شمشون الجبار
كامل الكيلاني
بقلم: أ. محمد ناهض حنونة
تمهيد: مما يُذكر من وقائع الفلسطينيين في غزة مع العبرانيين، ما ورد في "التوراة" عن بطل من أبطالهم (عاش قبل عهد النبيّ داود عليه السلام)، وكان قاضياً من قضاتهم أيضاً، وهو (شمشون بن منوَّح) الدِّنّي، وهو بطل شعبي من شخصيات العهد القديم، ومن عشيرة "الدانيين"، الساكنين في بلدة "صرعة" على رأس "تل" يبعد 14 ميلاً غربي القدس، ويُقال: إن أمَّه كانت عاقراً؛ فبشّرها ملاكُ الرب بأنها ستلدُ غلاماً، وأن عليها أن تهتمَّ بتربيته، وحذّرها من قصّ شعره، كما حذرها من شرب الخمر.. وهنا تبدأ حكاية "شمشمون".
شبَّ "شمشون" في تلك المنطقة الجبلية، ذات التضاريس القاسية، واشتهر بقوته لجسمية الفائقة، وبينما كان في بلده "تمنه" غربي القدس، وكانت مشهورةً بخمورها، رأى فتاةً فلسطينية هناك، فأُعجب بها، وصارت حديثه أمام والده وأقربائه، وحاول والده إقناعه بالعدول عنها، والبحث عن عروس من بني قومه، لكنه تشبّث برأيه، وأصرَّ على الزواج منها.
وبالفعل خطبها له أبواه، وتزوجها زيجة سوية، ولكن روح العداء بين الشعبين "العبراني" و "الفلسطيني"، جعل ذويها يُخفونها عنه فيما بعد، وقرروا أن يزوجوها لرجلٍ فلسطيني ليرحل بها بعيداً، وهذا ما حصل. وقد اشتد غضب "شمشون" لذلك، وصمّم على أن ينتقم من أهلها وشعبها، فاصطاد ثلاثمائة ابن آوى، وربط في أذنابهم المشاعل، وأطلقها في حقول أعدائه من الفلسطينيين ليلاً! فأحرقت مزارعهم وبيادرهم.
ولما أُصيب الفلسطينيون بذلك، وعلموا أن ذلك بسبب ما فعله والد الفتاة وإخوتها، اجتمع عددٌ كبير منهم، وقتلوا والد زوجة شمشون، ثم توجهوا إلى خصومهم (أهل شمشمون من العبرانيين)، وطلبوا منهم تسليم "شمشون" مكبلاً بالأغلال، ولم يكن بالعبرانيين طاقةٌ بقتال الفلسطينيين، فقام العبرانيون بحيلة احتالوا بها على شمشون، فقيدوه بحبال لينة، وقدموه إلى خصومه بالاتفاق معه. وهنا حلَّت في شمشون "روح الرب" أي: قوته -كما تقول التوراة- فقطّع وثاقه، وفتك بعددٍ من اعدائه (الفلسطينيين)؛ فتفرقوا عنه!
وهام شمشون بعيداً في البلاد؛ حتى انه دخل غزّة ليلاً من أطرافها الشرقية ليزور إحدى المومسات، ولما شعر به الأهالي، أغلقوا بوابة المدينة وهو بداخلها، وكمنوا له ليفتكوا به في الصباح عند فتح البوابة، غير أن شمشون خرج في منتصف الليل، وعندما رأى أن البوابة مغلقة، اقتلع ضلفتها وحملها على كتفه، وألقى بها على "تلة المنطار"، ثم مضى في سبيله.
ثم أحبَّ "شمشون" فتاةً فلسطينية أخرى من منطقة "وادي سوريق" (روبين حالياً)، اسمها "دليلة"، وتزوجها، وقد اغراها قومها أن تكشف لهم سر قوة شمشون، فلما ألحت عليه مراراص بذلك، كشف لها سره، ولما عرفت ذلك بكيدها، أخبرت قومها بأن سر قوته في شعره الذي لم يُحلق بناءً على توصية الملاك لوالدته، فأمروها بقص شعره، فقامت بذلك وهو نائم، ثم أبلغت قومها، فهجموا عليه في فراشه، وأوثقوه بسلاسل من نحاس، وفقأوا عينه، وعذبوه، وشغّلوه في إدارة حجر الطاحون كالبغال، وقضى مدةً على هذه الحال في غزة.
وفي أحد الأعياد، كان الفلسطينيون في غزة يحتلفون في هيكلهم الخاص بإلههم راجون (وكان الفلسطينيون يعبدون الأوثان في تلك الحقبة، وقد كانت صورة راجون تمثالاً نصفه الأعلى إنسان وجمسه جسم سمكةن وكانوا متأثرين في ذلك ببيئهتم البحرية، و يُنسب إلى إلههم قرية "بيت دجن"، وكان موقع هذا الهيكل في مكان المسجد العمري، وربما سموه "الإله مارثا"، وكان العمري قبل تحويله إلى مسجد معبداً للشمس)، وحلا للمحتفلين في ذلك اليوم أن يأتوا بشمشون الضرير ليتسلوا برؤيته، ويتهكموا عليه ويضحكوا منه، وكان يقوده غلام، فقيدوه بين الأعمدة القائم عليها البنيان، وكان في المعبد نحو ثلاثة آلاف فلسطيني من الرجال والنساء، يسمرون ويضحكون ويتحدثون، وكانوا يبصقون على شمشون ويسبونه وهو متغيظ في ذلك، فتحسس شمشون الضرير العمودين في الوسط، وتشبّث بهما، ودعا ربّه أن يُمدَّه بالقوة، فحلّت فيه الروح ثانيةً، إذ كان شعره قد طال ثانيةً -كما تقول الرواية-، وهز العمودين بيديه بعزيمة قوية، وصاح بعبارته المشهورة (بي وبأعدائي يا رب).
فسقط البناء، وقضى على كل من كان في المعبد حينئذٍ، فقتل نفسه وجميع اعدائه، وأصبحت كلماته شعاراً لكل مظلوم بلغ يأسه من عدوه مبلغاً تهون به نفسه عليه، أن تُقتل في مقابل أن يتخلص من عدوه. وقد دُفن "شمشون" في موضع (الشيخ أبو العزم حالياً) مقابل المدرسة الهاشمية، وبجوار دائرة البريد حالياً، عند مفترق الشجاعية، ثم تسلم جثته ذووه، ودفنوه في قريته الأصلية.
وقد ذكرت قصة شمشون في "سفر القضاة" من الكتاب المقدس (في العهد القديم)، الإصحاح 13، الآيات من 2 إلى 31، وكذلك ورد ذكره في العهد الجديد في "الرسالة إلى العبرانيين"، الإصحاح: 11. وشاعت قصته في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وقد ولدت شمشون حوالي سنة 118 ق. م، وتوفي سنة 1078 ق. م.
وقد ذكروا أن الله وهب شمشون موهبة خاصة كي يستخدمها في إنقاذ شعبه من الظلم، وكان يريد أن يُباركه ويجعله بطلاً كـ "جدعون" يعمل العجائب بقوة الله، لكن شمشون، كان يستعمل قوته بحسب إرادته هو (أي: أهوائه)، فلما غصب من الآخرين استعمل قوته، وعصى أمر الرب! وهكذا سلّمه إلى يد العدو، وكانت نهايته مُحزنةً؛ إّ قُتل أعمى، مُقيّداً إلى رحى، يُضحك ويُستهزأ به!
وكان شمشون كما تذكر الكتب المقدسة يعمل محارباً، وكان العبرانيون يعتقدون أنه الذي سيخلصهم من ظلم الفلسطينيين، في "سفر القضاة: "إن الله قد أمر من قبل أن لا يعلوا موسى رأسه. فإنّه سلَّم سرّه لعدوِّه عن ضعف، مقترفاً بذلك الخطيئة. وهكذا تركه الرب، ولم يُساعده كالعادة"!
وأما عند المسلمين؛ فتذكر بعض كتب التفسير قصة شمشون، وأنه رجلٌ صالحٌ من بني إسرائيل، وقد أورد قصته الإمام الثعلبي في "تفسيره: الكشف والبيان"، والطبري في "تاريخه"، وأسند خبره وهب بن مُنبّه! كما ذكره الثعلبي في كتابه قصص الأنبياء. المُسمَّى "عرائس المجالس".. يقول الثعلبي في تفسيره:
كان شمشون رجل صالح، وكانت أمّه قد جعلته نذيرا، وكان من أهل قرية من قرى الروم كانوا يعبدون الأصنام، وكان منزله منها على أميال غير كثيرة، فكان يغزوهم وحده، ويجاهدهم في الله فيصيب منهم وفيهم حاجته، ويقتل ويسبي ويصيب الأموال، وكان إذا لقيهم لقيهم بلحي بعير لا يلقاهم بغيره، فإذا قاتلوه وقاتلهم وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي في اللحي ماء عذب فيشرب منه حتى يروى.
وكان قد أعطي قوّة في البطش، وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، فكان كذلك، فجاهدهم في الله، يصيب منهم حاجته لا يقدرون منه على شيء حتى قالوا: لن تأتوه إلّا من قبل امرأته، فدخلوا على امرأته فجعلوا لها جعلاً.
فقالت: نعم، أنا أوثقه لكم فأعطوها حبلا وثيقا، وقالوا لها: إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه، فلمّا نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل، فلما هبّ جذبه بيده فوقع من عنقه. فقال لها: لم فعلت ذلك؟ فقالت: أجرّب بها قوتك، ما رأيت مثلك.
فأرسلت إليهم: إني قد ربطته بالحبل فلم أغن شيئا، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، وقالوا: إذا نام فاجعليها في عنقه، فلمّا نام جعلتها في عنقه، فلمّا هبّ جذبها فوقعت من يده وعنقه، فقال لها: لم فعلت هذا؟ قالت: أجرّب بها قوتك، ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمشون، أما في الأرض شيء يغلبك؟ قال: إلّا شيء واحد، قالت: وما هو؟ قال لها: ها أنا لمخبرك به، فلم تزل تسأله عن ذلك وكان ذا شعر كثير، فقال لها: ويحك إنّ أمّي كانت جعلتني نذيراً، فلا يغلبني شيء أبدا، ولا يضبطني إلّا شعري، فلمّا نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه، فأوثقه ذلك وبعثت إلى القوم.
فجاؤا فأخذوه فجدعوا أنفه وانفذوا أذنيه وفقأوا عينيه، ووقفوا بين ظهراني المدينة، وكانت مدينة ذات أساطين، وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمشون وما يصنع به، فدعا شمشون ربّه حين مثلوا ووقفوه أن يسلّطه عليهم، فأمر أن يأخذ بعمودين من عمد المدينة التي عليها الملك والناس الذين معه فاجتذبهما جميعا فجذبهما، فردّ الله تعالى إليه بصره وما أصابوا من جسده، ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس، فهلكوا فيها هدماً .
أبرز ما يمكن استخلاصه من العبر:
-الحيلة تغلب القوة.
-العاقل لا يبوح بسره لأعدائه.
-الحكمة أولى من الغلبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق