أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

معركة النص فهد بن صالح العجلان بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

معركة النص

فهد بن صالح العجلان

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: من أكثر القضايا الفكرية حساسيةً في واقعنا المعاصر قضيةُ التعامل مع النصوص الشرعية، ولا سيما حين تتداخل معها التصورات الفكرية الحديثة، فيُستدعى الخلاف الفقهي أو المصلحة أو المقاصد أو تغير الزمان والمكان لتفسير الأحكام أو إعادة النظر فيها. 

ولا تكمن المشكلة في الاجتهاد المعتبر الذي عرفه الفقه الإسلامي عبر عصوره، وإنما في غياب المنهج المنضبط الذي يميز بين الاجتهاد والتوظيف الانتقائي، وبين المقصد الشرعي والرغبة الشخصية، وبين مراعاة الواقع وإخضاع النص له. 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة هذه القضايا بميزان العلم والإنصاف، مع تعظيم الوحي، وفهم مقاصد الشريعة، وإدراك حدود العقل والاجتهاد، حتى يبقى الخلاف الفقهي بابًا للثراء العلمي، لا مدخلًا لتجاوز الثوابت أو إعادة تشكيل الأحكام وفق أهواء العصر، وهو ما يناقشه الشيخ فهد العجلان في كتابه هذا (معركة النص)، حيث تتمثل إحدى أبرز الإشكالات الفكرية المعاصرة في التستر خلف الخلاف الفقهي لتبرير مواقف تتجاوز حدود الخلاف المعتبر..

فمسألة كشف وجه المرأة وكفيها، مثلًا، وإن كانت من مسائل الاجتهاد التي وقع فيها الخلاف، لا تعني الطعن في الحجاب أو السخرية من الملتزمات به، ولا تبرر محاربة الأحكام الشرعية المتعلقة بالحشمة وصيانة المرأة. 

والإشكال ليس في القول الفقهي ذاته، وإنما في توظيفه لخدمة توجه فكري أوسع، يظهر أثره في الانتقائية والمبالغة وإغفال بقية الأحكام المتصلة بالمسألة، ومن أخطر صور هذا التوجه علمنة الأحكام الشرعية، بحصر الدين في دائرة الفرد، بحيث تصبح الصلاة والزكاة وترك المحرمات شؤونًا شخصية لا مجال فيها للإلزام أو المنع، مع أن التصور الإسلامي للشريعة يتوجه إلى الفرد والمجتمع معًا، ويتضمن إلى جانب العبادات أحكامًا عامة وقضائية وعقوبات وتعزيرات، فضلًا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

ومن هنا فإن تجريد الشريعة من جانب الإلزام، وفصلها عن الحياة العامة، يمثل تحولًا عميقًا في طبيعة حضورها ووظيفتها، لأن العلمنة لا تأتي دائمًا في صورة رفض الدين صراحة، بل قد تتسلل عبر إعادة تفسير الأحكام الشرعية وفق التصورات المعاصرة، فتبقى أسماء الأحكام حاضرة بينما تُنزع منها دلالاتها الشرعية أو تُربط بظروف تاريخية يُقال إنها انتهت. 

ويظهر ذلك في قضايا الحدود والجهاد والربا والولاية والولاء والبراء وضوابط العلاقة بين الرجل والمرأة وغيرها، كما يظهر في التعامل مع حد الردة، من خلال إنكار الحكم لعدم وروده في القرآن، أو رد بعض الأحاديث، أو وضع شروط معاصرة لقبول السنة، أو الاستناد إلى الخلاف والمصلحة والحريات لتجاوز دلالة النص. 

ويزداد الإشكال حين تصبح إرادة الأكثرية أو الدستور معيارًا نهائيًا لبقاء الأحكام الشرعية أو تعديلها؛ فالشريعة ليست مجرد مواد تستمد قوتها من رضا الناس، وإن كانت القدرة والاستطاعة معتبرتين في التطبيق، وكذلك فإن مقاصد الشريعة لا يصح أن تتحول إلى أداة لتعطيل النصوص الجزئية؛ فمشروع الإمام الشاطبي (صاحب الموافقات) يقوم على الجمع بين الكليات والجزئيات، وتعظيم الأدلة، وتقديم الوحي، والحذر من اتباع الهوى وتتبع الرخص. 

ومن هنا ينبغي التفريق بين المقاصد المستنبطة من مجموع النصوص والأحكام، وبين ما يمكن أن يسمى «مقاصد النفوس» التي تجعل الرغبات والتصورات الحديثة معيارًا لتجاوز الأحكام، ومن المعلوم أن التسليم للوحي يقتضي أن يُقرأ المرءُ النصَّ لمعرفة مراد الله ورسوله، ثم التماس وجه الحكمة والمصلحة لكل حكم، لا أن نفرض تصوراتنا عن المصلحة والحكمة من النص، فنقبل ما يوافق أهواءنا ونؤول أو نرد ما يخالفها. 

ومن هنا لا يصح تحويل الشك والاحتمال إلى دليل على أن الأحكام والمواقف الفقهية نشأت تحت تأثير السياسة؛ فوجود تأثير سياسي في بعض الوقائع لا يعني أن أصول الشريعة وقواعد الفقه وعلوم الرواية والتدوين قامت على دوافع سياسية، كما أن التسامح الفقهي لا يعني إلغاء الفوارق بين آداب الحوار، والحكم على المسألة، والحكم على الشخص، ولا يعني إلغاء الفوارق بين الخلاف الفقهي المعتبر والانحرافات المصادمة لأصول الشريعة؛ لأن المنهج المنضبط يقتضي قبول الاجتهاد المعتبر، وعدم تأثيم المجتهد لمجرد خطئه، وضبط الإنكار، وعدم إلزام الناس بقول واحد، كما يقتضي الحذر من تتبع الأسهل والأهوى.

وفي المقابل، فإن الانخراط الطويل في الجدالات والشبهات دون تأصيل علمي قد يؤدي إلى تبني مقدمات مخالفة للحقائق الذي يراد الدفاع عنها؛ ولذلك لا يكون العلاج بترك الحوار، وإنما بالعلم والرجوع إلى أصول الشريعة والعلماء، كما أن الدعوة لا تقوم على البرهان العقلي وحده، لأن أمراض القلوب كالكبر والحسد والتعصب وحب الدنيا قد تحول دون الانتفاع بالدليل، ومن ثم يجتمع البرهان مع الموعظة الحسنة ومعالجة دوافع النفوس.

ومن هنا تتضح أهمية النظر إلى السلفية باعتبارها منهجًا في فهم الإسلام، لا مجرد جماعة أو حزب؛ فهي تقوم على تعظيم الكتاب والسنة، وفهمهما وفق منهج السلف الصالح، وإخلاص العبادة لله، والاقتداء بالصحابة والتابعين في التلقي والاستدلال والأخلاق والعبادة، مع الإقرار بأن المنتسبين إلى هذا المنهج غير معصومين من الخطأ، وأن الانتساب إليه لا يستلزم الاتفاق في كل الفروع الفقهية أو المواقف السياسية. 

وفي المقابل، ظهرت صورة أخرى يمكن تسميتها «أسلمة العلمانية»، حين تُستدعى النصوص والمقاصد والآراء الفقهية لتقديم تصورات تتلاءم مع الرؤية العلمانية، كحصر النظام السياسي الإسلامي في مبادئ عامة، أو اعتبار الأحكام السياسية مرتبطة بظروف تاريخية انتهت، أو نفي صفة الإلزام عن الأحكام الشرعية، أو ربط تنفيذها بموافقة الناس. 

وهنا يصبح الكتاب والسنة معيارًا ينبغي ألا تزاحمه معايير أخرى، ولا يعني اختلاف الفقهاء في المسائل الظنية سقوط حجيتها أو تحولها إلى اختيارات بلا ضابط، وكذلك لا يصح إطلاق نظرية المصلحة عند الإمام الطوفي لتبرير تجاوز النصوص الشرعية؛ فالمصلحة عنده منضبطة بالشرع وليست -كما يظن البعض- أنها مرادفة لمقتضيات الواقع أو المصالح الدنيوية المجردة. 

أما قضية الثوابت والمتغيرات، فليست كل مسألة ظنية أو مختلف فيها متغيرة أو غير ملزمة، وإنما المتغير ما ارتبط بوصف أو عرف أو مصلحة تتغير بتغير الزمان والمكان، ولذلك تبقى المنهجية هي الحلقة المفقودة في كثير من النقاشات المعاصرة: كيف نفهم النص؟ وكيف نميز القطعي من الظني؟ وكيف نرجح بين الأقوال؟ وكيف نعرف المتغير من الثابت؟ فبضبط هذه الأصول يظهر الفارق بين الاجتهاد المنضبط والتوظيف الانتقائي للنصوص، وبين احترام الشريعة وإعادة تشكيلها وفق الرغبات والتصورات الطارئة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق