رسم المصحف العثماني
وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم
ودافعها -ورافعها
د. عبد الفتاح إسماعيل شلبي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد:هذا البحث يتناول قضية رسم المصحف الشريف، ومكانته في الاحتجاج للقراءات، وما يتصل بذلك من مسائل جمع القرآن، والمصحف الإمام، ومنهج العلماء في التلقي والرواية، وضوابط المقبول والمردود من القراءات. وقد عرض المؤلف مفهوم رسم المصحف وبيّن تطوّره التاريخي منذ عهد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وصولاً إلى عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث كُتب المصحف الإمام وأُرسل إلى الأمصار.
ويؤكد البحث أن اختلاف القرّاء في بعض الحروف لا يُعزى إلى الرسم وحده، بل مردّه الأساسي إلى الرواية والتلقي، ويتجلّى ذلك في اتفاقهم على كثير من الألفاظ التي تحتمل أكثر من وجه في الرسم، مما يدل على أن القراءة سنة متلقاة، لا اجتهاد شخصي يختار فيه القارئ لنفسه منهجاً مطّرداً. كما أن خلوّ الرسم العثماني من النقط والشكل لا يعني إطلاق العنان للاختلاف، إذ نجد القرّاء قد أجمعوا في مواضع معينة على قراءة واحدة، رغم احتمالها اللغوي لأكثر من وجه، كما في كلمة “الرضاعة” التي أجازتها العربية بالفتح والكسر، لكنهم التزموا فيها وجهاً واحداً، في حين اختلفوا في غيرها.
وقد تصدّى الكتاب لشبهات المستشرقين الذين زعموا أن القراءات تابعة للرسم، وهو قول يفضي إلى نتائج خطيرة، منها نفي اتصال القراءات بالسند النبوي، وإنكار كونها من الوحي المنزل، ومن الأحرف السبعة التي ثبتت في الحديث الصحيح. ومن أبرز من تبنّى هذا الرأي المستشرق إغناطس جولدتسيهر في كتابه “المذاهب الإسلامية”، حيث أرجع اختلاف القراءات إلى خلوّ المصاحف الأولى من النقط والشكل، وهو زعم مردود علمياً.
وبيّن المؤلف في مقابل ذلك أن القراءات سنة متّبعة، وأن الرسم تابع للرواية، وأن الأصل في القراءة هو التلقي الشفهي قبل التدوين، فما لم يثبت نقله بسند صحيح، وإن احتمله الرسم، فهو مردود. أما ما صحّ سنده ووافق العربية ورسم المصحف الإمام، فهو المقبول الذي يُتعبّد بتلاوته. وقد نقل إجماع العلماء على هذا المنهج، مستشهداً بأقوال أئمة كبار مثل سيبويه، والفراء، ومحمد بن جرير الطبري، والزجاج، وابن جني، ومكي بن أبي طالب القيسي، وأبو عمرو الداني، وأبو شامة المقدسي وغيرهم.
كما تناول البحث مسألة اختيارات القرّاء، وبيّن أن الاختيار المقبول هو ما اجتمعت فيه شروط الرواية الصحيحة، وموافقة العربية، ورسم المصحف الإمام، وإلا كان مردوداً، ولو صدر عن كبار الأئمة. وقد بلغ من صرامة هذا المنهج أن عوقب من خالفه، مثل ابن مقسم الذي أجاز القراءة بكل ما يحتمله الرسم وإن لم يصح سنده، وكذلك ابن شنبوذ الذي جوّز القراءة بما صح سنده ووافق العربية ولو خالف رسم المصحف الإمام، فأنكر عليهما العلماء، وشددت السلطة في ردّ مثل هذه الأقوال حفظاً لكتاب الله.
_____________________________________________
الرسم أصله في اللغة الأثر. والمراد منه: أثر الكتابة في اللفظ.
وهو تصوير الكلمة بحروفها الهجائية بتقدير الابتداء والوقوف عليها.
والمصحف: هي المصاحف العثمانية التي أجمع عليها الصحابة.
جمع القرآن: ابتدأ أبو بكر بجمع القرآن مشتملاً على سبعة أحرف، ولم يخص حرفاً بعينه، ثم اختص كثيرون من الصحابة بمصاحف، مثل: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وكان لزوجات النبيّ صلى الله عليه وسلم مصاحف مثل ذلك: كعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وكذلك كان للتبايعن، من أمثال: عطاء، وعكرمة، ومجاهد.
المصحف الإمام: لما اختلف القراء وكادت تنشب الفتن بينهم، فزع حُذيفة بن اليمان إلى سيدنا عثمان بن عفّان ليجمع الأمة على حرفٍ واحد، فجمع مصحفاً خالياً من الشكل والنقط، وبعث بها إلى الأمصار، وأمرهم أن يقرأوا بها، وساعده على نشرها زهاء اثني عشر من الصحابة والتابعين. وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يُخالفه بدعةً وخطئاً -وإن صحّت ورُويت.
القراءات: القراءات سُنّة مُتّبعة، والرسم تابعٌ للرواية، وأن القراءة منقولة من أفواه الرجال، قبل أن تُكتب في المصاحف، فإذا احتمل الرسم قراءة غير مرويّة، ولا ثابتة، ولا مُسندةً إسناداً صحيحاً؛ رُدَّت، وكُذّبت، وكفر مُتعمّدهُا، وما وافق الرسم من القراءات الصحيحة فإنه يُتعبّد به، وكانت تنزيلاً من حكيم حميد.
ومن أمثله ما يندرج في الإلحاد وما زُيّف على القُرّاء، بدعوى أنه يحتمله الرسم: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) - "لا زيت فيه"، (ولله ميراث السماوات والأرض) - بإبدال "ميراث" بـ "ميزاب"، ومن البدع قراءة المعتزلة (وكلَّم الله موسى تكليماً) برفع لفظ الجلالة بدلاً من نصبها. وكذلك قول الرافضة (وما كُنتُ مُتخذ المُضلين عضداً) -بفتح اللام - يعنون: أبا بكر وعمر. وهذا من تحريف أهل الأهواء والبدع. فأصبحت القراءة به بهتاناً وكفراً.
وكان عمل عثمان -رضي الله عنه -في جمع المصاحف على المصحف الإمام، كما يلي:
أولاً: العناية بالمواضع التي فيها زيادة كلمة، كما في "لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج"كما في مصحف ابن الزبير وابن عباس.
ثانياً: العناية بالمواضع التي فيها نقص بعض الكلمات، مثل "ومن الشياطين من يغوص له ويعمل وكنا له حافظين" -كما في مصحف ابن مسعود.
ثالثاً: معالجة إبدال كلمات بأخرى، كما في "إن الله لا يظلم مثقال نملة" -كما في مصحف ابن مسعود -وكما في قراءة عليّ "وطلع منضود" بدلاً من "طلح"، و "لها طلع نضيد".
رابعاً: العناية بأمور التقديم والتأخير، كما في "إذا جاء فتح الله والنصر"، وكما في "وجاءت سكرة الحق بالموت" -كما في مصحف ابن عباس رضي الله عنهما-
خامساً: حذف التأويل المُثبت مع التنزيل، كما في "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر".
سادساً: حذف منسوخ التلاوة المكتوب مع الرسم. كـ "الشيخ والشيخة إذا زنيا" إلخ.
_______________________________________________
فائدة (ص 56):
في الشعراء "سحَّار"، وفي يونس والأعراف "ساحر عليم". قالوا: "سحّار" لأن المقام يقتضيه، لمجيئ ذلك من السَّحرة جواباً لقول فرعون لما استشارهم في أمر موسى؛ فأجابوه أنهم قادرون على ما هو أبلغ منه. بينما في يونس والأعراف -كان هذا هو جواب فرعون للسّحرة، لأنه لم يُرد رفع مقامه في هذا المجال.
_______________________________________________
فائدة:
قد يُطلق "اللحن" ويُراد به اللغة، قال عمر رضي الله عنه: إنا لنرغب عن كثيرٍ من لحن أُبيّ -يعني لغة أُبي. وكان عُمر يقول أيضاً: أُبيّ أقرأنا، وإنا لندع بعض لحنه -أي: قراءته- انظر المصاحف لأبي داود السجستاني، ص 32.
_______________________________________________
فائدة:
وقرأ أبو عررة "مليك يوم الدين" بياء بين اللام والكاف، وهو معنىً حسن، لأنه بناء مبالغة، وهو أبلغ في الوصف والمدح من "ملك" و "مالك"، غير أنه يُخالف خطّ المصحف الإمام؛ فلا تجوز القراءة به.
_______________________________________________
فائدة:
من أسرار الكتابة في المصحف (والسماء بنيناها بأييد)كُتبت بأييد للتفريق بين الأيد الذي هو القوة، وبين الأيدي جمع يد، فزيدت الياء الثانية لتحتص بالقوة. انظر البرهان للزركشي: 1/ 387.
_______________________________________________
فائدة:
زيدت الألف في رسم (لاذابحنّه) (لأاوضعوا خلالكم) للتنبيه على أن المؤخّر أشدُّ في الوجود من المُقدّم عليه في الخطاب؛ فالذحب أشدُّ من العذاب، والإيضاع أشدُّ فساداً من زيادة الخبال. انظر البرهان؛ للزركشي: 1/ 381.
_______________________________________________
فائدة:
حذف الواو من قوله (ويدعُ الإنسان)، و (يمحُ الله الباطل)؛ للدلالة على سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل، وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود. انظر: مناهل العرفان، ص 358.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق