أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 10 مارس 2026

مناقشة فقه جماعات العنف وقتالها ضد الأنظمة الحاكمة من كتاب الجهاد للدكتور يوسف القرضاوي (ص 1131 – 1170)

مناقشة فقه جماعات العنف وقتالها ضد الأنظمة الحاكمة

من كتاب الجهاد للدكتور يوسف القرضاوي

(ص 1131 – 1170)

بقلم: أ.محمد ناهض عبد السلام حنونة

تمهيد: يتناول هذا المبحث ظاهرة جماعات العنف التي ظهرت في العقود الأخيرة، واتخذت من قتال الأنظمة الحاكمة منهجًا لها، بدعوى إقامة الشريعة وتغيير المنكر.ويعرض الأسس الفكرية والفقهية التي تعتمد عليها هذه الجماعات، مثل تكفير الحكومات بحجة عدم الحكم بما أنزل الله، والاستناد إلى بعض فتاوى العلماء في غير مواضعها، والتوسع في مفهوم الجهاد وتغيير المنكر بالقوة.

كما يبيّن أن هذه الجماعات أقامت تصورها على فهم خاص للنصوص الشرعية، يغلب عليه الأخذ بالظواهر، وإهمال المقاصد، وعدم مراعاة ضوابط التكفير، وشروط الخروج على الحاكم، وقواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد.

ويؤكد البحث أن الأزمة في جوهرها أزمة فكرية وفقهية، لا أزمة نيات؛ فكثير من المنتسبين إلى هذه الجماعات يتحركون بدافع الغيرة الدينية، لكنهم يفتقدون الفقه المتكامل الذي يجمع بين النصوص، ويراعي الواقع ومآلات الأفعال.

ومن ثم يدعو إلى مناقشة هذا الفقه مناقشة علمية هادئة، تُصحح المفاهيم، وتضبط مسألة الجهاد، وتغيير المنكر، والتكفير، والعلاقة بغير المسلمين، في ضوء الأدلة المحكمة ومقاصد الشريعة، حفاظًا على وحدة الأمة وصيانةً لدمائها من الفتن.

______________________________________________

نصوص مقتبسة من كتاب (الجهاد) للدكتور يوسف القرضاوي

نشوء جماعات الجهاد ضد السلطات والحكومات:

ومن صور القتال داخل الدائرة الإسلامية، وأنواع الجهاد المختلف فيها: ما اشتهر في العقود الأخيرة من ظهور (جماعات العنف الإسلامية) أو التي تنسب نفسها إلى الإسلام، وما تقوم به في أكثر من بلد من قتال الأنظمة الحاكمة) التي تحكم كثيراً من بلاد المسلمين، وذلك بالخروج المسلح عليها، أو استخدام العنف ضدها، أو ضد رجالها، أو مؤسساتها وبعض مصالحها.

ولقد اشتهر في العقود الأخيرة في عدد من البلاد العربية والإسلامية: تكوين جماعات تنتسب إلى الإسلام أطلقت على نفسها جماعة الجهاد أو السلفية الجهادية، أو الجماعة الإسلامية.ويعنون بالجهاد - أول ما يعنون - جهاد السلطات والحكومات التي تحكم بلاد المسلمين، ولا تقيم شرع الله، الذي فرض الله على الأمة أن تحتكم إليه في شؤونها كلها: الدينية كالعبادات، والدنيوية كالمعاملات.

فكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، قال في نفس السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فتنفيذ القصاص كتنفيذ الصيام، كلاهما فرض فرضه الله أو كتبه - على المؤمنين.

وكما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبِينِ﴾ [المائدة: 6]، قال في نفس السورة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزيز حكيم﴾ [المائدة: ۳۸]، فلماذا نأخذ بآية الطهارة، ونجمد آية حد السرقة؟ وكلتاهما أمر من الله جل وعلا؟

قامت جماعات الجهاد في مصر وفي الجزائر وفي غيرهما، لمقاومة الحكام الجائرين، بل الكافرين في نظرهم، بعد أن فشل منطق الوعظ والإرشاد مع هؤلاء، ولم يعد يجدي معهم غير القوة التي يستخدمونها بعنف وقسوة ضد خصومهم.قالوا: ولو كان الحوار مع هؤلاء الحكام يجدي لحاورناهم، ولكن هيهات؛ لا يقاوم السيف بالقلم، ولا السنان باللسان.

هذه هي الفلسفة التي تقوم عليها (جماعات الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) أو (السلفية الجهادية)، أو (جماعة المسلمين) كما قد تسمي نفسها، وهو ما يمكن أن نسميه (جماعات العنف).

وقد تعرضت في بعض دراساتي لفقه هذه الجماعات، أو الأساس الفكري والشرعي لعملها، وناقشته مناقشة علمية هادئة مستمدة من مصادرنا الموثقة، ولا بأس أن أقتبس هنا بعض ما كتبته هناك، فموضعه الأساسي هنا، مضيفاً إليه بعض اعتبارات جديدة، تلقي الضوء على الموضوع الشائك، وتزيح عنه اللبس والبلبلة.

مناقشة فقه جماعات العنف

إن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات التي تنسب للإسلام، إنما هو إفراز لفلسفة معينة، تتبناها هذه الجماعات، وثمرة لفقه خاص، له وجهته ومفاهيمه وأدلته، التي تستند إليها هذه الفئة من الناس، ويؤيدهم فيه للأسف - بعض علماء الشرع .

ومن نظر إلى جماعات العنف القائمة اليوم في عالمنا العربي مثلاً: (جماعة الجهاد، الجماعة الإسلامية السلفية الجهادية جماعة أنصار الإسلام ...انتهاء بتنظيم القاعدة): وجد لها فلسفتها ووجهة نظرها، وفقهها الذي تدعيه لنفسها، وتسنده بالأدلة من القرآن والسنة، ومن أقوال بعض العلماء.وإن كان بعضها قد تراجع عن كثير من مفاهيمه.

صحيح أنها كثيراً ما تعتمد على المتشابهات وتدع المحكمات، وتستند إلى الجزئيات وتهمل الكليات، وتتمسك بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما يعارض هذه الظواهر من نصوص وقواعد، وكثيراً ما تضع الأدلة في غير موضعها، وتخرجها عن سياقها وإطارها، ولكن - على أي حال - لها فقه مزعوم يبرر العنف، ويستند إلى التراث، ويُدعم بالنصوص، ويروج لدى بعض الأغرار من الشباب، والسطحيين من الناس الذين يقفون عند السطوح، ولا يغوصون في الأعماق، أساسه فقه الخوارج قديما، الذين كانوا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

مبررات العنف الداخلي

بدأت هذه الجماعات العنف في داخل أوطانها أنفسها، أي: العنف ضد الأنظمة الحاكمة.

فعلى أي أساس بررت ذلك وأجازته من الوجهة الشرعية، في نظرها على الأقل؟

١- تكفير الحكومات القائمة:

إن فقه جماعات العنف، يقوم - أول ما يقوم - على أن الحكومات المعاصرة: حكومات كافرة، لأنها لم تحكم بما أنزل الله، واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق: القوانين التي وضعها المخلوق، وبهذا وجب الحكم عليها بالكفر والردة، والخروج من الملة، ووجب قتالها، والخروج المسلح عليها؛ حتى تدع السلطة لغيرها.إذ كفرت كفراً بواحا عندنا فيه من الله برهان.قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١].

ويؤكد فقه هذه الجماعات كفر هذه الأنظمة الحاكمة بأمر آخر، وهي: أنها توالي أعداء الله من الكفار، الذين يكيدون للمسلمين، وتعادي أولياء الله من دعاة الإسلام الذين ينادون بتحكيم شرع الله تعالى، وتضطهدهم وتؤذيهم، وتسجنهم وقد تقتلهم! والله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].وفي الحديث القدسي -الذي رواه البخاري -يقول الله تعالى: "من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب".

والحكومات المعاصرة: تعارض هذه التهم بدعاوى مختلفة، منها: أنها - أو كثيراً منها - تعلن أن دينها الرسمي هو الإسلام، وأنهم ينشئون المساجد لإقامة الصلاة، ويعينون الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويؤسسون المعاهد الدينية، والكليات الشرعية، ويوظفون الوعاظ ومدرسي الدين في المدارس وغيرها، ويحتفلون -برمضان وعيدي الفطر والأضحى، ويذيعون تلاوة القرآن والأذان للصلوات في الإذاعات والتلفازات وينشئون المحاكم الشرعية لتحكم في الأحوال الشخصية، إلى غير ذلك من المظاهر الدينية، التي تثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه.

كما أن بعض دساتير هذه البلاد يعلن أن الشريعة مصدر رئيس، أو المصدر الرئيس للتقنين، وبعضها يعتذر عن عدم تحكيم الشريعة بضعفه أمام قوى الضغط الغربي، وبعضها ..وبعضها.

٢- فتوى ابن تيمية في قتال كل طائفة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة:

كما تعتمد جماعات العنف: على فتوى الإمام ابن تيمية، في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام كالصلاة أو الزكاة، أو الحكم بما أنزل الله في الدماء والأموال والأعراض، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخره.وهو ما اعتمد عليه كتاب "الفريضة الغائبة" لجماعة الجهاد وجعل هذه الفتوى: الأساس النظري لقيام جماعته، وتسويغ أعمالها كلها.

ويستدلون هنا بقتال أبي بكر ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، لمانعي الزكاة، فكيف بمن يمتنعون عن تطبيق أكثر أحكام الشريعة، برغم مطالبة جماهير المسلمين بها، وعلى رأسهم العلماء والدعاة، بل هم أشد الناس خصومة لهؤلاء، وتضييقا عليهم، ومعاداة لهم ؟!

ونسي هؤلاء، أن الذي يقاتل هذه الفئة الممتنعة: هو ولي الأمر، كما فعل سيدنا أبو بكر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح الأمر فوضى!

۳- حكومات مفروضة على الأمة قسراً:

وتعتمد جماعات العنف أيضاً: على أن هذه الأنظمة غير شرعية، لأنها لم تقم على أساس شرعي من اختيار جماهير الناس لها، أو اختيار أهل الحل والعقد وبيعة عموم الناس، فهي تفتقد الرضا العام، الذي هو أساس الشرعية، وإنما قامت على أسنة الرماح بالتغلب والسيف والعنف، وما قام بقوة السيف: يجب أن يقاوم بسيف القوة، ولا يمكن أن يقاوم بسن القلم !

ونسي هؤلاء ما قاله فقهاؤنا من قديم: أن التغلب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقر له الوضع، ودان له الناس.

وهذا ما فعله عبد الملك بن مروان، بعد انتصاره على الصحابي الجليل عبد الله ابن الزبير -رضي الله عنهما- وقد أقره الناس، ومنهم بعض الصحابة: مثل: ابن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهما، حقناً للدماء، ومنعاً للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم ..

وهذا من واقعية الفقه الإسلامي، ورعايته لتغير الظروف.

٤ -حكومات تقر المنكر وتُحلُّ ما حَرَّم الله:

وترى جماعات العنف كذلك: أن هذه المنكرات الظاهرة السافرة - التي تبيحها هذه الحكومات - من الخمر والميسر، والزنى والخلاعة والمجون، والربا، وسائر المحظورات الشرعية: يجب أن تُغير بالقوة لمن يملك القوة، وهي ترى أنها تملكها، فلا يسقط الوجوب عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد، كما في الحديث الشهير: "من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه".

ويغفل هؤلاء: الضوابط والشروط اللازمة لتغيير المنكر بالقوة، التي قررها العلماء.

٥- التوسع في التكفير:

وبعض هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كله: أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن من لم يكفر الكافر: فهو كافر !

وبهذا توسعوا وغلوا في (التكفير)، وكفروا الناس بالجملة.

وعلى هذا: لا يبالون بمن يقتل من هؤلاء المدنيين، الذين لا ناقة لهم في الحكومة ولا جمل؛ لأنهم كفروا فحلت دماؤهم وأموالهم.

٦-استباحة حرمات أهل الذمة:

كما يرون بالنظر إلى الأقليات غير المسلمة: أنهم نقضوا العهد، بعدم أدائهم للجزية، وبتأييدهم لأولئك الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية، ولرفضهم للشريعة الإسلامية.وبهذا لم يعد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا ذمة، وحل دمهم ومالهم.وبهذا استحلوا سرقة محلات الذهب من الأقباط في مصر، كما استحلوا سرقة بعض المسلمين أيضاً.

ونسي هؤلاء أن عقد الذمة عقد مؤبد، ويترتب عليه عصمة دماء أهل الذمة وأموالهم وحرماتهم، وقد اتفق علماء المذاهب المختلفة على اعتبارهم من أهل (دار الإسلام)، أي بتعبير عصرنا (مواطنين) لهم حق المواطن،) كما عليهم واجباتها .

٧- استحلال دم المستأمنين من السياح وغيرهم:

وهم يرون أن السياح وأمثالهم، الذين يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية، والذين يعدهم الفقهاء (مستأمنين) ولو كانت دولهم محاربة للمسلمين يرون هؤلاء مستباحي الدم، لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها: محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين.والواجب: أن يقاتل هؤلاء ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم !!

ولو درس هؤلاء فقه الأمان والاستئمان، وأحكامه في الشريعة الإسلامية بمختلف مذاهبها، لأيقنوا أن هؤلاء السياح وأمثالهم لهم حق الأمان، الذي أعطاهم إياه الإسلام، ولو كانوا في الأصل حربيين، ودولهم محاربة للإسلام والمسلمين وبهذا حرمت دماؤهم وأموالهم.

وكذلك يقول هؤلاء عن الدول الغربية - التي يقيم بعض هؤلاء فيها - وقد أعطتهم حق الأمان، بتأشيرة الدخول أو الإقامة، أو حق اللجوء السياسي لمن طردوا من بلادهم الأصلية، فآوتهم هذه الدول من تشرد، وأطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف.

يقول هؤلاء بكل جرأة وتبجح: إن هذه الدول كلها كافرة، محاربة للإسلام وأمته، ويجب أن نقاتلهم جميعاً حتى يسلموا فيسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.ولما سئل بعضهم عن إقامته في هذه البلاد، قال: (إنها كدورة المياه المراحيض)، نستخدمها للضرورة، رغم نجاستها !!

وهؤلاء الكفار: دماؤهم حلال وأموالهم حلال للمسلمين، بنصوص الدين، فيما زعموا !

ويذكرون هنا آيات وأحاديث: يضعونها في غير موضعها، فإذا واجهتهم بغيرها من الآيات والأحاديث التي هي أكثر منها وأظهر وأصرح، قالوا لك: هذه نسختها آية السيف !

٨- تطور في فقه القاعدة:

وإن كنت لاحظت نوعا من التطور في (فقه القاعدة) ظهر في المبادرة التي أطلقها زعيم القاعدة أسامة بن لادن في شهر إبريل ٢٠٠٤م يدعو فيها الأوربيين أن يتعهدوا بالتخلي عن أمريكا، وعدم التصدي لقتال المسلمين، وهو يعهد لهم -في مقابل ذلك - ألا يتعرض لهم بأذى لا في بلادهم ولا في سفاراتهم، ولا في مصالحهم في الداخل أو الخارج.

وهذا يعتبر نقلة مهمة في فقه زعيم القاعدة وجماعته، فقد كانوا من قبل يرون قتال اليهود والنصارى جميعاً، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.وهم في هذه المبادرة يكفون أيديهم عمن كف يده عن المسلمين، ولم يساند أمريكا في حربها على العالم الإسلامي.

٩- خلل في فقه جماعات العنف:

هذا هو فقه جماعات العنف باختصار الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا من مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان: ضد مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين المستأمنين.

وهو بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخطل من كل جانب.ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية: لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطؤوا فيه، في ضوء الأدلة الشرعية المحكمة من القرآن والسنة وإجماع الأمة.

فهناك خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير المسلمين، واعتقادهم وجوب قتال كل الكفار، وهذا ناقشناه باستفاضة في هذا الكتاب.

وهناك خلل في العلاقة بأهل الذمة من النصارى والأقباط وغيرهم، وما لهم من حقوق مرعبة، وحرمات مصونة.

وهناك خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة، وما له من شروط يجب أن تراعى.

وهناك خلل في فقه الخروج على الحكام، وما صح فيه من أحاديث وفيرة تقيده وتضبطه، ولا تدع بابه مفتوحاً على مصراعيه لكل من شاء.

وهناك خلل في فقه التكفير، فقد توسعوا فيه وأسرفوا، وأخرجوا الناس من الملة بغير دليل قطعي.

وعلينا أن نناقش ذلك كله في ضوء الأدلة الشرعية.

١٠- أزمة هؤلاء في الأساس أزمة فكرية:

لقد تبين أن آفة هؤلاء - في الأغلب - في عقولهم، وليست في ضمائرهم، فأكثرهم مخلصون، ونياتهم صالحة، وهم متعبدون لربهم، شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج الذين كفّروا عامة المسلمين، وكفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واستحلوا دمه، ودماء المسلمين معه، وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد.

وهذه الأحاديث في الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها، تصفهم بصراحة، فنقول: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".

فهم: صوام قوام، قراء عباد، ولكن قراءتهم للقرآن لا تجاوز حناجرهم، أي: لم تدخل إلى أعماق قلوبهم وعقولهم؛ ليفقهوه حق الفقه، ويتعرفوا على أسراره ومقاصده، دون أن يجعلوا همهم الوقوف عند الفاظه وظواهره.

وقد أدى بهم هذا الفقه الأعوج إلى استباحة دماء المسلمين الآخرين وأموالهم، حتى استباحوا دم فارس الإسلام وابنه البكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال شاعرهم يمدح قاتله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا 

إني لأذكـــــــــره يومـــا فأحسبه … أوفى البريـــــــــة عند الله مــــــــــــيــــــــــــــزانا

۱۱- حسن النية لا يبرر الأعمال الطائشة:

ولقد حذر رسول الإسلام، من الأعمال الطائشة، والتصرفات الرعناء، التي قد يقوم بها بعض الناس الطيبين بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة، دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكروا في وخيم عواقبها، وذلك لقصر نظرهم، وضيق أفقهم، فما لم يتنبه المجتمع لهم، ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم سيودون بالمجتمع كله، وينتهي بهم طيشهم - مع حسن نيتهم - إلى هلاكهم وهلاك الجماعة كلها معهم.

ولذا حذر الرسول الكريم الجماعة -ممثلة في أهل البصيرة وأولي العلم والحكمة أن تتيقظ لهم، وتأخذ على أيديهم، وتمنعهم من تنفيذ ما فكروا فيه، وعقدوا عليه العزم، حفظا لوجود الجماعة كلها، وحرصاً على حياتها وحياتهم معها.

وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك مثلاً حياً رائعاً ناطقاً، هو مثل ركاب السفينة الواحدة التي تتكون من طابقين أو أكثر، وبعض الناس في أعلاها، وبعضهم في أسفلها.فلو أراد ركاب الطابق الأسفل أن يخرقوا في نصيبهم خرقاً، ليستقوا منه الماء مباشرة من النهر أو البحر، بدعوى أنهم يخرقون في نصيبهم وهم أحرار فيه، وأنهم لا يريدون أن يؤذوا من فوقهم بكثرة المرور عليهم بين حين وآخر، لوجب على ركاب السفينة جميعًا أن يقفوا في طريقهم.ويمنعوهم من هذا التصرف الأحمق، فإن لم يفعلوا غرقت بهم السفينة جميعاً.

وليس أفضل من أن نقرأ هذا الحديث النبوي الرائع بصيغته كاملاً، كما جاء في صحيح البخاري: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نُوذ من فوقنا ! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً".

إن الحديث يبين لنا المسؤولية التضامنية المشتركة للأمة، وأنها لا يجوز لها أن تدع بعض أبنائها يتسببون في غرقها بجهلهم وسوء تصرفهم - وإن كانوا مخلصين في نياتهم - فالإخلاص لا يكفي وحده، ولكن لا بد من تحري الصواب مع الإخلاص.

١٢ - جوانب الخلل في فقه الخوارج المحدثين:

لقد أشرنا إلى الخلل في فقه هؤلاء الخوارج المحدثين، وذكرنا أن الخلل في هذا الفقه الأعرج الأعوج. يتمثل في عدة جوانب:

١- خلل في فقه الجهاد، والعلاقة بغير المسلمين، وخصوصاً أهل الذمة.

٢- خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة.

خلل في فقه الخروج على الحكام.

۳- خلل في فقه التكفير.

وسنتحدث عن كل واحد من هذه الألوان من الخلل بما يوضحه، ويزيل عنه اللبس والغموض.

أولاً: الخلل في فقه الجهاد والعلاقة بغير المسلمين من المواطنين:

أما الخلل في (فقه الجهاد) عند جماعات العنف، فقد بيناه وألقينا عليه أضواء كاشفة في كثير من فصول كتابنا هذا، وأوضحنا أن القول الصحيح، بل الصواب: أن الإسلام لا يقاتل الناس لكفرهم، بل لعدوانهم، كما هو رأي الجمهور، خلافا للشافعية، وهو الذي يدل عليه مجموع آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول العظيم، وسيرته وغزواته لمن أحسن قراءتها. وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته في قتال الكفار، وكتابه في (السياسة الشرعية)، وذكره ابن القيم في كتابه (هداية الحيارى) وغيره، وحسبنا قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿فَإِنِ اعْتَزِلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٠]. وفي مقابل هؤلاء: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيَلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَم وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حيث تقفتُمُوهُم وأُولئِكُم جعلنا لكم عليهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ﴾ [النساء: ٩١] .

ومنذ ما يقرب من خمسين سنة ذكرت في كتابي (الحلال والحرام في الإسلام): أن الإسلام قد حدد العلاقة مع غير المسلمين، في آيتين محكمتين من كتاب الله، تعتبران بمثابة الدستور في ذلك، يقول تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهِرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩].

وهاتان الآيتان نزلنا في شأن المشركين - عباد الأوثان، من قريش وأمثالهم .وقد شرع البر بالمسالمين منهم، والإقساط لهم، فاختار عنوان (البر) لهم، وهو الذي يستعمله المسلمون في أقدس الحقوق، بعد حق الله تعالى، وهو بر الوالدين.

حث القرآن هنا على برهم والإقساط إليهم، والإقساط - أي العدل - أن يعطوا حقوقهم ولا يبخسوا شيئًا منها، والبر: أن يعطوا فوق حقوقهم.

كما أن الإقساط: أن تأخذ منهم الحق الواجب عليهم، ولا تزيد عنه. أما البر فهو: أن تتنازل لهم عن بعض حقك، اختياراً وكرمًا.

وهذا في شأن الوثنيين الذين نزلت بخصوصهم الآيتان الكريمتان.

ولكن الإسلام أفرد أهل الكتاب: بعنوان خاص وبمعاملة خاصة، حتى أجاز مصاهرتهم والتزوج من نسائهم. ومعنى هذا أنه أجاز للمسلم: أن تكون زوجته وشريكة حياته، وأم أولاده كتابية (نصرانية أو يهودية). ومقتضى هذا: أن يكون أهلها أصهاره، وهم كذلك أجداد أولاده وجداتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم، وهؤلاء لهم حقوق (أولي الأرحام، وذوي القربى).

كما أن الإسلام اعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين من غيرهم، يقول تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ۸۲]، كما قال نبي الإسلام أيضاً عن المسيح: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، في الدنيا والآخرة".

على أن أهل الذمة لهم حقوق أخص وأوكد، باعتبارهم من أهل دار الإسلام، أي من مواطني الدولة الإسلامية، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، إلا ما يقتضيه الاختلاف الديني فدماؤهم وأموالهم معصومة كدماء المسلمين وأموالهم.وقد أفضنا في بيان ذلك فيما مضى، فليرجع إليه .

ثانيا: الخلل في فقه تغيير المنكر بالقوة:

وأما الخلل في فقه (تغيير المنكر بالقوة) فيتضح بأنهم لا يراعون شروط المنكر الذي أوجب الحديث تغييره، أي: المنكر الذي يجب أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، وذلك أضعف الإيمان.

شروط تغيير المنكر باليد (أي بالقوة):

هناك شروط لا بد أن تتوافر في المنكر الذي يراد تغييره باليد (أي بالقوة):

١- لا بد أن يكون مجمعًا على أنه منكر، إذ لا إنكار في المسائل الاجتهادية الخلافية.

۲- وأن يكون ظاهرا بحيث يراه الناس دون أن يتجسس على صاحبه، ولهذا قال: "من رأى منكم منكراً".

۳- وأن يكون واقعا بالفعل: ساعة الإنكار، ولا يكون قد وقع وفرغ منه، ولا متوقعا حدوثه بعد.

ومراتب تغيير المنكر -كما ذكرها الإمام الغزالي في الإحياء – متفاوتة ومتدرجة: من البيان والتعريف، ثم الوعظ والتخويف، ثم الزجر والتعنيف، ثم التغيير باليد مباشرة، ثم التهديد بالضرب، ثم بالقهر والمحاربة الفاعل المنكر، منفرداً أو مع أعوانه، بشهر سلاح أو بدونه.

والتغيير بالقهر والمحاربة: هو أشد مراتب التغيير، وخصوصاً إذا كان مع شهر السلاح، وتجنيد الأعوان، فلا يجوز إلا لذي قوة وشوكة ؛ بحيث يكون أقوى ممن ينكر عليه.

ومن المعلوم أن هذا لا يجوز للأفراد، ولا للفئات الشعبية، بحكم القوانين المعاصرة، التي تجعل ذلك من سلطة الدولة وأجهزتها، فمن فعل ذلك فقد افتأت على سلطة الدولة، ودخل في المحظور قانوناً.

ولا يجوز تغيير المنكر بوقوع منكر أكبر منه، أو مثله، فالضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.

ولا بأس بأن نذكر بعض التفصيل في هذه الشروط، لأهميتها:

الشرط الأول: أن يكون محرماً مجمعاً عليه:

أي: أن يكون (منكرا) حقاً، ونعني هنا: المنكر الذي يطلب تغييره باليد أولاً، ثم باللسان، ثم بالقلب عند العجز. ولا يطلق (المنكر) إلا على (الحرام)، الذي طلب الشارع تركه طلباً جازماً، بحيث يستحق عقاب الله من ارتكبه، وسواء أكان هذا الحرام فعل محظور، أم ترك مأمور.

وسواء أكان الحرام من الصغائر أم من الكبائر، وإن كانت الصغائر قد يتساهل فيها، ما لا يتساهل في الكبائر، ولا سيما إذا لم يواظب عليها، وقد قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلُكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].

وقال صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر".

فلا يدخل في المنكر إذن: المكروهات، أو ترك السنن والمستحبات، فقد صحَّ أن النبي ﷺ شرح الإسلام لبعض الأعراب، فذكر له الصلوات الخمس، فقال له: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع».وكذلك ذكر له الزكاة وصيام رمضان، والرجل يسأل: هل علي غيرها، أو غيره؟ فيقول له: «لا، إلا أن تطوع» .فيقول الرجل: والله يا رسول الله، لا أزيد على هذا ولا أنقص! فيقول: أفلحإن صدق» أو «دخل الجنة إن صدق».

ولا يستثنى من ذلك إلا السنن الشعائرية إذا تركت بصفة جماعية، كأن يتركها أهل بلدة معينة، كالأذان، وصلاة الجماعة، وصلاة العيدين، وختان الذكور، ونحوها، فهذا يجب أن أنكر عليهم، بل قالوا: يقاتل الإمام من أصر على تركها.

لا بد إذن أن يكون المنكر في درجة (الحرام)، وأن يكون منكراً شرعياً حقيقياً، أي: ثبت إنكاره: بنصوص الشرع المحكمة، أو قواعده القاطعة، التي دلّ عليها استقراء جزئيات الشريعة.

وليس إنكاره بمجرد رأي أو اجتهاد، قد يصيب ويخطئ، وقد يتغير بتغير الزمان والمكان، والعرف والحال.

قاعدة: لا إنكار في مسائل الخلاف

وكذلك يجب أن يكون مجمعاً على أنه منكر، فأما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديماً أو حديثاً، بين مجيز ومانع: فلا يدخل دائرة (المنكر) الذي يجب تغييره باليد، وخصوصاً للأفراد.ولهذا قرر العلماء قاعدة: أن لا إنكار في المسائل الاجتهادية والخلافية.

فإذا اختلف الفقهاء في حكم التصوير، أو الغناء بآلة، وبغير آلة، أو في كشف وجه المرأة وكفيها، أو في تولي المرأة القضاء ونحوه، أو في إثبات الصيام والفطر برؤية الهلال في قطر آخر: بالعين المجردة أو بالمرصد أو بالحساب، أو غير ذلك من القضايا التي طال فيها الخلاف قديما وحديثا: لم يجز الإنسان مسلم، أو لطائفة مسلمة: أن تتبنى رأيا من الرأيين، أو الآراء المختلف فيها، وتحمل الآخرين عليه بالعنف.

حتى رأي الجمهور والأكثرية، أو رأي المذاهب الأربعة أو الثمانية: لا يسقط رأي الأقل، ولا يلغي اعتباره، حتى لو كان المخالف واحداً، ما دام من أهل الاجتهاد، وكم وجدنا الأئمة ينفردون بآراء تخالف سائرهم، وقد نظمت مفردات الإمام أحمد عن المذاهب في كتب خاصة. وكم من رأي مهجور في عصر ما، أصبح مشهوراً في عصر آخر.

وكم ضُعّف رأي لفقيه، ثم جاء من صححه ونصره وقواه، فأصبح هو المعتمد والمفتى به.

وهذه آراء شيخ الإسلام (ابن تيمية)، في الطلاق وأحوال الأسرة، قد لقي من أجلها ما لقي في حياته، وظلت تقاوم قرونا عدة بعد وفاته، ثم هيّأ الله لها من نصرها ونشرها وأيدها، حتى غدت عمدة الإفتاء والقضاء والتقنين، في كثير من الأقطار الإسلامية.

ولهذا لا أرجح ما ذهب إليه القاضي أبو يعلى في (أحكامه السلطانية) من استثنائه من قاعدة: لا إنكار في المسائل الخلافية: ما ضعف فيه الخلاف، فإن هذا أمر نسبي. وقد ذكر ابن بطة: أن من طلق ثلاثا في لفظ واحد، وحكم فيه مفت أو قاض بالمراجعة من غير زواج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال، وهو ما رجحه ابن تيمية وابن القيم، وأطالا النفس فيه.

إنَّ المنكر الذي يجب تغييره بالقوة: لا بد أن يكون منكراً بيّناً ثابتاً، اتفق أئمة المسلمين على أنه منكر، وبدون ذلك: يفتح باب شر لا آخر له، فكل من يرى رأيا يريد أن يحمل الناس عليه بالقوة!

الشرط الثاني: ظهور المنكر واستعلاؤه:

أي: أن يكون المنكر ظاهراً مرئياً، فأما ما استخفى به صاحبه عن أعين الناس وأغلق عليه بابه: فلا يجوز لأحد التجسس عليه، بوضع أجهزة التنصت عليه، أو كاميرات التصوير الخفية، أو اقتحام داره عليه لضبطه متلبسا بالمنكر.

وهذا ما يدل عليه لفظ الحديث: "مَن رأى منكم منكراً فليغيره … ". فقد ناط التغيير برؤية المنكر ومشاهدته، ولم ينطه بالسماع عن المنكر من غيره.

وهذا؛ لأن الإسلام يدع عقوبة من استتر بفعل المنكر، ولم يتبجح به، إلى الله تعالى يحاسبه في الآخرة، ولم يجعل لأحد عليه سبيلاً في الدنيا، حتى يبدي صفحته، ويكشف ستره.

حتى إن العقاب الإلهي ليخفف كثيراً على من استتر بستر الله، ولم يُظهر المعصية، كما في الحديث الصحيح: «كل أمني معافي إلا المجاهرين»، فلو كان المنكر مستوراً فلم يره، ولكن علم به فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات -كما قال ابن رجب: أنه لا يعرض له، وأنه لا يفتش على من استراب به. وفيه رواية أخرى: أنه يكشف المغطى إذا تحققه. فلو سمع صوت غناء محرم وعلم مكانه، فإنه ينكره، لأنه قد تحقق المنكر، وعلم موضعه. وقال: إذا لم يعلم مكانه فلا شيء عليه.

قال ابن رجب -رحمه الله -: وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر، فقد أنكره الأئمة مثل سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهي عنه. وقد قيل لابن مسعود: إن فلانا تقطر لحيته خمرا ! فقال: نهانا الله عن التجسس.

ومن الوقائع الطريفة التي لها دلالتها في هذا المقام: ما وقع الأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو ما حكاه الغزالي في كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من (الإحياء): أن عمر تسلق دار رجل، فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه، فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد، فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه، فقال: وما هي؟ قال: قد قال الله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ۱۲]، وقد تجسست، وقال تعالى: ﴿وَأتُوا البيوت مِنْ أبوابها﴾ [البقرة: ۱۸۹]، وقد تسورت من السطح، وقال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بيوتا غير بيوتكم حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، وما سلمت.فتركه عمر، وشرط عليه التوبة.

الشرط الثالث: القدرة الفعلية على التغيير:

أي: أن يكون مريد التغيير قادراً بالفعل - بنفسه، أو بمن معه من أعوان - على التغيير بالقوة.بمعنى أن يكون لديه قوة مادية أو معنوية: تمكنه من إزالة المنكر بسهولة.

وهذا الشرط مأخوذ من حديث أبي سعيد أيضاً ؛ لأنه قال: "فمن لم يستطع فبلسانه" أي: فمن لم يستطع التغيير باليد، فليدع ذلك لأهل القدرة، وليكتف هو بالتغيير باللسان والبيان، إن كان في استطاعته.

وهذا في الغالب إنما يكون لكل ذي سلطان في دائرة سلطانه، كالزوج مع زوجته، والأب مع أبنائه وبناته، الذين يعولهم ويلي عليهم، وصاحب المؤسسة في داخل مؤسسته، والأمير المطاع في حدود إمارته وسلطته، وحدود استطاعته، وهكذا .

وإنما قلنا: القوة المادية أو المعنوية؛ لأن سلطة الزوج على زوجته، أو الأب على أولاده ليست بما يملك من قوة مادية، بل بما له من احترام وهيبة: تجعل كلمته نافذة، وأمره مطاعاً. ومن الناس من يكون له مقام وجيه في جماعته، تجعل أمره نافذاً، وإن لم يكن معه قوة مادية.

فمن لم تكن له قدرة على التغيير باليد، انتقل واجبه إلى مرتبة التغيير باللسان، ويشمل ذلك: البيان والتعريف والوعظ والتخويف بالكلام اللطيف، ثم التشديد والتعنيف على ما يليق بحال كل مخاطب، فخطاب الأب أو المعلم أو الأمير، ليس كخطاب غيره.

فمن لم يستطع التغيير باللسان خوفا على نفسه أو أهله ومن حوله، انتقل إلى التغيير بالقلب، ومعنى التغيير بالقلب أن يكره المنكر، ويسخط عليه، وتتكون لديه شحنة نفسية من الغضب والثورة المكبوتة، يوشك أن تنفجر في عمل إيجابي، ولولا ذلك ما سمي (تغييراً).

ومظهر ذلك: البعد عن المنكر وأهله، فلا يخالطهم ولا يجالسهم ولا يؤاكلهم ويشاربهم، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إذا مثلهم﴾ [النساء: ١٤٠].

قال العلامة ابن رجب في (جامع العلوم والحكم): دلت الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأن إنكاره بالقلب لا بد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر، دل على ذهاب الإيمان من قلبه.

وقد روي عن أبي جحيفة، قال: قال علي رضي الله عنه: إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد: الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بالسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله.

وسمع ابن مسعود رجلاً يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر. فقال ابن مسعود: هلك من لم يعرف قلبه المعروف والمنكر. يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك.

قال الحافظ ابن رجب: وأما الإنكار باللسان واليد؛ فإنما يجب بحسب الطاقة.

وقال ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكراً لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وفي سنن أبي داود عن العرس بن عميرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إذا عُمِلَتْ الخطيئة في الأرض، كان من شهدها، فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها، فرضيها، كمن شهدها". 

فمن شهد الخطيئة، فكرهها بقلبه، كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها، وقدر على إنكارها، ولم ينكرها لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم، لا يسقط عن أحد في حال من الأحوال.

ماذا لو كان المنكر من جانب الحكومة؟!!!

هنا تظهر مشكلة ما إذا كان المنكر من جانب الحكومة أو الدولة، التي تملك مقاليد القوة المادية والعسكرية، ماذا للأفراد والفئات - أو عليهم - أن يعملوا لتغيير المنكر الذي ترتكبه السلطة أو تحميه ؟

هنا نجد من أهل الغيرة من يميل إلى الوقوف في وجه المنكر، أيا كان مرتكبه، ولا يبالي بما يصيبه في سبيل الله، ويذكر هنا الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "ما من من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حورايون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد.

قال العلامة ابن رجب: وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله ﷺ فيها بالصبر على جور الأئمة.

وقد يجاب عن ذلك: بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال.. وقد نص على ذلك أحمد أيضاً في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح. 

وحينئذ فجهاد الأمراء باليد: أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يريق خمورهم ويكسر آلات الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإنَّ هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتل الأمر وحده .

وأما الخروج عليهم بالسيف، فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين. نعم، إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه: لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره.

ومع هذا فمتى خاف منهم على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى، سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمة على ذلك، منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم.

قال أحمد: لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول!

وقال ابن شبرمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد، يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليهم مصابرة أكثر من ذلك.

فإن خاف السب، أو سماع الكلام السيئ، لم يسقط عنه الإنكار بذلك. نص عليه الإمام أحمد.

وإن احتمل الأذى، وقوي عليه، فهو أفضل؛ نص عليه أحمد أيضاً. وقيل له: أليس قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه". أي: يُعرضها من البلاء لما لا طاقة له به. قال: ليس هذا من ذلك. 

ويدل على ما قاله ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر"، وخرج ابن ماجه معناه من حديث أبي أمامة.

وهذا كله في تغيير الفرد للمنكر إذا ارتكبه السلطان في شخصه أو من حوله.

ولكن السؤال الأصعب في المنكر: إذا كان من عمل الدولة وأجهزتها ومؤسساتها المختلفة، وتجلى ذلك المنكر في انحرافات فكرية وتشريعية وإعلامية وسياسية واقتصادية وتربوية وسلوكية.

هذه لا يستطيع الأفراد أن يغيروها باليد، لأنها ليست مجرد قدح من الخمر يشرب، أو حفل غناء مُحرَّم، إنها منكرات تغلغلت في كيان المجتمع، مهدت لها أفكار، وقامت عليها تقاليد وحمتها قوانين، ورعتها مؤسسات.

فلا يتصور تغيير هذا كله من قبل فرد غيور أو أفراد متحمسين. إن هذا يحتاج إلى تغيير نظام بنظام، وحياة بحياة، وفلسفة بفلسفة أخرى.

وهذا لا بد له من آليات. فما هي هذه الآليات أو القوى التي تملك التغيير في عصرنا؟

-الجواب: أن من أراد ذلك، فعليه أن يملك القوة التي تستطيع التغيير، وهي في عصرنا - إحدى ثلاث:

الأولى: القوات المسلحة:

القوات المسلحة، التي يستند إليها كثير من الدول في عصرنا - ولا سيما في العالم الثالث - في إقامة حكمها، وتنفيذ سياستها، وإسكات خصومها بالحديد والنار، فالعمدة لدى هذه الحكومات: ليس قوة المنطق، بل منطق القوة، فمن كان معه هذه القوات: استطاع أن يضرب بها كل تحرك شعبي يريد التغيير، كما رأينا ذلك في بلاد شتى مثل الجزائر، وقبلها في الصين، وإخماد ثورة الطلبة المطالبين بالحرية. فمن كانت لديه القدرة من القوى الإسلامية على تحريك القوات المسلحة، لتحقيق مطالب الشعب، ومقاصد الشرع، دون أن يخشى فتنة لا تعرف عواقبها من وراء ذلك، فعليه أن يفعل. وكثير من الدول في بلادنا العربية إنما وصل زعماؤها إلى السلطة بوساطة القوات المسلحة، ولا يزال بعضهم إلى اليوم مسنودا بالقوات المسلحة.

الثانية المجلس النيابي (السلطة التشريعية):

المجلس النيابي، الذي يملك السلطة التشريعية، وإصدار القوانين وتغييرها، وفقا القرار الأغلبية، المعمول به في النظام الديمقراطي، الذي يسود عالمنا الإسلامي. فمن ملك هذه الأغلبية في ظل نظام ديمقراطي حقيقي غير مزيف: أمكنه تغيير كل ما يرى من منكرات بوساطة التشريع الملزم الذي لا يستطيع وزير، ولا رئيس حكومة، ولا رئيس دولة أن يقول أمامه: لا.

ومن المعلوم أن الوصول إلى المجلس التشريعي أو النيابي لا يتم إلا عن طريق الانتخابات والترشيح لها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الثالثة: قوة الجماهير الشعبية العارمة:

قوة الجماهير الشعبية العارمة التي تشبه الإجماع، والتي إذا تحركت لا يستطيع أحد أن يواجهها، أو يصد مسيرتها؛ لأنها كموج البحر الهادر أو السيل العرم: لا يقف أمامه شيء، حتى القوات المسلحة نفسها؛ لأنها في النهاية جزء منها، وهذه الجماهير ليسوا إلا أهليهم وآباءهم وأبناءهم وإخوانهم، وهذا ما حدث في ثورة الإمام الخميني في إيران، فلم يكن معه غير قوة الجماهير، التي كانت أقوى من الجيش وأسلحته، والتي غيَّر بها الدولة، وأقام الجمهورية الإسلامية.

فمن لم يملك إحدى هذه القوى الثلاث: فما عليه إلا أن يصبر، ويصابر، ويرابط، حتى يملكها، أو يملك إحداها، وعليه أن يغير باللسان، والقلم، والدعوة والتوعية والتوجيه حتى يوجد رأيًا عاماً قوياً يطالب بتغيير المنكر، وأن يعمل على تربية جيل طليعي مؤمن يتحمل تبعة التغيير. ولا يجب عليه أن يعرض نفسه لما لا يقدر عليه من أذى السلطان.

قال الإمام أحمد: لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول!

قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف، وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا. ثم عدت (أي: إلى السؤال) فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك. وقال: إن كنت لا بد فاعلاً، ففيما بينك وبينه.

وقال طاووس: أتى رجل ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان، فأمره وأنهاه ؟ فقال: لا تكن له فتنة. قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله ؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلاً. والرجولة هنا: ألا تطيعه في معصية الله.

والمطلوب هنا هو النصح والبيان، أو - كما كما عبّر الحديث - التغيير باللسان، والقلم أحد اللسانين، كما قال العرب. وكل هذا يعني (التغيير السلمي) وهو تغيير بطيء، ولكنه مؤثر، ولا بديل له.

فمن عجز عن ذلك لفساد الأحوال، وانتشار الفتن، وقلة المعين، فعليه أن يغير بقلبه، بكراهية المنكر، والسخط عليه، وانتظار الفرصة السانحة، فإن التقوى بحسب الاستطاعة، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: ١٦]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

وهذا ما يشير إليه حديث أبي ثعلبة الخشني، حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال له النبي ﷺ: "ابل التمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعا، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر فيهن: مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم"، وفي بعض الروايات: "ورأيت أمراً لا يَدَان - أي: لا طاقة - لك به".

الشرط الرابع: عدم خشية منكر أكبر:

ومعنى هذا الشرط: ألا يخشى من أن يترتب على إزالة المنكر بالقوة: منكر أكبر منه، كأن يكون سبباً لفتنة تُسْفَكُ فيها دماء الأبرياء، وتنتهك الحرمات وتنتهب الأموال، ويزول الأمن، وتنتشر الفوضى، وتكون العاقبة أن يزداد المنكر تمكناً، ويزداد المتجبرون تجبرا وفساداً في الأرض.

ولهذا قرر العلماء مشروعية السكوت على المنكر، مخافة ما هو أنكر وأعظم منه، ارتكاباً لأخف الضررين، واحتمالاً لأهون الشرين. 

وفي هذا جاء الحديث الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم". أي: لنقضها وأعاد بناءها من جديد، حتى يدخل فيها ما ترك منها، حين بنتها قريش فقصرت بها النفقة.

وفي القرآن الكريم ما يُؤيد ذلك، في قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، حين ذهب إلى موعده مع ربه، الذي بلغ أربعين ليلة، وفي هذه الغيبة فتنهم السامري بعجله الذهبي، حتى عبده القوم، ونصحهم أخوه هارون، فلم ينتصحو، وقالوا: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ۹۱،۹۰]

وبعد رجوع موسى -عليه السلام- ورؤيته لهذا المنكر البشع - عبادة العجل - اشتد على أخيه في الإنكار، وأخذ بلحيته يجره إليه من شدة الغضب: ﴿قَالَ يَا هَارُونَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْت أَمْرِي، قَالَ يَا بُنَوْمَ لَا تَأْخُذْ بِلحْيَنِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٢-٩٤].

ومعنى هذا أن هارون سكت مؤقتا على هذا المنكر الكبير، بل الأكبر، وقدم الحفاظ على وحدة الجماعة في غيبة أخيه الأكبر، حتى يحضر، ويتفاهما معا: كيف يواجهان الموقف الخطير بما يتطلبه من حزم وحكمة.

هذه هي الشروط الأربعة، التي يجب أن تتوافر لمن يريد تغيير المنكر بيده، وبتعبير آخر: بالقوة المادية المرغمة.

تغيير المنكرات الجزئية بالقوة ليس علاجاً

وأود أن أنبه هنا: على قضية في غاية الأهمية، لمن يشتغلون بإصلاح حال المسلمين، وهي أن التخريب الذي أصاب مجتمعاتنا، خلال عصور التخلف، وخلال عهود الاستعمار الغربي، وخلال عهود الطغيان والحكم العلماني: تخريب عميق ممتد لا يكفي لإزالته تغيير منكرات جزئية، كحفلة غناء، أو تبرج امرأة في الطريق، أو بيع أشرطة (كاسيت) أو (فيديو) تتضمن ما لا يليق أو ما لا يجوز.

إن الأمر أكبر من ذلك وأعظم، لا بد من تغيير أشمل وأوسع وأعمق. تغيير يشمل الأفكار والمفاهيم، ويشمل القيم والموازين، ويشمل الأخلاق والأعمال، ويشمل الآداب والتقاليد، ويشمل الأنظمة والتشريعات.

وقبل ذلك: لا بد أن يتغير الناس من داخلهم بالتوجيه الدائم، والتربية المستمرة، والأسوة الحسنة، فإذا غيَّر الناس ما بأنفسهم كانوا أهلاً لأن يُغير الله ما بهم، وفق السنة الإلهية الثابتة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: ١١].

ضرورة الرفق في تغيير المنكر

وقضية أخرى لا ينبغي أن ننساها هنا، وهي ضرورة الرفق في معالجة المنكر، ودعوة أهله إلى المعروف، فقد أوصانا الرسول ﷺ بالرفق، وبيَّن لنا: أن الله يحبه في الأمر كله، وأنه ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه. ومن الكلمات المأثورة: من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.

ثالثا: الخلل في فقه الخروج على الحكام

وأما الخلل عند جماعات العنف في فقه الخروج على الحكام: فهو يتمثل في أنهم يرون وجوب الخروج على الحكام المعاصرين في البلاد الإسلامية، للأسباب التي بيناها من قبل، ما داموا لا يحكمون بما أنزل الله، وما داموا يوالون أعداء الله، وما داموا يعادون الدعاة إلى الله، وما داموا قد فرضوا أنفسهم على شعوبهم بغیر رضاها واختيارها.

ومن هنا كان واجب النصيحة في الدين، وفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب مقاومة الظلمة، وتغيير المنكر بالقوة أو باليد لمن استطاع، وغير ذلك من عمومات القرآن والسنة، كلها توجب الخروج على هؤلاء الحكام الظلمة - أو الكفرة - وتطهير بلاد المسلمين من شرهم وفسادهم، حتى لا تعم نقمتهم الناس جميعًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الناس إذا رأوا الظالم، ولم يأخذوا على يديه: أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده". 

الأحاديث تأمرنا بالصبر على جور الأئمة

وأود أن أبدأ حديثي هنا: بأني من الذين يطالبون حكام المسلمين أن يطبقوا شرع الله في جميع جوانب الحياة، ولا يُعطلوا بعضه ويأخذوا بعضه، كما قال تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِع أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضٍ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، ولا يكونوا كبني إسرائيل، الذين قرعهم الله تعالى بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض﴾ [البقرة: ٨٥] .

ولا أرى أن وضع الحكم في معظم الأقطار الإسلامية وضع يرضى عنه الله ورسوله والمؤمنون، بل هناك مخالفات شتى لشريعة الإسلام في مجالات عدة، لا يجوز السكوت عليها في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، والثقافة، وغيرها

وخصوصاً: مجالات العدل والشورى والحريات العامة، وحقوق الإنسان، ولا سيما الفئات الضعيفة والمسحوقة من بني الإنسان! وإن كنا نعترف أن هذه المخالفات الشرعية متفاوتة في كمها وكيفها من بلد إلى آخر.

وهذا يوجب علينا أن نعمل على إصلاحها - ما استطعنا - بالنصح والدعوة والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بالرفق والحكمة، والجدال بالتي هي أحسن، وتقديم البدائل الشرعية الصالحة للتطبيق المعاصر، بدل المحرمات القائمة، وتوعية الشعوب وتربيتها، وتجميعها لتسوق الحكام إلى التغيير السلمي، بدلاً من الفتن والمصادمات المسلحة.

ولكنا نخالف جماعات العنف في حمل السلاح والخروج على الحكام بالقوة المادية، بدعوى أن هذا واجب ديني، وفريضة شرعية؛ لما ذكروه من أدلة واعتبارات تؤيد وجهة نظرهم.

فقد غفل هؤلاء - من جماعات العنف -عن أمر مهم، وهو أن الذي ذكروه هنا من النصوص، يدخل في باب العمومات والمطلقات، التي خصصتها أو قيدتها نصوص أخرى، جاءت تأمر بالصبر على جور الأئمة، ومظالم الأمراء، وإن جاروا على حقوق الأفراد بأخذ المال، وضرب الظهر، ما لم يظهر منهم كفر بواح عندنا فيه من الله برهان.وما ذلك إلا للإبقاء على وحدة الأمة واستقرار الدولة والحرص على حقن الدماء، وسلامة الأرواح والأموال، والخشية من أن تفتحأبواب فتن لا تُسَدُّ، وأن تفتق فتوق يصعب رتقها.

وقد شددت الأحاديث في هذا الجانب، حتى لا يسارع أهل الورع وأهل الحماس، بالخروج على السلطان الشرعي: بكل ما يرونه مخالفا، وإن لم يكن من الضروريات أو القطعيات في الدين.

ولقد أثبت التاريخ الحافل قديما وحديثاً: (أن الخروجات المسلحة) على الأمراء والحكام، لم يقدر لها النجاح، وباءت بالإخفاق، إلا ما ندر، ولم تكسب الأمة من ورائها شيئًا إلا الفتن والاضطراب، وزعزعة الأمن، وسفك الدماء في غير طائل.

نظرة في الأحاديث الواردة

وحسبنا أن نلقي نظرة سريعة على الأحاديث التي ذكرها مجد الدين ابن تيمية الجد، صاحب (منتقى الأخبار) وشرحها الشوكاني في (نيل الأوطار)، تحت عنوان:

(باب الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والكف عن إقامة السيف)

1 - عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن رأى من أميره شيئًا يكرهه: فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية".

وفي لفظ: (من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية) متفق عليه.

قال الشوكاني: (قوله: «من فارق الجماعة شبراً»: كناية عن معصية السلطان ومحاربته. قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق. وقوله: «فميتته جاهلية»، وفي رواية المسلم: فميتته ميتة جاهلية وفي أخرى له، من حديث ابن عمر: من خلع يداً من طاعة الله: لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة: مات ميتة الجاهلية).

والمراد بالميتة الجاهلية: أن يكون حاله في الموت كموت أهل الجاهلية، على ضلال، وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياً.

ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره؛ ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن جاهلياً، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير. فظاهره غير مراد. 

ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه: ما أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححه؛ من حديث الحارث بن الحارث الأشعري، من حديث طويل، وفيه: "من فارق الجماعة شبراً، فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه".

٢- وعن أبي هريرة رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون». قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» متفق عليه.

قوله: «فوا ببيعة الأول الأول»: فيه دليل على أنه يجب على الرعية الوفاء ببيعة الإمام الأول ثم الأول، ولا يجوز لهم المبايعة للإمام الآخر قبل موت الأول. قوله: «ثم أعطوهم حقهم»: أي ادفعوا إلى الأمراء حقهم، الذي لهم المطالبة به وقبضه، سواء كان يختص بهم أو يعم، وذلك من الحقوق الواجبة في المال: كالزكاة، وفي الأنفس: كالخروج إلى الجهاد.

۳- وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم: الذين تُحبونهم ويُحِبُّونكم، وتُصلُّون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة». واه مسلم.

قوله: «خيار أئمتكم ...إلخ»: فيه دليل على مشروعية محبة الأئمة، والدعاء لهم، وأن من كان من الأئمة محباً للرعية ومحبوباً لديهم، وداعياً لهم ومدعوا له منهم، فهو من خيار الأئمة، ومن كان باغضاً لرعيته مبغوضاً عندهم، يسبهم ويسبونه، فهو من شرارهم، وذلك لأنه إذا عدل فيهم وأحسن القول لهم: أطاعوه وانقادوا له وأثنوا عليه، فلما كان هو الذي تسبب بالعدل وحسن القول إلى المحبة والطاعة والثناء منهم: كان من خيار الأئمة، ولما كان هو الذي يتسبب أيضا بالجور والشتم للرعية: إلى معصيتهم له وسوء القالة منهم فيه: كان من شرار الأئمة .

قوله: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»: فيه دليل على أنه: لا يجوز منابذة الأئمة بالسيف مهما كانوا مقيمين للصلاة، ويدل ذلك بمفهمومه على جواز المنابذة عند تركهم للصلاة. وحديث عبادة بن الصامت المذكور، فيه دليل على أنها لا تجوز المنابذة، إلا عند ظهور الكفر البواح.

قوله: «فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة»: فيه دليل على أن من كره بقلبه ما يفعله السلطان من المعاصي: كفاه ذلك، ولا يجب عليه زيادة عليه. وفي الصحيح: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه»، ويمكن حمل حديث الباب، وما ورد في معناه: على عدم القدرة على التغيير باليد واللسان، ويمكن أن يجعل مختصاً بالأمراء إذا فعلوا منكراً، لما في الأحاديث الصحيحة من تحريم معصيتهم ومنابذتهم، فكفى في الإنكار عليهم مجرد الكراهة بالقلب؛ لأن في إنكار المنكر عليهم باليد واللسان تظاهراً بالعصيان، وربما كان ذلك وسيلة إلى المنابذة بالسيف.

٤- وعن حذيفة بن اليمان: أن رسول الله ﷺ قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع، وإن ضُرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع». رواه أحمد ومسلم.

قوله: «في جثمان إنس» بضم الجيم وسكون المثلثة، أي: لهم قلوب كقلوب الشياطين وأجسام كأجسام الإنس. قوله: «وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك: فاسمع وأطع»: فيه دليل على وجوب طاعة الأمراء، وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم، فيكون هذا مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مَثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].

٥- وعن عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتاكم وأمركم جميع - على رجل واحد - يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم: فاقتلوه». رواه أحمد ومسلم.

٦- وعن عبادة بن الصامت، قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة: في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا تنازع الأمر أهله: إلا أن: تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان». متفق عليه.

قوله: «وأثرة علينا»: والمراد: أن طاعتهم لمن يتولى عليهم، لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم، بل عليهم الطاعة ولو منعوهم حقهم.

قوله: «وألا تنازع الأمر أهله»: أي الملك والإمارة، زاد أحمد في رواية: «وإن رأيت أن لك في الأمر حقاً»، فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع وأطع، إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة.

معنى الكفر البواح والبرهان من الله

قوله: «إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان»: أي نص آيـة أو خبر صريح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل.

قال النووي: المراد بالكفر هنا: المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم: فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين.

قال النووي: وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور - في كتب الفقه - لبعض أصحابنا: أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضاً: فغلط من قائله، مخالف للإجماع.

قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه: ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه.

قال القاضي عياض: أجمع العلماء أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر: انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. قال: وكذلك عند جمهورهم - المبتدع، قال: وقال بعض البصريين: تنعقد له وتستدام له ؛ لأنه متأول.

قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع، أو بدعة: خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه، وخلعه ونصب إمام …عادل ما أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز: لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه.

قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداء، فلو طرأ على الخليفة فسق، قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب. وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء، والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك، قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رد عليه بعضهم هذا: بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة - من التابعين والصدر الأول - على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: «ألا تنازع الأمر أهله»، في أئمة العدل.

وحجة الجمهور: أن قيامهم على الحجاج ليس لمجرد الفسق، بل لما غير من الشرع، وظاهر من الكفر، قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولاً، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم. والله أعلم.

ونقل الحافظ في الفتح: إذا كانت المنازعة - في الولاية - فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر. وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية: نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحقِّ له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادراً.

قال الحافظ: ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجمهور: أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا، فالواجب الصبر. وعن بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح: المنع؛ إلا أن يكفر، فيجب الخروج عليه ..

قال ابن بطال: إن حديث ابن عباس المذكور - في أول الباب -: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه: فليصبر ...." حجة في في ترك الخروج على السلطان، ولو جار.

قال في الفتح: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك؛ بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث. انتهى.

أدلة من أوجب الخروج على الظلمة

قال الشوكاني: وقد استدل القائلون بوجوب الخروج على الظلمة، ومنابذتهم بالسيف، ومكافحتهم بالقتال، بعمومات من الكتاب والسنة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا شك ولا ريب أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب وذكرناها أخص من تلك العمومات مطلقا، وهي متواترة المعنى، كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنة، ولكنه لا ينبغي لمسلم أن يحط على من خرج من السلف الصالح - من العترة وغيرهم - على أئمة الجور، فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وهم أنقى لله وأطوع لسنة رسول الله من جماعة من جاء بعدهم من أهل العلم.

ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومن وافقهم في الجمود على أحاديث الباب، حتى حكموا بأن الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه: باغٍ على الخمير السكير الهاتك الحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية، فيا لله العجب من مقالات تقعشر منها الجلود، ويتصدع من سماعها كل جلمود. انتهى.

قال الشوكاني: وفي الباب أحاديث غير هذه، بعضها تقدم في باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان الجائر في كتاب الزكاة. وبعضها مذكور في غير هذا الكتاب من ذلك حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ: "من خرج من الجماعة، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية". وقد قدمنا نحوه قريباً، عن الحارث بن الحارث الأشعري، ورواه الحاكم من حديث معاوية أيضاً، والبزار: من حديث ابن عباس.

وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية". وأخرج أيضا مسلم نحوه عن ابن عمر، وفيه قصة.

وأخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من حمل علينا السلاح فليس منا"، وأخرجاه أيضاً من حديث ابن عمر، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وسلمة بن الأكوع.

وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي ذر: "من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".

وأخرج البخاري، من حديث أنس: "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، رأسه زبيبة ؛ ما أقام فيكم كتاب الله تعالى".

وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني».

وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمر: «على المرء المسلم: السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».

وأخرج الترمذي من حديث أبي بكرة: "من أهان سلطان الله في الأرض: أهانه الله تعالى"، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهذا طرف منها.

واجب الأمة اليوم

على أن على الأمة اليوم، أن تستفيد من تجارب الأمم من حولها، في مقاومة تسلط الحكام المستبدين، والتخلص من جورهم وقهرهم لشعوبهم، وهو ما انتهوا إليه من وضع قواعد دستورية يرضاها الجميع، ويحتكمون إليها عند الخلاف، مثل النزول على رأي أغلبية أهل الحل والعقد الممثلين في مجلس النواب، أو مجلس الشعب، أو مجلس الشورى، سمه ما تسميه المهم أن تكون هيئة منتخبة من عموم الناس انتخابا حراً غير مزور ولا مصنوع.

وهو ما قرره النظام الديمقراطي، الذي هو أقرب شيء إلى النظام الإسلامي، القائم على الشورى والعدل، بشرط احترام قواطع الشريعة، فالديمقراطية مطلوبة ومقبولة في المجتمع المسلم الذي ارتضى الشريعة حكماً، وأخذ من الديمقراطية الغربية - الحقيقية غير المزيفة - أساليبها وضماناتها، ووجهتها السياسية، ولم يأخذ فلسفتها الليبرالية في الحرية الشخصية التي تبيح المحرمات، ولا فلسفتها الرأسمالية القائمة على الربا والاحتكار، وإسقاط الاعتبار الأخلاقي ...

والحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها، فإذا وجد المسلمون الخير في هذه القواعد التي اتخذتها الديمقراطية، وأنها تحقق لهم المصلحة، وتدرأ عنهم المفسدة: مفسدة الصراع الدموي، والصدام المسلح، الذي لا ينشأ عنه إلا سفك الدماء، والخراب والضياع، وجب عليهم أن يأخذوا بها، ويضفوا عليها من روحهم وقيمهم ومناهجهم وتقاليدهم، ما يجعلها جزءاً من منظومتهم القيمية والتشريعية.وبهذا يحققون مقاصد الشرع ومصالح الخلق .

رابعا: الخلل في فقه التكفير

ومن جوانب الخلل في فقه جماعات العنف: إسرافهم في تكفير المسلمين.برغم تشديد الإسلام في ذلك غاية التشديد، وتحذيره من اتهام المسلم بالكفر أبلغ التحذير .

فقد جاء في الحديث الصحيح: "أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما".

واتهام مسلم بالكفر - أي: بالردة عن الإسلام - أمر في غاية الخطر، لأنه تترتب عليه آثار خطيرة، لنفس الشخص المتهم، ولزوجه وأولاد؛ لأن المرتد محكوم عليه بالإعدام من المجتمع المسلم، وليس المهم الإعدام المادي بالقتل، فهذا قد يكون فيه خلاف بين الفقهاء. ولكن المتفق عليه (الإعدام الأدبي) من جهة المجتمع، فهو محروم من معاونة هذا المجتمع ونصرته، إذ لم يعد عضواً فيه، يفرح بفرحه، ويألم بألمه، بل هو يعيش فيه بجسده، ولكنه باعتقاده وفكره منتم إلى مجتمع آخر، موال له منتصر له، في حين هو مُعاد لمجتمعه الأصلي.

لذا ينبغي التدقيق كل التدقيق فيمن يحكم عليه بالكفر، والقاعدة: أن من شهد: (أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، فقد دخل في الإسلام يقيناً؛ إذا لا طقوس في الإسلام، إنما هي الشهادة. وفي الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".

وحينما قتل أسامة بن زيد رجلاً في المعركة قال: (لا إله إلا الله)، أنكر عليه النبي ﷺ غاية الإنكار، وقال له: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله ؟!».قال: إنما قالها تعوذا من السيف ! قال: «هلا شققت عن قلبه ؟!.

ومن دخل في الإسلام بيقين، لا يخرج منه إلا بيقين مثله، إذ القاعدة المتفق عليها: أن اليقين لا يزال بالشك.

فمن اتهم بالكفر بأمر يحتمل التأويل، بقي على أصل الإسلام، بل لو قال قولاً، أو عمل عملاً له وجوه أكثرها يحتمل الكفر، ووجه واحد منها يحتمل الإسلام، رجح هذا الوجه، تحسينا للظن بالمسلم، وحملاً لحاله على الصلاح.

الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله

والحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، أو بكل ما أنزل الله: هل هم كفرة خارجون من الملة أو فسقة عصاة، ولكنهم باقون في الملة؟

رأي الخوارج ومن وافقهم قديماً وحديثاً: أنهم كفرة كفراً مخرجا من الملة، كما تدل عليه ظواهر النصوص، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥].

وهذا هو تفكيرهم، وفق مبدئهم العام في تكفير مرتكب الكبيرة.

ورأي أهل السنة: أن الكفر هنا هو: الكفر الأصغر، كفر المعصية، لا كفر العقيدة، فهم يؤمنون بالله رباً وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً ورسولاً، ولكنهم غلبتهم شهواتهم، وضعف أنفسهم، وحبهم للدنيا، فتركوا كثيراً مما أنزل الله، اتباعا للهوى، أو إرضاءً لسادتهم من الغربيين وأمثالهم، أو لغير ذلك من الدوافع.

شأنهم في ذلك شأن من يزني من الأفراد، أو يشرب الخمر، أو يأكل الربا، أو يأكل مال اليتيم، ونحو ذلك، اتباعاً لشهواته، وإيثارا لدنياه على آخرته.

فهذا الزاني أو شارب الخمر: فاسق عند أهل السنة لا كافر - الكفر المخرج من الملة - ومثله من لم يحكم بما أنزل الله. ما لم يصرح بما يدل على كفره دلالة بينة، كأن يقول: إن شريعة الإسلام لا تصلح لهذا العصر، وإن قوانين الغرب أصلح منها للبشر.

وبخاصة أن هؤلاء يقولون: إننا متمسكون بأن دين الدولة هو الإسلام، وأننا نقيم الصلوات، ونشيد المساجد، وغيرها من شعائر الدين.

وبعض هؤلاء يعتذرون بأنهم ضعفاء أمام سطوة الغرب، وقوة أمريكا، وهؤلاء لا يريدون لنا الحكم بالإسلام، فالحقيقة أننا لسنا أحراراً في بلادنا كما ينبغي.

كل هذه الاعتبارات تجعلنا نتثبت ونتحرى في قضية الاتهام بالتكفير، والخطأ في تبرئة مائة كافر، أهون من سفك دم مسلم واحد بتهمة الكفر بغير ذنب. وقد ورد: «لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».

قال الإمام الغزالي: (والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم).

ويقول علماء الحنفية، كما في متن (تنوير الأبصار) وشرحه (الدر المختار) وحاشيته (رد المحتار): اعلم أنه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان في كفره خلاف، ولو كان ذلك رواية ضعيفة، كما قرره في (البحر) وعزاه في (الأشباه) إلى (الصغرى).

قال الخير الرملي: أقول: ولو كانت الرواية لغير أهل مذهبنا. ويدل على ذلك اشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعاً عليه.

وفي (الدرر) وغيرها من كتب الحنفية: إذا كان في المسألة وجوه (أي احتمالات) توجب الكفر، ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي الميل لما يمنعه، لما تقرر من أن المرء لا يكفر بالمحتمل.

وقد عالجنا قضية التكفير بصورة موجزة في رسالتنا: (ظاهرة الغلو في التكفير) وننصح بالرجوع إليها.

وقفة مع الحكام المعاصرين

بقي أن يقال هنا: إن جماعات العنف ترى أن الحكام الحاليين قد ارتكبوا (كفر) بواحا عندهم فيه من الله برهان حينما عطلوا بعض أحكام الشرع عمداً، مثل إقامة الحدود، ومثل تحريم الربا، وأحلوا ما حرم الله جهاراً، مثل إباحة الخمر، ومثل نشر الخلاعة في أجهزة الإعلام المختلفة، بل إن بعضهم ليحارب المرأة المحتشمة، ويعتبر لبسها الخمار جريمة، في حين يطلق العنان للكاسيات العاريات أو العاريات غير الكاسيات ومنهم من يعتبر الدعوة إلى تحكيم الشريعة جريمة مخالفة للدستور، ويسوق دعاتها إلى المعتقلات أو المحاكم العسكرية إلى غير ذلك مما يعلمه الخاص والعام.

وأحب هنا أن أفرق بين نوعين من الحكام في ديار الإسلام:

النوع الأول: هو الذي يعترف بالإسلام ديناً للدولة، وبالشريعة مصدراً.للقوانين، ولكنه مفرط في تطبيق الشريعة في بعض الجوانب، فهذا أشبه بالمسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويلتزم بأحكام الإسلام عامة، ولكنه يرتكب بعض الكبائر: من فعل محظور، أو ترك مأمور، فالخوارج ومن وافقهم يكفرونه، وأهل السنة وجمهور المسلمين يعتبرونه مسلما عاصيا، غير خارج من الملة، ما لم يستحل ذلك، أو ينكر معلوما من الدين بالضرورة، وجل الحكام من هذا النوع .

والنوع الثاني: هو العلماني المتطرف، الذي يجاهر بالعداوة لشريعة الإسلام، ويسخر منها، ويعتبرها مناقضة للحضارة والتقدم، فهو يرفض الشريعة رفضاً، فهو أشبه بإبليس الذي رفض أمر الله بالسجود لآدم، ووصفه القرآن بأنه: ﴿أبى واستكبر وكان منَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: ٣٤].

وقد تحدثنا عن هذا النوع في كتابنا: (التطرف العلماني في مواجهـة الإسلام).

وقليل من الحكام: هم الذين يمثلون هذا النوع الذي يباهي بعداوته لشريعة الله، ويستحل ما حرم الله، ويُحرم ما أحل الله، ويُسقط ما فرضه الله، ويتبع غير سبيل المؤمنين، بل يتبع سبيل المجرمين، ويعمل جاهداً في تجفيف ينابيع التدين في أنفس جماهير المسلمين وفي حياتهم، ويجاهر بذلك ويتبجح.

وهؤلاء هم الذين يجب مقاومتهم والخروج عليهم، ولكن هذا كله مقيد بحدود القدرة والإمكان، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وكثيراً ما يؤدي استعمال القوة في غير موضعها إلى كوارث كبيرة، ربما عاقت العودة إلى الشريعة، زمنا قد يقصر أو يطول .

والأولى بالمسلمين هنا أن يتفقوا على آليات سلمية للتغيير، ويستفيدوا مما وصل إليه العالم عن طريق الوسائل الديمقراطية في التغيير، أو أي طرق أخرى لا تترتب عليها فتنة في الأرض وفساد كبير، والمؤمن يلتمس الحكمة من أي وعاء خرجت. ولا حرج على المسلمين أن يقتبسوا من الوسائل عند غيرهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ما دامت هذه الوسائل غير مخالفة لنصوص الشرع ولا قواعده، بل هي من (المصالح المرسلة) التي تتحقق بها مقاصد الشريعة ومنافع الناس.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق