عنترة بن شداد
السيد حافظ
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: عنترة الفوارس، أو عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، أبا المغلّس، أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعراء الطبقة الأولى، من أهل نجد، توفي قبل الهجرة باثنين وعشرين عاماً، وأمه حبشية اسمها زبيبة، سرى إليه السواد منها. وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزهم نفساً، وكان يُوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شِعره رقة وعذوبة وفصاحة منقطعة النظير.
وسمى بـ "عنترة الفوارس"؛ لكثرة ملاقاته فرسان العرب، وإغارته على أحيائها، وقد حفظت لنا الكتب أشعار النساء اللاتي قتل عنترة أزواجهنَّ وآباءهنَّ وأولادهنَّ.
وكان عنترة مغرماً بابنة عمه عبلة التي خرجت مع أهلها إلى منقة نائية بعيدة، ولم يعرف عنترة أين اختفت عبلة، ولذلك سال شعره في مدحها والتغني بحبها؛ فقل أن يحكي قصيدة إلا ويذكرها. وقد اجتمع في شبابه بامرئ القيس الشاعر، وشهد حرب داحس والغبراء.
وهو صاحب المعلقة الشهيرة أو "المذهّبة"، التي مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم … أم هل عرفت الدار بعد توهم
وكأنه يقول في مطلعها: هل أتى أحدٌ على مثل هذه المعاني التي أنظمها، وقد كان من قبلي يقف على الأطلال، ويوهم أنه لا يعرفها من تغير آثارها، بينما أنا أعرفها تمام المعرفة، وهي دار عبلة.
يا دار عبلة بالجواء تكلمي … وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
ويحادث عنترة في هذا البيت دار عبلة؛ فيقول لها: انطقي وأنتي بالجواء وهو مكان سكنها من نجد، ويُحييها بأطيب التحيات؛ فيقول لها: أنعمي صباحاً، واسلمي من كل مكروه.
دار لآنسة غضيض طرفها ... طوع العناق لذيذة المتبسم
أي: أن عبلة هذه شريفة عفيفة، تغضُّ طرفها عما لا يحل لها النظر إليه، وقد بدا من جمالها أنها طيّبة العناق، لذيذة المبسم أي: الثغر.
علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعماً لعمرُ أبيك ليس بمزعم
ويخبر في هذا البيت أنه علقها أي: أحبها حباً شديداً، وأن كل المزاعم التي تُخبر أنه سيقتل قومها هي محض افتراء وكذب عليه.
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
أي: انها نزلت في قلبه منزلة الحب والتكريم، ومن هذه منزلته فلا تظني فيه غير الإكرام والمحبة.
ويفتخر عنترة بشجاعته في الحرب وإقدامه فيها؛ فيقول:
يا عبل لو أبصرتني لرأيتني ... في الحرب أقدم كالهزبر الضيغم
ويُبدي عنترة حرقته على فراق عبلة غداة غادرت وأهلها ديارهم؛ فيقول:
ولقد نظرت غداة فارق أهلها ... نظر المحب بطرف عيني مغرم
وطالما شكى عنترة قلة فراغه وكثرة شغلة عن عبلة، حتى قال في بعض أبياته:
تمسي وتصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراه أدهم ملجم
أي: هي منعمة موطأ لها الفرش تبيت وتصبح عليه، وأبيت أنا على ظهر فرس بين المعارك والسيوف.
ومن شدة تتيُّمه بعبلة، يطلب منها أن تذكره في كل مجالسها بالثناء والمدح؛ فيقول مفتخراً:
أثني علي بما علمت فإنني … سمـــــــــحٌ مخالقتي إذا لم أظلم
وإذا ظلمت فإن ظلمي باسلٌ … مرٌ مذاقه كطعم العلقم
ثم يطلب يخاطبها خطاب الحاضرين؛ لشدة ولعه بها؛ فيقول:
هلا سألت الخيل يا بنة مالكٍ … إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحـــــــــــــــــالة سابحٍ … نهدٍ تعاوره الكـــــــماة مكـــلم
طوراً يجــــــــــرد للطعان وتارةً … يأوي إلى حصد القـــــــــــــسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني … أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ومدجــــــــــــــــج كره الكماةُ نزاله … لا ممعـــــــــــــــــنٍ هرباً ولا مستسلم
جادت له كفي بعاجل طعنةٍ … بمثقفٍ صدق الكعوب مقوم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه … ليس الكريم على القنا بمحرم
فتركته جزر السباع ينشنه … يقضمن حسن بنانه والمعصم
فيخبر أن الكُماة وهم الفرسان الأشداء تخشى من مواجهته لشدة بطشه بهم، فإذا برز له أحدٌ منهم، شكَّه بسلاحه، وطعنه برمحه، حتى يتركه فريسة للسباع تنهش لحمه.
ومن العجيب أن يذكرها في ساحة الوغى، وقد حمي الوطيس، واشتدَّ على الأعداء؛ فيقول:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فهممت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وفي هذا البيت يودُّ لو يُقبّل سيفه الذي يُذكره بثغرها الجميل، وهذا من شدة ولعه بها.
ويقول في خاتمتها:
لما رأيت القوم أقبل جمعهم … يتذامــــــــــــــــرون كــــــــــــررت غير مذمم
يدعون عنتر و الرماح كأنها … أشطــــــــــــان بئرٍ في لبــــــــــــان الأدهم
ما زلت أرميهم بثغرة نحــــــــــره … و لبــــــــــانه حتى تســــــــــــربل بالــــــــدم
فازور من وقع القنا بلبانه … و شكا إلي بعـــــــــــــــبرةٍ و تحمـــــــــــحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى … و لكان لو علم الكلام مكلمي
و لقد شفى نفسي و أبرأ سقمها … قبل الفوارس ويك عنتر أقدم
وعاش عنترة طويلاً، وقتله الأسد الرهيص واسمه: جبار بن عمرو بن عميرة الطائي، وكان أيضاً شاعراً فارساً، وفي ذلك يقول:
قتلت مجاشعاً وقتلت عمراً ... وعنترة الفوارس قد قتلت
فإن تجزع بنو عبس عليه ... فإني لا وجدك ما جزعت
وبعد هذا التقديم أعود للحديث عن الكتاب الذي ألفه حافظ السيد للأطفال عن عنترة، وهو كتاب للأسف بعيدٌ كل البعد عن الحقيقة، حيث أطلق المؤلف العنان لخياله؛ ليرسم صورة غير واقعية عن هذا الفارس الهمام، وهذا يجعلني أتساءل عن الطريقة الصحيحة التي يمكن من خلالها نقل صورة صادقة عن أبطال وفرسان العرب، من غير تكلُّفٍ أو كذب في الرواية.
وبالفعل فمكتبة الطفل تفتقر إلى الحديث عن فرسان العرب بأسلوب أدبي يكون قريباً من فهم الطلاب، وله أهداف واضحة وتكون احداثه معقولة، ولا شك أن هذا أفضل بكثير من ترك الأطفال فريسةً لأبطال موهومين في عالم الميديا مثل "سبستيان"، و "جونكر"، و"بيل"، و "زورو"، و"بات مان"، و"باباي" وغيرها من الشخصيات الكرتونية أو الواقعية المعدّلة.
وفي هذه القصة الحالمة يأخذنا المؤلف السيد حافظ في رحلة خيالية لبحث عنترة عن التفاحات الثلاثة! لأجل أن يُقدمها للأمير الذي قام بسبي قبيلته بني عبس، وأسر فيها أبيه وأكثر أهله، فيعثر على الأولى في وادي الثعابين، والثانية عند ملك القرود، والثالثة عند أحد الملوك الجبابرة! وتكون الهدية هو زواجه من عبلة التي اختارت عنترة لأجل بسالته وشجاعته والقيم النبيلة التي يحملها في قلبه!
أهم ما يمكن تعلمه من قصة عنترة هو التضحية في سبيل القيم وشرف القبيلة، والتي استبدلها الإسلام بالدفاع عن المستضعفين والمكلومين في الأرض، وتحرير الرقاب، وهي غاية كريمة يشجع عليها الدين. وأن الرجال تُقاس بالأعمال لا بالأموال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق