أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 24 مارس 2026

مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني عبد الكريم العمر (أمين السر التنفيذي للهيئة العربية العليا) بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني

عبد الكريم العمر (أمين السر التنفيذي للهيئة العربية العليا)

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: تُجسِّد مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني سيرةَ قائدٍ صاغ نضال فلسطين بوعيٍ إسلاميٍّ وسياسيٍّ ممتد، فكان محور الحركة الوطنية ومُحرِّك ثوراتها في وجه الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني. وتكشف هذه الصفحات عن رجلٍ جمع بين العلم والقيادة والخبرة العسكرية، فأنشأ المؤسسات، ونظّم الأوقاف، وأحيا روح المقاومة، رابطًا بين الإيمان والتحرير ربطًا جعله يردّ القضية إلى أصلها العقدي قبل أن تكون نزاعًا سياسياً.

وتعرض المذكرات مسيرة الكفاح في أدق مراحلها، منذ ثورة البراق، مرورًا بالإضرابات العامة والعمل المسلح، إلى تنظيم اللجان السرية وتوجيه الثورات من المنافي. كما تبرز دهاء المفتي في توظيف التوازنات الدولية، وتنقله بين الأقطار لحشد الدعم، مع تصويرٍ حيٍّ للانقسامات الداخلية وآثارها، ولمؤامرات الانتداب التي سعت لتفكيك الصف الوطني وإجهاض مشروع الاستقلال.

وتنتهي هذه الشهادة التاريخية بتأريخ النكبة وما سبقها من محاولات إعدادٍ وجهاد، مبيِّنةً اختلال موازين القوى وتواطؤ القوى الدولية، مع إبراز استمرار المفتي في الدفاع عن القضية عبر العمل السياسي والمؤسساتي. فالكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل وثيقة كفاحٍ أمةٍ بأسرها، تُخلِّد تجربة قيادةٍ رأت أن طريق العودة إلى الأرض يبدأ بالعودة إلى الله، وأن حفظ التاريخ هو حفظٌ لروح المقاومة وذاكرة التحرير.

قاد الحاج محمد أمين الحسيني كفاح الشعب الفلسطيني على مدى خمسين عاماً، حفلت بأحداث جسيمة من ثورات وعصيانات مدنية ومعارك عنيفة خاضها الشعب الفلسطيني ضد الاستعماريين الإنكليز والغزاة الصهاينة، كان خلالها القائد والموجه والمساهم في إذكاء شعلة الثورات.

حمله السفر والترحال والطرد والملاحقة على الطواف في مختلف أنحاء العالم، داعياً للثورة والتحرر وحشد التأييد للقضية الفلسطينية، والاستفادة من تناقضات السياسة العالمية بين الحربين الولى والثانية وبالخصوص خلال الحرب العالمية الثانية.

وهذه المذكرات هي تأريخ شاهد من قلب الحدث، تلقي الضوء على أحداث نصف قرن من النضال الوطني الفلسطيني. ولا شك أن الصبغة الإسلامية هي التي ميّزت جهاد الحاج أمين، وجعلته في طليعة الحركة الإسلامية التي تحمل همَّ تحرير البلاد.

وفي لقاء المفتي الأسبق الشيخ محمد أمين الحسيني -رحمه الله- مع أبناء وطنه وجهوا إليه السؤال التقليدي التالي: (متى نعود إلى فلسطين). فأجاب: عودوا إلى الله تعودوا إلى فلسطين!! فسخر سفهاؤهم من جواب المفتي، وراحوا يتساءلون: ما علاقة العودة إلى الله بالعودة إلى فلسطين؟!. (أمل والمخيمات الفلسطينية، ص 180).

ولا ننسى دور الشيخ محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الذي طاف بلدان العالم الإِسلامي داعياً إلى الجهاد في فلسطين، ومحذراً من المؤامرة التي يدبرها أعداء الله الإنجليز، فاستجاب لدعوته العلماء والدعاة والمجاهدين من مختلف أنحاء المعمورة.

يقول الشيخ علي الطنطاوي: إن أخبار رجال العصر أكثرها لم يُدوَّن، ولا يزال في صدور أصدقائهم أوفي وثائق خاصّة عند مُحِبّيهم والمقربين منهم. فيا ليت بعض من يُعِدّ رسائل الدكتوراة أوالماجستير ويريد أن يكتب عن الرجل الذي كان له المكان الظاهر في قضية فلسطين والذي عاش حياة حافلة بالأحداث، الحاجّ أمين الحسيني، يجمع فيما يجمع من أخباره ما عند الدكتور معروف الدواليبي وما عند الأستاذ زهير الشاويش.

  • ماذا قال الشيخ علي طنطاوي عن الشيخ محمد أمين الحسيني:

يقول الشيخ علي طنطاوي في كتابه "المذكرات": أما الحاجّ أمين الحسيني المفتي؛ فقد جمعني به رحمه الله حَجّ سنة 1391هـ، وكنّا معاً في فندق مصر. وعرفته في مؤتمر القدس الذي أخذني إليه أخي الشيخ محمد محمود الصواف سنة 1954م. وللصواف ولهذا المؤتمَر، وللرحلة التي رحلتُها بعده فقطعت فيها ربع محيط الأرض وزرت فيها الهند والسند وسنغافورة وأندونيسيا، لهذا كله حديث طويل سيأتي إن شاء الله عمّا قريب. قال: ومثل الحاجّ أمين الحسيني لا يُعرَّف به في مقالة؛ لأنه أعرف من أن يُعرَّف، ولكن أذكر واقعة واحدة لعلها أدلّ عليه من مقالات.

ولمّا كتب إميل لودفيغ (الألماني اليهودي) الذي كان هووأندريه موروا (الفرنسي) أقدر من اشتغل في هذا العصر بتراجم الرجال، لما كتب لودفيغ عن "فولتير" ما زاد على أن أخذ مشاهد من سيرته أحسبها كانت عشرة، عرضها عرضاً وسردها سرداً ولم يعلّق عليها بشيء، لأنها تغني بسردها عن التعليق عليها.

ولمّا كَثُر المتكلمون على الحاجّ أمين بعد ضياع فلسطين واتهموه -بالحقّ أوبالباطل- بأنه هووالهيئة العربية العليا كانوا بتقصيرهم من أسباب هذا الضياع، وكان عندي يوماً الأستاذ محمد كمال الخطيب وهومحامٍ من أبرز العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، له لسان وله قلم ويملك الحُجّة والبلاغة التي يعرضها بها، أراد أن يلقى الحاجّ أمين، فأخذت له ولمن معه موعداً من الحاجّ أمين، على أن يسمع منهم كلّ ما يُقال عنه، وأن يسمعوا منه ما يُجيب به. 

وكان الاجتماع كما أذكر في دار الشيخ موسى الطويل رحمه الله، وكانت داره مواجهة داري في المهاجرين في دمشق. فذهب الأستاذ محمد الخطيب وذهب معه الأستاذ زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي وأخي ناجي الطنطاوي (وأنبّه -بالمناسبة- إلى أن يختلط الاسمان: اسم ناجي الطنطاوي الشيخ الذي كان قاضياً وهوالآن مستشار شرعي في وزارة الحجّ والأوقاف هنا من إحدى وعشرين سنة، وناجي الطنطاوي المذيع والممثل الشابّ الذي يقيم أيضاً هنا).

أقول: إنهم ذهبوا إليه، ولم أذهب معهم. وأسمعوه كل ما يقال عنه وما يوجَّه من تُهَم إليه، صرّحوا به تصريحاً ما لوّحوا تلويحاً ولا لمّحوا تلميحاً، وهوصامت لا تتحرّك في وجهه عضلة، مصغٍ إليهم ما أعرض عنهم ولا ضاق بهم، كأنهم يقصّون عليه قصّة من قصص الأوّلين؛ فهويستمع إليها بلا انفعال ولا غضب. ومضت ساعة وربع الساعة، حتى إذا انتهوا قال: هل بقي شيء؟ قالوا: لا. وماذا بقي وهم ما أبقوا عليه؟ 

قال: اسمعوا ... وطفق يعيد التهم كما أوردوها ويردّ عليها واحدة واحدة، رداً منطقياً هادئاً مؤيَّداً بالبرهان مقوّىً بالدليل، فخرجوا وهم يحملون العجب منه والإعجاب به، وصاروا بعد ذلك معه وكانوا من قبلُ عليه.

يقول طنطاوي: وكذلك يمتلك الكبار أعصابهم. 

  • اسمه ونسبه

هو: محمد أمين بن محمد طاهر بن مصطفى الحسيني، من زعماء السياسة بفلسطين، ولد في القدس سنة 1897م. ونشأ في عائلة الحسيني العريقة، وتربى في بيت والده الشيخ طاهر الحسيني مفتي القدس، الذي عرف بالعلم الواسع والتقوى والصلاح.

  • تعليمه ونشأته:

تلقى علومه الابتدائية والثانوي في مدينة القدس، ثم التحق بكلية الفرير بالقدس لتعلم اللغة الفرنسية، بعدها التحق بجامعة الأزهر لتلقي المزيد من العلوم الدينية، وكان يتردد على (دار الدعوة والإرشاد) التي أنشأها محمد رشيد رضا (داعية الإصلاح)، حيث نهل من علمه وسار في تياره الفكري الذي يمارس تأثيراً كبيراً على الجماهير. 

ومن خلال ذلك عرف الكثير عن الصهيونية وأطماعها في فلسطين، إلا أن دراسته في الأزهر لم تطل أكثر من عامين بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى.

ثم التحق بعد ذلك بكلية الآستانة العسكرية تخرج ضابطا احتياطياً في إسطنبول،  والتحق بالجيش العثماني في ولاية أزمير، وعمل في مراكز عسكرية على البحر الأسود، حتى نهاية الحرب مما أكسبه خبرة جيدة، كان لها الأثر الأكبر في شخصيته وحياته. وعاد إلى القدس بعد الحرب العالمية الأولى.

  • تلقيبه بالحاج:

بعدما عاد الضابط الحسيني إلى القدس، أصبح يعرف بين الناس بالحاج أمين الحسيني وكان قد اكتسب لقب "الحاج" عندما حج برفقة والدته

  • توليه منصب الإفتاء:

 توفي أخوه مفتي فلسطين أحمد الحسيني، فانتخب بدلاً منه، وتألف المجلس الأعلى، فتولى رئاسته، ونبه على خطر تكاثر اليهود في فلسطين.

ولما تسلّم الحاج أمين منصب الإفتاء رسمياً؛ أعاد تنظيم المحاكم الشرعية، واختار لها القضاة، ونظم الأوقاف، وعين فيها عدداً من الشبان المخلصين المثقفين، وأخذ يعمل على تقوية المدارس الإسلامية القليلة، وتنظيم أمورها، كما أنشأ مجلساً شرعياً إسلامياً لفلسطين تألف من مجموعة من العلماء، وعين الحسيني رئيساً لهذا المجلس الذي سمي (المجلس الإسلامي الأعلى)، الذي أصبح على مرّ الأيام أقوى قوة وطنية إسلامية في البلاد.

  • مؤهلات القيادة:

كان الحاج أمين الحسيني شاباً مثقفاً، واسع الاطلاع، ومُلماً بالفكر الإسلامي النير، والعلوم المفيدة، والخبرة العسكرية، ويعرف من اللغات الأجنبية التركية والفرنسية، بالإضافة إلى ذلك كله كان بحكم انتمائه إلى أسرة آل الحسيني، ذات النسب والشرف مهيأ ليكون زعيماً وداعية مسموع الكلمة.

  • نضاله الوطني والديني:

عندما احتل الإنجليز فلسطين، انصرف الحسيني إلى تنظيم الفلسطينيين في حركة وطنية شاملة ضد الاستعمار والصهيونية، واستجاب له نفر من أصدقائه، فكونوا في القدس أول منظمة سياسية عرفتها فلسطين وهي (النادي العربي) وانتخب الحسيني رئيساً لها، وكان لهذا النادي أثر كبير في انطلاق الحركة الوطنية، وقيام المظاهرات العنيفة ضد الاحتلال الإنجليزي.

  • هروب الحاج أمين من بطش المستعمر:

وقد حاولت السلطات البريطانية اعتقاله والقبض عليه فلجأ إلى لبنان ثم بغداد ثم إيران، ومنها إلى ألمانيا، حيث أكرمه هتلر، ثم انتقل إلى مصر واستقر فيها، ومنحته السعودية جنسيتها، واضطر بعد الثورة المصرية إلى الرحيل عن مصر إلى بيروت، وبقي فيها إلى أن مات.

  • وفاته رحمه الله:

وفي بيروت يوم الخميس 4/7/1974 مات الشيخ المجاهد الحاج أمين الحسيني، ودفن في مقبرة الشهداء بالحرج. عقبت الصحف البريطانية على وفاة الحاج المفتي أمين الحسيني ـ رحمه الله ـ بهذه الكلمات (مات عدو الصهيونية والإمبراطورية البريطانية).

ولعل أبرز ما كُتب عن حياته: هذا الكتاب، وكتاب (الحاج أمين الحسيني رائد جهاد وبطل قضيَّة) لحسني جرَّار.

  • أعماله الرياديه والخيرية:

قام الحاج أمين الحسيني أثناء تواجده في القدس بعدد من الأعمال والإنجازات الهامة منها: إنشاء دار الأيتام الإسلامية الصناعية في القدس، وفتح عشرات المدارس في البلاد، وقام باسترجاع أراضي الوقف الإسلامي التي كانت حكومة الانتداب تسيطر عليها، وتولى إدارتها، وأنشأ العشرات من المحاكم الشرعية، وعين المئات من الوعاظ والمرشدين، فضلاً عن إنشاء فرق الجوالة والكشافة الإسلامية والجمعيات الخيرية والنوادي الأدبية والرياضية، وإصلاح المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة، وإنقاذها من الأخطار التي كانت تتهددها بالانهيار، وقد تم ذلك بأموال الأوقاف وتبرعات العرب والمسلمين في شتى أنحاء العالم.

  • النفوذ السياسي والاجتماعي:

استطاع الحسيني أن يجعل لنفسه من خلال المجلس الإسلامي الأعلى، ومنصب الإفتاء، والنادي العربي نفوذاً سياسياً ساعد على مواصلة النشاط والجهاد، بالرغم من المعارضة القوية التي كانت موجهة إليه وإلى الحركة الوطنية معاً، وقد قامت هذه المعارضة في البداية على التنافس العائلي على منصب رئيس بلدية القدس، وكانت ركائز هذه المعارضة البلديات التي يسيطر عليها الإنجليز، وأركانها رؤساء هذه البلديات، والإنجليز كانوا يغذونها، وأطلق المعارضون على أنصار الحركة الوطنية اسم (المجلسيين) نسبة إلى المجلس الإسلامي الأعلى الذي رأسه الحاج أمين، واختاروا لأنفسهم اسم (المعارضون).

  • معارضي الحاج أمين الحسيني:

 وكان من جملة هؤلاء المعارضين عائلة النشاشيبي والشقيري، وهكذا انقسمت البلاد إلى فئتين وكان لهذا الانقسام أثره في حياة فلسطين، وفي حركتها الوطنية، حيث أثارت المعارضة الفتن، والشغب على المجاهدين، وكانت تستعين على هذا بما تتمتع به من عون من الإنجليز واليهود تحقيقاً لمبدأ فرق تسد !! فتستجيب لها وتقع في مصيدتها بعض النفوس الضعيفة.

  • الدور التاريخي للحاج أمين الحسيني في القضية الفلسطينية:

كان الحاج أمين القوة الدافعة للحركة الوطنية، ومركز الثقل في المقاومة الفلسطينية، والعنصر الفعال الموجه في المحيط العربي الفلسطيني، السياسي والوطني على السواء، هذا بالإضافة إلى الدور العظيم الذي كان يقوم به في مضمار الشؤون الإسلامية، مما حفز الإنجليز وأعوانهم اليهود إلى مقاومته والتخلص منه.

  • ثورة البُراق:

في أواخر تموز 1929 وقع اصطدام عنيف بين الفلسطينيين واليهود في ساحة البراق الشريف بسبب محاولة اليهود اقتحامه وفرض سيطرتهم عليه، ووقف الإنجليز إلى جانب اليهود، وامتدت الاصطدامات وأخذت تتوالى حتى حصل الانفجار الكبير يوم الجمعة 23 آب والذي يعرف (بثورة البراق) حيث حدثت اشتباكات في جميع أنحاء المدينة وغدت الشوارع مسرحاً لقتال العرب واليهود، وكانت حصيلة هذه الاشتباكات التي انتهت في 30 آب مقتل وجرح 450 من اليهود و348 من العرب.

  • الدور السياسي للحاج أمين ودوره في استنهاض الأمة:

لما رأى الحسيني انحياز الإنجليز مع اليهود، لجأ إلى قوة العالم الإسلامي مستنداً إلى مكانته الدينية، ودعا إلى عقد مؤتمر إسلامي رسمي في القدس، يشعر سلطات الانتداب بأن عرب فلسطين ليسوا وحدهم، فهناك الملايين من العرب والمسلمين يساندونهم. وافتتح المؤتمر الإسلامي العام رسمياً يوم الإسراء 7/12/1931، حضره حشد كبير من العلماء والشخصيات السياسية، استنكروا فيه جميع أنواع الاستعمار وفي أي قطر من الأقطار الإسلامية، كما وضع المؤتمر قرارات رئيسية أهمها: وضع نظام لعقد المؤتمر كل سنتين، إنشاء جامعة إسلامية في القدس باسم (جامعة الأقصى)، التعاهد بالدفاع عن البراق، إيجاد دائرة معارف إسلامية، تأسيس شركة زراعية لإنقاذ الأراضي ومساعدة الفلاحين والقرويين وأرباب الحرف، وإيجاد شركات تعاونية للتسليف.

  • شرارة العمل المقاوم:

ولما لاحظ الحاج أمين تدفق اليهود إلى فلسطين، ازداد نشاط الحركة الوطنية وقامت بعدة مظاهرات يترأسها الشيخ موسى كاظم الحسيني، ولما أخذ الوضع يتأزم بمرور الزمن خاصة بعد قيام اليهود بتهريب الأسلحة والأعتدة على نطاق واسع، وتوزيعها على المستعمرات اليهودية، وتشكيل عصابات سرية للإرهاب والتخريب، مما جعل الحاج الحسيني يؤلف لجان سرية من شبان فلسطين لشراء السلاح من داخل فلسطين ومن سورية ومن لبنان والعراق وشرق الأردن، ونقله إلى فلسطين، كما أقام المفتي مراكز سرية في عدة مناطق فلسطينية لتدريب الشبان المؤهلين على استعمال السلاح وحرب العصابات مستعيناً بعدد من كبار الضباط العرب المتقاعدين (من فئة الضباط الناجحين في العهد العثماني)، كما شكل مجموعات مسلحة من الوطنيين الصامدين في بعض أنحاء فلسطين في الشمال، وكان الشيخ علي رضا النحوي مسؤولاً عن هذا التنظيم، أما المناطق الجنوبية وخاصة القدس، فقد كون الشبان الوطنيون تنظيماً بقيادة عبد القادر الحسيني أطلقوا عليه اسم (الجهاد المقدس).

  • الإضرابات العامة والاشتباكات المسلحة:

توالت الاشتباكات المسلحة بين العرب واليهود بسرعة فائقة، مما أدى إلى إعلان الإضراب العام الذي شمل البلاد كلها، وهو ردة فعل فورية إزاء الأخطار المحدقة بالبلاد إثر الهجرة المكثفة لليهود، وانتقال ملكية الأراضي لليهود، وحرمان العرب من أي نوع من أنواع الحكم الذاتي. واستمر الإضراب في تصاعد مستمر.

  • دعوة الحاج أمين الحسيني إلى الوحدة الوطنية:

 ودعا المفتي إلى الوحدة الوطنية بين الأحزاب الفلسطينية، وانتخبوا لجنة برئاسة الحاج الحسيني وعضوية ممثلي الأحزاب الستة، أطلقوا عليها اللجنة العربية العليا، حيث أعلنت هذه اللجنة قرارها بالاستمرار في الإضراب العام إلى أن تمنع الحكومة البريطانية الهجرة اليهودية منعاً باتاً، وتمنع انتقال ملكية الأراضي لليهود، وتوافق على إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي، إلا أن الحكومة البريطانية لم تأبه بمطالب اللجنة العليا، وأصدرت تقريراً يقتضي تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق (منطقة عربية تضم إلى شرق الأردن، منطقة يهودية تشمل أجود الأراضي الساحلية وتمتد من حدود لبنان إلى المجدل عبر سهل مرج بن عامر وبيسان والجليل، ومنطقة واقعة تحت الانتداب البريطاني).

  • قرار التقسيم البريطاني ورفض الحاج أمين له:

أعلنت اللجنة العربية العليا رفضها قرار التقسيم، لذا اعتبرت بريطانيا المفتي العقبة الوحيدة أمام حل القضية الفلسطينية والتفاهم مع اليهود، ورأت ألا تترك الساحة خالية لنشاطه، بل عليها أن تقيله من مناصبه وخاصة رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وأن تبطش به وبالفريق المتصلب من المتطرفين، فاقتحمت مقر اللجنة العربية العليا لاعتقال المفتي، لكنه نظراً للحراسة المشددة التي تحيط به تمكن من الإفلات والاختباء في بيته الواقع بين أروقة المسجد الأقصى مما تعذر على الإنجليز دخوله خوفاً من انتهاك حرمة المكان، ولفت الرأي العام العربي لعملهم هذا، واستمرت تحاصر المكان مدة 3 أشهر قطعت خلالها البريد والتلفون والكهرباء، فعاش المفتي في عزلة تامة عن العالم. 

  • بيان الجهاد والمقاومة 1937 م:

وخوفاً من نشوب القتال في ساحة الحرم بين المجاهدين الذي جاؤوا لحماية زعيمهم وبين الأعداء، قرر المفتي مغادرة البلاد، وقبل مغادرته كان قد أعد بياناً دعا فيه الشعب لاستئناف حمل السلاح في 15 تشرين أول 1937.

  • قرار بريطانيا بحل اللجنة العربية العليا:

استطاع المفتي التسلل والفرار ـ بعد تعرضه لمشاق كبيرة ـ إلى لبنان، وعند وصوله قامت مظاهرات تأييد له واحتجاجاً على السلطات الفرنسية التي قررت نفيه إلى باريس لكنهم تراجعوا، وفي هذه الأثناء حلت الحكومة البريطانية اللجنة العليا، ونفت الزعماء إلى الخارج، لكن الحسيني قبل خروجه من فلسطين أعد لاستئناف الثورة.

  • إدراة الثورة الفلسطينية من لبنان وتأسيس لجنة الجهاد:

 فلما نجح في الإفلات تفجرت الثورة مرة أخرى، وجعل يشرف على إدارتها من لبنان، ويتابع أخبار المجاهدين وبنفس الوقت يتابع أخبار وتحركات الإنجليز، كما كون اللجنة المركزية للجهاد من الشيخ حسين أبو السعود، ومنيف الحسيني، واسحق درويش في لبنان، وعزة دروزة ومعين الماضي في دمشق، وقامت هذه اللجنة بتوجيه الثورة وإمدادها وإسعاف منكوبيها، كما أخذت تجهز بعض البارزين من المجاهدين وتسيرهم إلى فلسطين ليتولوا قيادة الحركة الجهادية في مرحلتها الجديدة، وتنشئ الصلات بين من بقي منهم في فلسطين وتمدهم بما تستطيعه من مال وسلاح، وتبذل جهودها في سبيل الحصول على التبرعات من مختلف البلاد العربية، ويذكر أنه تعاونت لجنة الدفاع عن فلسطين، برئاسة نبيه العظمة، والمجاهدون السوريون كل التعاون مع اللجنة المركزية، خاصة في المساعدات المادية وفي حماية رجال الثورة من عيون الفرنسيين.

  • رقابة مشددة على الحاج أمين، وفراره إلى العراق، وتأسيس حزب الأمة العربية:

تأزمت الحال في صيف 1939 في أوروبا، وتقاربت فرنسا وبريطانيا، وطلبت بريطانيا من فرنسا أن تضيق الخناق على المجاهدين الفلسطينيين في سورية ولبنان، ووضع المفتي تحت المراقبة الشديدة من مختلف طبقات المجتمع من موظفي الأمن العام حتى التجار إلى الباعة، لكن بفضل الله ورعايته استطاع في غفلة من الفرنسيين الفرار إلى العراق بعد مكوثه سنتين في لبنان.

كان العراق في تلك الفترة يتمتع باستقلال نسبي، وكان أكثر البلدان العربية ملاءمة لقبول لجوء المفتي إليه، وكان قد وصل إلى العراق قبله مائتا مجاهد فلسطيني، فأظهر لهم الشعب والحكومة العراقية كرماً عظيماً، وبانتقال سماحته إلى بغداد أصبح العراق مركز الثقل للقضية الفلسطينية. وفي العام الأول من وجوده في بغداد قام بتأسيس (حزب الأمة العربية) وقد كان للحزب دستور تلخصت أهدافه السياسية: بالاستقلال للبلدان العربية من نير الاستعمار، والوحدة بينها، وقد تألفت النواة الأولى للحزب برئاسة المفتي، فانضم إلى هذا الحزب السري عدد من السياسيين والعسكريين العراقيين وعدد من السياسيين العرب الذين كانوا في العراق في ذلك الوقت. حيث كان هذا الحزب القوة السياسية والأساسية المحركة للأحداث على الصعيدين السياسي والعسكري، ومن هؤلاء العسكريين العراقيين: رشيد عالي الكيلاني، يونس السبعاوي، ناجي شكوت، وصلاح الدين الصباغ.

انتهز المفتي فرصة وجوده في بغداد، فطلب من السلطات العراقية أن تقوم بتدريب الفلسطينيين تدريباً عسكرياً، ودخل عدد كبير منهم في مدرسة ضباط الاحتياط وحصلوا على شهادتها، وكذلك في كلية الأركان والمعاهد العسكرية وأتموا تدريبهم فيها.

  • منع الحاج أمين الحسيني فتنة كادت تقع داخل الجيش العراقي:

كان الحاج أمين يتمتع بسمعة وطنية كبيرة من جميع الأطراف في العراق، حيث قام بدور كبير في أحداث العراق، وعمد إلى إزالة أسباب الخلاف التي كادت تؤدي بالجيش إلى الصدام، الرابح منه الإنجليز وحدهم، حيث قامت في ذلك الوقت معركة سياسية ضارية قسمت الجيش إلى معسكر يتجمع حول (نوري السعيد) الذي يرى أن التعاون مع الإنجليز في الحرب يوصل العراق إلى حقوقه الوطنية، ومعسكر آخر يتجمع حول (رشيد عالي الكيلاني) الذي يرى أنه يستحيل الاعتماد على الإنجليز الذين تسيطر عليهم الصهيونية، وكان يذهب إلى التعاون مع الألمان. ازدادت نقمة الإنجليز على المفتي أمام هذا العمل الدؤوب الذي كان لصالح العراق وقضية فلسطين، وزاد هذه النقمة أنه استطاع أن يحسن الجوبين السعودية والعراق، مما أدى إلى تهيئة البلدين لتحقيق وحدة مستقبلية.

طلبت السلطات العراقية من المفتي الاتصال سرياً مع الألمان لطلب السلاح والحصول على تصريح من الحكومة الألمانية بشأن استقلال الأمة العربية وحريتها، وبالفعل تم ذلك حيث أرسل أمين وزارة الخارجية الألمانية رسالة إلى المفتي، بيّن فيها استعداد ألمانيا دعم الشعب العربي في حالة وقوع حرب مع الإنجليز، إذا مكنتها وسائل المواصلات من ذلك، وذكر أن الشعبين الألماني والعربي متفقان على الكفاح ضد العدو المشترك الإنجليز واليهود، وطلب بقاء هذه الرسالة سرية.

  • دور الحاج أمين في الثورة العراقية 1941 م ضد الإنكليز:

قامت الثورة العراقية في أيار عام 1941، وكان للمفتي دور كبير في الحث عليها والوقوف معها، حيث أقنع القادة العراقيين أن هذه حركة تحريرية وطنية هدفها تحرير العراق من براثن الاستعمار البريطاني، ليمارس سيادته واستقلاله الوطني كاملاً غير منقوص، وصمم العراقيون على الدفاع عن حريتهم وكرامتهم، في حين صمم الإنجليز على الاعتداء على العراق وقامت هذه الثورة بقيادة (رشيد عالي الكيلاني)، ووقف المفتي إلى جانبه فحشد المئات من المجاهدين الفلسطينيين والعرب الملتفين حوله، وكان يتصل بكبار الضباط ويقوم بتوجيههم، ويثير فيهم روح الجهاد ويعمل على تقوية روح المقاومة عند أبناء الشعب العراقي، إلا أنه ولأسباب عدة لم يكتب لهذه الثورة النجاح.

  • رحلة الهروب إلى إيران ثم ألمانيا:

حاول الإنجليز اعتقال المفتي في العراق، لكنه استطاع الإفلات من أذاهم والهروب إلى إيران، ولم تطل إقامته هناك، بسبب احتلال القوات الروسية والبريطانية المشتركة للعاصمة طهران حيث كان يقيم، واستطاع بعد جهد ومشاق، السفر إلى إيطاليا عبر تركيا بمساعدة الطليان، ومن إيطاليا توجه إلى ألمانيا، حيث حل ضيفاً على الحكومة الألمانية.

وأثناء إقامة المفتي في ألمانيا، وصل إليها (رشيد عالي الكيلاني)، فتقدم الاثنان بعدة مشاريع لتصريح رسمي أو معاهدة بين العرب والمحور تضمن للعرب الاعتراف من قبل المحور بالحرية والاستقلال للأقطار العربية الواقعة تحت الحكم البريطاني، وبالعمل على القضاء على الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وبعد موافقة هتلر تمكنا من الحصول على تعهد رسمي من ألمانيا وإيطاليا موقع عليه من وزيري الخارجية الألماني والإيطالي، مؤيداً مطالبهم وموضحاً استعداد الحكومة الألمانية للمشاركة مع العرب في الكفاح ضد العدوا لمشترك الإنجليز واليهود حتى يتحقق النصر.

كما طلب المفتي من السلطات الألمانية أن توسع مجال عملها بشكل يتمكن فيه كل العرب المقيمين في بلاد المحور من الانضمام إلى الجيش الألماني للتدريب وتكوين جيش عربي، وبالفعل قررت الحكومة الألمانية إنشاء (الجيش العربي) ومد هذا الجيش بالأسلحة اللازمة، ولتحقيق هذا بنى الألمان مستودعاً كبيراً تخزن فيه الأسلحة الخفيفة، ووضعوا تحت تصرف الجيش أربع طائرات لنقل العتاد ووضعه في مخابئ سرية لتدريب المجاهدين في فلسطين.

  • موقف الحاج أمين الحسيني من مآسي البوسنة والهرسك، وتجنيده 100 ألف مقاتل:

أثناء إقامة المفتي في ألمانيا سمع بالمآسي التي حلت بالشعب البوسني المسلم عندما تصارعت عليه القوميتين الكرواتية والصربية، حيث اجتمع بزعماء بوسنة وهرسك، وبعد البحث معهم ومع قيادة القوات الألمانية في كيفية المحافظة على حياة البشانتة، ومنع وقوع المذابح فيهم، وافقت الحكومة الألمانية على تجنيد الشبان منهم وتسليحهم للدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم، كذلك اتفق المفتي مع السلطات الألمانية على إنشاء معهد للأئمة لتوزيعهم على وحدات الفرق البوسنية الذين زاد عدهم عن 100 ألف مقاتل، وقد أنشأ المعهد واختير له عدد من علماء البشناق لتوجيه أولئك الأئمة، وأنشأ المفتي كذلك بالاتفاق مع الألمان معهداً آخر في (دردسن) لتخريج الأئمة الأذربيجانيين والقوقازيين وغيرهم، وبذلك زاد عدد المجندين في بلاد المحور من عرب وبوسنيين وأذربيجانيين وغيرهم على مائتي ألف مقاتل، استطاعوا أن يمنعوا المجازر عنهم وعن جميع مسلمي البلقان وشرق أوروبا.

ويذكر سماحةُ الحاج "محمد أمين الحسيني" في كلمته عن البوسنة والهرسك في مجلة "فلسطين" أن عددَ القتلى أَرْبَى على (000, 200) مِئتَيْ ألفٍ، وأن هذه الفاجعةَ كانت بتوجيهِ "دراجا ميخائيلوفتش" وزيرِ حربية يوغوسلافيا ورئيسِ العصابات الصربية للقضاء على المسلمين في "سنجق بني بازار"، وعلى المسلمين والكاثوليك في "البوسنة والهرسك"، وذلك على إِثْرِ الخلافِ الشديد بين الصرب وكرواتيا ورغبةِ كلِّ منهما بالتوسُّع وضمِّ عناصِرِهم الموزعين في البوسنة والهرسك وغيرها إليهم.

لقد استَنجد أهل البوسنة والهرسك آنَذَاك بكلِّ مَن يعرفونه لمساعدتهم على النَّجاةِ من المجازِرِ المروِّعة التي يرتكبها الصَّرب ضدَّ المسلمين العُزَّل، فاتَّصلوا بسماحةِ مفتي فلسطين الحاج "محمد أمين الحسيني" ... واهتم سماحتُه بالأمر أثناءَ وجودِه في ألمانيا، ويقول سماحته: "لقد كنتُ في روما في 19 كانون الأول سنة 1942 م، حينما اتَّصَل بي السيد "مصطفى بوصولا جيتش" البوشناقي الطالبُ في جامعة روما، وأنبأني بالمجزرةِ الوحشيةِ التي اقترفت ضدَّ المسلمين في منطقتي بوسنة وهرسك من قِبَل عصابات "التشتنيك" الصربية، ثم تتابعت الأنباءُ المُحزِنةُ تفضِّلُ تلك الفظائعَ الرهيبة".

وكان للشيخ "أمين الحسيني" جَهْدٌ مشكور مع الحكومةِ الألمانيةِ والإيطالية، ووافقت الحكومةُ الألمانية على تجنيدِ الشُّبان المسلمين وتسليحِهم للدفاع عن أنفسِهم وعن عائلاتهم داخل بلادِهم، وتكوَّنت فِرقتانِ مدربتانِ: فرقة "خنجر" وفرقة "قاما"، بلغ عددُ جنودهما 37 ألفًا، كما تكونت فِرَقٌ من الشرطة والحرس، حتى بَلغ مجموعُ المجاهدين كلِّهم بحدودِ مئةِ ألفٍ .. وقفت هذه القوى في وجه السَّفَّاح "ميخائيلوفتش" قائدِ المجازر والمذابح، لما حاول العودةَ إلى الاعتداء على المسلمين، فاستطاعوا بذلك إيقافَ المجازِرِ عن جميع مسلمي البَلْقَان، وقد كتب سماحة المفتي الحاج "محمد أمين الحسيني" إلى "مصطفى النَّحاس باشا" يُطلِعُه على تفاصيل عملياتِ الإبادة، ويَطلُبُ منه التدخلَ مع مَلِك يوغوسلافيا الملك "بطرس" الذي كان مقيمًا في مصر، فقام مصطفى النحاس بجَهدٍ طيِّب، وزار المَلِك، وهدَّد بإخراج جميع اليوغوسلافيين من مصرَ إذا استمرت هذه الاعتداءات .. ولقد كان "ميخائيلوفتش" من أتباع المَلِك".

  • الحرب العالمية الثانية ونزول الحاج أمين إلى مصر:

اشتدت غارات الحلفاء على ألمانيا عام 1943، فكانت بعض الغارات تهاجم برلين بألف طائرة أو أكثر، ولما شرع الحلفاء بالزحف على الأراضي الألمانية عام 1945 انتقل المفتي إلى باريس، ومن باريس إلى مصر حيث حل ضيفاً على الملك فاروق.

  • الهيئة العربية العليا بدلاً من اللجنة العربية العليا التي قامت بريطانيا بحلِها:

في مصر قام المفتي بتشكيل الهيئة العربية العليا لفلسطين برئاسته حيث نظم الحركة الوطنية الفلسطينية تنظيماً حديثاً، وقرر إعداد الشعب لخوض الكفاح المسلح ضد الصهيونيين والإنجليز، وألف لجنة من قادة المجاهدين الفلسطينيين وبعض الضباط السوريين والعراقيين والمصريين لوضع الخطط وتحديد المطلوب من الأسلحة والمعدات للجهاد الذي كان أوانه قد اقترب بعد بروز فكرة التقسيم من جديد في الأوساط الأمريكية والبريطانية والصهيونية ومحيط الأمم المتحدة، كما أعاد تنظيم جيش الجهاد المقدس وأسند قيادته إلى عبد القادر الحسيني، وأنشأ المفتي كذلك منظمة الشباب الفلسطيني التي انصهرت فيها منظمات الفتوة والجوالة والكشافة وأسند قيادتها للمجاهد محمود لبيب ـ وهو قائد بارز من قادة الحركة الإسلامية بمصرـ وكلفه بمهمة تدريب الشباب على القتال.

  • حكومة فلسطينية في غزة بعد أحداث النكبة 1948 م:

وبالرغم من الاستعدادات العربية إلا أن ميزان القوى بين العرب واليهود في كل النواحي لم يكن متكافئاً، وحدثت النكبة في 14 أيار 1948، ظل المفتي بعدها يعمل للدفاع عن قضية فلسطين حيث ألف حكومة فلسطينية في منطقة غزة برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي أطلق عليها (حكومة عموم فلسطين) لتتولى شؤون الكفاح. لكن التواطؤ والمؤامرات على القضية ظل مستمراً يجمد نشاط وعمل هذه الحكومة بعد أن أرغمت على الانتقال إلى مصر، وكذلك حُرمت الهيئة العربية العليا من حرية العمل والنشاط، وأغلقت في وجهها الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة، بينما واصل الأعداء مساعيهم لتصفية القضية وكانت خطتهم الجديدة نقل القضية من أيدي أصحابها إلى الجامعة العربية، فتقرر إنشاء (إدارة خاصة بفلسطين) في مجلس الجامعة تتولى القضية الفلسطينية من جميع نواحيها.

  • حل القضية الفلسطينية مقابل 3000 مليون دولار:

قامت في مصر ثورة يوليو 1952 فاستبشر المفتي خيراً، ورحب بالعهد الجديد برئاسة جمال عبد الناصر، إلا أن روائح الحل السلمي للقضية بدأت تطل من جديد، فخمدت قضية فلسطين وتحولت إلى قضية لاجئين، واتفقت الأمم المتحدة مع الرئيس جمال عبد الناصر على حل القضية خلال عشر سنوات مقابل ثلاثة آلاف (3000) مليون دولار تدفع لمصر وسورية والأردن ولبنان مقابل توطين اللاجئين من فلسطين.

وفجأة وبدون سابق إنذار، هبت الصحف المصرية الخاضعة لإشراف الحكومة تشن حملة قاسية ضد الهيئة العربية العليا ورجالها، وتعرضهم لاتهامات باطلة وافتراءات كاذبة جزاء تنبيههم الفلسطينيين والرأي العام العربي لذلك الاتفاق الذي تم بين عبد الناصر وهيئة الأمم المتحدة، مما اضطر المفتي ورجاله مغادرة القاهرة إلى لبنان عام 1959.

  • مؤتمر العالم الإسلامي:

استأنف المفتي نشاطه في سبيل فلسطين من العاصمة اللبنانية، وظل ينبه الزعماء العرب إلى الخطر الصهيوني والمطامع اليهودية التي ستتعدى فلسطين إلى الأقطار المجاورة، ومد نشاطه إلى الدائرة الإسلامية حيث كان يرأس مؤتمرات إسلامية في مكة المكرمة، نشأت عنها مؤسسة دائمة باسم (مؤتمر العالم الإسلامي) برئاسته، وظل يشغل هذا المنصب طيلة حياته، إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ.

هذا الكتاب (مذكرات الحاج أمين الحسيني)

 يتضمن هذا الكتاب صفحات من مذكرات رئيس الحركة الوطنية الفلسطينية، سماحة المغفور له الحاج محمد أمين الحسيني، مفتي فلسطين الأكبر - رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين - رئيس المجلس الشرعي الإسلامي - رئيس مؤتمر العالم الإسلامي. 

كما يتضمن الكتاب ملحقاً وثائقياً بنصوص رسمية دولية وعربية وفلسطينية تتعلق بالقضية الفلسطينية وبعض القضايا العربية والإسلامية، مع بعض الخرائط والصور الفوتوغرافية التاريخية النادرة. وجميعها تلقي الضوء على جزء من مسيرة هذا القائد التاريخي الكبير.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول:

- الفصل الأول:

يحوي موجزاً لسيرة حياة سماحة المفتي وهجرته الاضطرارية من موطنه فلسطين، حيث لاحقته سلطات الانتداب البريطاني على فلسطين، وحاصرت بقواتها العسكرية منزله الكائن في حرم المسجد الأقصى المبارك، لإلقاء القبض عليه، محاولة بذلك وقف جهاده وكفاحه من أجل حرية واستقلال وطنه.

دامت هجرته في سبيل وطنه فلسطين لمدة ثلاثين عاماً؛ فقد غادره متخفياً بملابس بدوية بسيطة مهلهلة في تمام الساعة السابعة من مساء الثامن من شعبان ١٣٥٦ هـ الموافق ١٣ أكتوبر ۱۹۳۷، متوجهاً إلى لبنان وعاد إليه في صبيحة يوم الأربعاء العشرين من ذي القعدة ۱۳٨٦ هـ الموافق الأول من آذار ١٩٦٧، حيث هبطت الطائرة التي تقل سماحته في مطار القدس قادماً من بيروت، ليستأنف جهاده وكفاحه من أجل تحرير فلسطين.

كما يحتوي الفصل الأول سيرته النضالية منذ غادر القدس عام ١٩٣٧ حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ومغادرته ألمانيا بعد سقوطها في أيدي الحلفاء إلى فرنسا حيث اعتقل في باريس.

- الفصل الثاني:

ويشمل الوقائع والأحداث والتطورات التي مرت بالقضية الفلسطينية، منذ عودته إلى الوطن العربي، هرباً من السجن في باريس، متوجهاً إلى القاهرة عام ١٩٤٦.

- الفصل الثالث:

يحتوي على وقائع كفاح الشعب الفلسطيني وجهاده منذ عودة المفتي إلى مصر، وحتى حدوث نكبة عام ١٩٤٨.

انتهت المذكرات بآخر معركة في مدينة صفد وسقوطها بأيدي الأعداء بتاريخ .١٩٤٨/٥/١٠م.

باشر المفتي نشر مذكراته في مجلة (فلسطين) وهي نشرة دورية تشرف عليها الهيئة العربية العليا لفلسطين والناطقة الرسمية باسمها. وذلك على حلقات شهرية، صدرت الحلقة الأولى منها بتاريخ الأول من أيار ۱۹٤۷ الموافق المحرم ١٣٨٧ العدد ٧٤.

واستهل مذكراته بحادث هجرته الاضطرارية من فلسطين بقوله: «لم تكن الهجرة من فلسطين من خطتي ولا خطرت ببالي مغادرة بيت المقدس وغيرها من مدن الوطن وربوعه، وإن كانت الأقطار العربية كلها وطنا للعرب لاعتقادي أن مكافحة الأعداء في داخل البلاد أولى وأجدى، وأنه لا يجوز لمجاهد أن يهجر وطنه أويتزحزح عن ميدان كفاحه إلا مضطراً مرغماً لأمر هوفي صالح القضية التي يجاهد في سبيلها». ومجموع الحلقات التي تم نشرها هو٧٥ حلقة انتهت في العدد ۱۷۱ - ۱۷۲ تاريخ شهري حزيران وتموز ۱۹۷٥ (عددان في عدد واحد).

وكان رحمه الله يدون مذكراته ويحضرها للنشر بخط يده، ويدفعها إلى الطباعة على الآلة الكاتبة، ثم يعود لتدقيقها ثانية ويؤشر عليها بتوقيعه قبل أن ترسل للنشر، وكان من عادته أن ينقل إلى الورق ما سبق ودونه بالمختصر في حينه من دفتر صغير يحمله في جيبه، ويدون فيه بدقه مواعيده والأحداث أوالأمور التي تتعلق بمهامه الوطنية. وكان يعد مذكراته بهذه الطريقة، آخذاً بعين الاعتبار تتابع الحلقات المنشورة في المجلة المذكورة، مع الاحتفاظ بمزيد من الحلقات الجاهزة والمعدة للنشر، للحالات التي يتعذر عليه دفعها إلى المطبعة.

انتقل المغفور له الحاج محمد أمين الحسيني إلى جوار ربه في الرابع من تموز ١٩٧٤م، وكانت مجلة (فلسطين) قد أصدرت عددها رقم ١٦٠ في الأول من تموز ۱۹٧٤ م الموافق جمادى الآخرة ١٣٩٤ هـ، متضمناً الحلقة ٦٥ من مذكراته.

وتابعت الهيئة العربية العليا لفلسطين نشر ما تركه سماحة المغفور له الحاج أمين الحسيني من حلقات مؤشر عليها بتوقيعه وعددها عشر حلقات انتهت في العدد ۱۷۱ - ۱۷۲ كما أشرت سابقاً.

ونرى أن الحلقة الأخيرة من المذكرات ورقمها ٧٥ احتوت آخر ما دونه هو بنفسه عن معركة مدينة صفد، وسقوط المدينة كان صبيحة اليوم الثاني من رجب ١٣٦٧ الموافق العاشر من شهر أيار ١٩٤٨م، وانتهت بذلك وثائق الراحل الكبير الموثقة. وبمعنى آخر دون المفتي بخطه ما يغطي الفترة الواقعة ما بين يوم مغادرته بيت المقدس في ١٣ أكتوبر ۱۹۳۷ وحتى معركة مدينة صفد وسقوطها بيد الأعداء في العاشر من أيار ١٩٤٨، وقبل الإعلان عن إقامة كيان العدو (إسرائيل) في الخامس عشر من أيار ١٩٤٨.

هذا لا يعني بأن سماحة المفتي تقيد بتسلسل تاريخي امتد من عام ١٩٣٧ وانتهى في عام ١٩٤٨، وهويسرد مذكراته، فقد استطرد وشرح ما تناسب مع مسيرة الأحداث التي عاصرها، أوذات الصلة بقضيته الوطنية. فالمذكرات من أولها حتى آخرها هي مسيرة نضال وكفاح الشعب الفلسطيني.

وحرصت أشد الحرص على نقل كل ما جاء عن حياته وسيرته الذاتية ومذكراته، بكل دقة وأمانة دون أي تدخل أوزيادة أونقصان ماعدا بعض الحواشي التوضيحية والتي اقتضتها ضرورة النشر ومرور الزمن.

وحرصاً على هذا التراث المشرف والقيم، وعلى المسيرة الكفاحية لشعب فلسطين وحركته الوطنية، بقيادة المغفور له الحاج أمين الحسيني من الاندثار مع مرور الزمن، ولإنارة السبيل أمام من فاتهم الاطلاع عليها، عمدت إلى جمعها وإصدارها في هذا الكتاب.

ولا أزعم بأني جمعت كل ما يتعلق بالرجل العظيم، فقد جمعت بالإضافة إلى مذكراته أكبر قدر من الوثائق المتعلقة بالحركة الوطنية الفلسطينية برئاسة المفتي وقيادته المباشرة لها وجميعها تبين جهاد الرجل وكفاحه فلسطينياً وعربياً وإسلامياً وستجد طريقها إلى النشر في المستقبل بإذن الله.

ويقيني بأن جمع تراث المفتي، هوجمع وحفظ لتراث فلسطين والأمة العربية والإسلامية، وينبغي أن تقوم به جماعة من الباحثين والمؤرخين المخلصين الصادقين تتوافر

على وضع كامل تاريخه وأعماله ولتغطي مرحلة من النضال زادت على خمسين عاماً من أجل الحق والحرية والاستقلال. فما زالت دفاتر المفتي ووثائقه دون جمع مدروس بقصد التوثيق والتأريخ، أشير بإلحاح إلى ضرورة جمع. هذا التراث من قبل معنيين ثقات ولتقصي كل الحقائق حولها.


التحميل: اكتمل تحميل 743424 من 1429528 بايت.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق