أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 26 مارس 2026

الطريق إلى رأس الناقورة حبيب هنا بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الطريق إلى رأس الناقورة

حبيب هنا

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: في طريقي إلى الشاطئ، وضعت حقيبتي على الطاولة، ثم جلست أتأمل الأمواج، كيف يجري بعضها بإثر بعض، كيف تقفز سريعاً في لعبةٍ لا تنتهي، ثم تذوب وتتعانق إلى أن يتلاشى بعضها في بعض، وكأنها تُجسّد دورة الحياة التي لا نستطيع الإفلات منها .. أتأمل الماء أسفل قرب الميناء.. كيف يرتطم بالصخور.. وكيف ينشر رذاذه في الأفق.. ليلامس وجوهنا المُتعبة، أو شيئاً من أطراف أقدامنا.. يحاول إزاحة الصخور أمامنا.. لكنه عاجزٌ بلا شك .. كم هو لطيف ذلك البحر.. مددتُ يدي ضاحكًا، أُجرّب أن أقبض على شيءٍ من هذا العابر الجميل، لكن الرذاذ، كالحلم، لا يُمسك… إنما يُحَسّ.

أما هذا الكتاب، فليس مجرد أوراقٍ تُقرأ، بل هو وثيقةٌ تنبض، وشهادةٌ أدبية تُدين ببلاغةٍ دامغة ما ارتُكب من قسوة، وتستدعي من ذاكرة الألم ما كاد يُطمس أو يُنسى. إنه نصٌّ يُعيد تعريف المفاهيم التي ظننا أننا نعرفها: الوطن ليس جغرافيا، بل وجعٌ مقيم؛ والبيت ليس جدرانًا، بل ظلّ الأمان إذا انكسر؛ والحياة ليست زمنًا، بل صراعٌ على المعنى. هنا تتجاور المفردات المتضادة: السعادة والموت، الإعمار والخراب، الأمن والنزوح، في مشهدٍ واحدٍ لا يذوب، لأن المعاناة لا تعرف التجزئة، بل تتكاثر كالموج، كلُّها واحد.

ومن بين سطور هذا العمل، يتبدّى لك ذلك الجنون الذي نحياه؛ جنون أن ترى ما لا يراه الآخرون، أو أن تقول ما يُخالف السائد، لا عن هوى، بل عن قناعةٍ تتكئ على شواهدَ تُكذّب الصمت. هو جنونٌ من طرازٍ خاص، يُشبه أن تُحاصر الحقيقة في صدرك، ثم تُطالب بإثباتها في عالمٍ لا يعترف إلا بما ألف. هنا، تتشابه القصص مع المقالات، لا لأن الحقيقة فيها مُلتبسة، بل لأن الإشكال في عيون من لا يُبصرون إلا انعكاس أفكارهم. فالخطأ ممكن، نعم، لكنه ليس تهمةً جاهزة تُلصق بكل مخالف، وإلا صار الاختلاف عبثًا، وصارت الحقيقة يتيمة.

وخلاصة هذا الأثر الأدبي، كما استقرّت في النفس، أن الأشياء لا تسير كما نُريد، وأن الواقع أثقل من احتماله، وأن الآمال—وإن توهجت—قد تُؤجَّل، لكنها لا تموت. فالأمل بالله باقٍ، لا يخيب، ينهض فينا كلما أوشكت الروح أن تنكسر، كأنما هو آخر ما تبقّى لنا من يقينٍ لا يُغتصب.

ويمتدّ الكتاب ليحكي عن عوالم أخرى: عن الأسرى في سجونٍ تُعيد إلى الأذهان فصول القهر في أشدّ صوره، وعن الحرب التي لا تضع أوزارها، والسلم الذي لا يكتمل، وعن الراحلين الذين تركوا فراغًا لا يُملأ، والباقين الذين يتعلّمون العيش على حافة الغياب. يحكي عن اللاجئ الذي خرج من بيته وفي جيبه مفتاحه، يظنّه وعدًا بالعودة، فإذا به يتحوّل إلى أثرٍ من زمنٍ بعيد؛ وعن شعبٍ تفرّق في المنافي، حتى صار يشعر أن الحياة نفسها امتحانٌ طويل، كلما حاول الإفلات منه، اكتشف أن شيئًا منه قد هرب معه.

وهو أيضًا سردٌ لدوّامة الصراعات التي تبتلع الإنسان دون أن يختارها؛ يمشي ليُصلح، فإذا به يغرق في نارٍ لا يُريدها، كأنها خُطّت عليه منذ البدء. وسردٌ لواقعٍ نقابيٍّ وحزبيٍّ مُثقلٍ بالمصالح الضيّقة، حيث تُوزّع الامتيازات على أساس الانتماء، ويُقصى من لا راية له إلا كرامته، فتذبل بذور الوعي، وتُزهر بدلها أشواك التمرّد.

ومن بين كل ذلك، تبرز حقيقةٌ مُرّة: أن هذه الأرض لا تحتمل الأقنعة، وأن من أراد أن يعيش عليها بصدق، فعليه أن يخلع نعلي الحزبية، وأن يدرك أن القضايا الوطنية لا تُتّخذ موردًا للارتزاق، ولا تُسفك من أجلها دماء الأبرياء عبثًا.

وفي كل قصةٍ من قصص هذا الكتاب، تفاصيل صغيرة، لكنها تنمو في الداخل ككائنٍ غامض، مركّب من تناقضاتٍ شتّى، حتى إذا اكتمل، صار كُلاً واحدًا لا يمكن تفكيكه؛ كما لو أننا—نحن أيضًا—صرنا جزءًا من هذه الحكاية، لا نرويها فحسب، بل نُروى بها.

التحميل: اكتمل تحميل 743424 من 3291370 بايت.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق