الجهاد والإرهاب
من كتاب الجهاد للإمام القرضاوي
(ص 1173 –1198)
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يتناول هذا الفصل مصطلح (الإرهاب) بوصفه مفهوماً حديثاً وافداً إلى الثقافة الإسلامية، لم يرد بهذا المعنى في الفقه القديم، وإن كانت مادته اللغوية عربية تدل على الخوف. ويميّز بين الإرهاب في القرآن، وهو إعداد القوة لردع العدو ومنعه من العدوان، وبين الاستخدام المعاصر للمصطلح الذي اتسم بالغموض والتسييس. ويؤكد أن غياب تعريف منضبط أتاح للقوى الكبرى توسيع دلالته ليشمل حتى المقاومة والعمل الخيري، مما أحدث اضطراباً في فهمه وتطبيقه.
ويقرر القرضاوي أن حقيقة الإرهاب هي الترويع وإشاعة الخوف بين الآمنين، وهو مما حرّمه الإسلام بشدة، حتى في صور المزاح، تأكيداً لحرمة الأمن الإنساني. كما يعرض تعريفات معاصرة للإرهاب من المنظور الغربي، ويقاربها بالفقه الإسلامي، رابطاً بينها وبين جرائم الحرابة والبغي. وينبّه إلى ضرورة التمييز بين الإرهاب والعنف، فليس كل استعمال للقوة مذموماً، بل يختلف الحكم بحسب الدافع والوسيلة، مع التأكيد على مركزية العدالة ومقاصد الشرع.
ويستعرض الكتاب أنواع الإرهاب ومراتبه، كالإرهاب المدني، والاستعماري، وإرهاب الدولة، والدولي، والسياسي، مبيّناً تفاوتها في الحكم والخطورة. ويؤكد أن المقاومة ضد الاحتلال تعد مشروعة إذا التزمت بالوسائل المباحة، بينما يُعد استهداف الأبرياء أو اتخاذ وسائل محرمة من الإرهاب المرفوض. كما يناقش العمليات الاستشهادية في السياق الفلسطيني، مبرزاً الخلاف حولها، ومقرراً أنها تُفهم في ضوء الضرورة والموازنة بين المصالح والمفاسد، مع الدعوة إلى مراجعة الوسائل وفق تغير الأحوال والنتائج.
الإرهاب مصطلح جديد
(الإرهاب) بمعناه الواسع الشائع اليوم على الألسنة والأقلام: مصطلح جديد دخيل على قاموسنا الإسلامي.
فليس هو من ضمن الجرائم المنصوص على عقوبتها شرعاً: وهي: جريمة السرقة، وجريمة الحرابة أو قطع الطريق، وجريمة الزنى وجريمة القذف، وجريمة شرب الخمر، وجريمة البغي وجريمة الردة، بالإضافة إلى جريمة قتل النفس عمدا، والجناية على ما دون النفس من الأعضاء، وهي الجرائم التي شرعت فيها: العقوبات الشرعية المعروفة باسم (الحدود والقصاص).
المراد بالإرهاب المذكور في القرآن
وإن كانت الكلمة (الإرهاب) عربية، وقد وردت في القرآن بصيغة الفعل المضارع في سياق الأمر بإعداد القوة للأعداء في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوٌّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يعلمهم وما تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوفَ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٠].
والإرهاب المذكور في الآية - والمقصود به تخويف الأعداء حتى لا يطمعوا في المسلمين، ويفكروا في الاعتداء عليهم - لا شك في شرعيته، ولا ينازع فيه أحد، وليس هو المقصود بالكلمة حين تطلق اليوم.
وهذا الإرهاب المشروع يعني: إعداد المستطاع من القوة ومن رباط الخيل ويدخل في ذلك القوة البشرية المدربة والقوة المادية بإعداد السلاح المتطور، وإعداد المركبات والآليات اللازمة لاستخدام السلاح وتفعيله، وهو ما عبر عنه القرآن بـ (رباط الخيل).
وخيل عصرنا هي: الدبابات والمصفحات وسائر المركبات البرية والبحرية والجوية، فهذه هي التي تُركب في عصرنا، ويُقاتل عليها، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
وقد بين القرآن الكريم الهدف من إعداد القوة المستطاعة؛ فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعَدُوكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ الله يعلمهم وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فهذا النص واضح في بيان الغرض من الإعداد: وهو: إرهاب عدو الله وعدونا. فهذا إرهاب مشروع ولا شك. والمقصود بإرهابه: تخويفه أن يفكر في حربنا إذا علم أن لدينا من القوة العسكرية ما يقهره ويدحره، فهو يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يهاجمنا.
وهذا الإرهاب للعدو يمنعه من الاعتداء علينا، وأما نحن فديننا يمنعنا من الاعتداء عليه بلا سبب. وبهذا يقوم السلام بين الفريقين إذا كان كل منهما مسلحاً بسلاح مكافئ للآخر، فإن عاقلاً لا يخاطر بجيوشه وقواته في حرب لا أمان لها. وهذا ما يسمونه في عصرنا: (السلم المسلح).
ولهذا حين امتلك المعسكران المتعاديان - أو المتنافسان على الأقل - الغربي والشرقي كلاهما: الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، لم يفكر أحدهما في إعلان الحرب على الآخر، لا أمريكا وحلفاؤها في المعسكر الغربي، ولا روسيا وحلفاؤها في المعسكر الشرقي، واقتصر الفريقان على ما سمي: (الحرب الباردة)، وهي الحرب بغير سلاح.
وكذلك حين ملكت كلتا الجارتين المتخاصمتين الهند وباكستان السلاح النووي، لم تعد الهند تفكر في غزو باكستان، كما كانت تحلم من قبل، وغدت كلتا الدولتين تتعامل مع الأخرى بحذر وتعقل.
ولكن هذا الإرهاب الذي ذكره القرآن ليس هو المقصود من كلمة (الإرهاب) حين يذكرونها اليوم.
وكلمة (الإرهاب) مشتقة من مادة (ر) هـ (ب) ومعناها: (الخوف)، وتقابلها كلمتان: إحداهما (رغب)، كما في قوله تعالى: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ويقال هنا: الترغيب والترهيب.
والكلمة الأخرى: كلمة (أمن)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمنا﴾ [النور: ٥٥]، ﴿وآمنهم من خوف﴾ [ قريش: ٤].
وقريب من كلمة الخوف في المعنى كلمات أخرى مثل (الروع) و(الفزع) و (الرعب) ومنها جاءت كلمات: الترويع والتفزيع والإرعاب، فكلها من هذا الباب، وإن كانت درجات الخوف فيها تتفاوت، ولعل لفظة (الرعب) تحمل أشد مراتب الخوف.
وكلمة (الرعب) قد تكررت في جملة مواضع من القرآن، موصوفة بأن الله تعالى يقذفه أو يلقيه في قلوب المشركين والكفار، كما قال تعالى: ﴿سنلقي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يَنزَلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]، وقال تعالى في الحديث عن غزوة بدر: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ۱۲]، وقال في الحديث عن بني النضير: ﴿فَأَتَاهُم اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢].
وجاء في الصحيحين من حديث جابر: أن النبي ﷺ ذكر في خصائصه: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر). متفق عليه، والمعنى: أنَّ الله تعالى يلقي الرعب في قلوب أعدائه وهم بعيد عنه مسيرة شهر.
والمؤكد أن الكلمة - بإطلاقها ودلالاتها المعاصرة - مترجمة عن اللغات الغربية، وعنهم انتقل مفهومها إلى لغتنا العربية. وسننقل من كلام الشيخ ابن بية ما يدل على ذلك. وإن كانوا إلى اليوم - للأسف - لم يحددوا مفهومها تحديداً: قاطعا (جامعا مانعا) يزيل كل لبس، ويمنع أي اشتباه.
فرأينا أمريكا تترك هذا المفهوم الخطير - الذي شنت حرباً كونية واسعة على أساسه - مائعا رجراجا هلامياً، يتسع لكل ما تريد إدخاله ومن تريد إدخاله فيه.
حتى أدخلت فيه الذين يقاومون الغاصبين المحتلين، ويدافعون عن أوطانهم ومقدساتهم وحرماتهم. كما أدخلت فيه: الذين يتبرعون لعمل الخير وكفالة اليتامى ومساعدة أسر الضحايا والشهداء حتى أمسى العمل الخيري الإسلامي كله - تقريباً - متهما بالإرهاب، أو معاونة الإرهاب والإرهابيين !! وأضحى المسلم يخاف من إخراج زكاته - وهي فريضة عليه، وركن من أركان الإسلام - وتوزيعها على مستحقيها، فتتخذ ذريعة لاتهامه بتمويل الإرهاب !!
مفهوم الإرهاب الشائع على الألسنة اليوم
ومن أعظم الأخطار أن تترك هذه المصطلحات أو المفاهيم الخطيرة هلامية رجراجة، يفسرها كل فريق بما يحلو له، وبما يخدم أهدافه ومصالحه الخاصة، دون رجوع إلى معيار ثابت مستند إلى أسس مقبولة من جهة المنطق المسلم به.
ولنا؛ بل علينا أن نتساءل: ما مفهوم (الإرهاب) وما المراد به؟
لقد رأينا أن الإرهاب - في لغة العرب - مصدر أَرْهَب يُرهب، بمعنى أخاف غيره وأفْزَعَه وروعه، فهو يعني إذن: نشر الرعب والخوف والذعر بين الناس، وحرمانهم من (الأمن)، الذي هو من أعظم نعم الله على خلقه، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَآمَنهُم مِّنْ خوف﴾ [قريش: ٣، ٤].
فأشارت الآية الكريمة إلى نعمتين من أعظم النعم التي تشبع حاجتين أساسيتين من حاجات البشر، وهما: الكفاية من العيش، والأمن من الخوف.
وشر ما يبتلى به مجتمع أن يسلب هاتين النعمتين، فيصاب بالجوع وبالخوف، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمَنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
وقد من الله على قريش وأهل مكة بأنه جعل لهم حرما آمنا، يلقى الرجل فيه قاتل أبيه، فلا يمسه بسوء، كما قال تعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿أَو لَمْ يُمكن لهم حَرَمًا آمَنا يُجبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء﴾ [القصص: ٥٧]، ﴿أَو لَمْ يَرَوْا أَنَّا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وحين ذهب يعقوب عليه السلام وأبناؤه إلى مصر، واستقبلهم عزيزها يوسف ابن يعقوب عليهما السلام قال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩].
ولقد كان من خصائص الجنة التي أعدها الله لعباده الصالحين في الآخرة: أنها دار (أمان كامل)، ولهذا تقول الملائكة لأهلها: ﴿ادْخُلُوها بسلام آمنين﴾ [ الحجر: ٤٦]، وأهلها: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
الإرهاب هو الترويع
لهذا اعتبر الإسلام سلب أمن الناس العاديين من أعظم الجرائم التي يعاقب عليها، كما اعتبر كل (ترويع) أو تخويف وتفزيع للناس بأي أمر – ولو كان صغيرا تافها - من الذنوب والآثام التي يُحرمها الله تعالى، ويعاقب عليها من فعلها.
كما جاء في الحديث، عن النبي الله أنه قال: «لا يحل لرجل أن يروع مسلما».
ولهذا الحديث قصة يجب أن تُذكر - لما لها من دلالة - فقد روى النعمان ابن بشير رضي الله عنهما، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير، فخفق رجل على راحلته (أي: أخذته سنة من النوم)، فأخذ رجل سهما من كنانته (أي: رغبة في أن يداعبه)، فانتبه الرجل ففزع؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لرجل أن يروع مسلما». ولعل كلمة (الترويع) هنا أدل على المقصود من كلمة (الإرهاب). وإن كان لا مشاحة في الاصطلاح.
برغم أن هذا الترويع والتفزيع كان باعثه المزاح والمداعبة، ورغم أنه لم يترتب عليه أذى غير هذه الفزعة أو الروعة، حين شعر الرجل الوسنان بأن أحدا يريد أخذ شيء من كنانته، كنانته، فقد حرم الرسول هذا الترويع.
كذلك فإن قوله: «لا يحل لمسلم أن يُروع مسلما»: لا يعني أن تحريم الترويع مقصور على المسلم، إنما ورد الحديث بهذه الصيغة، لأنه وقع من مسلم المسلم، ولكن ترويع الآمنين بصفة عامة لا يجوز، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم». فلم يعطه صفة الإيمان الحق إلا حين يأمن الناس كل الناس - مسلمهم وغير مسلمهم - على حرماتهم وأعراضهم وأموالهم.
تعريف ابن بية للإرهاب
ويسرنا أن نضع هنا زيادة في الإيضاح ما كتبه العلامة الشيخ عبد الله بن بية عن تعريف (الإرهاب)، مستفيداً من المصادر الفرنسية، في كتابه الذي نشره بهذا الاسم.
قال حفظه الله: إنَّ (الإرهاب terrorisme) الذي أصبح حدث الساعة، وحديث القانونيين والساسة، ينبغي تعريفه مستقى من نبعه الأصلي، ومقتطفا من منبته الغربي، فمصطلح الإرهاب terrorisme ظهر ۱۷۹۸م في ملحق الأكاديمية الفرنسية لوصف حكومة الثورة الفرنسية، التي كانت ترهب الشعب، وبخاصة الملكيين، باسم الحرية والثورة، فكان الإرهاب وصفا لنظام حكم، إلا أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر أصبح المصطلح يتعلق بعنف صادر عن أفراد أو جماعات خارج القانون.
وأول عملية وصفت بالإرهابية في العصور الحديثة، كانت محاولة اغتيال نابليون بونابرت ۱۸۰۰م.
ويُعرف دولياً أول مرة من طرف عصبة الأمم (۱۹۷۳م) بأنه: عمل إجرامي، يهدف بطبيعته إلى إثارة الرعب والخوف موجه لأشخاص معينين، أو مجموعة من الأشخاص أو للعموم.
ويعرفه معجم روبير الصغير الفرنسي بأنه: تيار يتخذ الإجراءات الاستثنائية العنيفة بانتظام، للوصول إلى أهداف سياسية.
وهو أيضاً: مجموعة الأعمال العنيفة... الاعتداء - التدمير... إلى آخره، التي ينفذها تنظيم سياسي لتخويف الناس، وخلق جو من الرعب.
والإرهابي: هو كل عضو في منظمة من هذا النوع.
ويُعرفه معجم لاروس الفرنسي بأنه: عبارة عن جملة أعمال العنف، التي ترتكبها منظمة، من أجل خلق جو من الرعب، أو من أجل قلب نظام الحكم.
إن تعريف لاروس على اختصاره، يشتمل على عناصر تكوين الجريمة:
1- قيام بأعمال عنيفة فعلاً.
2- أن يكون القائم بها منظمة.
وهذا يتعلق بالهدف، وهو أحد أمرين:
1-إما أن يكون لخلق جو من الرعب، ونشر الذعر بين الناس.
2- أو أن يكون الهدف قلب نظام الحكم.
فبينما لا يشترط لاروس أن تكون المنظمة سياسية، فإن روبين يشترط ذلك ويتحدث عن أهداف سياسية، وليس بالضرورة قلب نظام الحكم، الذي تحدث عنه لاروس. وقلب نظام الحكم هو الذي سماه الفقهاء (خلع الإمام).
وعرفه مؤتمر وزراء الداخلية والعدل العرب، حيث ركز على العمل نفسه، ليجعله أساسا لتكييف الجرم، بأنه: هو كل أعمال العنف، أو التهديد- مهما كان سببها، أو هدفها- المنظمة التي تسبب الرعب والفزع للناس، وتستهدف الممتلكات العامة أو الخاصة، أو الاستيلاء عليها.
إن هذا التطور، يجعل الإرهاب حرابة، وبخاصة على مذهب مالك، الذي لا يشترط أن تكون المحاربة مغالبة لأخذ مال، فقطع الطريق وتعطيل قدرة الناس على الخروج إلى معايشهم، هو من الحرابة.
لكن مع ذلك لا يمكن إغفال النية السياسية لبعض قضايا الإرهاب، فيكون بذلك جريمة بغي، وبخاصة عند مالك، الذي لا يشترط لجريمة البغي أن يكون الباغي جماعة، بل الواحد يكون باغيا، إذا اعتمد طريق العنف في مواجهة ولى الأمر (السلطة الشرعية).
وإن الإشكال الذي كان ولا يزال يواجه المسئولين العرب والشعور المسلم بصفة عامة هو: كيف يميز بين جريمة الإرهاب، وبين أعمال المقاومة الوطنية المشروعة ضد البغي والاحتلال، إعمالا لمبدأ الدفاع المشروع ؟
وفي رأيي: أن التغلب على هذه المعضلة يكمن في الإحالة على الشرعية الدولية والأخلاقية، فالحرب ضد المحتل تزكيها الشرعية الدولية التي تعترف بوجود حقوق مسلوبة يجب أن ترد إلى أصحابها.
فالفلسطيني مثلا يستند إلى مشروعية دولية تعترف له بحقوق يجب أن يحصل عليها، دون أن تعين له الوسيلة للحصول عليها، ودون أن تتولى المنظمة الدولية إيصال الحق إليه.
وانطلاقا مما تقدم، فإني أقترح تغيير مصطلح هذه الجريمة، فإن الإرهاب في اللغة العربية كما يقول الزبيدي - الإزعاج والإخافة، ولكنه قد يكون من أمر بسيط، كما يكون من أمر عظيم، ثم إنه ليس وصفيًا، بمعنى أنه لا يصف الأعمال الناشئ عنها الخوف والإزعاج.
وأقترح صياغة تعريف الجريمة وتوصيفها، على ضوء جريمتي الحرابة والبغي، والتطور في الفكر القانوني الناشئ عن الممارسة، ودمج بعض الجرائم المنظمة الأخرى، كترويج المخدرات التي تعتبر حرابة عند الإمام مالك، ليكون المصطلح (تخريب subversion) أي: ليكون الإرهاب عبارة عن: الأعمال العنيفة، التي ترمي إلى التدمير والإفساد وترويع الآمنين، بقتل البراء، وتدمير المنشآت، وترويج المخدرات، وكذلك الأعمال العنيفة، التي تقوم بها العصابات ضد السلطة الشرعية، الخلق جو عام من العصيان، يشل النشاط العام، ويخوف المدنيين، أو لقلب النظام الشرعي القائم.
إنَّ هذا التعريف في رأيي يستجيب للهموم التي يشعر بها المتعاطي مع قضية الأمن، وينطلق من أرضية الفقه والتراث والبيئة العقدية للأمة، كما أن مصطلح (التخريب) هو مصطلح واضح، يفهمه المثقف والعامي على السواء.
وهذه الشريعة المباركة، تتسع لوصف كل جرم، وتطبيق العقوبة الملائمة، وهي بعموماتها وتفاصيلها وتفريعاتها محكماتها ومؤولاتها، بالإضافة إلى آراء مختلف المذاهب، التي تشكل ثراء وتكاملاً وكمالاً، تكون مصدراً فقهيا، لا يفنى، ومعينا لا ينضب ولا يذوي، من قبل عزائمها، بذلت له رخصها، ومن آمن بوعيدها، قدمت له وعدها، في ظلال الأمن والأمان. ذلك ما يجب أن يعيه أبناؤها، ليعودوا إلى أحضانها الحانية، ويقتطفوا من قطوفها الدانية تهـ.
وهنا نقول للشيخ الكبير: لا مشاحة في الاصطلاح، ولن نستطيع أن نغير المصطلح الذي اشتهر لدى العالم، ولكنا نستطيع أن نفسره بما يزيح الغموض عن مفهومه، الذي ترك هلامياً غير محدد. وما ذكره الشيخ محاولة للإسهام في ذلك.
ونعود لنستكمل حديثنا عن الإرهاب ومراتبه وأنواعه، بعد أن نفرق بين مدلوله ومدلول العنف الذي كثيراً ما يقرن به.
بين العنف والإرهاب
العنف يعني: استخدام القوة المادية ضد الخصوم، وإن كان يمكن استخدام الحجة العقلية أو العمل السلمي بدلها، سواء وقع ذلك من الدولة ضد الأفراد، أم من الأفراد ضد الدولة.
أما إذا كان استخدام القوة ضرورة لا مفر منها فلا يدخل ذلك في باب العنف، كما إذا اضطر المعتدى عليه أن يرد على العدوان بمثله، فلا حرج عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤١ ، ٤٢].
و(الإرهاب) يشترك مع (العنف) في استخدام القوة في غير محلها، لكنه يفترق فيما أرى - أن الإرهاب قد يستخدم القوة مع من من ليس بينه وبينهم مشكلة أو خصومة من قبل، بل يستخدم العنف معهم - ولا ذنب لهم - ليرهب غيرهم، ويطلب منهم مطالب إن لم يستجيبوا لها، صب جام غضبه ونقمته على هؤلاء، الذين لا ناقة لهم عنه في الخصومة ولا جمل.
ويدخل في ذلك خطف الطائرات، فركاب الطائرة المخطوفة ليس بينهم وبين الخاطفين أية مشكلة، فهم لا يعرفونهم، ولا علاقة لهم بهم، ولكن أوقعهم القدر أو كما يقولون: سوء الحظ -في أيدي هؤلاء.
ومثل ذلك: الذين يخطفون الرهائن في الفلبين أو غيرها من جماعة أبو سياف أو أمثالها، ممن يحجزون عندهم، ولا يفرج عنهم حتى تحقق لهم مطالب معينة.
ومثل هؤلاء السياح الذين يقتلون ولا ذنب لهم، ولا يعرفهم قاتلوهم، ولكن ليحققوا هدفا لمن قتلهم، مثل إظهار الحكومة بمظهر العاجز عن حماية الأجانب، أو لضرب السياحة نفسها، للتأثير في اقتصاد الدولة، أو غير ذلك.
فهذا مما أراه من الفروق الجوهرية بين العنف والإرهاب.
ونعود إلى بيان مراتب الإرهاب وأنواعه.
الإرهاب أنواع ومراتب
والإرهاب - بمعنى الإخافة والترويع - أنواع متعددة، ومراتب متفاوتة. منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، نحاول أن نلقي هنا شعاعا عليها.
1 - الإرهاب المدني
من الإرهاب المتفق عليه، والذي لا يكاد يخالف فيه أحد، وتحاربه كل الشرائع والقوانين: الإرهاب المدني.
وهو الإرهاب الذي يهدد حياة الناس المدنية والاجتماعية بواسطة العصابات الإجرامية، وهو الذي يقوم به قطاع الطرق ومن على شاكلتهم، ينهبون الأموال، ويسفكون الدماء، ويتحكمون في رقاب الناس وممتلكاتهم بقوة السلاح.
وهذه الجريمة التي تقوم بها جماعات مسلحة ذات سطوة، هي نفسها التي سماها الإسلام: جريمة (الحرابة) أو (قطع الطريق) أو (السرقة الكبرى)، تمييزاً لها عن (السرقة الصغرى) وهي السرقة العادية.
وقد ندد القرآن الكريم بهذه الجريمة الكبرى، وشرع في عقوبتها حداً من أشد الحدود، وأقساها - في نظر بعض الناس - ليردع مرتكبيها عن جريمتهم ويزجر غيرهم أن يفعل فعلتهم. قال تعالى في سورة المائدة - وهي من أواخر ما نزل من القرآن -: ﴿إِنَّمَا جزاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خلاف أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤].
فانظر إلى هذه العقوبات الهائلة: التقتيل، أو التصليب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، لهؤلاء المجرمين، لأنهم أخافوا السبيل، وأضاعوا أمن الناس، واعتبرهم القرآن بهذا (محاربين لله ورسوله). كما اعتبرهم (ساعين في الأرض فساداً)، لأن الأرض لا تصلح ولا تعمر إلا بالأمن.
وقد اختلف فقهاء المسلمين في العقوبات الأربع المذكورة، والتي استعملت بينها كلمة (أو) هل هي للتخيير أو للتنويع ؟
ولا مجال لتفصيل هذا هنا، المهم أنَّ الإسلام شدَّد في العقوبة هنا، لشدة خطر الجريمة على أمن الناس الذين لا تطيب حياتهم، ولا تستقر بدونه.
بل إن الإسلام شرع (حد قطع اليد) في السرقة الصغرى، أعني السرقة العادية، ولم يشرع ذلك في غصب أموال الناس ونهبها علنا، مع أن هذا من أعظم الذنوب وأكبرها عند الله تعالى، ومع هذا اكتفى الشرع بالتعزير فيه، ولم يشرع فيه حداً كالسرقة، لأن السرقة تتم خفية، وربما كان الناس نائمين في دورهم وبين أهليهم وأولادهم، فهي تهدد الناس في أمنهم، إضافة إلى تهديدهم في أموالهم وممتلكاتهم، بخلاف الغصب فإنه يتم جهارا نهاراً ، فهو يهدد الناس في أموالهم أكثر مما يهددهم في أمنهم.
2- إرهاب الاستعمار:
ومن أبرز أنواع الإرهاب التي شهدها العالم، ولا يزال يشهدها إلى اليوم: (إرهاب الاستعمار).
ونعني بإرهاب الاستعمار: أن تحاول دولة حكم دولة أخرى عن طريق القوة الغاشمة، التي تحتل أرضها، وتقهر شعبها، وتتحكم في مصيرها. وبطبيعة الحال نجد الدولة التي تغزى من الاستعمار تقاوم بما تقدر عليه من وسائل محدودة، فتبطش بها القوة المستعمرة المستعلية بقوتها المادية، وتضربها بيد من حديد ولا تبالي بما تزهق من أرواح، أو بما تُدمر من ممتلكات، أو بما تهتك من حرمات، لتجبر أهل البلاد الأصليين على الإذعان والتسليم.
وكثيراً ما يكون هذا الاستعمار (استيطانيا)، كما كان الاستعمار الفرنسي في الجزائر لقرن وثلث من الزمان. وربما كان (إحلالياً) أي: يريد أن يحل محل السكان الأصليين، فيجعل من خطته أن يبيدهم، ولو بالتدريج، ويستأصل شأفتهم بكل ما يستطيع.
وهذا ما فعله الاستعمار الغربي حينما ذهب إلى أمريكا الشمالية، وكان أول ما عمله محاولة (إبادة الهنود الحمر) السكان الأصليين واستخدم في ذلك وسائل غير أخلاقية.
وكذلك فعل حينما دخل أستراليا، وعمل على إبادة أهلها الأصليين، بلا رحمة ولا هوادة.
وكذلك فعل اليهود الصهاينة، حين أرادوا أن يقيموا دولتهم في فلسطين قائلين: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وهي مقولة كاذبة بلا ريب، فإن فلسطين ليست بلدا بلا شعب، حتى تستقبل شعبا بلا بلد، بل فيها شعبها الفلسطيني منذ ألوف السنين.
3- إرهاب الدولة:
ومن الإرهاب المذموم شرعاً ووضعاً، وديناً وخلقاً: إرهاب الدولة لمواطنيها، أو لطائفة منهم يخالفونها في العرق أو اللغة أو الدين أو المذهب أو السياسة أو غير ذلك، تستخدم قوتها المادية - بما تملك من عساكر وجنود - لقمع مخالفيها وقهرهم بإخراس ألسنتهم، أو ربما العمل على إبادتهم وتصفيتهم كليا أو جزئياً.
وهذا نموذج قديم حديث - عرفه التاريخ من قديم الزمان - ولا يزال قائما في واقع الناس إلى اليوم.
ولقد ذكر القرآن لنا منه النموذج الفرعوني، الذي صب جام غضبه على بني إسرائيل، يريد إبادة ذكورهم ما استطاع، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شيعا يستضعف طَائِفَةً منهم يذبح أبناءهم ويستحيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ من المفسدين﴾ [القصص: ٤]، يقصد بهذه الطائفة: بني إسرائيل.
وإنما جعل القرآن بني إسرائيل من أهل مصر، حيث قال: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شيعا﴾، لإقامتهم فيها مئات السنين برضا أهلها، فاكتسبوا جنسيتها.
وفي هذا المناخ الإرهابي ولد موسى عليه السلام، ونجا من الذبح الفرعوني، آية من آيات الله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أَمَ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7].
وشاء القدر أن ينجو موسى وينشأ في بيت فرعون نفسه، ليرسله الله بعد ذلك إلى فرعون، ويهدده فرعون بالقتل: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبِّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن ربكم﴾ [غافر: ۲۸].
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمٍ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَدْرَكَ وَالهَتَكَ قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنَّا فوقهم قاهِرُونَ ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
هذا نموذج ذكره القرآن يُجسد إرهاب الدولة التي تضطهد طائفة من مواطنيها وتستذلُّهم، ولا تجعل لهم حرمة، ولا ترقب فيهم إلا ولا ذمة، ولهذا امتن الله على بني إسرائيل إذ نجاهم من هذا العذاب المهين على يد موسى عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًّا من المسرفين﴾ [الدخان: ٣٠، ٣١].
وقال تعالى ممتنا على بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: ٤٩].
وقد حفل عصرنا الحديث بصور شتى من مثل هذا الإرهاب الفرعوني: إرهاب الدولة، ولا سيما في الأقطار التي حكمتها الشيوعية، وفرضت على أهلها فلسفة جديدة، وعقيدة جديدة، ونظاماً جديداً، وحياة جديدة رفضها الناس في أول الأمر وقاوموها، ولكن الدولة بحديدها ونارها، وأدواتها القمعية الجبارة: سحقت إرادة الناس، وألزمتهم أن يدخلوا جحورهم، وأن يذعنوا لأمرها، ويسلموا القرارها، وحسبهم أن يقولوا: نعم أو آمين.
هذا ما جرى في روسيا، وغيرها من بلاد الاتحاد السوفيتي، وأوربا الشرقية، وغيرها من البلاد الشيوعية، وقال رجل الثورة الشيوعية الأول (لينين) لماكسيم جوركي: لا بأس بقتل ثلاثة أرباع العالم؛ ليكون الربع الباقي شيوعيا !
وفي بلادنا العربية والإسلامية، قامت ثورات وانقلابات استولت على الحكم في أكثر من بلد، فقهرت أهله وأذلتهم، حتى يستسلموا طوعاً أو كرها، حتى قتل في مدينة واحدة - على أيدي السلطة الحاكمة - ما يقدر بثلاثين ألفا، بل إن بعض الأقطار ليقدر من قتل من المعارضين فيها بمئات الألوف !
وقد سهل على دولة الإرهاب ما تقوم به من إرهاب الدولة: أنهم فصلوا بين السياسة والأخلاق، كما فصلوا بين الحرب والأخلاق، وبين الاقتصاد والأخلاق واعتنقوا هذه النظرية الشيطانية الغاية تبرر الوسيلة، هذا مع أن غايتهم من جنس وسيلتهم، مرفوضة أخلاقياً.
وأبرز دولة قامت على الإرهاب من أول يوم هي دولة الكيان الصهيوني المسماة (إسرائيل)، إذ لم يكن هناك وجود لبني صهيون في المنطقة قبل أن تقوم بنصف قرن واحد كما تدل على ذلك الوثائق والأرقام والإحصاءات المستيقنة والثابتة، والتي لا يختلف فيها اثنان.
ولكنها - بواسطة عصابات الإرهاب الإجرامية الشهيرة: الهاجاناه وغيرها، وعن طريق المذابح الرهيبة التي صنعتها في دير ياسين وغيرها من قرى فلسطين مما لم ير العالم له نظيراً - استطاعت أن تخرج الفلسطينيين من ديارهم مكرهين، وأن تشردهم في الآفاق، وأن تسكن الأرض من بعدهم، وتقيم دولتها على أنقاضهم. ومن بقي منهم على أرضها - وهم ليسوا قليلين - يعيشون مضطهدين، ولذلك ولاسيما أنهم يصرون على أن تكون دولتهم (يهودية)، ومقتضى هذا: أن غير اليهودي لا مكان له فيها !!
4- الإرهاب الدولي:
وقد رأينا في عصرنا لوناً من الإرهاب، ربما كان أشد خطراً من كل أنواع الإرهاب المذكورة، وهو ما يمكن أن نسميه (الإرهاب الدولي)؛ لأنه يتم على مستوى العالم كله، والدول جميعاً.
وهو الإرهاب الذي تمارسه أمريكا اليوم على دول العالم في الشرق والغرب، فهي تريد أن تكره العالم كله على السير في ركابها، والدوران في فلك سياستها، يعادي الجميع من عادت، ويوالون من والت، ويسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، ويعرفون ما عرفت، وينكرون ما أنكرت، ويحلون ما أحلت، ويحرمون ما حرمت!
والعجيب أنها تمارس هذا النوع من الإرهاب المكشوف بدعوى الحرب على الإرهاب. وما الإرهاب؟ إنه ما تراه أمريكا إرهابا.
ولا خيار لدولة من الدول، ولا لشعب من الشعوب: أن يقف على الحياد أو يعتزل المعركة كلها ويجلس في بيته. فالشعار الذي رفعته أمريكا وألزمت به العالم أجمع: من ليس معنا فهو مع الإرهاب.
حتى لم تقل: من ليس معنا فهو علينا، بل جعلت من لم يكن معها، فهو في صف الإرهابيين، يجب أن يُحارب كما يُحاربون. إنه حكم القوي في الضعيف، وتسلط القادر الفاجر، وتحكم الذئب المفترس في الحمل الوديع. أو هو طغيان الإنسان إذا ما رأى نفسه مستغنيا عن غيره، حتى عن الله والناس، وهو ما أشار إليه القرآن حين قال: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن راه استغنى﴾ [العلق: ٦ ، ٧]، فلم يجعل النص القرآني: الطغيان مبنياً على الاستغناء، بل على رؤية الاستغناء: أن راه استغنى.
إنه منطق فرعون المتأله الجبار من قديم- حين قال في عجب وغرور -: ﴿ما أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] ، بل حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] ، أو: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
إنه (التأله الأمريكي) الذي يُريد أن يتخذ عباد الله عبيدا له، وأن يرغمهم على الانحناء له والانصياع لأمره، وإلا فالويل ثم الويل لهم. ونسي هؤلاء أن فوقهم قوة هي أعظم من قوتهم، وهي قوة الله التي لا تُغلب، ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وهي بالمرصاد لكل طاغية يفسد البلاد، ويذل العباد: ﴿ألم تر كيف فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبَلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبْ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٦-١٤].
إنه طغيان قوم عاد، الذين إذا بطشوا بطشوا جبارين، وغرتهم القوة فأدت إلى هلاكهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَو لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صرْصرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَات لَنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أُخْرَى وهم لا ينصرون﴾ [فصلت: ١٥، ١٦].
بيد أن عَاداً القديمة كانت قبيلة محدودة العدة محدودة المساحة، محدودة التأثير، أما (عاد العصر) وهي أمريكا، فأثرها في كل القارات، وقوتها في البر والبحر والجو، لذا كان خطرها أشد وأكبر على البشرية كلها. واعتقادنا أن الله يملي لها ويستدرجها - كيداً منه ومكراً - ثم يأخذها أخذ عزيز مقتدر. كما جاء في الحديث: «إنَّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ۱۰۲].
5-الإرهاب السياسي:
وأشهر أنواع الإرهاب هو ما يمكن أن نسميه (الإرهاب السياسي) وهو: الإرهاب في مواجهة الأنظمة السياسية الحاكمة. وهو كل عمل من أعمال العنف موجه إلى السلطة أو أحد رجالها أو مؤسساتها، بقصد الضغط عليها؛ لتحقيق مطلب معين، كفك أسرى، أو الإفراج عن مسجونين، أو الجلاء عن أرض محتلة، أو دفع فدية، أو غير ذلك من المطالب.
وهذا النوع من أنواع الإرهاب يختلف حكمه باختلاف هدفه ووسيلته:
فقد يكون الهدف مشروعاً، والوسيلة مشروعة.
وقد يكون الهدف غير مشروع، والوسيلة غير مشروعة.
وقد يكون الهدف مشروعاً، والوسيلة غير مشروعة.
أ- الإرهاب المشروع:
ففي الحالة الأولى - مشروعية الهدف والوسيلة معا - لا يكون هذا من الإرهاب المحظور، بل لا ينبغي أن يُعد هذا من الإرهاب مطلقا.
فمما لا خلاف عليه: أن المقاومة الوطنية للغازي المحتل، أمر مشروع لأهل الدار، لا ينكره شرع سماوي، ولا قانون وضعي، ولا ميثاق دولي.
ومن هذا ضرب الفلسطينيين المحتلة أرضهم: المستوطنات الإسرائيلية، أو المستوطنين الإسرائيليين، أو أسر بعض الضباط أو الجنود الصهاينة أو اختطافهم وحجزهم، في مقابل الإفراج عن سجناء أو أسرى من الفلسطينيين، أو في مقابل جلاء الاحتلال وعساكره عن الوطن.
فالإفراج عن السجناء والأسرى الفلسطينيين، أو جلاء المحتل عن أرض الوطن: هدف مشروع ولا شك، وأسر الضابط الصهيوني واحتجازه: وسيلة مشروعة ولا شك.
ومن ذلك: ما ذكرنا من القيام بالعمليات الاستشهادية، لإتخان العدو، وبت الرعب في قلوب أبنائه، فهذا هدف مشروع ووسيلته كذلك مشروعة.
إن دفاع الإنسان عن نفسه وأهله ووطنه، ومقاومته لكل غاز يغتصب أرضه، ويخرجه منها بالحديد والنار، والسيف البتار: أمر مشروع بلا ريب، أقرته الشرائع السماوية، والفلسفات الأخلاقية والمواثيق الدولية والقوانين الوضعية، وتعارفت عليه الشعوب والأمم طوال التاريخ، بل إنه الفطرة التي فطر الناس عليها: حتى إن الجسم الحي يهاجم كل ميكروب أو جسم غريب يدخل إليه، فقد جهزته العناية الإلهية بجند مجند مهمته الدفاع أمام هذا المهاجم الأجنبي، حفاظا على حياة الإنسان، وصحة بدنه.
وسنتحدث بتفصيل عن (العمليات الاستشهادية) وحكمها ومدى شرعيتها موثقين أقوالنا بالأدلة الشرعية، فالفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية.
ب -الإرهاب غير المشروع:
ما لا يكون الهدف والوسيلة فيه مشروعين، فهو الإرهاب المجرم والمحرم والمنكر مثل ما يقوم به ملوك تجارة المخدرات من عمليات ومقاومات، يقتلون فيها براء وآمنين، لحماية تجارتهم وملياراتهم التي يدمرون بها صحة البشر، وعقول البشر، وأمن البشر، وحياة البشر.
ومثل ذلك: ما تفعله جماعات (المافيا) في أوربا وغيرها، من اختطاف بعض الناس، قضاة ومحلفين وزعماء، ليفرضوا مطالب خاصة بهم، مثل الإفراج عن بعض مجرميهم، أو نحو ذلك مما لا يُشك في عدم مشروعيته، فهؤلاء أهدافهم ووسائلهم غير مشروعة جميعاً.
وهذا النوع من الإرهاب لا يقره دين ولا خُلق ولا عرف ولا قانون، ولا تستقيم عليه حياة البشر، ولا غرو أن يكون منكراً ومرفوضاً من كل الناس.
ومن هذا النوع: الإرهاب الصهيوني، الذي قامت على أساسه المنظمات الإرهابية الصهيونية المعروفة: الهاجاناة والأرجون وغيرها.
والتي قررت أن تغتصب أرضًا من أهلها، وتخرجهم منها، وتشردهم في الآفاق، فهذا هدف غير مشروع بكل المقاييس الأخلاقية، والدينية والقانونية: سرقة وطن من أهله، وتشريدهم في الأرض.
ومع عدم مشروعية الهدف: اتَّخذوا وسائل لا أخلاقية، لطرد هؤلاء من وطنهم الذي عاشوا فيه عشرات القرون، قبل الإسلام وبعده، وهي: العنف الدموي، والقسوة البالغة، والترويع المستمر، والإرهاب الدائم، حتى يفروا من أوطانهم مذعورين، ويدعوها لهم، يستمتعون بها، كما يستمتع اللص بما سرق، لا هنيئا ولا مريئاً. وهو ما فعلوه في مذبحة (دير ياسين) وهي التي بقروا فيها بطون النساء الحوامل وأخرجوا منها الأجنة، يعبثون بها بأسلحتهم، وهم يتضاحكون ويتراقصون تشفياً من المسلمين الذين أبادوهم بدم بارد. وقد أشاعوا ما صنعوه من جرائم في هذه القرية حتى ينشروا الرعب في أنحاء فلسطين كلها. حتى قال بيغن: لولا دير ياسين ما قامت إسرائيل !!
وقد كتب المفكر المسلم العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري في (موسوعته الشهيرة عن اليهود واليهودية والصهيونية) عن هذا الإرهاب الصهيوني ومنظماته، وما قامت به من دور في بث الرعب في قلوب الفلسيطينيين، بطريقة مدروسة، مستخدمين فيها الحرب النفسية، حتى يفر الناس من بيوتهم وقراتهم، هائمين في الفضاء، حتى يجدوا خيمة تؤيهم، على أمل أن يعودوا يوما لأوطانهم.
وأما إذا كان الهدف مشروعاً والوسيلة غير مشروعة، فهو أيضا من الإرهاب غير المشروع، لأن الإسلام لا يُقر مبدأ: الغاية تبرر الوسيلة. ولا يقبل الوصول إلى الغاية الشريفة، بوسيلة غير نظيفة. وذلك مثل: خطف الطائرات، بركابها المدنيين الذين لم يقترفوا جُرماً ولم يكسبوا إثماً ، وليس بينهم وبين الخاطفين أي قضية أو مشكلة، فهم لا يعرفونهم أصلاً، ولا يدرون من هم، وإنما أوقعهم قدرهم وسوء حظهم في شباكهم، وجعلهم تحت رحمتهم، يهددون بهم آخرين من خصومهم: إما أن يحققوا لهم مطالبهم، وإما أن يفجروا الطائرة بمن فيها، أو يقتلوا بعض من فيها واحدا بعد الآخر، ليرى خصومهم أنهم جادون فيما يقولون، ولا يتورعون من تنفيذ ما هددوا به. والأصل الشرعي اليقيني: ﴿أَلا تَزِرُ وازرة وزر أخرى﴾ [النجم: ٣٨].
وقد كنت أصدرت منذ نحو عشرين عاماً فتوى بـ (تحريم خطف الطائرات)، بعد حادث خطف الطائرة الكويتية الشهير. وقد خطفها بعض الإخوة الفلسطينيين الذين لا يُشك في عدالة قضيتهم، ونبل أهدافهم، ولكنا لا نقر وسيلتهم هذه.
وقد أبقوا ركاب الطائرة محبوسين فيها، نحو ستة عشر يوما، وقتلوا أحد ركابها، ورموا به من باب الطائرة.
ومثل ذلك: خطف الرهائن واحتجازهم والتهديد بقتلهم، إذا لم يستجب لمطالبهم. كما تفعل جماعة (أبو سياف) في الفلبين، وهو ما أنكرته صراحة في حينه.
ومثل ذلك: قتل السياح، كما في حادث (مذبحة الأقصر) في صعيد مصر، وما حدث في (جزيرة بالي في أندونيسيا)، وما حدث في الجزائر.
فهذه الأعمال كلها إرهاب غير مشروع، لأن الوسيلة فيها غير مشروعة، لأنها تقوم على تعذيب أناس براء بذنوب غيرهم، والقاعدة الشرعية المتفق عليها: ألا تزر وازرة وزر أخرى، وهذا إذا افترضنا أن الهدف نفسه مشروع على ما يدعيه هؤلاء. والإسلام حريص على مشروعية الوسيلة حرصه على شرعية الغاية.
شرعية العمليات الاستشهادية في فلسطين
أما العمليات الاستشهادية التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فهي لا تدخل في دائرة الإرهاب المجرم والمحظور بحال من الأحوال، وإن كان من ضحاياها بعض المدنيين، وذلك لعدة أسباب:
أولاً: أن المجتمع الإسرائيلي - بحكم تكوينه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي العنصري الاغتصابي - مجتمع عسكري لحما ودما، مجتمع عسكري كله، أي: أن كل من جاوز سن الطفولة فيه من رجل أو امرأة مجند في جيش إسرائيل، كل إسرائيلي جندي في الجيش، إما بالفعل، وإما بالقوة أي هو جندي احتياط يمكن أن يستدعى في أي وقت للحرب. وهذه حقيقة ماثلة للعيان، وليست مجرد دعوى تحتاج إلى برهان. وهؤلاء الذين يسمونهم: (مدنيين) هم في حقيقة أمرهم (عساكر) في جيش بني صهيون بالفعل أو القوة.
ثانيا: أن المجتمع الإسرائيلي له خصوصية تميزه عن غيره من سائر المجتمعات البشرية، فهو - بالنسبة لأهل فلسطين - مجتمع (غزاة) قدموا من خارج المنطقة من روسيا أو من أمريكا، أو من أوربا أو من بلاد الشرق - ليحتلوا وطنا ليس لهم، ويطردوا شعبه منه، أي: ليحتلوا فلسطين ويستعمروها، ويطردوا أهلها، ويخرجوهم من ديارهم بالإرهاب المسلح، ويُشتتوهم في آفاق الأرض، ويحلوا محلهم في ديارهم، وأموالهم.
ومن حق المغزو أن يُحارب غزانه بكل ما يستطيع من وسائل ليخرجهم من داره، ويردهم إلى ديارهم التي جاؤوا منها، ولا عليه أن يصيب دفاعه رجالهم أو نساءهم كبارهم أو صغارهم، فهذا الجهاد (جهاد اضطرار) كما يسميه الفقهاء، لا جهاد اختيار، جهاد دفع لا جهاد طلب. ومن سقط من الأطفال والبراء فليس مقصوداً، إنما سقط تبعاً لا قصداً، ولضرورة الحرب.
ومرور الزمن لا يسقط عن الصهاينة صفة الغزاة المحتلين المستعمرين، فإن مضي السنين لا يُغير الحقائق، ولا يُحلُّ الحرام، ولا يُبرّر الجريمة، ولا يعطي الاغتصاب صيغة الملكية المشروعة بحال. فهؤلاء الذين يسمون (المدنيين) لم يفارقهم وصفهم الحقيقي: وصف الغزاة البغاة الطغاة الظالمين؛ ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ۱۸].
ثالثا: يؤكد هذا: أن الشريعة الإسلامية - التي هي مرجعنا الأوحد في شؤوننا كلها - تصف غير المسلمين بأحد وصفين لا ثالث لهما، وهما: مسالم أو محارب. فأما المسالم، فالمطلوب منا أن نبره ونقسط إليه، وأما المحارب فالمطلوب منا أن نحاربه، ونقابل عدوانه بمثله، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (19) وَاقْتُلُوهُم حيث ثقفتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (13) فَإِنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (19) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا على الظالمين﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩٣].
وهؤلاء هم الذين يسميهم الفقهاء: (الحربيين). ولهم في الفقه أحكامهم الخاصة بهم.
ومن المقرر شرعا: أن (الحربي) لم يعد معصوم الدم والمال، فقد أسقط بحربه وعدوانه على المسلمين عصمة دمه وماله.
رابعا: يؤكد ذلك: أن فقهاء المسلمين اتفقوا - أو اتفق جمهورهم - على جواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الجيش المهاجم للمسلمين، أي: اتخذ العدو منهم تروساً ودروعاً بشرية يحتمي بها، ويضعها في المقدمة، ليكونوا أول من تصيبهم نيران المسلمين أو سهامهم وحرابهم، فأجاز الفقهاء للمسلمين المدافعين أن يقتلوا هؤلاء المسلمين البراء، الذين أكرهوا على أن يوضعوا في مقدمة جيش عدوهم. لأنهم أسرى عنده أو أقلية ضعيفة، أو غير ذلك - إذ لم يكن لهم بد من ذلك، وإلا دخل عليهم الجيش الغازي، وأهلك حرثهم ونسلهم. فكان لا بد من التضحية بالبعض مقابل المحافظة على الكل، وهو من باب (فقه الموازنات) بين المصالح والمفاسد بعضها وبعض.
فإذا جاز قتل المسلمين الأبرياء المكرهين للحفاظ على جماعة المسلمين الكبرى، فأن يجوز قتل غير المسلمين لتحرير أرض المسلمين من محتليها الظالمين: أحق وأولى.
خامسا: إن الحرب المعاصرة تجند المجتمع كله، بكل فئاته وطوائفه، ليشارك في الحرب، ويساعد على استمرارها، وإمدادها بالوقود اللازم من الطاقات المادية والبشرية، حتى تنتصر الدولة المحاربة على عدوها. وكل مواطن في المجتمع عليه دور يؤديه في إمداد المعركة، وهو في مكانه، فالجبهة الداخلية كلها – بما فيها من حرفيين وعمال وصناع. وصناع - تقف وراء الجيش المحارب، وإن لم تحمل السلاح. ولذا يقول الخبراء العالمون: إن الكيان الصهيوني (إسرائيل) كله جيش، ومؤسسات المجتمع المدني هناك كلها مشاركة في الحرب بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلا ما كان منها معارضاً للحرب، منكراً لها، فهؤلاء يستثنون، وتقدر مواقفهم ولا يحملون إثم حروب يعارضون قيامها. والأصل أن هؤلاء يعيشون خارج إسرائيل.
سادسا: إن الأحكام نوعان: أحكام في حالة السعة والاختيار، وأحكام في حالة الضيق والاضطرار، والمسلم يجوز له في حالة الاضطرار ما لا يجوز له في حالة الاختيار، ولهذا حرم الله تعالى في كتابه في أربع آيات: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ثم أباح هذه المحرمات للضرورة، كما قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
ومن هنا أخذ الفقهاء قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وإخوتنا في فلسطين في حالة ضرورة لا شك فيها، بل هي ضرورة ماسة وقاهرة، للقيام بهذه العمليات الاستشهادية، لإقلاق أعدائهم وغاصبي أرضهم، وبث الرعب في قلوبهم، حتى لا يهنأ لهم عيش، ولا يقر لهم قرار، فيعزموا على الرحيل، ويعودوا من حيث جاؤوا، أو على الأقل يتفاهمون مع خصومهم، ويجلسون معهم على مائدة التفاوض. ولولا ذلك لكان عليهم أن يستسلموا لما تفرضه عليهم الدولة الصهيونية من مذلة وهوان يفقدهم كل شيء، ولا تكاد تعطيهم شيئًا !
أعطوهم عشر معشار ما لدى إسرائيل من دبابات ومجنزرات، وصواريخ وطائرات وسفن وآليات، ليقاتلوا بها. وسيدعون حينئذ هذه العمليات الاستشهادية. وإلا فليس لهم من سلاح يؤذي خصمهم، ويقض مضجعهم، ويحرمهم لذة الأمن وشعور الاستقرار، إلا هذه (القنابل البشرية): أن (يقنبل) الفتى - أو الفتاة - نفسه، ويفجرها في عدوه. فهذا هو السلاح الذي لا يستطيع عدوه - وإن أمدته أمريكا بالمليارات وبأقوى الأسلحة - أن يملكه، فهو سلاح متفرد، ملكه الله تعالى لأهل الإيمان وحدهم!!، وهو لون من العدل الإلهي في الأرض!! لا يدركه إلا أولو الأبصار، فهو سلاح الضعيف المغلوب في مواجهة القوي المتجبر، ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ [المدثر: ٣١].
شبهات المعارضين والرد عليها
أما الذين يعارضون العمليات الاستشهادية من المسلمين، فهم يعارضونها لشبهات ثلاثة:
١- أنها تدخل في (الانتحار) أي: قتل النفس، وإلقائها في التهلكة، والانتحار... من أكبر المحرمات في الإسلام.
٢- أنها كثيراً ما تصيب المدنيين الذين لا يحاربون من النساء والأطفال، وهؤلاء يحرم قتلهم في الإسلام، حتى في حرب المواجهة بين الجيوش، وحتى الرجال الذين يقتلون هم من المدنيين الذين لا يحملون السلاح.
٣- أنها أدت إلى إلحاق الأذى والضرر بالفلسطينيين، بسبب عمليات الانتقام الفظيعة التي تقوم بها دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) من قتل وتدمير وإحراق واستباحة للمحرمات.. فلو كانت هي مشروعة أصلاً لأصبحت محظورة بنتائجها وآثارها. والنظر إلى (مآلات الأفعال) مطلوب شرعاً.
١ - العمليات الاستشهادية أبعد ما تكون عن الانتحار:
فأما الذين يعارضون العمليات الاستشهادية بأنها نوع من (الانتحار) أو (قتل النفس) فهم جد مخطئين، فإن من يحلل نفسية (الاستشهادي) ونفسية (المنتحر) يجد بينهما بونا شاسعاً.
فالمنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه لفشله في صفقة أو في حب أو في امتحان أو غير ذلك، فضعف عن مواجهة الموقف، فقرر الهرب من الحياة بالموت.
أما الاستشهادي، فهو لا ينظر إلى نفسه، إنما يُضحي من أجل قضية كبيرة، تهون في سبيلها كل التضحيات، فهو يبيع نفسه لله، ليشتري بها الجنة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
* فإذا كان المنتحر يموت فاراً منسحباً ، فإنَّ الاستشهادي يموت مقداما مهاجماً.
* وإذا كان المنتحر لا غاية له إلا الفرار من المواجهة، فإن الاستشهادي له غاية واضحة، هي تحقيق مرضاة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضاتِ اللهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، أي: يبيعها.
٢-أما إصابة المدنيين:
أما شبهة إصابة المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال والموظفين والعمال وغيرهم من طبقات المجتمع المدني، ممن لا يحملون السلاح.
فنود أن نبين هنا: أن الأصل في هذه العمليات الاستشهادية: أن يقصد بها جنود الجيش الإسرائيلي في أماكن تجمعاتهم المعتادة، ولا يقصد بها ضرب طفل صغير، ولا شيخ كبير، ولا امرأة غير مقاتلة. فقد صحت الأحاديث النبوية بالنهي عن قتل هؤلاء في حروب المواجهة بين جيش المسلمين وجيوش الأعداء، وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم وجود امرأة مقتولة في إحدى المعارك.
ولهذا يحرم الإسلام قتل هؤلاء. وهو ما يحرص عليه الإخوة في فلسطين، أو ما يجب أن يحرصوا عليه إن كانوا ملتزمين بأحكام الإسلام. وما وجد على غير الصورة المشروعة، من قتل أطفال ونساء وشيوخ، فهو يأتي عن طريق الخطأ غير المقصود، أو عن طريق الضرورة التي تفرضها الحرب بطبيعتها، ولا سيما في عصرنا.
وما جاء للضرورة لا يجوز أن يتوسع فيه، بل يبقى استثناء، وتظل القاعدة مستمرة وثابتة، وهي: ما أُبيح للضرورة يقدر بقدرها.
٣-الإضرار بالفلسطينيين:
وأما شبهة الإضرار بالفلسطينيين، وأنها عادت عليهم بالقتل والتدمير والإحراق، بسبب عمليات الانتقام الصهيونية، فإن ذراع إسرائيل أطول، وقدرتها على الانتقام أقوى، وهي تكيل بالصاع صاعين، بل عشرة أصوع.
فنجيب هنا بما يلي:
أولاً: أن إسرائيل كانت دائما هي البادئة بالشر والأذى، والمقاومة هي التي تحاول أن ترد وتدافع عن نفسها، وهذا واضح وضوح الشمس لا يستطيع أن ينكره أحد.
ثانياً: أن هذا العدوان طبيعة في إسرائيل، منذ قامت وإلى اليوم. بل هي لم تقم إلا على المجازر والاستباحة للدماء والحرمات والأموال، وما كان بالذات لا يتخلف. فلو أغمد الفلسطينيون أسلحتهم الخفيفة القليلة لاستمر الإسرائيليون يقتلون ويذبحون ويدمرون.
ثالثاً: لا ينبغي أن تضخم أثر الضربات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ونغفل آثار الضربات الاستشهادية في كيان بني صهيون، وما تحدثه من رعب وذعر في النفوس، وزلزلة في القلوب وتهديد للمستقبل، وشعور بعدم الاستقرار، ناهيك بما تحدثه من أثر في السياسة والاقتصاد وغيرها!!؟.
وهو ما جعل إسرائيل وأمريكا من ورائها تحاولان بكل جهد وحيلة: إيقاف العمليات الاستشهادية بأي ثمن، ومن ذلك تحريض السلطة الفلسطينية على ضرب المقاومة والتخلص منها بدعوى مقاومة الإرهاب؟؟!!.
فإذا كنا نشكو، فهم أكثر شكوى منا، وقد قال تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
وقال عز وجل: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويمحق الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ ، ١٤١].
رابعاً: أن الإضرار بالفلسطينيين إذا ازداد وتفاقم، وكبر حجمه، واتسع نطاقه، وأصبح يكلف الفلسطينيين الكثير من الدماء التي تسفك، ومن المنازل التي تدمر، ومن المنشآت التي تخرب فمن حق أهل الحل والعقد من الفلسطينيين، بل من واجبهم أن يفكروا في بدائل عن هذه العمليات، التي تكلفهم شططاً، وترهقهم عسراً. والشريعة الإسلامية واقعية، وفيها من المرونة والسعة ما يجعلها قادرة على أن تواجه كل مشكل جديد باجتهاد جديد، والقاعدة: أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال.
ومن القواعد الفقهية المعروفة: أن الضرر يزال بقدر الإمكان، وأن الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه.
تنبيهان مهمان في هذه القضية:
التنبيه الأول: أننا أجزنا هذه العمليات للإخوة في فلسطين لظروفهم الخاصة في الدفاع عن أنفسهم وأهليهم وأولادهم وحرماتهم، وهي التي اضطرتهم إلى اللجوء إلى هذه العمليات، إذ لم يجدوا بديلاً عنها، ولم نجز استخدام هذه العمليات في غير فلسطين؛ لانتفاء الضرورة الموجبة أو المبيحة، وقياس البلاد الأخرى على فلسطين، كالذين يستخدمون هذه العمليات ضد المسلمين بعضهم وبعض، كما في الجزائر ومصر واليمن والسعودية والعراق وباكستان وغيرها؛ هو قياس في غير موضعه، وهو قياس مع الفارق، فهو باطل شرعًا.
ومثل هؤلاء: الذين اتخذوها ضد أمريكا في عقر دارها، مثل أحداث ١١ سبتمبر ۲۰۰۱م، فلا تدخل في هذا الاستثناء.
والتنبيه الثاني: أن الإخوة في فلسطين قد أغناهم الله عن هذه العمليات، بما مكنهم من الحصول على صواريخ تضرب في عمق إسرائيل نفسها، وإن لم تبلغ مبلغ الصواريخ الإسرائيلية، ولكنها أصبحت تؤذيهم وتقلقهم وتزعجهم، فلم يعد إذن المعول على العمليات الاستشهادية، كما كان الأمر من قبل، فلكل حالة حكمها، ولكل مقام مقال والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال.
***
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق