عواصم السنن من قواصم الفتن
مشهور بن حسن آل سلمان
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: من الجدير بكل مسلم أن يعرف أول الفتن ظهوراً في هذه الأمة وما هو آخرها، وكيف تبدأ وكيف تنتهي؟ وقد أخبر حذيفة رضي الله عنه، عن أول الفتن وهي مقتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال. هذه الفتن التي ورَّثت خلافات عظيمة في الرأي، ثم تجسدت وانتقلت إلى إعمال السيف في الأمة بالقتل والتكفير.
والفتنة في حقيقتها اضطرابٌ شاملٌ يعتري القلوب والعقول قبل أن تظهر وتمتد في أرض الواقع؛ فهي تبدأ بخواطر وآراء، ثم تتضخم حتى تصير خلافًا وافتراقًا، وتنتهي غالباً إلى استحلال الدماء وشيوع الهرج. أما أكثر ما يغذيها فهو انتشار الجهل، وغياب العلماء، وتصدر أنصاف المتعلمين، مع قراءة الواقع بمعزل عن نور الوحي، فتضطرب الموازين، ويختلط الحق بالباطل، ويغدو الناس بين إفراطٍ وتفريط، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وأسباب النجاة منها إلى أمور، أهمها: تحصين البنية الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع، من خلال غرس القيم، والعناية بكتاب الله؛ فالقلب إذا امتلأ بنور القرآن، ورسخ بالإيمان، وتحصن بالعمل الصالح، صار كالصخرة الصماء تتكسر عليها أمواج الفتن. أيضاً المبادرة إلى الطاعات، وملازمة الذكر، ومجاهدة الشح، والعدل في التعامل مع الناس، كلها حصون تحفظ العبد من الانجراف، وتجعل له بصيرةً يميز بها بين زخرف القول وحقائق الأمور، فلا يُخدع بالدعاوى، ولا يُستدرج بالشبهات.
وأصل البلاء في الفتن التكفير والافتراق وسوء تنزيل النصوص، إذ يتحول الخلاف إلى صراع، والرأي إلى معركة، فيُقصى العلم ويُقدَّم الهوى، وتُستباح الحرمات باسم الدين. ومن هنا كانت السلامة في لزوم منهج أهل السنة: تثبّتٍ قبل الحكم، وعدلٍ في النظر، وربطٍ للناس بالعلماء الربانيين، حتى لا تُؤخذ المسائل مجتزأة، ولا تُفهم النصوص مبتورة، وبذلك تحفظ الأمة توازنها، وتسلم من الانحدار في مهاوي الفتن.
(الدرس الأول)
إن الحمد الله َنحَمُدُه ونستَعينُُه، ونستَْغِفُرُه، ونعوذ بالله من ُشُرور َأْنُفسنَا ومن َسيِّئات َأْعَمالِنَا، َمن يهِدِه الله فلا مضَّل لِه، ومن ُيضْلْل َفلا هادَِي لَُه، َ وأْشَهُد أن لا َ إله َّ إلا الله، وحده َلا َشرِيك لَُه، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُُه.
أما بعد:
فحديثنا في هذه الدورة في أربع محاضرات عن الفتن، والفتن سنة مشتَركة بين سنن اللهالكونية والشرعية. فلا راد لها، ولكن يدفعها الإنسان عن نفسه وعن قومه إن سلك سبيلاً شرعيًا موصلًا صحيحًا لدرء هذه الفتنة.
الفتنة "تطحن، وتبطح، وتحرث، وتبلو" كما وردت في ألفاظ عن حذيفة رضي اَللَّهَ تعالَى عنه، وهذا البطح والبلو والبحث هو المراد من عنوان هذه الدورة قواصم الفتن، والنجاة والسعادة والقيام بدين الله عزو جلَّ على وفق ما يستطيع العبد هو المراد بالعواصم.
الفتن بين العواصم والقواصم
والقواصم مأخوذة من السنة، والنبي ﷺ ما ترك خيرا وشيئا يقربنا إلى الجنة إلا وأخبرنا به وحثنا عليه، وما ترك شيئا يقربنا من النار ويوقعنا في الفتنة إلا وقد حذرنا منه، ِ وسر تحذير النبي ﷺ لأمته من الفتن بأن نحذرها وأن نبتعد عن سلوك مقدماتها، فمن أحكم البدايات سلمت له النهايات، وإياك أن تفهم أحاديث الفتن فهم القدري المبتدع، فتقول ما دام أن النبي ﷺ قد أخبر بهذه الفتن فلا بد أن تقع فتستسلم لها ! وتتمنى أن تقع أحداثها، وإن كانت مخالفة لسنة الله في شرعه أو كان هنالك ذل أوعدم نصرة للمسلمين.
أرأيت ذاك الأب الحريص الذي أراد ولده أن يسافر إلى بلاد الكفر، فأخذ ينبهه محذراً سترى وسترى وسترى، وهذا الإخبار ليس للتصديق، وليس للتسويغ، وإنما هو من باب التحذير.
فالنبي ﷺ أخبرنا عن الفتن من أجل أن نحذرها، وأن نجتهد في أن نخلص أمتنا منها، ولذا احفظ عني وهذه قاعدة رياضية، وأدلتي عليها كثيرة ولا أستطيع أن أبسطها الآن، ولكن احفظها ورددها.
موقع علماء أمة محمد ﷺ في أمة محمد ﷺ يساوي موقع أمة الإسلام بين سائر الأمم.
افحص تجد، وابلو تخبر، موقع أمة محمد في أمة محمد ﷺ تساوي موقع أمة محمد بين سائر الأمم. فإن كان العلماء هم القادة، وهم أهل المشورة كانت الأمة في رفعة وعز وعلياء، وإن كانوا لا ُيسأل أحد عنهم فالأمة يلعب بها، ويفعل بها أعداؤها ما يريدون.
هذه قاعدة لي عليها أدلة، ولما أبدأ بالسرد، ويأتي المقام لذكر الدليل، سأنبه وأنوه عليه إِن شاء اللَّه تَعالَى.
والعلماء حرَّروا للنس الأحكام فقهية، وصوبوا الألسنة بالقواعد النحوية، وصوبوا الفقهاء بالقواعد الكلية الأصولية، ورسموا كليات وضوابط مهمات حتى لا يشتط العوج، وحتى تبقى الأقوال محصورة، وحتى نرجع إلى أصول كلية، نعرف منها الأصيل من الدخيل، والسليم من المريض والجيد من الرديء.
أما أشراط الساعة ولا سيما لما تنزل الفتن بالأمة فلا يوجد هناك للأسف قواعد كلية، ولا يوجد أصول شرعية يرجع الناس إليها، فإن لم يكونوا مشاركين متكلمين، فضلا عن أن يكونوا عاملين على الأقل أن يكونوا فاهمين، وأن يرجعو افيما سمعوا إلى أصول كلية صحيحة.
ولذا أنا حريص بإذن اللهتعالى في هذه المحاضرات الأربع، وأسأل الله التوفيق، في أن أرسم كليات، وأن أذكر قواعد مهمة ينبغي أن تبقى في خلد الإنسان، أن يعيها قلبه وألا ينساها، فهي -بإذن اللهتعالى- من أسباب النجاة من هذه الفتن.
الواجب على المسلم أن ينجو من الفتن، ولكن طريق النجاة من الفتن لا تكون إلا وفق أصول شرعية صحيحة كما أن اللسان لا يلحن إلا أن عرف القواعد النحوية، وهكذا.
فالواجب على الإنسان أن يعرف، ولعل اعوجاج الفهم إن كان لا يحصل إلا بمعرفة هذه القواعد فعند اشتداد الفتن لعل معرفتها تصبح في حق بعض الناس من الفروض العينية. وذلك لأن العبد لا يستطيع أن يدرأ عن نفسه الفتنة، أو أن يتجنب الخوض فيها إلا بمعرفة هذه القواعد فهذا أمر واجب، وقبل أن أبدأ أنوه بأمر عظيم هو جليل، وهو أن أكثر الناس بعدا عن الفتنة من كان شبعان ريانا من أحاديث النبي ﷺ التي قالها فيها، وأكثر الناس خوضا من غابت عنه أحاديث الفتن، ومن لم يقرأها فيضرب ويخبط خبط عشواء. فتراه يتكلم فيها على حسب الأهواء، وعلى حسب توجيهات الإعلام، والإعلام اليوم له دور كبير في إذكاء الفتنة، فأصبح المسلمون يتفرقون في وقت الفتنة كل على حسب إعلامه، والأصل فيهم أن يجتمعوا على حسب دينهم، وعلى حسب ما أخبر النبي ﷺ عن هذه الفتن.
هنالك فريق يعرفون الفتن، وهذا الفريق هم أهل الحديث يحبون أن يتدارسوا الفتن، وأن يتذاكروا فيها ويعرفون أصولها وقواعدها، وهذا يظهر وقت الدجال، وقصة الدجال مع ذاك الشاب الحديثي، المحدث الحريص على حديث النبي ﷺ قصته أصلها في الصحيحين، وفيها زيادات كثيرة، ولفظها كما هو لفظ الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: يخرج الدجال فيتوجه قِبَله رجل من المؤمنين. شاب مؤمن -ليس فقط مؤمن طالب علم حديث- فيتوجه قِبَله فتلقاه المسالِح، -مسالح الدجال: جنده وحرسه- فيقولون له أين تعمد؟ فيقول أعمد إلى هذا الذي خرج فيقولون له أو تؤمن بربنا؟ -الدجال يزعم أنه رب!! -فيقول ما بربنا خفاء -كلام طالب علم- ما بربنا خفاء، فيقولون اقتلوه .فيقول بعضهم لبعض أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟- هو الذي يقتل أنتم لا تقتلون- يقول عن الجنود، قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن، قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله ﷺ، اعتصم بالحديث، وهذا دلالة على أن الطائفة المنصورة الباقية إلى قيام الساعة هم أهل الحديث، وهذا واحد منهم.
ولذا قال علي بن المديني والبخاري والإمام أحمد وجمع، لما ذكروا أهل الطائفة المنصورة قالوا: إن لم يكن هم أهل الحديث، فلا نعرف من هم. فهذا واحد من منهم، بل هذا واحد من بقاياهم من المتأخرين منهم. أدرك الدجال قال: فيأمر الدجال به فيشبح، هكذاقال النبي ﷺ -هذا لفظ الإمام مسلم فيشبح- فيقول: خذوه وشجوه، فيوسع ظهره وبطنه ضربا. قال فيقول له: أو تؤمن بي؟ قال: فيقول أنت المسيح الكذاب. قال: فيؤمر به فينشر بالمنشار، من مفرقه حتى رجليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين- يأتي بالمنشار ينشره قسمين يمين وشمال والدجال يمشي بعيد القطعتين- ثم يقول له قم. فيستوي قائماً. قال: ثم يقول له أو تؤمن بي؟، هو يعرف حديث النبي ﷺ ؟ هو يعرف حديث هذا الشاب، وأن هذا يقابله ويقتله وينشره ويقسمه قسمين ثم يقول النبي ﷺ: ثم لا يقدر عليه. بعد أن ينشره نصفين لا يقدر عليه، فيقول هذا الشاب: ما ازددت فيك إلا بصيرة.
قال: ثم يقول يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس. قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلاً. قال: فيؤخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنما قذفه في النار، وإنما أُلقي في الجنة.
فقال رسول الله ﷺ بعد أن قص هذه القصة قال: هذا أعظم الناس شهادة عند الله.
ما الذي عصم هذا الشاب من فتنة الدجال؟ معرفته بالحديث. ولذا فإن الفتن لا يمكن لأحد أن ينجو منها إلا أن كان طالب علم، والنبي ﷺ ما ترك أمته هملا، بل كان بهم رؤوفاً رحيماً، ولذا أخبر النبي ﷺ بأحاديث الفتن لشدة رحمته وشفقته علينا، ومن باب أن نحذر منها وألا نخوض فيها.
فهذه قواعد مهمة جداً وهذه من المرغبات لنا في أن نقرأ أحاديث الفتن، ولكن لابد لنا من ضابط يجمعها ومن تنكيتات نبه عليها العلماء، وهذا الذي سأحرص عليه إن شاء الله.
النبي ﷺ فصَّل في الفتن، وفي صحيح مسلم من حديث أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى -أي العصر-، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس. قال أبو زيد عمرو بن اخطب: قال: فأخبرنا ﷺ بما كان، وبما هو كائن. فأعلمنا أحفظنا.
هذا اليوم خصه النبي ﷺ للفتن، وكان اليوم غير يوم جمعة، واستخدم النبي ﷺ المنبر. فالقضايا المهمة التي تخص الأمة بكلها وكلكلها يسن للإنسان أن يصعد المنبر، وأن يخطب عليه، وبدأ الفجر حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلى الظهر فخطب حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطب حتى غربت الشمس.
قال أبو زيد عمرو بن أخطب: فأعلمنا أحفظنا، وأخبرنا ﷺ بما كان وبما هو كائن إلى قيام إلى قيام الساعة. فالجدير بالمسلمين أن يفتشوا وأن يعلموا أحاديث الفتن، وكثير من أقوال الصحابة مما لا ُيعرف بالرأي، يكون من الغيب، وهذا من الموقوف الذي له حكم الرفع للنبي ﷺ. ومنه قول الصحابة بما سيكون في أشراط الساعة.
فالصحابة كانوا يهابون أن يتقولوا على رسول اللهﷺ فهذه الخطبة الطويلة ما ضبطوا الجميع ألفاظها ضبطاً دقيقاً، فكثر كلام لصحابة في ذلك، تحذيراً للأمة بما هو كائن في المستقبل، ولكن ما كانوا ينسبونه للنبي ﷺ. فأقوالهم هذه لها حكم الرفع، بل بعض الأقوال ما حفظت الا من أقوال تلاميذ، التابعين.
كثير من أقوال التابعين ما تجدها بإسناد صحيح.. توافق الغيب فليس لك إلا أن تقول هذه مما سمعوه من الصحابة، بل بعض التابعين كان يقول: كان يُقال لنا. هذا كله من باب التثبت والحرص، ولذا عند الكلام عند الفتنة ينبغي أن نحفظ هذا المَعْلَم، وهو التثبت من صحة الأحاديث عن رسول الله. هكذا كان الصحابة.
حذيفة أجمل لنا الحادثة التي ذكرها أبو زيد عمرو بن أخطب؛ فقال كما في صحيح مسلم أيضًا، قال قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً- لعله هذا المقام أو لعله غيره. قال قام فينا رسول الله ﷺ مقام ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به. حفظه من حفظه ونسيه من نسيه.
ومن اللفتات المنهجية المهمة التي ينبغي أن تكون راسخة في عقل وقلب كل طالب علم؛ أنهم لا يتعجلون في إسقاط الحوادث على الأحاديث. ذلك أنك لا تستطيع أن تقول إن مراد النبي ﷺ بهذا الأمر هو كذا على سبيل الجزم، وإنما تقول لعله المراد، فإذا مضت مُدّة، وتلاقحت حولها أفكار العلماء، أمكن الجزم أو النفي في ذلك، وهذا يقع في شروحات الحديث.
والقصة أيضا في صحيح مسلم: لما استدعى الحجاج أسماء بنت أبي بكر- والدة عبد الله بن الزبير، زوجة الزبير بن العوام، وكانت امرأة كبيرة عمياء، أصابها العمى، فلما جاءت قالت له: لقد أخبرنا ﷺ أن في ثقيف كذابا ومُبِيرا. فأما الكذاب فقد رأيناه، ثم قالت وأما المبِير فلا أخاله إلا أنت. هذا إسقاط حديث على حدث رأته، ما جزمت. قالت: ما أخاله إلا أنت.
العلماء فيما بعد لما يقولون في ثقيف مُبِير- أي: مُهلِك- يقولون الحجاج، والذي فتح لهم هذا الباب مقولة أسماء رضي الله عنها، ولعل النبي ﷺ، وانتبه لما يذكره الفقهاء في النوازل، فيردونها للأصول، فيقولون عبارة ذكرتها في كثير من دروسي. النوازل غير محصورة، والنصوص محصورة، فيقولون كيف للمحصور أن يستوعب غير المحصور؟
يقولون: أن النص تستنبط منه قواعد وتتلمس منه المعاني، والنص لا ينزل على حادثة واحدة، وإنما يشمل أحداث كثيرة: الهرج التي أخبرنا عنها النبي ﷺ كما سيأتي معنا، ولنا وقفة معه، وهو ينطبق على أحداث كثيرة ليس على حادثة واحدة، لكن ليس لك أن تسمي إلا إذا استخدمت الطريقة الشرعية الصحيحة، والأصول العلمية الصحيحة.
وبعضهم يعمد إلى التحريف والتزوير، كما فعل صاحب هرمجدون، وهرمجدون وأباطيله الكلام فيها يحتاج إلى دورة.
الآن أعداء الله تعالى يستثمرون أحاديث الفتن في القضايا السياسية الساخنة، ونحن طلبة العلم لا نعرف قواعد العلماء، لذا الحاجة ماسة لأن نعرف قواعد علمائنا في هذا الموضوع.
النبي ﷺ كان يرى الفتن، كان متيقنا منها، وكان ﷺيراها كما نرى الأشياء، والدليل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري عن أسامة بن زيد -الحب بن الحب- رضي الله عنهما، قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة- والأطم المكان المرتفع ارتفاعا قليلًا.
فقال لأصحابه: هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا. فقال النبي ﷺ: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر، تخيل أنك على تلة، وترى أسطح الناس، والمطر نازل فبأم عينك ترى المطر يتخلل الأشياء. هكذا كان النبي ﷺ يرى الفتن.
وانتبه: النفس البشرية أيا كانت مسلمة أو كافرة، طالب علم أم عامي تقي أم فاجر، في النفس البشرية قوة استشراف، وحب استشراف للغيب.
وهذا الاستشرف يفيدك في الدنيا أن تبتعد عن الفتن، ويفيدك في الآخرة أن تعرف أحوالك من خروج روحك إلى أن تدخل الجنة أو النار.
لذا فإن الذين يخضون في الفتن بعضهم يخوض في الفتن بفتن، ويلجأ لطرق ما أنزل الله تعالى بها الرسل. يرجع إلى مراجع غير صحيحة، تنطلي عليه الأكاذيب والخرافات والترهات، يعتمد طرق استنباط غير صحيحة، بعضهم ينفخ في منامات.
وانتبه: المنام الناس فيه الناس فيه ثلاثة أصناف:
صنف ينكره، وهذا مذهب المعتزلة.
وصنف يعتمده كالنص، وهذا مذهب باطل.
ومذهب أهل السنة في المنامات تذكر، ويستأنس بها، وبعض اخواننا إن ذكر شيئا من المنامات مستأنساً بها فهذا منهج أهل السنة، ومن رد عليه بقوله: نحن لا نؤمن بالمنامات، نقول: لا هذا خطأ، هذا مذهب المعتزلة.
فالمنامات يستأنس بها ولا يعتمد عليها. مذهب أهل السنة وسط بين طرفين من أنكرها، إنكار المنامات ليس بصحيح، فإذا النبي ﷺ كان يعرف الفتن، ومعرفة النبي ﷺ بالفتن من الغيب الذي أطلعه الله عليه.
فما أخبر عنه ﷺ لا بد أن يكون، ولكن وقوعه أم عدمه يخص السنة الكونية، والواجب علينا أن ندفع الفتن عنّا، فإن وقعت فدلنا نبينا ﷺ كيف نتعامل معها، وذكر لنا أسباب النجاة منها، ولذا قال بعض أهل العلم.. ذكر هذا ابن أبي جمرة نقله عنه ابن الحاج في المدخل، وهذا ابن أبي جمرة له بهجة النفوس، وما رأيت الحافظ ترك أحداً من شراح البخاري إلا وتعقبه، إلا ابن أبي جمرة لا ذكره إلا في موطن الاستدلال، ولم يذكره في موقع التعقب، هذا عجيب من الحافظ رحمه اَللَّهَ تَعالَى؛ فابن الحاج ينقل عن ابن أبي جمرة مقولة يقول، وأنا ارددها معه.
يقول ابن أبي جمرة: وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أوتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك. وكذلك أنا أردد معه فأقول يعلمهم مقاصد الأعمال وفق النية، أنا أردد معه وأزيد: بأن يعلمهم أحاديث الفتن.
العصر الذي نعيش عصر فتن، فيا ليت في كل مجلس، وفي كل مسجد من لا همَّ له من الطلبة إلا أن يتعلم الفتن، وأن يذكرها بأصولها، وأن ينزلها في مكانها، بعد أن يتثبت من صحتها.
الفتنة في اللغة:
الفتنة في اللغة مأخوذةٌ من الفعل: فتَنْ يفتِن فتْنَاً، وتقول: فتنت الذهب بالنار، إذا أردت أن تخلص الذهب مما علق به من شوائب. فالفتنة تصقل الذهب، ولا يعرف حقيقة تدين الإنسان إلا عند الفتنة.
فالفتن تبلو الرجال وتفحصهم، وتبحثهم، والله جلَّ في علَاه سنن، والله لن يضيع دينه ولن يضيع المسلمين. فتجري في الكون أحداث، وتوظف هذه الأحداث لصالح دينه بقدرته سبحانَه وتَعالَى.
تأمل معي مثلا قول الله عز وجلَّ سورة البقرة {ولَولاَ دفْع اللّه الناس بعضَهم بِبعضٍ لَّفَسدت الأَرض} [البقرة:251]. تأمل معي بعدها قال: {لَّفَسدت الأَرض}، قال بعدها مباشرة{ولَـكن اللّه ذُو فَضْلٍ علَى الْعالَمين} وتأمل معي {ولَولاَ دفْع اللّه الناس} ما قال المشركين، فالله يدفع بين روسيا والصين من جهة وبين أمريكا، وهذا الفضل ليس لي، ولا لك.
فالفتن هي من قدر الله سبحانه وتعالى، وهذه الفتن توظف أولاً وأخيرا لصالح الشرع، وهذه الآية جاءت مفصلة في الموطن الثاني، وهذه الآية لم تذكر في القرآن إلا مرتين في البقرة وسورة الحج.
فقال الله عز وجلَّ في سورة الحج قال {ولَولاَ دفْع اللَّه الناس بعضَهم بِبعضٍ لَّهدمت صوامع وبِيع وصلَوات ومساجِد يذْكَر فيها اسم اللَّه كَثيرا ولَينصرن اللَّه من ينصره إِن اللَّه لَقَوِي عزِيز} [الحج:40].
فإذا هدمت أماكن العبادة؛ فسدت الأرض.
الآية الثانية مفسرة للآية الأولى، وفي الآية الثانية {لَولاَ دفْع اللَّه الناس بعضَهم بِبعضٍ} وانتبه هذه سنة ليست خاصة للمسلمين، هذه سنة عامة. إذا ذكر الله: الصلوات والصوامع والبيع فهذه سنة الله باقية منذ أن خلق الله عز وجلَّ في الأرض إلى قيام الساعة. فالدين دينه وهو الذي يحفظ أهله سبحانَه وتَعالَى.
فما المراد بالفتنة عند السلف؟
مراد السلف بالفتنة، دلَّت عليه تلك المحاورة العزيزة العجيبة التي جرت بين الصحابي الملهم عمر بن الخطاب، وبين الخبير والمتخصص بأحاديث الفتنة حذيفة بن اليمان رضي اَللَّهَ عنهما، وهذهالمناظر ةأخرجها البخاري بسنده إلى أبي وائل شقيق بن سلمة، ذكر أن حذيفة كان في مجلس، وكان فيه أمور فذكر لنا حوارا جميلاً، أسمعكم هذا الحوار، ثم أعلق عليه متلمسا ما معنى الفتنة.
أخرج البخاري بسنده إلى شقيق وائل بن سلمة، أن عمر بن الخطاب قال في مجلس أيكم يحفظ قول رسول الله صلَّى اَللَّه علَيه وسلَّم في الفتنة؟ في فهمي وتقديري أن عمر رأى حذيفة، فلما رآه سأل هذا السؤال، لو لم يكن حذيفة موجودا ما سأل هذا السؤال. فعمم، وهو لا يريد إلا شخص ما يريد الناس يتكلموا. أيكم يحفظ قول رسول صلَّى اَللَّه علَيه وسلَّم في الفتنة؟ فقال حذيفة أنا أحفظ كلام النبي صلَّى اَللَّه علَيه وسلَّم بحرفه.
قال عمر: هات إنك لجريء. كان الخوض في الفتن في وقت العافية جرأة، تتكلم عن أشياء ستكون هات إنك لجريءكلمة جعلت حذيفة يغير جوابه لما سمع إنك لجرئ غير الجواب، وقال حقا. فقال: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال عمر ليست هذه، أي: ما أسأل عن هذا، ولكن التي تموج موج البحر، هناك فتنة تخص الأهل، وتخص المال وتخص الجيران ومن تخالط، وهناك فتنة تموج موج البحر. فقال عمر ليست هذه ولكن التي تموج موج البحر فقال حذيفة يا أمير المؤمنين لا بأس عليك منها، وفي رواية عن مسلم مالك ولها؟ وفي البخاري: لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، من الباب؟ باب الفتن من؟ عمر،هذه حقيقة معروفة عند الصحابة، حتى الصحابة غير الفقهاء يعرفون هذا كما سيأتي بعد قليل.
قال عمر: يفتح الباب أم يكسر؟ قال: لا بل يكسر، قال عمر: ذاك أحرى ألا يغلق. إذا مات عمر انتظروا يا مسلمون الفتن، والفتن أشكال ألوان، وهذا يقودنا لمعرفة أول الفتن وآخرها.
وسنذكر ذلك بعد أن نفرغ من الكلام عن القصة، وماذا نستفيد منها؟
قلنا قال الصحابة أصحاب أبي وائل شقيق بن سلمة، علم عمر أنه الباب؟ قال: نعم كما أن دون غد الليلة، علم أنه الباب كما نعلم أن دون غد الليلة. قال حذيفة إني حدثته بحديث ليس بأغاليط ها هنا فقال أبو وائل: فهِبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقا فسأل فقال: من الباب؟ فقال حذيفة: عمر. فكان عمر هو الباب الذي يحول دون أن تكون الفتن تموج موج البحر.
أفادتنا هذه المناظرة بأشياء:
النوع الأول: فتنة تخص كل إنسان في أي زمان أو مكان، وهي فتنة الرجل في أهله وماله وجيرانه، وهذه ليست خاصة بآخر الزمان، وهذه ليست مراد عمر بالسؤال.
النوع الثاني من الفتن: وهي التي تموج موج البحر، فشبه النبي ﷺ أحاديث الفتن بغرفة، والغرفة لها باب وإذا بقي الباب مغلق، فالإغلاق محكم والفتن لا تتعدى، إلا إذا كسر الباب، والظاهر من الكلام أن الكلام كلام حذيفة، ولكن له حكم الرفع إلى النبي ﷺ.
إذن عمر لا يموت -كما يموت سائر الناس-، لكنه يقتل؛ وهذا هو كسر الباب، والفتن التي تعصف بالأمة وتموج موج البحر لا تنتهي. عمر مات أم قتل؟ ُقتِل. من الذي قتله؟ أبو لؤلؤة المجوسي.
الروافض يقيمون مشهدا، ومقاما لتعظيم أبو لؤلؤة، سبحان الله، يكرهون عمر لشدته في الحق، وكونه لا يحابي أحدا في الحق، فهم مبطلون ومتخرصون ومعتدون. لكن المعتدي لا يفهم الحق. فأقول عمر قتل فبدأت الأمور تعصف بالأمة.
فإذا الفتن نوعان، والحديث الذي نتكلم عنه الفتنة التي تموج موج البحر. هل كان الصحابة يعرفون أن عمر باب الفتنة؟ يعرفون ذلك والأدلة على ذلك كثيرة أسوق منها اثنين، وأنا ليس همي التفصيل بمقدار ما همي أن نفهم كليات، وأن نعرف ضوابط حتى ننجو بإذن الله تعالى من الفتن التي تعصف بالأمة هذه الأيام.
فالواجب علينا أن نعرف هذه الأصول الكلية.
أخرج أحمد في المسند بإسناد صحيح إلى أزرع بن قيس عن خالد بن الوليد قال: كتب إلي أمير المؤمنين حين ألقى الشام بوانيه دفنية وعسلا.
والله سبحانه أكرم أبا بكر بأن فتح الشام، وأول رمية رماها خارج الجزيرة بإذن رسول الله ﷺ بعث أسامة. فلما مات أسامة ارتد بعض الخلق، وظهرت بلابل وقلاقل، وكان شعار أبي بكر أن يبقى نظام الدولة كما كان في زمن رسول الله. فأبى إلا أن ينفذ بعث أسامة، وأسامة بن زيد فتح بلاد الشام.
تبوك من بلاد الشام؛ فلما أرسل خالد فتح بلاد الشام، ولما فتحها ألقى الشام بخيراته للمسلمين، فألقى بالعسل الذي فيه، وبالقمح والشعير بوانيه الذي فيه، فبعد ذلك جاءه أمر من عمر بأن يسير إلى الهند، قال: فأمرني أن أسير إلى الهند، قال خالد: والهند في أنفسنا يومئذ البصرة.
أمرني أن أسير الهند، لماذا سميت البصرة بالهند؟ لأن الميناء الذي في البصرة هو أقرب ميناء للهند. فلما يقال الهند عند الصحابة هذا خبر مبكر عند خالد، قال: والهند في أنفسنا البصرة.
إذا وصلت البصرة سهل أن تصل إل الهند. طبعاً العراق فتحها عمر، والشام فتحها أبو بكر، وطبيعة كل واحد منهما يناسب البلد الذي فتحه رضي الله عنهما. قال: والهند في أنفسنا يومئذ البصرة، قال خالد: وأنا كاره لذلك، ما أحب أن أتحول عن الشام. أنا كاره أن أذهب للعراق، قال: فقام رجل منا، من العسكر. خالد أمير العسكر قال فقام رجل منا؛ فقال لي يا أبا سليمان -كنية خالد -اتق الله! فإن الفتن قد ظهرت.قال: فقال خالد: وابن الخطاب حي فلا.
الفتن لا تظهر وابن الخطاب حي. إنما تكون بعده.
خالد يعرف هذا، وخالد ليس له كبير فقه وعلم، هذا أمر مستقر في نفوس الأصحاب رضي الله عنهم، قال والناس بذي بيليا، بمكان كذا وكذا.
طبعا هذا الكلام قاله خالد، وحكمه الرفع إلى النبي ﷺ اسمع ماذا يقول ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر. يقول: بذي بيليان إذا كان الناس طوائف وفرقا من غير إيمان، وكل من بعد عنك حتى لا تعرف موضعه فهو بذي بلي، حتى يكون المسلمون في مواقع متعددة ليس لهم إمام، قال والناس بذي بيليان. بمكان كذا وكذا فينظر الرجل فيتفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به، مثل ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر فلا يجد. يتفكر أين المكان الذي ما فيه فتنة، وما فيه شر ما يجد.
قال: وتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة أيام الهرج، قال فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام.
ولذا كان أبو ذر وجمع من الصحابة والتابعين يقولون عن عمر بن الخطاب: قفل الفتنة، يعني ما داوم حيّاً فإذا مات عمر فتح القتل، وهبت الفتن وماجت موج البحر.
هذا الكلام يحتاج منا لبيان، ويستدعي التفصيل، وهذا البيان نحتاج لتوظيفه إلى مقدمات، وأهم هذه المقدمات أن نعلم ماهية الفتنة.
افإذا ظهر مرضٌ على إنسان، فإن الطبيب حتى يعالجه يأخذون قطعة من المرض ثم يضعونه في المختبر ثم ينظرون طبيعة هذا المرض، وما هي مكوناته؟ نحن الآن بحاجة لأخذ قطعة من الفتنة، ونحللها ونعرف مم تتركب.
ونحن بحاجة إلى أن نعرف كيف كانت الفتنة مغلقة أمام عمر؟ وهذا دليل من أدلة القاعدة التي ذكرتها لكم. تذكرون القاعدة؟ القاعدة الرياضية تذكرونها؟
أعيدها حتى تترسخ في قلوبنا. قلت لكم:
موقع علماء أمة محمد ﷺ، من أمة محمد ﷺ، يساوي موقع أمة محمد ﷺ بين سائر الأمم.
ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قالوا، وما الهرج؟ قال: القتل.
الفتنة لها أجواء، وتعيش في بيئات، فكلما جففت السبب الذي لا يمكن أن تعيش فيه الفتنة حينئذ تكون الفتنة معدومة.
النبي قالﷺ: يتقارب الزمان، يعني ما فيه بركة، لما ترفع البركة من الأرض تظهر الفتن، والبركة في الأرض لا يمكن أن تكون بوجود الفتن.
وفي قوله: يتقارب الزمان إشارة إلى قول النبيﷺ لا تقوم الساعة أن تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كضرمة تشعل فيها النار.
كذلك فالفتنة تظل ضامرة، ما دام هناك علماء، والعلم قائم، والمراد بالعلماء: القائمون على شرع الله.
وفرق بين عالم عامل، وبين عامل عالم. العلماء اليوم إلا من رحم الله عالم عامل ولا عامل عالم؟ أغلب الناس لهم عامل عالم. ينصب نفسه عالم، وهو ليس بعالم.
ويتصدى للنوازل الكبيرة، ولما يأتي السؤال، يسأل عن الطهارة. يتكلم في قضايا الأمة ودماء الأمة لما تقع في مسألة يحتاج لطلاق أو يحتاج لطهارة، ما يعرف. لا إله إلا االله.
فوجود العلماء الربانيون في الأمة سبب من أسباب ضياع الفتنة، وبُعد الفتنة عن الأمة.
قال ﷺ: يتقارب الزمان يقبض العلم وتظهر الفتن، أي: تظهر الفتن إذا كثر الجهل، ويلقى الناس بعضهم بالشح -أي: البخل- ويمسك الناس عن الخير، فإذا كان ذلك ظهرت الفتن.
انظر لعمر، سياسة عمر العجيبة، والله يا إخوة أمر يحتاج لتدبر وتفكر، وأن يعود التفكر على التدبر والتدبر على التفكر، وأن نمكث فترة نتدبر هذه الأشياء.
أنتم طلبة علم لو نظرتم في الكتب المطولة كالمحلى والمجموع والمغني، وأردتم أن تجمعوا فقه أبي بكر وعمر، ونظرتم في فقه عبدالله بن مسعود، وفقه عبد الله بن عباس لوجدتم فقه ابن عباس وابن مسعود مذكور أكثر من فقه أبي بكر وعمر، نحتاج لنفكر وأسهل عليكم، واختصر لكم الطريق. من أعلم أصحاب رسول الله ﷺ ؟ إذا قلت ابن عباس مثلا تُجلد، لو ابن عباس موجود يجلدك. أعلم أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر.
الإمام ابن القيم ذكر حجية قول الصحابي في كتابه المبارك البديع إعلام الموقعين، وذكر ستة وأربعين دليلا على حجية قول الصحابة. ثم تعرض لمسألة قال من أفقه أصحاب رسول الله ﷺ، قال مستدلا بقول النبي ﷺ: اقتدوا بالذين بعدي أبي بكر وعمر، فإذا وقع الصحابة على
أقوال، اختلفوا على أقوال، الفريق الذي معهم أبو بكر وعمر قولهم الراجح، وسر فقه أبي بكر وعمر أن الحياة التي عاشوها ونمط الحياة في زمانهم ما تغيرت ولا تبدلت عن زمن رسول االلهﷺ .
وكان شعار أبي بكر من أول يوم ولي فيه على الأمة إنفاذ بعث أسامة، وسر هذا الشعار أني متبع، وأني أعمل مقتديا بالنبي ﷺ.
أصحاب العقل والرأي والفكر لما ينظر للحال تغير،يقول: لا. السياسة الآن اختلفت، والنبي ﷺ التحق بالرفيق الأعلى، لكن أبا بكر أثبت من أول يوم الشعار الذي كان عليه رسول الله ﷺ.
وقد واجه صعابا، ولكن العاقبة للتقوى.
فعمر كان من سياسته، أن قال للبدريين ولكبار الصحابة لمّا أرادوا أن يخرجوا من المدينة، قال: لمن تتركوني؟ تنزل نوازل، تأتي الفتوحات، والفتوحات تولدت عنها أشياء، فحبس عمر الصحابة ومنعهم أن يخرجوا من المدينة.
فالعلم محكم وباب الفتنة مغلق، فلا يوجد أيام عمر فتن، وهذا ينطبق مع قول النبي ﷺ يتقارب الزمان وقال ﷺ: يقبض العلم. في رواية للبخاري: وينقص العمل وتظهر الفتن، أي: تظهر الفتن لما ينقص العمل، ولما يكثر الجهل ولما ترفع البركة.
قال: تظهر الفتن وقال بعدها: ويكثر الهرج، يعني: القتل.
وحتى تتضح الأمور بشكل أزيد، ثبت عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال أول الفتن مقتل عثمان وآخرها ظهور الدجال، فالفتنة لها أول ولها آخر.
من وقت مقتل عثمان: ينقص العمل يكثر الجهل، وحينئذ تبدأ تعصف الفتنة بالأمة، وفي الحديث إشارة لشيء مهم جدا، أن الفتن تغزو هذه الأمة -كما نرى ونشاهد- إن كنا من أصحاب البصيرة. فالفتن أمواج، وهذه الأمواج منها الطويل ومنها القصير، ومنها موج في الصيف ومنها موج في الشتاء، وموج الصيف قصير سرعان ما يزول، وهذا أخبر عنه ﷺ في صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه. الذي وصفها بأنها كأمواج البحر وتغزو الأمة بأمواجها. فلها مد ولها جزر، ومدها يسحب بعض الناس.
أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه، قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين يدي الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ في شيء لم يُحدث به غيري، ولكن قال رسول الله ﷺ وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً، ومنهن فتن كرياح الصيف، ومنها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري. يعني الذين كانوا يجلسون في مجلس النبي ﷺ وماتوا، وتأخر بي الزمن.
والسر في كثرة حديثه في الفتن قوله: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه. متخصص في الفتن، فحق له وصدق وبر. قال: والله إني لأعلم الناسبكل فتنةهي كائنة فيما بيني وبين الساعة، ومابي
وكانوا يهابون رسول الله ﷺ أن يسألوه عن شيء من ذلك، فعند الطبراني بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عباس قال: ما سأل أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ إلا عن أربع عشرة مسألة. يقول بعض الصحابة كما في مسند الإمام أحمد قال: كنا نتلقى العربان أي: الأعراب فنخرج إليهم، ومعنا ثوب َفنُرشيه لهم نعطيهم إياه رشوة، ونلقنهم أسئلتنا ليسألوا رسول الله ﷺكانوايهابون النبي ﷺ؛ لأنهم سمعوا من رسول الله ﷺ كما في البخاري من حديث سعد، قالﷺ: أشد الناس مسألة من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته.
كانوا يخافون االله عز وجلَّ؛ فشُبّه بهذا الحديث حذيفة الفتن، وغاير بينها لتفاوت زمنها وسرعة مجيئها وذهابها -أي: انقضائها- وكذلك لتفاوتها في الشدة، وكذلك الآثار التي تحدثها.
فالفتن التي تموج موج البحر هي التي لا يكدن يذرن شيئاً، تصيب كل الناس، ومنها أمواج فتن كريح الصيف، الفتن التي تموج موج البحر تصل إلى جميع الناس، وتصيدهم كالأنعام ولا ينجوا منها إلا الموفق، إلا من كان يعرف كيف كان السلف رضوان الله عليهم ينجون من هذه الفتن.
والفتن العامة تموج وتضطرب كما يموج البحر ويضطرب، وله هيجان وكما أن الأمواج يدفع بعضها بعضًا، ولا يمكن لأحد الوقوف أمامها، ولا ينجو إلا من اعتزلها، فكذلك آخر الزمان المؤمن، ولذا العزلة لها فقه، وهي من أسباب النجاة من الفتنة.
وسيأتينا بيانها، وأن قوام العزلة أمران: الأمر الأول: العلم. والأمر الثاني: الزهد.
قال الشيخ علي القاري رحمه الله: العزلة بغير عين العلم زلة، ومن غير زاي الزهد علة. فالعزلة تحتاج إلى علم، كما تحتاج إلى زهد. بهذا نعتزل الفتن بزهد وعلم.
الفتن في آخر الزمان تكون كالظلل، وهذا أمر شاهدناه في أحداث غزة وقبلها وبعدها. أضيف لذلك الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد وغيره عن كرز بن علقمة قال قال رجل يا رسول االلهﷺ هل للإسلام المنتهى؟ فقال ﷺ: أَيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد ا بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام، قال الرجل ثم َمه؟ ثم. فقالﷺ ثم تقع الفتن كأنها الظلل ثم قال: كلا والله إن شاء الله، وقال: بلى، والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أساود صُبّا، يضرب بعضكم رقاب بعض، فخير الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب، يتقي الله ويذر الناس من شره.
الضلل: السحاب التي تحيط بالناس من كل مكان من كل جهة.
قال: والذي نفسي بيده ثم تعودون فيها أساود صُبّا، وأساود يعني: أفاعي، حيات سوداء تحرص على أن تلدغ، ولذا قال سفيان -هو شيخ أحمد- وقال كذلك محمد بن شهاب الزهري، وهو من الرواة في رواية للحميدي والبيهقي وابن عبد البر.
قال: تنصب وترتفع الحية السوداء على الملدوغ فتلدغه، فالفتن لها ظلل تنال من الخائض فيها، وهي سوداء وعمياء ومطبقة، كما وردت هذه الألقاب من كلام حذيفة، وهذه تكون مصبوبة على الناس، وأساود حيات إذا أرادت أن تنهش ارتفعت، ثم انصبت.
قال القرطبي في "التذكرة"- نقلا عن ابن دحية- عن الأساود: هو الذي يميل ويلتوي وقت النهش ليكون أنكى في اللدغ وأشد صبَّاً للسم.
هكذا الفتن؛ كالأفاعي التي تلدغ، وهذه ليست أيَّ أفعى، وإنما هي الأساود التي تلدغ وتنهش بعد أن تقوم، ولما تلدغ تميل وتلتوي حتى تفرغ سمها كله في الملدوغ. ولذا يقال الشجاع الأقرع، لماذا سمي الشجاع الأقرع؟ قال من شدة سمه، وكثرة سمه في رأسه يسقط شعر رأسه، ويصبح أقرعًا، من كثرة السم الذي في الرأس ولما يبدأ يقوم ثم يلدغ وهو يلدغ يتلوى حتى يفرغ السم كله في من؟ في المفتون.
وأثر الفتنة كأثر السم الذي ُلدغ من هذه الأساود. فموضوع الفتن موضوع خطير، والعاقل من لا يتكلم إلا بالشرع، والكلام عن الفتن بالتحاليل وبغير نص، وبغير قال الله، قال رسول الله ﷺ، هذا مدعاة لأن تكون مثل ذاك الملدوغ.
وأنا أدعوكم وأدعو نفسي أن نقرأ كثيرا أحاديث الفتن، وأن نفهم الكليات التي أخبر عنها النبي ﷺ، يكفيك أن تبدأ بقراءة الفتن من صحيح البخاري، ثم كتاب الفتن صحيح الإمام مسلم؛ حتى تتسلح وتكون عندك عدة لتفهم ماذا يجري حولك وتعرف ما هو موقفك؟
انظروا إلى قصة ثبتت عند أحمد والبزار والطبراني عن حذيفة قال: ذكِر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال: لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، فالخلاف بينكم أشد علي من فتنة الدجال، ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال، فكل الفتن صنعت من أجل فتنة الدجال.
ونبدأ الفتن بفتنة بعضنا ببعض، بفتنة الاختلاف الذي يقع بيننا على حسب أهوائنا، وليس لأحد منا نقل عن رسول الله ﷺ.
فالفتنة سلسلة آخذ بعضها ببعض، النبي ﷺ ما ترك شيئاً إلا أخبرنا عنه. أخبرنا أن الفتنة أولها وآخرها بنا، وكذلك أخبرنا ﷺ عن مكان الفتنة.
أشد أنواع الفتن على الإطلاق الفتنة العراقية، والفتنة إذا بدأت من العراق تتصدر العالم كله، والله الذي لا إله إلا هو كنت في مجلس فيه شيخنا الألباني رحمه الله فسمعته يقول قولا والله إني استعظمته، وخطر في بالي مرات وكرات، وقلبته وأقلقني وأزعجني.
سمعته يقول: ما مضت في الدنيا فتنة مثل فتنة الخليج، فمباشرة قلت: شيخنا فتنة الصحابة؟ الذي جرى بين الصحابة أمر كبير رضوان الله عليهم قال: ولا فتنة الصحابة. فزادني حيرة إلى أمري، وكل الذي يجري اليوم هو من الفتنة العراقية، هو تبعات للفتنة العراقية، ولعلنا فهمنا شيئا مما جرى في العراق ولم نفهم أشياء وأشياء.
فالفتنة العراقية فتنة شديدة، والفتنة تظهر من المشرق. فالنبي ﷺ ذكر لنا شيئا الفتنة ذكر الأول وذكر الآخر وذكر طريقة الحصول ووقت الحصول ومتى تنتشر وأنواعها وهذا عجيب. هذا عجيب جدا.
وإذا كنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً في الفتن المدلهمات: اعتزل، والعزلة لنا كلمة عنها، ليست العزلة أن تجتنب الحياة، وإنما أن تجتنب الأسباب التي تجعلك تخوض في الغيبيات، وتخوض في تحليلات تحت أثر مخدر ومنوم والناس اليوم -إلا من رحم الله- قتلى، ومن رحم الله إلا القليل صرعى معركة الإعلام.
فأصبح للإعلام يعني دور كبير في حياة الناس. فتبدأ الفتنة بالخلاف، والخلاف يشتد كما اختلف عثمان مع الصحابة رضي اَللَّهَ عنهم حتى تجرأ الخوارج على قتله.
فتنة الخوارج باقية إلى يوم الدين، وتظهر بين الحين والحين، وفي سنن ابن ماجه: تظهر حتى يدرك آخرهم الدجال. الخوارج يدركون الدجال. والنبي ﷺ، قال عن الخوارج في سنن ابن ماجه، ولفظة غريبة عجيبة جدا تحتاج لطالب العلم أن يقلبها، وأن ينظر فيها قال:كلما ظهر قرن منهم قُطع، كيف يظهر ما تعرف؟ من الذي أظهره ما تعرف؟ أعداؤنا يعرفوننا، ويعرفون موطن الفتن فينا، وقد يكونون سببا سواء في الإظهار أو في القطع. لذا لفظ الحديث: كلما ظهر قرن قال: قُطع ما قال قطعه الله.
أعداؤنا يعرفون قوتنا ويعرفون ضعفنا، ونحن لا نعرف للأسف.
كثير منا غافل، فهذه ظاهرة تخص سنة الله الكونية؛ فالفتن تحتاج منا لأن نتدبرها، وتحتاج منا لأن نتسلح بعلم شرعي صحيح فيه بيان من النبي صلَّى اَللَّه علَيه وسلَّم عما ينبغي أن نصنعه في وقت هذه الفتن. انظر المكان، وانظر إلى عبث العابثين، وإلى صنيع الدجالين.
في رواية من حديث عبدا لله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قام النبي صلَّى اَللَّه علَيه وسلَّم خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة، يشير للمشرق، ثم قال ﷺ: هنا الفتنة ثلاثا، من حيث يطلع قرن الشيطان.
وحيث الكذب الإعلام، والإعلام جزء من الكذب، ورد في حديث سعد قال النبي صلَّى اَللَّه علَيه وسلَّم في الحديث الصحيح قال: لا تقوم الساعة حتى يأكل أحدكم كما تأكل البقر، هل تعرفون كيف تأكل البقر؟ في رواية:كما تأكل البقر بألسنتها.
البقر يأكل بلسانه لا تقوم الساعة حتى يأكل الناس بالكلام يترزقون بالكلام، وهذا يشمل الذين يترزقون بالكلام، وعلى رأسهم أصحاب الإعلام.
إذا كان هذا الكلام باطلاً، وكذلك يشمل المحامين إذا لم يتقوا الله في عملهم، فالنبي ﷺ يحدثنا: أن بين يدي الساعة الهرج، وأبو موسى الأشعري يقول: قيل وما الهرج؟ قال: الكذب والقتل. قالوا: أكثر مما نقتل الآن؟ الآن يعني في فتوحات، قال: إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكنه قتل بعضكم بعضا، حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه. قالوا: سبحان الله ومعنا عقولنا؟
فقالﷺ: لا. إلا أنه ينزع عقول أهل ذاك الزمان، حتى يحسب أحدكم أنه على شيء وليس على شيء، وهذا رأيناه في كثير من البلاد في سبب الفتن التي وجدناها.
فإذاً النبي ﷺ ما تركنا هملا، والنبيُّ بيَّن لنا الفتن، وبين لنا أحوال الفتن، وبين لنا كيف تظهر الفتن، وبين لنا ﷺ سنة باقية في الفتن في حديث عجيب وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح الإمام مسلم.
أخرج مسلم في صحيحه بسنده إلى عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد فإذا عبدالله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس جلوس حوله فأتيتهم، فجلست إليه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفره فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل -من يرمي بالسهام يتدرب على الرمي-، ومنا من هو في جشره- قريب من الدواب التي معهم-، يعلفها إذ نادى منادي رسول االلهﷺ الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن قبلي، إلا كان عليه حقاً أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم...
وتأمل لما كان النبي ﷺ يخبر الصحابة عن الفتن تارة يصعد المنبر، وتارة يأمر المنادي أن ينادي بالناس الصلاة جامعة، مايغيب أحد عنها، فكانت عناية النبي ﷺ بأحاديث الفتن عناية متميزة.
قال:وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمور تنكرونها حتى تجيء الفتنة فيرقق بعضها بعضاً، حتى تجيء الفتنة ثم تنكشف، ثم يقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف ثم تجيء، فقال النبي ﷺ: فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فجاء آخر ينازعه فاضرب عنق الآخر.
قال -يعني عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة- فدنوت منه-يعني من عبد الله بن عمرو- فقلت: أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى عبدالله إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي. فقلت هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا ببيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا واالله يقول: {ولاَ تَأْكُلُواْ أَموالَكُم بينكُم بِالْباطلِ} [البقرة: 188]،.
قال: فسكت عبد الله بن عمرو. قال: فسكت هنيهة، ثم قال أطعه في طاعة الله. ثم قال: واعصه في معصية االله. حديث عجيب، حديث فيه فوائد، وفوائده جزيلة وكثيرة.
فوائده ما ذكرته آنفا من أسباب الفتنة، إذا عملنا على تجفيف أسباب الفتنة فالفتنة لا تظهر.
بدأ النبي بقوله ﷺ: إنه ما من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. ما دام هناك أقوام يقومون بالأمر والنهي، فالفتنة بعيدة. وهذا دليل من أدلة كثيرة على القاعدة التي ذكرتها لكم. موقع أمة محمد بين أمة محمد يساوي موقع أمة محمد بين سائر الأمم.
ثم ذكر قاعدة ثانية مهمة قال: وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور.. قال: تنكرونها،
(الدرس الثاني)
إن الحمد الله َنحَمُدُه ونستَعينُُه، ونستَْغِفُرُه، ونعوذ بالله من ُشُرور َأْنُفسنَا ومن َسيِّئات َأْعَمالِنَا، َمن يهِدِه الله فلا مضَّل لِه، ومن ُيضْلْل َفلا هادَِي لَُه، َ وأْشَهُد أن لا َ إله َّ إلا الله، وحده َلا َشرِيك لَُه، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُُه.
أما بعد:
فقد وصل بنا المقام إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم في صحيحه بسنده إلى عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة الصدامي، قال سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، يقول: قال ﷺ: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه، أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، الأنبياء نصحة، وواجب عليهم أن يدلوا أمتهم على الخير، وأن يحذروهم من الشر وليس النبي هو من أوحى الله إليه ولم يأمره بالتبليغ.
فهذا الحديث نص صريح بالأمر بالتبليغ، والنبيون مهمتهم -كما قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة: وبعث الله النبيين إليه داعين وبه معرفين، ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين.
هذه حقيقة، وهذه الحقيقة أتلمسها من الأدلة الشرعية، ومن الوقائع المشاهدة ومن الأحداث التاريخية على أن مهمة النبيين إن قامت في قوم أبعدوا الفتنة عن أنفسهم؛ فإن غابت جاءت الفتن تركض.
هذا حديث غريب وعجيب فيه إشارات كثيرة في آيات، ولست الآن بصدد التفصيل حتى أنهي المادة التي رسمت لنفسي خطة لأن أنهيها.
فبعد أن قرر النبي ﷺ هذه الحقيقة، وهي ليست خاصة بأمة محمد، وإنما هي عامة لجميع الأنبياء، انتقل النبي ﷺ للكلام على أمته وهذه حقيقة يسعد بها الغرباء أمثالنا هذه الأيام، يءفقال ﷺ: وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها العافية والخير في الأول، والأول هم من زكاهم النبي ﷺ، وهم الصحابة ومن بعدهم، ومن بعدهم هذه. قرون مزكاة على لسان رسول الله ﷺ، ولا يجوز لأحد أن ينتسب إلى غيرهم؛ لأن غيرهم معرض للخطأ والزلل، وهم آحاد وأفراد كبراء أئمة، والنسبة إنما تكون إلى الجهة المعصومة المزكاة من رسول الله.
ثم قال: وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، والذي ينكرها من علم نهج الصحابة والتابعين، ولذا جاء الخطاب: تنكرونها، الخطاب لمن استمع للنبي ﷺ في هذا الحديث، وقد قال النبي ﷺ قبل أن يذكره -كما ذكرنا في الدرس الماضي- أمر أن يقال: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة. فجمع الناس وقرر هذه الحقيقة العجيبة في هذا الحديث.
وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، العلماء درجوا على تقسيمات ليست حسنة، ودرج وشاع وذاع على ألسنة الناس قالوا: أشراط الساعة الصغرى وأشراط الساعة الكبرى، هذا خطأ؟؟؟!!!
ماهي أشراط الساعة الصغرى؟ قالوا أخبر عنها النبي ﷺ ووقعت. قالوا الوسطى؟ قال ما رأيناه، ما نراه. والكبرى قال ما سننتظره. الذي يستطيع أن يقول هذا التقسيم إذا أوقفنا عجلة الزمن، وابن كثير ومن ألف في أشراط الساعة من السابقين تقسيمهم على أحوالهم وزمانهم، وأما تقسيمنا فما كان عنده وسطى قد يكون عندنا صغرى، ولا يستطيع أحد أن يوقف عجلة الزمن.
فالتقسيم تقول ما أخبر عنه النبي ﷺ ووقع، وما أخبر عنه ﷺ ولم يقع، هذا تقسيم أضبط من أن تقول صغرى، ووسطى، وكبرى؛ لأن الوسطى في ذاك الزمان صغرى في هذا الزمان، والوسطى في هذا الزمان بعد مئة سنة تصبح صغرى، ولا يستطيع أحد أن يوقف عجلة الزمن.
الشاهد من إيراد هذا الحديث، وما نريد أن نصله بما توقفنا عنه في الدرس الماضي قوله ﷺ بعد أن قرر هذه الحقائق: وتجيء الفتنة فيرقق بعضها بعضاً، مامعنى هذا الكلام؟ تأتي فتن، فتنة اليوم تجعل فتنة أمس رقيقة سهلة، وفتنة غد تجعل فتنة اليوم رقيقة، وفتنة بعد غد تجعل فتنة غد رقيقة، والتي بعدها تجعل التي قبلها رقيقة، وهذا مفاده أن الفتن مع مضي الزمن تشتد، كل ما مضى زمن اشتدت الفتن، وهذه حقيقة نلمسها، ولكن أخبر عنها النبيﷺ بكلام جامع قال: حتى تأتي الفتنة؛ فيرقق بعضها بعضاً. اليوم فتن شديدة، ننتقل لفتنة بعدها تكون فتنة اليوم رقيقة، فتن يرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ينتظر أن يموت ولا يفتن في دينه.
هل يجوز أن يتمنى الإنسان الموت؟ لا، ولكن يعلق دعاءه بالموت على الصلاح إن كان صلاحه بذلك كما علمنا ربنا في دعاء مريم عليها السلام: {قَالَت يالَيتَني مت قَبلَ هذَا وكُنت نَسيا منسيا} [مريم: 23].
وكما علمنا النبي ﷺ فيما صح عنه عند أحمد وغيره كان من دعائه: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإن أردت بي وبقومي فتنة فاقبضني إليك غير مفتون.
وكان النبي ﷺ يدعو الدعاء الحسن الطيب الذي أخرجه مسلم في صحيحه: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة سببا لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر.
المؤمن شحيح بدينه، ولا يوجد عنده أغلى من دينه، ولذا المؤمن لما تأتي الفتن، يكون ثابتاً على دينه، ثابتاً على مبادئه، فهي مبادئ راسخة لا يتنازل.
قال: فيرقق بعضها بعضاً، قال: ثم تنكشف ثم تجئ فيقول المؤمن هذه مهلكتي، أي: أموت ولا أفتن، أموت ولا أُغيّر ولا أبدل. لا تتكلم بالباطل.. اسكت عن الحق لك ذلك، لكن حتى مع سكوتك عن الحق،قال: هذه مهلكتي.
انتبه معي قال: حتى تجيء الفتنة، فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، ثم تجيء؛ إذاً ما هي طبيعة الفتنة؟ ما علمناه حذيفة، وماذا قال حذيفة؟ ماذا قال لعمر؟ وإنما أسأل عن التي تموج كموج البحر، الفتن تأتي على أمواج، وبعض أمواج الفتن طويلة كالذي يحصل هذه الأيام. كان الله لأهل غزة، وكان الله لأهل السنة فوق كل أرض وتحت كل سماء.
فتن عظيمة. فقال النبي ﷺ: يقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه، هذه.. فتنة تأتي تنكشف، تأتي تنكشف.. أمواج، أمواج يا ليت حذيفة أخبرنا بما في جعبته، ولعله صنع وبقيت أقواله في بطون الكتب التي لم تنشر بعد، الكتب الخطية، وإن كان هنالك تصريح له بأنه ما وجد رجالا سماهم وقال عنهم ونعتهم بقوله: قلوبهم من ذهب، وهذا يؤكد ما أسلفته في الدرس الماضي أن من كان قلبه من ذهب، وتعلم أحاديث الفتن ما ضرته الفتنة بإذن االله.
أخرج الإمام أبو داوود في كتابه الزهد برقم 286 - بإسناد صحيح عن حذيفة رضي الله عنه، قال لوددت لو أن عندي مائة رجل قلوبهم من ذهب فأصعد على صخرة فأحدثهم حديثا لا تضرهم بعده فتنة أبداً، ثم أذهب فلا أراهم ولا يروني.
الذي في قلب حذيفة أشياء عزيزة ونفيسة ومهمة، وأهميتها تكمن في أوقاتنا ولم تكن في أوقاتهم.
نعم؛ هم حريصون على أن يتعلموا حديث النبي ﷺ؛ فهو اشتهى أن يقوم خطيباً على صخرة وبين يديه مئة من أصحاب القلوب النظيفة النقية والعقول المستقيمة، وأصحاب المنهج القويم فيحدثهم بحديث يبسطه له، فيفهمونه، ويودعونه أعماق القلوب الطاهرة، فإنه بإذن الله تعالى وتوفيقه لا تضرهم الفتنة أبداً.
فإذا الفتن أخبرنا النبي ﷺ عنها حفظها من حفظها ونسيها مَن نسيها، وهذه الفتن تأتي للأمة على شكل أمواج. هذا دائم. النبي ﷺ قال: وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، العافية في الأول: التوحيد السديد والمنهج السليم، وعدم تقديم قول على قول الله عز وجلَّ وقول رسوله ﷺ: {فَاستَمسك بِالَّذي أُوحي إِلَيك إِنَّك علَى صراط مستَقيم * وإِنَّه لَذكْر لَّك ولقَومك وسوف تُسأَلُون} [الزخرف: 44:43].
وفي حديث العرباض الطويل، قال: إنه ما يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، وكان هذا الاختلاف الكثير هو أول الداء، وقلت لكم أن الفتنة تبتدئ بالخلاف، وتنتهي بالهرج والقتل، وأول فتنة تجسدت في الخلاف مقتل عثمان، وآخر فتنة تكون في هذا الكون فتنة الدجال، وهذا الداء والمرض علاجه في قول النبي ﷺ على إثره: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي فعضوا عليها.
ما معنى: فَعضُّوا عليها، افهموا يا أيها المسلمون افهموا أن ما ثبت عن أصحابر سول الله ﷺ هو من الوحي. من أدمن على فهم أقوال السلف، ولاسيما المتعلقة بالتفسير وبالأحاديث النبوية، يتسع عنده الوحي فهما واستنباطا، وإن نطق بكلام فكلامه يبقى ثابتاً يحتاجه الناس بعد مضي مئات السنين؛ لذا أهل السنة يفرحون بتقريرات العلماء الربانيين القائمة على قال الله قال رسول الله ﷺ.
والمشتغل بهذا الباب يفسح الله له، ويكشف عن بصيرته، ويلهمه أن يتكلم بأشياء تأتي مئات السنوات يستدلون بكلامه. هذا كلام يفيد الخطباء ويفيد اخواننا الوعاظ، وأنت على المنبر اعتصم بالكتاب والسنة اعتصم حتى يبقى كلامك صحيحاً، وكيفما تقلب يبقى صالحا لكل زمان ومكان.
وبمقدار قربك من الكتاب والسنة يكون كلامك سديداً.
سنة الله في الفتن: أن بعضها يرقق بعضا، وأنها تأتي على شكل أمواج، والأمواج تأتي وتنحسر.
أما سبيل نجاة من الفتنة ففي المحاضرة الأخيرة -إن شاء الله-، وفيها سنتعرض لقول النبيّ ﷺ في هذا الحديث: فمن أحب يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، أي: نعامل الناس في وقت الفتنة بالفضل لا بالعدل.
وليأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، وسآتي بشرح هذه التتمة الأخيرة لما أتكلم عن سبيل النجاة من الفتنة. والحديث يدل على سنن الله سبحانه في الفتن، وهذه السنن باقية ولا يمكن أن تتبدل ولا يمكن أن تتغير.
عثمان رضي الله عنه سياسته كانت تخال فسياسة عمر، كان عمر قد حبس الصحابة في المدينة عثمان أطلقهم مما اضطر علي رضي الله عنه أن ينقل عاصمة الإسلام في آخر خمس سنوات من خلافته من المدينةالنبوية إلى الكوفة.
فالكوفة هي العاصمة الثانية للإسلام، وسكن الصحابة رضوان الله عليهم في الكوفة والبصرة، وكان عدد الصحابة في الكوفة 1540صحابي- كما قال العجلي في "تاريخ الثقات"، وكذلك مجموعة من الصحابة سكنوا البصرة، وذكرت لكم في دروس سابقة أن أشد الناس تدينا وزهدا كانوا أهل الكوفة، وابن رجب في "جامع العلوم والحكم" يذكر بعض الزهاد منهم، وقال: كان زهده على طريقة أهل الكوفة، وإذا سمعت أنه كان زهده على طريقة أهل الكوفة فهو زهدا شديد، فكان بين الزهاد الذين شعروا بقرب الفتن الزبير بن عدي، تابعي كوفي فشاور أصحابه ماذا نفعل مما نجد من فتنة شديدة في عصره؟ وهي من أوائل الفتن التي تخص الساسة؟ فتنة الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان الحجاج شديدًا.
الإمام الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" يترجم للزهاد والعباد، ويطول في تراجمهم، وإن جاء للظلمة والملحدين والمغيرين يجمل بكلمات قليلة ولا يطول.
فيقول الإمام الذهبي في ترجمة الحجاج: نبغضه ولا نحبه، نعاديه ولا نواليه لو أن الأمم يوم القيامة تخابثت وقال الله تعالى لأمة أخرجوا أخبث ما عندكم. قال: فأخرجنا الحجاج لغلبناهم. لن نجد أخبث منه، وكان الحسن البصري لما يعظ وهو صاحب قلب حي، كان يقول لهم اتقوا الله. فلما مات الحجاج كان يقول لهم: اتقوا الله؛ فإن عند الله حجاجين كثر.
الزبير بن عدي انتقل من الكوفة إلى البصرة، حوالي ثلاثمائة كيلو إلا قليل. رحل ومعه بعض أصحابه والقصة في صحيح البخاري في كتاب الفتن بسنده إلى الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي يليه شر منه، سمعته من نبيكم ﷺ.
وهذا من معاني قول النبي ﷺ في الحديث السابق: حتى تأتي الفتنة فيرقق بعضها بعضاً، لا يأتي عليكم زمان إلا والذي يليه شر منه، يرقق بعضها بعضًا، والمعنى واحد مع مضي الزمن تشتد الفتن، وهذه الحقيقة كانت معروفة عند الأصحاب.
وفي يوم عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل -كما عند الطبراني بإسناد جيد-يقول لزوجه زينب الثقفية: اليوم خير أم أمس؟ فقالت: لا أدري، فقال لها: لكني أدري، أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة، هذا كلام ليس من كيس ابن مسعود، وابن مسعود لا يعرفه من رأيه ومن عقله، هذا كلام علماء المصطلح، يقولون لا يؤخذ بالرأي.
هذا له حكم الرفع إلى النبي ﷺ هذا كلام لولا أنه سمع من النبي ﷺ نحوه ما قاله، وما استطاع وما تجرأ أن يقوله؛ فلذا قلنا أن الفتن من سنن الله عز وجلَّ القدرية، والواجب علينا أن نستأنس بسنة الله في قدره، بعض الناس في أوقات اشتداد الفتن.
وفي وقت الفتن تكفينا المصلحة الغالبة لا يمكن في وقت الشر، ووقت الفتن أن تأتي بالمصلحة الخالصة، أعني الخالصة من كل شر، وإنما مدار العلم في الموازنة بين المصالح والمفاسد في وقت الفتن أن تدور مع المصلحة الغالبة، وليست المصلحة الخالصة.
المصلحة الخالصة في أمور شخصية، فتطلب لها العافية.. أما في وقت الشر وفي القضايا التي تنزل بالأمة لا يمكن لعاقل أن يستخلص مصلحة خالصة من كل وجه، وإنما الفتوى تدور على المصلحة الخالصة فإن عارضتني ارجع فأعد الحسابات، وانظر إلى الجهة التي أنت خالفتني فيها ولك ذلك، إن كنت من طلبة العلم ومن أهله، وقارن بين المصالح الغالبة والمغلوبة، والحق في قولك أو قولي، وأنا أتكلم على سبيل التمثيل ولا أتكلم في مسألة معينة، وإنما هذه قاعدة ينبغي أن نفهمها فهما جيداً.
المستقبل للشرع وللدين، وفي صراع الحضارات يقولون: أن البقاء للأقوى والأصلح، ولذا من سنة الله في قدره، في المدافعة بين الناس، وسبب المدافعة بين الناس أن يحفظ الله جلَّ وعلا دينه وشرعه.
نحن لا نراهن ألا تحكم البشرية بالدين لا. كلما ابتعدت البشرية عن الله؛ احتاجت للدين، ولا بد أنها ستقبل عليه في يوم من الأيام، وذكر الله تعالى هذا في كتابه فقال: {من كَان يظُن أَن لَّن ينصره اللَّه في الدنْيا والآخرة فَلْيمدد بِسببٍ إِلَى السماء ثُم ليقْطَع فَلْينظُر هلْ يذْهبن كَيده ما يغيظ} [الحج: 15]، يا أيها الناس من كان يظن أن الله لن ينصر محمداً ﷺ في الدنيا والآخرة، والنصرة في الدنيا في حياته وبعد وفاته {من كَان يظُن أَن لَّن ينصره اللَّه في الدنْيا والآخرة فَلْيمدد بِسببٍ} أي بحبل {إِلَى السماء}أي إلى سقف البيت، وليقطع الحبل وليمت غيظا مشنوقا؛ لأن الله جلَّ وعلا لابد أن ينصر دينه كما هو معلوم.
والأدلة ثابتة في الكتاب والسنة، ولست الآن بصدد سردها حتى لا أخرج عن الموضوع الذي أريده.
لكن لا يأتي عليكم زمان إلا والذي يليه شر منه، سمعته من نبيكم ﷺ كيف نفهمه ما دام أن المستقبل للإسلام وأن الله سينصر دينه؟ يحتاج منا لوقفة، والعلماء استشكلوا هذا الحديث، ومنهم الحافظ ابن حجر، وله كلام بديع وجميل وأنصح بقراءته في شرحه في كتاب الفتن من فتح الباري.
والاستشكال في مواضع منها الدجال وعيسى عليه السلام أيهما قبل؟ الدجال أم عيسى علَيه اَلسلَام؟ من المتفق عليه عند العلماء في أشراط الساعة المهدي ثم بعد المهدي عيسى علَيه اَلسلَام ثم الدجال. المهدي، الدجال، ينزل الله عيسى عليه السلام؛ فيقتل الدجال: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي يليه شر منه، عيسى علَيه اَلسلَام بعدالدجال.الحديث المشكل، فبعضهم قال كلمة قال هذا: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي يليه شر منه خاص، مستثني لأشراط الساعة الكبرى، فخرجوا من هذا الإشكال: بأن أشراط الساعة الكبرى خرجت من عموم الحديث.
الإشكال الآخر: الحجاج بن يوسف الثقفي وعمر بن عبد العزيز أيهما قبل وأيهما بعد؟ هذه حقيقة تاريخية ما فيها نزاع. الحجاج قبل عمر بن عبد العزيز.
فـ لا يأتي عليكم زمان إلا والذي يليه شر منه مشكل.
أخرج الدينَوري أحمد بن مروان أبو بكر في كتابه المجالسة: سئل الحسن البصري عن مجيء عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج؛ فقال رحمه الله: لابد للناس من تنفيس بين الفينة والفينة.
الله ينفس عنهم بين الحين والحين. جواب معقول لكنه يحتاج لضبط، وبسبب التنفيس بين الحين والحين سننظر بعد قليل إلى رسم بياني على الشاشة، ونفهم الأمور فهما حسنا بإذن الله.
فتشنا فوجدنا أثراً لابن مسعود وهو ثابت عنه، وهذا الأثر فرحنا به، وسبب فرحنا به أعطانا ضابطًا مهمًا، ورفع به عبد الله بن مسعود الإشكال، والإشكال غيبي وهو ليس من عندياته، وإنما له حكم الرفع.
قال عبد الله بن مسعود: ليس عام إلا بعده شر منه -هذا كلام النبي في البخاري عن أنس- ثم قال لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير.
لوثة الرفض وصلت لكثير من الحزبيين، وما زالت اللوثة تتسع في الأمة. الروافض يعتقدون أن الوالي والسلطان يجب أن يكون أفضل الناس، ولما يغيب السلطان يعطلون صلاة الجماعة، وبعضهم يعطل صلاة الجمعة.
أنا أذكر اخواني ممن هم في جيلي أو أكبر مني أن الروافض لا يصلون الجمعة.
متى بدأ الروافض بصلاة الجمعة؟ لما خرج لهم الخميني من فرنسا.
الخميني بضاعة فرنسية، والبضاعة الفرنسية بضاعة من أخبث البضائع على الإطلاق.
لا ُيعرف خبث كخبث الفرنسيين، عند أهل السنة هل يلزم الإمام الأكبر أن يكون أفضل الخلق وأتقاهم؟ لا. هل يجوز عند أن يصلي المفضول بالفاضل؟ يجوز، والدليل ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر.
النبيﷺ في مرض وفاته صلى خلف أبو بكر، وأبو بكر بالنسبة لرسول الله ﷺ مفضول. أين النبي ﷺ من أبي بكر!
وكثير من الحزبيين هذه الأيام يعلقون المفاضلة بين الشعوب وبين الدول بالحكام، وهذه مفاضلة خاطئة، والدليل على خطأها تتمة كلام عبد الله بن مسعود، وبعد أن أقرأ كلام عبد الله ابن مسعود سأرجع إلى عمر بن عبد العزيز وإلى الحجاج.
قال ابن مسعود: ليس عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، لكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم فيُهدم الإسلام ويندرس.
عندما تترك الوحي، تترك قول الله قال رسول الله ﷺ، قال الصحابة وتشغل عقلك ورأيك ينهدم الإسلام، ويكثر الخلاف. وقد وصلنا لحالة من أعجب الحالات التي ما حصلت من قبل. أي مسألة كثير من الناس يسألون عنها يقولون في المسألة خلاف، يحتجون بالخلاف فيها هذا جواب؟ الجواب ما تقول فيها الخلاف؟ تقول الجواب وكذا والدليل وكذا.
أما تحتج بالخلاف في المسألة؟! فالشاهد أن معيار التقدم والتأخر ذهاب العلماء والخيار.
ارجع لعصر الحجاج، وعصر عمر بن عبد العزيز هل يوجد صحابة في عصر الحجاج؟ كثر. هل يوجد صحابة في عصر عمر بن عبد العزيز؟ لا. عصر الحجاج أحسن من عصر عمر بن عبد العزيز!
طبعاً سيتقول علي بعض الناس زوراً وبهتاناً وتكذيباً، فيقولون: أنا أقول أن الحجاج أحسن عمر بن عبد العزيز كما فعلت الرافضة، تخرج الفتن ها هنا، قال فأشار إلى نحو بيت عائشة، فالروافض قالوا أشار إلى بيت عائشة.
عائشة ما سلمت، أنا سأسلم؟! لن أسلم. أنا أقول وأعيد: أن نمط الحياة والقواعد المتبعة في عصر الحجاج في استنباط الأحكام وفي قربها مما يحب الله ويرضى أحسن من النمط الذي كان في عصر عمر بن عبد العزيز، ولذا قلت لكم تلك القاعدة التي أعيدها للمرة الرابعة، والأدلة عليها متضافرة قلت لكم أن موقع علماء أمة محمد من أمة محمد ﷺ يساوي موقع أمة محمدﷺ بين سائر الأمم.
وموقع العلماء في زمن الحجاج كبير.
لم سكت أنس؟ لأن النبي ﷺ أمره بالسكوت، وسيأتينا الأمر في التدابير الوقائية للفتنة، والتدابير الوقائية في الفتنة هو ما أمرنا النبي ﷺ به من الصبر على الأثرة، لاعتبار المصلحة العامة ولا نحصل المصلحة خالصة.
هذا منهج نبوي في وقت الفتن أن نبحث عن المصلحة العامة لا عن المصلحة الخاصة.
فإذا معيار التقدم والتأخر في الأمة.. العلماء. العلماء الذين يأخذون الشرع من خلال الوحي، ودينهم دين وحي، وليس دين رأي ودين عقل. الغالب على المسلمين اليوم دينهم دين فكر ليس دين وحي، دين رأي وفكر، ولم يبقى إلا ثلة من أهل الحق الذين ينادون بقوله سبحانَه وتَعالَى: {فَاستَمسك بِالَّذي أُوحي إِلَيك} [الزخرف: 43]، الذين يعملون على نشر الوحي.
فإذن هناك معيار ترد له الأمور، وهذا المعيار هو الذي يعرف من خلاله المحق والباطل.
فمن استسلم للنص واتسع قلبه وعقله لورود النص كما صنع أبو بكر؛ فهو على خير، وهو على حق. تخيل معي في حادثة الإسراء أبو بكر رضي الله عنه سمي بعدها بالصديق. قالوا له: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماوات السبع ورجع في نفس الليلة. فكان جوابه: أنا أصدقه بأكثر من ذلك، أنا أصدقه بالوحي، فيقول أبو جهل يقول لو جمعت لك الناس تخبرهم بهذا؟ أبو جهل أعتقد أنه هذا سيصيبه بمقتل، قال: أتخبرهم بهذا؟ هذا أمر العقل لا يحتمله لكن النبي ﷺ فصل أنه جاءه البراق، وانتقل إلى بيت المقدس بالبراق، وانتقل إلى السماوات السبع بالمعراج إلى آخر الحديث، ولست الآن بصدد الكلام عن الإسراء والمعراج، لكن المقصد أن الوحي هو الأصل، وأن العقل والقلب ينبغي أن يستسلم لما جاء في النقل، وهذا هو المعيار في وقت الفتنة المعيار العلماء والفضلاء والكبراء. أعطيكم شيئا، وهي نصيحة غالية لأخوة أحبهم وما ينبغي أن ينسوها.
في وقت الفتنة إذا أردت أن تنجو منها: اعرف العلماء الربانيين الكبار وما هو موقفهم من الفتن، ِ وامش ورائهم. إذا أردت أن تحفظ دينك، وأن تسلم من الفتن وشرها.
وإذا أردت أن تغوص في الفتنة للركب ابقى استمع للإعلام، والإعلام يوزع الأدوار حتى ما يكون للناس موقف واحد.
توزيع الأدوار فلان معه، وفلان ليس مع.. هذا مما نُص عليه في بروتوكولات حكماء صهيون، ليبقوا الناس في حيرة ويخرجوا الناس من كل يقين، ولم يبقى مع اليقين إلا أصحاب الوحي، والذين يستدلون بقال الله قال رسول الله، وما عدا عن ذلك إذا أردت أن تخوض في الإعلام، وأن تعرف الموقف من خلال سماع الأخبار عبر وسائل التواصل؛ فستزداد الفتنة بالنسبة إليك.
أنت أمام طريقين: طريق النجاة أن تعرف موقف العلماء الكبار من خلال هذه الفتن، وتسير وراءه هذا أسهل طريق، طريق سهل ميسور.
تقول هذا العالم الرباني الذي لا يقدم قول أحد على قال الله، وعلى قول رسول الله ﷺ، جرب تجد، وافحص حال العلماء وحال كلامهم، النوازل والفتن التي جرت تجد الكلام صحيحًا.
إذا نريد أن نرسم بيانا مستقى من جملة أخبار، فاجتهدت بوضع رسم بياني فننظر إليه، وأعلق عليك بتعليقات مجملة ومهمة حتى تثبت هذه الحقيقة في قلوبنا وعقولنا، فنحن لا نطمع بأن نحقق المصالح على وجه التمام والكمال، ونطمع بالمصالح الغالبة ولا نيأس ولابد لدين الله عز وجلَّ أن ينتشر.
ولما نزل قول الله: {الْيوم أَكْملْت لَكُم دينكُم وأَتْممت علَيكُم نعمتي} بكى عمر، وقال ما بعد التمام إلا النقصان بعد هذه الآية نقصان، والنقصان في أهله ليس في ذاته، فالدين تمامه في عهد النبي ﷺ ثم أخذ بانحراف يسير، نقصان والانحراف ينزل إلى عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، ولا يمكن للمتأخرين أن يكون دينهم كدين الخلفاء الراشدين الأربعة، ولا سيما الدين في عهد أبي بكر وعمر، فنمط الدين ونمط الحياة مربوط بالدين على نمط الذي كان في زمن رسول الله ﷺ.
بعد الخلفاء الراشدين الأربعة يبدأ البيان بالانحدار، ولكن هذا الانحدار لا يكون من الأعلى للأسفل على وتيرة واحدة، وإنما ينزل ثم يصعد ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل ثم يصعد، والصعود لا يصل إلى درجة الخلفاء الراشدين الأربعة، والمراد حياة الناس بالدين، وتطبيق الناس للدين، وإلا فالدين كامل في مبادئه وأصوله.
فيبقى في صعود ونزول، وسبب الصعود- قول الحسن البصري: لا بد للناس من تنفيس بين الحين والحين. حيث ينفس الله على الناس، ويؤلف القلوب ويجعل أهل الديانة في خير وعافية، وتبقى الأمور على هذا الحال.
فالصعود هو نصرة للشرع، ونحن نتكلم عن الفتن لابد أن نتكلم لكم عن نصرة الله، ومعنى النصر في كتاب الله؛ لأن الناس لا يفهمون النصر الفهم الشرعي الصحيح.
نصر الشرع، نصر الله للدين تحتاج منا إلى وقفات، ومن أهم هذه الوقفات أن تقرأ قول الله {إِلاَّ تَنصروه فَقَد نَصره اللّه إِذْ أَخرجه الَّذين كَفَرواْ ثَاني اثْنينِ إِذْ همافي الْغَارِ إِذْ يقُولُ لصاحبِه لاَ تَحزن إِن اللّه معنا} [التوبة: 40] الآية عجيبة.. هم في الغار منصورون؟ نعم في الغار منصورون. نصره الله. كيف يكون من في الغار منصورا؟ قال أهل العلم: من ترسم أسباب النصر في بداياته فهو منصور. من ثبت على الحق فهو منصور.
هذه الآية نزلت والنبي ﷺ خارج من مكة إلى المدينة، فالمشي للمدينة وتمكين الله للمؤمنين في المدينة، وقيام دولة الإسلام في المدينة.
(الدرس الثالث)
إن الحمد الله َنحَمُدُه ونستَعينُُه، ونستَْغِفُرُه، ونعوذ بالله من ُشُرور َأْنُفسنَا ومن َسيِّئات َأْعَمالِنَا، َمن يهِدِه الله فلا مضَّل لِه، ومن ُيضْلْل َفلا هادَِي لَُه، َ وأْشَهُد أن لا َ إله َّ إلا الله، وحده َلا َشرِيك لَُه، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُُه.
أمابعد:
النبيﷺ كان حريصاً علىأ مته ودعى لها، واستجاب الله تعالى له في أمور دون أمور، وما يخص الفتن دعى النبي ﷺ بأشياء لم يستجبها الله له، وهذا يدل على ترسم استشراف الغيب عند المسلم، ولا سيما كما قلت أحاديث الفتن. فهو رابط الجأش شديد التعلق بالله.. يعلم أن الفتن ستأتي آخر الزمان على شكل أمواج، وهذه الأمواج بعضها عات شديد، وهذه الأمواج لها قوة ضاغطة وتحتاج إلى قوة تنبع من داخل الإنسان تكون بقوة القوة الضاغطة فإذا كانت القوة الضاغطة أشد من يقينه وعلمه وتقواه وتألهه، وقربه من ربه ينقطع فتبحثه أو تبطحه.
الفتنة -كما ورد عن حذيفة فيما سأذكر بعد قليل- من بين الأدعية التي دعاها النبي ﷺ شيء يخصنا ويهمنا لأنه متعلق بأمة محمد المبثوثة في أرجاء الدنيا، وقد وقع مرات سابقا، وسيقع مرات ومرات ومرات لاحقا، وما يجري هذه الأيام هو جزء من مما أخبر عنه نبينا ﷺ، وقلت لكم: كما أن الفقه لا تأخذ مسألة من دليل، وإنما الدليل الواحد تستطيع أن تفرع عليه مسائل كثيرة، وكذلك أحاديث الفتنة.
أخرج مسلم حديثين في الصحيح أحدهما عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، والآخر عن سعد بن أبي وقاص فيما يخص هذه ُ السنَّة الباقية هذه الأمة، ولفظ مسلم رفعه للنبي ﷺ قال: إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها.
الإسلام سينتشر في الدنيا كلها، والجهاد في شرع الله تحطيم الحواجز التي تحول دون نشر الإسلام.
فإذا لم توجد هذه الحواجز -احفظ وردد- الإسلام يكسب ويفوز بالسلم أكثر من فوزه بالحرب.
اليوم لو عددت المسلمين أكبر تجمع في الدنيا كلها للمسلمين إخواننا في إندونيسيا، وإندونيسيا في دخول الإسلام ما سالت قطرة دم، وفتحت إندونيسيا بأخلاق المسلمين من التجار.
خلق المسلم وسمته سلاح فعال قوي في نشر الإسلام، إذا اردت أن ينفع الله بك وأرجو الله أن ينفع بي وبكم، فليكن قولك وعملك سواء، وليكن ظاهرك وباطنك سواء، فإن الله ينفع بك ولا محالة.
هذا إن كان قولك وفعلك وظاهرك وباطنك واحد، ثم قال النبيُّ ﷺ: وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، ثم قال، وهذا هو الشاهد من ايراد الحديث: وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي سبحانَه وتَعالَى قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال: بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضاً.
هذا الحديث فيه بشارة لأمة محمد ﷺ ألا يهلك بسنة عامة، وألا تجتمع عليهم الأمم فيعملون على إهلاكهم، وذهاب بيضتهم لكن هل الكفار يمكن أن ينفردوا ببعض البلدان دون بعض وأن يفنوهم وأن يقتلوهم؟ قطعا هذا ليس داخلا في الحديث.
يمكن للكفار أن يجتمعوا على بلد، وهذا موجود تاريخ الإسلام والتاريخ المعاصر دليل على هذا، وأكثر ما تحمل المسلمون في التاريخ المعاصر تحملوا في مكان لا نعرف عنه شيئا كثيرا للأسف.
دول البلقان أكثر المسلمين فتنة في دينهم في هذا العصر، وبدأ الاحتكاك بالدولة العثمانية هذه الدول، ونزعت منها بمعاهدات أبرمت، ولست الآن في صدد التفصيل في هذا الباب وكان الأذى للمسلمين في دور البلقان شديدًا إلى السبعينيات من القرن العشرين، ما حصل في كسوفو، وما حصل مع جيرانهم فدخلوا عليهم وقتلوهم، أبادوهم، وهذا أمر معروف.
لما كنا في البوسنة ذهبنا لمقبرة؛ فسمعت صياحاً من الأخوة بالدعاء عليهم، قلت: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الذين جاءوا فقتلهم الثوار، قتلوا عددا قليلاً، فدفنوا في هذه المقبرة على حدود البوسنة والهرسك.
الشاهد أن الله أعطى هذه الأمة ضماناً ألا يهلكوا بسنة عامة، لكن سنة خاصة بعض الأقطار ممكن. الحديث الثاني أوضح في الدلالة على ما أريد، وهو أيضا عند مسلم أخرجه، وكعادة مسلم يبدأ بالمجملات ثم يأتي بالتفصيل؛ فأخرجه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية من شمال المدينة، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين يقول سعد، وصلينا معه ﷺ، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا؛ فقال ﷺ: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. قال: سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها.
السنة العامة يهلك المسلمون جميعاً مرة واحدة، ودفعة واحدة، هذا أمر غير ممكن، وهذا ضمان من الله عز وجلَّ لنبيه ﷺ، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم شديدا فمنعنيها. بأس المسلمين فيما بينهم، وهذا يوافق الحديث الأول، أن يفني بعضهم بعضا، وأن يسبي بعضهم بعضاً، والذي شرع السبي والقتل هم الخوارج، والخوارج أول فتنة في الإسلام.
قد يعترض بعض الاخوة.. أنت أخبرتنا أن معاذ يقول أول فتنة مقتل عثمان، مقتل عثمان سببها لخوارج، ثم بعد مقتل عثمان هذه الفتنة تمكنت-وليكلمة صغيرة بعد قليل- وسأذكر أشياء يسيرة عن الخوارج؛ وما أخبرنا عنه من نبينا ﷺ عن الخوارج، لأن التوسع فيه يحتاج إلى دورة خاصة.
الكلام على الخوارج طويل وكثير لكن سأذكر، وأتحول بعد قليل وبعد بيان ما أريد.
النبي ﷺ كلامه وحي، وكلام الوحي لا يتناقض، وهو حجة في جميع صوره. فهو حجة بمنطوقه وحجة بلازمه وحجة بمفهومه. تأمل معي جيداً، وأنا ما سأقوله لكم الآن هو من عندي ولم أقرأه في كتاب، ولكني أراه صوابا، وأراه مهما: سألت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم شديدا فمنعنيها.
احفظ هذا، واحفظ حديث: خمس أن تدركوهن وأعوذ با أن تدركوهن، وذكر الخامسة ﷺ؛ فقال في حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجه والبيهقي في الشعب، والحديث صحيح قال: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ إلا كان بأسهم بينهم شديداً.
وأسألك الآن سؤالاً، والجواب الآن يظهر عندك، وهو هل كان النبي ﷺ يعلم بالوحي أن هذه الأمة سيحكمها أقوام بغير كتاب الله؟
الجواب: قطعاً نعم؛ لأن النبي ﷺ، قال: وسألت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم شديدا فمنعنيها، وسبب البأس الشديد بين أفراد الأمة أن يحكموا من غير الكتاب والسنة، وفي هذه الدلالة الإشارية بيان فساد مذهب الخوارج، وإطلاق الكفر على الحكام، والخوارج أول ما يبدؤون بالحكام وينتهون أخيرا بالشرطي وينتهون بـ... لذا تعجب وعقلك يقف لا تستطيع أن تفهم، وأن تفكر.
لما قال من قال لابد الدم الأردني والدم الفلسطيني يشتبك.. قال كيف الدم الأردني والفلسطيني يشتبك؟ قال: لا بد أن نقتل الجنود الأردنيين حتى نحرر غزة! هذا مذهب من؟ هذا مذهب الخوارج. هذا الكلام كلام الخوارج، كيف؟! الجندي كافر والموظف كافر، كيف تستحلون دماء الناس؟ والحرب قائمة بين اليهود والمسلمين، والمسلمون الأصل فيهم أن يكونوا ردءا وردفاً للمسلمين. وبالتالي إخواني النبي ﷺ أخبرنا أن أمتنا بخير.
بمعنى أنه ضمان لهذه الأمة من أن لا تفنى بسنة عامة، ولكن الأمواج تعتريها وهذه الأمواج تحتاج إلى وكلاء لها حتى يقومون ويعملون على نشر الفتن بين الأمة، ووكلاء الفتنة أخبرنا عنهم حذيفة، وإخبار حذيفة له حكم الرفع للنبي ﷺ لكن الذي أريد أن أؤكده الآن، وأربطه بما وصلنا إليه في الدرس الماضي أن أحوال الأمة بدأت على خير حتى أنزل الله عز وجل {الْيوم أَكْملْت لَكُم دينكُم}.
اليهود لما سمعوها قالوا لو هذه نزلت علينا لجعلناها عيداً، وكانت قد نزلت في العاشر من ذي الحجة ولما سمعها عمر بكى، وقال: ما بعد التمام إلا النقصان وبقي الدين قائماً على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، واجتمعت مكامن القوة في الأمة.
الخلافة والجند، وإن جاز لنا أن نتكلم رجال الدولة والساسة والعلماء، ومساعدوهم من الخطباء والوعاظ والقصاص، وفيه قصص صحيح ليس كل من قصَّ أساء، والتمييز بينهما لإخواننا الدعاة من الأمور المهمات، ولست الآن بصدد هذا.
كانت الأمة مجتمعة، لما كان قائما على الأمة الخلفاء الراشدين الأربعة ثم فيما بعد انفك العلم عن الساسة وبقي الدين قائما، والذي تولى أمر الدين العلماء والولاة والسلاطين زمن الأمويين، والعباسيين فما بعدهم، نالوا من الشهوات والملذات ما لا يعرفه أحد اليوم، ولا يخطر في بال أحد.
وبقي الدين قائماً وأمر الناس -كما قال أبو بكر الوراق- كما أسند عنه أبو نعيم في الحلية، قال: الناس الثلاثة أمراء وعلماء وفقراء. الأغنياء آنذاك قليل. أمراء وعلماء وفقراء. قال: إذا فسد الأمراء فسدت المعيشة، وإذا فسد العلماء فسد الدين، وإذا فسد الفقراء فسدت الأخلاق.
وكان سفيان الثوري يقول وبعضنا يردده حديثاً للنبي ﷺ وهو ليس بحديث، إنما هو صحيح عن سفيان الثوري، قال: صنفان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء.
قانون المدافعة. تأمل معي الآية وقد ذكر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير كلاما بديعا يستحق أن يرجع إليه في سر ذكر الله تعالى: {ولَولاَ دفْع اللّه الناس} لم يقل ولولا دفع الله المسلمين.
المسلمون قد ينصرهم في صراع عالمي بين دول كبرى، فتكون النتيجة في فائدة للإسلام والمسلمين كما وجدنا وشاهدنا في روسيا وحربها مع أوكرانيا في صلاة العيد والمجمعات الضخمة الكبيرة في روسيا، والإذن بترجمة وتوزيع مصحف مترجم إلى اللغة الروسية إلى آخره. وهذا أمر لا ينكر، لا يمكن أن ينازع فيه.
وبالتالي الذي أريد أن أقوله بهذه الضميمة، وبهذه المناسبة لا تخش على دين الله.
الدين دين الله، لكن تفقد منهجك وتفقد عملك هل أنت متقيد بتقريرات العلماء الربانيين أم لا؟
لا نخشى على ديننا، الدين ليس لنا، الدين دين الله عز وجلَّ المهم أن نبقى على الطريق، وكان شيخنا الألباني رحمه اَللَّهَ تَعالَى يقول: إن بقينا في الطريق، وكان مشينا مشي السلحفاة؛ فمن كان على الطريق يصل، وإن تعجلنا وركبنا الطائرات، وأقلعنا وصار الاتجاه في غير اتجاه الهدف لم نصل، سنبتعد ولذا الواجب أن نتفقد أنفسنا في طريقنا إلى الله سبحانَه وتَعالَى.
أعود فأقول: الفتنة أمر معقول، وتتجسد في الأمة بجهود، والفتنة تحتاج إلى جهود ولها بيئة، ولها مادة وبيئتها -كما أخبرنا النبي ﷺ في الصحيحين- أن يتقارب الزمان، وترفع البركة، وأن يظهر الجهل وأن ينقص العمل الصالح، ولذا ثبت في البخاري من حديث أم سلمة لما رأى النبي ﷺ الفتن تنزل من السماء فقال ﷺ: من يوقظ الصويحبات حتى يصلين؟ من يوقظ أزواجي؟ ثم قال: لا إله إلا الله، ماذا نزل اليوم من الخزائن؟ ماذا نزل اليوم من الفتن؟ ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج، وحلَّق ﷺ بين أصبعيه.
فلما أطلعه الله على نزول الفتن قال: من يوقظ الصويحبات يعني: النساء -كي يصلين.
صلاة قيام الليل من أسباب درء الفتنة؛ لذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: بادروا بالأعمال الصالحة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض الدنيا، وقال ﷺ في صحيح مسلم: العبادة في الهرج كهجرة إِليَّ، الذي يعبد الله في الفتنة، كأنه يهاجر مع رسول الله ﷺ.
فالفتنة لها بيئة ولها مناخ، والفتنة لها مادة.. ومادة الفتنة أمران: الشبهة والشهوة، والأشد أن يقع تزاوج بين هذين الأمرين ويقع تناكح، فإذا وقع تناكح بين قطبي الشر، والشر كله مرده إلى أمرين، والخير كله مرده إلى أمرين.
والخير كله في العلم النافع والعمل الصالح. فالعلم دون عمل لا ينفع، والعمل دون علم لا ينفع.
أرأيتم هذه، عملة أردنية فئة الخمسين دينار، وهذه فئة الخمسين دينار لها وجهان لا تمشي هذه العملة، بوجه لو أردت تشتري بهذه العملة شيئاً، فذهبت لتشتري وجه سليم ووجه ممسوح ما تمشي.
فالعبد لا يقبل عند الله ولا يكون على هداية إلا بالأمرين العلم والعمل. والشر، وهو مادة الفتنة الشهوة والشبهة، وهما المرض في القرآن فأينما قرأت كلمة مرض في القرآن فيراد بها إما شهوة {يا نساء النبِي لَستُن كَأَحد من النساء إِنِ اتَّقَيتُن فَلا تَخْضَعن بِالْقَولِ فَيطْمع الَّذي في قَلْبِه مرض} [الأحزاب: 32]، ما المراد هنا بالمرض؟ الشهوة، وكذلك قول الله تعالى عن المنافقين {في قُلُوبِهِم مرض} [البقرة: 10]، وقول الله: {في قُلُوبِهِم مرض} أي: الشبهة.
فمادة الفتنة: شهوة وشبهة. ولذا انتشار الإلحاد ولا يمكن أن ينتشر الإلحاد كما يريد اليهود الذين خططوا له، ولا يمكن أن ينتشر الشذوذ الجنسي والمثلية وما شابه إلا مع موجة إلحاد.
فالشهوة مثل العمود الذي يدق للشبهة؛ حتى تبقى الشبهة مكينة عالقة في القلوب والنفوس والعقول.
فالفتن تحتاج إلى من يثورها، والفتنة مثل البضاعة الوافدة تحتاج لوكيل. ووكلاء الفتنة- أو وكلت الفتنة بثلاثة، والمراد بثلاثة ليست ثلاثة أشخاص، وإنما ثلاثة أنواع من الناس، ولا يمكن أن تقع الفتنة وتنتشر إلا بهذه بهؤلاء الوكلاء الثلاثة مجتمعين.
بإلحاد النحرير فالحاد النحرير هو العنصر الأهم في وكلاء الفتنة الثلاثة، وهو الذي يعمل على تثوير المسلمين في حملهم على قتال بعضهم بعضا، وقد يتذرع بالديانة والحكم بالشرع والحكم بالدين وضرورة الخروج على أولياء الأمور، ويبدأ يسلك مسلك الذي أخبرنا عنه النبي ﷺ عن الخوارج.
وبالخطيب الذي يدعو إليها، لا يلزم الخطيب أن يكون شخص.. وسائل الاعلام، وسائل التواصل، وما أكثر الخطباء وما أعجب التزويق، ولا سيمافي وسائل التواصل لم اترى الصورة وتسمع الخبر، وتجعل الجماد يكاد ينطق.
وبالشريف -هذا لفظ ابن أبي شيبة- وفي لفظ أبي نعيم وغيره وبسيد ويشمل ذلك العالم، أو الإنسان له مكانة مرموقة معروف عند الناس في المجتمع من الأسماء اللامعة،و قديكون معروفاً بشيء من العلم وبالأمانة، وقد يكون له أثر في الناس.
هؤلاء أصناف ثلاثة لا يمكن للفتنة أن تقوم في الأمة، وأن تنتشر إلا بهذه الأصناف الثلاثة.
الفتن لا تحتاج إلى حد، الفتن إن أقبلت تحتاج إلى عقلاء،تحتاج إلى أناس يفهمون الفتنة، ويعملون على تجفيفها من مواردها ومن أصولها، ولا تحتاج لصراع.
داعية في السعودية كان يحوم حول الخروج، وهو الآن مسجون فَرج الله عنه خارجي وتقول فرّج الله عنه؟ أي: والله أنا أقول للكافر: الله يهديه. فالدعاء ليس فيه حرج.
فالخلاصة هذا يحوم حول الفتن، وكان له درس بين المغرب والعشاء يحضره قرابة خمسين أخ بعد العشاء، سؤال وجواب، وأغلبها أسئلة في السياسة وكلام في السياسة كان يحضر أكثر من خمسة آلاف شخص، فقالوا للشيخ ابن عثيمين -انظروا إلى طريقة العلماء في معالجة الفتن- الشيخ ابن عثيمين مشى من بريدة بالقصيم إلى جدة، ودخل في وقت العشاء فلما رأى الشيخ ابن عثيمين جالس ليس له إلا أن يقدمه فبدل السؤال والجواب صار سؤال للشيخ العثيمين، فوقف الشيخ ابن عثيمين وراء الميكرفون، وحمد الله عز وجلَّ، وقال: يا فلان قم إني سائلك هل تكفر الحكام؟ تكفر الناس؟ فألجمه، واضطر من هذا أن يتبرأ منه، فذكره بخير وذم الخروج بأنواعه وأشكاله، وأنهى المجلس.
فأقام عليه الحجة أمام تلاميذه بطريقة لبقة. فالحاد النحرير لا يحتاج إلى شدة، والأقوام الذين يؤمنون بالخروج لا يحتاجون إلى شدة، يحتاجون إلى فهم، وإلى عقل وإلى تدبير وإلى دليل، وهكذا صنع عبدالله بن عباس مع الخوارج ناقشهم، ولما ناقشهم -وابن عباس ما أدراك من عباس- رجع أربعين ألفا بعد المناقشة، رجع عدد كبير وجمع غفير.
الشاهد أن الحدة في النحرير لا يجوز في وقت الفتن أن يتعجل المتعجلون، والواجب عليهم أن يتماسك الإنسان وأن يتأنى، وقد قالوا قديما من تأنى نال ما تمنى ولذا في صحيح مسلم حديث جميل، وبهذه المناسبة أذكره وهو حوار بين المستورد بن شداد، وبين عمرو بن العاص فأخرج مسلم قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، هذا مربوط بالحديث السابق، أن هذه الأمة تفنى بأن يعتدي بعضهم على بعض، وأن يسبي بعضهم بعضًا، ويكون القتال بينهم شديداً، فسمع عمرو بن العاص المستورد يرفع إلى النبي ﷺ قوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس.
الروم من نسل روم بن نوح عليه السلام، يعني الجنس الأوروبي الآن، فقال له عمرو: أبصر ما تقول فقال المستورد: أقول ما قال رسول الله ﷺ، قال لئن قلت ذلك أن فيهم لخصالاً أربعًا. في الروم، وذكر عمرو بن العاص خصال أربعة في الروم، وهي محمودة؛ فقال: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف.ثم قال: وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك. أمنع الناس من ظلم الملوك.
هذه الخصال الخمسة التي مدح فيها عمرو بن العاص الروم، وشاهدي من إيراد هذا الحديث قوله: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. ففي وقت الفتنة تحتاج إلى ِحلم ولا تحتاج إلى سواه.
الفتنة إخواني -كما قلت- لها قوة ضاغطة، والقوة الضاغطة تحتاج لاستعداد نفسي وإلى تنفير النفس بأن يقاوم الشبهات بالعلم، والشهوات بالذكر والعبادة والطاعة.
وإذا جاءت الفتنة والإنسان لا يجمع قواه، ولا يحفز نفسه على مقاومة الفتنة؛ ينخرط فيها وهو لا يشعر، ولذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: القابض على دينه كالقابض على جمر، هذه جمرة فأحمله اهكذا تبقى مشتعلة وتؤذيني، وإيذاؤها شديد لي لكن إن قبضت عليها أطفئها، أتأذى في البداية واطفئوها في النهاية. فسبب ترك كثير من الناس لكثير من الواجبات الشرعية والسنن إنما هي أعراف وعادات فاسدة وخزعبلات عند الناس، وأشياء ليس لها وزن. قال إيش يقولوا عني الناس أني التحيتُ مثلا، أو لبست دشداشة مثلا، أشياء ليس لها وزن، أشياء وهمية أكثر منها واقع، والنبي ﷺ يقول: القابض على دينه كالقابض على جمر.
ففي وقت الفتنة اقبض على دينك، ولا يستطيع العبد أن يقاوم الفتنة إلا إن حفز نفسه، وأوجد الاستعداد القوي عنده، ويقبض على دينه بإذن الله تعالى تمر هذه الموجات العاتية والشديدة، ولا يتأذى فيها.
لكن.. انتبه أعجبتني نصيحة لبعض علماء المتأخرين من الدمشقيين، كان يقول لتلاميذه عبارة حسنة، وهي: ليكن أحدكم كالحوارة، ولا يكن كالشجرة التي هي خشب. قال: فالحوارة إذا جاء الإعصار مالت باستقامة، والخشب الواقف تقطعه. فليكن أحدكم كالحوارة- يعني الشرع أوجد رخصا، وأوجد سعة حتى قال العلماء: لو أن الأرض والسماء أطبقت بعضهما على بعض بحرام فإن طالب العلم يأخذ نصيبه من هذا الإطباق بالحلال؛ لأنه يأخذ المقدار الذي فيه الحاجة والضرورة.
فالشاهد: ينبغي للإنسان في وقت الفتنة أن يتعامل معها بطريقة سديدة صحيحة سليمة، ولا يعرف ذلك إلا العلماء، فهم الذين يعرفون الأشياء.
وأنت إن أخطأ العالم، واتبعته في مسائل لا تستطيع باجتهادك أن تقف على حقيقتها أنت معذور، أما وأنت لست من أهل الاجتهاد فاجتهدت فكونت رأياً فأصبت فأنت موزور.
أنت لست من أصحاب الرأي؛ فكيف والرأي الذي يسمع من ها هنا وهناك، رأي ما أنزل الله تعالى به من سلطان، ورأيك في بعض الأحايين يخالف قطعيات الدين، ولماذا يخالف قطعيات الدين؟ لأنه رأي بأشياء متوهمة بأسباب وتحليلات ليست نصية.
فلا يجوز للمسلم أن يترك النص الصحيح الصريح في وجوب موالاة المؤمنين، ثم أن يعطل وأن يجعل هذه الموالاة منسوخة باحتمالات سياسية وعقلية، وقد تكون وقد لا تكون، وإن كانت قد تكون سديدة وقد لا تكون سديدة. فالأصل في المؤمن أن يدور مع النص، والدوران مع النص إنما هو للعلماء، وليس لغيرهم كما هو معروف معهود.
أصحاب الفتن في هذه الأيام لا يستطيعوا أن ينفكوا عن الشرع، فبعضهم يروج فتنه باسم الشرع، وهذا أمر معروف حتى آخر فتنة مرت بالأمة، وأرجو الله جلَّ في علَاه أن يقلعها من شأفتها، وألا يبقي لها أثرًا في الأمة، مركز تكوين وهذا سمعت به من قريب، مركز تكوين الذي يدعو إلى الإلحاد، فبدأوا بالرمية الأولى، بدأوا بالتشكيك بالسيرة.
قواعد السيرة ليست كقواعد الحديث، وسيرة ابن هشام ليست كصحيح البخاري، فرأوا أن يبلع الناس السم دفعة، دفعة. فأول شيء بدأوا فيه قالوا سيرة ابن هشام، وبدأوا يشككون في سيرة ابن هشام، ما هو سر التشكيك في سيرة ابن هشام؟ قالوا: سيرة ابن هشام أصلاً لا يوجد لها إلا نسختين في العالم، القائل أين يعيش؟ قائل هذا يعيش في مصر، قال: فقط يوجد نسخة في النمسا، ونسخة في بلد آخر أوروبي، ولا يوجد نسختين.. فبدأ التشكيك.
يوجد في دار الكتب المصرية 22 نسخة من سيرة ابن هشام مخطوطة، والفهرس الذي قام عليه المجمع الملكي الأردني، وهذه مفخرة لكل أردني من الباحثين في علم المخطوطات، أصدروا فهارس بديعة للغاية وكان قائما عليها أستاذنا الدكتور الإمام الجليل الكبير الشيخ ناصر الدين الأسد.
ناصر الدين الأسد قامة شامخة في العلم، أصدروا فهرس لمخطوطات السيرة والمدائح النبوية، وطبع في مجلدين. وقبل المحاضرة فتشت عن سيرة ابن هشام في هذا الفهرس فوجدت في هذا الفهرس 147 نسخة خطية لسيرة ابن هشام، وهكذا يروجون باطلهم بسبب جهل المسلمين.
لو أن المسلمين يعلمون الحق وهم طلبة علم، ويبحثون كل مسألة بقواعد العلمي لتبخرت الشبه وتبخرت الفتن، وابتعد الناس عن الفتن، وهذا ليس بغريب.
أنا قمت بجولة طويلة في كتاب العراق مع صاحب هرمجدون، وذكر مخطوطات وأنا العبد الضعيف لدي عناية بالمخطوطات، وأعرف المخطوطات ودور الكتب الخطية، ولي صلة بالمخطوطات. فوالله الذي لا إله إلا هو قلت له: أتحداك، المخطوطات التي ذكرتها في هرمجدون كلها لا وجود لها إلا في رأسك.
يكذبون اسمع.. اسمع والله ما أدري أقول نضحك أم نبكي، والله ما أدري. في هرمجدون، أسماء المخطوطات أريد أقول لكم أسماء المخطوطات وأسماء أصحاب بعضهم يقول مثلاً في الصفحة 242 يقول: نقل من نسخة خطية سماها آخر: الكرة الأرضية من جهة الشمال في آخر زمان الرب!
هذا مخطوط والله الذي لا إله إلا هو، ليس له وجود إلا في رأسه، وهذا الاسم لما أنت تسمعه، وتعرف طبائع الشعوب آخر الكرة الأرضية من جهة الشمال في آخر زمان الرب.. تقول هذا مصري كذاب -مع حبي واحترامي، وأنا أحب جداً إخواننا المصريين- هذا الكلام كلام مصري، طيب خذ مخطوط آخر قال أين موجود؟ قال مخطوط موجود في كتب خانة. أين كتب خانة؟ كتب خانة كلمة تركية، وخانة مكتبة، المكتبة التي فيها كتب، يعني عزى قال كتب خانة شو كتب خانة؟ وأين هذه الكتب خانة؟ ما هو رقم المخطوط؟
هكذا يصنعون. قال مخطوط آخر قال في الفاتيكان سماه: خير البرية آخر زمن البشرية لخير الدين بن علاء الحنين المدني، وهذا غير موجود إلا في رأس صاحبه، وقال في مخطوط آخر سلم وحرب في آخر زمن الرب. سمى مخطوطات كثيرة كلها كذب.
الشاهد من إيرادي لكل هذا الكلام: ان الفتنة تعلق بالقلب وتعلق بالعقل، ويجب على العبد أن يحصن مداخل الفتنة القادمة إليه، والواجب عليه أن يعمل على أن يغزوها، ولا ينتظر أن تغزوه. الإنسان الموفق في موضوع الفتن نبحث المسائل مسألة مسألة، وطبيعة الفتنة إن لم نعمل على غزوها تغزونا، ولذا النبي ﷺ أول الغزاة للفتنة والنبي ﷺ أخبر أمته، وخص مجالس كثيرة وقلت لكم: خص يوما كاملاً من بعد الفجر إلى غروب الشمس وهو يقص على أمته الفتن، وقال الصحابي في آخر الحديث: اعلمنا احفظنا، وما ترك النبيﷺ- كما قال حذيفة في صحيح مسلم- ما ترك رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة إلا أخبر به.
ذكرت لكم قصة أبي وائل شقيق بن سلمة عن عمر، وذكرت الباب، روى نفس القصة الإمام مسلم لكن عن تابعي آخر، والقصة هي هي، ولكن فيها نص نبوي ما ذكرناه سابقا، وهو مكمل لما جرى، ويا ريت هذه القصة بعض الطلبة النبلاء، وأصحاب الهمة يبحثونها بتفصيل ونستطيع نصل، وأنا أسأل نفسي بعد وجود الكتب الكثيرة الآن هل يمكن أن نستطيع أن نجد مجلسًا تامًا بكماله مجمعا من طرق التخريج؟ مثل ما حصل بين حذيفة وبين عمر بن الخطاب رضي اَللَّهَ تَعالَى عنهما هل يمكن أن نصل لهذا؟ هذا مثلاً متمم لذاك المجلس.
أخرج مسلم من طريق ربعي بن حراش، ليس من طريق أبي وائل، قال: من طريق ربعي بن حراش عن حذيفة، قال: كنا عند عمر فقال أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم نحن سمعناه، الذي قال حذيفة -كما بَيَّنَّا- فقال لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن هنا أسقط كلمة الأهل والمال، ولذا الحديث يعرف من خلال جمع الطرق. الحديث لا تفهمه إلا إذا جمعت طرقه؛ لذا التخريج مهم جدا.
جمع طرق الحديث قال ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة فأسكت القوم. فقلت أنا. قال أنت؟ الله أبوك. قال حذيفة سمعت رسول الله ﷺ يقول: تُعرض الفتن على القلوب عودا عوداً، فأي أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا هذا آخر الزمان.
آخر الزمان على الأمة السلام، إذا ضيعت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مقدمة الجهاد؛ فالجهاد ميادين، وقبل البدء بجهاد الكفار، الواجب على الأمة أن تجاهد الفساق، وجهاد الفساق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن لم يستطع أن يجاهد الفساق؛ فإنه سيعجز حتما عن مجاهدة للكفار.
فإحياء جهاد الكفار يكون قبله جهاد الفساق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن. بالتي هي أقوم. صح عند ابن ماجه عن أنس، قال: قيل يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم سنن الله في الفتنة هي، هي: قلنا يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، مُسنُّون كبار يزنون، والعلم في رذالكم طلبة العلم رذال، قال الصدي في شرح قوله والفاحشة في كباركم: إذا شاع الزنا حتى أن الكبار لا يستنكفون عنه، والمراد ها هنا بالكبار، كبار السن، وقال والعلم في رذالكم، أي: الأراذل في الدين، وهم لا يتقون الله ولا يعملون بالعلم.
فإذا صار العلم في الرذال فعلى الأمة السلام، والأحاديث في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإخبار النبي ﷺ عن هؤلاء القوم كثيرة، وتحتاج لجمع وجمعت قسما منها في بعض الكتب التي لم تطبع بعد. فالأحاديث في ترك هؤلاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة.
العلم يصبح نزهة، ملحة، تتكلم في العلم خصوصًا على وسائل التواصل، وكل واحد له مثل المحطة، محطة متلفزة صوت وصورة، والكل له محطة متى يجتمع الناس ولكل ولكل محطته؟ ولذا قلت لكم وأقول وأعيد وأكرر، وسأبقى أكرر هذه الأجهزة موضوعة بين أيدينا، والنفقة عليها ملايين من الدولارات.
هذه الأجهزة ليست من فراغ، يا طالب العلم اتق الله، هذا الجهاز بين يديك قد يدخلك الجنة وقد يدخلك النار. لا تنشر فيه إلا الحق، وإلا ما أنت متيقن عليه، والمسائل التي تقبل الرأي الآخر انتظر ماذا يقول العلماء الكبار، وردد كلامهم. فإن أصابوا فلك، وإن اخطأوا فليس عليك وزر، إياك أن يدخلك هذا الجهاز جهنم.
هذا الجهاز مليء بالشهوات، ومليء بالعورات ويدغدغ العواطف، وإذا أنت أصبحت منبطحا أمام شهوتك مليئا بالشبهات فلا ينتظر منك خير. فاتقوا الله يا طلبة العلم اتقوا الله سبحانَه وتَعالَى.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متى عطل في الأمة، فالأمة على شر شديد. مثلًا انظر إلى حديث في إسناده ضعف عن أبي موسى يقول: سمعت في يوم الجمعة على منبر البصرة، يقول: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة؛ فقال لا يعلمها إلا الله {لاَ يجلِّيها لوقْتها إِلاَّ هو} [الأعراف: 187]، ولكن سأحدثكم بمشاريطها، وما بين أيديها. إن بين يديها ردما من الفتن، وهرجًا؛ فقيل وما الهرج يا رسول االله؟ قال: هو بلسان الحبشة القتل، وأن تخف -أي تطيش-، قلوب الناس، وأن يلقى بينهم التنافر فلا يكاد أحد يعرف أحدا، ويرفع ذوي ِ الحجا، وتبقى رجرج الناس لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا.
الرْجرج البقية الصالحة من لا يعرفون المعروف ولا ينكرون منكراً، والسبب ما في الحديث وله طرق كثيرة خرج بعضها شيخنا الألباني رحمه اَللَّه في السلسلة الصحيحة برقم 1891 ووجدت له طرقا كثيرة ولست بصدد بسطها، وأنا في آخر مجلسي هذا وبه أختم.
النبي ﷺ ما ترك شيء إلى قيام الساعة إلا أخبر به حفظه من حفظه نسيه من نسيه، قالﷺ: شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم، وغذوا به، همتهم ألوان الطعام، وألوان الثياب، يتشدقون في الكلام هذه همتهم. يتشدقون في الكلام هذه همتهم، همهم ما يدخل أجوافهم، وما يلبسون على ظهورهم. ليس لهم هم غيره هذا.
إذا سلمت لنا الرواتب والمناصب والمكاسب، وأكلنا أطايب الطعام، ولبسنا محاسن الألبسة على الأمة السلام، الأمر سهل.. الأمر سهل. يا عاقل الذي يجري اليوم سيصلك، بعد عشرين سنة، بعد ثلاثين سنة، بعد خمسين، انتبه! قم! افهم! افهم ماذا يجري حواليك. فأنت على الدور لن ينساك أعدائك أصحاب جشع وطمع، وأسأل الله تعالى أن يحفظ بلاد المسلمين من مكر الماكرين، وكيد أعداء الدين.
(الدرس الرابع)
إن الحمد الله َنحَمُدُه ونستَعينُُه، ونستَْغِفُرُه، ونعوذ بالله من ُشُرور َأْنُفسنَا ومن َسيِّئات َأْعَمالِنَا، َمن يهِدِه الله فلا مضَّل لِه، ومن ُيضْلْل َفلا هادَِي لَُه، َ وأْشَهُد أن لا َ إله َّ إلا الله، وحده َلا َشرِيك لَُه، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُُه.
أما بعد:
فقد تبين لنا مما سبق أن الفتن تأتي على شكل أمواج، وإذا وقعت الفتنة في حق شخص ما، فهو البلاء وأما ما يخص الأمة كلها وكلكلها فهو الفتنة، والفتنة أول ما ظهرت في هذه الأمة خروجًأ في قوم هم شر الخليقة سماهم النبي ﷺ:كلاب أهل النار، والنبيﷺ الرؤو فالرحيم بأمته، قال عنهم: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، فعلاج هذه الفرقة لا يصلح فيها إلا الحزم والعزم، والأخذ بالعقوبة إلى درجة الفناء: لأقتلنهم قتل عاد، وهؤلاء الخوارج نحتاج أن نترسم أشياء مهمة لنكون على دراية بالفتنة من جميع النواحي، فالخروج بدأ من العراق، وتحديدا من الكوفة.
ولما ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى قصة خروجهم ابتدأ كلامه بقوله: قلت وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم فسبحان من أودع خلقه كما أراد وسبق في قدره العظيم، وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج أنهم المعنيون بقول الله تعالى: {قُلْ هلْ نُنبئُكُم بِالأَخسرِين أَعمالاً * الَّذين ضَلَّ سعيهم في الْحياة الدنْيا وهم يحسبون أَنَّهم يحسنون صنعا} [الكهف: 104، 103]، قال: إن هؤلاء الجهلة الضلال والأشقياء في الأقوال والأفعال اجتمع رأيهم على الخروج بين أظهر المسلمين ثم ذكر قصتهم، ولست معنياً الآن بالتفاصيل التأريخية للخوارج.
لكن هنالك حقائق شرعية: ونحن نتكلم عن الفتنة لا يجوز لنا أن نتعداها، وينبغي أن نبقى على حذر من موضوع الخوارج فهم شر الخلق وهم شر الخليقة. وقد كتب عنهم ابن شبَّة كتاباً مفرداً نقل منه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وابن شبَّة صاحب أخبار المدينة، وليتنا نجد كتابه، ونقل منه كذلك ابن عبد البر في كتابه التمهيد.
المراد من الإيراد مجموعة حقائق شرعية أخبر عنها النبي ﷺ فهم من الفرق المعنية في أحاديث الفرق: افترقت اليهود على إحدى وسبعين، افترقت النصارى على اثنتين وسبعين وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين، والخوارج فرق: منهم من أنكر سورة يوسف، وهؤلاء كفار لا لأنهم من الخوارج، بل لإنكارهم القرآن، وأما الخوارج بفكرهم فهم ليسوا كفارا ولا المعتزلة، ولا سائر الفرق ولا نكفر أحدا إلا أن قام عندنا من الله تعالى برهان على تكفيره، وينبغي أن يراعى في التكفير ما استقر عليه المذهب. مذهب هؤلاء الروافض استقر على حال، وبدأ على حال. كان التشيع عند السابقين من فضل عليا على عثمان، وهذا ليس كفرا، وذكر هذا عن سفيان، ثم تراجع عن ذلك، وذكر عن جمع من الأئمة لكن أن تنزل الروافض اليوم القائلين بتحريف القرآن.
وألّف الطبرسي كتاباً في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، كنت أظن في يوم من الأيام أن هذا خرافة، وبقيت وراء الكتاب حتى حصلته، وحصلت نسخة مطبوعة في إيران، ووجدت في بعض الكتب لبعض المعاصرين من الشيعة كتاب بارد يستخف بعقول الناس، ويتعلق بأشياء لا دخل لها في التحريف، تحريف القرآن.
يقول: عدد الآيات في مدارس عند العلماء في عدد الآيات، هؤلاء يقولون الفاتحة سبع وأولئك يقولون ثمان، هذا ليس تحريفا، من عد البسملة صار ثمانية، ومنن لم يعدها أصبحت سبعة. ما في تحريف، ومصاحف الصحابة القديمة ليس فيها ترقيم للآيات، وأقام الكتاب على مثل هذه الخزعبلات والترهات.
الشاهد أن الخوارج من المعنيين، لكن هل الأصل في هذه الفرق أنها كفرية نارية؟ وللأسف طالب العلم إن لم يكن يميز بين الفرق النارية والفرق الكفرية فعلى عقله السلام. ينبغي أن نفرق بين الفرق الكفرية، والفرق النارية. تأمل معي كلام النبي ﷺ قال: افترقت اليهود، ثم قال: افترقت النصارى، ثم قال: وستفترق أمتي.
وأمة محمد ﷺ إن أطلقت لا يراد بها إلا أمران: إما أمة الدعوة فالنبي ﷺ أرسل لكل الخلق، مرسل لليهود، ومرسل للنصارى، ومرسل للمجوس لجميع الخلق، وإما أمة الاستجابة الذين استجابوا للنبي ﷺ ولما يذكر النبي ﷺ أمة الدعوة اليهود والنصارى، ثم يقول بعد أن يذكر اليهود والنصارى يقول: وستفترق أمتي، فلا يكون المراد من أمته إلا أمة الاستجابة.
ولما قال: وستفترق أمتي، علمنا أنه لم يرد بذلك تكفير هؤلاء، ولذا علي رضي الله عنه لما سئل عنهم قال: هم اخوان لنا بغوا علينا، -ولفظة اخواننا في صحتها شيء- لكن علي رضي الله عنه لم يعاملهم معاملة الكفار، فما ذفف جريحهم، ولا سبى نسائهم ولا قسم أموالهم. فكان الإنسان الذي يسقط المعركة ولا يستطيع أن يقوم للقتال يتركه لا يذفف عليه، بخلاف الكفار فالأمر للإمام يعطي تعليمات، والجنود ينفذون، أما قتال البغاة والخوارج فهؤلاء لهم أحكام أخرى، وعلى هذا جماهير أهل العلم بل تكاد تقول أن المحققين من العلم أجمعوا على عدم تكفير هؤلاء الفرق، وبالتالي اشتط من كفر الناس، إذا وجدت اليوم أقوام لهم تعلق الخوارج، ولهم تعلق بأهل البدع قل كما قال النبي ﷺ في النار لا تقل كفار.
فرق بين أن تقول في النار، وبين أن تقول كفار، فرق بين الفرق الكفرية مع الفرق النارية، ومن الحقائق التي ينبغي أن نفهمها وأن تستقر في قلوبنا أن الخوارج ليسوا محصورين بذاك المعسكر الذي قاتلوا فيه عليا رضي اَللَّهَ تَعالَى عنه. فثبت عند النسائي في المجتبى، وعند ابن أبي شيبة وجمع من حديث أبي برزة الأسلمي رضي اَللَّهَ تَعالَى عنه قال: قالﷺ: يخرج في آخر الزمان قوم، كأن هذا منهم وأشار إلى رجل خرج، وكان مع الخوارج؛ فعلق النبي ﷺ خروج الخوارج في آخر الزمان. فالخوارج باقون، وليست فرقة انتهت. قال ﷺ: كأن هذا منهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون الإسلام كما يطرق السهم من الرمية، وهذا تماما كقول النبي ﷺ: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن ، ولا يكفر أحد من أهل السنة من زنا أو من سرق.
قال شيخ الإسلام رحمه اَللَّه: أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون حتى خروج الدجال، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك المعسكر، وثبت عند ابن ماجه وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي اَللَّهَ تَعالَى عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ينشأ نشأ يقرأون لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم عرق قُطع، حتى يخرج في أعراضهم الدجال. الدجال يخرج معهم فهم باقون، وما أحوج الكفار لأمثال هذا الصنف من الناس.
الكفار قسم كبير منهم باحثون، وتعلمون ما يسمى بالمستشرقين قسم كبير من المستشرقين بتلخيص شديد واعتصار واختصار بدلا من أن تقول مستشرقين ضع بين قوسين (اليهود الجدد) يهود، وقسم قليل من المستشرقين سلموا من هذه التهمة، وعِرف من سلم قسم لا بأس به من المستشرقين الألمان، بخلاف المستشرقين الفرنسيين، والمستشرقين البريطانيين، والهولنديين وغيرهم.
فإذا من سنة الله التي يلزمنا التركيز عليها في هذه المحاضرة أن الخوارج سيبقون ويظهرون بين الفينة والفينة ثم يُقطعون. من الذي يقطعهم؟ لا تدري.. لعل التمثيلية التي أراد من أنشأها من صاغها انتهت، ففجأة يضيعون، فجأة ترى داعش ثم فجأة تجدهم غير موجودين. من الذي أنشأهم، وكيف نشأوا، وكيف ماتوا؟ ما تدري. قلقون، فهذه ظاهر ينبغي أن نتذكرها، ونحن نتكلم عن الخوارج.
من الكلمات الجميلة البديعة ما كتبه وهب من منبه، وكتب نصيحة إلى أبي شمر ذي خولان، وهذه النصيحة طويلة وطويلة جدا، وهي موجودة في تاريخ دمشق لابن بالعساكر في المجلد السابع عشر من المخطوط الظاهرية، وموجودة في السير في المجلد الرابع صفحة 555 - 535، قال: ألا ترى يا ذا خولان إني قد أدركت صدر الإسلام، -وهب بن منبه أدرك عمر- فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله تعالى على شر حالاتها، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه، وما اجتمعت الأمة قط على رجل من الخوارج، ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض وقطعت السبل وقطع الحج عن بيت الله الحرام، وإذا لعاد أمر الإسلام جاهلية حتى يعود الناس إلى الإسلام إلى آخر كلامه.
وحذر منهم جمع كبير من أهل العلم، والخوارج ما مدحهم الله تعالى أبداً وما مدحهم رسول الله ﷺ، وإنما مدح ﷺ الحسن برجوعه، وأنه يصلح بين فرقتين وما مدح خروجه، والخروج على الأئمة ليست فيه مصلحة لا في دين ولا دنيا.سواء كنا متبعين بالنص، وقلت لكم مرة: أن الشريعة معقولة مضطردة، وذكرت لكم مقولة النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه عبد الله بن عمرو الطويل، والذي بين فيه النبي ﷺ معالم الفتن، فكان من آخر ما قال النبي ﷺ: فمن أحب أن يزحزح ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن با واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ثم قال ﷺ: فمن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه؛ فجاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر أو قال: فاضربوا عنق الآخر الأمر لا هوادة فيه، أمر الخروج على الأئمة لا هوادة فيه ما لم يكن لنا عند الله تعالى برهان؛ فالأئمة وإن كانوا ظلمه، وأكثر ما يظهر من ظلم الأئمة (الأثرة).
والأثرة أن يخص قومه وأقاربه والمقربين منه بعطايا وبميزات وبأشياء، فالواجب علينا حينئذ أن نصبر، وثبت هذا في عدة أحاديث متفق عليها منها: حديث أنس رضياَللَّهَ تَعالَى عنه؛ قال ﷺ: فإنكم ستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ﷺ فإني على الحوض، وبنحوه أخرجه الشيخان من حديث عبدالله بن زيد، وكذلك من حديث أسيد بن حضير رضي الله عنهما.
وفي المتفق عليه من حديث عبداللهبن مسعودرضي الله عنه، قال قال ﷺ: إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك شيئا من ذلك؟ فقال ﷺ: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم.
الناس اليوم يتذرعون بالمعاصي، والإنسان يحب أن يجد المسوغات ولا أقول المبررات لمعاصيه.تتكلم له أنك تجد في أهل بيتك وفساد فمباشرة يبدأ يتكلم عن الحاكم، فالناس تحب أن تعلق المخالفات التي يقعون فيها على غيرهم، وهم غير مأمورون بهذه المخالفات أصلا، ولا يجوز لأحد أن يقول هذا.
فالشاهد أن من أسباب الفتنة الافتراق عن الأئمة، والاجتماع على الأئمة من أسباب درء الفتنة، وإلا قل لي بالله عليك كيف أنت تحضر مثل هذه الدورة؟ لو ما كان هنالك أمن في المجتمع ،وكيف نذهب للحج؟ وكيف نصلي الجمعة والجماعة لو لم يكن هنالك أمن اجتماعي؟
والعلماء -واحفظ هذه عني- العلماء الربانيون الصادقون إن كانوا عند الحكام فهم للناس، ويقولون للحكام اتقوا الله في الناس اعدلوا بينهم، وإن كان العلماء الصادقون الربانيون بين الناس كانوا للحكام.
فالحاكم لما يسمع الوعظ والصدق والإخلاص، ولا يرى التلون.. بعض الناس اليوم يقلبون الأشياء لما يلتقي يقبل يده ويقبل رأسه ويقبل كتفه، ويتكلم بكلام كله ذبذبة وكله، وكله.. ولما يصعد المنبر حتى يصل لمجلس النواب يشتم ويلعن!!
فهم يعلمون بلسان الحال والقال أن هذا كذاب، لكن إن كانوا عند الحكام فكانوا للناس وأمروهم برفع المظالم وأمروهم بالخير الذي يحبه الله تعالى ثم إن كانوا بين الناس كانوا للحكام ومنعوهم من الخروج وأوجبوا عليهم، وذكروا لهم نصوص الطاعة استقر الأمر وحصل أيضا الأمن الاجتماعي وحصلت التقوى والدين.
هذا المفهوم غير مقبول اليوم عند بعض الناس، لو بعض الناس سامع جالس من الحزبيين يقول لك: أنت منافق، هذا نفاق، هذا كلام النبي ﷺ ليس كلامي، فينبغي أن نفهم.
الأسباب التي تبعد الفتنة كثيرة وكثيرة جدا لكن من أهمها هذا الأمر، وهو أمر ليس بقليل. ثم هنالك أمر نحتاج أن نُبينه وقد طرقناه على عجل في الدرس الماضي.
هنالك أسباب لنجاة من الفتنة، ومن هذه الأسباب التي ذكرها النبيﷺ إحكام البدايات حتى تسلم النهايات، والعزلة عن الأسباب الموصلة للفتنة. ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ستكون فتن القاعد فيها خير من القائل، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي من يشرِف لها استشرفته، ومن وجد معاذا أو ملجأ فليعذ به.
القاعد أحسن من القائم وقت الفتنة. تنظر من بعيد أحسن من أن تقوم، والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي، ومن استشرف لهذه الفتنة أخذته جرته، ولذا الواجب على الإنسان في وقت الفتنة أن يحصن نفسه بأن يبتعد عنها.
وثبت عندأحمد في المسند بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: من سمع بالدجال فلينأوا إلى الجبال؛ فإنه ربما يتبعه مما يثيره من الشبهات فتنة الدجال لا يقدر عليها الناس، ولذا يوحي الله عز وجل كما في حديث طويل حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم لما يخرج يأجوج ومأجوج يقتلون الناس كلهم حتى يقولون لقد قتلنا من الأرض فسنقتل من في السماء، فيوجهون سهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء. الله عز وجل يوحي إلى عيسى عليه السلام يقول حرز عبادي إلى الطور، فتنة ما يستطيعها عيسى عليه السلام لا يستطيع أن يقاومهم. فيرسل الله النغف في أنوفهم وآساتهم فيهلكون.
فالشاهد: العاقل في وقت الفتنة لا يبحث عن الفتنة، ولا يبحث عن الجوالات ووسائل الإعلام،ا لعاقل في وقت الفتنة ينبغي أن يعتزلها، ولايجوز له أن يدخل فيها. بعض الناس يفهم الفتنة أو يفهم العزلة فهم غير شرعي.
زارنا بعض اخواننا من فلسطين قبل فترة، ووقعت بين مباحث ووجدت أن قسما منهم يرون أن الزمن زمن فتنة. طيب الزمن زمن فتنة، طيب ماذا تفعلون ؟ قالوا لانصلي لا في جمعة ولا جماعة ولبعضهم بقالات بجانب المسجد الأقصى، ويؤذن الجمعة وتؤذن الجماعة ولا يصلون فيها لم؟ قالوا في آخر الزمان في عزلة. قلت: هذه عزلة بدعية، هذه عزلة الرهبان والنصارى، وليست عزلة أهل السنة. فأهل السنة لهم ضوابط للعزلة، وينبغي أن تفهم العزلة فهما صحيحا.
جعلني أبحث في كتب شيخ الإسلام هذا المناظرة فوجدت كلاما خطيرا لشيخ الإسلام. يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى -وإذا كان الأخوة يسمعونا كلامي الآن أو فيما بعد- أرجوهم رجاء حارا أن ينظروا في فتاوى شيخ الإسلام المجلد الحادي عشر صفحة 612 والله ما ظفرت بهذا النص إلا بعد ذاك النقاش.
يقول شيخ الإسلام عمن يعتزل الفتن فيترك الجمعة والجماعة يقول: هذه الطريق طريقة بدعية مخالفة للكتاب والسنة ولما أجمع عليه المسلمون، والله سبحانَه وتَعالَى إنما يعبد بما شرع لا يعبد بالبدع: {أَم لَهم شركَاء شرعوا لَهم من الدينِ ما لَم يأْذَن بِه اللَّه} [الشورى: 21]، فإن التعبد بترك الجمعة والجماعة بحيث يرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقا كفر.
هؤلاء القوم يعني وقعوا في الكفر بسبب جهل، وهذا الجهل سببه موضوع العزلة.
كيف ينبغي أن نفهم العزلة في وقت الفتنة؟
قال فإن التعبد بترك الجمعة والجماعة بحيث يرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقا كفر يجب أن يستتاب صاحبه منه فإن تاب وإلا قتل فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن لا يعبد الله بترك الجمع والجماعة بل يعبد بفعل الجمعة والجماعة إلى آخر الكلام.
العلماء أفردوا موضوع العزلة، وأول كتاب ألف في الإسلام في العزلة كتاب العزلة والانفراد لابن أبي الدنيا، وذكر أنواعًا وألوانًا من العزلة،حتى ذكر عزلة الرهبان، ولعل هذا هو سبب اختلاط الأفهام في موضوع العزلة، ويسر الله لي أن أخرجت الكتاب.
جاء من بعده الإماما لخطابي وألف كتاباً بديعاً في العزلة، وذكر ضوابط شرعية مهمة في العزلة فقال العزلة الشرعية لها ثلاث أركان:
الركن الأول: ألا تدع الجمعة والجماعة.
الركن الثاني: أن تختار لنفسك من الأصحاب وتنتقيهم بمعيار شرعي دقيق.
في وقت العزلة لا تصاحب أي إنسان، صاحب أهل التقوى إن أخطأت، أو زللت وقصرت تفقدوك وذكروك بالله جلَّ في علَاه.
الركن الثالث: ألا تتبطر في المباحات والمكروهات، إذا توسعت في المكروهات وقعت في المحرمات، وإذا توسعت في المباحات وقعت في المكروهات.
ولذا قال الربيع بن خثيم قال تفقه ثم اعتزل، وذكر علي القارئ قول بعض العارفين الذي ذكرته لكم في الدرس الماضي. العزلة من غير عين العلم زلة والعزلة من غير زاي الزهد علة. عزلة أسقط العين زلة، أسقط الزاي علة. العزلة لابد لها من زهد ولابد لها من علم، ودل على هذا بعض الأحاديث عن النبي ﷺ؛ فقال مثلا فيما أخرج أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال لي رسول الله ﷺ: كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس؟ قال قلت يا رسول الله كيف أفعل؟ فقال إذا مرجت عهودهم، وأماناتهم، وكانوا هكذا دخل الصالح بالطالح -وشبك بعض الرواة بين أصابعه يصف ذلك قال قلت يا رسول الله ماذا أصنع؟ قال اتق الله عز وجل وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك وإياك وعوامهم.
الخاصة تختلف من شخص لشخص، الرجل من خواصه؟ أولاده وزوجته وأقاربه. ممن رأس عليه. العالم وطالب العلم خواصه تلاميذه. أنا لا يجوز لي أن أعتزل وأقول أمرني النبي ﷺ آخر الزمان بالعزلة فلا أدرس! أنتم خواصي، ولما أعلن المركز على هذه الدورة جئتم. فأنتم جئتم لتستفيدوا لتسمعوا وهذا المراد بقول النبي ﷺ في حديث قال: عليك بخاصتك هذا أنا لا أجرؤ أن أوقف رجل سكران،رجل فاجر، لكن أستطيع أن أجلس وأبين، وهذا معنى قول النبيﷺ: وعليك بخاصة نفسك؛ فمن فهم العزلة بغير هذه الأركان فهو مفتون، ولا يعرف ما معنى العزلة.
ولذا قال النبيﷺ أيضا فيما أخرجه أحمد وحسنه الحافظ ابن حجر الفتح: إذا رأيت هوى متبعا، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة، عليك بخاصة نفسك.لكن ختم الإمام الخطابي كتابه العزلة بقوله: باب في لزوم القصد في حالتي العزلة والخلطة.
قال: والطريقة المثلى في هذا الباب أن لا تمتنع من حق يلزمك للناس، وإن لم يطالبوك فيه، وألا تنهمك لهم في باطل. وألا تنهمك لهم في باطل لا يجب عليك وإن دعوك إليه. بعض الناس نسأل الله العافية مصلي لكنه يحب النساء، طالب شريعة.
فإن من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، ومن انحل في الباطل جبن عن الحق فكن مع الناس في الخير، وكن بمعزل عنهم في الشر، وتوخى أن تكون فيهم شاهدا كغائب، وعالما كجاهل.
يعني نحن كنا نعاني من مشاكل لك قريب لك ابن عم لك صديق ولك عزيز ما تستطيع تنفك عنه، هو يتعامل بالمعاصي مثل عرس مثلا، لا تنفك لا تذهب إليه، ولا تنقطع عنه زوره بعد ما يخلص العرس، وينتهي الفجور زره بينك وبينه، وذكره.
فمن الخطأ أن تجمد وأن تتركه ومن الخطأ أن تكون معه، وفي أعراف الناس هذا حق اجتماعي؛ أن تزور ابن عمك وابن خال إذا تزوج أن تهنئه. تهنئه لكن لا تهنئه مع الناس بالمعاصي،هنئه بطريقة شرعية لاترى باطلاوأخلوبه وذكره بالله سبحانَه وتَعالَى وإذا استطعت أن تذكره قبل أن يفعل ما يفعل فكف عن فعله فهذا أحسن الخيرات وأبرك البركات وعلى مثل هذا ينبغي أن ننتبه وأن نحرص على هذا.
هنالك أسباب كثيرة مذكورة في السنة، وهي معلومة من أسباب نجاة الفتنة أن يمتلئ قلبك بالقرآن والسنة.
النبي ﷺ أخبرنا أن من حفظ عشرة آيات، ووقع روايات بين أهل الحديث،أول عشرة من سورة الكهف، وفي رواية من آخر سورة الكهف، وكلاهما عند مسلم أيهما الأصوب؟ الأصوب الأول؛ لأنه في رواية عند مسلم من حفظ أول آيات من فواتح سورة الكهف.
فالرواة لما سمع بعضهم أول آيات وقع وهم عند بعضهم فقال آخر، الأول يقابله الآخر لكن لماقال النبيﷺ فواتح سورة الكهف ثبت بهذا اللفظ أن هذا الذي قاله النبيﷺ. فمن عمر قلبه بالقرآن وجلس معه وأكثر من تدبره وتأمله رزقه اللهتعالى بصيرة ونورا وبركته وخيرا يستطيع أن يقاوم الفتن، يقوي إرادة الإنسان.
قلت لكم الفتن أمواج لها قوة دافعة وضاغطة تحتاج إلى قوة من الداخل تواجه القوة الضاغطة، فإذا كانت مثلها بقيت واقفا، فإن كانت هي أقوى منك بحثتك وبطحتك واستلقيت على وجهك.
بعض الناس ممن أكرمهم الله، -ونرجو الله أن نكون وإياكم منهم- قوته في الداخل أقوى من القوة الضاغطة للفتن لذا لا يتأثر بالفتن أبدا، والسبب أنه يعرف يفند كيد الفتن ويفند باطلها، من رزقه الله علما وهدى وتقى؛ فهذا الذي لا تضره فتنة حتى قال النبي ﷺ: تعرض الفتن على القلوب عودا عودًا فأيما قلب أنكرها إلا نكتت إلا نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تكون القلوب على قلبين قلب كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض.
القرآن والإيمان، نور القرآن ونور سنة ونور العبادة. فهذه الأنوار إذا اجتمعت في قلب العبد بقي قائماً، وبإذن الله تعالى لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، ولذا قال الله عز وجل لنبيه في سورة الأنفال {وما كَان اللّه ليعذِّبهم وأَنت فيهِم وما كَان اللّه معذِّبهم وهم يستَغْفرون} [الأنفال:33]. وهو عليه الصلاة والسلام فينا بسُنّته وسيرته وهديه.
والكلام عن الدجال ليس من فراغ، يا جماعة اليوم دجال صغير مثل الواتساب والتليجرام يدوخ الناس، وهو دجال صغير، فما بالكم بالدجاجلة الذين سيكونون في آخر الزمان!
فالنبي ﷺ بين أن الله جلَّ في علَاه يعصم بعض الناس بسبب وقوفه على فتنة الدجال.
من أسباب النجاة من الفتنة العمل الصالح، أن تكون صاحب قيام، وصاحب استغفار في الأسحار، وصاحب جلوس وذكر بعد الفجر طلوع الشمس، وصاحب الصلوات الخمس تحرص أن تؤدي الصلوات الخمس جماعة، هذه الطاعات سبب من أسباب نجاتك من الفتنة، ولذا ثبت في صحيح البخاري من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فزعاً فقال: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات في رواية فيصلين. رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة.
النبي ﷺ تزوج بثلاثة عشر امرأة، ودخل بإحدى عشر ومات عن تسع، وكانت تسع حجرات متلاصقات للنبيﷺ في مسجده ﷺ لما أطلع الله نبيه على ذلك، قال: من يوقظهن للصلاة يقمن الليل، ولذا قال النبيﷺ: عبادة في الهرج كهجرة إلي وقت ما تشتد الفتن -وما أشد الفتن هذه الأيام- أقبل على العبادة، وتضرع إلى الله هذا هدي نبوي نحن غافلون عنه.
ما يحصل من قتل المسلمين والدماء التي تسيل، دماء صغار وكبار وعجزة في المدارس والمستشفيات يحتاجون منا إلى أن نعبد الله جلَّ في علَاه وأن نتوجه إلى الله بالدعاء بأن يرفع عنهم. عبادة في الهرج كهجرة إلي في صحيح مسلم، كهجرة مع النبي ﷺ.
وعند مسلم، عن أبي هريرة، قال النبي ﷺ: بادروا بالأعمال الصالحة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمناً ويصبح كافرا يبيع بعرض من الدنيا، وكذلك في وقت الفتنة تعامل الناس بالعدل لا بالفضل بدءا من الحكام أدِ الذي عليك واسأل ربك الذي تريد، وكذلك مع سائر الناس.
ولذا الدجال مكتوب بين عينيه في الصحيحين كافر، في رواية صحابي قال: ك ف ر فهجاها. فقال النبيﷺ يقرأها كل مؤمن قارئ وغير قارئ. فتنة الدجال المؤمن صاحب الإيمان الصحيح ينظر في الدجال يجد بين عينيه كافر، وبالتالي المؤمن لا يغتر بالدجال فالإيمان من أسباب النجاة.
هذا إرشاد نبوي، ولذا ينبغي.. انتبه، انتبه حتى نتخيل الأمور تخيل إن شاء اللهأنتم كلكم نبلاء تفهمون الأمور جيدا، لما عن الفتنة وأردنا أن نفحصها في المختبر قلنا الفتنة لها أجواء وأجواءها: يتقارب الزمان، نزع البركة، ويظهر الجهل، وينقص العمل، ويلقى الشح، حينئذ يكثر الهرج، من أسباب النجاة من الفتنة البركة.
يا الله ما أجمل أن يكون الإنسان في بيته مباركا، لما جاء بعض التابعين لعبد الله بن مسعود اضطر أن يأتيه بعد الفجر، فاعتذر له فقال لعلك بعد الفجر نائم. قال: أعوذ بالله أن أكون من الغافلين أعوذ بالله أن أكون أنا وأهلي من الغافلين.
الصالح ما يعرف الغفلة من بعد الفجر لطلوع الشمس لا هو ولا أهله ولا أولاده، وقت الفجر طلوع الشمس لابد فيه ذكر الله سبحانَه وتَعالَى بركة.
قال تقارب الزمان ما في بركة؟ لا في بركة، تصطنع البركة بإذن الله تعالى بالطاعات تجاهد نفسك، تكثر من العمل تتعلم ولا سيما ما يلزمك للنجاة عند الله مما يصلح ظاهرك وباطنك، ويعينك على أداء الواجبات التي تتلبس بها.
إنسان أراد يحج يجب عليه أن يعرف أحكام الحج، صار عنده مال يجب أن يعرفأحكامالزكاة.إنسانتاجر يجبعليه يعرفأحكام التجارة، امرأةيجب عليها أن تعلم أحكام الحيض، وإذا كان أحكام الحيض لا تعرفها المرأة تتعلمها من أمها، وإذا واللهما تستطيع تعلمها يجب على الزوج يتعلمها ويعلمها لزوجته، ثم الزوجة تعلم البنات، وهذا هو سر الزواج من طالبة علم، وزواج امرأة ذات دين، توفر عليك مشاوير، تقطع عليك مسافات.
الزوجة الصالحة خير متاع الدنيا. فالعمل الصالح والعلم الشرعي الصحيح من أسباب البعد عن الفتنة. بعض الناس يحب إلا يفتن لكن ما يستطيع أن يخرج من الفتنة السبب أنه ما ترسم أسباب النجاة من الفتنة فلو ترسم أسباب النجاة من الفتنة لأبعدها عنه.
كذلك الشح، ويلقى الشح تجاهد نفسك في العطاء لا سيما إن يسر اللهلك خيرا فتتوجه الله عز وجل بالعبادة بالصدقة عند تيسر الخير.
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول كنت لما أخرج عن الجمعة أشعر بنعمة الله علي.
أنا خارج أصلي الجمعة، الجمعةالتي ضاع عنها اليهود والنصارى قال فانظر في بيتي فلا أجد إلا كسر خبز قال فأحملها معي وأنا في الطريق أتصدق بها، أتصدق بها مقابل أن اللهيسر لي أن صليت الجمعة.
شيخ الإسلام كان مسجونا فترة طويلة فكان يشعر بهذا الشعور، أما نحن فلا نشعر بهذا أبدا. فإذا يسر الله لك خيرا من العبادات والطاعات واستطعت أن تتصدق بها فافعل، ابتعد عن الشح. هذب نفسك، ابتعد عن الشح ما استطعت لذلك سبيلا، وقد ثبت عند النسائي عن أبي هريرة أن النبيﷺ قال: لا يجتمع غباران غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم، ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم شح وإيمان لا يمكن أن يجتمعان.
أجمل ما أريد بكلماتموجزات، وانتقل على عجلة إلى الأسئلة وأرجو اللهأن يبارك لي ولكم في الوقت، وأسأل اللهأن يجعلني وإياكم من المباركين، والمباركوالذييأمر بالمعروفوينهىعنالمنكروهوالذييدلالناسعلى
الخير، وأرجو االلهعز وجلأن ييسر لنا ذلك.
المحور العام للفتنة الخلاف والافتراق، ويبدأ بآراء وينتهي بالخروج عند جماعة المسلمين ويتجلى هذا الأمر بالخروج على الإمام، وثمرة الفتن أكثر ماتظهرفياستحلالالدموكثرةالقتلوالهرج،ومادةالفتنةالتكفيرنَسأَلُاَللَّهاَلْعافيةَ من وقع في التكفير لا محالة يقع في التفجير.
الذي يفجر نفسه ويفجر المسلمين في الأسواق والمحافل، ما الذي ألجئه لهذا التفجير؟ التكفير. وسيلة أصحاب الفتن المقالات البدعية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
113
113
والأطروحات الفكرية والقوالب الحزبية والرفض للواقع، وتتبع الأحداث بمعزل عنالعلم الشرعي الصحيح، وتقريرات العلماء الربانيين.
طريقة كثير من المفتونين ولاسيما الخوارج التستربمذهب السلف، وإبراز ما يشهد لبدعتهم منالنصوص، وتضخيم زلاتمخالفيهم.
فأهل السنة يذكرون الذي لهم والذي عليهم، وأهل البدعة لا يذكرون إلا الذين لهم ولا يذكرون الذي عليهم.
من أسباب تورط في الفتن قد تجد بعض أصحاب المنهج السليم لا يعدل ولاينصف،ظفرتبكلامجميللشيخالإسلامفيالمجلدالرابعصفحة255 يقول وإن كان من أسباب التقاط هؤلاء المبتدعة للسلف ما حصل في المنتسبين للسلف من نوع تقصير وعدوان، وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية والصواب في خلافها فإن حصل ما حصل من ذلك صار فتنة للمخالف لهم ضل به ضلالا كبيرا.
ووقت الفتنة الجهل وقلة العلم والإيمان وذهاب العدل في الأمة وعدم إشراق نور النبوة، وعدم ظهور سلطان الحجة وعدم وجود العلماء في الأمة،
وإن وجدوافيعدمإظهار عملهم وتقريراتهموالتقدمبينأيديهموقطع العامة
عنهم،والطعنفيالأحكامالشرعيةالمستفادةمننصوصالشرعوكثرةالفرقة والخلافوعدم وجود مرجع يرجع الناس إليه.
ــــــــــــــــــــــــ
114
114
يعني لو شيخنا الألباني رحمه اَللَّه أو بعض مشايخ الوقت ممن تكاد تجمع الكلمة على فضلهم أمثال شيخنا الشيخ صالح الفوزان، وبعض العلماءالكبار
في أحداث غزة لو قال كلمة أراح الناس كلهم، أراح الناس وخلاص، ولا يبقى
هؤلاء الصغار متنابذين مختلفين، وهذا يقول شيئا من حق، وهذا يقول شيئا آخر من حق.. العالم لا يقول شيئا من حق، العالم يلم بالمسألة إلمامة واسعة، يعني العالم يعرف أحكام التبعيض، وأحكام التبعيض تحتاج إلى درس.
الفتن تفتح لك أبوابا مهمة ينبغي أن تركز عليها، -اعلم علمني اللهوإياك- هذه المسائل التي درسها المشايخ والعلماء الخلاف فيها بينهم قليل، والمسائل التي لم يدرسها المشايخ يبقى الخلاف كثيرا بين طلبة العلم.
فالمسائل التي درسها العلماء وبينوها يكون الخلاف قليلا بينهم، ولذا حقيقة لما تسمع كلمات كثيرة، وأنت سمعتها من المشايخ الكبار وعلى
رأسهم فيمن امتن اللهعلينا في هذا الزمان شيخنا الإمام الألباني رحمه اَللَّهَتَعالَى
تسمع كلمات تشعر أن هذا شاذ، ويتكلم المتكلمون يقولون حقا لكن الحق
ليس كاملا لا يجرؤ أحد أن يتكلم عن يهود! عجيب.. الخلاف مع يهود ومسلمين.
وأخيرا أردد مع حذيفة رضي الله عنه فأقول يا ليت مائة من الرجال قلوبهم
من ذهب يجتمعون بعالم في هذا الوقت من علماء أهل السنة، ومن الخبراء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
115
115
بالسياسةفيبين بالمئة أخطار الروافض، وأن ينشر الناس أخطار الروافض التي
أصبح الخطر يدق في بعض البلاد.
أصبح الخطريقرع الباب، وأهل السنةفي غفلة، لستامع الخوارجلا فيالكل ولا في الكلكل لا في الصغير ولا في الكبير، ولسنا مع التثوير ولا التفجير ولا التكفير، ونبرأ إلى اللهسبحانَه وتَعالَى من ذلك، ولسنا مع الروافض، والروافض وما أدراك ما الروافض.
أختم مجلسي بكلمات قالها شيخ الإسلام الروافض في تأريخهم يوالون الكفار.
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية قال هذا دأب الرافضة دائما، يتجاوزونعنجماعةالمسلمينإلىاليهودوالنصارى والمشركينفيالأقوال والموالاة والمعاونة والقتال وغير ذلك.
قال ولهذا لما خرجت الترك الكفار من جهة المشرق فقاتلوا المسلمين وسفكوا دماءهم ببلاد خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها كانت الرافضة معاونة لهم على قتال المسلمين، ووزير بغداد المعروف بالعلقمي
وأمثاله كانوا من أعظم الناس معاونةلهمعلى المسلمين، وكذلك الذينكانوا
بالشام بحلب وغيرها من الروافض كانوا من أشد الناس معاونة لهم على الكفار.
ــــــــــــــــــــــــ
116
116
وااللهقرأتكلاملشيخالإسلامأعجبمايكونذكرهفي المنهاجالسنةالجزء
السادس صفحة 377قال، وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم.
من أين هذاله؟ كشف اللهعن بصيرته رحمه الله يقول فهم دائما يولون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتل الكفار ومعاداتهم،
والكلام طويل وفصلت فيه في كتاب العراق، أنا أقرأ كتاب العراق المجلد الأول صفحة 13وما قبل وما بعد. أكتفي بهذا المقدار، وهذا ما استطعت أن أتعرض لكل مباحث الفتن لكني
أحسب أني أتيت على جمل مهمة منها، وما يلزمنا منها وأسأل اللهلي ولكم
القبول وأسأل اللهأن أكون قد سددنا وأرجو اللهعز وجل أن يبارك فيما قلنا.
أقف على بعض الأسئلة على عجلة بإذن اللهتعالى.
سؤال: رأينا في رمضان في العشر الأواخر بعض المساجد يقومون الليل التراويح إحدى عشرة ركعة ثم يعودون لصلاة التهجد جماعة، فهل هذا خلاف للسنة؟
الشيخ: مالك أدرك التابعين، ونقل في كتابه الموطأ: أنهم كانوا يصلون أكثر من إحدى عشر ركعة. النبي ﷺ كانت صلاته طويلة، وما خرج النبي ﷺ إلا مرات قليلة للصلاة، ومالك من جيل التابعين. لا يجوز لنا أن نبدعهم. تدرون تبديع جيل التابعين يلزم قطع الإسناد؟ قطع إسناد الخير، فلا حرج في الزيادة على إحدى عشر ركعة، والأحب والأحسن أن نتقيد بالإحدى عشر، وأن نطيل الصلاة فيها.
سؤال: لم ينكر كل المعتزلة الرؤى والمنامات، وإنما أنكرها طائفة منهم كالنَّظام ومن وافقه وهنا لم ينكر وقوعها ولكن جعلوها من باب الخواطر، وقال العديد من المعتزلة بأن الرؤى على ثلاثة أقسام: منها ما هو من قبل حديث النفس، ومنها قسم رؤى الأنبياء والرؤيا الصالحة، وقد عدها الكشاف من المبشرات؟
الشيخ: الأنبياء رؤاهم حجة باتفاق ليس هذا مذهب المعتزلة، وأئمتهم ينكرون الرؤى بمعنى الاعتماد عليها بل الاستئناس لها؛ لأنهم هم أصحاب عقل، لكن بعضهم أصاب مذهب أهل السنة فقال بحجية الرؤى في المنامات للأنبياء. نعم، وهذا صحيح.لكن رؤوسهم وكبارهم أنكروها لذا أنا حزنت حقيقة لما تكلم أخونا الشيخ حمزة أسأل الله أن يحفظه في المركز، تكلم في الرؤى فقامت الدنيا عليه وما قعدت. القيام على من احتج بالرؤى ليس هو مذهب أهل السنة، هو مذهب المعتزلة، وأهل السنة لايحتجون ويستأنسون، فذكر الرؤيا بمعرض الاستئناس مذهب لأهل السنة، ولا حرج في ذلك.
اليهود يوجد واحد كبير مات من قرن زعم أن الرؤى عند المسلمين مأخوذة من اليهود. لكن أول من كتبت الرؤى في الإسلام من؟ ابن قتيبة متوفى سنة 276هـ، جاء لي أخ حقق رسالة لابن قتيبة اختلاف الحديث فطلب مني أن يقرأها، فأذنت له، فذهب وبدأت اشتغل تذكرت الشيخ علي الطنطاوي في مجلة الرسالة المصرية كتب مقال عن تعبير الرؤى يقول مخطوط ابن قتيبة بين يديه، وبدأ يوصف المخطوط ويشرح الكلام، قلت: إذا كتابه ليس مفقود بدأت البحث، الرحلة أين كتاب ابن قتيبة؟ وجدنا الكتاب في مكتبة أورشليم القدس أهداها له بروفيسور يهودي، وكان هذا أيام الانتفاضة فكلفت بعض اخوانا المقدسة جزاهم الله خيراً، فأرسلوا لي صور عن المخطوط، وذكرت القصة والتفصيل وكيف أنهم يكذبون في أن أصل الرؤى مأخوذ من يهود، أخذها وعلم أنه الكتاب لا يوجد إلا هذه النسخة، وهذه النسخة وضعها في جيبه ما ظن أن أحدًا يستطيع أن يقف عليها، أكرمني الله وحققت الكتاب وفي مقدمات الكتاب بيّنت حقيقة الكذب في موضوع أن الرؤيا أصلها اليهود.
سؤال: أخ من غزة يقول نحن في غزة تفوتنا بعض الصلوات، وبعض الجمع ونحن نقول ننقل المصابين من أرض المعركة إلى المستشفيات فهل علينا إثم، وهل نصلي الجمعة جماعة متأخرة أم نصليها أربع ركعات؟
الشيخ: أولاً إذا أحاط بالإنسان ظرف لا يستطيع أن يصلي الصلاة في وقتها، فيصبح أوقات الصلوات في حقه ثلاثة لا خمسة، وقت الفجر وحده، وقت الظهر والعصر وقت مشترك، وقت المغرب والعشاء وقت مشترك كحال ذاك الطبيب توضأ ذهب لصلاة الظهر فأُتي له برجل يعمل عملية ومكث في عملية لبعد العصر، لا نقول له اترك المريض واذهب للصلاة، نقول: ابقى أنت في عبادة، وأجمع الظهر والعصر جمع تأخير، بينا هذا في دروس الجمع، فأنت يا أخي إذا كنت مشغول وشغلك في الصلاة يؤثر على حياتك، ولا تستطيع إلا أن تجمع اجمع، أما إذا كان الوقت غير مستغرق يعني تشتغل ساعة ساعتين ثم بعشر دقائق تصلي الظهر قبل العصر بقليل، هذا الواجب.
أما الجمعة فاختلف أهل العلم في أولها، والذي أرجحه وبينت هذا في شرحي على صحيح مسلم أنها في الأول أوسع منها في الآخر، وهو مذهب أحمد واسحاق، وكتب عمر كما عند ابن أبي شيبة إلى أبي موسى الأشعري كتاباً قال فيه: جَمِّعوا حيثما كنتم، فلا يلزم في الجمعة أن تكون في المسجد، وأما إذا فاتتك الصلاة في المسجد ولم تجد من تصلي معه الجمعة، فحينئذ تصلي الظهر حينئذ، والله تعالى أعلم.
سؤال: أخ يقول هل التجنس بجنسية الغرب يعتبر من الفتن، وما هو قولك للشباب الذين ضاق بهم الحال وأمور الرزق ويسعون للسفر للغرب؟
الشيخ: حصل ما حصل مع إخواننا السوريين، وتفرقوا في العالم كما تفرق قبله أهل لبنان، وقبلهم أهل فلسطين وبينهما أهل العراق. لا إله إلا الله، وقع في خاطري -وقلت هذا في بعض اللقاءات مع بعض الأخوة- قلت أخبرنا النبي ﷺ تكون هدنة بيننا وبين الكفار، ويأتون بجيش فوقع في قلبي أن الجيش الذين سيأتون به هم من العرب الذين جاؤوا.. من أسبوعين أو ثلاثة أحد الأخوة بعث لي رسالة يقول أن كثيرا من الدول الأوروبيةكالنمسا وفرنسا وألماني اأصبحوا يقبلون الجندي المسلم في صفوف الجيش، ولو لم يحصل الجنسية، ينخرط في سلك الجيش!! سبحان الله. في حديث عبدا الله بن عمر عندالطبراني بإسناد جيد قال النبيﷺ: من أقام بين ظهراني المشركين فليس منا، وفي سنن أبي داود: دار المؤمن، ودار الكافر لا يتراءيان، فلا يجوز للمسلم إلا عند الاضطرار، والاضطرار يحتاج من السائل أن يجلس مع المفتي وأن يبسط له حالته، وأن الأصل أنه لا يجوز التجنس بجنسية الكفار، ولا يجوز للمسلم أن يقيم بين الكفار، ولا يجوز للمسلم أن ييفكر بطريقتهم ويتطبع بطباعهم. فهذه الأمور ممنوعة في الشرع والله تعالى أعلم.
سؤال: أخ يقول رأيت فيك رؤيا نسأل الله أن تكون خيراً، رأيتك حاملاً مشتل من الأشجار الصغيرة على رأسك وأنت مشمر وتحملها بشدة، وتمشي كأنك تباهي بهذا الشجر؟
الشيخ: إن شاء الله هذه الدورة وهذه الدروس، وأرجو الله أن تثمر، نسأل الله أن تثمر، وأن تأتي بثمارها كالشجرة التي قال الله عنها: {تُؤتي أُكُلَها كُلَّ حين بِإِذْنِ ربها}{إبراهيم:25].
سؤال: من هم السروريون، وما هو سبب اتهامهم لنا بهذه الفرية؟
الشيخ: أما السروريون فهم اتباع محمد بن سرور، مات من قريب رحمه اَللَّه، وهو رجل سوري كان من الإخوان المسلمين، ثم بدأ يتلمس أخطاء شنيعة وشديدة في الإخوان فنبذهم، وبدأ يميل إلى العلم وطلب العلم، وبقي متلطخاً متلبسا بالأساليب الحزبية: البيعات والتنظيم وما شابه، وتلبس خطر الرافضة وكتب مجموعة من الكتب في كشف حقائق الروافض، وهي جيدة وليست سيئة، لكن دعوته بقيت حزبية وفيها بيعات وفيها مخالفات عديدة. فهذا بإيجاز هم السروريون.
أما هل نحن سروريون؟ فوالله الذي لا إله إلا هو، إن من اتهم شيخنا أو اتهم تلاميذه أنهم سروريون فهو مخطئ، إما إنه جاهل وإما أنه لا يعلم منهج الشيخ ومنهج تلاميذ الشيخ.
سؤال: هل يأجوج ومأجوج من البشر؟
الشيخ: نعم.
هل يعرف مكانهم على التحديد؟
قالوا: الصين، لكن ليس بصحيح، بل هم محبوسون وراء الصين، وألف فيهذا الشيخ السعدي، والشيخ السعدي إمام، وقرناؤه من علماء عصره شكوه إلى الملك عبدالعزيز، قالوا: الشيخ السعدي يقول أنه كذا وكذا. فالملك عبدالعزيز جمعهم إياه، تباحثوا في المسألة حتى تراجع السعدي عن قوله أن يأجوج ومأجوج محبوسون وراء الصين، ثم تبين أن سبب قوله هذا هو كتاب سد يأجوج ومأجوج لشيخ مشايخنا محمد راغب الطباخ، شيخ الشيخ الألباني الحلبي، وهو الذي ألف بهذا، فبقيت اتطلب كتاب الطباخ فحصلته وطبعته وناقشته، وطولت النفس جداً، يعني هو كتب 100 صفحة الكتاب أصبح 400 صفحة، فناقشته في الحواشي في كل ما قال.
فيأجوج ومأجوج من الغيب، ونؤمن بالغيب، وليس لنا أن نجزم، ويأجوج ومأجوج مذكوران في سورتين في القرآن في سورة الأنبياء، وفي سورة الكهف.
سؤال: أرجو التوضيح بالنسبة لشيخ الإسلام ادعى بعضهم أنه كتب رسالة قبل وفاته حول فناء النار؟
الشيخ: ما أنصح بالخوض في هذه المسألة، هذه مسألة وقع فيها خلاف بين السبكي تقي الدين وبين شيخ الإسلام أيضا تقي الدين، وتتبعت المسألة وكتبت كتابا لمحاكمة بين التقيين، السبكي واب نتيمية، وطال معي الكتاب وتركته ما أكملته، وأعود إليه. الكتب التي تحتاج إلى بسط وتطويل تحتاج لركض وراحة وركض وراحة ركض وراحة ما تستطيع تكتبها في نوبة واحدة، والذي انشرح له صدري من خلال بحثي أن شيخ الإسلام في أواخر حياته قال بفناء النار، وهي غير نار الموحدين التي ذكرها ابن القيم في الوابل الصيب، وهذا رأي كثير من مشايخ نجد، يرون الفناء، وهذا رأي تقي الدين الهلالي أيضاً إلى آخره، والمسألة بين الصوابو الخطأ.
سؤال: هل يصح حديث: تنقض عرى الإسلام عروة، عروة أولها الحكم، وآخرها الصلاة ؟
الشيخ:نعم. ماعلاقتهب الفتن؟ ترك الصلاة فتنة والحكم بغير ما أنزل الله فتنة فالعلاقة واضحة، وهل الفتن دخلت على الأمة إلا بسبب أنهم حكموا بغير ما أنزل االله؟ ولم يسمعوا قول النبي ﷺ من حديث عبد الله بن عمر: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل بأسهم بينهم شديد، وربطنا هذا بفائدة أختم بها مجلسي، وهذه فائدة عزيزة، وأنا أزعم أني ما رأيتها في كتاب، لعلها موجودة، لكن أنا ما رأيتها في كتاب. اربط حديث: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله وسنة نبيهم ﷺ إلا جعل بأسهم بينهم شديداً، بحديث سعد في صحيح مسلم لما قال: ودعوت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم شديدا فمنعنيها واستنبطنا من هذا، هل كان النبي ﷺ يعلم أن الحكام في آخر الزمان سيحكمون بغير ما أنزل الله؟ واضح. النبي قال ﷺ: سألت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم شديداً، قال: فمنعنيها، وقال: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، وسنة نبيهم ﷺ إلا جعل بأسهم بينهم شديداً، وإذا كان النبي ﷺ يعلم. هل كفرهم النبي ﷺ ؟ ما كفرهم، وقلت: هذا من أقوى الأدلة على عدم تكفير الحكام بالجملة، وبعض الناس التكفير عنده كشرب الماء، وأهل السنة يجبنون عن التكفير، ويقولون لو أن رجلا قال قولا أو فعل فعلاً يحتمل مئة وجه؛ فالواجب حمل الكلام تسعة وتسعين وجه المحمو لةعلى الكفر الواجب حمله على الإسلام لا على الكفر.
وهذا أكثر ما يظهر في الأصل والظاهر، والأصل والظاهر إن تعارضا فالحكم لمن كان على الإسلام، وفصلت طويلاً في بيان هذا في شرحي على منظومة الشيخ السعدي في القواعد الفقهية.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق