحيَّةِ المسجد»، لم يأتِ من وجه يثبت في السُّنَّةِ، وهو اصطلاح متأخّرٌ، ولعلَّه أُخِذَ مِن قوله: «تَحِيَّةُ البَيْتِ الطَّوَافُ»؛ يعني: فتحيَّةُ غيرِهِ الصلاة، وهو خبر يرفعه بعض الناس للنبي، ولا أصل له.
وهي ليست صلاة مستقلة بأحكامها؛ كالوتر، وركعتي الفجر، وصلاة الضحا؛ بل هي من جملة النوافل المُطْلَقَة، ويجزئ عنها صلاة فريضة، أو صلاة الضُّحَا - لِمَنْ دَخَلَ المَسجِدَ ضُحًا ـ أو سُنَّةٌ راتبة باتفاق السلف.
وفي هذا خلاف عند الفقهاء المتأخرين، وسبب الإشكال عندهم هو غَلَبَةُ هذا الاسم: تحيَّةِ المسجد، حتى ظن بعضُهم: أنها شريعة مستقلة لها أحكامها، وحتى قال بعض الفقهاء بعدم مشروعية إدخال نيتها مع نية غيرها في عمل واحد.
والصحيح: أنها ليست مقصودةً لذاتها كالسنن الرواتب والوتر؛ بل المقصود منها عمارة المسجد بصلاة، وَلمَّا غاب هذا عن كثير من الفقهاء، جعلوا لها أحكامًا خاصة وفصولا وأبوابا في أحكامها، وهي - لِمَنْ تأمل - كالصلاةِ التي يُشرَعُ للقادم من السفر أن يبتدئ بها في المسجد.
وكان الفقيه محمد شمس الدين الحموي الشافعي ينكر أن يقال: تحية المسجد، ويقول: «قولوا: تحيَّةُ رَبِّ المسجد».
وهذا ليس بشيء؛ فما زال هذا هو المنقول الجاري على السنة العلماء قديمًا وحديثًا، لكن لا ينبغي أن يفرّعَ بسبب التسمية أحكام لم ترد في النص.
وعلى هذا: فمَنْ دخَلَ المسجد ليصلِّيَ الوِتْرَ ركعة، أجزأه عن تحية المسجد؛ كما أنَّ مَنْ صَلَّى أربعًا - كفريضة الظهر والعصر - تجزئ عنه، فكذلك الواحدة، فالزيادة والنقصان في العبادة سواء في عَدَمِ مُوافقة الدليل، ولكنه لما كانت تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها، دخَلَتْ في غيرها؛ كالطواف؛ فتحيَّةُ البيت، تدخُلُ في طواف العمرة بالاتفاق.
وأما مشروعيتها ركعتين، فهو حمل على الأغلب؛ لا يعني أنه لا تدخل فيما هو أكثر أو أقل؛ لحديثِ ابْنِ عُمَرَ مرفوعًا: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»، وفي رواية غير محفوظة: «اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ».
وتكره تحية المسجد في حالين:
أحدهما: إذا دَخَلَ والإمامُ في المكتوبة، وحكى ابن رجب الاتفاق على التحريم، إلا في الفجر.
والثاني: إذا دَخَلَ المسجد الحرام، فلا يشتغل بها عن الطواف، فتحية البيت الطواف.
وفي أوقات النهي خلاف عريض.
وإذا أقيمت الصلاة وهو قائمٌ لم يصل ركعتين، فذهَبَ أحمد إلى استحباب الجلوس، ثم القيام، وإن لم يكن صلى تحية المسجد، قال ابن منصور: «رأيت أبا عبد الله أحمد يخرج عند المغرب، فحين انتهى إلى موضع الصف أخَذَ المؤذِّنُ في الإقامة، فجلس».
ولا أعلم مستندًا لهذا العمل يثبت، وقد روى الخَلَّالُ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أنَّ النبيَّ ﷺ جاء وبلال في الإقامة، فقعد». وهو مرسل.
ورواه أبو حفص العُكْبَرِيُّ بلفظ: «دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ وبلال يؤذن، فجلس».
وعلل ابن تيمية ذلك كما في شرح العُمْدَة بأنَّ القيام قبل الشروع في الإقامة غير مشروع، وتحيَّةُ المسجد قد سقطت بالإقامة، فإنَّه إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت، والقيام عند سماع الإقامة يَظْهَرُ فيه الامتثال.
وسبب ذلك: أنَّ بلالًا كان يقيم على سطح المسجد، وذَهَابُهُ ومجيئه يأخذ وقتًا، فيحتاج أحيانًا للجلوس.
وقت القيام عندَ سَمَاعِ الإقامة
ويُشرع له القيام للصلاة إذا أقام المؤذِّنُ بوقت يكفي لتسوية الصفوف، وإدراك التكبيرة، ولا يُوجَد حد معين ورَدَ بنص صريح يجب فيه القيام عند سماع لفظ معين من الإقامة، وقد قال مالك في «الموطأ»: «لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس؛ فإن منهم الثقيل والخفيف».
وقد اختلف العلماء في الوقت الذي يقوم فيه المصلي للصلاة، عند أي لفظ من الإقامة؛ على عدة أقوال:
ذهب الشافعي وداود - وذهَبَ إلى هذا ابن المسيب، وسالم مولى عبد الله بن عمر، وابن شهاب الزُّهْرِيُّ، وَعِرَاكُ بن مالك، وأبو قِلَابَةَ وعُمَرُ بنُ عبد العزيز -: إلى أنَّه عند أوَّلِ الإقامة عند قول: «الله أكبر»، وحكاه ابن شهاب الزهري عمن سبقه، قال: «إِنَّ الناس كانوا ساعة يقول المؤذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ»، يقومون إلى الصلاة. رواه عبد الرزاق.
وروى سعيد، وابنُ عبدِ البَرِّ، عن كُلْثُومِ بْنِ زِيَادٍ المُحَارِبِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيب، قال: إذا قال المؤذِّنُ: «الله أكبَرُ»، وجَبَ القيام.
وروى الأَثْرَمُ، وابنُ عبدِ البَرِّ، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر؛ قال: سمعتُ عُمَرَ بنَ عبد العزيز يقولُ: «إِذا سَمِعْتَ النداء بالإقامة، فكُنْ أَوَّلَ مَنْ أجاب، قال: ورأيتُ عُمَرَ بن عبد العزيز، وسالم بن عبد الله، وأبا قِلَابَةَ، وعِرَاكَ بنَ مالكِ الغِفَارِيَّ، ومحمَّد بن كعب القرظي، والزُّهْرِيَّ يقومون إلى الصلاة في أول بَدْءٍ مِن الإقامة».
وذهب الإمام أحمد في قول، وهو قول أنس بن مالك، والحسن البصري، وابن سيرين: إلى أنَّهم يقومون عند قول المؤذن: «قد قامت الصلاة».
ولا دليل في هذا عن رسول الله ﷺ مرفوع لكلا القولين.
روى عثمان بن أبي شَيْبَةَ، وابنُ عبدِ البَرِّ، عن ابن المُبَارَك، عن أبي يعلى؛ قال: رأيتُ أنس بن مالك إذا قيل: «قد قامت الصلاة»، قام فَوَثَبَ.
وجاء في «المصنف لابن أبي شَيْبَةَ، وكذلك عند ابن عبد البر؛ من حديث هشام، عن الحسن، وابنِ سِيرِينَ؛ أَنَّهما كانا يَكْرَهَانِ القِيامَ إلا عند قول المؤذن: «قد قامت الصلاة».
وذهب أبو حَنِيفَةَ، والكوفيُّونَ: إلى أنه يقوم عند قول المؤذن: «حَيَّ على الفلاح».
وعلى كل: فإنَّه لا دليل في هذا.
وكما قال الإمام مالك: إنَّه لا يَعْلَمُ حَدًّا محدودًا يُقام عنده، إلا أنه يختلفُ الناسُ؛ فمنهم الثقيل، ومنهم الخفيف، وعلى هذا يعلق الأمر بثقل الإنسان، وبإدراكه التكبيرة؛ وهذا هو الأولى أن يعلق الأمر به أن يقوم الإنسان بما يستطيع معه تسوية الصف، والإتيان بالسُّنَّةِ مِنْ سِوَاكِ ومتابعة للإمام بالتكبير.
وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد:
فذهب الجمهور: إلى أنهم لا يقومون حتى يَرَوْهُ، ولا عبرة بسماع الإقامة؛ فقد روى الشيخان، عن عبد الله بن أبي قَتَادَةَ، عن أبي قتادة، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي».
ولا يكبر الإمام إلا بعد انتهاء المؤذن من الإقامة عند جماهير العلماء.
وإن كبر الإمام قبل تمام الإقامة، فصلاته صحيحة، وخالَفَ السُّنَّةَ؛ وهذا مروي عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، وقال به سفيان الثَّوْرِيُّ، وزُفَرُ، وأبو حنيفة، روى ابن أبي شَيْبَةَ في «المصنف»، عن المغيرة، قال: إِنِّي لَأَسْمَعُ صوت المؤذن بعد أن كبر إبراهيم للصلاة، وكان إماما.
وهذا في وقتهم، فإنَّ المؤذن يذهب إلى سطح المسجد يقيم.
ويؤخَذُ مِن هذا: أنَّه لا يُعْرَفُ للمؤذِّنِ مكانٌ في المسجد في الصدر الأول؛ بل إنه يصلي كسائر الناس، إن وجد مكانا يصلِّي فيه، وإنْ حَجَزَ فُرْجَةً له لِذَهَابِهِ وإتيانه أحيانًا، فلا حرج عليه، وإن وجد أحدًا مكانه، فإنه يصلي في أي موضع، أما حجزه مكانًا على الدوام - سواء للمؤذن أو لغيره - فهو خلاف السُّنَّة.
ما يُشْرَعُ قوله وفعله قبل الإحرام
ولم يثبت عن رسول الله ﷺ ذِكْرٌ أو دعاء قبل تكبيرة الإحرام، وإنما هو الاشتغال بتسوية الصفوف والسواك.
وأما من الألفاظ، فلم يثبت عن رسول الله ﷺ في ذلك شيء، إلا أمره الناس بتسوية الصفوف.
وأما ما يذكره بعض الفقهاء مِنْ ذِكْرٍ أو دعاء قبل تكبيرة الإحرام، فمُحْدَثُ، لا أعلمه يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين.
تسوية الصفوف
وتسوية الصفوف سُنَّةٌ باتفاق العلماء، وحكي الإجماع عليها.
وذهب بعضهم إلى الوجوب؛ وهو قول لا أعلم قائلا به من السلف صراحة سوى ما ترجم عليه الإمام البخاري في كتابه «الصحيح»، قال: «باب إثْمِ مَنْ لم يُتِمَّ الصفوف».
وفيه: أنه يرى وجوب تسوية الصفوف، وذهَبَ إلى هذا ابنُ حَزْمِ الأندلسي؛ بل أغرَبَ وذهَبَ إلى بطلان صلاةِ مَنْ لم يُسَوِّ الصفوف،
واحتج بضرب عُمر بن الخطاب الله لِمَنْ لم يُسَوِّ الصفوف بالدرَّةِ؛ فقد ضَرَبَ قَدَمَ أبي عثمانَ النَّهْدِي لإقامة الصف، وبما صح عن سُوَيْدِ ابْنِ غَفَلَةَ، قال: «كان بلال يسوِّي مَنَاكِبَنَا وَيَضْرِبُ أقدامَنَا في الصلاة، قال: وفي هذا دليل على وجوب تسوية الصفوف».
وجوابُهُ: أَنَّ السَّلَفَ الصالح - ومنهم عمر بن الخطاب - كانوا يُعزّرون على ترك السنن؛ ولهذا كم مرة ضرَبَ عمر بن الخطاب بالدرة جماعة من الصحابة؛ لتركهم بعض السنن، أو وقوعهم في بعض المخالفات، أو ترك بعض الآداب، وهذا مشتَهر؛ فهذا ليس دليلا على الوجوب؛ بل هو دليل على التأكيد.
أفضل وقت لأداء الصلاة
والواجب على الإنسان الإتيان بالصلواتِ في وَقْتِهَا؛ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتا﴾ [النساء: ١٠٣]، روى ابن جـريـر فـي «تفسيره»، عن الأوزاعي، عن موسى بن سُلَيْمان، عن القاسم بن مُخَيْمِرَةً في قولِهِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلوةَ﴾ [مريم: ٥٩]، قال: إنَّما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركا، كان كفرا.
وعند أبي يعلى في المسند»؛ والبيهقي في «السنن»، عن عاصم، عن مُصْعَب بن سعد؛ قال: قلت لأبي: يا أبتاه، أرأيتَ قولَهُ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]؛ أينا لا يسهو ؟ أينا لا يحدِّثُ نفسه ؟! قال: ليس ذاك، إنما هو إضاعة الوقت؛ يلهو حتى يَضِيع الوقت.
والسُّنَّةُ: أن يأتي بها في أوَّلِ وقتها بالاتفاق، إلا صلاة العشاء عند الجماهير يُشرع تأخيرها لمَن صلَّى منفردًا أو جماعة متفقين إلى آخر الثلث الأوَّلِ، أو قبل منتصف الليل، والظهر عند الحَرِّ يُسَنُّ الإبراد به؛ ما لم يدخل وقت العصر.
ما جاء في تفاضل الصفوفِ ومَيْمَنَتِها
وخلف الإمام الفضل الثابت فيه عن رسول الله ﷺ هو الدُّنُو منه، سواء عن يمينه أو عن يساره؛ جاء عن رسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم»: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى»، وهي ما يسميها البعض: «الرَّوْضَة»، وليس اسمها كذلك، فهذا الاسم خاص بمسجد رسول الله، ليس بسائر المساجد.
ولعل ما في الحديث: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى»، هو معنى قولِهِ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ».
وفي قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا قد اختلف العلماء على قولين؛ ما المراد بروضة من رياض الجَنَّة؟ هل المراد التعبد فيها مطلقا، والأَجْرُ في هذا المكان ليس كغيره؟ أم أنها روضة تنقل إلى الجنة؟ أم غير ذلك ؟:
ذكر ابن عبد البر في التمهيد»، وابن حزم في «المحلى»، وكذلك ابن القيم في «الجواب الكافيى»: أنَّ المراد بذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يعلم أصحابه في هذه البقعة، فكانت روضةً من رياض الجنة، كما قال عليه الصلاةُ والسلام: «إِنْ مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَارْتَعُواى»، قالوا: وما رياض الجَنَّةِ؟ قال: «حِلَقُ الذِّكْرِ»، قالوا: فَحِلَقُ الذِّكْرِ هي في هذا الموضع، فقال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ»؛ أي: هَلُمُّوا إليها؛ لتتدارسوا وتتفقهوا، وتقربوا مِنَ الإمام حال صلاته لتسمعوا منه وتَرْقُبوا فعله، وليس المراد بها التعبد المطلق.
وهذا هو الأظهر؛ فقد يُشَبَّهُ الشيء بالجنة، أو أنه منها؛ لكونه سببًا عظيما من أسباب ورودها؛ كما قال: «الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، يعني: الجهاد في سبيل الله، وأنه عمل يُوصَلُ به إلى الجنة، وكما في الحديث عن الأُمِّ: «الْزَمْ رِجْلَيْهَا، فَثَمَّ الجَنَّةُ»، يريدُ: أنَّ بِرَّها يوصل المسلم إلى الجنة مع أداء فرائضه؛ وهذا جائز سائغ مستعمل في لسان العرب.
ولا فرق بين ميمنة الصف وميسرته، وأما الخبَرُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ»، فهو خَبَرٌ غير محفوظ؛ بل منكر؛ رواه أبو داود وابن ماجه، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، عن عائشة.
ورواه ابنُ عَدِي، عن عِصْمَةَ بنِ محمد السالمي، عن موسى بن عُقْبَةَ، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عباس، مرفوعا بنحوه. والبيهقي، عن العلاء بن علي، عن أبيه، عن أبي برزة، بنحوه. وكلها واهية.
والصواب فيه المحفوظ منه: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ».
وأمثل شيء جاء في هذا: ما رواه الإمام مسلم، من حديث ثابت بن عُبَيْدٍ، عن ابن البَرَاءِ، عن البَرَاءِ بن عازب رضي الله عنه؛ قال: «كُنَّا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ أَحْبَيْنَا أَنْ تَكُونَ عن يمينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ».
قد يكون المراد بالإقبال التسليم، أو الانصراف بعد السلام، وهذا تفضيل من بعض الصحابة؛ فأحبوا أن يكونوا أول من يراهم النبي عليه الصلاة والسلام، وليس في هذا تشريع من رسول الله ﷺ.
وقد يُقالُ: إِنَّ هذا إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنه يرى الصحابة يَحْرِصون على الميمنة؛ ولا ينكر عليهم، خاصةً أَنَّ البَراء يقولُ: «أَحْبَبْنَا أنْ نكونَ عن يمينه، يحكي استحباب الصحابة».
وقد يقال بوجاهة مثل هذا الاستنباط، وقد أَخَذَ بذلك ابنُ خُزَيْمَة؛ فقد ترجم في صحيحه: «باب استحباب قيام المأموم في ميمنة الصف»، ولكن هذا في الخبر ليس بصريح، فقد يكون البراء قصد نفسَهُ ومعه بعض الصحابة دون سائرهم، ومثل هذا لو ظهَرَ مِن الصحابة وعَمِلَ به جميعهم، لنُقِلَ بالأسانيد الشموس.
وقد ثبت عن عبد الله بن عمر و استحباب ميمنة الصف، والموضع خلف الإمام؛ كما رواه ابن أبي شَيْبَةَ في «مصنفه»، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: «خيرُ المَسْجِدِ الْمَقَامُ، ثُمَّ مَيَامِنُ المسجد».
وهذا تفضيل للمقام خلف الإمام - ولو كان يساره ـ ثم ميمنة الصف.
ولا حرج أن تكون ميمنة الصف أطوَلَ مِن مِيسَرَتِهِ، أو الميسَرَةُ أطول من الميمنة، وأما ما رواه أبو داود؛ من حديث أبي هُرَيْرَةَرضي الله عنه: «وَسَطُوا الإِمَامَ»، ففي إسناده مجهولان، لكنه لا يبتدئ الصف الثاني إلا وقد اكتمل الأَوَّلُ.
وقد اختلف العلماء في ميمنة الصف الثاني: أيهما أفضل هي أو ميسرة الصف الأول ؟ والصواب: أنَّ الصف الأول أفضل من الصف الثاني؛ لما جاء بالنص عن رسول الله. أما الميمنة، فكما تقدم: لا يثبت فيها شيء عن رسول الله ﷺ صريحًا.
وقد ذهب إلى تفضيل الميمنة للصف المتأخر عن ميسرة المتقدم بعض الفقهاء من الحنابلة وغيرهم، وبوب على ذلك النسائي، وابنُ حِبَّانَ، وغيرهما.
وذهب الإمام مالك: إلى أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ في فضل ميمنة الصف شيء، وأنَّ الأفضل هو الدُّنُو من الإمام.
والأفضلُ: مَنْ جاء مبكرًا على مَنْ صَلَّى في الصف الأول، ومَنْ جمع بينهما أفضل بالاتفاق، ومَنْ حَجَزَ مكانًا متقدما ولم يبكر أفضل منه
٥٧
من بكر ولو متأخرًا. وقد تكلّم على أمثال هذه المسألة السيوطي في رسالة له سماها: بَسْطَ الكَفَّ، في تسوية الصف»، وذكر في مسائل تسوية الصف أقوالًا للأئمة كثيرة يطول ذكرها.
أهميَّة النَّيَّةِ وَحُكْمُ الجَهْرِ بها
والواجب استحضار النيَّةِ في القلب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، كما جاء في حديث عُمَرَ رضي الله عنه في «الصحيحين»، فإنَّه ليس للإنسان إلا ما نوى؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»؛ أي: لا يُكْتَبُ له مِنْ عملِهِ إِلا ما نواه.
وَمَحَلُّ النَّيَّةِ القلبُ؛ ولهذا سُمِّيتُ نِيَّةً»؛ وهي مشتقةٌ مِنَ النَّوَى»، ومحلُّ النَّوَى جَوْفُ الثمرة، ومحلُّ النية: القلب، في جوف الإنسان لا تَظْهَرُ، فَإِنْ ظَهَرَتْ، فلا تُسمَّى نيةً، ولا معنى لتسميتها نية.
ولا يُشرع الجهر بها، بل الجهر بها بِدْعَةٌ، ولا أعلم أحدًا قال بالجهر لا من الصحابة، ولا مِنَ التابعين، ولا من أتباعهم، ولا مِنَ الأئمة الأربعة، إلا ما روي عن الشافعي.
وقد حَمَلَ بعض الفقهاء من الشافعية قول الشافعي: «إنَّ الصلاة ليست كالصيام والزكاةِ؛ يُشْرَعُ فيها بذكر الله»؛ على أنه يرى التلفظ بالنية، وحينما فرق بين الصلاة والزكاة والصيام - وهما لا يُشترط في ابتدائهما التلفظ - دَلَّ على أنَّه أراد النيَّةَ، وما أراد شيئًا غير ذلك.
صِفَةُ صَلَاةِ النَّبِيِّ وَاللهِ وَمَا يَأْعَتُهَا مِنْ أَنْعَارٍ وَرَوَابَ
٥٨
وقد استَنْكَرَ هذا القول وهذا الاستنباط جماهير الفقهاء من الشافعية، كالنووي وغيره، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد ذكر بعض الفقهاء من الشافعِيَّةِ: أنَّ الزبيري عندما خرج القول بالجهر عن الشافعي، إنما بناه على نص، وهو تخريج غير صحيح.
وقال بعضهم: أراد الشافعي بذلك التكبير الواجب في أولها.
ولكن يشكل على هذا ما رواه ابن المقري في كتابه «المُعْجَم»، قال: «أخبَرَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، عن الربيع، عن الشافعي؛ أنه كان إذا أراد أن يدخل في الصلاة، قال: «باسم الله، موجهًا لبيت الله، مؤديا لفرض الله، الله أكبر»».
وهذا إسناد كالشمس عن الشافعي، وظاهره الجهر بالنية؛ وهذا أعلى شيء وأمثله في هذا الباب عن الأئمة.
وأورد هذا النص عنه مسنَدًا السبكي في طبقات الشافعية، وظاهره: أنَّ الشافعي يرى مشروعية الجهر بالنية.
وبكل حال، العبرة بما ثبت عن رسول الله ﷺ وهو المشرع؛ فإذا كان قول أصحاب رسول الله ﷺ في مثل هذا مجردًا ليس وحيًا منزلًا يُتَعبَّدُ به؛ فكيف بقول مَنْ جاء بعدَهُمْ مِنَ التابعين، وكيف بقول مَنْ بعدهُمْ مِنَ الأئمة الأربعة ؟!
وقول الشافعي تخلله وأمثاله في هذا يقال فيه: إنَّه اجتهد، وقوله بحاجة إلى أن يُحتج له، لا أنْ يُحتَجَّ به، ولن يَعْدَمَ قولُه على الأقل أجرًا واحدًا، لاجتهاده، مع ظهور مخالفته للسنة.
استقبال القِبْلَةِ
ويستقبل الإمام والمأموم والمنفرد القِبْلَةَ وجوبًا في الفريضة والنافلة، ويُستثنى مِنْ هذا مَنْ لا يستطيع استقبالها؛ كَمَن صلَّى في طائرة، أو في باخرة تنحرف به عنها؛ فإنَّه معذور، ويصلّي ابتداءً إلى القِبْلَةِ، فإن انحَرَفَتْ، فلا حَرَجَ عليه.
الصلاة على السيارة وغيرها
ولا خلاف عند الفقهاء: أنَّ صلاة النافلة تجوز على السيارة أو غيرها في السفر، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أخفض مِنَ الركوعِ، وَيُؤْمِنُ إِيمَاءً، ولا يجب عليه استقبال القبلة، عند عامة العلماء، وكان عبد اللهِ بنُ عُمَرَ يقول في قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥]: «إِنَّها نَزَلَتْ في صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ في سفره على الراحلة.
واختلف العلماء في استحباب الابتداء بالتوجه إلى القبلة فيها:
فلم يذهب إلى مشروعيته الجمهور: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
وذهب الإمام أحمد وأبو ثور: إلى مشروعيته؛ واستدل بما رواه أبو داود، عن الجارود بن أبي سبرة في روايته عن أنس بن مالك؛ أَنَّ رسول الله ﷺ كان إذا سافَرَ، فَأَرادَ أن يتطوَّعَ اسْتَقْبَلَ بناقتِهِ القِبْلَةَ، فكبر، ثم صلَّى حيثُ وجهَه ركابه.
وهذا الحديث تفرد به الجارود، ولم يَرِدِ الاستقبال في أوَّلِ الأمر؛ لا في حديث عبد الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنه»، ولا في حديث جابر، ولا في حديث عبد الله بن عامر اله؛ فقد جاءت عن رسول الله ﷺ، وليس فيها الاستقبال، وإنَّما تفرد به هنا الجارود، وقد أعله ابن القيم في كتابه «الزاد»، وقال بعدم مشروعية استقبال القبلة في النافلة بالابتداء في السَّفَرِ على الراحلة، وأنه يصلي كيفما اتفق.
ثمَّ إِنَّ الصلاةَ رُوِيَتْ عن غير واحدٍ من الصحابة بأسانيد صحيحة؛ كابن عُمَرَ، وأنس، وأبي ذَرٍّ، والزُّبَيْرِ، ولم يثبت عن واحد منهم: أنه استقبل القبلة في ابتداء صلاته.
وقد عَمِلَ بحديث الجارود: الإمام أحمد احتياطا؛ كعادته في الأخذ بالضعيف يسير الضعف في الاحتياط.
ولا فرق بين السفر الطويل والقصير في الصلاة على الراحلة، وسواء كان يقصر الصلاة في سفره أم لا يقصر، يجوز له الصلاة على الراحلة، وهذا عند جمهور العلماء، إلا أنَّ مالكًا - في قول - خصه بالسفر الذي تُقْصَرُ فيه الصلاة، ولم يوافقه - فيما أعلم - أحد على قوله؛ فالله تعالى قد جعل التيمم رخصة للمسافر ألَّا يَحْمِلَ معه ماءً، وعامة العلماء على أنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ بلدِهِ مِيلًا أو أقل، ونيته أن يعود إلى منزله، لا إلى سفر آخر، ولم يَجِدْ ماءً: أنه يجوز له التيمم، وهو داخل في عموم الترخيص في الآية، وكما جاز له التيمم في هذا القدر، جاز له التنقل على الدابَّة لاشتراكهما في الرُّخْصَة.
ثمَّ إِنَّ ظاهر الحِكْمَةِ مِنَ الترخيص بصلاة النافلة على السيارة:
التيسير في تحصيل النوافل على العباد، وتكثيرها تعظيمًا لأجورهم؛ رحمةً مِنَ الله بهم، وتكميلا لنقص أعمالهم، فلا يضيق باب الرخصة ما دام أنه لا يعارض نصا صريحًا.
وقد قال الطبري: لا أعلَمُ أحدًا وافق مالكًا على قوله.
وفي الحضر: لا تُصَلَّى النافلة على الدواب: «المَرْكَبَةِ، أو السيارة، أو القطار»، وما في حُكْمِها مطلقًا، خلافًا لأبي يوسف، وأبي سعيد الإِصْطخري من الشافعية، وغيرهما.
أما الفريضة - في سفر أو حضر - فلا تُؤدَّى على الراحلة، وقد حكى ابن بطال إجماع العلماء على اشتراط النزول على الأرض في المكتوبة، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابَّة من غير عُذر.
ولا فرق بين الرجل والمرأة في أداء النافلة على الراحلة في السفر، وأما ما جاء عند أبي داود، من حديث محمد بن شُعَيْب، عن النُّعْمَانِ بنِ المُنْذِر، عن عَطَاءِ بن أبي رَبَاح؛ أنه سأل عائشة: «هل رُخْصَ للنساء أن يُصَلِّينَ على الدَّوَابٌ ؟ قالت: لم يُرَخَّصْ لَهُنَّ فِي شِدَّةٍ ولا رخاء.
فقد قال محمَّدُ بنُ شُعَيْب: المراد: «الصلاة المكتوبة».
وأَمَّا ما أخرَجَهُ بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ في «مسنده»، من طريق يونس، عن عَنْبَسَةَ بنِ الأزهر، عن أبي خراش، عن عائشة، قالت: «كنا إذا سافَرْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ نُؤْمَرُ إِذا جاء وقت الصلاةِ أن نصلي على رَوَاحِلِنا».
فهو حديث لا يثبتُ، وعنبسة بن الأزهر، قال أبو حاتم الرازي:يُكْتَبُ حديثه، ولا يُحْتَج به.
وأبو خِرَاشٍ: لا يُعرَفُ.
ويونس، هو: ابن بكير، مختلف في أمره.
والأصل: أنَّه لا فرق بين المرأة والرجل في ذلك.
كيفية الصلاة في الماء والطين
ولا حرج على القائم في الماء والطين، العاجز عن الخروج عنه: أن يصلي ويُومِئَ في الركوع والسجود في الفريضة أو النافلة، وهو في الماء، بلا خلاف.
وأما في الطين، فلم يرخّص بعض العلماء - كأحمد وغيره -وقالوا: يجب النزول، ويجب السجود على الطين؛ لأنه قد روى أبو سعيد، قال: «رأيت النبي ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيتُ أثَرَ الطَّينِ في جَبْهَتِهِ».
والأظهر: أنه لا حرج عليه أيضًا.
وقد روى عمرو بنُ عُثْمَانَ بن يعلى بن مُرَّةَ، عن أبيه، عن جده؛ أنَّ النبيَّ ﷺ انتهى إلى مَضِيقٍ هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء مِنْ فَوْقِهم، والبِلَّةُ مِنْ أسْفَلَ منهم، فحضَرَتِ الصلاةُ، فَأَمَرَ المؤذِّنَ فَأَذَّن وأقام، ثم تقدم رسولُ اللهِ ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماءً، يَجْعَلُ السجود أخفَضَ مِنَ الركوع». رواه أحمد، والترمذي، وعمرو ووالده مجهولان.
وفي الطين قد ثبت عن أنس بن مالك، «أنه صلى بهم المكتوبة على دابته، والأرض طين».
رواه عبد الرزاق، وعنه الخَطَّابِيُّ في «الغَرِيب»، ورواه ابن أبي شَيْبَةَ، والطبراني.
ولا أعلَمُ مَنْ خَالَفَ أنسًا مِن الصحابة، وقد روى خبره الدارقطني مرفوعًا في «علله»، إلا أنه قال: «المحفوظ عن أنس فعله غير مرفوع».
المَيْلُ عن القِبْلَةِ
ويستقبل القبلة وجوبًا، فيصلي ناحيتها، ولا حرج عليه أن يميل يمينا أو يسارًا عن القِبْلَةِ إذا كان لا يراها؛ كأن يكون بعيدًا عنها؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ».
وقد اختلف في هذا الحديث؛ فرُوِيَ موقوفا ومرفوعًا، والصواب فيه: الوقف على عُمَرَ؛ رواه نافع عن ابن عُمَرَ، عن عمر.
قال أحمد: «هو عن عُمَرَ صحيح».
ورجح وقفه على ابنِ عُمَرَ أَبو زُرْعَةَ.
ولا يشدد في هذا عند جماهير أهل العلم، ولا يشترط التصويب، فالواجب على الآفاقي: استقبالُ جهةِ القِبْلَةِ لا عَيْنِها، ومَنْ أوجَبَ على الناس تحري العين، فلقد أخطأ.
ومن المعلوم أنه لو صَفَ الناس للصلاة، وأصبح الصف مستطيلا، حيث تزيد أطرافه عن التصويب على الكعبة بمسافات طويلة: أنه لا حرج في ذلك بلا خلاف.
وصفوف المصلِّين حول الكَعْبَةِ لم تكن مستديرة؛ بل يصلّي الناس جهتها ولو انحَرَفُوا قليلًا، أو زادت أطراف الصفوف عن سَمْتِ الكَعْبَةِ، حتى جاء أمير مكة خالدُ بنُ عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ، فجعل الصفوف مستديرة عليها، وهو أولُ مَنْ فَعَلَ ذلك؛ فأصبح عملا ماضيا.
روى الأزرقي في «أخبار مكَّة»، عن سفيان بن عُيَيْنَةَ، قال: «أولُ مَنْ أدار الصفوف حولَ الكَعْبَةِ خالد بن عبد الله القَسْرِيُّ».
وقد استنبط صحة ذلك عطاء من القرآن استنباطا حسنا؛ كما رواه الأزرقي، عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء: إذا قَلَّ الناس في المسجدِ الحرامِ: أَحَبُّ إليك أن يصلُّوا خلف المقام، أو يكونوا صفا واحدًا حول الكعبة؟ قال: بل يكونوا صفا واحدًا حول الكعبة، قال: وتلا: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]».
والإجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلةً واحدةً، وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو، ولا يقال: مع البعد يتسع المحاذي؛ لأنَّه إنما يتسع مع التقوس، لا مع عَدَمِهِ.
ومَنْ صَلَّى إلى جهة القبلة، فقد صلَّى إلى عينها، ولا يجب عليه أن يتحرى العين، أو يبحث بآلاتِ القياس الحديثة عن خط مستقيم منه إليها؛ هذا غير مشروع. وقد أنكر أحمد على مَنْ يستدِلُّ بالجَدْيِ على القبلة، وأمر بالتوسعة.
وعليه يُعْلَمُ أَنَّ تكلُّف بعض الناس في هذا بالتصويب، وإعادة الصلاة لأجل انحراف يسير، أو التكلف في هَدم المساجد والمحاريب لانحرافها درجة يسيرة، والمسجد في أقاصي الدنيا، ونَحْو هذا؛ أنَّ هذا فيه تكلف لا يأتي به الشرع؛ ولذلك قيل لأهل المدينة: «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ؛ لأنَّ أهل المدينة يستقبِلُونَ الجنوب؛ فكل ما بين المشرق والمغرب، فهو في حقهم قِبْلَةٌ، فَمَنْ كانت قبلته مثل قبلة أهل المدينة، فهو مِنْ سَعَةِ ما بينَ المَشْرِقِ والمَغْرِب، ولسائر البُلْدَانِ مِنَ السَّعَةِ في القِبْلَة مثل ما لأهل المدينة، بين الجنوب والشمال، ونحو ذلك.
قال الإمام أحمد في الخبر السابق: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»: «هذا في كل البلدان، ومَنْ صلَّى فيما بينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فصلاته جائزة، إلا أنه ينبغي له أن يتحرى الوسط».
وقال: «هذا في كل البلدان إلا مكة عند البيت؛ فإنَّه إن زال عنه بشيء - وإنْ قلَّ - فقد ترَكَ القِبْلَةَ».
أي: إذا كانَ يَرَى الكَعْبَةَ، فإنه يجب عليه التصويب.
تكبيرة الإحرام، وأحكامها
ويكبر ويقولُ: اللهُ أَكْبَرُ، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ، وهذه التكبيرة هي تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الإحرام ركن، ولا تنعقد الصلاة إلا بهذه التكبيرة على هذه الصيغة: «الله أكبر»، فإذا قالها بغير الصيغة - كأن يقول: «الله الأَكْبَرُ»، أو «الله الأعظمُ»، أو «اللهُ الأجل، أو بكل لفظ يقصد به التعظيم - فلا تصح عند عامة العلماء؛ خلافًا لأبي حنيفة.
ورخص الشافعي بقول: «اللهُ الأَكْبَرُ» خاصَّةً، وأشار إلى أنَّ الألف واللام زيادة لم تُخِلَّ باللفظ ولا بالمعنى، فالمعرَّف في معنى المنكر، فاللام لم تُخرِجُهُ عن موضوعه؛ بل هي زيادة في اللفظ غير مُخلَّةٍ بالمعنى.
وكُلُّ ذلك مخالف للنص بلا ريب؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللهُ أَكْبَرُ»، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
وقوله: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» اللام هنا للعهد، فهي كاللام في قوله: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ»، وليس المراد به كل طهور يتنظف به الإنسان، وعلى أي طريقة؛ بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله ﷺ، وبينه لأمته.
وهذه التكبيرة بها يَحْرُمُ على المصلِّي ما كان مباحًا له قبل ذلك؛ ولهذا جاء في «المسند»، و«السُّنن»؛ مِنْ حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب؛ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»؛ تحريمُهَا؛ أي: أنه يحرم عليه ما كان حلا له قبل ذلك.
وتُسمى التكبيرة الأولى «التحريمة» و«التحريم»: جَعْلُ الشيء محرمًا، والهاء» لتحقيق الاسميَّة. وخُصَّتِ التكبيرة الأولى بها؛ لأنها تحرم الأشياء المباحة قبل الشروع بخلاف سائر التكبيرات.
وعليه: فلا حاجة أن يبحث الإنسان عن دليل على حُرْمةِ فعل ما في الصلاة ليس منها، ولم يرخص به أو بنظيره.
فيجب أن تسكن جوارحه، ولا يَفْعَلَ إلا ما فيه دليل، ويُمْسِكَ عمَّا لا دليل عليه؛ فإنَّه يحرم عليه، وهذا اللفظ في الحديث عام يشمل كل شيء؛ ولهذا لا يُوجد دليل عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنص على تحريم الأكل في الصلاة، فليس لقائل أن يقول: إنَّه يجوز للإنسان أن يأكل في الصلاة؛ لأنَّه لم يَرِدْ دليلٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فهذا دليلٌ عام يَعُمُّ كُلَّ شَيءٍ لم يُؤْذَنْ به.
فما دل عليه الدليلُ مِنْ أفعال الصلاة - كالركوع والسجود، وقراءة الفاتحة، وقراءة سُورَةٍ، وسائر الأذكار، والقَبْض، ورفع اليَدَيْنِ عند التكبير - فتُفعَلُ وجوبًا أو استحبابًا بحسَب ورود صيغة التشريع.
رد السلام وإجابة المؤذن في الصلاة
وأما ما دلّ عليه الدليل تشريعا بالعموم من غير خصوص كالسلام، أو إجابة المؤذنِ حال سماعِهِ، فمشروعيَّةُ السلام أو ردُّه في حق المصلي منسوخ على الصحيح.
وقد حكى ابن بطال الإجماع أنه لا يَرُدُّ السلام نطقا، وعند عامة العلماء: أَنَّ مَنْ ردَّ السلام وهو يصلِّي كلاما مفهوما مسموعا: أنه قد أفسد صلاته، وكلُّ ما جاء في جواز ذلك عن الصحابة والتابعين، فلا يصح، وإنما الخلاف في الإشارة.
وأصح شيء جاء في الرد بالإشارة: ما رواه مسلم في صحيحه»؛ مِنْ حديث الليث، عن أبي الزبير عن جابر؛ أنه قال: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي لحاجةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وهو يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عليه، فأَشَارَ إِلَيَّ، فلمَّا فَرَغَ دعاني، فقال: «إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي، وهو موجه حينئذٍ قِبَلَ المَشْرِقِ».
وذكر الإشارة ليس في البخاري.
وروى الترمذي وأبو داود والنسائي، عن بُكَيْر، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صُهَيْب؛ قال: «مَرَرْتُ برسولِ اللهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ إِشَارَةً».
وروى الترمذي، عن هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: «قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يَرُدُّ عليهم حِينَ كانوا يسلِّمُونَ عليه وهو في الصلاة؟ قال: كان يُشِيرُ بِيَدِهِ».
قال الترمذي في «علله»: «كلا الحديثين صحيح».
وقد كان في أوَّلِ الأمرِ يَرُدُّ السلام لفظا، ثُمَّ تَرَكَهُ النبي ﷺ، ومنع منه، وهذا ظاهر صنيع البخاري حيث ترجم في «صحيحه»: «باب: لا يَرُدُّ السلام في الصلاة»، وأسند فيه من طريق الأَعْمَشِ، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله، قال: كنتُ أُسَلِّمُ على النبي ﷺ وهو في الصلاةِ فَيَرُدُّ علي، فلَمَّا رَجَعْنا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فلم يَرُدَّ عَلَيَّ، وقال: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا».
وحديث جابر عنده بمعناه.
والأولى لِمَنْ دَخَلَ على مُصَلِّ أَلَّا يسلم عليه. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، ولا مِن السُّنَّةِ: أن يسلم على المصلي؛ روى عبد الرزاق، وابن المنذر، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: «لو دَخَلْتُ على قومِ يُصَلُّونَ، مَا سَلَّمْتُ عليهم.
وجابر هو راوي الحديث السابق في الصحيحين»، وهو أدرى بالمقصود من التشريع، وقد شَهِدَ الأَمْرَيْنِ: الرَّدَّ، وَنَسْخَه؛ لأَنَّ السلام شغل لفكر المصلي.
وقال أحمد: «أرى ألا تسلّم، ولا يُسَلَّمَ عليك».
لكن لو سلَّم على المصلّي، يَرُدُّ بالإشارة؛ ثبت عن أبي سفيان، عن جابر، عند ابن أبي شيبة: «ما كنتُ لِأُسَلِّم على رجل يصلي، ولو سَلَّمَ عليَّ لَرَدَدتُ عليه.
وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك والشافعي، وكثير من الفقهاء:
أن الرد يكون بالإشارة. وقد ثبت ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر.
وروي عن جابر المنعُ مِنَ الردّ مطلقًا بسند صحيح عند ابن المنذر في الأوسط»؛ قال: «لا تَرُدَّ عليه حتى تنقضي صلاتك».
وفي الموطأ»، عن نافع؛ أنَّ ابنَ عُمَرَ قَالَ: «إِذا سُلِّمَ على أحدكم وهو يصلي، فلا يتكلم، وَلْيُشِرْ إشارة بيده».
وثبت عند عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء؛ قال: «رأيتُ موسى بن جميل - وكان مصلّيًا، وابن عباس يصلي ليلا إلى الكَعْبَةِ -قال: فرأيت موسى صلَّى ثُمَّ يعود، ثم انصرف، فَمَرَّ على ابن عباس، فسلم عليه، فقبَضَ ابن عباس على يد موسى هكذا، وقبض عطاء بكفه على كفه، قال عطاء: فكان ذلك منه تحيَّةً، ولم أَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ تَكَلَّم».
ولكن يقال: إنَّ مثل هذا يحتاج إلى خبر مرفوع، والأصل في مثل هذا الوقف في العبادات حتى يثبت الدليلُ، وَمَنْ فَعَلَهُ فَفِعْلُهُ خَلافُ الأولى، لكنه لا يُبَدَّعُ لوجود سلف سبق في هذا.
ومنع أبو حَنِيفَةَ مِنَ الردّ مطلقًا بإشارة أو بسلام حتى يخرج من الصلاة؛ وهو قول جابر، وتعقب ابن المنذر من قال بالمنع، فقال: هذا خلاف الأحاديث.
وأما إجابة المؤذن في الصلاةِ، فأكثَرُ الأئمة على المنع، وقال قلة من الفقهاء، ورجحه ابن تيمية رحمه الله في الاختيارات: «أنه يردد معه، ولا حرج عليه؛ وهذا قول له وجهُ مِنَ النظرِ، فَمَنْ قال بهذا القول، فإنَّه أخَذَ بعموم التشريع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ».
والأَوْلَى أن يُمْسِكَ عن كل قول مشروع خارج الصلاة؛ لعموم قوله: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ».
رَفْعُ اليَدَيْنِ وصفتُهُ
ويَرْفَعُ المصلِّي يَدَيْهِ مع تكبيرة الإحرام، ورفع اليدين هنا متَّفَقٌ على مشروعيته باتفاق العلماء، وهو أكد مما جاء بعدَهُ مِنَ المواضع التي تُرْفَعُ فيها اليدان ويأتي الكلام عليها بتفصيلها بإذن الله.
وممن قال بوجوب رفع اليدين في هذا الموضع: الأوزاعي، والحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ نقله عنه الحاكم، وهذا القول بعيد، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على سنية الرفع.
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْه، أو حَذْوَ أطراف أذنيه، أو حتى يحاذي شحمة أذنيه، وكل هذا ثابت عن رسول الله ﷺ في «الصحيح»؛ جاء مِنْ حديث عبد الله بن عمر، ومالك بن الحُوَيْرِثِ، وغيرهما.
وتكون الأصابع ممدودة، وجاء في رواية عند الترمذي، عن يحيى بن اليمان، عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ نشَرَ أصابعه؛ ولا تصح؛ تفرد بها يحيى بن اليمان، وأخطأ؛ كما قاله الترمذي.
قال أبو حاتم في العلل: «روى هذا اللفظ يحيى بن يَمَانٍ، وَوَهِمَ؛ وهذا باطل».
والنَّشْرُ هو: بسط الأصابع، مع التفريق بينها يسيرًا، وكان أحمد لا يرى نشر الأصابع عند رفعها في الصلاة.
ومس شحمتي الأذنين بالإبهامين عند رفع اليدَيْنِ لا أصل له.
واستقبال القِبْلَةِ باليدين عند التكبير لا يثبت فيه شيء عن رسول الله ﷺ.
وأما ما رواه الطبراني في «الأوسط»، من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: «إِذَا اسْتَفْتَحَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَقْبِلْ بِيَدَيْهِ القِبْلَةَ»، فلا يصح.
وما رواه ابن سعد في «طبقاته»؛ مِنْ حديث محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، عن عبد الله بن عُمَرَ رضي الله عنه: أنَّه كان إذا كبر استَحَبَّ أَنْ يستقبل بإبهامه القِبْلَةَ.
إسناده صحيح عن عبد الله بن عمر.
وهذا أمثل شيء في استقبال اليدَيْنِ القِبْلَةَ عندَ رَفْعِهما في الصلاة.
وأما ما رواه النسائي؛ من حديث وائل بن حُجْرٍ؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام كبر ورفَعَ يَدَيْهِ حتى رأيتُ إبهاميه قريبًا مِن أَذنَيْهِ، فَلمَّا أراد أَنْ يَرْكَعَ كبر ورفَعَ يَدَيْهِ، ثم رفَعَ رأسَهُ، فقال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثم كبر وسجَدَ، فكانت يداه من أذنَيْهِ على الموضع الذي اسْتَقْبَلَ بهما الصلاة.
ففيه نظر، وليس ظاهر الدلالة أيضًا.
وقال به جماعةٌ؛ كأبي يوسفَ والطَّحَاوي، وهو ظاهر مذهب أحمد؛ بل جزم ابن القيم في الزاد»، وقال بسُنيَّةِ أنْ يستقبل بيدَيْهِ القبلة، ولكن الخبر فيه موقوف على عبد الله بن عمر، وما رواه ابن أبي شَيْبَةَ في «المصنف، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن حفص بن عاصم؛ قال: «مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلاةِ: أَنْ يَبسُط كَفَّيْهِ، وَيَضُمَّ أَصَابِعَهُ، وَيُوَجِّهَهُما مَعَ وجهِهِ إِلى القِبْلَةِ».
فهو في السجود، كما هو ظاهر من تبويب ابن أبي شَيْبَةَ عليه، وابن أبي شَيْبَةَ معروف باختصار الأحاديث والخبر مرسل، غير موصول.
وبعض الفقهاء يقولُ: إِنَّه يُشْرَعُ الاستقبال؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام استَقْبَلَ بكاملِ جَسَدِهِ القِبْلَةَ، واستَقْبَلَ بأصابع قَدَمَيْهِ عندَ سجودِهِ القِبْلَةَ، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام يُروى عنه: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»، وبما جاء في الوحي: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس] كل هذا مما يدلُّ على تعظيم القِبْلَة وتشريفها فيما هو ليس بعبادة؛ فالعبادة من باب أولى.
ولكن قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يُروى عنه: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» قد جاء مِنْ طُرُق لا يصح منها شيء.
وأما الاستقبالُ بالجَسَدِ القِبْلَةَ على وجه العموم في الحياة والموت، واستقبال المَيِّتِ القِبْلَةَ عند احتضاره ودفنه، فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلامُ مِنْ ذلك شيءٌ، وإنما الثابت عند ابن عساكر في تاريخ دمشق»، عن حُذَيْفَة بن اليمان؛ أنه قال عند احتضاره: وَجْهُونِي»؛ يعني: إلى القِبْلَةِ.
وفيه كلام، وثبوته ليس ببعيد، وجاء عن البراء، وهو ضعيف.
وقد جاء من طرق عدة مضطربة لا يثبت منها شيء عن رسول الله ﷺ.
ثُمَّ رفع اليدين في هذا الموضع:
قال الحنفية: بوجوبه، وجَزَمَ به داود الظاهري.
والجماهير: على أنَّه سُنَّةٌ؛ وهو الصحيح، وقوله عليه الصلاة يقال بالوجوب؟ الأظهَرُ: أنه لا يقال بالوجوب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد داوم على أفعال عدَّةٍ في صلاته، ولا يقولُ مَنْ قال بوجوب رفع اليدين بوجوبها؛ كالتورك، والافتراش والإشارة بالإصبع، والقَبْضِ - أي: قبض اليدين - وأدعية الاستفتاح، وغير ذلك؛ جاء عن رسول الله ﷺ فيها أحاديث، فمَنْ قال بالوجوب، فعليه بالاطراد، في كل ما ثبت عن رسول الله ﷺ في صلاته.
ولم يكن أحدٌ من السلف يقول بوجوب رفع اليدين، وكان ابن سيرين يقول: هو من تمام الصلاة، وبنحوه قال أحمد. والأصل: أنَّ أفعال الصلاة واجبة، إلا لقرينة تَصْرِفُها، ومِنْ أقوى القرائن:
عدم نقل ما يفيد المداومة.
أو ثبوت التَّرْكِ في بعض الأحيان.
أو تسهيل مَنْ شَهِدَ التنزيل - وهم الصحابة - لذلك العمل، وعدم التشديد فيه.
والأخير أعرض عن التنبيه إليه كثيرٌ مِنَ المتأخرين؛ بل ربما لو وقَفُوا عليه، ما اعتدوا به؛ لأنَّ قول الصحابي ليس بحجة، ولا يفرقون بين أقوال الصحابة وأفعالهم على أي وجه جاءت.
القيام وحُكْمُهُ
القيام في الصلاة ركن، وفرضيَّتُهُ خاصة بالفريضة، وأما النافلة فسُنَّةٌ، وإن جلس متعمدا، فلا شيء عليه؛ لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ وَإِنْ كان غير معذور، فأجر صلاة القاعد الصحيح على النصف من أجر القائم؛ كما ثبت عن رسول الله»، وأما إن كان مريضًا، فالأجر له تام؛ كما روى البخاري؛ مِنْ حديث أبي موسى الأشعري؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»، فحال المرض يختلف عن حال الصحة.
ولا حرج عليه أن يعتمد على عصا، أو يتكئ على حائط في الفريضة؛ إذا كَبِرَ سِنُّ الإنسان، أو كان مريضًا، وشَقَّ عليه القيام، وقد فعل ذلك النبي، كما رواه أبو داود، عن أم قيس بنتِ مِحْصَنِ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَسَنَّ وحَمَلَ اللَّحْمَ، اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يعتمد عليه».
وأما في النوافل، فيجوز الاعتماد بالاتفاق، وفي أي حال.
السُّتْرَة
ويُسَنُّ للمصلي أنْ يَضَعَ سُتْرةً أمامَهُ إمامًا ومنفردًا؛ سواء عمودًا أو حائطا، أو رَجُلًا أو دابَّةٌ، أو شَجَرَةً، ويُسَنُّ أن يكون طول السترة مثل مؤخرة الرَّحْلِ، فقد سُئِلَ النبي ﷺ عن سترة المصلي، فقال: «مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ»، وقدَّرها أحمد بذراع، وأَمَّا وَضْعُ الخط بين يَدَيِ المصلي، فقد ورد فيه حديث عند أحمد، وأبي داود، وهو ضعيف، وكان أحمد يفتي به، ووصَفَ الخَطَّ أنه كالهلال أمام المصلي.
ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْنُو منها، وأن يكون بينه وبينها نحو ثلاثة أذرع؛ لما رواه أحمد، والنسائي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عُمَرَ؛ أَنَّ الرسول ﷺ دَخَلَ الكَعْبَةَ وصلَّى وبينه وبين الجِدَارِ ثلاثةُ أَذْرُعِ.
مَوْضِعُ البَصَرِ في الصلاة
ثُمَّ في نَظَرِهِ، أينَ يَضَعُ نظَرَهُ بعد تكبيرِهِ؟ جاء عن رسول الله ﷺ أَنَّه كان يَضَعُ بَصَرَهُ في موضع سُجُودِهِ»، وهذا خبر لا يصح.
وجاء هذا أيضًا في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في الكَعْبَةِ عند ابنِ خُزَيْمَةَ، والحاكم؛ من حديث عمرو بن أبي سلمة، عن زُهَيْر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة؛ «أَنَّ الرسول ﷺ دخَلَ الكَعْبَةَ وما جاوَزَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سجوده حتى خرج منها».
رواية عمرو عن زهير معلولة.
قال أبو حاتم في «علله»: «هذا حديث منكر».
ثم لو صح، فإِنَّ وَضْعَ النبي ﷺ بصره موضع سجوده، إجلالا الله في أطهر البقاع، وليس لكونه في صلاة؛ ولهذا قيَّدته عائشة بقولها: حتى خرج منها»؛ يعني: بَقِيَ على ذلك حتى بَعْدَ تسليمه؛ وهذا خضوع و خشوع لا يختص بالصلاة.
وأصح ما جاء عن رسول الله ﷺ في موضع بصره في الصلاة: أنَّه كان إذا أشار بإصبعه لا يجاوز بصره إشارته - أي: في التشهد - وهذا أمثل شيء جاء فيه، وهو معلول أيضًا، ويأتي الكلام عليه.
والمصلي ينظر فيما شاء مما هو أخشع له، إلا أنه يحرم عليه النظر إلى السماء؛ لأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك.
ويُكْرَهُ له الالتفات يمينا ويسارًا إلا لحاجة، فإن احتاج للالتفات فلا بأسَ؛ كَأَنْ يَسْمَعَ صوتًا يَشْغَلُهُ عن صلاتِهِ، أو طفلًا أو أعمى يخشى أن يقَعَ فيما يَضُرُّهُ؛ فلا حرج عليه أن يلتفت ليطمئن.
ويحرم عليه الانحراف عن القِبْلَة؛ لأنَّه يُبطل الصلاة، أما اللحظ ببصره يمينا وشمالا، والنظر إلى الإمام أو موضع القدمين أو موضع السجود، فلا بأس به، فينظر فيما هو أخشع له على السواء.
وقد ورد عن رسولِ اللهِ: أنَّه كان يطأطئ رأسه؛ كما رواه البيهقي في سننه»، من حديث يُونُسَ بن بُكَيْر، عن عبد الله بن عَوْن، عن محمد، قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا صلَّى رفع رأسَهُ إلى السماء تدور عيناه ينظُرُ ههنا، وههنا، فأنزَلَ الله ﷺ: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ۱ - ۲]، فطأطأ ابنُ عَوْنٍ رأسَهُ ونكس في الأرضِ».
ورواه الحاكم، والبيهقي، عن سعيد بن أوس، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موصولاً، والصحيح المحفوظ: الإرسال؛ كما قاله البيهقي.
ثم هل يلزمُ مِنْ طأطأة الرأس أنَّه كان يضع بصره موضع سجوده؟ فقد يطأطئ الإنسانُ رأسَهُ، وهو ينظُرُ إلى كَفَّيْهِ، أو ينظُرُ إلى أصابع قدميه، أو ينظر إلى موضع سجودِهِ، أو ينظُرُ أمامَهُ؛ لأنَّ البَصَرَ لا تملكه الطأطأة، وإنما الطأطأة تعني: الخشوع والسكينة والتأدب بين يدي الله؛ فهذا غاية ما تدل عليه.
ولكن النظر إلى موضع السجود جاء عن بعض السلف؛ فقد قال سليمان الخَوْلاني: رَمَقْتُ عُمَرَ بنَ عبد العزيز في صلاتِهِ، فكان بَصَرُهُ إلى موضع سجوده». وبه قال مسلم بن يسار؛ رواه عنه أبو قلابة، ورواه أبو حُرَّةَ، عن ابن سيرين والعَوَّامِ عن النخعي؛ أخرجها ابن أبي شيبة.
وقد قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بمشروعية جعل البصر بموضع السجود في الصلاة.
وقد فَصَّلَ في هذا جماعة من الفقهاء، وعلقوا الأمرَ بِحَسَبِ خشوع الإنسان؛ كما نص على ذلك في المبسوط، ونُقل عن الطحاوي تخلله؛ أنه إذا كان في قيام، ينظر إلى موضع سجوده، وإذا كان في ركوع، ينظُرُ إلى قدميه، وإذا كان في سجود، ينظر إلى أنفه، وقال بنحو هذا شَرِيكَ القاضي؛ وهذا تفصيل لا دليل عليه.
وأما وضع البصر في حال التشهد والإشارة بالإصبع، فقد جاء فيه في حديث ابن الزُّبَيْرِ، عند أبي داود والنسائي: «أَنَّ رسول الله ﷺ كان إذا قَعَدَ في التشهد، وضَعَ كَفَّهُ اليُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ».
وقد رواه الإمام مسلم»، ولم يخرج هذه الزيادة: «لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ؛ فدَلَّ على عدم اعتداده بها.
وقد تفرد بها محمد بن عجلان، ويرويه عنه يحيى القطان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه؛ ولم يروه إلا محمد بن عجلان.
ورواه الإمام مسلم؛ مِنْ حديث اللَّيث بن سعد، وأبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، ولم يذكُرُوا وَضْعَ البصر على الإصبع.
ورواه ابنُ عُيَيْنَةَ عند أبي يعلى في مسنده، وزياد بن سعد عند أبي داود، وعمرو بن دينار عند أبي عَوَانَةَ في «مستخرجه»، كلُّهم عن محمد بن عجلان، به؛ ولم يذكروا الزيادة.
ورواه عثمان بن حَكِيمٍ عند أبي داود، وَمَخْرَمَةُ بنُ بُكَيْرٍ عندَ البيهقي، عن عامر، به، ولم يذكروها.
وهذا أصح.
وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر، عند النسائي، بمعنى حديث ابن الزبير، وهو غير محفوظ؛ فقد تفرد به إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المَعَافِرِي، عن عبد الله بن عمر، وخالفه في روايته هذه: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ومالك بن أنس، عن مسلم، به، عند مسلم في صحيحه؛ فلم يذكروا وضع البصر.
وهذا الذي مال إليه الإمام البخاري؛ أنَّه لا يثبتُ شيء في وضع البصر، فقد ترجم في كتابه الصحيح «۸»، قال: «باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة»، ويشير بهذا إلى ضعف ما جاء في هذا الباب.
ولهذا قال ابن عبدِ البَرِّ في «التمهيد »، بعد إيراد أقوال العلماء، وشيء من أدلتهم: هذا كله تحديد لم يثبت به أثر، وليس بواجب في النظر».
والذي يدل على ضعف ما جاء في هذا الباب قرائن كثيرة:
أولها: أنَّ النبيَّ ﷺ ثَبَتَ عنه أنه يَلْمَحُ مَنْ حوله، ويعرف ماذا يُصنع وهو في الصلاة؛ كما روى أحمد وغيره، عن علي بن شَيْبَانَ؛ أَنَّ النبي ﷺ صلى بهم، فلمح بمؤخّرَةِ عَيْنِهِ إِلَى رَجُلٍ لَا يَقيمُ صُلْبَهُ فِي الركوع والسجود، فقال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ».
وكون المصلي يَلْمَحُ سوادَ مَنْ بجوارِهِ أو خلفه، لا ينافي نَظَرَهُ الموضع سجوده، لكن لا يجتمع النظر لموضع السجود، مع معرفة حال مَنْ يصلي خلفه عن يمينه أو يسارِهِ، أَيُتِمُّ ركوعه وسجوده أم لا؟!
ثانيها: أنَّ الصحابة كانوا يَصِفُونَ حال النبي عليه الصلاة والسلام في الفريضة، ويذكرُونَ اضطراب لِحْيَتِهِ بالقراءة؛ كما في الصحيح، عن خباب؛ مما يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا يَنْظُرُونَ إلى موضع السجود؛ وبهذا استَدَلَّ البخاري على تبويبه، فأورَدَ حديث خَبَّابٍ.
وقد جاءت نصوص كثيرة يذكرُونَ فيها صفة قيام النبي عليه الصلاة والسلام في الفريضة، وحاله وصفة ركوعه وسجوده وسلامه، حينما يسلم يمينا وشمالا، مِمَّا يدلُّ على أنَّهم كانوا يَرْقُبُونَ النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكونوا ينظُرُونَ إلى موضع سجودِهِمْ.
وفي قصة حَمْلِ النبي ﷺ لابنة بنتِهِ أمامةَ بنتِ زَيْنَبَ، وهو يصلِّي بالناس، ووصفهم له وهو يضعها إذا ركَعَ ويحملها إذا قام، بيان لذلك أيضًا.
ثالثها: أن تعليق الأمر بموضع معين ينافي المَقْصِدَ الشرعيَّ مِن الخشوع في الصلاة؛ فإنَّ الخشوع في الصلاة الأولى عدم تقييده بموضع، وإنما تعليقه بما هو أَخْشَعُ للعبد في صلاته، فيقال: إنَّ المصلي يضع بصره فيما هو أخشع في صلاتِهِ؛ فإن كان الذي هو أخشع في صلاته أن ينظر إلى الإمام، فلينظر إلى الإمام، وإن كان الذي هو أخشَعُ في صلاته أن ينظر أمامَهُ، فلينظر أمامه، أو ينظر إلى موضع قدَمَيْهِ أو إلى كَفَّيْه، أو عن يمينه أو عن يساره، إلا أنه لا يلتفت، فيُكْرَهُ له ذلك، ويحرم عليه النظر إلى السماء.
وحَسْبُ المصلي أنْ يُقْبِلَ على صلاته؛ فإنَّ فيها شُغلًا، ولا يلتفتُ يمينا ولا شمالا، ومَنْ فكَّر فيما هو فيه وفي عَظَمَةِ مَنْ يواجهُهُ، شَغَلَهُ ذلك عن التفكر في غيره، فضلا عن أن يَضَعَ بصرَهُ فيما يَشْغَلُهُ.
وقد روى ابن ماجه، عن مُصْعَب بن عبد الله المخزومي، عن عمته أمِّ سَلَمَةَ زوج النبي ﷺ في نظر المصلي إلى موضع قَدَمَيْه.
ولا يصح.
صفة وضعِ القَدَمَيْنِ حَالَ القِيامِ
وأما وضع القدَمَيْنِ في القيام في الصلاة، فالسُّنَّةُ: أنْ يقوم معتدل القامة، غير صاف بين قَدَمَيْهِ، فإلزاقُ إحداهما بالأخرى خلاف السُّنَّةِ وإجماع الصحابة؛ فقد روى ابن أبي شَيْبَةَ في مصنفه»؛ من حديث وَكِيع، عن عيينة بن عبد الرحمن؛ قال: كُنْتُ مَعَ أبي في المَسْجِدِ، فَرَأَى رَجُلًا صافًا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فقال: أَلْزَقَ إحداهما بالأخرى ! «لقد رَأَيْتُ في هذا المَسْجِدِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النبي ﷺ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا منهم فَعَلَ هذا قَطَّ».
ولو راوح بين قدَمَيْهِ، بأن يجعلَ اعتماده على واحدة دون الأخرى عند إطالة الصلاة، فهو أنشط له، وهو الأولى إذا كانت الصلاة طويلة؛ فقد روى النسائي في سننه؛ مِنْ حديثِ مَيْسَرَةَ بنِ حَبِيبٍ؛ قال: سَمِعْتُ المِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ أَنَّه رَأَى رَجُلًا قد صَفَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، قال: أَخْطَأَ السُّنَّةَ، لو رَاوَحَ بَيْنَهُمَا، كَانَ أَعْجَبَ إِلَيَّ.
حديث صحيح.
أدعية الاستفتاح
ويُشْرَعُ بعد تكبيرة الإحرام: أن يذكر ما جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَدْعِيَةِ الاستفتاح، وأَدْعِيَةُ الاستفتاح قبل الاستعاذة، وهي عامة في كل صلاة، إلا في صلاة الجنازة على قول الجماهير.
وقال بعض الفقهاء - كالحنفية -، وبعض فقهاء الشافعية والحنابلة -بمشروعيته فيها، والصواب: عَدَمُ المشروعية؛ لأنها مبنية على التخفيف؛ فليس فيها ركوع ولا سجود، ولا دليل على الإتيان بها.
والإتيان بدعاء الاستفتاح: سُنَّةٌ عند جمهور العلماء؛ وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد؛ خلافًا للإمام مالك؛ فإنَّه قال بعدَمِ مشروعية أدعية الاستفتاح؛ بل نقل عنه بعض الفقهاء من المالكية: البدعية، ولعل الدليل لم يَبْلُغُهُ، فقد كان بعض السلف قبله لم يَبْلُغهم ذلك؛ كابن مسعود، وأصحابه؛ فقد كانوا لا يَعْرِفُونَ الافتتاح.
ويقابل ما نُقل عنه ما حكاه ابنُ رَجَبٍ في «الفتح»، عن بعض الحنابلة: أنهم قالوا ببطلان صلاةِ مَنْ لم يَدْعُ بدعاء الاستفتاح؛ وهذا بعيد.
ودعاء الاستفتاح سُنَّةٌ؛ لثبوته عن رسول الله ﷺ في أحاديث وصِيَغ عديدة؛ منها:
حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بينَ التكبير وبين القراءة إسْكَاتَةً - قال: أَحْسَبُهُ قال: هُنَيْهَةً - فقلتُ: بأبي وأمي يا رسولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بين التكبير والقراءةِ ما تَقُولُ؟ قال: «أقولُ: اللَّهُمَّ، بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَّ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ، نَقْنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ»؛ رواه البخاري، وغيره؛ وهذا أصحُ خَبَرٍ.
ومنها: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما استَفْتَحَ صلاتَهُ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ، أَنْتَ المَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»؛ أخرجه مسلم.
ولكن هذا الدعاء إنَّما هو استفتاح لصلاة الليل، كذا قاله النبي ﷺ، كما قال البزار حينما أخرَجَ الخبر، قال: إِنَّمَا احْتَمَلَهُ الناسُ على صلاة الليل.
وجزم بذلك أحمد بن حنبل.
وجاء عند أبي داود في سننه، وكذا الترمذي: «الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ»؛ وهذه اللفظة غير محفوظة.
ولو دعا به في الصلاة المكتوبة مِنْ غيرِ مُدَاوَمةٍ، فالأمر واسع.
ومنها: حديثُ ابْنِ عُمَرَ عند مسلم؛ قال: «بينما نَحْنُ نصلّي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجلٌ مِنَ القوم: الله أكبر كبيرًا، والحَمْدُ للهِ كثيرًا، وسُبْحَانَ اللهِ بُكْرة وأصيلا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنِ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟»، قال رجلٌ مِنَ القَوْمِ: أنا يا رسولَ اللهِ، قال: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ»، قالَ ابنُ عُمَرَ: فما تَرَكْتُهُنَّ مِنذُ سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول ذلك».
ومنها: حديث أنس بن مالك فيما رواه الإمام مسلم: «أن النبي عليه الصلاة والسلام صلّى بالناس، فجاء رَجُلٌ قد حَفَزَهُ النَّفَسُ، فقال هذا الرَّجُلُ: الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا قَضَى الرسول ﷺ صلاتَهُ، قال: «أَيَّكُمُ المُتَكَلِّمُ بِالكَلِمَاتِ؟»، فقال رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَرْنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فقالَ: رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المَلَائِكَةِ يَبْتَدِرُونَهَا؛ أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا»».
وكذلك: حديث عائشة، فيما جاء في «السُّنَن»؛ مِنْ حديث عَمْرَةَ، عن عائشة؛ أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يَسْتَفْتِحُ في الصلاة بقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
وهذا الخبر لا يصح مرفوعًا عن عائشة، إنَّما ورد عن عمر؛ قال ابنُ خُزَيْمَةَ في «الصحيح»: «أما ما يفتتح به العامَّةُ صَلَاتَهُمْ بِخُرَاسَانَ مِنْ قولهم: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. فلا نعلم في هذا خبرًا ثابتا عن النبي ﷺ عند أهل المعرفة بالحديث».
لكنه ثابت عن عُمَرَ بن الخطاب موقوفا، قد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وقد صححه ابنُ خُزَيْمَةَ نَفْسُهُ في صحيحه.
وثبت عن بعض الصحابة؛ أنه كان يستفتح به بنحوه؛ كعثمان، وابن عمر، وكان أحمدُ يَذْهَبُ إليه».
والسُّنَّة في هذا: أن يغاير الإنسان بين دعاء ودعاء، ولا يَجْمَعَ بينها في صلاة واحدة، فإن جمع بينها، فيظهرُ أنَّه خلاف الأَوْلَى؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يسكُتُ هُنَيْهَةً، كما جاء في حديث أبي هُرَيْرَةَ في صحيح مسلم»، و«هُنَيْهَةٌ؛ يَعْنِي: قَدْرًا يسيرًا، مما لا يكفي لأداء هذه الأذكار جميعًا، وإنَّما هو يغاير بينها.
والقرينة على هذا الفهم: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لو قَرَنَ بينها؛ فَمَنْ سَمِعَ الأَوَّلَ، لماذا لم يَسْمَع الذي بعدَهُ؟! وَمَنْ سَمِعَ الْآخِرَ لماذا لم يسمع الذي قبلَهُ ؟! فلم يَرْوِ أحدٌ مِنَ الصحابة استفتاحيْنِ مِن وجه يثبت، ولم يثبت أنَّ هذه الأذكار جاءت في خبر واحد.
وإذا ترك المصلي دعاء الاستفتاح في الركعة الأولى عامدا أو ناسيًا، لم يَفْعَلْهُ فيما بعدها؛ لأنَّ محلَّه قد فات، وفعله في غير محله إحداث وابتداع، ثم إِنَّ هذا الدعاء سُمِّيَ: دعاء الاستفتاح، وذكره في غير ابتداء الصلاة مخالف لما شرع له.
ولو ترك دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام حتى شرع في القراءة أو التعوذ، فقد فات محله أيضًا، فلا يأتي به؛ لأنه سنة فات محلها.
وإذا فات المصلِّي شيءٌ من صلاته، كأن يدرك الإمام في إحدى الركعات، فإنه يأتي بدعاء الاستفتاح؛ لأنه يستقبل أول صلاته، إلا أن يخاف من اشتغاله به فوات شيء ركن أو واجب من صلاته؛ كالركوع مثلا، فالواجب فيه متابعة الإمام، وترك الاستفتاح.
ولا يأتي بالذكر إلا في حال القيام، إذا أدرك الإمام قائما، وإذا أدركه في التشهد أو الركوع أو السجود، فيأتي بالذكر المشروع فيه، دون دعاء الاستفتاح.
وإذا كان الإنسان يصلي تطوعًا ركعتين ركعتين، فيكفيه استفتاحواحد لأول ركعتين؛ لأنَّ حكم الصلاةِ المتصلة كصلاة الليل واحد، ولو فرق بينهما بسلام.
الاستعاذة، وصِيَغُهَا، وَحُكْمُهَا
وبعد الاستفتاح يستعيذُ باللهِ مِنَ الشيطان الرجيم على الصيغ الثابتة عن رسول الله ﷺ مِمَّا جَاءَ عنه.
وأما ما رواه الإمام أحمد، وبعض أهل السنن»؛ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيد في صلاتِهِ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ»؛ فهو معلولٌ.
قال عبد الله بن أحمد: لم يَحْمَدْ أبي إسناده.
فقد جاء من حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ، وفي إسناده علي بن علي الرفاعي، ولا يُحتج به.
وجاء من حديث عائشة، وأعله أبو داود.
وجاء من حديث أبي أمامة، وفي إسناده مجهول.
وجاء من حديث جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وفي إسناده عاصم العنزي، وهو مستور، واضطَرَبَ عمرُو بنُ مُرَّةَ؛ فرواه مَرَّةً عن عباد بن عاصم»، ومَرَّةً عن عاصم العنزي».
وجاء من حديث ابن مسعود «۷»، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط بأخَرَةٍ، وقد روى عنه ابن الفضيل بعد الاختلاط.
واختلف العلماء في صيغ الاستعاذة أيُّها أفضل:
فاختار الشافعي، وأبو حنيفة، وأكثرُ القُرَّاء - أبو عمرو، وعاصم، وابن كثير، وغيرهم: الاستعاذة بـ «أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطان الرجيم»؛
لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
واختار أحمد، والأعمش، والحسَنُ بن صالح بن حَيٍّ، ونافع، وابن عامر، والكِسَائِيُّ: الاستعاذة بـ «أعوذُ بالله السميع العليم، مِنَ الشيطان الرجيم.
ونقل حنبل وغيره عن أحمد أنه يستعيد بـ «أعوذُ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، إنَّ الله هو السميع العليم»؛ وهو مروي عن الحسن والثوري، لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦].
واختار ابن سيرين، وحَمْزةُ الزَّيَّاتُ: الاستعاذة بـ «أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشيطان الرجيم.
وبكل ذلك ورَدَ الأَثَرُ، والأمر واسع في ذلك.
وقال بعضهم - وفي ثبوته نظَر -: أستعين باللهِ مِنَ الشيطان الرجيم.
وذهَبَ قِلَّةٌ مِنَ العلماء: إلى وجوب الاستعاذة؛ استدلالا بعموم قول الله ﷺ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. والأظهر: الاستحباب.
البسملة، وحكمُ الجَهْرِ بها
وبعد ذلك يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى وجوبها.
وخلاصة الكلام في هذه المسألة: أَنَّ مَنْ كان يقرأُ بروايةِ مَنْ عَدَّ مِنَ القُرَّاءِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيةً مِنَ الفاتحة، لم تُجْزِئُهُ الصلاة إلا بالبَسْمَلَةِ؛ كعاصم بن أبي النَّجُود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله بن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وذهب إلى هذا القول الشافعي وغيره.
ومن كان يقرأ بروايةِ مَنْ لا يَعُدُّها آيةً مِنَ الفاتحة، فهو مخير بين أن يُبَسْمِلَ، وبين ألَّا يُبْسمِلَ؛ كابن عامر، وأبي عمرو، ويعقوب، ونافع في بعض الروايات عنه.
وقال مالك بعدم قراءتها قبل الفاتحة.
وعلى أقل أحوالها هي. سُنَّةٌ مسنونة، كان العمل على قراءتها قبل الفاتحة عند أكثر الصحابة ومَنْ جاء بعدَهُمْ، وإن كان أكثرُهُمْ لا يَجْهَرُ بها، ولا ينبغي أن يداوم على تركها أحد.
ثم إنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أنَّ هذه القراءات حق كلها مقطوع به رواها نبينا
ﷺ عن جبريل، عن رَبِّ العِزَّةِ والجَلَال، وعلى هذا فالبسملة في قراءة صحيحة آيةٌ مِنَ الفاتحة، وفي قراءة صحيحة أخرى ليست آيةً مِنَ الفاتحة.
و«البسملة» فيها أحكام عِدَّة، ومسائل كثيرة متشعبة، وقد صنف فيها جماعة من العلماء المصنَّفاتِ؛ صنَّف في أحكامها ابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب البغدادي، وأبو شامة الدمشقي الشافعي، وكذلك ابن عبد الهادي، وابنُ الصَّبَّانِ رحمه الله «الرسالة الكبرى في أحكام البسملة»، وغيرُهُمْ مِنَ الأئمة.
ولكن ما يعنينا هنا الاستفتاح بها قبل الفاتحة؛ فمنشأ الخلاف عند العلماء هو ورودها في بعض القراءات، وعدم ورودها في بعض؛ فيقال:
البسملة، وحكمُ الجَهْرِ بها
إنَّ القرآن أُنزِلَ على سبعة أحرُفٍ، ومن هذه الأحرف؛ ورود لفظ في بعض الأحرف وعدم ورودِهِ في أحرُفٍ أخرى؛ وهذا كما أنه في البَسْمَلَةِ، كذلك في بعض الحروف في كلام الله؛ كما في قول الله سبحانه في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [٢٤]؛ فـ «هو» جاءت في قراءة، ولم تأتِ في قراءة أخرى، وكذلك في قول الله ﷺ: ﴿لم يَتَسَنَّه﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ فالهاء جاءت في قراءة، ولم تأت أخرى بذكرها، وكلها صحيحة بالحذف والإثبات، كذلك في ذكرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أوَّلِ الفاتحة، فَمَنْ أَثْبَتَهَا على قراءة، فإنَّه يَقْرَؤُها، ومَنْ لم يثبتها على قراءة، فإنَّه لا حَرَجَ في ذلك.
وأما الجهر بالبسملة، فلم يثبت في الجهر بالبسملة عن رسول الله ﷺ خبر، وما جاء فيه مِنَ الجهر من أخبار، فكلُّها ضعيفة، والأئمة النُّقَادُ على ضعفها؛ ولذلك قد أخرج البخاري ومسلم»؛ من حديث قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر وعُمَرَ ما كانوا يَفْتَتِحُونَ الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: ٢]، ولفظ لمسلم: فلم أَسْمَعْ أحدًا منهم يَقْرَأُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم».
وليس فيه ذكر البسملة، ولا الجهر بها، ولو سمعوه يَجْهَرُ بها، لقالوا: يفتحُ بالبَسْمَلةِ، هكذا رواه عن أنس خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا: إِسْحَاقُ بْنُ عبد الله، وأيوب السختياني، وثابت البناني، والحسَنُ البَصْرِيِّ، وَحَمَّادُ بْنُ أبي سليمان، وعائد بنُ شُرَيْح، وقتادةُ بنُ دِعَامة، وأبو قلابة، ومالك بن دينار، ومحمد بن سيرين، ومحمَّدُ بنُ نُوح، ومنصور بن زاذان، وأبو نعامة ثمامة بن عبد الله، وداود بن أبي هند، ويزيدُ بنُ أَبَانَ الرقاشي.
ورواه حميد، عن أنس، فذكر البسملة، وهي رواية منكرة، مخالفة لرواية الحفاظ الثقات.
وأنس هو من أعلم الناس بحال النبي ﷺ؛ فقد صَحِبَهُ مدةَ عَشْرِ سنين، ثم صَحِبَ أبا بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين سنة، ولم يحفظ ذلك، ولم يذكره ولو مرةً؛ فدَلَّ على عدم مشروعية الجهر بها.
ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند.
وقال بالجهر بالبسملة: الشافعي وجماعة، وقد ثبت الجهر بها عن جماعة من الصحابة؛ كعمر بن الخطاب، وابن الزبير، ومعاوية، وغيرهم.
روى ابن أبي شَيْبَةَ، وعنه ابنُ المُنْذِرِ، عن عبد الرحمن بن أَبْرَى: أَنَّ عُمَرَ جَهَرَ بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وفي «المصنف أيضًا، عن بكرِ المُزَنِي: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ جَهَرَ بها، ويقول: «ما يمنعهم منها إلا الكبر».
وأخرج الشافعي في «الأم»، والبيهقي، عن عبد الله بن عُثْمَانَ بنِ خُثَيْمٍ: أَنَّ معاوية جَهَرَ بها.
وثَبَتَ عن عُمَرَ: أنه لم يَجْهَرْ، وهو المعروف عنه كما تقدم؛ رواه عنه أنس، وأبو وائل، وكذلك المعروف عن ابنِ الزُّبَيْرِ عَدَمُ الجهر؛ كما رواه ابن أبي شيبة، عن هشام بن عروة: «أَنَّ أَباه وابنَ الزُّبَيْرِ لا يجهران بها».
بل قد جعل عبد الله بن مُعَفَّل ذلك إحداثًا؛ كما روى الترمذي في «سننه؛ من حديث الجُرَيْرِي، عن قيس بن عباية، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل؛ قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ إِيَّاكَ والحَدَثَ، قال: ولم أَرَ أحدا من أصحاب رسول الله كان أَبْغَضَ إليه الحَدَثُ في الإسلام؛ يعني: منه، قال: وقد صلَّيتُ مع النبي، ومع أبي بكر، ومع عُمَرَ، ومع عثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تَقُلْهَا؛ إذا أَنتَ صلَّيْتَ، فقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»».
أي: لا يجهر بذلك، وإن كان يقرؤها، وما جاء في الجهر من أحاديث ومرويات، فقد رُوِيَ في هذا بضعة أحاديث، وكلها ضعيفة، ويكفي في هذا: أنَّ العلماء قد نصوا على أنَّ أعلام المسائل ومشهورها إذا لم يخرجها البخاري ومسلم، فإنَّ هذا دليل على ضَعْفِها؛ ولهذا مال غير واحد من الحفاظ إلى ضعف أحاديث الجهر بالبسملة، وإن كانت قد ورَدَتْ في بعض الطرق في حديث أنس بن مالك؛ لأنَّ البخاري ومسلما قد تنكبا هذه المسألة.
وهذه المسألة - وإن كانت فرعيَّةً وجزئيةً عند العلماء بالاتفاق - إلا أنها من أعلام المسائل ومشهورها، وتتعلق بسائر الناس الذين يشهدون صلاة الجماعة، ومعلوم أن أصحاب رسول الله ﷺ يشهدون الصلاة معه؛ فأين نَقْلُهُمْ عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنَّه كان يَجْهَرُ بها ؟! وقد نقلوا عن رسول الله ﷺ بعض أدعيته التي كان يُسِرُّ بها في ركوعه وسجوده؛ مما يَدُلُّ على شِدَّةِ تحريهم.
وظاهر الأدلَّةِ: أنَّ النبي ﷺ لم يكن يَجْهَرُ بِالبَسْمَلَةِ في صلاتِهِ، في كل يوم وليلة، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، الأئمة المهديين، أشد الصحابة اتباعًا، وأكثرِهِمْ حَوْطةً؛ بل وعلى عامة أصحابه وأهل بلده والوافدين لرؤيته، هذا لا يمكن بحال، ومن أمحل المحال، حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح الأحاديث التي يحتج بها غير صريح، وصريحها غير صحيح، ولكن هو التقليد الذي لا يُفْلِحُ مَنْ تَشَبَّتْ بِذَيْلِهِ.
ولما كانت هذه المسألة مِنْ أعلام المسائل ومشهورها، وتنكبها البخاري ومسلم، دل على ضَعْفِها؛ بل إنَّه كالنص على إعلالها، وقد مال إلى هذا الاستدلال ابن القيم في زاد المعاد، وكذلك الزيلعي في كتابه «نصب الراية»، وغيرهما.
وأصح شيء جاء في الجهر بها: ما رواه النَّسَائِيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ، وابن حبان، وغيرهم؛ من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نُعيم المُجْمِرِ؛ قال: «صلَّيتُ وراء أبي هريرة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم قرأ بأم القرآن.. ثم قال أبو هُرَيْرَةَ: والذي نفسي بيده، إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صلاة برسولِ اللهِ ﷺ.
وليس فيه حجةٌ، فهو أراد مجموع ما فَعَلَهُ، لا كلَّه، ثم إِنَّ الجَهْرَ فيه ليس بصريح.
والبسملة تكونُ في أوَّلِ كلِّ سورة في الصلاة وغيرها، فَمَنْ قرأَ الفاتحة يسمي، ثم إذا أراد أن يقرأ سورة يسمّي مرة أخرى؛ كما كان ابن عُمَرَ يفعل، وبه قال أحمد.
وضع اليدين حال القيام
ثم وضعُ اليَدَيْنِ، والسُّنَّةُ القَبْضُ، وهو أنْ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ولم يثبت عن رسولِ اللهِ ﷺ: أنَّه سدَلَ؛ بل لم يَرِدْ عنه من وجه يُعتمد عليه: أَنَّه سدَلَ؛ عليه الصلاة والسلام.
وقد اتفق العلماء على مشروعية القبض في الصلاة، وقد روى ابن القاسم عن مالك: عدم القبض، والصحيح عنه: مشروعيته، وعليه بوب في موطئه»: «باب» وضع اليدَيْنِ إحداهما على الأخرى في الصلاة»، وهذه الترجمة والدليل الذي أورَدَهُ وتفسيره صريح في أن مذهبه القبض، ومع هذا لا أعلَمُ أحدًا مِنَ السَّلَفِ - لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من أتباعهم، ولا من الأئمة الأربعة - قال بوجوب القَبْضِ،
وإن كان قد جاء الأمر به، وحمَلَهُ بعضُهم على الرفع؛ كما رواه مالك في «الموطأ»، ورواه البخاري، من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ قال: «كان الناسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ».
قال أبو حازم: «لا أَعْلَمُ إِلا يَنْمِي ذلك إلى النبي».
وإذا قال الصحابي: أُمِرْنا، أو نُهينا، أو أمر الناس، فله حكم الرفع، وقد أطلق البيهقي وغيره: أنه لا خلاف في ذلك بين أهل النقل.
وقبض اليمني على اليسرى في الصلاة من كمال الأدب، والتبجيل الله، وكان الناس وما زالوا يؤمرون به عند مَنْ يُؤْبَهُ به؛ لأنَّه - ولا رَيْبَ - مِن أدب الوقوف بين يدي الملوك والعُظماء، فعظيم العظماء أَحَقُّ به.
وإذا أراد المصلي إرسالهما لتعب أو نحوه، فلا يَنْفُضْ يَدَيْهِ؛ بل يُرْسِلُهما إرسالا خفيفًا رفيقا، تعظيما للموقوفِ بينَ يَدَيْهِ.
والقبض الثابت على صفتين:
الأولى: وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى؛ لحديث وائل عند أبي داود والنسائي؛ قال عن النبي ﷺ: «ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْعَ وَالسَّاعِدِ».
والحديث في «مسلم»، وليس فيه ذكرُ الرُّسْغِ والساعد، ولعله زيادة تأويل من الراوي.
والرُّسْع - بضم الراء، وسكون السين المهملة، بعدها معجمة -: هو المِفْصَلُ بين الساعد والكف.
والثانية: وضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى؛ كما في حديث سهل السابق، وقد عَمِلَ بعض السلف به؛ فقد روى مسدد في «مسنده» وابن عساكر في «تاريخ دِمَشْقَ»، عن ثَوْرِ بنِ يَزِيدَ، عن خالد بن معدان، عن أبي زياد مولى آل دَرَّاج؛ قال: «ما رأيتُ فنَسِيتُ، فإنِّي لم أَنْسَ أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ كان إذا قام إلى الصلاة، قام هكذا، وأخذ بكفه اليمنى على ذراعه اليسرى لازقًا بالكوع».
وأبو زياد تابعي كبير، ذكره أبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ في الطبقة الأولى التي تلي الصحابة، ولا أدري ما وجه قول الدارقطني كما في سؤالات البرقاني»: «لا يُعْرَفُ، يُتْرَكُ»؟!
وروى أبو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ»، وابن عساكر في تاريخ دِمَشْقَ، عن خالد بن عبد الله السُّلَمي، عن أبيه، قال: «كان عُمر بن عبد العزيز إذا صلَّى أو مَشَى أو فَعَدَ، إنما يضَعُ كَفَّه اليمنى على ذراعه اليُسْرَى».
وفي مغايرة الرواة لألفاظ حديث وائل بن حجر في ذكر الذراع، ثم الساعد، ثم الرسغ واليد، قرينة على الترخيص والتَّوْسِعَةِ في ذلك، وأنَّ السُّنَّةَ القبض.
ويبتدئ بالقبض بعد تكبيرة الإحرام، ويبقى على ذلك ما دام قائما، وهذا هو الأصل، حتى لو كان ذلك بعد الرفع من الركوع.
والقبض يستديم مع الإنسان في كلِّ رَكَعَاتِهِ حالَ القيام، ويخْرُجُ مِن هذا من لا يستطيعُ أنْ يُصَلِّيَ إلا قائما في حال سجوده وركوعه؛ فقد يكون الإنسان بين السجدتين وهو قائم؛ كأن يكون الإنسان في زحام، أو كان ظَهْرُهُ صُلْبًا لا يستطيع أن ينحني، فإذا كان في استحضار صلاتِهِ أنَّه بين السجدتين لا يَقْبِضُ، وهذا خارج من الأصل؛ باعتبار أنه معذور في حال قيامه، وحكمه حكم الراكع أو الساجد أو الجالس.
ورفع اليدين على هيئة الدعاء بعد الرفع من الركوع لا أصل له.
ولا أعلم دليلا صريحًا في القبض بعد الرفع من الركوع؛ ولذا قال الإمام أحمد: «أرجو ألا يضيق ذلك.
واختار كثير من أصحابه استحباب القبض؛ منهم: القاضي أبو يعلى، وهو ظاهر كلام ابن حزم»، واستحبه الكاساني الحنفي في كل قيام فيه قرار.
ولا يشدد في هذا الأمر، فالأمر فيه سَعَةٌ.
ويحتمل ترجيح القبض لقرينة؛ وهي أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رَفَعَ رأسه من الركوع، قام حتى نقول: إنَّه قد نَسِيَ؛ قاله أنس بن مالك؛ كما في «الصحيح». وإذا كان قابضًا ليدَيْهِ حال قيامه بعد الركوع، وأطال، فهو أقرب إلى ظنِّ مَنْ خلفَهُ أنه نَسِيَ وشرع في قيام ركعة جديدة، بخلاف الذي يُسْدِلُ بعد قبض، فالظاهر أنه متهيئ لهوي وإن طال قيامه، وظن النسيان منه أبعد مما لو كان قابضًا.
ثُمَّ إِنَّ المصلِّي في حال الجلوس يضعُ يَدَيْهِ عَلى فَخِذَيْهِ، وَيُلْحَقُ بذلك الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة؛ فكيفية الجلوس في الصلاة واحدة ما لم يرد نص يفرّق، وكذلك كيفية القيام.
مكان وضعِ اليَدَيْنِ
وأما مكان وضعِ اليَدَيْنِ، فقد رُوِيَ في ذلك عن رسول الله ﷺ مواضع:
جاء في تحتِ السُّرَّةِ خبر واحد عن رسول الله ﷺ؛ ولا يثبت؛ بل هو منكر.
وجاء عن رسولِ اللهِ ﷺ: أَنه وضَعَهَا على صدره؛ كما في حديث وائل بن حُجْرٍ، وجاء في مرسل طاوس بن كَيْسَانَ عند أبي داود.
وحديث الوضع على الصدر قد تفرد به مُؤمَّلُ بن إسماعيل، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْرٍ؛ «أَنَّ النبي - عليه الصلاة والسلام - وضَعَ يَدَهُ اليمنى على اليسرى على صَدْرِه.
ولفظة: على صَدْرِهِ» قد تفرد بها مُؤمَّلُ بن إسماعيل، عن سُفْيانَ الثوري - وقال بعضُهم: إِنَّ سُفْيانَ هو ابنُ عُيَيْنَةَ - عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حجر.
وخالفه في ذلك جماعة من الثقاتِ مِمَّن رووه عن سفيان، ولم يذكروا: على صدره» رواه محمَّد بن إدريس الشافعي، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن آدم، وأبو نُعَيْم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي، وعبد الرزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، والحُمَيْدِي، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وغيرهم من الأئمة الثقات، مما يقرُبُونَ مِن خمسةَ عَشَرَ نَفْسًا.
وانفرد بالزيادة مُؤمَّلُ بنُ إسماعيل وحدَهُ، وروايته عن سفيان مطعون فيها، ثم إنه قد رواه عن عاصم أكثر من عشرين نفسًا لم يذكروا الزيادة؛ منهم: السُّفْيانانِ، وشُعبة، وأبو عَوَانَةَ اليَشْكُرِي، وزُهَيْرُ بْنُ معاويةَ، وَسَلَّامُ بنُ سُلَيْم، وعَنْبَسَةُ بنُ سعيد، وعبد الواحد بن زياد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وبِشْرُ بن المفضل، وزائدة بن قُدَامَةَ، وإسحاق بن إبراهيم الفزاري.
وقد رواه عَلْقَمَةُ بنُ وائل - وعنه جماعة - عن أبيه، ولم يذكرها؛ مما يدل على شذوذها.
وقد جاء في مرسل طاؤس بن كَيْسان عند أبي داود في سننه»، ويرويه عنه سليمان بن موسى، عن طاوس مرسلًا، عن رسول الله ﷺ: يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يَشُدُّ بينهما على صدره، وهو في الصلاة.
وهو مرسل ولا يُحتج به، وطاوس مراسيله ضعيفة.
وقد جاء أيضا عند أحمد في مسنده؛ مِن حديث سِمَاك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه؛ قال: «رأيت النبي ﷺ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ».
ولكن قبيصة مجهول، ولم يَرْوِ عنه في كل مروياته إلا سماك بن حرب، وقد تفرد بهذا الخبر، ولا يُحتَمَلُ منه ذلك.
والذي عليه جماهير العلماء: مشروعية القبض من غير تحديد موضع؛ بل ذهب الإمام أحمد فيما نقله عنه أبو داود في «مسائله»: إلى كراهة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصَّدْرِ؛ قال أبو داود:
وسألت الإمام أحمد عن وضع اليمنى على اليسرى؛ أتذهب إليه؟ فقال: نَعَمْ؛ فوقَ السُّرَّةِ قليلًا، وإن كان تحتَ السُّرَّةِ، فلا بأس، قال: «وكان يَكْرَهُ وضع اليدين على الصدر».
ومراد أحمد من ذلك - والله أعلم -: التعبد بهذا الفعل، مع عدم ورود الدليل الصحيح.
والذي عليه عامَّةُ العلماءِ مِن السَّلَفِ مِن الصحابة والتابعين؛ أنَّ الإنسان مخير؛ فإن وضَعَ يَدَيْهِ على صدره، أو على سُرَّتِهِ، أو على بَطْنِهِ، أو دون ذلك، فإنه لا حرج عليه؛ فإنَّ الاتباع هنا: أن يضع اليد اليمنى على اليسرى فقط، والزيادة هنا تفتقر إلى دليل ثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك.
وأما تحتَ السُّرَّةِ، فهو المشهور في مذهب أحمد؛ وهو أظهَرُ مِنْ وضعه على الصدر، وإن كان كلا الحديثين ضعيفًا عن رسول الله ﷺ.
الدعاء حال القيام
والقيام قبل الركوعِ مِنْ مواضع الدعاء؛ روى البخاري»، عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ذهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفْ، فَصَفَّقَتِ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنِ امْكُتْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ».
أخَذَ مِن هذا غير واحدٍ من العلماء مشروعية رفع اليدين في القيام عند الدعاء، وإن لم يكن قنونا قبل الركوع؛ سواء أكان في أثناء القراءة أم قبلها أم بعدها في الأحيان؛ كأن يستحضر الإنسان نعمة ونحو هذا.
وقد ثبت عن بعض السَّلَفِ: أنَّه كان يدعو، ويجعل قنوته قبل ركوعه، بل ثبت عن رسول الله ﷺ أنه دعا، وكذلك جاء عن أبي بكر رضي الله عنه؛ كما جاء عند الإمام مالك في «موطئه».
قراءة الفاتحة
ويَشْرَعُ بقراءة الفاتحة، وهي ركن من أركان الصلاة عند عامة العلماء - إلا قول أبي حنيفة - لظاهر الدليل عن رسول الله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»، وما جاء عنه ـ عليه الصلاة والسلام -: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ خِدَاجٌ».
واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]، والحقُّ؛ أنَّ قولَهُ: فَاقْرَءُوا مطلق، فجاء تعيين الفاتحة بقول رسول الله السابق، وقولُهُ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، نَفْيٌ للصحة، لا نفي للكمال؛ أي: لا صلاة صحيحةً لِمَنْ لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وَتُقْرَأُ الفاتحة في كل ركعة.
والسُّنَّةُ: أن يرتل الإنسان قراءته في صلاته، وأن يقف عند آخر كل آية؛ كما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك أحاديث كثيرة؛ سواء أكان ذلك في قراءة الفاتحة، أو في قراءة السورة التي تليها.
الجَهْرُ بالقراءة
وَيَجْهَرُ في الجهريَّةِ: الفَجْرِ والمَغْرِبِ والعشاء، ويُسِرُّ في السِّرِّيَّةِ:
الظهر والعصر، والإسرار والجهرُ سُنَّةٌ؛ إنْ ترَكَه متعمدا أو ناسيا فلا شيء عليه باتفاق الأئمة الأربعة، إلا ما رواه الطُّلَيْطِلِيُّ عن بعض أصحاب مالك: أنه متى تعمد ذلك، فالصلاة فاسدة والمذهب المشهور عن مالك: أنَّ الصلاة صحيحة.
قول «آمين» وأحكامه
وفي آخر قراءة الفاتحة يقول: «آمين»، ومعناها: «اسْتَجِبْ»، ومَنْ قال: «آمين»، فكأنما تلفّظ بالدعاء؛ ولهذا لَمَّا كان موسى عليه الصلاة والسلام يدعو الله، وكان هارون ل يؤمنُ، قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ وَآتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَاهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ۸۸ - ۱۸۹].
فقوله: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا كان الخطاب لموسى وهارون، على أنه لم يذكر الدعاء إلا عن موسى وَحْدَهُ، لكن كان موسى يدعو، وهارون يؤمن على دعائِهِ، ومَنْ أَمَّن فهو داع.
و «آمين» بالمَدِّ والقَصْر؛ كلُّ هذا معروف وسائع في لغة العرب، وفي جميع الروايات، وعن جميع القُرَّاءِ؛ لهذا يقول الشاعر مجنون بني عامر:
يَا رَبِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا … وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا
وهذا بالمد.
وبالقصر في قول الشاعر جُبَيْرِ بنِ الأَضْبَط:
تَبَاعَدَ مِنِّي فُطْحُلُ إِذْ رَأَيْتُهُ … أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدًا
وإذا أمن الإمامُ، أَمَّن مَنْ خلفَهُ، والإمام يؤمن على الصحيح من قول جمهور العلماء؛ خلافًا لِمَا ذهَبَ إليه مالك، وأصحاب أبي حنيفة؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَمَنَ الإِمَامُ، فَأَمَنُوا»، ولو لم يكن التأمين مسموعًا للمأموم، لم يَعْلَم به، وقد علق تأمينه بتأمينه.
والإمام مالك ومَنْ قال بقوله قدَّم عموم قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] على الأحاديث الواردة بالجهر بـ «آمين»، وعلله: بأن التأمين دعاء، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة؛ فالآية أقوى سندا، وأحاديث الجهر بالتأمين أظهَرُ دَلالةً في محل النزاع؛ ومن هنا وقع الخلاف.
وأكثر أهل العلم على أنَّ الجهر بـ «آمين» مخصص بالدليل، والآية باقية على عمومها.
وقال بعض المالكية: إنَّ الإمام لا يؤمنُ، وعللوا ذلك بأنه داع؛ فناسب أن يختص المأموم بالتأمين.
وهذا تعليل غير متجه، لكن هذا يجيء على قولِ مَنْ قال: إِنَّ المأموم لا قراءة عليه، وأمَّا مَنْ أوجَبَ القراءة عليه، فله أن يقول: لا فَرْقَ بينهما، فينبغي أنْ يَشْتَرِكَا في التأمين؛ كما اشتركا في القراءة.
ويَمُدُّ بها الإمام والمأموم صوته، ويكون تأمين المأموم بعد قول الإمام: «آمين»؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذا أَمَنَ الإِمَامُ، فَأَمَنُوا».
وذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ تأمين المأموم يكون بعد قول الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]؛ وذلك أنه صح عن رسول الله ﷺ أَنَّه قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَقُولُوا: آمِينَ»؛ وهذا مجمل مفسر بأمره عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَالَ الإمام: «آمين»، فقولوا: «آمين»»؛ فدل على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء.
ثم إنه لا تُسْتَحَبُّ مقارنة الإمام في شيء من الصلاة، وهذا أصل، لا يخرج عنه المصلي إلا بدليل بين.
أما الجهر بـ «آمين» للإمام، فالخبر ثابت فيه بلا ريب.
وأما المأموم، فلم يثبت في ذلك خبر صريح عن رسول الله ﷺ، وأصح شيء في هذا الباب ما جاء عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعن أبي هُرَيْرَةَ، فيما رواه عبد الرزاق، وكذلك قد رواه ابن حزم الأندلسي؛ من حديث عطاء؛ أَنَّه سُئِلَ: أكان ابنُ الزُّبَيْرِ يؤمِّنُ على إِثْرِ أُمِّ القُرْآنِ؟ قال: نَعَمْ، ويؤمِّنُ مَنْ وراءَهُ، وَإِنَّ لِلمَسْجِدِ لَجَّةٌ».
وابن الزبير كان أميرًا، ووراءه خلقٌ مِنَ الصحابة والتابعين؛ فَدَلَّ على أنَّ العمل على هذا، ولا يَعْرِفُونَ غيرَهُ، وقد أشرنا مرارًا إلى أنَّ عدم ورود النصوص الصريحة على وجه الكثرة، يدلُّ في الأحيان على أنَّ المسألة مسلمة العمل؛ فلا حاجة لنقل النصوص، فتفتر الهمم عن نقل الأخبار والأحوال فيها.
وقد كان أبو هُرَيْرَة رضي الله عنه مؤذنا للعَلَاءِ بنِ الحَضْرَمِي بِالبَحْرَيْنِ؛ فاشترط عليه بألَّا يَسْبِقَهُ بـ «آمين»؛ لأنَّ أبا هُرَيْرَةَ كان يقيم خارج المسجد ليُسْمِعَ الناس.
رواه عبد الرزاق، عن يحيى، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ إِنَّ النبيَّ ﷺ أمر بقول «آمين» للإمام والمأموم، والقول إذا وقع به الخطاب مطلقا، حُمِلَ على الجهر، ومتى أُريد به حديث النفس أو الإسرار، قيد بذلك.
ومسألة الجهر بـ «آمين» من المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد، حينما سئل: أَتَجْهَرُ بـ «آمين»؟ قال: «إي والله الإمام وغير الإمام».
ويُرْوَى في تاريخ البخاري، عن محمد بن عبد الله الطويل: حدثنا علي بن الحسين، أخبرنا أبو حَمْزَةَ السكري، عن مطرف، عن خالد بن أبي ثَوْر، عن عطاء بن أبي رَبَاحٍ: «أَدْرَكْتُ مِئَتَيْ نَفْسٍ مِن أصحاب النبي ﷺ في هذا المسجد، إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، سَمِعْتُ لهم رَبَّةً بـ «آمِينَ»».
ومعلوم أن أعمال الصحابة - عليهم رضوان الله - ليست بتشريع في ذاتها، ولكنها إذا اسْتَهَرَتْ وكانت في جماعة، صارَتْ حُجَّةً، والاشتهار عنهم يُؤْخَذُ مِن وجوه؛ منها:
الوجه الأول: أن يثبت عن أحدٍ من الصحابة خبر من الأخبار، في عبادة من العبادات أو في غيرها، ويرويه عنه كبار أصحابه؛ أو جماعة من أصحابه، ولا ينفرد به عنه الواحد والاثنان؛ فهذا يدل على الاشتهار.
والوجه الثاني: أنْ يَفْعَلَ فعلًا أو يقول قولا في جماعة؛ كما فعله ابن الزبير، وكذلك العلاء بن الحضرمي، وقد شهده أبو هُرَيْرَةَ، وصلَّى خلفَهُمْ خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ الصحابة والتابعين ممن كان معهم؛ فدَلَّ على الاشتهار من غير نكير، مع أنَّ ابن الزبير كان أميرًا مشهودًا، وأقواله تُنْقَلُ وتسير بها الركبان.
فإن ثبت هذا، فهو الذي عليه العمل، وهو الإجماع السكوتي، وهو الأقرب إلى التشريع، وقد يقال بالسنية في مثل هذا.
وأما إطلاق بعض الفقهاء: أنَّ ما ثبت عن أحد من الصحابة في خبر من الأخبار موقوفًا عليه، ولم يخالفه أحد، فهو كالإجماع السكوتي -: فهو إطلاق فيه نظر؛ وذلك أنَّ الصحابة قد يُروى عنهم قول ولا يشتهر؛ فلا يرويه عنه إلا واحدٌ من أصحابه، ويرويه عن هذا الواحد واحد؛ فكيف يقال باشتهارِهِ إِذَنْ؟! وكيف يقال: إنَّ هذا إجماع سكوتي، أو إنَّه لم يُعْرَفْ له مخالف ؟! فيقال: لم تثبت شهرة هذا القول عن هذا الصحابي، ولم يعلم غيره بقوله فهل يقال بعد ذلك: إنَّ هذا إجماع سكوتي ؟!
ولو قلنا بهذا، لقلنا بكثير من التشريع الذي لم يثبت عن رسول الله؛ بل قد يثبت عن رسول الله ﷺ خلافه، وأمثلة هذا ونظائره كثيرة.
وقد يُشكل على البعض؛ الاستدلال ببعض الأخبار عن الصحابة في موضع، وعدم الاستدلال بها في موضع آخر؛ وذلك أنها تتباين بحَسَبِ شُهْرَتِها، ونوع المسألة المنقولة، ونقلة الأخبار عن الصحابة.
سكتات الإمام
وأما سكوتُ الإمام، فإنَّه يسكُتُ عند رأس كل آيةٍ يسيرًا للنَّفْسِ، ومن ذلك بعد قوله: «آمِينَ» يسيرًا لأخذِ النَّفَس، والسكتة هُنَيْهَةً بعد «آمين» لا تصح، والثابت عن رسول الله ﷺ من حديث أبي هُرَيْرَةَ في صحیح مسلم: أنه كان يسكتُ بعد تكبيرة الإحرام هُنَيْهَةً؛ وذلك لدعاء الاستفتاح والاستعاذة والبسملة، ثم يقرأ الفاتحة؛ على ما تقدم تفصيله.
والوارد سكتتان:
الأولى: سكتة بعد تكبيرة الإحرام لدعاء الاستفتاح والاستعاذة
والبسملة سِرًّا، عند جمهور العلماء خلافًا لمالك؛ فهو لا يرى دعاء استفتاح، ولا استعاذة، ولا سكونا لقراءة الإمام.
وقال أبو حنيفة: بهذه السكتة فقط.
والثانية: بعد انتهائه من قراءة السورة، وقبل تكبيرة الركوع؛ للاستراحة، والفصل بينها وبين الركوع.
وقد نص عليهما أحمد بن حنبل.
وأما السكوت بعد قراءة الفاتحة، فلم يثبت، وقد جاء فيه حديث رواه أبو داود وابن ماجه، عن الحسن: «أَنَّ سَمُرَةَ حَدَّتْ أَنه حَفِظَ عن رسول الله ﷺ سكتتين؛ سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فَرَغَ مِنْ قراءة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ»، ولا يصح بهذا اللفظ.
والصحيح بلفظ: سكتة إذا كبر الإمام حتى يَقْرَأَ، وسَكْتَةً إِذا فَرَغَ من القراءة»؛ رواه أحمد، وأبو داود.
هكذا رواه أكثَرُ أصحابِ الحَسَنِ؛ كيونُسَ بنِ عُبَيْد، وحُمَيْدٍ، وأشعث، وقتادة.
واختلف فيه على قتادة:
فرواه أبو داود عن مسدد، عن يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ باللفظ الأول.
ورواه ابن خُزَيْمةَ، والحاكم، عن محمد بن عبد الله بن بزيع، والبيهقي عن محمد بن المنهال؛ كلاهما عن يزيد، عن سعيد، به؛ باللفظ الثاني.
بالجمع بين السَّكَتَاتِ الثَّلَاثِ. ورواه مكي بن إبراهيم، وعبد الأعلى، عن سعيد، به؛ وهذا يدل على أن المشكل في الخبر هو السكتة اللطيفة لأخذ النَّفس بعد الفاتحة؛ ولهذا وُجِدَتْ في بعض الروايات دون بعض، والأكثر على ذكر السكتتين الأولى والتي بعد السورة.
وذهب بعض الفقهاء: إلى أنه يُشرَعُ للإمام السكوت بعد الفاتحة لكي يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة، ولا أصل لهذا القول من السُّنَّة، ولم يستحبه جماهير العلماء؛ كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة.
قراءة المأموم خلف الإمام
والمأموم في الصلاة الجهرية لا يقرأ على الصحيح؛ وذلك أنَّ اللهَ سبحانه قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف: ٢٠٤]؛ فهو مأمور بالإنصات.
وقد جاء عن غير واحدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّ المراد بذلك «الصلاة»؛ رُوِيَ عن عبد الله بن عباس، وابن مسعود، ومجاهد بن جبر؛ كما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما، عن علي بن أبي طَلْحَةَ، عن ابن عباس في الآية، قال: يعني: في الصلاة المفروضة».
وأخرج ابن أبي شَيْبَةَ، والطبراني في الكبير»، وابن المنذر، عن أبي وائل، عن ابن مسعود؛ أنه قال في القراءةِ خَلْفَ الإمام: «أَنْصِتْ للقرآن كما أُمِرْتَ؛ فإِنَّ في الصلاةِ شُغْلا، وسَيَكْفِيكَ ذاك الإمام.
وروى عبد الرزاق، عن سالم عن ابن عمر؛ قال: «يُنْصِتُ للإمام فيما يَجْهَرُ به في الصلاة، ولا يقرأ معه».
وهذا الذي عليه عَمَلُ عامَّةِ الصحابة؛ ثبت ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة.
ولا أعلم لهم مخالفًا مِنَ الصحابة من وجه صحيح صريح، ويكاد يكون إجماعا عنهم - وإن وقع الخلاف بعد ذلك - إلا ما رُوِيَ عن عُمَرَ، وهو غير صريح؛ كما جاء عند عبد الرزاق، عن يزيد بن شريك؛ أنه قال لعمر: «أقرأ خلف الإمام؟ قال: نَعَمْ، قلتُ: وَإِنْ قَرَأْتَ يا أمير المؤمنين؟ قال: نَعَمْ، وَإِنْ قَرَأْتُ».
وعلى قول ابن مسعود أصحابه: الأسود، وعَلْقَمَةُ، وإبراهيم النَّخَعِيُّ:
روى عبد الرزاق في مصنفه»، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: «ما كانوا يقرؤونَ خَلْفَ الإمام حتى كان ابنُ زِيَادٍ، فقيل لهم: إذا لم يَجْهَرْ، لم يَقْرَأُ في نفسه، فقرأ الناس».
وهي - أي: الفاتحة - ركن في الصلاةِ السِّرِّيَّة؛ على الصحيح، بالنسبة إلى الإمام والمأموم، والمنفرد من باب أولى في السرية والجهرية لا فرق، وبالنسبة إلى المأموم في الركعتين الأخيرتين من الرباعية، وكذلك في الثلاثية من المغرب على الصحيح.
وخفف بعضهم على المأموم في كل حال إذا كان خلف الإمام مطلقا في سِرِّيَّة أو جهرية؛ اعتمادًا على ما يُروى عن رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، وحاوَلَ مَنْ قال به الجمع بينه وبين قوله: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»: أَنَّ هذا الحديث ظاهر في نفي الجواز، عام في كل صلاة؛ لأنَّ «لا» هذه لنفي الجنس، فيتناول صلاة المقتدي والمنفرد، والحديث الأول نص؛ لأنه أشد وضوحًا في إفادة معناه من الثاني؛ لأنَّ استعمال «لا» قد يكون لنفي الفضيلة، واستعمال العام في بعض مفهوماته شائع ذائع، فيتعارضان في حق المقتدي، فيعمل بالنص، ويُحملُ الثاني على المنفرد، أو على نفي الفضيلة.
وهذا تعليل حسن لو صح الحديث، لكنه ضعيف لا يُحْتَج بمثلِهِ، والقراءة ركن لا تسقط بالاقتداء كسائر الأركان.
وقد يقال: إن تعارض النصَّيْنِ في حق المقتدي بكل حال غير وجيه؛ فالمقتدي له حالتان: إما في صلاةٍ سِرِّيَّةٍ أو جهرية، ففي السِّرِّيَّةِ:
لا صلاة له إلا بالفاتحة، وفي الجهرية: قراءة الإمام له قراءة.
والحديث - مع ضعفه - حجة الحنفية بعدم القراءة خلف الإمام مطلقا؛ ولهذا نَقَلَ البيهقي في معرفة السنن والآثار»، عن شيخه الحاكم صاحب «المستَدْرَك»؛ قال: سمعتُ سَلَمَة بن محمد الفقيه يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن الحديث المروي عن النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»؟ فقال: لم يصح فيه عندنا عن النبي ﷺ شيء، إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي، وعبد الله بن مسعود، والصحابة».
قال الحاكم بعد هذا النقل: أعجبني هذا لَمَّا سمعتُهُ؛ فَإِنَّ أبا موسى أحفظ مَنْ رأينا مِنْ أصحاب الرأي على أديم الأرض».
يعني: أَنَّ إمامًا مِنْ أَئِمَّةِ الرأي أعلَّه، وبين ضَعْفَه.
وذهب بعض العلماء: إلى وجوب قراءة المأموم؛ وإليه ذهب البخاري؛ كما في كتابه القراءة خلف الإمام»؛ لعموم النص عن رسول الله ﷺ.
القراءة بعد الفاتحة
ويَقْرَأُ بعد الفاتحة ما تيسر له من القرآن، وقد أجمع العلماء على استحباب قراءة السورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح والأُولَيَيْنِ مِنْ باقي الصلوات.
ولا تستحب في الثالثة والرابعة عند جماهير العلماء: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي في الجديد؛ لما في الصحيحين»، وغيرهما، عن أبي قَتَادَةَ؛ «أَنَّ النبيَّ ﷺ كان يقرأُ في الظهْرِ في الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَتَيْنِ، وفي الركعتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بأم الكتاب، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية».
قال ابنُ سِيرِينَ: «لا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ في هذا».
وفي قوله نظر؛ إلا إن كان قصد الأفضل، والغالب مِنْ حالهم؛ فقد ثبت عن بعض الصحابة: أنه كان يقرأُ في الثالثة والرابعة الفاتحة وسورة؛ فقد روى مالك في الموطأ»، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان إذا صلى وحدَهُ يَقْرأُ في الأربع جميعًا في كل ركعة بأم القرآن وسورة مِنَ القرآن، قال: «كان يَقْرَأُ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة.
وأخرج مالك، عن أبي عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِيَّ؛ قال: «قَدِمْتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصِّدِّيقِ، فَصَلَّيْتُ وراءَهُ المَغْرِبَ، فقرَأَ في الركعتين الأولَيَيْنِ بأم القرآنِ وسورة مِنْ قِصَارِ المفصل، ثم قام في الثالثة، فَدَنَوْتُ منه حتى إِنَّ ثيابي لَتَكَادُ تَمَسُّ ثِيَابَهُ، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ۸].
واختلف في فعل أبي بكر: هل كان هذا قراءة في الركعة الثالثة أم قنوتا ؟ على قولين: فمن السلف: مَنْ جَعَلَ ذلك ضربًا مِنَ القنوت والدعاء؛ لما كان فيه من أمر أهل الرِّدَّةِ؛ وعلى هذا أقسم مكحول؛ كما روى عنه الطحاوي في شرح مشكل الآثار، عن محمد بن راشد، عن مكحول؛ قال: والله؛ ما كانت قراءةً، ولكنها كانت دعاء».
وجزم بذلك ابنُ عبدِ البَرِّ في كتابه الاستذكار»، وذلك لِمَا كان فيه أبو بكر من قتال المرتدين، فلما ارتَدَّ مَنِ ارتدَّ مِنَ العرب بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - زاغت القلوب، فكانت محنة عظيمة، ابتلي بها المسلمون عامةً، كانت شديدة على أمير المؤمنين وعلى المؤمِنِينَ عامةً.
ومع أن مالكًا روى أَثَرَ أبي بكرٍ في كتابه، فقد قال ابن القاسم عن مالك: «ليس العمل عندي على أنْ يَقْرَأَ في الثالثةِ مِن المَغْرِبِ بِعَدَ أُمّ القرآن: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ۸].
وحملها بعضهم على القراءة؛ كعمر بن عبد العزيز؛ فقد قال: «ما تركتها منذ سمعتها »؛ وبهذا قال أحمد بن حنبل، وكان يأمر بذلك.
وقد استَدَلَّ بعضُهم ببعض العمومات عن رسول الله ﷺ في القراءة بالسورة مع الفاتحة في الثالثة والرابعة؛ وذلك أنه تكون الركعة الأولى أطول من الثانية، والثانية على نصفِ الأولى، والثالثة على نصف الثانية؛ قالوا: فإذا كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يطيل في الأولى، فيقرأُ أحيانًا بالطوال، فإذا قَسَمْناها، جَعَلْنا الثانية نصف الأولى، والثالثة نصف الثانية، فإنَّه كان يطيل في الثالثة طولا يكفي القراءة الفاتحة مرات.
فيقال: إنَّ هذا لا يَلْزَمُ؛ فقد جاء في حديث حَفْصَةَ؛ كما في «الموطأ»؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يرتِّلُ السورة حتى تكونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ منها.
ورواه مسلم أيضًا.
فقد يكون النبي عليه الصلاة والسلام يرتِّلُ الآية؛ فتكون السورة أطوَلَ مِنْ غيرها، وقد يرتِّلُ في ركعة ما لا يرتِّلُ في الأخرى؛ فتكون أطول من التي قبلها.
إذن: فذلك الاستنباط والفهم من تطويله الصلاة، لا حُجَّةَ فيه، والحكمة لا يعلل بها إذا كانت خفيةً أو غير منضبطة.
وليس مِنَ السُّنَّةِ: أن يقتصر على بعض السورة، ويداوم على ذلك.
ومن أراد أن يقرأ القرآن كله في الفريضة، ويبدأ في كل صلاة بما انتهى إليه في التي قبلها، فإن كان هذا لا يُخْرِجُهُ عن السُّنَّةِ في تخصيص بعض الصلوات بالمفصَّل، وبعضها بالطوال: فلا حَرَجَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ عن ذلك، وغلب عليه - فالأولى تركه، وكان أحمد يقول: لا أعلم أحدًا فعل هذا، ويروى عن عثمان: أنه فعل ذلك في المفصل وحدها.
تَكْرَارُ السورة في الركعتين
وليس مِنَ السُّنَّةِ تَكْرَارُ السورة في الركعتين؛ بل الأولى أن يكون في الركعة الثانية سورة غير التي قرأها في الركعة الأولى، وتكون السورة الثانية أنزَلَ مِنَ السورة الأولى.
قراءةُ السُّورِ في الصلوات، وأحكامها
ويُشْرَعُ للإمام - وكذلك المنفرد - في أكثر صلاة الحضر في الصبح: القراءة مِن طِوَالِ المفصل، وفي المغرب؛ مِنْ قِصَارِه، وفي الباقي: من أوساطه.
ثبت عن رسولِ اللهِ ﷺ: أَنَّه كان يَقْرَأُ في الصبح بالطوال»، وقرأ أبو بكر وعمر فيها بالبقرة، وقرأ عمرُ بالكهفِ ويُوسُف، وقرأ مرَّةً بيونس وهود، وقرأ مرة بالإسراء والكهف، وقرأ بيوسف والحج، وقرأ بآل عمران، وقرأ بالأحزاب، وقرأ بسورة ص، وإن قرأ بالمفصل، فهو سُنَّةٌ أيضًا؛ قرأ النبي ﷺ بـ «[ق: ١]»، وقرَأَ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَات﴾ [ق: ۱۰]؛ رواهما مسلم.
وأحيانًا بـ ﴿إذَا الشَّمْسُ كُورَتْ﴾ [التكوير: ١].
وإن قرأ في المغرب بالطوال أو أواسط المفصل، فحسن؛ فقد ثبت عن رسول الله ﷺ: أنَّه قَرَأَ بـ «الأعراف»، وبـ «الطور»، و «المُرْسَلات»، وكان أبو بكر يقرأُ فيها بقصار المفصل، وقرأ عُمَرُ في الأولى بالتين والزيتون والثانية بالفيل وقريش.
روى أحمد، والنَّسَائِيُّ، عن سُلَيْمَانَ بن يسار، عن أبي هريرة؛ قال: «ما رأيتُ رَجُلًا أشبه صلاة برسولِ اللهِ ﷺ مِنْ فلان، قال سُلَيْمَانُ: فصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، فكان يَقْرَأْ في الغداةِ بِطِوَالِ المفصل، وفي المَغْرِبِ بقِصَارِهِ، وفي العشاء بوسط المفصل».
وبهذا كتَبَ عُمَرُ إلى أبي موسى، ورُوِيَ عن عمر أنه فصَلَ آلَ عِمْرانَ في الأوليين من العشاء، ورُوِيَ أنه قرأ فيها بيوسُفَ، ورُوِيَ أَنه قَرَأَ بِـ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وقرأ عثمان فيها بالنجم والتين.
وتكره الإطالة في العشاء؛ فقد نهى النبي ﷺ معاذا عن ذلك.
وأما الظهر والعصر، فكما روى مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِي رضي الله عنه، قال: كُنَّا نَحْزِرُ قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فَحَزَرنا قيامه في الركعتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظهرِ قَدْرَ: ﴿الَم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ۱ - ۲]، وحزَرْنا قيامه في الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النصفِ مِن ذلك، وحَزَرْنا قيامه في الركعتين الأولَيَيْنِ مِن العصر على قَدْرِ قيامه في الأخريْنِ مِنَ الظهر، وفي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ العصر على النصف من ذلك.
وجاء عن عُمَرَ أنه قرأ بالظهر سورة ق، وقرأ بالذاريات وق، وقرأ فيها عثمان بالبقرة، وكان بعض السلف يستحِبُّ أن تكون العصر أخف من الظهر؛ كأبي العالية وعطاء، وقد قال النخعي: «كانوا يَعْدِلُونَ الظهر بالعشاء، والعصر بالمغرب».
ويُسَنُّ أَن يُسمع المأمومين في الظهر والعصر بعضَ نَغَمَاتِ صَوْتِهِ في القراءة؛ فقد كان الصحابةُ يَسْمَعُونَ بعض الآيات من النبي، ويَعْرِفُونَ السورة التي يقرؤها، وبهذا كان يفعل عمر.
وليست قراءة سورة أفضل من قراءة أخرى في الصلوات، والسُّنَّةُ: أَنْ يختار ما شاء مِنَ السُّوَرِ مِنْ أقسام القرآن التي كان النبيُّ ﷺ يَخُصُّها في فريضة دون أخرى، فليس شيءٌ مِن سُورِ القرآن مهجورا، وإذا قرأ الرسول ﷺ سورة، ونُقِلَتْ عنه، فإنَّ هذا لا يعني فضلا لقراءتها على غيرها؛ بل غايته: أنه وافق ناقلا فنقَلَ عنه ما سَمِعَهُ، ولمَّا غَلَبَ على النبي ﷺ اختيار الطوال والقصار والأواسط لصلوات دون الأخرى، كان هذا هو السُّنَّة، لا قراءة السورة بذاتها، وقد روى أبو داود، من حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده؛ أنه قال: ما مِنَ المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَوْمُ الناس بها في الصلاة المكتوبة.
أي: أنَّه لا يَهْجُرُ شيئًا مِنَ القرآن، وما نُقِلَ عنه لا يَدُلُّ على عَدَمٍ غيرِه.
التخفيف في السَّفَرِ
ويخرج من هذا إذا كان في حالِ سَفَرٍ؛ فلا يتقيد بشيء؛ بل المشروع التخفيف؛ فقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قرأ بالمعوذتين في الصبح»؛ رواه أحمد وأبو داود والنَّسَائِيُّ، عن عقبة بن عامر، وصححه أبو حاتم.
وثبت عند ابن أبي شَيْبَةَ، عن المعرور بن سُوَيْدٍ؛ أنه خرج مع عُمَرَ حاجًا، فصلى بهم الفَجْرَ، فَقَرَأَ: لإيلافِ قُرَيْشٍ [قريش: ١]، و أَلَمْ تَرَ كَيْفَ [الفيل: ١].
وعنده أيضًا، عن عمرو بن ميمون، أنه قَرَأَ في سفر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ [الإخلاص: ١].
وعنده أيضًا، عن داود بن أبي هند، عن أنس؛ أنه قَرَأَ بـ ﴿سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] وأشباهها.
وروى مالك، عن نافع؛ أنَّ عبد اللهِ بْنَ عُمَرَ كَان يَقْرَأُ فِي الصبح في السفر بالعَشْرِ السُّوَرِ الأَوَلِ مِنَ المفصَّل في كل ركعة بأم القرآن وسورة.
وقد جاء عند أبي داود؛ أنَّ النبي - عليه الصلاة والسلام - قرأ في الفجر بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ﴾ [الزلزلة: [١] مرتين في الأولى والثانية؛ ولا يصح، والصواب فيه: الإرسال، قد أخرجه أبو داود مرسلًا في كتابه «المراسيل»، وظاهرُهُ أَنَّه مُعِل له.
قسم السورة بين الركعتين
والسُّنَّةُ: أَنْ يَقْرَأَ في كل ركعة سورةً فما زاد، ولا يَقْسِم سورة بين ركعتين؛ ولا بأس بالنادر لثبوته عن الصحابة والتابعين؛ خاصَّةً إن كانت السورة طويلة؛ فقد جاء عن أبي بكر: أنه قسم البقرة في الصبح، وقسم الأعراف في المغرب، وجاء عن عمر: أنه قسم آلَ عِمْرانَ في العشاء، وجاء عن عثمان: أنه قسم البقرة في الظهر، وقسم كذلك ابن عمر، وقسم سعيد بن جبير الإسراء في الفجر.
والأولى: أن يغلب إتمام السورة والسورتين في الركعة؛ روى الإمام أحمد في مسندِهِ»، ومحمَّد بن نصر المروزي، وغيرهما؛ من حديث أبي العالية رُفَيْع بن مهران؛ قال: حدثني مَنْ سمع رسولَ اللهِ ﷺ، أنَّه قال: «لِكُلِّ سُورَةٍ حَظَّهَا مِنَ الرَّكْعَةِ».
وجاء في رواية: «لِكُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ». وإسناده صحيح.
وكثيرٌ مِنَ الناسِ يَجْهَلُ هذه السُّنَّةَ، وقد حرص السلف عليها؛ لأنَّه عَمَلُ النبي، فلم يُحْفَظ عنه من وجه صحيح؛ أنه قسم سورة بين ركعتين، وأمثلُ شيءٍ ورَدَ مرفوعًا: ما رواه ابن أبي شَيْبَةَ، عن هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن أبي أيوب أو زيد بن ثابت؛ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ في المغرب بالأعراف في ركعتين.
والحديث حديثُ زَيْد؛ قال الدارقطني في «علله»: «عُروَةُ لم يَسْمَعْ مِنْ زيد هذا الحديث».
وقد جاء من حديث عائشة مرفوعًا: «كان يَقْرَأُ البَقَرَة في الركعتين».
ولا يصح.
وإن كان قد ثبت عن الصحابة خلاف ذلك؛ لكنه في أحوال قليلة، لا كما يُدَاوِمُ عليه كثيرٌ مِنَ المصلِّينَ من الأئمة وغيرهم، حتى في السُّوَرِ القصار.
والسُّنَّةُ: أن يقرأ في كل ركعة بسورة؛ ولذلك حرص أصحاب رسول الله ﷺ على ذلك، والحِكْمَةُ في ذلك - فيما يَظْهَرُ -: أَنَّ السورة مرتبط بعضها بالبعض الآخر، فأي موضع وقف فيه، لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة؛ فإنه: إن توقف في وقف غير تام، كره له ذلك كراهة ظاهرة؛ لعدم تمام المعنى بإيراد المقصود من التنزيل، كما جاء.
وإن توقف في وقف تامٌ، فهو خلافُ عَمَلِ النبي ﷺ في صلاتِهِ؛ ولهذا أورد البخاري قصة الأنصاري الذي يحرس النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع؛ فرماه العَدُو بسهم فنزَعَهُ، فرماه بالثاني فنَزَعَه، فرماه بالثالث فَنَزَعَهُ، فلم يَقْطَعْ صلاته، وقال: كُنْتُ في سورةٍ أَقْرَؤُها، فلم أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا»، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
وجوز الفصل بين السورَتَيْنِ: ابنُ جُبَيْرٍ، وعطاء، وغيرهما من التابعين، ونَصَّ عليه أحمد.
وقد تَرْجَمَ محمَّدُ بنُ نَصْرٍ في كتابه قيام الليل»؛ قال: «باب كَرَاهِيَةِ تقطيع السورة»، وأورد في ذلك جملةً مِنَ الأخبارِ مِنَ المرفوع والموقوف على أصحاب رسول الله، وفي مجموعها نَظَرُ.
قد وصف ابن القيم مَنْ يداوم على ذلك بِجَهَلَةِ الأئمة؛ قال في زادِ المَعَادِ»: «ولا يُستَحَبُّ أنْ يَقْرَأَ مِنْ كُلِّ سورة بعضها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين؛ فإنَّه خلافُ السُّنَّة، وجُهَّالُ الأَئِمَّةِ يداوِمُونَ على ذلك».
تكرار الآية الواحدة في الرَّكْعَةِ
وأمَّا تَكْرارُ الآية الواحدة في الصلاة، فلم يثبت مرفوعًا؛ لا في النقل، ولا في الفَرْض، وإنما ثبت عن تميم الداري عند ابن أبي شَيْبَةَ: أنه ردد قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١].
وثبت في مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن عُبَيْدِ الطائي؛ قال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ وهو يصلِّي بهم في شهرِ رَمَضَانَ يُرَدِّدُ هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَظْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * في الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ۷۰ - ۷۲].
ورخص بعض السلف بترديد الآية في صلاة الليل؛ كالأسود النخعي، وكَرِهَهُ عطاء في كل صلاة.
وأما تكرار النبي ﷺ للآية: ﴿إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، فقد رواه أحمد، والنسائي وابن ماجه، عن جَسْرَةَ بنتِ دجاجة؛ قالت: سمعت أبا ذر يقول: قام النبي ﷺ حتى أصبح بآية، والآية: ﴿إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]».
تفَرَّدَتْ به جَسْرَةُ، ولا يُحْتَمَلُ منها ذلك.
تَكْرَارُ السُّورَةِ الواحدة في الرَّكْعَةِ
وتكرار السورة في الرَّكْعَةِ مخالِفٌ للسُّنَّةِ؛ فلم يَفْعَلْهُ النبيُّ، ولا أحد من أصحابه، والقرآن لم ينزل ليكرّر بعضُه دون بعض؛ فليس شيء من القرآن مهجورًا، وقد أشار إلى مخالفة هذا العمل للسُّنَّةِ الشاطبي في الاعتصام».
والسُّنَّة: أن تكون الأولى أطول من الثانية، وإن خالف في الأحيان، فلا بأس، فقد ثبت عن رسولِ اللهِ ﷺ العكس، كما في صلاة الجُمُعَةِ، وغيرها.
صلاة الأُمِّي
والأمي الذي لا يستطيع القراءة ولا يَحْفَظُ، تَصِحُ صلاتُهُ بلا قراءة باتفاق العلماء، لكنَّه يسبِّحُ ويَحْمَدُ اللهَ ويهلّل، ويكبر ويحوقل؛ لِمَا في «السنن»: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنِّي لا أستطيعُ أَنْ أَخُذَ شيئًا مِنَ القرآن، فعلمني ما يُجْزِينِي منه، فقال: «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، فقال: هذا اللهِ؛ فما لي؟ قال: «تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي».
أحكام الخشوع
والخشوع في الصلاةِ: قَلْبُ الصلاةِ ورُوحُها، وهو على نوعين:
خشوع الظاهر: وهو أن يكون المصلي ساكنا مطمئنا، مبتعدا عن العَبَثِ، وَسَبْقِ الإمام وموافقته والتأخر عنه تأخرًا يخالف المتابعة.
وخشوع الباطن: وهو أن يكون المصلي مستحضرًا عَظَمَةَ الله، والتفكر في معاني الآيات والأذكار والأدعية التي يذكرها، وألا يلتفت إلى وساوس الشيطان.
وقد امتدح الله الخاشعين في صلاتهم بقوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]؛ فهو من صفات المؤمنينَ المُفْلِحين.
ومن لم يكن مِنْ أهل الخشوع، صَعُبَتْ عليه الصلاة، وشَقَّ عليه أداؤها؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
والخشوع هو: خَشْيَةٌ مِنَ اللهِ تكون في القلب؛ فتظهر آثارها على الجوارح، وخشوع الظاهر لازم لخشوع الباطن، ومَنْ سَكَنَ قلبُهُ، سَكَنَتْ جوارحه.
وخشوع الباطن مستَحَبُّ مؤكَّد عند عامة العلماء؛ بل حكى الإجماع على ذلك النووي، ولعل مراده بالإجماع: أنه لم يصرح أحد بوجوبه.
والتحقيق: أنَّ حكم الخشوع في الصلاة تابع لما يَظْهَرُ مِن آثارِ تركه، والآثار متفاوتةٌ لا تنضبط؛ فإن أثر نقصا في الواجبات، كان عدم الخشوع حرامًا، وكان الخشوع واجبًا؛ وإلا فالأصل أنه مستَحَب مؤكد عليه جدا.
وقد روى أبو عثمانَ النَّهْديُّ، عن عمر بن الخطاب؛ أنه قال: «إني لَأُجَهِّز جيشي وأنا في الصلاة»؛ رواه ابن أبي شيبة.
وروى أيضًا، عن عُرْوَةَ بن الزبير، عن عمر رضي الله عنه؛ قال: «إني لَأَحْسُبُ جِزْيَةَ البحرين وأنا في الصلاة».
وكذلك ما جاء من مجموع بعض النصوص عن الصحابة من مراقبتهم لصلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وما يذْكُرُونَ مِن حال صلاته؛ مِمَّا يَدُلُّ على أنَّه رَبَّما يشردُ الإنسان في صلاته.
ولا يُوجَدُ مِنَ الناس غالبًا أَحَدٌ إلا وينصرف قلبه قليلا أو كثيرا ولا يملك ذلك، ولا طاقة له بما اعتَرَضَهُ مِنَ الخواطر، فكيف يتعلق الوجوب بشيء لا يستطيعه غالب بني آدَمَ؛ فالوجوب لا يتحقق في مثل هذا؛ ولهذا قد روى ابن جرير الطبري؛ مِنْ حديث عاصم، عن مُصْعَب بن سعد؛ أنَّه سأل أباه عن قول الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، وقال: «أَيُّنا لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ ؟! أيُّنا لا يسهو في صلاته؟! قال سعد: «ليس ما تَذْهَبُ إليه؛ إِنَّما هو الذي يُؤَخِّرُها حتى يخرج وقتها».
وروى صالح بن أحمد في كتاب المسائل، عن أبيه؛ من طريق الحد بين ابتداء التفكير والاسترسال الذي يأثم به فاعله؟! هذا لا ينضبط، والتأثيم بمثل هذا ليس من موارد الشرع.
التكبير للركوع
ثُمَّ يكبر للركوع، ويقول: اللهُ أَكْبَر.
والركوع ركن؛ لقوله تعالى: ﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع قبل السجود بالاتفاق، وقيل: إِنَّ في بعض الشرائع السابقة العكس، استَنْبَطَهُ بعضُ المفسّرين من قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ وفيه نظر.
وهذه التكبيرة الثانية في الصلاة، والانتقال في الصلاة بين الأركان والواجبات لا يكون إلا بلفظ التكبير، وخُص منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنَّه شُرع فيه التحميد.
حكم التكبيرات عدا تكبيرة الإحرام
وهنا مسائل عدة:
منها: هذه التكبيرة: هل هي واجبة أو لا ؟ وما يليها من تكبيرات الانتقال، وقد تقدم الكلام في تكبيرة الإحرام ووجوبها، ولا خلاف في ذلك.
وقد اختلف العلماء في وجوب تكبيرات الانتقال:
فذهب الجماهير: إلى السنية؛ وهو الصحيح.
وقد ذهب أحمد في إحدى الروايتين: إلى الوجوب؛ اعتمادًا على قول النبي ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
وعن أحمد رواية أخرى: أنَّها تُقال في الفرض، وأما في النَّفْل فلا.
والصواب: أنها مستَحَبَّةٌ في الفرض والنفل، إلا في حالة واحدة: في حالة الإمام إذا كان المأموم لا يَعْلَمُ انتقاله إلا بالتكبير؛ فإنَّ ما لا يَتِمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
أما الإمام إذا صلَّى معه واحد أو اثنان، فالسُّنَّةُ: أَنْ يَرْفَعَ صوتَهُ؛ لأنَّهم يُحِسُّونَ به في حال صلاته، وقد سُئِلَ أَحمدُ عَمَّن رَكَعَ وَنَسِيَ التكبير ؟ فقال: أرجو ألا يكون عليه شيء؛ رُوي عن النبي ﷺ أنه كان لا يتم التكبير.
وَمَنِ اسْتَدَلَّ بعموم قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، فجوابُهُ مِن وجوه:
الأَوَّلُ: أَنَّ ذات فعل النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته الأصل فيه الوجوب إلا لقرينةٍ تَصْرِفُه، ومن أقوى القرائن الصارفة هنا:
. عَدَمُ نقل ما يفيد المداومة.
. وتسهيل مَنْ شَهِدَ التنزيل - وهم الصحابة - في ذلك العمل، وعدم التشديد فيه.
الثاني: أنه ثبت عن جماعة من الصحابة والتابعين: أنهم كانوا لا يُتِمُّونَ التكبير في الصلاة، بأسانيد صحيحة كالشمس؛ بل كان هو العمل في أكثر البلدان.
روى البخاري، عن مطرف عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنه صَلَّى مع علي بالبَصْرَةِ، فقال: ذكَّرَنَا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع النبي ﷺ؛ فذكر أنه كان يكبر كلَّما رَفَعَ، وكلَّما وضَعَ.
وروى مسلم، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَة؛ «أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ كان يكبر في الصلاة كلَّما رفَعَ ووضع، فقلنا: يا أبا هُرَيْرَةَ، ما هذا التكبير ؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ.
وروى البخاري، عن قتادة، عن عِكْرِمَةَ؛ قال: «صَلَّيْتُ خلف شيخ بمكة، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة، فقلتُ لابن عباس: إنه أَحْمَقُ، فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبي القَاسِمِ.
وعِكْرِمَةُ مِنْ خاصَّة أصحاب ابن عباس، وأَعْرَفِهِم برأيه، ولا شك أنه يصلي خلفه أو معه، ومع غيره من الصحابة ومن أصحابه، فما وصف الرجل بـ «الأحمق إلا أنه ما سَمِعَهُ مِن ابن عباس؛ لا قولا ولا عملا، ولا من الأَجِلَّة مثله.
وقد كان عُمر بن الخطاب، وعُمَرُ بنُ عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيدُ بنُ جُبَيْرِ لا يُتِمُّون التكبير.
وهذا يدل على أنَّ التكبير قد تُرِكَ، حتى جَهِلَهُ الكثير؛ مما يدلُّ على عدم وجوبه، ويدل على أنَّ السلف لم يتلقَّوْهُ على أنه ركن أو واجب من الصلاة.
بل إنَّ تَرْكَ التكبيرات كان مشتهرًا جدًّا، حتى أصبح عمل الناس في بعض البلدان في القرون الأولى عليه؛ حتى قال إسحاق بن منصور:
قلت لأحمد: ما الذي نقصُوا من التكبير ؟ قال: «إذا انْحَط إلى السجود من الركوع، وإذا أراد أن يَسْجُدَ السجدة الثانية من كل ركعة».
حكم التكبيرات عدا تكبيرة الإحرام
فالتكبير في كلِّ خفض ورفع لم يكن مستعملا عندهم، ولا ظاهرًا فيهم، ولا مشهورًا مِنْ فِعْلِهِم في صلاتِهِمْ؛ لا في مَكَّةَ، ولا في المدينة ولا في البصرة.
وقد أصبح العمل في وقتنا في جميع البلدان - فيما أعلم - غير ما كان في بعض تلك العصور؛ فأصبَحَ العامَّةُ يَسْتَنكِرُونَ مَنْ يَتْرُكُ التكبيرات كما كان بعضهم يستنكِرُ مَنْ يفعَلُها في وقتِهِمْ، حتى مِنْ بعض أَجِلَّتهم؛ وهذا من الدلائل أنَّ عَمَلَ الناس واستنكارهم لا يغني من الحق شيئًا، وأنَّ الناس يجب أن يدوروا حيثُ دارتِ السُّنَّةُ، لا أن تدور السُّنَّةُ حيث دار الناس.
وهذه المسألة تُعَدُّ مِنَ المسائل التي ترك فيها مالك عمل أهل المدينة؛ للحديث الثابت.
وحمل بعض المحققينَ تَرْكَ التكبير فيما ورَدَ مِنَ الآثار السابقة على أنه ترك للجهر به، لا ترك للتكبير مطلقا.
الثالث: أن التكبير شُرعَ للإيذانِ بِحَرَكَةِ الإمام؛ للحديث: «فَإِذَا كَبَّرَ، فَكَبِّرُوا»، فلا يحتاج إليه المنفرد، والإمام الذي يراه من معه؛ كمَنْ صَلَّى بواحد.
مُصَلِّ. وقد استَقَرَّ الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكلٍّ.
والحَقُّ: أَنَّ مَنْ داوَمَ على ترك التكبيرات كلها، مُسِيءٌ لا يُحمَدُ له فعله، ولا ينبغي له أن يَفْعَلَ ذلك أو يتعمَّدَهُ.
رفع اليدين للركوع
وفي تكبيرة الركوعِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؛ لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ»، يحاذي بهما مَنْكِبَيْهِ وشَحْمةَ أُذُنَيْهِ، وفي رواية: «أَطْرافَ أُذُنَيْهِ»، وثَبَتَ عن عبد الله بن عمَرَ: أَنَّه رَفَعَ يَدَيْهِ حَدَّ ثَدْيَيْهِ، أي: دُونَ ذلك، وهو موقوف عليه وه.
وقتُ رفعِ اليَدَيْنِ
ووقت رفع اليدين جاء فيه الأحوال: قبل التكبير ومَعَهُ وبَعْدَهُ؛ جاء هذا في حديث عبد الله بن عمر، ووائل، ومالك. ورفع اليدين في هذا الموضع سُنَّةٌ.
مَوَاضِعُ رَفْعِ اليَدَيْنِ، وأحكامُهُ
والمواضع التي ثبت عن رسول الله ﷺ: أَنَّهُ كَان يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيها، في «الصحيح»؛ هي:
. تكبيرة الإحرام؛ وهذه أولها.
. والركوع؛ وهذه الثانية.
. والرفع من الركوع؛ وهذه الثالثة.
. والقيام من الركعة الثانية للثالثة؛ وهذه الرابعة.
وقد تكلم بعضُ الحُفَّاظ في الرابعة، وكان أحمد لا يرفع يديه فيها، وربما أفتى بالرفع، والحديث الوارد فيها في «الصحيح».
والرفعُ سُنَّةٌ، فَعَلَهُ الرسولُ، وفَعَلَهُ الصحابة، ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه لم يَرْفَعْ يَدَيْهِ في الصلاة مطلقا؛ كما قال ذلك البخاري في «جزء رفع اليدين».
وترك الرفع في الأحيان أفضَلُ؛ لأن راوي حديث الرفع هو عبد الله بن عمر، وجاء عنه: أنَّه لم يَرْفَعْ إلا في تكبيرة الإحرام؛ رواه ابن أبي شَيْبَةَ في مصنفه»، والطحاوي في شرح معاني الآثار»، عن مجاهد؛ قال: صَلَّيْتُ خلفَ ابْنِ عُمَرَ، فلم يكن يَرْفَعُ يَدَيْهِ، إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة».
وكان أحمد يُخَطّى رواية مجاهد، ويقول: «نافع وسالم أعرفُ بحديث ابن عمر، وإن كان مجاهِدٌ أقْدَمَ، فنافع أعلم فيه.
وقد جاء عن الأسود؛ قال: رأيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ هِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أول تكبيرة، ثم لا يعود»؛ رواه الطحاوي، وصححه البيهقي.
وعن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه؛ أنَّ عَليًّا ه كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يعودُ بَعْدُ؛ رواه الطحاوي، وقال: «هو أثر صحيح».
وقد جاء مرفوعًا عن رسول الله؛ ولا يصح، قد رواه الدارقطني، والبيهقي، وابنُ عَدِيٌّ، وغيرهم؛ من حديث محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سُلَيْمان، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن ابن مسعود: «صَلَّيْتُ معَ النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ، إلا عند استفتاح الصلاة».
قال ابن المُبارَكِ: «لم يثبت عندي»، وقال أبو حاتم: «هذا حديث خطأ»، وقال أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن آدم: «هو ضعيف»؛ نقله البخاري عنهما، وتابَعَهُما على ذلك، وقال أبو داود: «ليس هو بصحيح»، وقال الدارقطني: «لم يثبت».
وقد تفرد به محمد بن جابر.
وهو أصح شيء اعتمد عليه الثوري، والحنفية في منع رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام.
رَفْعُ اليَدَيْنِ في السجود
وأما رفع اليدين في السجود للسجودِ والرفع منه، فلم يثبت عن رسول الله ﷺ في ذلك خبر، وقد قال البخاري في «جزء رفع اليدين عن علي بن أبي طالب: ولا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شيء من صلاته وهو قاعد».
وقد رُوِيَ مِن حديث مالك بن الحُوَيْرِثِ، وأنس بن مالك، ووائل بن
حجر، وغيرهم، ولا يَصِحُ في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ: وحديث مالك بن الحويرث تفرد به ابن أبي عَدِي، عن شُعْبَةَ، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث.
ورواه جماعة عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ولم يذكروا فيه الرفع عند السجود.
وأما حديث أنس فالصواب فيه: الوقف، كذلك صوبه الدارقطني، وقد تفرد برفعه عبد الوهاب الثقفي.
وأما حديثُ وائل بن حُجْرٍ، فيرويه أشعَثُ بن سَوَّار؛ وهو ضعيف، عن عبد الجبار، عن أبيه.
وقد نفى ابن عمر - كما في الصحيحين»، وغيرهما - الرفع بين السجدتين.
وعليه: فلا يثبت عن رسول الله ﷺ الإشارة في الرفع من السجود، وفي الهوي إليه، وإنما ثبت عن بعض الصحابة، والسُّنَّةُ إنما تثبت بفعله عليه الصلاة والسلام.
لكن صح عن ابنِ عُمَرَ اللهِ مِنْ فعله: أنه كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذا سجد؛ فقد أخرج ذلك ابن حزم في المحلى»، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عُمَرَ؛ أنه كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذا دَخَلَ في الصلاة، وإذا رَكَعَ، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، وإذا سجد، وبين الركعتين، يرفعهما إلى ثدييه».
به. ورواه المخلص في «فوائده»، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، وهو صحيح عنه، إسناده كالشمس.
صفة الركوع
ثم بعد ذلك يَهْوِي للركوع، والسُّنَّةُ في هذا: أنْ يكونَ هُوي المأموم بعد الإمام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا»، والفاء للتعقيب؛ فيكون عقب الإمام؛ إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوَّله، فَيَشْرَعُ فيه بعد أنْ يَشْرَعَ.
وفي الركوع؛ السُّنَّةُ: أنْ يستوي ظهرُهُ؛ كما كان النبي ﷺ يفعل؛ كما في حديث أبي حُمَيْدِ الساعدي مرفوعًا: «إِنَّ النبيَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فِي الركوع »، أي: ثناه في استواء من غير تقويس.
وأما رأسه، فغيرُ مُقَنّع له، ولا صافح بخده؛ كما جاء في سنن أبي داود، وفي صحيح مسلم: «إنَّ النبيَّ لم يَشْخَصُ رأسَهُ، ولم يُصَوِّبُهُ، ولكن بَيْنَ ذلك؛ أي: معتدلا لا يرفعه، ولا ينكسه، وغيرَ مُبْرِز صفحة خده، ولا مائل في أحد الشَّقَيْنِ، ولكن بين ذلك.
وأقل الركوع: أن ينحني، بحيثُ تَنَالُ كَفَّاهِ رَكْبَتَيْهِ، أو قُرْبَ ذلك، ويجزئ منه ومن السجود أدنى لبث.
ويُسَنُّ أَن يُمَكِّنَ يَدَيْهِ مِنْ ركبتَيْهِ حال ركوعه، ويفرج بين أصابع يديه.
ويُسَنُّ كذلك أن يجافي يَدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ في الركوع، فهو أكمل في هيئة الصلاة وصُورَتِها، وذلك بالإجماع؛ كما نقله الطحاوي وغيره.
ويجب أن يطمئنَّ في ركوعِهِ، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة؛ وذلك لأنه كان لا يطمئن في ركوعه وسجودِهِ، ومَنْ لا يطمئن في ركوعه وسجوده، ولا يدرك أداء ما فيها من واجبات، فصلاته باطلة؛ فقد روى محمدُ بنُ نَصْرِ المروزي؛ من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب؛ أنَّ حذيفة بن اليَمَانِ رأى رجلًا لا يطمئن في ركوعه وسجودِهِ، فقال: منذ متى وأنت تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعينَ سَنَةً، قال: منذ أربعين سنةً ما صَلَّيْتَ، ولو مِنَّ على هذا، لَمِتَّ على غيرِ فِطْرَةِ محمَّدٍد عليه الصلاة والسلام».
وفي أمر النبي عليه الصلاة والسلام المسيء في صلاته بالإعادة دليل على الوجوب، وعلى بطلان صلاةِ مَنْ لم يطمئِنَّ في ركوعه.
تطويل الركوع
والسُّنَّةُ: أن يكون الركوع كالقيام طولًا، إلا أنْ يَشُقَّ ذلك على الناس، وهذا مِنَ السُّننِ التي يغفل عنها الكثير أو يتركونها.
وأيهما أولى - إذا كان لا يستطيع أن يطيل الركوع لمصلحة ما -: أيقْصُرُ القيام حتى يساوي الركوع، أم يجعل القيام طويلا إبقاء على السُّنَّةِ فيه، ويَخْتَصِرَ الركوع لمصلحة الناس ؟:
يقال: الأظهر: أنه يجعل القيام على أصله طويلًا، وَيَخْتَصِرُ في ركوعه؛ هذا هو الأولى، وظاهر السُّنَّة.
وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي ويقرأ في الركعة الواحدة بالسُّورِ الطويلة، ومع ذلك كان ركوعه قريبًا مِنْ قيامه.
الأذكار الواردة في الركوع والسجود، وحكمها
ولا يجوز قراءة القرآن في الركوع؛ ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن القراءة»، إلا في حالة إذا اقتبس الإنسان دعاءً من القرآن، أو تسبيحا؛ فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يتأوَّلُ القرآن؛ فيقولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»؛ كما جاء في الخبر عنه عليه الصلاة والسلام في «الصحيح».
والسُّنَّةُ للمصلِّي: أن يقول في ركوعِهِ: «سُبْحانَ رَبِّيَ العظيم ثلاث مَرَّاتٍ؛ وذلك أدنى الكمال، وفي سجودِهِ: سبحانَ رَبِّي الأعلى ثلاث مرات؛ وذلك أدناه.
وإِنْ سَبَّح عَشْرًا فحسَنٌ؛ فقد روى أبو داود؛ من حديث أنس؛ قال: «ما صَلَّيْتُ وراءَ أَحَدٍ بعد رسولِ اللهِ أَشْبَهَ صلاة به مِنْ هذا الفتى -يعني: عُمَرَ بن عبد العزيز - قال: فَحَزَرْنا في ركوعِهِ عَشْرَ تسبيحات».
والذَّكْرُ في الركوع والسجود مؤكَّد عليه جدا؛ ذهَبَ أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: إلى سُنِّيَّتِه، فلو ترَكَهَا لم يَأْثَم، وصلاته صحيحة؛ سواء تركها سهوا أو عمدًا، بل إنَّ مالكًا - في رواية ابن القاسم -لا يجد في الركوع والسجود دعاء مؤقتًا ولا تسبيحًا، ورُوِيَ عنه كَرَاهَةُ المداومة عليه؛ فمقصوده - والله أعلم - كراهة المداوَمَةِ على «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعلى»، و«سبحانَ رَبِّيَ العظيم؛ وهذا خشية أَنْ يَظُنَّ الناسُ وجوبها بعينها.
وقال أحمد، وإسحاق: هو واجب»، فإنْ ترَكَهُ عمدًا بطَلَتْ صلاته، وإنْ نَسِيَهُ، لم تبطل.
والغريب: أنَّ الكرماني يحكي الإجماع على عدم الوجوب؛ وهذا غير صحيح.
وثَمَّةَ قاعدة: أنَّ ما كان عبادة بنفسه، لم يَحْتَج إلى ركن قولي؛ كالركوع والسجود، وما لم يكن عبادةً بنفسه، احتاج إلى ركن قولي؛ كالقيام والقعود، ففي القيام: الفاتحة، وفي القعود: التشهد.
وأما الأمر بتحديد التسبيح بـ «سُبْحانَ رَبِّي العظيم في الركوع، وبـ «سُبْحانَ رَبِّيَ الأعلى في السجود، فرواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن موسى بن أيُّوبَ الغافقي، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن عُقْبَةَ بن عامر الجهني رضي الله عنه؛ أنه قال: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسولُ اللهِ ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، فلمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال لنا: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ».
وإياس: مستور، وهو من ثقاتِ المِصْرِيّين؛ كما قاله ابن حِبَّان.
ومِنْ أَدلَّةِ تأكيد وجوب التسبيح في الصلاةِ: أَنَّ اللهَ سمى الصلاة؛ تسبيحا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا * وَمِنْ ءَانَابِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]؛ وهذا أمر بالصلوات الخمس؛ لأنَّ الزمان: إما أن يكون قبل طلوع الشمس، أو قبل غروبها؛ فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين؛ قال ابن عباس: «هي الصلوات المكتوبة».
وكذلك سماها الله: قيامًا بقولِهِ: ﴿قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]؛ فإنَّ القيام من حقيقة الصلاة وجَوْهَرِها.
وسماها: سجودًا في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ وليس المراد هنا السجود المجرَّد، بل الصلاة كلها؛ أي: كُن من المصلين؛ أي: معهم؛ ولأجل كون المراد بالسجود الصلاة، لم يكن هذا الموضع مَحَلَّ سجدة في القرآن.
وسماها الله: ركوعًا؛ كقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وسماها: قرآنا بقوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [ الإسراء: ۷۸].
والتسبيح والقيام والسجود والركوع والقراءة أركان وفروض في الصلاة.
وتسمية الشيء بفعل فيه دليل على أنَّ هذا الفعل واجب فيه لازم له، لا ينفك عنه، فإذا وُجِدَتِ الصلاةُ، وُجِدَتْ هذه الأفعال، وليس العكس؛ لاشتراك غيرها فيها؛ فالتسبيح والقيام والقراءة والركوع والسجود من أبعاض الصلاة اللازمة؛ كما أنَّ الإنسان يسمى بأبعاضه اللازمة له، فيسمونه رأسًا؛ كما في حديث عُمَرَ مرفوعًا: «مَنْ أَظَلَّ رَأْسَ غَارٍ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، ورَقَبَةً؛ كما في قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رقبة﴾ [النساء: ٩٢].
وحينما نقول بجواز الصلاة بلا تسبيح يكون الأمر بالتسبيح في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] لا يناسب أن يكون أمرًا بأداء الصلاة؛ فإنَّ اللفظ حينئذ لا يكون دالا على معناه، ولا على ما يستلزم معناه؛ وهذا كما أنه في التسبيح كذلك في القيام والقراءة.
وزيادة وبحَمْدِهِ» في السجودِ والركوع مع قوله: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأغلى - أو العظيم - وَبِحَمْدِهِ غير محفوظة؛ أعلها أبو داود وغيره.
وقد جعل الله أفضل الكلام في الصلاة؛ كما جاء في الخَبَرِ الصحيح مرفوعًا: «أَفْضَلُ الكَلَامِ بَعْدَ القُرْآنِ أَرْبَعُ، وَهُنَّ مِنَ القُرْآنِ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»؛ ففي القيام في الصلاة، والاعتدال من الركوع: التحميد، وفي الركوع والسجود: التسبيح، وفي الانتقال بين الأركان والواجبات: التكبير، وفي القعود: التشهد؛ وفيه: التهليل والتوحيد؛ فصارت الأربعة كلها في الصلاة.
والسُّنَّةُ: أن يعظم الرب في الركوع، وكذلك في السجود، ويُكْثِر من الدعاء في السجود، وما صح عن النبي ﷺ في الركوع والسجود من أذكار:
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»؛ في الصحيحين»، عن عائشة مرفوعا.
و«سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوح»؛ في «صحيح مسلم» عنها أيضًا.
و«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»؛ في صحيحمسلم عنها أيضًا.
و «سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ»؛ رواه أبو داود، عن عوف بن مالك.
و«سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» في الركوع، و«سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» في السجود؛ رواه مسلم، عن حذيفة«٥».
وفي الركوعِ: «اللَّهُمَّ، لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُنِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي»، وفي السجود: «اللَّهُمَّ، لَكَ سَجَدتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ»؛ رواه مسلم، عن علي.
والحاصل: أنَّ السُّنَّة: أن يعظم الربَّ بما جاء من ألفاظ التعظيم عن رسول الله ﷺ، مِنْ غير تقييد بلفظ معين.
وقول النبي ﷺ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي»؛ هذا يدل على أنَّ الركوع من مواضع الدعاء؛ أنْ يَدْعُوَ الإنسان بما تيسر له، مع تعظيم الرب جل وعلا؛ وهذا لا ينافي حديث: «أَمَّا الرُّكُوعُ، فَعَظْمُوا فِيهِ الرَّبَّ»؛ لأنَّ هذا الذكر زيادة على ذلك التعظيم الذي كان يقولُه؛ فَيُجْمَعُ بينه وبين هذا.
وقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي» امتثال لقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ﴾ [النصر: ٣].
عَدَدُ التسبيحات
وأَمَّا العَدَدُ: فيسبح ثلاثًا؛ فعن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ؛ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ، فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ»؛ رواه أبو داود، والترمذي وابن ماجه، وعَوْنْ لم يَلْقَ ابن مسعود.
وقد قال بذلك أكثر العلماء، وإن زاد فَحَسَنُ؛ فإطالة النبي عليه الصلاة والسلام ركوعه كقيامه دليل على التكرار، وأَلَّا يَمَلَّ الإنسانُ مِن كثرة تعظيم الرب جل وعلا، وكان أحمدُ يَرَى أَنَّ التسبيح ثلاثًا في السجود وسط بين الكثرة والقلة.
وإن أتى الإنسان ببعض ألفاظ التعظيم، مِمَّا لم يَرِدْ، فلا بأس بذلك؛ والدليل على ذلك قوله: «فَعَظْمُوا فِيهِ الرَّبَّ»، وتنويع النبي عليه الصلاة والسلام بين الألفاظ؛ قرينة على عدم لزوم شيء بعينه.
أحكام الرفع من الركوع
ثم يَرْفَعُ ويشيرُ بِيَدَيْهِ، ويقولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ إِمَامًا و منفردًا، وأما المأموم، فيقولُ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ».
وقد جاء في هذا صيغ عن رسول الله ﷺ أربع؛ وهي:
أولها: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ».
وثانيها: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ».
وثالثها: «رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ».
ورابعها: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ».
وهي في الصحيح، ولم يثبت في الحِكْمَةِ من تخصيص الرفع من الركوع بهذا اللفظ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» عن سائر الانتقال خَبَرٌ، وقد ذكر بعض الفقهاء مِنَ الحنفية في ذلك خبرا موقوفا على أبي بكر الصديق الله، وذكروه مرفوعا أيضًا؛ وليس له أصل.
ويضيف المأموم والإمامُ: «اللَّهُمَّ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدَّ مِنْكَ الجَدُّ».
رواه مسلم، عن أبي سعيد، وعنده زيادة من حديث عبد الله بن أبي أوفى الله؛ قال: كان رسول الله ﷺ إِذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن الركوع، قال بعد ذلك: «اللَّهُمَّ، طَهَّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالبَرَدِ وَالمَاءِ البَارِدِ اللَّهُمَّ، طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الوَسَخِ.
وهذا من عجيب الذكر والدعاء ولطيفه؛ ففيه: الحمد رأس الشكر، وفيه: الاستغفار، والله غفور شكور؛ فالحَمْدُ بإزاء النعم، والاستغفار بإزاء الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال الجليل سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وما شَكَرَ الله عبد لا يَحْمَدُهُ.
والرفع من الركوع والاعتدال فرضان؛ لحديث المسيء في صلاته، وهو من مواضع الدعاء.
وإطالة الاعتدال بعد الركوع، وإطالة الجَلْسَةِ بين السجدتين: من السُّنَّةِ؛ ففي صحيح مسلم، عن أنس قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ: إذا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قام حتى نقول: قد أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ ويَقْعُدُ بين السجدتَيْنِ حتى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ».
ومعنى ذلك: أنه كان يَلْبَثُ في حال الاستواء من الركوع زمانًا يُظَنُّ أنه أسقط الركعة التي رَكَعَها، وعاد إلى ما كان عليه من القيام.
بل قد جاء في الصحيحين، عن البراء بن عازب، قال: «رَمَقْتُ الصلاةَ مَعَ محَمَّدٍ، فَوَجَدتُّ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ مَا بينَ التسليم والانصراف: قريبًا مِنَ السَّوَاءِ».
وهذا يدل على أنه يُكْثِرُ مِنَ الدعاء والذكر.
وقبض اليدين بعد الرفع من الركوع تقدم الكلام عليه.
الهوي للسجود، وأحكامه
ثم يَهْوِي إلى السجودِ، ويَهْوِي المأموم بعده؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: «فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ».
. وهل يقدم المصلي عند سجودِهِ يَدَيْهِ أو ركبتيه؟
. أما في المرفوع، فلا يثبت في ذلك شيء، وما جاء في حديث وائل بن حجر، فمعلول بتفرُّدِ شَرِيكِ النَّخَعِي به، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْرٍ رضي الله تعالى عنه؛ قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ إِذا سَجَدَ، يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ، رَفَعَ يَدَيْهِ قبل ركبتيه»؛ رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه.
قال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كُلَيْب غيرُ شَرِيك. وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به».
وأعله بذلك البخاري وغيره.
وجاء ذلك عن عُمَرَ مِن فعلِهِ بسند صحيح؛ كما أخرجه الطحاوي في شرح المعاني؛ مِن طريق عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش؛ قال: حدثني إبراهيم، عن أصحاب عبد الله: عَلْقَمَةَ والأسود؛ قالا: حَفِظُنا عن عُمَرَ في صلاته أنه خَرَّ بعد ركوعه على رُكْبَتَيْهِ، كما يَخِرُّ البَعِيرُ، وَوَضَعَ رَكَبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ».
وأما حديث أبي هُرَيْرَةَ الذي تفرد به محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحَسَن عن أبي الزناد، عن الأَعْرَج، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ».
فقد أعله سائر الأئمة؛ كالبخاري، والترمذي، والدارقطني وغيرهم؛ أعلوه بالتفرد.
لكن قد ثبت عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بن الخطاب؛ فيما رواه البخاري معلقا، وجاء عن عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابنِ عُمَرَ؛ أنه كان يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
وللعلماء في هذه المسألة كلام طويل، والتخيير هو الأولى بحَسَبِ ما هو أَنْسَبُ للإنسان، وما هو أَيْسَرُ له؛ فمِنَ الناسِ مَنْ هو ثقيلُ البدن، ومنهم من هو خفيف؛ وذلك أنه لا يصح في المرفوع من ذلك شيء.
ما يُكْرَهُ فِعْلُهُ فِي الصلاةِ
ويُكْرَهُ للمصلِّي أنْ يَكْفِتَ الثوب، والكَفْتُ: الجمع؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا﴾ [المرسلات: ٢٥]؛ أي: ألم نَجْعَلْها مجموعة؛ أي: جَمَعْناها، وكَفْتُ الثوب، وعَقْصُ الشعر، والاختصار، وكذلك بَسْطُ الذراعَيْنِ، والإقعاء كإقعاء الكَلْبِ، والالتفاتُ، وَنَقْرُ الغراب؛ أي: العَجَلَةُ في السجود؛ كل هذا منهي عنه.
صفة السجود
ويجب أنْ يَسْجُدَ على سبعة أعظم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم: عَلَى الجَبْهَةِ - وَأَشارَ بيدِهِ إلى أنفِهِ - وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ».
وقوله: «وأشار إلى أنفِهِ»: إشارة إلى أن الجبهة والأنف: في حكم العضو الواحد، وأنهما يجب أنْ يَمَسَّا الأرض، ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة: أنه لا يُجْزِئُ وضع الأنف فقط، وجمهور العلماء على أنَّ الجبهة تُجْزِئُ وحدها؛ والأحوط وضعهما جميعًا.
ويجعلُ كَفَّيْهِ حذوَ مَنْكِبَيْهِ على الأرضِ حال سجودِهِ، أو عندَ شَحْمةِ أُذُنَيْهِ، ويفرح بينَ يَدَيْهِ، ويبالغ في ذلك، ما لم يؤذِ مَنْ حوله؛ لثبوتِ ذلك عن رسول الله ﷺ؛ كما في الصحيح، عن عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنَةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا صلَّى، فَرَّج بينَ يَدَيْهِ حَتى يَبْدُو بياضُ إِبْطَيْهِ.
صفة السجود
ويفرج بينَ فَخِذَيْهِ في سجودِهِ غير حامل بطنه على شيء منهما.
ويقبض المصلِّي أصابعَهُ، ويَجْمَعُها، ويَجْعَلُ يَدَيْهِ مستقبِلَةَ القِبْلَة؛ روى البيهقي، عن أبي إسحاق، عن البراء؛ قال: «كان النبي ﷺ إذا رَكَعَ، بَسَطَ ظَهْرَهُ، وإِذا سَجَدَ، وَجَّهَ أصابعَهُ قِبَلَ القِبْلَةِ؛ فَتَفَاجَ؛ وهو صحيح.
وروى ابن أبي شَيْبَةَ في المصنف، عن نافع؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كان يقولُ: «إِذا سَجَدَ أحدُكُمْ، فَلْيَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ بِيَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُما يَسْجُدَانِ مع الوَجْهِ».
وثبت هذا عن الحَسَنِ، ومحمَّدِ بنِ سِيرِينَ.
وروى ابن أبي شَيْبَةَ في المصنف أيضًا، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن حفص بن عاصم؛ قال: «مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلاةِ: أَنْ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ، ويَضُمَّ أَصابِعَهُ، وَيُوَجِّهَهُمَا مع وجهِهِ إلى القبلة».
والسجود أعظم مواضع الدعاء.
ومناسبة قولهِ فِيهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، - فيما يظهرُ -: أَنَّه في حال ذل وانكسار وقُرْبٍ مِن الأرض؛ فناسَبَ أَنْ يبين على الله.
وتقدم ذكر أذكار السجودِ مع أذكار الركوع؛ فلا حاجة لإعادتها هنا.
الذكر والدعاء في سجود التلاوة
ولا يثبت ذكر ولا دعاء في سجود التلاوة، وأما ما ورد فيه من قَولِهِ: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ»، فلا يصح، فإسناده منقطع، أعله الدارقطني وغيره بذلك.
ويسبح فيه كما يسبح في سائر السجود في الصلاة؛ وبهذا قال أحمد. ويجعل سجوده قريبًا مِن ركوعه، ويُكْثِرُ فيه من الدعاء؛ فقد قال النبي عليه الصلاةُ والسلامُ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنْ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».
وضم القدمين في السجود، لا أعلم فيه شيئًا صحيحًا صريحًا، وقد أخرَجَ ابْنُ خُزَيْمة في صحيحه، وغيره من حديث عُروة، عن عائشة لنا، فيما ترويهِ مِنْ صفة سجودِ رسولِ اللهِ، قالت: «وَجَدتُّهُ سَاجِدًا رَاضًا عَقِبَيْهِ، مُسْتَقْبِلًا بِأَطْرافِ أَصَابِعِهِ القِبْلَةَ»، وفي صحة الخبر نظر، وأصله في الصحيح؛ من غير ذكر هذه الزيادة: «رَبِّ العَقِبَيْنِ».
وحديث عائشة لا أنَّها افتَقَدَتِ النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة من الليالي، قالت: «فَالْتَمَسْتُهُ، فَمَسَّتْ يَدِي قَدَمَيْهِ». فَقُولُهَا: مَسَّتْ يَدِي قَدَمَيْهِ لا يلزم منه الرَّص، ولعل ما في صحيح ابنِ خُزَيْمَةَ» هو فهم فَهِمَهُ بعض الرواة؛ فَرَوَوْهُ على فهمهم.
ومع ذلك: فمِثْلُ هذا اللفظ لا يُجزَمُ فيه بأنَّ الرَّضَ سُنَّةٌ؛ لوجوه؛ منها:
الأول: لعلها أرادت بذلك التجوز في اللفظ؛ أي: أنها إذا مست قدما واحدة، فالثانية بجوارها؛ وهذا مسلم.
الثاني: أنَّه قد تَمَسُّ يَدُكَ الواحدة قدمي المصلي، وليستا بملتصقتين؛ كأن تكون بجوارِهِ، فَتَمَسَّ بكفِّكَ قدمه اليمنى، وبآخر ذراعك قدمه اليسرى، ويجوز حينئذ في اللغة أن تقول: «مَسَّتْ يَدِي قَدَمَيْهِ».
والأظهَرُ: أَنَّ السُّنَّةَ في هذا أن تكون قدماه على عادته من غير تعمد لتفريج، ولا تعمد لرص.
ووضع القدمين في أثناء السجود يكون ناصبًا لهما، ويستقبل بأصابع قدَمَيْهِ القِبْلَةَ؛ كما في حديث أبي حميد في «الصحيح».
ولا يجوز له أن يرفع قدميه أو إحداهما حال سجوده؛ لأنه مأمور أن يسجد على سبعة أعظم.
الجَلْسَةُ بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، وأحكامهما
ويرفع من سجوده، ولا يرفع يديه؛ لما تقدم.
وهذه هي الجلسة بين السجدتين؛ والسُّنَّةُ فيها: الافتراش؛ بأن يَنْصِبَ اليمني، ويستقبل بأصابعها القِبْلَةَ، وَيَفْرِسُ اليسرى ويَجْلِسَ عليها؛ وهذا عند جمهور العلماء، خلافًا لبعض الفقهاء من المالكية، الذين قالوا بالتورك بين السجدتين.
وذلك لحديث النَّسَائِي، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه؛ قال: مِنْ سُنَّةِ الصلاةِ: أَنْ تَنْصِبَ اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى. وهو صحيح.
ولا بأس بالإقعاء بين السجدتين، والإقعاء هو: أنْ يَجْلِسَ على عَقِبَيْه، ناصبًا لِقَدَمَيْه.
والإقعاء سُنَّةٌ؛ ثَبَتَ في صحيح مسلم؛ من حديث طاوس، عن عبد الله بن عباس؛ أنَّه سُئِلَ عن الإقعاء؟ فقال: «هُوَ السُّنَّة»، ونسبه أحمد إلى العبادلة الأربعة من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو.
وليس هذا هو الإقعاء الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب، وهو جلوس الرجل على أَلْيَتَيْهِ ناصبًا فَخِذَيْهِ مثل إقعاء الكلب والسَّبْعِ؛ فهذا مكروه بالنص وباتفاق الأئمة الأربعة.
وقال بعضهم - وهو وجيه -: إنَّ المراد بالإقعاء هو أنْ يَفْرِشُ قَدَمَيْهِ عن يمينه ويسارِهِ، أو يَنْصِبَهُما، ويَجْلِسَ عَلى أَلْيَتَيْهِ بَينَ قَدَمَيْهِ.
ومن الفوائد هنا: ما يذكره بعض العلماء: أن ليس شيء يكون إذا قام أقصر منه إذا قَعَدَ إلا الكلب إذا أقْعَى؛ نص على ذلك ابن عبد البر في كتابه «الاستذكار» عند كلامه على هذه المسألة.
والجلسة بين السجدتين يجب فيها الطمأنينة، ولا يُشْرَعُ فيها الإشارة بالسبابة؛ فما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، ولا أحدٌ من الصحابة، وقال بمشروعية ذلك بعض الفقهاء من المتأخرين؛ استدلالا بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يشير إذا جَلَسَ، والأظهَرُ: عَدَمُ المشروعية؛ لأنَّ الجلوس والقعود إذا أُطلق، فالمراد به التشهد.
وفي حال جلوسه بين السجدتين، يبسُطُ كَفَّيْهِ عَلى فَخِذَيْه، ويصحأنْ يَجْعَلَهُما على ركبتيه، ويقولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي»، ثبَتَ ذلك عن رسول الله، كما في السنن»؛ من حديثِ حُذَيْفَة.
وأما الزيادة على ذلك أن يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي»، فلا يثبتُ؛ جاء ذلك في «السُّنَن»؛ من حديث كامل أبي العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس. وتفرد به کامل، ولا يحتج بما تفرد به.
وإن كرَّر: «رَبِّ اغْفِرْ لِي» أكثَرَ مِن ذلك، أو دعا بأدعية أخرى، فلا حرج في ذلك؛ لأنَّ النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يطيل ما بين السجدتين، وهو من مواضع الدعاء.
وجلسة الاستراحة جاءت عن النبي ﷺ في ثلاثة أخبار؛ منها:
حديث مالك بن الحُوَيْرِثِ؛ «أَنَّ الرسول ﷺ إذا كان في وثر من صلاته، لم يَسْتَتِمَّ قائما إلا بعد أن يَجْلِسَ».
وهي صحيحة إسنادًا، وإن كان في ثبوتِ سُنِّيَّتِهَا كلامٌ، وقدح في ثبوتها بعض العلماء، والله أعلم.
ولا يكبر لقيامه من جلسة الاستراحة؛ لأنَّه قد كبر لرفعه من السجود، وإذا لم يكبر، فيكبر إذا قام منها.
والغريب أن بعض الفقهاء قال: إنه يكبر تكبيرتين؛ الأولى: للاستراحة، والثانية للرفع منها؛ كأبي الخطاب الحنبلي، وقد حكى المجد ابن تيمية الإجماع على أنها تكبيرة واحدة.
والسجود في الثانية كالأولى.
ويَفْعَلُ في الركعة الثانية كما فَعَلَ في الأولى، إلا إنَّه لا يستفتحفيها؛ أي: لا يدعو دعاء الاستفتاح، وتكون القراءة كالنصف من قراءة الأولى؛ لأنه فعل النبي ﷺ.
النهوض للركعة الثانية
وحال قيامه للثانية يقوم معتمدًا على الأرض؛ لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ.
ويعتمد على يَدَيْهِ على الأرضِ؛ لِمَا في «الصحيح»، عن أبي قلابة؛ قال: «جاءنا مالك بن الحُوَيْرِثِ، فصلى بنا في مَسْجِدنا هذا، فقال: إِنِّي لَأُصَلِّي بكم وما أُرِيدُ الصلاة، لكني أُرِيدُ أن أُرِيكُمْ كيف
رأيت رسول الله ﷺ يصلي، قال أيُّوبُ: فقلتُ لأبي قِلَابَةَ: كيف كانت صلاتُهُ؟ قال: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هذا - يعني: عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ - قال أيُّوبُ: وكان ذلك الشيخ يُتِمُّ التكبير، وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثانية، جلس واعتمد على الأرض، ثُمَّ قام».
وأما القيامُ عَجْنًا، فلا يثبت عن رسول الله.
وكذلك الاعتماد على الركبتين والفخذَيْنِ فيه حديثُ وائل بن حُجْرٍ عند أبي داود، وأُعِلَّ بالانقطاع بين عبد الجبار وأبيه.
الجلوس للتشهد وصفته وأحكامه
ثم في الثانية يجلس للتشهد الأول.
وهيئة الجلوس للتشهد - هنا - للعلماء فيها أقوال عدة:
ذهب جمهور العلماء - وهو قول الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة -: إلى أنَّ السُّنَّةَ في التشهد الأول في الرباعية والثلاثية الافتراش.
واختَلَفُوا في الأخيرة، في التشهد الأخير في الثلاثية والرباعية:
فذهب الإمام أحمد: إلى أنَّه يفترسُ في التشهد الأول، وفي تشهد الثنائية، ويتورك في الثلاثية والرباعية في التشهد الأخير.
وذهب الشافعي: إلى أنه يتورك في آخر الصلاة؛ سواء كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، وفي التشهد الأول يفترش.
وكلاهما - الإمام أحمد والشافعي - استدلا بظاهر حديث أبي حُمَيْد الساعدي؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا جلس للتشهد الأوَّلِ، نصبَ اليمنى، وافترش اليسرى، وقال أبو حُمَيْدٍ في حديثه: وإذا جلس في الركعة الآخرةِ، قدَّم رِجْلَهُ اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مَقْعَدَتِه.
وذهب أبو حنيفة: إلى عدم مشروعية التورك، وأن الافتراش هو السُّنَّة بالإطلاق، في الأول والأخير.
وذهب الإمام مالك؛ إلى التورك بكل حال، حتى بين السجدتين، وهذا الذي عليه جماهير أصحابه.
وقد خير الإمام أحمد بين هذه الأفعال، وإن كان يميل إلى الافتراش في التشهد الأول، والتورُّكِ في التشهد الأخير، وكأنه يميل إلى أن هذه أحوال وأفعال فعَلَها النبي عليه الصلاة والسلام؛ فلا حرج على من يختار شيئًا من ذلك.
لكن يقال: إنَّ النبيَّ ﷺ فعَلَ هذه في أحوال مخصوصة، وهذه في أحوال مخصوصة، في صلاة واحدة؛ مما يدلُّ على المغايرة؛ والأمر في هذا واسع.
ولو جلس في سائر جلسات الصلاة مفترشًا أو متوركًا أو متربعا أو مُقْعِيًا أو مادا رجليه، صحت صلاته.
والافتراش هو: أنْ يَنْصِبَ قَدَمَهُ اليمنى، ويفترش اليسرى، ونصب اليمني على حالين:
الحالة الأولى: أن ينصب القدم، ويجعل أصابعها جهة القبلة.
والحالة الثانية: أن يجعَلَ أَصابع قدمه اليمنى خلفه، فارشا لها في الخلف.
وأما التورك: فتكون اليمنى على هاتين الحالين، وتكون اليسرى
بين ساقه وبين الأرض، وجاء في صحيح مسلم»: أن تكون قدمه اليسرى بين ساقه وفخذه، وهذا غير محفوظ، والصحيح: رواية أبي داود: تحت فخذه اليمنى وساقه».
والتشهد الأول من الواجبات: مَنْ تركه عمدًا بِطَلَتْ صلاته، ومَنْ ترکه ساهيا، سجد للسهو.
ومن قام للثالثة ساهيًا، فإن اعتدل قائمًا، فلا يَرْجِعُ إلى التشهد الأول؛ لأنه قد شرَعَ في ركن، فلا يَدَعُ الركن إلى شيء واجب.
ففي البخاري: عن عَبْدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ، وهو مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهو حليف لبني عبد مناف، وكان من أصحاب النبي ﷺ؛ أنَّ النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأولَيَيْن ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناسُ تسليمه، كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم».
والتشهد الأول ليس معه صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، على الصحيح، وما جاء في ذلك عن رسول الله، فلا يثبت، وليس من السنة، خلافا للشافعي في أحد قوليه.
ولا يدعو بعد تشهدِهِ الأَوَّل؛ فإنَّ الدعاء إنما هو بعد التشهد الأخير، وإن ثبت هذا عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وقال به الإمام مالك: أنه يدعو بعد التشهد الأول، لكنه لم يثبت عن النبي.
وإن أطال الإمام في الجلوس، وقضى المأموم تشهدَهُ، فَإِنَّه يسبِّحُ ويهلل، وإن دعا بما ورد عن عبد الله بن عمر، فلا حرج عليه لمن احتاج إليه؛ لطول جلوس الإمام، إلا أنه خلاف الأولى.
وعند القيام من التشهد الأول للثالثة يُشْرَعُ التكبير للقيام من التشهد الأوَّلِ حين يَشْرَعُ في الانتقال، ويَمُدُّهُ حتى ينتصب قائما، وإن لم يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائما، فلا بأس.
وإن قام إلى الثالثة، فإنَّه يرفعُ يَدَيْهِ؛ لِمَا تقدَّم.
الإشارة بالإِصْبَعِ في التشهد
وتُشْرَعُ الإشارة بالإصْبَعِ في التشهد الأول والأخير؛ لحديث عبد الله بن عُمَرَ في «الصحيح، قال: «كان - أي: النبي ﷺ - إذا جلس في الصلاة، وضَعَ كَفَّهُ اليمنى على فخذه اليمنى، وقبَضَ أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفَّهُ اليسرى على فخذه اليسرى».
وما ورد عن رسول الله ﷺ من أحوال الإشارة بالإصبع خمسة أحوال:
. نَصْبُهَا.
. وتحريكها.
الإشارة بالإصْبَعِ في التشهد.
. وحنيها.
. واستقبال القبلة بها.
والثابت عن رسول الله ﷺ: أنه كان يرفعُ إِصْبَعَهُ، ويشير بها.
أما التحريك - وهو مذهب الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد: فلم يثبت عن رسول الله، وقد تفرد به زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، وقد أعلها أبو بكر بن العربي وغيره، وقد صحح الحديثَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وغيرهما.
والأظهَرُ: أَنَّ ابنَ خُزَيْمَةَ يرى الإعلال، وحكى بعضهم التصحيحعنه؛ وهو غير ظاهر.
وروى عبد الرزاق، وابن أبي شَيْبَةَ، والبيهقي، عن الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أَرْبَدَة التميمي؛ قال: «سُئِلَ ابنُ عَبَّاس عن تحريك الرَّجُلِ إصبعه في الصلاة ؟ فقال: ذلك الإخلاص.
وأما عدم التحريك: ففيه نظر أيضًا.
والثابت: الرفع والإشارة، والتحريك مسكوت عنه، ومن أشار وحرَّكَ مِنْ غير تعبد بذلك التحريك، فلا شيء عليه، ولا حَرَجَ، وإنْ تعبد - لتصحيحه الدليل - فهو مُتَّبِعٌ، وإن كان لا يرى صحته وحرَّك، ففعله هذا متضمن للإشارة، والتحريك قَدْرٌ زائد لا يُتعبد به لمن لا يرى صحة هذا الخبر.
وأمَّا حَنيها: فقد جاء عند أبي داود؛ مِن حديث مالك بن نُمَيْرٍ، عن أبيه، وتفرد به؛ وهو مجهول.
وأما استقبال القِبْلَةِ بها: فقد رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ «أنه رأى رجلا يحرك الحصا بيده وهو في الصلاة، فلما انصرف، قال له عبد الله: لا تحرك الحصا وأنتَ في الصلاة؛ فإنَّ ذلك من الشيطان، ولكن اصْنَعْ كما كان رسولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ، يضَعُ يده اليمنى على فخذه، وأشار بإِصْبَعِهِ التي تلي الإبهام إلى القِبْلَةِ، ورمى ببصره إليها، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ. رواه النسائي، وابنُ خُزَيْمَةَ، وابنُ حِبَّان. وفي صحته نظر.
وأما التحريك لمن قال بالتحريك: فقد اختلف الفقهاء في وقته:
. أما الحنفية: فيَرَوْنَ رفع السبَّابَةِ عند النفي في الشهادتين؛ أي:
عند قوله: «لا»، ويضعها عند الإثبات.
. وأما المالكية: فيَرَوْنَ تحريكها يمينا وشمالا إلى أَنْ يَفْرُغَ من الصلاة.
. وأما الشافعيَّةُ: فَيَرَوْنَ رفعها عند قوله: «إلا الله».
. وأما الحنابلة: فَيَرَوْنَ أنه يشيرُ بِإِصْبَعِهِ كلَّما ذكَرَ اسم الجلالة.
ولكن التحريك لم يثبت عن رسول الله ﷺ أصلا، ومثل هذه التفريعات اجتهاد في موضع تَعَبدِي مستنده النص الصحيح الصريح؛ وهذا ما لا يجوز اعتماده.
وتضعيفنا لهذه الألفاظ عن رسول الله، لا يعني إنكار فِعْلِ ما جاء فيها، ولكن نقول: إنَّ التعبد فيها يفتقر إلى دليل؛ فالسُّنَّةُ أَنْ تُشِيرَ؛ فإن استَقْبَلْتَ بها القبلة، أو انحرفَتْ يمينًا أو شمالًا، أو حرَّكت، فهو إشارة.
وما زاد عن معنى الإشارة، فلا يُستحضر التعبد به إلا عند مَنْ يرى ثبوته، وبعض الناس بطبعه إذا أشار تنحني إِصْبَعُه، وبعض الناس بطبعه يرفعها ويخفضها لا يريد بذلك تعبدًا، وإنما يريد بذلك الإشارة، نقول: كل هذا مسكوت عنه، ولا حرج على الإنسانِ أَنْ يَفْعَلَهُ.
الوارد ذِكْرُهُ في التشهد
وفي تشهده الأخير يذكرُ ما قاله في التشهد الأول كما تقدم، وما ثبت عن رسول الله ﷺ من التحيَّاتِ أشهرها حديث ابن مسعود، وتشهده بالاتفاق هو أصح ما جاء عن رسول الله ﷺلله وأشهره، وهو التشهد المشهور: «التَّحِيَّاتُ اللهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»؛ كما في الصحيحين».
وجاء من حديث ابن عباس في «مسلم»: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وفيه عن أبي موسى: «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وورد في تشهد ابن مسعود: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، وقد استحَبَّ بعض السلف أن يقال بعد وفاته: «السَّلَامُ عَلَى النبي»، والحكمة من ذلك: أنَّ الأَوَّلَ يتضمَّنُ الإشارة، وبعد وفاة النبي ﷺ لا مناسبة لذلك.
وقد روى سعيد بن منصور، من طريق أبي عُبَيْدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعود، عن أبيه؛ أنَّ النبيَّ ﷺ علمهم التشهد، فذكر التشهد السابق، قال ابن عباس: إنما كنا نقول: «السلام عليك أيها النبي إذ كان حيا،
فقال ابن مسعود: هكذا عَلَّمَنا، وهكذا نعلم».
وقد كان عطاء يقول: كان أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ لَمَّا كان النبي ﷺ حَيًّا يقولونَ: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، فلمَّا تُوفِّيَ، قالوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ. وكأنَّه حَكَى عمل الصحابة.
وعلى كل: لا حَرَجَ في ذلك كله:
فإنَّ شهود الإنسان للنبي ﷺ لا يعني له التعلق بهذا اللفظ: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ».
كما أن الصحابة كانوا يسافرون عن النبي عليه الصلاة والسلام ويَرْتَحِلُونَ، ومع ذلك ما أَمَرَهم النبي أن يقولوا: «على النبي»، وألا يقولوا: عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ؛ فدل على بقاء اللفظ؛ ولهذا قال ابن مسعود:
هكذا عَلَّمَنَا النبيُّ، وهكذا نُعَلِّمُ؛ أي: نعلم الناس، كما علمنا النبي ﷺ من غير زيادة ولا نقصان؛ فمَنْ فَعَلَ بما كان عليه ابن مسعود، فلا حرج، وهو الأصل، ومَنْ فَعَلَ بما كان عليه ابن عباس وما حكاه عطاء عن جماعة من أصحاب رسول الله، فإنَّه لا حرج عليه أيضًا.
ومَنْ أَخَذَ بأحد التشهدات الثابتة عن الصحابة - كتشهد ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وعُمَرَ بن الخطاب، وعائشة، وغيرهم - فكل هذا وارد وسُنَّةٌ، وإن غاير الإنسان بين هذا وهذا، فلا حرج، ولكن الأشهر الذي ينبغي أن يغلبه الإنسان في صلاته: هو تشهد ابن مسعود رضي الله عنه.
النهوض إلى الركعة الثالثة
لا أَعْلَمُ نصًا في صفة الاعتماد والنهوض في هذا الموضع من المرفوع، والأمر فيه واسع وأما حديث أبي هريرة - عند الترمذي. عن خالد بن إِلْيَاس، عن صالح مولى التَّوْءَمَةِ، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ «أَنَّ النبي ﷺ كان ينهض على صدور قَدَمَيْهِ».
فهو عام، ومع عمومه، فهو ضعيفٌ؛ لضعف خالد راويه، وكان أحمد يفتي به عند القيام من التشهد الأوَّلِ، ومن الركعة الأولى والثالثة.
وقد ثبت في الموقوفِ عن عبد الرحمن بنِ يَزِيدَ؛ «أَنَّ ابن مسعود كان يَنْهَضُ على صدور قَدَمَيْهِ في الركعة الأولى والثالثة، ولا يجلس». رواه البيهقي بسند صحيح.
وعند البيهقي أيضًا عن ابنِ عُمَرَ بنحوه بسند صحيح، ورُوِيَ أيضًا عنه خلافه بأن يعتمد على يَدَيْهِ.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى مشروعية النهوض على اليدين معا في كل نهوض؛ سواء من جلوس أو سجود، وعللوا ذلك بأنَّه أشبه للتواضع وأنشط للقيام؛ نص على هذا الشافعي في «الأم» وغيره، ولعله استأنس بالوارد في حديث مالك بن الحُوَيْرِثِ في القيامِ مِن الأولى للثانية، وقاس عليه.
الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير
وأما الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير، فذهَبَ الفقهاء من الحنابلة إلى وجوبها، والصواب: أنَّها سُنَّةٌ في التشهد الأخير، وهو قول جمهور العلماء؛ وذلك أنه لم يثبت الأمر بها عن رسول الله ﷺ، وإنما النبي عليه الصلاة والسلامُ لَمَّا جاءه الصحابة، وعلمهم التشهد، قالوا: عَلَّمْنَا كيف نصلي عليك، فقال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وفي البخاري، عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي رضي الله عنه؛ قال: «قال الصحابة: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ، صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ؛ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
فالنبي ﷺ سأله الصحابة: قالوا: كيف نصلي عليك؟ إذن: لم يكن شَرَعَهُ قبل ذلك حتى جاء السؤال، ولا أعلم أحدًا من الصحابة ثبت عنه العلم بمشروعية الصلاة على النبي ﷺ قبل هذا الخبر في الصلاة.
والقاعدة: أنَّ الأمر إذا جاء بعد سؤال، فإنَّه يفيد الاستحباب، ولا يفيد الوجوب إلا لقرينة تؤكد الوجوب لا الاستحباب، ولا مؤكد في هذا.
وإن أضاف في الصلاةِ أزواجَهُ: «اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ»، فهذا وارد؛ كما تقدم.
الدعاء بعد التشهد
وإذا فَرَغَ مِن تشهدِهِ، فَإِنَّه يُشرَعُ له الدعاء؛ فهذا من مواضع الدعاء.
ويُشرع له أن يستعيذ مما استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام؛ كما في الصحيح، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ قال: «قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ».
وهذا أكد الأدعية بعد التشهد وقبل السلام، وقد أمر بذلك طاوس ابنه، وأمره بإعادة الصلاةِ التي لم يَسْتَعِذْ فيها مِنْ هذه الأربع؛ مما يدل على أنه يرى الوجوب، ويرى البطلان بالتَّرْكِ، وأيده ابن حزم، والذي عليه عامة العلماء هو: الاستحباب.
ويدعو بعد ذلك بما شاء.
والتشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، مَنْ تَرَكَهُ متعمدا، أو ناسيا، بطلت صلاته.
وإن سلم سهوا قبل أن يأتي به، فإنه يأتي به، ثم يسجد للسهو؛ لأنَّ سلامه غير معتبر، وإنما هو انصراف قبل انقضاء الصلاة.
التسليم وأحكامه
والتسليمتان ينصرف بالأولى منهما من صلاته بإجماع العلماء؛ فالتسليمة الأولى فرض، والثانيةُ سُنَّةٌ باتفاق العلماء؛ حكى إجماع العلماء على ذلك ابن عبد البر في التمهيد، والاستذكار، والطحاوي في شرح معاني الآثار»، والقرطبي في تفسيره عند قول الله سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ قال: «لم يختلف من قال من العلماء بوجوب التسليم، وبعدم وجوبه: أنَّ التسليمة الثانية ليست بفرض، إلا ما روي عن الحسَنِ بن حَيٍّ: أنه أوجب التسليمتين جميعًا».
وحكى كذلك الطحاوي فقال: لم نَجِدْ عن أحد من أهل العلم الذين ذهبوا إلى التسليمتَيْنِ: أَنَّ الثانية من فرائضها غير الحسن بن صالح.
وحكى الإجماع أيضًا: ابن رجب في شرحه على البخاري.
إلا أنه لا يثبت عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنَّه سلم بواحدة، وإنما كان يسلم مرتين، وقوله عليه الصلاة والسلام: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، و«أَلْ» هنا للعهد والمعهود من سلامه تسليمتان.
وثبت عن جماعة من الصحابة: أنهم كانوا يسلمون واحدة؛ مما يدل على الترخيص؛ كما رواه عبد الرزاق، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يسلم عن يمينه واحدة. وهو صحيح.
وثبت عند ابن أبي شَيْبَةَ: عن القاسم، عن عائشة؛ أنَّها كانت تسلم تسليمةً واحدةً قُبَالَةَ وَجْهِها. وهو صحيح.
وثبت عن علي، وأنس وسلمة بن الأكوع كذلك.
وقد ذكر ابن القيم لله في كتابه إعلام الموقعين المسألة، وأعل ما جاء عن رسولِ اللهِ ﷺ مِنْ تسليمه بواحدة من أحاديث، وبين فرضية التسليمتين، وإعلاله للأحاديث متين، ولكن القطع بفرضية التسليمتين جميعًا فيه نظر؛ فلا أعلَمُ مَن قال بذلك من الصحابة ولا من التابعين؛ بل جاء عن جماعة منهم خلاف ذلك؛ كما تقدم.
وأَمَّا زيادة «وَبَرَكَاتُهُ»، فلا أصل لها؛ وقد جاء في نسخة عند «أبي داود»، ويظهَرُ: أنَّها من بعض النساخ، وليست في الرواية أصلا، وإن كانت في الرواية ثابتة، فهي شادة.
وإن سلم، وقال: «السلامُ عَلَيْكُمْ»، ولم يَقُلْ: «ورحمة الله -: انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ، والأكمَلُ أنْ يقول: «السلام عليكم ورحمة الله».
والسُّنَّةُ: أن يُتِمَّ اللفظ، فيقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَأَمَّا الاقتصار على السلام عليكم، فيظهر أنه ليس من السُّنَّة.
وأما ما رواه النَّسَائِيُّ، وأحمد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، عن ابن عُمَرَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول عن يمينه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ»، وعن يسارِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ».
فهذا أورده ابن عمر أو من دونه اختصارًا لمعرفته؛ وإلا فهو لم يَرِدْ مطلقا؛ ومما يدل على أنه أورده اختصارًا للعلم به: أنَّ في خبر صحيحالنسائي، والطحاوي، وغيرَهُما رَوَوُا الخبر، وأتموا التسليم في الجهتين.
والسُّنَّةُ في الالتفات: أن يلتفت يمينا حتى يَرَى مَنْ خَلفَهُ خَدَّهُ الأيمن، ويسارًا حتى يرى مَنْ خلفَهُ خَدَّهُ الأيسر؛ لفعل النبي ﷺ ذلك.
والانصراف من الصلاة لا يكون إلا بالتسليم عند جمهور العلماء، ولا يَحِلُّ للمصلِّي عمل شيء حتى يسلّم؛ لعموم قوله: «تَحْلِيلُهَا التسليم»؛ وذلك خلافًا للحنفية، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وحمَّادِ بن أبي سُلَيْمانَ، وكذلك مروي عن عطاء؛ أنَّهم كانوا يقولون: إنَّ الإنسان ينصرف من صلاته بعد التشهد الأخير، ولا يسلم، وقد سُئِلَ إبراهيم النَّخعي: الرجلُ يَفْرُغُ مِنْ تَشَهدِهِ، ثم ينصرفُ قبل إمامِهِ؟ قال: لا شيء عليه.
وعلى قول أبي حنيفة تتفرع مسائل، ومنها: أَنَّ مَنْ عَمِلَ ناقضًا مِن نواقض الصلاة قبل التسليم، وبعد التشهد الأخير؛ كَمَنْ أحدث، أو انصرف عن القبلة، أو فعل شيئًا منَ المُبْطِلاتِ مِمَّا نص عليه بعض الفقهاء؛ كالأكل، أو الكلام أو غير ذلك -: فإن صلاته صحيحة على قول أهل الرأي.
وهذا قول مرجوح مخالِفٌ للسُّنَّةِ، وعمل الصحابة والتابعين، والصحيح: أنه لا ينفتِلُ إلا بالتسليم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»؛ أي: لا يَحِلُّ له أن يَفْعَلَ شيئًا إلا بالتسليم، والله أعلم.
الأذكار بعد الصلاة المكتوبة
شرع الله أذكارًا تقال بعد الصلاة، بعد الانصراف بالتسليم، وقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]؛ بأنه الذكر بعد الصلاة؛ كما رواه البخاري في صحيحه؛ من حديث مجاهد: قال ابن عباس: أَمَرَهُ أنْ يسبح في أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا»؛ يعني: قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ ق: ٤٠].
ولا يُشرَعُ الفصل بين التسليم والذِّكْرِ بعد الصلاة بفاصل؛ كسكوت أو حديث، وقد كان النبي ﷺ يبادِرُ بالذِّكْرِ بعد السلام؛ كما ثبت عند مسلم، عن عائشة قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ، لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ، أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».
وقد كان غير واحد من السلف لا يقوم بعد الصلاة حتى يُتِمَّ تسبيحه؛ صَح هذا عن عُرُوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وعطاء بن أبي رَبَاحٍ.
الاستغفار والتهليل بعد المكتوبة
وأَوَّلُ ذِكْرٍ يُشرَعُ بعد الصلاةِ: الاستغفار، ثُمَّ ما جاء في حديث عائشة السابق؛ وذلك لما جاء عن ثَوْبَانَ؛ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ، اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ، أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»؛ رواه مسلم.
ويقول أيضًا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدَّ مِنْكَ الجَدُّ»؛ فقد كان النبي ﷺ يقولها بعد كل صلاة مكتوبة إذا سلَّم؛ كما رواه الشيخان من حديث المغيرة.
وفي بعض روايات البخاري: جَعَلَ التهليل ثلاثَ مَرَّاتٍ؛ فقال بعد ذكر التهليل: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ »، وقد أخرجها أحمد والنسائي.
وعدم ذكر الشيخَيْنِ للعدد مع إخراج الحديث في مواضع؛ كالإعلال لهذه الزيادة، وقد استَغْرَبَها ابن رجب.
وقد كان بعض السلف يهلل ثلاثًا بعد الصلاة؛ كابن الزُّبَيْرِ، وعُمر بن عبد العزيز، ومكحول؛ كما رَوَى مالك بن زياد أبو هاشم الأَشْجَعِيُّ؛ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ: مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ: أَنْ تَقُولَ إِذَا فَرَغْتَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ ثَلاثَ مَرَّاتٍ»؛ رواه ابن أبي شَيْبَةَ».
ورواه ابن عساكر؛ فقال مالك بن زياد: «صلَّى لَنَا عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، أَعْلَنَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وفَعَلَ ذلك أيَّامًا، والتفت إلينا، فقال: إِنَّما أَعْلَنْتُ التهليل؛ لِتَعْلَمُوهُ وَتَفْعَلُوهُ؛ فإنَّها من تمام الصلاةِ: أَلَّا يَقُومَ أَحدُكُمْ إذا صلَّى وسلَّم، حتى يَقُولَهُنَّ ثلاثَ مَرَّاتٍ».
قال أبو هاشم: «فَلَقِيتُ مَكْحُولًا، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَقَدْ أَعْلَنَ بِهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَفَّقَ اللهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إِنْ كَانَ مِنْ مُخَبَّاتِنَا الَّتِي نَخْبَؤُه».
ويقول أيضًا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ»؛ فقد كان النبي ﷺ يقول ذلك في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ؛ كما رواه مسلم من حديث ابن الزبير.
التسبيح بعد الصلاة المكتوبة
وأما التسبيح بعد الصلاة المكتوبة، فقد جاء عن النبي ﷺ على صُورٍ:
الأولى: التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثا وثلاثين؛ رواه الشيخان، عن أبي هُرَيْرَةَ، ولفظه مرفوعًا: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ: إِنْ أَخَذْتُمْ، أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِككُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؛ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ.
الثانية: التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثا وثلاثين؛ فتلك تِسْعةً وتسعون، ويقول تمام المئةِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»؛ رواه مسلم، عن أبي هريرة؛ ولفظه مرفوعًا: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ؛ فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
الثالثة: التسبيح والتحميد، ثلاثا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين؛ رواه مسلم؛ مِن حديثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرة، ولفظه مرفوعا: مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثُ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً».
الرابعة: التسبيح والتحميد والتكبير، خمسا وعشرين، وآخرها التهليل مَرَّةً واحدةً؛ رواه النسائي؛ من حديث زيد بن ثابت.
الخامسة: التسبيح والتحميد والتكبيرُ عَشْرًا، وقد رواه البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ، وفي الرواية كلام يسير كما يأتي.
ولكن التسبيح والتحميد والتكبير عشرا: جاء من غير حديث أبي هُرَيْرَةَ؛ فقد روى أبو داود التسبيح والتحميد والتكبير، كل واحدة عَشْرًا عَشْرًا؛ مِن حديث عطاء بن السائب عن أبيه، عن عبد الله بن عَمْرو، ولفظه مرفوعا: «يُسَبِّحُ أَحَدُكُمْ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُكَبِّر عَشْرًا، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ؛ فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِئَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفُ وَخَمْسُ مِئَةٍ فِي الميزان».
السادسة: التسبيح والتحميد والتكبير، إحدى عشرة، وقد رواها مسلم مِن فَهْمِ سُهَيْلِ بن أبي صالح، فيما يرويه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وفيه: «إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ».
وحديث أبي هُرَيْرَةَ في التسبيح عَشْرًا، هو حديث أهل الدُّثُور الذي جاء فيه التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين، ومخرج الحديث واحد من حديث سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ويحتمل أن الراوي ظَنَّ أنَّ الجميع يقال ثلاثا وثلاثين، لا أَنَّ كلَّ واحدة تقال ثلاثا وثلاثين؛ فرواه كما فَهِمَهُ بمعناه؛ فصار كل واحدة عشرا، والجميع ثلاثون بحذف الكسر، وعلى رواية سُهَيْل: «ثلاث وثلاثون».
والبخاري أخرَجَ حديث أهلِ الدُّثُورِ بعدد التسبيح ثلاثا وثلاثين في أبواب الذكر بعد الصلاةِ، وأخرَجَ عدَدَ العَشْرِ في الدعاء؛ وهذا ترجيح من البخاري للرواية الأولى، فربما ذكر الحديث في غير بابه؛ لبيان إشكال فيه يتضح باللفظ المذكور منه في بابه، وقد يُورِدُه في غير بابه للفظة صحيحة فيه تتصل بالباب.
وبعض الرواة ربَّما وَهِمَ وأشكل عليه العدد في التسبيح؛ فرواه بفهمه، لا بنصه؛ ويدلُّ على هذا ما جاء عند مسلم، عن ابن عَجْلانَ؛ قال: قال سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمْتَ، إنما قال: «تُسَبِّحُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وتَحْمَدُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ؛ فَرَجَعْتُ إلى أبي صالح، فقُلْتُ له ذلك، فأخَذَ بِيَدِي، فقال: اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ؛ حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ».
وسواء كان التسبيح والتكبير والتهليل مفردًا أو مجموعا، فالأمر فيه سَعَةٌ؛ فمَن بدأ بالتسبيح وحده ثلاثا وثلاثينَ، ثُمَّ بالحمد، ثم بالتكبير، أو جَمَعَها بقولِهِ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ»، فالأمر فيه سَعَةٌ، وقد سُئِلَ أحمد عن ذلك ؟ فقال: «لا يُضَيَّقُ»، ورجح في رواية أبي داود: الجمع.
وجاء عن أحمد التخيير بين هذه الأعداد، ورُوِيَ عنه تفضيل التسبيح بثلاث وثلاثين.
والأفضل: أن يكون التسبيح باليد؛ لظاهر فعل النبي، ومن يثقل عليه العد، فأراد أن يسبح بغير الأصابع، فجائز.
الدعاء بعد المكتوبة
ودبر الصلاة المكتوبة موضع من مواضع الدعاء؛ فيُشرَعُ الدعاء بصالح الدنيا والآخرة، وقد ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَدْعُو دُبُرَ المكتوبة؛ كاستغفاره؛ فالاستغفار دعاء، وكان يدعو ويقولُ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ، يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ»؛ كما جاء عن البَرَاءِ؛ قال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ، أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «رَبِّ، قِنِي عَذَابَكَ، يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ»؛ رواه مسلم.
ورُوِيَ أنه قال لمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ، أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»؛ رواه أبو داود والنسائي، عن الصُّنَابِحِي، عن مُعَادٍ».
ويروى: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الدعاءِ أَسْمَعُ ؟ قال: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ»؛ رواه أحمد والترمذي.
الجهر بالذكر بعد الصلاة
ويُشرع الجهرُ بالذِّكْرِ بعد الصلاة بما يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَن حَوْلَهُ، ولا يشوش عليهم، وقد كان الناسُ يَعرِفُونَ انصراف النبي ﷺ من صلاته برفع صوته بالذِّكْرِ؛ كما ثبت في الصحيحين»، عن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رفع الصوت بالذِّكْرِ حِين ينصرفُ الناسُ من المكتوبة، كان على عَهْدِ النبي.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: كُنتُ أَعْلَمُ إِذا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ.
وظاهِرُهُ: أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ يَسْمَعُهُمْ وهو خارج المسجد قريب منه؛ لأنه لو كان داخله، فإنه يعرِفُ انصرافهم بالرؤية، أو بسماع التسليم من الصلاة، ويظهرُ: أنَّ صوت المصلِّينَ مجتمعين بالذكر بعد الصلاة أرفع من صوت الإمام وحده بالتسليم؛ لأنه لو كان صوت الإمام أرفع، لكان ابن عباس أسمع له من صوت المصلين بالذكر.
والسُّنَّةُ: أن يذكر كلُّ واحدٍ ذِكْرَهُ منفردًا عن غيره، ولا يتعمد المصلون الذكر جماعة؛ سواء أن يرددوا خلف الإمام، أو كل جماعة بعضهم مع بعض.
آية الكرسي والمعوذات بعد الصلاة
وللمصلي أن يقرأ بعد المكتوبة آية الكرسي؛ فقد جاء في ذلك حديث أبي أمامة مرفوعًا: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ»؛ رواه النَّسَائِيُّ وابنُ السُّنِّي؛ مِن حديث محمد بن حِمْيَر، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة، وجود إسناده ابنُ مُفلح.
وأما المعوذاتُ: فَرُوِيَ فيها حديثُ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ؛ قال: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ»؛ وهو في «المسند»، و «السنن».
ولا يصح في قراءة سورة الإخلاص بعد الصلوات المكتوبات حديث، إلا أن بعض العلماء أدخل الإخلاص في المعوذات، وقد جاء في بعض روايات حديثِ عُقْبَةَ: لفظ المعوِّذَتَيْنِ، وفي بعضها: النص على أول آية منهما، ولكن ثبت في البخاري، من حديث عائشة: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ، فَقَرَأَ الإِخْلَاصَ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ، وَنَفَثَ فِيهِما، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ»؛ يَفْعَلُ ذلك ثلاثًا.
ولمن قرأ المعوذات دُبر الصلوات أن يقرَأَهَا مَرَّةً، ولم يثبت قراءتها بعدَهُنَّ ثلاثا، ولكن جاء عند أبي داؤد؛ من حديث عبد الله بن خُبَيْبِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «قُلْ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، وَالمُعَوَّذَتَيْنِ، حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»، وهذا في التعوذ للصباح والمساء، لا أدبار الصلوات.
السُّنَن الرواتب عددها ومواضعها
يُشرَعُ الإتيان بالسُّنَنِ السابقة للصلوات المكتوبة واللاحقة لها، وقد جاء فضلها في القرآن والسُّنَّةِ؛ ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠].
وكان ابنُ زَيْدٍ يَرَى أَنَّها النوافل خلف الفرائض.
وأكثر السلف على أنها الركعتان بعد المغرب؛ وعلى هذا حمَلَهُ الصحابة والتابعون؛ كعُمَرَ، وعلي، وابن عباس، والحَسَنِ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأبي أمامة، ومجاهِدٍ، والشَّعْبي، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعي، وغيرهم، وقد قال ابن جرير: ولولا ما ذكَرْتُ من إجماعها عليه، لرأَيْتُ أنَّ القول في ذلك ما قاله ابنُ زَيْدِ».
ورُوِيَ عن عُمَرَ، وابن عباس، وأبي هُرَيْرَةَ؛ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَرَ النُّجُومِ ﴾ [الطور: ٤٩]: أنَّ التسبيح إدبار النجوم؛ يعني: الركعتين قبل الفجر.
ولم يكن الصحابة أحرص علي شيءٍ مِن الرواتب حِرْصَهم على راتبة الفجر، والأربع قبل الظهر، والركعتين بعد المغرب.
والسُّنَن الرواتب تكونُ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وتكونُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ويُستحَبُّ المغايرة: فتارَةً: يصليها ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وتارَةً: يصلِّيها عَشْرَ رَكَعَاتٍ:
فأما أداء الرواتِبِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً: فكما جاء عن أم حبيبة: أنه قال: «مَنْ صَلَّى اللَّهِ فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ»؛ رواه مسلم.
وتفصيلها: ركعتان قبلَ الفَجْرِ، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العِشَاءِ؛ كما جاء تفصيل ذلك في حديث أم حبيبة السابق، عند الترمذي، ولفظُهُ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظَّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ»؛ وبهذا التفصيل كان يصلي كثير من الصحابة رواتبهم؛ كابن مسعود وغيره.
وفي بعض روايات حديثِ أَمْ حَبِيبةَ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا»؛ وهي معلولة.
وفي حديث عائشة في البخاري: قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ».
وأكثر فعل الصحابة لراتبة الظهر أربعا قبلها؛ كما رواه عمرو بن ميمون؛ قال: «لم يَكُنْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَتْرُكُونَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ عَلَى حَالٍ.
وبمعناه نَقَلَهُ النَّخَعي.
وجاء صلاتها أربعًا عن عُمَرَ وعلي والحسن بن علي وابن مسعود وابن عُمَرَ.
وأما أداء السُّنَنِ الرواتِبِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: فهي ما سبق، إلا أنَّ الأربع قبل الظهر تكون ركعتين.
وقد جاء تفصيل ذلك من حديث ابنِ عُمَرَ وعائشة في «الصحيح» وغيره، في روايات منها: ما جاء عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما؛ قال: «حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصبح»؛ رواه البخاري».
وبهذا العدد كان يقول بعض السلف؛ كالحسن، وابن سيرين.
صلاة النافلة في البيت
يُشرَعُ عِمَارَةُ البيوت بالنوافل وعدَمُ هَجْرِ العِبَادِةِ فيها، حتى تكون كالمقابر، وقد قال النبي ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ»، وقال: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ».
ومن العلماء: مَن أخَذَ بعموم الحديث على أنَّ النوافل مطلقا في البيت أفضل منها في المسجد؛ نافِلةً مطلقةً، ونافلة راتبة؛ وهذا قول الجمهور.
ومنهم: من فصل وفرق؛ وهو الأشبه.
فأما النوافل المطلقة: فقد حُكِيَ الاتفاق على أنَّ أداءها في البيوت أفضل.
وأما السنن الراتبة: ففي ذلك خلاف:
فمن الأئِمَّةِ: مَن فضَّل أداء الراتبة النهارية في المسجد، وراتبة الليل في البيت؛ وبهذا قال مالك.
واستَحَبَّ أحمد أداء نافلة الظهر في المسجد، ونافلة الفجر والمغرب في البيت.
والأحاديث الواردة تَدُلُّ على أنَّ الراتبة ليست كالمطلقة، والراتبة في نفسها ليست سواءً؛ فمنها: ما كان يؤديها النبي ﷺ في بَيْتِهِ، ومنها: ما كان يؤديها في المسجد.
فأما راتبة الفجر: فقد كان النبي ﷺ يصليها في بيته؛ كما جاء في حديثِ ابْنِ عُمَرَ وحَفْصَةَ وعائشة وابن عباس وغيرهم.
ومن الصحابة والتابعين: من كان يصليهما في البيت.
ومنهم: من كان يصليهما في المسجد.
وكان أحمد يستحِبُّ صلاتهما في البيت، ولم يفرق بين إمام ومأموم، وقال أبو داود: ما رأيتُ أحمدَ رَكَعَهُما في المسجدِ قَط.
وقد كان النبي يخففهما؛ حتى تقول عائشة: «كان النبي ﷺ يُخَفِّفُ الركعتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبل صلاةِ الصُّبْحِ؛ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكتاب ؟!».
وقد كان الصحابة وأكثر التابعين يخففونهما؛ حتى رُوِيَ أَنَّ عبد الله بن عمرو كان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب؛ لا يَزِيدُ مَعَهَا شيئًا.
لكن ثبت في «مسلم»؛ من حديث أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقْرَأُ فِيهِمَا بـ «الكافِرُونَ»، و«الإخلاص». وبهذا يقرأُ ابن مسعود وابن عباس، وكثير من التابعين.
وأما راتبة الظهر القبلية والبعديَّةُ: فظاهِرُ الرواية: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يؤدي القبلية تارةً ركعتين، وتارةً أربعًا، والثابت: أنه كان يؤديها أربعًا في بيته، ثم بعدها ركعتين في بيته أيضًا:
فمن أراد أن يَجْعَلَ راتبة يومِهِ ثِنْتَيْ عَشْرة ركعة، فإنَّه يصلي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين؛ كلها في بَيْتِهِ، وَمَن أَراد أَنْ يَجْعَلَ راتبة يومِهِ عَشْرًا، فيصلي قبلها ركعتين، وبعدها ركعتين في المسجد؛ وذلك للجمع بين حديث ابن عُمَرَ وعائشة:
فأما حديثُ ابْنِ عُمَرَ: فقد سَبَقَ.
وأما حديث عائشة: فرواه مسلم، عن عبد الله بن شَقِيقٍ؛ قال: سأَلْتُ عائشة عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فقالتْ: «كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الوِتْرُ».
وكان الصحابةُ يَحْرِصُونَ على الأربع قبل الظُّهْرِ في بيوتهم؛ كما جاء عن عُمر وابن مسعود، وكانوا يُطِيلُونَهُنَّ.
وليس لصلاة العصر راتبة قبلية ولا بعديَّة، وإنما يُشرَعُ الصلاة قبلها بين الأذانين ركعتين، كغيرها من الصلوات؛ لقولِهِ ﷺ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صلاة».
وأما راتبة المغرب والعشاء: فراتبتهما بعدية، ولا راتبة لهما قبلية، فيصلي بعدهما ركعتين، وظاهِرُ حديثِ ابْنِ عُمَرَ وعائشةَ: أَنَّ النبيَّ ﷺ كان يؤديهما في بيته.
ورُوِيَ الأمر بأدائهما في البيوت؛ كما في «المسند»، وغيره؛ من حديث محمود بن لَبِيدٍ؛ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ»، وعند أبي داود؛ مِن حديثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، مرفوعا: «هَذِهِ صَلَاةُ البُيُوتِ».
ولم يكن الصحابة أحرص على أداء راتبةٍ في البيت حرصهم على الركعتين بعد المغرب في بيوتهم؛ جاء ذلك عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، وابن عباس؛ قال العَبَّاسُ بنُ سَهْلِ الساعدي: «أَدْرَكْتُ زَمَانَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَإِنَّهُ لَيُسَلِّمُ مِنَ المَغْرِبِ، فَمَا أَرَى رَجُلًا وَاحِدًا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ، يَبْتَدِرُونَ أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ حَتَّى يَخْرُجُوا، فَيُصَلُّونَهَا فِي بُيُوتِهِمْ».
وقال ميمون: «كانوا يَسْتَحِبُّونَ هَاتَيْنِ الركعَتَيْنِ بعد المغرب في بيوتهم».
ويُستحَبُّ تخفيف الركعتين بعد المغرب، وأن يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص: «الكافرون»، وقل هو الله أحد؛ كما جاء عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما؛ قال: رَمَقْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِشْرِينَ مَرَّةً؛ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾؛ رواه النسائي.
وظاهر حديث عائشة: أنَّ للمصلِّي أن يحتسب راتبة العشاء من قيام الليل؛ فقد روت عائشة: أنَّه صلَّى راتبة العشاء، ثم صلى بعدها تِسْعًا الوِتْرُ فِيهِنَّ.
وأما راتبة الجُمُعةِ البعديَّةُ: فإن صلاها في بيته، فيصليها ركعتين؛ كما في حديث ابن عمر، وإن صلاها في المسجد، فيصليها أربعا؛ كما في حديث أبي هريرة.
والنَّوافِلُ تَجِبُرُ نَقْصَ الفرائض، ومَن كَملت نوافِلُه كَمُلت فرائضه، والإتيان بالسُّنَنِ الراتبةِ عَلَامةٌ على تعظيم الفرائض، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يحرصون على السُّنَنِ الرَّاتَبةِ أَشَدَّ من حرصهم على النوافل المُطلقة، وبهذا تمَّ المقصود من الكلام على ضِفَةُ صَلَاةِ النبي ﷺ وَمَا يَلْحَقُها مِنْ أَنْكَارِ وَرَوَابَ» والله أعلَمُ، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
***
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق