حماية المستضعفين ممن لا يُقاتلون
المؤلف غير معروف
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: لقد برز في السنوات الأخيرة نمطٌ من الخطاب الديني المؤدلج الذي توظفه بعض الجماعات والحركات الإسلامية، بحيث يُعاد تشكيل النصوص الشرعية لتخدم بقاء التنظيم وتُبرِّرُ ممارساته، لا لتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والنسل. وهذا التوظيف لا يقف عند حدود التنظير، بل يتجاوز إلى صناعة حالة من “الحصانة المقدسة” التي تُعطِّل النقد، وتُجرِّم المساءلة، وتُصوِّر كل معارضةٍ على أنها خيانة أو خروج عن الدين، مما يحول الخطاب الشرعي من أداة هداية إلى وسيلة سيطرة.
وهذا المسلك – في ميزان الشريعة – انحراف خطير؛ إذ إن النصوص لا تُساق لتبرير الواقع، بل الواقع هو الذي يُوزن بميزان النص، وإلا انقلب الدين إلى أداة تبرير للسلطة، وهو ما يتنافى مع أصل الأمانة العلمية والعدل الذي قامت عليه الشريعة.
ومن آثار هذا التوظيف المغلوط أنه يخلق طبقية داخل المجتمع، حيث يُمنح المنتمون إلى تلك الحركات امتيازات مدنية واقتصادية لا تتاح لعامة الناس، ويُستغل الدين في جلب الأموال والدعم الخارجي تحت شعارات الجهاد والمقاومة، دون رقابة أو محاسبة، مع ما يرافق ذلك من دعاية إعلامية تُضخِّم القادة وتُزكّي الأتباع، وتُعيد توصيف الهزائم انتصارات والخسائر بطولات. كما يُسهم هذا الخطاب في قمع الحريات، وتسويغ العنف الداخلي، وتقديم المدنيين – عملياً – كوقود للصراع.
وهذا كله مخالف لمقاصد الشريعة مخالفة بيّنة؛ إذ الشريعة جاءت لرفع الظلم لا لتكريسه، ولحفظ النفوس لا لتعريضها للهلاك، ولإقامة العدل لا لصناعة الامتيازات الحزبية، ومن استباح هذه الأصول باسم الدين فقد جمع بين الخطأ في الفهم والظلم في التطبيق.
قال الله تعالى: {وما لكم لا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِحْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}.
في هذه الآية إخبار بأن من مقاصد الجهاد: حماية المستضعفين ممن لا يقاتلون.
فعلم منه: وجوب حمايتهم من القتل، وإذا علم أن العدو مهلكهم، فالواجب الكف والجنوح للسلم؛ لأنهم مادة المقاومة والمجاهدة، واستئصال المادة والقضاء عليها حكم باستنصال شأفتهم وموت قضيتهم.
فمن خالف هذا، وعرضهم للهلاك بدعوى نصرتهم ونصرة قضيتهم فليس من الدين في شيء، ولا من القربان وسبيل الله له حظ، بل فعله محض هوى وجهل بأحكام الله تعالى.
فحماية المستضعفين أصل، والذي يقوم بذلك أهل القتال، بما لهم من قوة إن قدروا، أو بالكف إن عجزوا، وبالحيلة إن خافوا نيلاً.
فأما من نازل وهو عاجز عن الدفع، فعرض المستضعفين للهلاك، فقد اتى عظيماً إن لم يتدارك. فإن توارى مع ذلك، وعرّض الأعزل المستضعف للهلاك، فقد أتى واهية. فليس هذا فعل الولي الناصر والدافع !
وقد أمر الله المسلمين بالكف حال ضعفهم خشية استنصالهم، وقد حمى النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة بالخندق، فكان هو وصحبه في نحر العدو، والمستضعفون من ورائهم في الحصون، ولما مكر يهود وعرضوهم للخطر كان من أمرهم ما كان، كما انسحب خالد بالجيش المقاتل لما خشي عليهم الاستنصال، فكيف بالمستضعف الأعزل؟!!
أيجوز كشفه وتعريضه لهلاك محتم، والمقاتل يأمن في حصن حصين يراقب وينظر، ولا يخرج إلا عن\ما تضع الحرب أوزارها، فإذا اشتعلت توارى ثانية وتركهم ؟!
كلا ، ليس ذلك من دين الله في شيء، وليس في الأدلة ما يبيح ذلك، ولا العقل يشهد له؟!!!
فالإنسان اعظم حرمة من الأرض، فهذه -يعني الأرض- منها عوض وتسترد، والإنسان لا يسترد وليس منه عوض، فحمايته قبل الأرض، قال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا اهون عند الله من قتل رجل مسلم). النساني
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يطوف بالكعبة ويَقُولُ: "ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك" رواه ابن ماجه.
والكعبة. ليست مجرد أرض تقدمت، بل من شعار الله: وهل تمر بقعة أعظم من الكعبة على الأرض ؟
وما شرع الجهاد لقتل الناس، بل لحمايتهم من القتل. وما شرع القصاص إلا ليحيا الناس لا ليموتوا: (ولكم في القصاص حياة).
وفي الجهاد تذهب النفس المقاتلة لتبقى النفس المستضعفة. فإن ذهبت المستضعفة وبقيت المقاتلة لم يعد جهادا ! والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق