أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

أحجار علي رقعة الشطرنج وليم جاي كار بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أحجار علي رقعة الشطرنج

وليم جاي كار

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يمثل هذا الكتاب (pawns in the game) أو أحجار على رقعة الشطرنج التطبيق العملي لبروتوكولات حكماء صهيون! الأمر الذي يؤكد المذهب القائل بنظرية المؤامرة، والتي تقضي بإيجاد كارثة اجتماعية شاملة، تُفضي إلى تدمير جميع الحكومات والأديان الموجودة، وتقسيم الشعوب إلى دول متناحرة على أشياء قد تكون (سياسية أو اقتصادية أو عرقية، …)، ثم خلق حالة من الصراع الداخلي المستمر الذي يأكل البلدان ويطفئها، يتم بعدها فرض تعليمات الشيطان وإراداته.

وبالطبع، فإن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بالسيطرة على النخبة المتنفذة في تلك البلدان، بالإضافة إلى أصحاب المراكز الحساسة، والذين يتم تدريبهم وتأهيلهم وإلحاقهم بمدارس وكليات متخصصة، ويتم مساعدتهم على الوصول إلى مراكز عالية في البلدان، وأكثر ما يسقطهم في شباك تلك المؤامرة (المال والجنس، وربما أمور أخرى كالبحث عن الشهرة وغيرها من الشهوات).

ولما كانت بريطانيا وفرنسا أعظم قوتين في العالم، كانت الخطة الأولى أن يتم إنهاك بريطانيا واستهلاك قوتها بشكل يجعلها تتراجع، أما فرنسا فوضعوا خطة لتنظيم ثورة كبرى تحدث فيها تصدعاً وتراجعاً عن المهام الكبرى في العالم، وكان المخطط أن تندلع هذه الأخيرة عام 1789. 

وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى، كان (وليـم كار) قد انضم إلى البحرية الأميركية.. وفي الوقت الذي كان فيه يتدرج على سلم المراتب، كان يوصل دراسته لخطوات المؤامرة اليهودية الكبرى.

وقبل وفاته الغامضة أصدر كتابه "الشيطان أمير العالم" و"ضباب أحمر فوق أميركا"، بالإضافة لكتابه هذا، الذي اعتبره المفكرون صوت النذير لعقلاء العالم، لكي يتحدوا في مسيرة الخير لدحر قوى الشر والطغيان.

ومع اتهام المؤلف لليهود بتدبر كل تلك المؤامرات، إلا أنه ترك لنفسه باباً يستطيع من خلاله أن يُخلص نفسه من تهمة "معاداة السامة"؛ فزعم أن عوام اليهود لا علم لهم بتفاصيل تلك المؤامرات، أو انهم يسيرون ضمن الخطة التي رسمها لهما أسيادهم النورانيين، بكما أن أسلوبه واضح في حقده الأعمى على الروس، ولعله أحد تأثيرات الحرب الباردة عليه، والتي كان أحد المغامرين فيها.

وبهذا الشكل، لا يمكن النظر إلى التاريخ البشري على أنه مجرد صدف عشوائية أو نزاعات قومية عفوية، بليمكن تفسير أحداثه على أنها لعبة شطرنج عالمية محكمة الإدارة، تُدار خيوطها من غرف مظلمة وبعيدة عن الأعين، حيث تُستخدم الشعوب كبيادق رخيصة وتُضحى بالحكومات والأمم متى اقتضت المصلحة العليا لتلك القوى الخفية، في مسيرة شيطانية لا تهتدي إلا بغاية واحدة: كسر شوكة الأديان وتدمير الكيانات الوطنية إيذاناً بفرض السيطرة المطلقة على مقدرات الكوكب.

مراحل المؤامرة

لعل بداية الحكاية كانت مع آدم وايزهاوبت (Adam Weishaupt) في عام 1784، والذي كان استاذاً في القانون بجامعة إنغولشتات (Ingolstadt)، وكان متضلعاً بالنصرانية، مؤمناً بها، وداعياً إليها، إلى أن ارتد عن النصرانية في عام 1770، ليعتنق المذهب الشيطاني. حيث استأجره المرابون الذين قاموا بتأسيس وتنظيم مؤسسة روتشيلد، من أجل مراجعة وإعادة تنظيم البروتوكولات القديمة علي أسس حديثة. والهدف من هذه البروتوكولات هو التمهيد لسيطرة الشيطان على العالم.

وبالفعل فقد أنهى آدم وايزهاوبت مهمته في 1/ أيار (مايو) 1776،  وفي نفس العام أسس وايزهاوبت جماعة النورانيين (المعروفين بعبدة الشيطان) لينقل المؤامرة إلى حيز التنفيذ.. وكلمة النورانيين تعبير شيطاني يعني "حملة النور". ولجأ وايزهاوبت إلي الكذب، مدعيا أن هدفه من تأسيس هذه الجماعة هو الوصول إلي حكومة عالمية واحدة، تتكون من ذوي القدرات الفكرية الكبرى (من أصحاب التفوق العقلي)؛ ليشكلوا حامية العالم، والأشخاص الذين يملكون مفاتيح الخير والسلام.

واستطاع وايزهاوبت أن يضم إلى مجموعته ما يقارب الألفين من الأتباع، وذلك بعد أن سلّط عليهم كل أسباب الإغراء والفتنة، وكان بينهم أبرز المتفوقين في شتى الميادين العلمية الفنية والأدبية والاقتصادية والسياسية والصناعية. وأسس عندئذ محفل الشرق الأكبر ليكون مركز القيادة السرّي للعالم.

ولا شك أن نجاح وايزهاوبت في استقطاب النخب الفكرية والعلمية وإغراقهم في شبكات السيطرة والشهوات يعطي تفسيراً منطقياً ونافذاً لكيفية اختراق عقول الطبقات الحاكمة وصنع "البيادق" التي تنفذ الأجندات العليا دون أن تدرك الغاية الحقيقية. وبالفعل فإن التأسيس الممنهج عبر المدارس والمنح الموجهة يثبت أن السيطرة على الفكر هي الخطوة الأولى للهيمنة الشاملة على مصائر الشعوب. 

وقد أسس وايزهاوبت مدارس تُعنى بجذب الطلبة الأكثر تفوقاً ليواصلوا مسيرة الشيطان في السيطرة على العالم، وذلك من خلال تقديم المنح الدراسية، وتوجيه اهتمام الطلبة نحو الأممية أو العالمية، وكانت البداية في ثلاث مناطق، كالتالي: مدرسة غوردنستوف (Gorodonstoun) في سكوتلندا، والثانية مدرسة سالم (Salem) في ألمانيا، والثالثة مدرسة أنا فريتا (Anavryta) في اليونان.

وقد درس الأمير فيليب زوج ممكو انكلترا اليزابيث الثانية في غوردنستوف، بتدبير من عمه اللورد لويس ماونتباتن (Lord ،Louis Mountbatten)، الذي أصبح بعد الحرب العالمية الثانية القائد الأعلى للبحرية البريطانية. وعندما اكتشف الفرنسيون مخططات وايزهاوبت في تدبير ثورة فرنسية، شنت فرنسا حملة شعواء عليهم، وأصدرت تحذيراتها يخصوص المحفل الماسوني، الذي قامت بإغلاقه.

يذكر المؤلف أن حكومة بافاريا اقتنعت، بعد العثور على وثائق إضافية، بأن جماعة النورانيين تمثل تنظيمًا سريًا يسعى إلى السيطرة على الجماعات الماسونية، فأغلقت محفل الشرق الأكبر سنة 1785، وأعلنت النورانيين خارجين على القانون، ثم نشرت سنة 1786 وثائق تتعلق بمخططاتهم. غير أن المؤلف يرى أن نفوذ الجماعة كان قويًا، فانتقل نشاطها إلى السرية، وبدأت تسعى إلى التغلغل داخل المحافل الماسونية، مستفيدة من شعارات الإنسانية والأممية.

ويشير الكتاب إلى أن جون روبنسون حذّر من هذا التغلغل، ثم نشر سنة 1798 كتابًا يحذر فيه من مؤامرة تستهدف الحكومات والأديان. كما يذكر المؤلف أن توماس جيفرسون كان من المتعاطفين مع وايزهاوبت، وأن تأثير النورانيين امتد إلى المحافل الماسونية في أمريكا، مع الإشارة إلى تحذيرات صدرت من شخصيات أمريكية أخرى من هذا النفوذ.

ثم يعرض المؤلف حادثة الكابتن وليام مورغان سنة 1826، الذي قيل إنه أراد كشف أسرار النورانيين ومخططاتهم، فتعرض للاختطاف والقتل، ويربط الكتاب هذه الحادثة بحالة من الغضب والانقسام داخل الأوساط الماسونية الأمريكية.

ويذكر أن النورانيين، في مؤتمر لهم بنيويورك سنة 1829، اتجهوا إلى جمع جماعات القومية والإلحاد والحركات الثورية في تنظيم عالمي أطلق عليه اسم الشيوعية، ورصدوا لذلك أموالًا جُمعت لتمويل هذا المشروع، وبدأت في ذلك الوقت تظهر كتابات كارل ماركس وفريدريك إنجلز.

ثم انتقل إلى الحديث عن مازيني وألبرت بايك، ويعرض رواية مفادها أن النورانيين استعانوا بهما في إعداد مخططات للثورات والحروب العالمية. كما يذكر أن بايك أعاد تنظيم الماسونية وأنشأ مجالس عليا في عدد من المدن، وأن هذه المجالس أصبحت ـ وفق تصور الكتاب ـ مراكز قيادة للحركة الثورية العالمية.

ويقوم هذا المخطط على تنظيم الحركات العالمية، كالشيوعية والنازية والصهيونية السياسية وغيرها، واستخدامها لإثارة الحروب والثورات، بما يؤدي في النهاية إلى إضعاف الحكومات والأديان وتمزيق المجتمعات. فقد استُغلت الحرب العالمية الأولى للإطاحة بالحكم القيصري في روسيا وتمكين الحركة الشيوعية، ثم استُخدمت الحرب العالمية الثانية للقضاء على النازية وتعزيز الصهيونية السياسية، وصولًا إلى إقامة دولة إسرائيل في فلسطين، مع تقوية الشيوعية إلى حد موازنة القوى الغربية.

أما الحرب العالمية الثالثة، فقد خُطط لإشعالها من خلال الصراع بين الصهيونية السياسية وقادة العالم الإسلامي، بحيث يستنزف الطرفان بعضهما، وتتزامن مع ذلك صراعات أخرى بين الشعوب، حتى تصل الإنسانية إلى حالة من الإنهاك الجسدي والعقلي والروحي والاقتصادي.

ويقوم الصراع بين هذين المعسكرين على السيطرة السياسية والاقتصادية والفكرية، واستعمال الحروب والاغتيالات والثورات لإضعاف الأمم وإخضاعها. كما تقوم الدعاية والإعلام بدور أساسي في تقسيم الناس إلى معسكرات متناحرة، ونشر الحقائق الناقصة أو الأكاذيب، بحيث ينشغل الناس بالصراع فيما بينهم، بينما تظل القوى المحركة للأحداث بعيدة عن الأنظار.

وقد وضعت لهذه الخطة أهداف واسعة، من أبرزها إلغاء الحكومات الوطنية، وإضعاف الشعور الوطني، وإلغاء الملكية الخاصة ومبدأ الإرث، وتفكيك الأسرة، والقضاء على الأديان المنظمة، تمهيدًا لإقامة نظام عالمي يخضع لسلطة واحدة. وتُصوَّر الشعوب في هذه اللعبة كبيادق، وتُستخدم الحكومات والزعماء والجماعات المختلفة كقطع على رقعة شطرنج، يمكن التضحية بها متى اقتضت الخطة ذلك.

ومن هنا يصبح فهم التاريخ، وفق هذا التصور، قائمًا على تتبع الصراعات والحروب والثورات بوصفها نقلات متتابعة في لعبة عالمية، تتنافس فيها قوى متعددة، بينما تعمل قوى خفية على توجيه الأحداث نحو أهدافها النهائية، مستفيدة من المال والسياسة والإعلام والصراعات الفكرية والدينية لإعادة تشكيل العالم وفق رؤيتها.

وقد استغل النورانيين الصراعات الدينية والاجتماعية والاقتصادية لإضعاف المجتمعات وتفريقها إلى معسكرات متنازعة، وأنهم وظّفوا المال والنفوذ والشبكات السرية في دعم الثورات والاضطرابات العالمية، واستثمروا أوضاع اليهود في أوروبا، ولا سيما بعد الطرد والعزل في الأحياء المغلقة، لإيجاد بيئة تساعد على تنمية روح الثورة والانتقام.

وقد استخدم النورانيون الرموز الخفية والشعارات والأجهزة السرية والتجسس والإرهاب لحماية التنظيم وفرض أهدافه. وفي الثورة الإنجليزية مثلًا، دعم النورانيون حركة الانقسامات السياسية والدينية، سيما أوليفر كرومويل، وقد احاطوه بالمال والتخطيط العسكري بهدف إسقاط الملكية البريطانية.

وهكذا يظهر النورانيون بوصفهم العقل المدبّر والقوة الخفية التي تستغل المال والصراع الديني والانقسام الاجتماعي والثورات السياسية، وتحاول توجيه الأحداث المتعاقبة نحو إضعاف الأديان والحكومات والمجتمعات، وصولًا إلى إقامة نظام عالمي جديد.

ظهرت خلال الثورة الإنجليزية شبكات سياسية ومالية خفية شاركت في تأجيج الصراعات الدينية والسياسية، وتنظيم الاضطرابات والجماعات المسلحة، وكان لها دور في الأحداث التي انتهت بإعدام الملك شارل الأول سنة 1649، ثم استمرت المؤامرات والصراعات حتى الثورة المجيدة سنة 1688.

وارتبطت هذه الأحداث بالجانب المالي؛ إذ استُخدمت القروض في تمويل الحروب، وتزايد الدين الوطني البريطاني، ثم أُنشئ بنك إنجلترا سنة 1694 بشروط منحت المقرضين (من جماعة النورانيين واليهود) نفوذًا واسعًا في النظام المالي، ومنها سرية أسماء الممولين، وتنظيم إصدار القروض والعملة، وتأمين سداد الديون من خلال الضرائب.

والتاريخ الاقتصادي الحديث يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن السيطرة على إصدار النقود والتحكم في أسعار الفائدة هما السلاح الأقوى لإخضاع الدول. وبالفعل فإن إغراق الحكومات في الديون الربوية الممنهجة لم يكن وليد الصدفة، بل هو أداة دقيقة لهندسة الانهيارات الاقتصادية الكبرى (مثل كساد العشرينيات). لقد كان إنشاء الاحتياطي الفيدرالي عبر اجتماعات سرية في جزيرة جيكيل يجسد بوضوح كيف تحولت سيادة الدول الاقتصادية إلى أيدي شبكة من المصرفيين الدوليين الذين يوجهون حروب العالم وأزماته لتحقيق أرباح فلكية وبسط النفوذ المطلق. 

وامتد هذا النفوذ إلى الحروب الأوروبية والثورة الفرنسية سنة 1789، ثم برزت عائلة روتشيلد في النشاط المصرفي الأوروبي، بدءًا من أمشيل ماير باور وأبنائه، ولا سيما ناثان روتشيلد، الذي توسع نشاطه المالي في إنجلترا. وتكوّنت بذلك إمبراطورية مالية واسعة ارتبط نشاطها بتمويل الحكومات والحروب والتأثير في الحياة الاقتصادية والسياسية.

كما ارتبطت الثورة الفرنسية، بخطة تعتمد على إثارة الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي؛ من خلال إغراق الدولة في الديون، وتفاقم البطالة والأزمات المعيشية، ثم تحميل المسؤولية للملك والنبلاء والكنيسة وأصحاب النفوذ، مع توظيف الدعاية والتحريض لإثارة سخط الجماهير.

وتقوم الخطة على استغلال الحرية والصراعات الطبقية والاضطرابات السياسية للوصول إلى النفوذ، مع اعتماد المال وسيلة للسيطرة؛ إذ يُنظر إلى القروض بوصفها أداة لإخضاع الحكومات، بحيث يؤدي تراكم الديون إلى منح الممولين نفوذًا على القرار الاقتصادي والسياسي.

وكان هناك ارتباط وثيق بين المحافل الماسونية والجماعات السرية وبين الإعداد للثورة الفرنسية، ولذلك ذكروا شخصيات تنتمي للماسون ساهمت في إثارة تلك الثورة، مثل ميرابو و دوق أورليان، وقد استغلت أتم استغلال الديون والفضائح والعلاقات الشخصية لإخضاع الشخصيات المؤثرة وتوجيهها نحو العمل الثوري.

ويتناول الكتاب الدعاية وتشويه السمعة بوصفهما وسيلتين لإضعاف الشخصيات السياسية، وقد أورد قضية عقد الألماس مثالًا على الحملة التي استهدفت الملكة ماري أنطوانيت، والتي تربط بأساليب إثارة النقمة الشعبية على النظام الملكي.

وفي الجانب المالي، قاموا بعرض فرنسا بوصفها قد وقعت في دائرة متصاعدة من القروض والامتيازات؛ فكانت الحاجة إلى التمويل تؤدي إلى مزيد من الاقتراض، ثم استُخدمت الديون والضمانات للتأثير في إدارة الدولة وشؤونها المالية. 

وقد أشارت العديد من الوثائق والكتب إلى وجود مخطط دولي لصناعة كل هذه الاضطرابات، ومن أبرزها «بروتوكولات حكماء صهيون»، والتي ترتبط مباشرةً بالماسونية والصهيونية والحركات الثورية، وكانت جزءاً من تصور أوسع للسيطرة على الثروات والموارد والقرار السياسي.

وقد أدّت الديون المتراكمة إلى إحكام قبضة الممولين (النورانيين) على فرنسا، حتى بلغ القرض الوطني مبلغًا ضخمًا، وأصبحت الأزمات المالية والاجتماعية أرضًا مهيأة للثورة. وتزامن ذلك مع الدعاية ضد رجال الكنيسة والدولة، وتنظيم الجماعات السرية وتدريب العناصر التي تولت قيادة مرحلة الإرهاب، ثم تصفية من انتهى دورهم من الشخصيات، مثل دوق أورليان وميرابو ودانتون وروبسبير.

وتبرز القوى النورانية بوصفها المحرك الخفي لهذه الأحداث؛ إذ تُقدَّم على أنها عملت من خلال المحافل الماسونية والشبكات السرية، واستفادت من الثورات والحروب لإضعاف الحكومات وتوسيع نفوذ المال. وبعد الثورة الفرنسية انتقل النشاط إلى مرحلة جديدة، توسعت فيها أسرة روتشيلد في أوروبا، وأُنشئت شبكات مالية مرتبطة بالمصارف الكبرى، مع توظيف الحروب وسيلة لتحقيق الأرباح وبسط النفوذ.

وترتبط هزيمة "نابليون بونابرت" كذلك بهذه الشبكات؛ إذ استُخدمت الجواسيس والمعلومات المضللة والتلاعب بالسوق المالية، فتمكن ناثان روتشيلد من تحقيق أرباح هائلة عقب معركة واترلو، ثم توسع نفوذ الأسرة في النظام المالي البريطاني. وأصبحت السيطرة على المصارف والصناعات المرتبطة بالحرب وسيلة لتحقيق المكاسب بغض النظر عن الطرف المنتصر.

وامتدت الأساليب ذاتها، بحسب هذا التصور، إلى جيوش ودول أخرى، من خلال اختراق مراكز التجهيز والمواصلات والاستخبارات، وتعطيل الإمدادات وإصدار الأوامر المتناقضة ونشر التجسس، بما يؤدي إلى إضعاف الجيوش من الداخل دون مواجهتها مباشرة.

ثم انتقل نفوذ هذه المحافل من فرنسا إلى أوروبا بأكملها عبر محافل الشرق الأكبر، التي تُقدَّم بوصفها امتدادًا للنورانيين داخل الماسونية، وسعت إلى التأثير في السياسة الفرنسية، ودعم العلمانية، وإقامة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، والتأثير في عصبة الأمم. ويُطرح الهدف النهائي لهذه القوى في إقامة نظام عالمي مركزي وإلغاء أشكال الحكم الدستوري متى سنحت الفرصة.

وتتصل هذه الخطة كذلك بالثورة الأمريكية؛ فقد أدى تقييد إصدار المستعمرات لعملتها وإجبارها على الاعتماد على المصارف إلى أزمات اقتصادية واستياء متزايد، ثم اندلعت الثورة واستمرت الحرب حتى استقلال الولايات المتحدة سنة 1783. وبعد الاستقلال استمر الصراع حول السيطرة على النقد والمصارف، وبرز ألكسندر هاميلتون ودعوته إلى إنشاء مصرف اتحادي ذي رأس مال خاص، بما فتح الباب أمام استمرار النفوذ المالي في الحياة الأمريكية.

وهكذا يقوم هذا التصور على ترابط ثلاثة محاور رئيسية: المال والديون، والشبكات السرية والنورانيون، والثورات والحروب؛ إذ تُستخدم الأزمات الاقتصادية لإضعاف الدول، وتُستثمر الاضطرابات السياسية لإعادة تشكيل أنظمة الحكم، ثم تُستغل الحروب والثورات لتحقيق النفوذ المالي والسياسي على نطاق أوسع.

وقد شهدت الولايات المتحدة صراعًا حول السيطرة على النظام المالي، ارتبط بالمصارف والقروض وإصدار العملة الوطنية. وتُنسب إلى القوى المالية الكبرى (المرتبطة بالنورانيين) محاولات للتأثير في الاقتصاد الأمريكي، من خلال التحكم في السيولة والقروض، واستغلال الأزمات المالية للاستحواذ على العقارات والضمانات. كما واجهت هذه السياسات انتقادات من شخصيات أمريكية رأت في نفوذ المصارف خطرًا على استقلال القرار الاقتصادي والسياسي.

وتصاعد هذا النفوذ مع إقرار قانون المصارف الوطني، ثم تأسيس الاحتياط الفدرالي سنة 1913 بعد اجتماعات سرية عُقدت في جزيرة جيكيل. وتُقدَّم هذه المؤسسة باعتبارها أداة مكّنت المصارف الكبرى من توسيع نفوذها في الاقتصاد، بينما أدت الأزمات المصرفية المتكررة إلى إفلاس أعداد كبيرة من المصارف وفقدان صغار المودعين لأموالهم.

ثم تنتقل الأحداث إلى روسيا، حيث أدت سياسات القياصرة المتعاقبة إلى تغييرات في أوضاع اليهود الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. ومع تصاعد الحركات الثورية وعمليات الاغتيال، اغتيل القيصر ألكسندر الثاني سنة 1881، وأعقب ذلك تشديد القيود على اليهود واندلاع أعمال عنف ضدهم. وتربط الرواية بين هذه التطورات وبين قوى ثورية ومالية خارجية سعت إلى إضعاف روسيا وزعزعة استقرارها تمهيدًا للثورة الروسية.

كما تطورت الحركة الثورية في روسيا مع تصاعد الاضطرابات السياسية والاجتماعية، وارتبطت بها أحزاب وتنظيمات سرية اعتمدت الإضرابات والاغتيالات وأعمال العنف وسيلة لإضعاف النظام القيصري. ومع اشتداد القيود المفروضة على اليهود، برزت الحركة الصهيونية في أوروبا، كما تصاعد النشاط الثوري الذي انتهى بثورة 1905، ثم استمرت محاولات زعزعة الحكم.

ثم برز لينين بوصفه أحد أهم قادة الحركة الماركسية، وأسهم في تنظيم العمل الثوري دوليًا، وإنشاء الصحف والشبكات السرية، واعتمد في تمويل نشاطه على أساليب غير مشروعة، منها سرقة المصارف. وانقسمت الحركة الاشتراكية الروسية إلى بلاشفة ومناشفة، وظلت الدعاية والتحريض وتنظيم الإضرابات والمظاهرات من أهم وسائل الصراع السياسي.

وبعد ثورة 1905 اتجه القيصر نيقولا الثاني إلى إصلاحات دستورية وزراعية، وبرز ستوليبين في إصلاح أوضاع الفلاحين وتوسيع ملكيتهم للأرض، إلى جانب إصلاحات في التعليم والانتخابات والتأمينات. وأدى ذلك إلى تراجع نفوذ الثورة مؤقتًا، لكن الحملات الدعائية وتشويه صورة النظام، إلى جانب نفوذ راسبوتين داخل البلاط، أبقت حالة التوتر قائمة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وتفاقم الخسائر والأزمات الاقتصادية والغذائية في روسيا، عادت الاضطرابات بقوة. وفي عام 1917 تحولت المظاهرات والإضرابات إلى ثورة أطاحت بالحكم القيصري، ثم عاد لينين من الخارج بدعمٍ ألماني وفق الرواية، واستغل العفو العام وتنظيم البلاشفة والإعلام الثوري للوصول إلى السلطة. وفي تشرين الثاني 1917 استولى البلاشفة على الحكم، وتحولت روسيا إلى النظام الشيوعي.

وبعد تثبيت السلطة، اتجه لينين إلى القضاء على خصومه السياسيين وتوسيع القمع والإعدامات، ثم انقسمت القوى اليهودية الروسية بين التيار الشيوعي الذي سعى إلى الثورة العالمية والتيار الصهيوني الذي دعا إلى الهجرة إلى فلسطين. ويعرض هذا المسار الثورة الروسية بوصفها نتيجة تداخلٍ بين العمل الثوري والتنظيمات السرية والتمويل الخارجي والصراعات السياسية والاقتصادية.

وكان «الممولين الدوليين» (ويقصد بهم مصرفيين يهوداً) هم من يقفون خفيةً وراء أبرز أحداث القرن العشرين: فقد وجّهوا مؤتمر السلام ومعاهدة فرساي وصاغوا بنودها (عبر شخصيات مثل واربورغ وشيف)، وخطّطوا للانتداب البريطاني على فلسطين ولوعد بلفور خدمةً للمشروع الصهيوني. 

الأمر الذي يكشف بوضوح، طريقة "صناعة الأزمات المزدوجة"، فالصراعات الكبرى لم تكن نزاعات قومية عفوية، بل وُضعت أهدافها بدقة في غرف مغلقة. فتمويل الثورة البلشفية عبر شبكات المال الدولية، وفي نفس الوقت إعادة بناء الجيش الألماني سراً تحت غطاء معاهدة فرساي، يؤكد وجود عقل مدير واحد كان يرغب في إشعال حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس. 

ولا شك أن إسقاط الإمبراطوريات وتفريغ الدول من سيادتها عبر حروب مصطنعة يثبت أن الأطراف المتحاربة كانت تُدار من مرجعية واحدة تستهدف إعادة تشكيل الخريطة العالمية وفق مصالح النخبة الخفية التي تتحكم بأحداث هذا العالم. 

وكان لهؤلاء الممولين دورٌ في صناعة الثورة البلشفية وحكم لينين وستالين، ذلك أنهم موّلوا التصنيع السوفيتي وأعادوا في الوقت نفسه بناء الجيش الألماني سرّاً (اتفاقية Abmachungen) تمهيداً لحرب عالمية ثانية، كما يتّهمهم بافتعال الكساد الاقتصادي أواخر العشرينيات لإضعاف بريطانيا. 

ويتطرق الكتاب بتفصيل لافت إلى مرحلة حكم جوزيف ستالين، مسلطاً الضوء على زواجه الثاني بانتحار زوجته ناديا، وزواجه الثالث من روزا كاغانوفيتش، فضلاً عن قرب شقيقها لازار كاغانوفيتش من مركز صنع القرار في المكتب السياسي السوفيتي، ليرسم من خلال هذه العلاقات الأسرية والسياسية شبكة مصالح ضيقة تحكم البلاد. 

ويوظف الكتاب حملات التطهير الدموية الواسعة التي أطاح خلالها ستالين بخصومه التاريخيين مثل تروتسكي وغيره من قيادات البلاشفة، إلى جانب كارثة فرض المزارع الجماعية والتصنيع القسري التي أودت بحياة ملايين الفلاحين جوعاً وقمعاً، ليؤطر كل هذه المآسي الإنسانية في قالب موحد يخدم المخطط العالمي الخفي؛ إذ يزعم أن تلك السياسات المدمرة لم تكن مجرد صراع سلطة أو أخطاء إيديولوجية داخل النظام الشيوعي، بل كانت خطوات مدروسة وممولة من قبل الممولين الدوليين لزعزعة استقرار المجتمعات، وتحطيم اقتصاديات الدول الحليفة عبر إغراق الأسواق العالمية بالسلع الرخيصة، وتمهيد الطريق تدريجياً لاندلاع الصراعات الكبرى القادمة.

أمّا الجزء الأخطر والأطول فهو ما يسمّيه «خطاب الحاخام رابينوفيتش» عام 1952، الذي يُقدَّم فيه كلامٌ عن إشعال حرب عالمية ثالثة، وتأليب الشعوب على بعضها، واستغلال «معاداة السامية»، بهدف قيام «حكومة عالمية واحدة» يسيطر فيها اليهود على العالم وإبادة العرق الأبيض والأديان. ومن المهم أن تعرف أنّ هذا الخطاب تحديداً تلفيقٌ مثبت ومكشوف تاريخياً (لا وجود لهذا الحاخام ولا للمؤتمر).

ثم يُعيد الكتاب سرد تاريخ إسبانيا السياسي والاجتماعي (المتمثل في الثورة الإسبانية)، ويُبين أن «المصرفيين الدوليين» تغلغلوا في اقتصاد البلاد منذ طرد اليهود في القرن الخامس عشر لتهيئتها للثورة الإسبانية. ويختزل الكاتب استراتيجية التخريب في ثلاث مراحل تبدأ بالسيطرة على مؤسسات الدولة والنقابات، مروراً بالتحالف مع اليسار لإسقاط النظام، وصولاً إلى افتعال الفوضى لفرض «ديكتاتورية البروليتاريا»، مستعرضاً ذلك عبر الحركات العمالية والفوضوية منذ عام 1865، وسقوط الملكية عام 1931 إثر انتخابات يصفها بالممزوجة بالتزوير والنشاط الماسوني.

وفي هذا إشارة إلى الأداة الأكثر شراسة في المخطط الماسوني، وهو "الحرب النفسية والأخلاقية". فالتخريب لم يقتصر على إسقاط الحكومات، بل يبدأ بضرب الحصن الأول للمجتمع وهو الأسرة والدين. وتم هذا التخريب عبر سلسلة من المخططات التي كان من أبرزها: إطلاق العنان للفوضى، واستهداف رجال الدين، واستخدام الأدوات الثقافية والإعلامية لتخريب القيم، كلها استراتيجيات مدروسة بعناية لإنساخ الشعوب هويتها وجعلها سهلة الانقياد تحت وطأة الخوف والضياع. وما تعرضت له إسبانيا وغيرها من الدول يعكس تخطيطاً محكماً لتحطيم الروابط القومية والاجتماعية كتمهيد نهائي لفرض النظام العالمي المزعوم. 


كما يذكر الكتاب أن موسكو مولت ودعمت حكومة الجبهة الشعبية لعام 1936 التي أطلقت موجة عنف وفوضى وإحراق للكنائس، مخصصاً مساحة واسعة للحديث عن ما أسماه «برنامج تفكيك الأسرة والأخلاق» عبر استهداف الدين وسلطة الأب ونشر المحتوى الهابط لتجنيد الشباب. ويختتم بعرض أحداث اندلاع الحرب الأهلية عام 1936، بدءاً من اغتيال كالفو سوتيلو وصولاً لتحرك فرانكو، مؤكداً تهريب الاحتياطي الذهبي الإسباني إلى ستالين. ويُذكر مجدداً بأن هذه السردية تخلط وقائع تاريخية حقيقية بمعلومات غير موثقة وأطروحات قائمة على نظريات المؤامرة المزدوجة ضد الشيوعية والسامية.

ويذكر الكتاب ما يُقال «تعليمات سرّية» صادرة عن الكومنترن إلى «الميليشيا الحمراء» في إسبانيا، نُشرت في جريدة فرنسية عام 1936. وهي لائحة من نحو 18 بنداً تفصّل خطة انقلاب دموي: التسلل إلى الثكنات وتصفية الضباط والجنرالات بقوائم إعدام معدّة سلفاً، واعتقال قادة الأحزاب والرأسماليين ومصادرة أموالهم ثم قتلهم مع عائلاتهم، واستخدام التجويع كسلاح، وإبعاد المنفّذين عن مناطق أقاربهم لتفادي تردّدهم. 

ثم يصف الكتاب ما يسمّيه «الحكم الثوري الإرهابي» بعد وصول الجبهة الشعبية إلى الحكم 1936: إطلاق سراح المجرمين والمختلّين لاستخدامهم في العنف، واغتيال ثلثي ضباط إسبانيا، ويسرد سلسلة طويلة من الفظائع المنسوبة للشيوعيين (قتل رهبان وراهبات، اغتصاب، تمثيل بالجثث، مجازر في برشلونة وفالنسيا ومدريد بأرقام بعشرات الآلاف)، مستشهداً بمراسلين ومنشور بابوي، وبأقوال منسوبة إلى لينين وستالين تبرّر الإرهاب كوسيلة سياسية.

ثم ينتقل إلى «الأحداث التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية»، فيقدّم صعود هتلر بوصفه ردَّ فعلٍ ألماني على معاهدة فرساي وعلى «سيطرة الممولين الدوليين»، مع اقتباسات من «كفاحي». ويروي محادثات مزعومة عام 1936 بين هتلر و غورنغ من جهة واللورد البريطاني لندندري من جهة أخرى، يُطرح فيها القضاء على الشيوعية والصهيونية واليهود كـ«شرط للسلام»، مع رفض بريطانيا لفكرة الإبادة. 

ويصوّر الكتاب هتلر وموسوليني وفرانكو كقادة أعادوا بناء بلادهم بدعم خفي من «النورانيين» بهدف إشعال حرب جديدة، ويعرض صراع النازية مع الكنيسة (منشور البابا بيوس الحادي عشر 1937). وينتهي بفقرات اقتصادية عن بنوك الاحتياط الفيدرالي ووارْبورغ والبنك الدولي، ومقولات منسوبة إلى الرئيسين ويلسون وروزفلت عن سيطرة قلّة على الاقتصاد الأمريكي، ليخلص إلى أنّ «الديمقراطية» ليست إلا واجهة يستعملها النظام الماسوني لتنفيذ مخططاته الشيطانية. 

ويرى المؤلف أنّ البريطانيين حاولوا تفادي الحرب مع ألمانيا (موزلي، الكابتن رامزي، الأدميرال دومفيل) فوُصموا بأنهم نازيون، ثم يقدّم رواية عن نشأة معاداة السامية في إنجلترا منذ 1920 عبر «بروتوكولات حكماء صهيون» التي نشرها مارسدن، ويربطها بـ«خطة روتشيلد» المزعومة عام 1773 وبأقوال منسوبة لهنري فورد وماكس نورداو. 

ثم يروي الكتاب قصة تنحّي الملك إدوارد الثامن مصوّراً إياه ضحيةً لـ«القوى الخفية»، ويقدّم رواية مؤامراتية عن اندلاع الحرب العالمية الثانية: أنّ هتلر كان مسالماً ولم يطلب إلا رفع «ظلم فرساي» (السوديت وممر دانتسيغ)، وأنّ «الممولين العالميين» زوّروا إنذاراً لدفع تشامبرلين لإعلان الحرب، وأنّ تشرشل حوّلها إلى حرب تدميرية باستهداف المدن الألمانية، مع اعتقالات جائرة لمعارضي الحرب.

ثم يمضي في تصوير تشرشل وروزفلت كأدوات دعمت ستالين ومنحته أوروبا الشرقية والشرق الأقصى، ويزعم أنّ القنبلتين الذريتين أُلقيتا على اليابان (بعد هزيمتها فعلاً) لمجرّد «تحذير ستالين»، وأنّ روزفلت مات في ظروف مدبّرة في بيت برنارد باروخ. 

وتأتي «الخاتمة» بقلم مترجم الكتاب، وهي الأخطر: إذ تعمّم أحكاماً عنصرية معادية للسامية على اليهود كشعب («طراز خاص… مشوّشو العالم»)، وتستشهد باقتباسات ملفّقة (نصّ منسوب للتلمود، ومقولة منسوبة لجورج واشنطن)، وتربط ذلك بالماسونية والشيوعية والقضية الفلسطينية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق