استدعاء الفولكلور في الشعر الفلسطيني المعاصر
المعتقدات الشعبية أنموذجاً
د. أسامة عزت أبو سلطان- د. محمد مصطفى كلاب
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يتناول هذا البحث المعتقدات الشعبية التي تطرق إليها الشعراء الفلسطينيين في نصوصهم الشعرية، والإفادة من الطاقات الإبداعية لديهم، والتي تمثل جذورهم ضاربة في القدم، والتي تعود في أغلبها إلى الكنعانيين واليبوسيين. وقد رصد الباحثان هذه الظاهرة وأثرها في إثراء الشعر الفلسطيني بصور فنية، وبيّنا أهميتها من حيث كونها أداة من أدوات مواجهة الاحتلال، والمحافظة على الرواية الفلسطينية.
وفي ظل الصراع الوجودي الذي تخوضه الثقافة الفلسطينية، يتحول توظيف المعتقد الشعبي في النص الشعري من جمالية فنية مجردة إلى أداة مقاومة واعية وسلاح أيديولوجي فاعل؛ إذ يعمد الشاعر الفلسطيني إلى استدعاء هذه المعتقدات—سواء المرتبطة بالأرض والخصب أو بطقوس الموت والميلاد والتطير—ليجعل منها خط دفاع حضاري يحافظ على الرواية الفلسطينية الأصلية.
إن هذا التوظيف يعمل على دحض الأساطير والمزاعم التي يروجها الاحتلال الصهيوني حول ملكية الأرض والتراث، حيث يصبح "التراث" مرادفاً حتمياً لـ "التراب"، وتتحول الذاكرة الشعبية المشتركة إلى جبهة ثقافية عصية على الانكسار تؤكد التفاف الفرد حول قضايا مجتمعه ومصيره.
أما من الناحية الفنية، فإن استلهام المعتقدات الشعبية قد أحدث قفزة نوعية في التشكيل الجمالي للقصيدة الفلسطينية المعاصرة، مخرجاً إياها من قوالب التقريرية المباشرة إلى آفاق التعدد الدلالي والتناص الإبداعي. لقد أتاح الموروث الاعتقادي للشعراء أدوات تعبيرية طازجة تدمج بين الواقعي والأسطوري، ووفر طاقات تصويرية مشحونة بالحركة والإيقاع والنغم، تتجلى في ثنائيات الخصب والموت، والتفاؤل والتطير.
وقد تنوعت المعتقدات الشعبية التي رصدها النص في الشعر الفلسطيني المعاصر لتشمل ثلاثة محاور رئيسة؛ أولها المعتقدات المرتبطة بالأرض والشجر، وتتجلى في فكرة الاتحاد العضوي بالثرى والبعث على شكل نبات أو زهرة بعد الموت، وفي القدسية المطلقة لشجرة الزيتون المباركة باعتبارها رمزاً للخلود، والاعتقاد بنمو زيتون القدس من نواة ألقاها النبي ﷺ. وثانيها معتقدات الموت والميلاد والفرح، والمتمثلة في طقوس زيارة القبور يوم الخميس، واللجوء لـ "الندابة المحترفة" لرد الشياطين عن الميت، إضافة إلى طقس تحصين المواليد الجدد بطلاء أجسادهم بالملح والزيت لمنع الشقاء، والتبشير بدخول الفراشة للمنزل كرمز للفرح والضيوف. وثالثها معتقدات التطير والتفاؤل القائمة على التشاؤم من تغير أصوات القطط ليلاً لرؤيتها الأشباح، والخوف من القط الأسود المسكون بالعفاريت، والتطير من نعيق البومة التي تجلب الخراب، والغراب (غراب البين) الذي يرمز للفراق والموت.
وقد وقف الإسلام موقفاً حازماً وقائماً على التوحيد تجاه هذه المعتقدات؛ فهو يرفض ويحرم الشركيات والبدع كالتطير والتشاؤم بالحيوانات (كالقطط السوداء، والبوم، والغربان) لقوله ﷺ: «لا طِيَرَةَ»، كما يحرم طقوس النياحة والندب وشق الجيوب، ويرفض الأوهام السحرية والتمائم، في حين يقف موقف الإقرار والتوجيه لما وافق الشرع، كإثبات بركة شجرة الزيتون بنص القرآن بلا تقديس وثني، وإباحة زيارة القبور للعظة والدعاء. أما عن حكم توظيفها في الشعر، فيفرق الفقه والنقد الأدبي بين الاعتقاد بالخرافة وبين استدعائها الفني؛ حيث يجوز التوظيف الرمزي والمشروط باعتبار هذه المعتقدات أدوات تعبيرية، أو إشارات بيئية، أو صوراً مجازية يستخدمها الشاعر دون الإيمان بصحتها أو الدعوة إليها، بينما يُمنع ويحرم إذا كان التوظيف على سبيل المدح لها، أو الترويج للخرافة والشرك، أو ترسيخ العقائد الفاسدة في وعي المتلقي.
تساؤلات الدراسة:
تقوم هذه الدراسة على تساؤل رئيس هو: كيف وظّف الشعراء الفلسطينيون المعتقدات الشعبية الفلسطينية في شعرهم؟، وقد تفرع عن هذا التساؤل ثلاثة أسئلة فرعية هي:
١- ما دلالات استدعاء المعتقدات الشعبية في الشعر الفلسطيني المعاصر، وما هي مرجعيتها؟
٢-ما الأسباب التي دعت الشعراء الفلسطينيين إلى اللجوء لهذه المعتقدات؟
٣-ما القيم الجمالية التي أضفاها استدعاء المعتقدات الشعبية على الشعر ِّ الفلسطيني المعاصر؟
أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى:
١-الوقوف على أشكال المعتقدات الشعبية الفلسطينية التي استدعاها الشعراء الفلسطينيون في شعرهم.
٢- معرفة قيمة توظيف المعتقدات الشعبية في النص الشعري الفلسطيني، ودورها في التشكيل الفني.
٣-كشف مرجعيات المعتقدات الشعبية المستدعاة في النص الشعري الفلسطيني، واستجلاء دلالات ذلك.
منهج الدراسة:
تتبع الدراسة المنهج الوصفي من خلال الوقوف على نماذج مختارة من الشعر الفلسطيني المعاصر، حيث يعمد الباحثان إلى استجلاء الظاهرة بالرصد، والوصف، والتحليل.
الدراسات السابقة:
سبقت هذه الدراسة بعض من الدراسات التي تناولت توظيف الموروث الشعبي في الشعر الفلسطيني المعاصر، وأهمها:
١- دراسة حماد حسن أبوشاويش "توظيف التراث الشعبي في الشعر الفلسطيني للحفاظ على الهوية الوطنية: شعر سميح القاسم أنموذجا" ،(٢٠٠٧)، وقد سعى الباحث إلى استجلاء دور الموروث الشعبي في النص الشعري عند سميح القاسم، فدرس منه الأغنية والحكاية والمثل معتمداً على المنهج الوصفي، وقد خلص إلى أن توظيف القاسم للموروث الشعبي حقق جماهيرية القصيدة، باتساع انتشارها، وانفتاح دلالاتها على آفاق تعبيرية جديدة، ورأى أن مظاهر الفولكلور التي وظفها اسميح القاسم في شعره المتمثلة في الأغنية والحكاية والمثل، تراوحت بين الاقتباس والتناص، وقد نجح الشاعر في الربط بينها وبين الواقع النفسي الذي يعيشه.
٢-دراسة سعيد الفيومي، "الموروث الشعبي في شعر توفيق زياد، ودوره في المحافظة على الهوية الفلسطينية"، (٢٠٠٧)، وقد سعى الباحث إلى إلقاء الضوء على دور التراث الشعبي- ممثلاً في الحكاية والأغنية - في تشكيل شعر توفيق زياد ورصد الجانبين الحضاري والفني في عملية التوظيف، معتمداً على المنهج الوصفي، وقد توصل الباحث في دراسته إلى أن الموروث مثل في شعر زياد أداة انتقال من العجز إلى الفعل، وقد تجلت إفادة الشاعر من إمكانات الموروث الشعبي في تطوير لغة القصيدة، وقد مس الباحث جانباً يسيراً من المعتقدات الشعبية التي تطرق إليها توفيق زياد في شعره ممثلة في نقده لكرامات الأولياء والاستشفاء بالأحجبة التي ظهرت أوهاماً، وترسخت في العقل الجمعي.
٣- دراسة إبراهيم نمر موسى، "أشكال التناص الشعبي في شعر توفيق زياد"، (٢٠٠٩)،حيث تناول الشعر والحكاية والأغنية والعادات والتقاليد والمثل، وقد سعى الباحث إلى كشف دور شعر توفيق زياد في مقاومة طمس التراث الشعبي الفلسطيني، وتأكيد تغلغله في ذاكرة الفلسطينيين الجماعية، فدرس مظاهر التناص على المنهج الوصفي التحليلي، وخلص إلى أن تناص توفيق زياد مع الفولكلور منح نصوصه الشعرية أبعادا درامية، حيث انطلق الشاعر من رؤية ثورية تؤمن بقدرات الإنسان في قهر الظلم، وقد كان التناص وسيلة للشاعر بحث من خلالها عن البطولة الغائبة، وقد تعرض الباحث لبعض الإشارات الاعتقادية من خلال العادات والتقاليد التي وظفها توفيق زياد في شعره، مثل: رش الملح لإبطال الحسد واستخدام التعاويذ.
٤- دراسة ديانا ماجد ندا، "الأسطورة والموروث الشعبي في شعر وليد سيف" ،(٢٠١٣)، وقد تناولت الباحثة بالدراسة: الأغنية والحكاية والعادات والتقاليد والأزياء والألفاظ الشعبية، معتمدة على المنهج التكاملي، وقد سعت إلى تلمس دور كل من الأسطورة والموروث الشعبي في تشكيل شعر وليد سيف والعلاقة بينهما، وقد توصلت إلى أن توظيف ذلك الجانب التراثي مثل وثيقة لعدد من التقاليد الشعبية التي اندثرت أو هي في حكم الاندثار، كذلك كان الموروث الشعبي أداة لديه كشفت الواقع السياسي العربي.
يتضح من الدراسات السابقة أنها لم تتعرض للمعتقدات الشعبية بوصفها جزءا أصيلاً من الفولكلور الفلسطيني، ولم تقف على استلهام الشعراء الفلسطينيين له، وما ظهر من هذه المعتقدات في البحوث السابقة كان مجرد إشارات عابرة، ومع أن الباحثين يشتركان مع البحوث الثلاثة الأولى في استخدام المنهج الوصفي، فإنهما يفترقان عنهما في تقديم تفصيل أوفي لاستدعاء الشعراء الفلسطينيين للمعتقدات الشعبية، إضافة إلى تحديد مرجعيات هذه المعتقدات ودورها في كشف ارتباط الفلسطيني بأرضه، وهو الجانب الذي يزعم الباحثان أنه لم يتم تناوله من قبل.
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية هذه الدراسة أنها طرقت جانباً من جوانب الموروث الشعبي المتغلغلة في نفوس الناس، وكشفت عن توظيفها في الشعر الفلسطيني المعاصر، وتحولها سلاحا من أسلحة المقاومة.
حدود الدراسة:
تعتمد هذه الدراسة على نصوص مختارة من الشعر الفلسطيني المعاصر بعد العام ١٩٦٧.
خطوات الدراسة:
تقوم هذه الدراسة على مقدمة ومبحثين وخاتمة، حيث يستعرض الباحثان في المقدمة تساؤلات البحث، وأهدافه ومنهجه، وأهميته، إضافة إلى وقفة عند الدراسات السابقة، ثم يتناولان:
في المبحث الأول: مكانة المعتقدات الشعبية في الفولكلور.
أما المبحث الثاني: فيعرض الباحثان فيه لدلالات توظيف المعتقدات الشعبية في الشعر الفلسطيني المعاصر.
في حين تجمل الخاتمة النتائج التي توصل إليها الباحثان.
المبحث الأول: مكانة المعتقدات الشعبية في الفولكلور
يمثل الفولكلور الجانب الوجداني الحي للأمم؛ لأنه تجمع لتراكمات زمنية وحضارية، تكونت بفعل التجربة واتسمت بالبساطة، وسعة الانتشار وسرعته، وقد تنوعت الأشكال الفولكلورية وتطورت من قولية إلى حركية إلى حرفية، واتفقت جميعها على تدوين تاريخ الأمة التي ينسب إليها.
وتمثل المعتقدات الشعبية جانباً مهماً من الفولكلور، بما تحمله من تجارب الأمة وخبراتها، ويلاحظ على التعريفات اللغوية للفلكلور أنها تجمع متناقضين يتمثلان في اليقين والشك، فالرازي يربط بين المعتقد واليقين "اعتقد كذا بقلبه" (الرازي، د.ت:٣٣٠) في حين هناك من يرتقي إلى مرتبة اليقين الكامل؛ فالمعتقد هو "حكم لا يقبل الشك عند صاحبه" (عمر، ٢٠٠٨، ١٥٢٨/٣)، وهذا الرأي القطعي يرفع من قيمة المعتقد، لكنه لم يمنع جره إلى النقيض "ظن، تصور، حسب، توهم": خلافاً لما كان يعتقد، رسخ اعتقادا ً"(عمر، ٢٠٠٨: ١٥٢٨/٣).
وقد درج في المفاهيم الشائعة الربط بين المعتقد والدين، "فالعقيدة "في الدين ما يقصد به الاعتقاد دون العمل كعقيدة وجود االله وبعثه" (مصطفى وآخرون، د.ت: ٦١٤/٢)، كذلك: "اعتقدت كذا عقدت عليه القلب والضمير حتى قيل: العقيدة ما يدين الإنسان به" (مصطفى وآخرون، د.ت: ٦١٤/٢). كما حصروها في الجانب الإيجابي "وله عقيدة حسنة سالمة من الشك"، (المقري، ١٦٠: ١٩٨٧).
وتمثل هذه المفاهيم تطوراً في الفكر الإنساني الذي كان قد ربط بينها وبين السحر، فقد رأى البعض أن عقد السحر مرتبط بالنية والقصد (ينظر: ابن فارس، ١٩٩١: ٨٩/٤)، كما أنه يصل إلى درجة التصديق، والتسليم عند الآخرين.
وما من شك في أن ارتباط المعتقدات عند الإنسان القديم بالغيبيات، ودخولها في دائرة غير المنظور الحضاري، كان وراء تسميتها بالخرافات، والخزعبلات، على الرغم من أنها كانت تمثل عند شعوبها أحكاماً قيمة (ينظر: الجوهري، ١٩٧٨: ٤٢/١)، ترتقي في طبيعتها إلى مرتبة المسلمات.
وإذا كان المهتمون بالأمر قد ربطوا بين الدين والمعتقد، فإن هذا الربط يعود إلى فترة سحيقة كان الإنسان فيها يبحث عن الاستقرار النفسي، وقد وصل في مرحلة من مراحل تطوره الفكري إلى ضرورة إعادة النظر فيما يعتقد به "فبعد تلك المواجهة الانفعالية مع القدسي في أعماق النفس، يتدخل عقل الإنسان من أجل صياغة مفاهيم من شأنها إسقاط التجربة الداخلية على العالم الخارجي" (السواح، ٢٠٠٢: ٤٧)، فتكون هذه الصياغة إعادة تشكيل لمنظومته الفكرية والعقلية التي يدرك من خلالها الوجود.
إن المفاهيم المختلفة التي تناولت المعتقد- سواء عندما ربطته بالدين أو غيره، تنفق على وصول هذا المعتقد إلى درجة القدسية، بما يستلزمه من إذعان وتسليم لمفرداته، مما يعمق رسوخه عند الأجيال المختلفة، ويؤكد أن" المعتقدات الشعبية: عبارة عن مجموعة من التصور ات والأفكار الذهنية التي يؤمن أصحابها بصحتها، والتي لا تقبل الشك فيها لدى المعتقدين باعتبارها إرثا يتناقله الأبناء عن الآباء والأجداد فلازمهم مسيرة حياتهم" (أحمد، ٢٠١٣)، فكانت برسوخها داخل الوجدان الشعبي كفيلة بكشف الكثير من الخفي في هذا الوجدان.
وتحتل المعتقدات الشعبية رقعة كبيرة في مساحات الفولكلور الشعبي؛ إذ تتغلغل في مختلف مظاهره، وتمتد إلى السلوك، لنجد الفرد يحتكم ويسير وفقاً لما يمليه عليه هذا المعتقد، وقد رصد (بودكر) قيمة المعتقدات الشعبية ومكانتها عندما رأى أن الفولكلور هو: "العلم الذي يتناول ذلك الجانب من الحضارة المكون من الميثولوجيا (الخرافات الأولية) والأساطير، والحكايات، والألغاز، والأغاني، والأمثال، والتمثيليات، والألعاب، والرقصات، والمعتقدات الشعبية مع مراعاة أن الجزء الأكبر من هذا التراث ينتقل عن طريق النقل الشفاهي" (لتكرانس، د. ت: ٢٨٢)،.
وتتجلى هذه الشفاهية أكثر ما تتجلى في المعتقدات الشعبية، بل إنها قد تأخذ شكل السريان الخفي في أذهان أصحابها، إذ لا يمكن القبض عليها مثلما تفعل مع أغنية أو مثل، وإنما نجدها محدداً للسلوك، أو موجهة للفكر، ناهيك عن أنها قد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأشكال الفولكلور الأخرى، فتحملها وتعبر عنها.
وإضافة إلى قيمة المعتقدات في الثقافة الشعبية، فإنها تتحول إلى أداة إيجابية - رغم كل محاولات قرنها بالسلبية، فهي تسهم في إيجاد نقاط تقاطع في الفكر الاجتماعي، ولعل وحدة التعبيرات والتفسيرات لكثير من الأمور الحياتية تؤكد ذلك، فالمعتقدات تعد "الوسيلة التي تحقق التواصل بين أجيال المجتمع، مما ينمي الشعور بالولاء، والانتماء لدى الفرد نحو مجتمعه" (أحمد، ٢٠١٣) فيسهم في خلق حالة ثقافية مميزة، ترتبط بالوحدة الزمانية والمكانية للمجتمع.
وتبقى المعتقدات خير مترجم لتوجهات المجتمع، وبخاصة أن من سماتها سعة الانتشار والانتقال عبر الأجيال المختلفة. إذ إن " استمرار عدد معين من المعتقدات والنظم الاجتماعية والممارسات يدل على أنها أشبعت حاجات هؤلاء الذين عاشوا وفقاً لها" (شيلز،٢٠٠٤ :٤٤٢).
واختاروها من بين مظاهر شتى لتكون نظماً يحمل أدبياتهم في الحياة، ويترجم مواقفهم منها، ويكشف رؤيتهم لها "فالمعتقدات هي المحرك وراء كل الطقوس والممارسات الاجتماعية التي يقوم بها الفرد سواء أكان منفرداً أم مع جماعة" (طه، ٢٠٠٩: ١٦)، وقد يكون هذا كافياً لوضع يدنا على قيمتها في الثقافة الشعبية، وتلمس دورها في حياة الناس.
إن المعتقدات الشعبية وهي تنتقل جيلاً بعد آخر فتحمل ثقافة الأمة وسماتها، تنكشف عن حدود حضارية وضعها الفرد ليتكيف مع محيطه القريب والبعيد، إنها "لغتها التي تنطق بحضارتها، وأصالة ما فيها، وتعبر عن كل ذلك بالقول والعمل، في لحظة التقاء الماضي مع الحاضر، والتقاء الفكر،والخيال، والواقع" (عوض، ١٩٨٨)، فهي الجامع الموحد لأفراد الأمة، وهي الكاشف لحقائق وجودهم، والمعبر عن امتداداتهم في الماضي.
وقد تكون هذه النقطة مدعاة للتوقف عند النظر إلى المعتقدات الشعبية الفلسطينية، ودورها الحضاري في كشف الكثير من جوانب العلاقة التي تربط الفلسطيني بأرضه، وسيستأثر هذا الجانب باهتمام الباحثين ضمن هذه الدراسة، إلا أن الوقوف على مرجعيات المعتقدات الشعبية يبقى مهما في كشف أصالتها، وعمق انتماء أصحابها للأرض التي يقفون عليها.
وما من شك في أن المعتقدات عندما تأخذ صفة الشعبية والإيغال في القدم، فهي تجمع بين موروثات ثقافية عدة، فقد تكون ولدت من رحم أساطير نشأت من أنواع من الطقوس، ووجود طقوس نشأت من أساطير، ويعبر الكلام في الطقس عن الفكرة، كما يعبر السلوك والحركة عن الصورة الذهنية التي تنشأ أثناء التفكير" (طه، ٢٠٠٩: ١٣).
وهذا التداخل يعكس الجذور الضاربة للمفاهيم الاعتقادية السائدة في المجتمع الفلسطيني، لا سيما أن الأرض الفلسطينية عبر التاريخ شهدت تقاطعات ثقافية وحضارية كبيرة، جعلت من الفلسطيني يصوغ معتقداته إما كشفاً أو إلهاماً، أو بالعودة إلى تراثه القديم (ينظر: الجوهري، ١٩٧٨: ٤٢) الذي يتداخل فيه الوثني مع العربي مع الإسلامي مشبعاً بمختلف المظاهر الثقافية التي مرت على الأرض الفلسطينية.
ولعله من المفيد هنا عندما نربط بين المعتقدات الشعبية الفلسطينية والموروث الحضاري ألا تغيب عنا الحقائق التي تعترف بوجود الفلسطيني على أرض فلسطين منذ القدم، فالعدو الذي يدعي أن وجوده في أرض فلسطين يعود إلى آلاف السنين مزوراً ملكيته للأرض، تغيب عنه حقيقة مهمة هي أن أصحاب هذه الأرض مقيمون فيها قبل أن تطأها أية قدم يهودية (ينظر: هيكل، ١٩٧١: ٢٥) ما يعني سهولة إرجاع أي مظهر ثقافي فيها إلى أصحابه الأصليين، ولعل هذا يعطينا من المؤشرات الكافية التي يمكن من خلالها أن نسترشد بوقائع محددة في تحديد مرجعيات المعتقدات الشعبية الفلسطينية، وبخاصة أن مكونات الثقافة الشعبية بكل ما تحتويه من أخبار وأحداث تثبت الجذور الكنعانية للفلسطينيين.
ٕواضافة إلى ارتباط المعتقد الشعبي الفلسطيني بأصالة الشعب الذي يحمله، وتحول هذا إلى أداة معنوية في الصراع، فإنه يشكل أداة فاعلة في دفع المجتمع نحو تحقيق إنجاز بعينه، إذ "تلعب المعتقدات الشعبية دوراً خطير في توجيه سلوك الأفراد والمجتمع، حتى ليبلغ إيمانهم بصحة هذه المعتقدات حداً يجعلهم يخالفون العلم، وحتى الدين الصحيح في سبيل تطبيق ما تدعو إليه" (البوجي، ٢٠١٤: ١٠٨)، فمكانتها قد تتجاوز القداسة، وهي بوصفها مزيجا يجمع الفكر والسلوك، تكمن أهميتها في تحولها إلى سلاح في الصراع مع العدو.
إن الانكفاء على موروثنا الشعبي يأخذ قيمته في تحوله سلاحاً مقاوماً، وأداة للدفاع عن وجودنا في باقي أرضنا، وبخاصة بعد أن سرقها العدو، وحاول نسبتها هي وغيرها من المظاهر الثقافية الموجودة – ليس في فلسطين وحدها ٕوانما في المنطقة بكاملها – إلى التوراة.
ومثل هذا الأسلوب لا يعدُّ جديداً، فقد لجأت إليه الشعوب الأوروبية في القرن التاسع عشر عندما دخلت في مواجهة لإثبات وجودها في معركة تكريس القومية فقد "عادت إلى الماضي ٕوالى الإنسان العادي البسيط للتعرف على جذورها وأصولها من أجل تحديد هويتها القومية وزيادة وعيها القومي وذلك كجزء من الأيديولوجية القومية الرامية إلى التحرر الوطني" (كناعنة، ٢٠١٣: ١٤)، فالثبات على الأرض يستمد وجوده من ثبات ثقافة أصحابها.
لذلك فإن الربط بين التراث والتراب عند بعض الباحثين (ينظر: أبوهدبا، ١٩٩٥: ٢١٢) يتجاوز حدود المشابهة اللفظية إلى ما هو أعمق، إلى الهوية الكيانية التي تثبت وجود الفلسطيني مرتبطاً بأرضه من جهة، وملتحماً بثقافته الموغلة في القدم من جهة أخرى.
من هنا "أصبح الفلكلور الفلسطيني جبهة أساسية وسلاحاً من أسلحة المواجهة من أجل دحض كافة المزاعم والأضاليل التي يروجها العدو الصهيوني حول وجود حقوق الشعب الفلسطيني وتطوره، وتراثه الحضاري والثقافي" (البوجي، ٢٠١١: ١٢)، وتبقى المسألة مرهونة في كيفية توظيف هذا السلاح بما يكفل لنا نتائج إيجابية.
المبحث الثاني: دلالات توظيف المعتقدات في الشعر الفلسطيني
إن لاستدعاء المعتقدات الشعبية في الشعر الفلسطيني المعاصر أبعادا حضارية، ترتبط بجوهر الصراع مع العدو الصهيوني، وأبعاداً جمالية تمتد إلى إثراء التجربة الشعرية وتطعيمها بظواهر فنية متجددة، وفي كلتا الحالين، فإن القاسم المشترك بينهما يبقى تأكيد أصالة انتماء الفلسطيني إلى أرضه وثقافته.
ويعد ظهور المعتقدات الشعبية الفلسطينية ركيزة في النص الشعري شكلاً من أشكال العودة إلى الجذور؛ فالشعر نشأ أساساً في أحضان الأساطير والخرافات والمعتقدات التي كانت قادرة على تحريك المخيلة، وهذا إن كان يظهر ارتداداً نحو القديم فإن فيه من معايير الحداثة ما يفي بتعميق التجربة عندما تتوجه إلى البحث عن لغة مناسبة تتجاوز النمط القديم، تكون قادرة على تشكيل وحدة مع الوجود، فمادة المعتقدات الشعبية تمنح الشاعر انطلاقة نحو المجهول الذي تلفه اللذة، ويقودنا إليه حب الاكتشاف ليفرض علينا "ضرورة الالتحام بين اللغة والتجربة، وهي الضرورة التي يحس بها، ويقررها الشاعر المعاصر، من شأنها أن تجعل لكل جزئية من جزئيات الوجود، أي كل تجربة جزئية لهذا الوجود لغتها الخاصة" (إسماعيل، د.ت: ١٨٠)، وحضورها الخاص عبر إدراك رؤيوي يحكمه الموقف الفكري للشاعر.
إن المواجهة التي يخوضها الشاعر الفلسطيني باعتماده على سلاح الأصالة والانتماء "يحفظ الجذور الفلسطينية حية نامية، ويجعل من الشعر أغنية يشدو بها الناس في حقولهم، وحلقات السمر في دبكاتهم ورقصاتهم" (عليان، ١٩٧٨: ٤٥٧)، فيعطي العلاقة بين النص ومتلقيه صفة الفاعلية، لينتقل الشعر الفلسطيني من مرحلة الصمود والحفاظ على الهوية إلى مرحلة المواجهة بنفي أباطيل الآخر.
كما أنه يرسخ المفاهيم الجديدة للشعر، ويعطي لحداثة النص بعده الحقيقي عندما يربط بين الموروث والواقع المعاصر، فقد " بات من الضروري على الشاعر المعاصر إذا أراد ألا يكون مقلداً لسابقيه، وأن يجدد في طرق تعبيره وأدواته الفنية تماشياً مع هذا المفهوم وهذه الفلسفة الرامية إلى تغيير الرؤية والأشكال والقوالب" (بالحاج، ٢٠٠٤: ١٦) بأدوات تتعمق في الموروث وبخاصة الفولكلوري الذي يتجلى فيه أهمية اعتماد الشاعر الفلسطيني عليه لإيغاله في القدم وارتباطه بالوجود الكنعاني من جهة، ولأن هذا الموروث - وعلى رأسه المعتقدات الشعبية بما تمثله من قدم - ظلت مداراً من مدارات الصراع مع العدو.
وقد استوعب الشاعر الفلسطيني قيمة المعتقدات الشعبية ودورها المؤثر في حياة الأفراد، ورأى فيها مادة خصبة لإثراء شعره، ومده بالعديد من الأفكار والصور، ناهيك من تحولها إلى أدوات مقاومة لا تقل في أهميتها عن السلاح.
وقد تعددت مناحي توظيف هذه المعتقدات وأخذت دلالتها اتجاهات شتى هي:
أولاً: الارتباط بالأرض:
تمثل الأرض نقطة الصراع الرئيسية بين الفلسطينيين والصهاينة، فقد ذهب كل طرف يقدم حججه التي تكشف ارتباطه بها، وقد وجد الشاعر الفلسطيني في تراثه الكنعاني ما يكفي لإثبات أحقيته في فلسطين، فكانت المعتقدات المرتبطة بالأرض تمثل الجانب الأكبر من اهتماماته.
وتتجلى حيثيات هذا المعتقد في أن الأرض أصل الإنسان يخرج منها، ويعود إليها عند مماته؛ فالمرء لا بد أن يدفن في الأرض التي ولد فيها، لأن االله خلق جسده من عناصرها (ينظر الساريسي، ١٩٨٠: ٢١٩)، فالارتباط بينهما يجمع بين المادي والروحي.
ولهذا المعتقد جذوره عند الكنعانيين؛ إذ " يقولون في عهد الملك الكبير إن الإنسان عندما يموت يذهب ليستريح قرب حبيبته الأرض حيث تتوقف روحه عن الضوضاء" (ميلكو، ١٩٨٠: ١٢٤)، وقد كان من مظاهر تقديس الكنعانيين للأرض أنهم اعتقدوا أنها ذات روح، وخيرة، وهي أمور كافية لدفع الفرد إلى تقديسها والتعامل معها (ينظر: ميلكو، ١٩٨٠: ١٨٣)، فهي التي تمنح الإنسان الحياة.
وقد تجلت هذه الفكرة في مشهد رسمه أحمد دحبور للمقاومة الفلسطينية في منطقة الأغوار إبان وجودها في الأردن، ففلسطين كانت تتوارى خلف أسلاك شائكة، في حين كان الفدائي الجريح النازف يتطلع إلى الالتحام بأرضها:
يا أرض الغور خذيني..
غطي، بهشير النهر، جبيني..
فأنا أتسرب منذ كشفتك، من جسد الميت..
وأنا أتجمع في صوتي
لأشيع صدىً.. فخذيني
لأضيء دماً .. فخذيني
يا أرض الغور سلامات
آتيك أنا .. فخذيني
ومتى ما هاجر طيفي فوق الماء
وترجل، في عينها، مرتاحاً بين الشهداء...
فسأشهدها تعطيني
فرحاً.. وديوناً توفى أكثرها
ويكون لقاء (دحبور، ١٩٨٣: ٢٢٣، ٢٢٤).
يكشف المعتقد الشعبي طبيعة العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، فقد كان حلم ذلك المقاتل الوصول إلى الجانب الآخر من نهر الأردن -وهو مثخن بالجراح، والراحة عنده هي أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على ثرى الوطن، فاللقاء المرجو بين الشاعر/ المقاتل، ومحبوبته عندما يشكل نقطة الختام بعمله الكفاحي، فهذا لا يعني النهاية، إذ الدم جدير بأن يجدد دورة الحياة للأجيال القادمة.
كما أن العودة التي يرسم صورتها تأخذ بعداً جمالياً في النص عندما جمع بين الجانبين: السمعي، والبصري في الصورة، فتكراره فعل (خذيني( مخاطبا الأرض أربع مرات جاء متعالقاً مع صوته الذي يطلقه فيتردد الصدى، في حين تلقي هذه الدلالات السمعية بظلالها على جانب الضوء في الصورة، عندما يصبح الدم مصدر الضياء.
لقد ظلت الراحة التي يطلبها الفرد باحتضان تراب فلسطين والالتحام به فكرة منشودة عند الشعراء الفلسطينيين، جاروا فيها المتصوفين، فمثّل الموت بذلك على أرض الوطن والدفن في ترابه طقوساً لمرحلة التجدد والانبعاث، تقول فدوى طوقان:
كفاني أموت على أرضها..
وأدفن فيها..
وتحت ثراها أذوب وأفنى..
وأبعث عشباً على أرضها..
وأبعث زهرة )(طوقان، ١٩٩٣: ٤٢٦).
لا يتحول الموت هنا على أرض فلسطين سبباً للراحة فحسب، بل هو السر الذي يبعث الحياة من جديد، إنه مبلغ غاية الشاعرة، ويلاحظ هنا أن استدعاء المعتقد الشعبي المتمثل في الاتحاد مع الأرض عندما يدفن فيها يتعالق مع أسطورة الموت والانبعاث التي تكتمل بظهور شقائق النعمان (أبعث زهرة) وهذه النهاية هي مرتكز أسطورة أدونيس وأفروديت اليونانية، أما جوهرها بالانبعاث على شكل زهرة فقد ورد في أسطورة بعل الفتاة الكنعانية (ينظر: إمام، د.ت: ٤٨، وأوفيدو: ١٩٩٢: ٢٣١، وحاتم، ١٩٨٨: ١٠٨، وكريمر، ١٩٧٤: ١٦٠).
ومن هنا يتضح أن هذا المعتقد تداخل مع كثير من مظاهر الموروث الأسطوري مما يؤكد انفتاح الرؤية منذ القدم عند أصحاب هذه الأرض على المكونات التي شكلت ثقافتهم، كذلك لا نعزل إدراك الشعراء واستيعابهم الموروث وقدرتهم على إعادة تقديمه معبراً عن حركة النضال الفلسطيني، ومتناغماً مع الواقع المعيش.
وقد امتدت المعتقدات الشعبية الفلسطينية المرتبطة بالأرض إلى ما يتخلق من جوفها أي: الشجر، وهذا النوع من المعتقدات ينظر إليه من خلال "علاقاته كأشجار تنبت في مكان معين وتعيش فيه، ومشهورة بأنها من تلك البيئة، وأنها أشجار لها رائحة ونكهة، وتحمل سمات فلسطينية معينة، وهذه السمات تلون الكلمات والطريقة بألوان متجانسة تدل على الأصل، ولا تضيع إذا اخترقت الحدود وسافرت بل تبقى هي لا يمكن أن تحتوى وتفنى" (رمضان، ١٩٩١)، وهنا يمكن أن تتحول إلى عنوان للحالة الفلسطينية.
تعد شجرة الزيتون من أهم الأشجار التي ارتبطت بالمعتقدات الشعبية الفلسطينية ؛حيث يتداخل في تشكيل هذا المعتقد الأسطورة والدين والممارسة الحياتية، فهي "أول شجرة زرعت في الأرض وهي من أشجار التجدد وقد دعيت بشجرة الطفل دلالة على علاقتها بالخصب والحياة" (رمضان،١٩٩١)، كما أن الفلسطينيين" يقدسون شجرة الزيتون وبخاصة تلك التي بجوار الصخرة المشرفة، ويقال: إنها نبتت من نواة رماها النبي -صلى الله عليه وسلم عندما أسرى به" (سحاب، ١٩٩٣: ١٦٠).
ولا تقف هذه القداسة على زمان أو مكان أو فئة بعينها؛ إذ إن الفلسطيني يعتقد أن شجرة الزيتون مباركة حيثما وجدت، وذلك في عرف المسيحيين أو المسلمين على السواء (سحاب،١٩٩٣: ٩٨).
وقد امتد هذا الاعتقاد إلى استخدام أوراق الزيتون في الطب الشعبي لشفاء بعض الأمراض (سحاب،١٩٩٣: ١٠١). إن في هذه الدلالات ما يوحي بالأصالة والعراقة، فقدسية شجرة الزيتون وامتدادها إلى الماضي السحيق جعل منها رمزاً للتشبث بالأرض؛ فتحولت عند الشعراء إلى رمز الوطن والثورة، واكتسبت لديهم أبعاداً خاصة، فمثلت الماضي في تعاقبه مع الحاضر، وتطلعه إلى المستقبل.
وقد وجد (سميح القاسم) دلائل الخلود فيها وفي غيرها من أشجار الوطن:
كبرت دوالينا وشاخ اللوز…
والزيتون صاح: أنا الخلود..
صارت مضاربنا مدائن..
صارت مراعينا جنائن…
وشتاؤنا صارت لياليه َ المبخرة المثيرة...
ميدان رواية الجدود، عن الجدود عن الجدود (القاسم، ١٩٩٢: ٣٤٦/١).
إن هذا التجذر في الأرض الذي مثلته شجرة الزيتون هو تجذر الفلسطيني ذاته عندما ارتبط بفلسطين، اذ التقى الاثنان في صفة الخلود ، والانتماء الأبدي، فصار الزيتون الشجرة الأم، في حين استدعاء مكان (لصهيوني) هو الغريب، وثمة لفتة ذكية من الشاعر يشير بها إلى تبدل الحال في فلسطين بفعل الزمن من البداوة إلى الحضارة (المضارب مدائن والمراعي جنائن) بفعل المد الأوروبي الاستعماري على أرض فلسطين، إلا أن هذا كله لم يغير من واقع فلسطين التاريخي والحضاري الذي ارتبط بالماضي السحيق، متمثلاً في الأصل الكنعاني الذي عبر عنه برواية الجدود مكرراً إياها في خاتمة النص ثلاث مرات.
ثانياً: الموت والميلاد والفرح:
يتداخل الموت والميلاد والفرح في تشكيل تجربة الإنسان على الأرض، تلك التي كانت تدفعه إلى التأمل بحثاً عن تفسير لظواهر شتى يعيشها، فكان من الطبيعي أن تكون المعتقدات أو الأدوات التي يلجأ إليها بوصفها من صناعته، كما أنها الوحيدة المتاحة له آنذاك.
وقد تسربت هذه المعتقدات، وأصبحت تسيّر كثيراً من مظاهر السلوك عند الفلسطيني، ومنها زيارة قبر َ المتوفى والتحلق حوله، وهذا يتم َ باطراد على مدار السنة الأولى للوفاة، وبخاصة يوم الخميس يقرءون الفاتحة وما تيسر من القرآن الكريم (ينظر: سحاب، ١٩٩٣: ٦٧).
ومن الواضح أن الوثني والديني يتداخلان في تشكيل هذا الطقس، وأن الناتج المشترك بينهما هو إظهار الحزن على الميت، وقد استدعى توفيق زياد معتقد زيارة قبر الميت من قبل أهله وأصحابه في حديثه عن الطفل (عمر) الذي قضى مريضاً:
كلهم جاءوا سريعاً..
والتقوه للمرة الأولى..
على القبر الطري..
جلسوا حفل وفاء وتعارف ..
جلسوا حفل لقاء ووداع لعمر..
صاحبي الأصغر مدحية تمر وفراشة..
ثم راحوا مثلما جاؤوا...
تلاشوا.. واختفوا… (زياد، ١٩٩٤: ٧١).
عمل الأسلوب السردي على تقريب الصورة التي رسمها الشاعر للمشهد، وقد َ طعمه بإشارات رمزية، فالذين جاءوا لزيارة عمر في قبره القيم الضائعة التي حرمتها الطفولة، وأفقدتها بهجة الحياة. وهي قيم ظلت غريبة بفعل تبدل الحال، وعلى الرغم من أن الشاعرة اتخذت من الحدث أداة لهز ذاكرة الإنسانية، فإن الموقف ينتهي برحيل كل من جاء.
وترتبط بالموت معتقدات خاصة بظاهرة َ الندابة التي تقوم بالبكاء على الميت حيث "يتوالى الناس على النواح جلوساً والندب وقوفاً" (سحاب، ١٩٩٣: ٦٤)، وكان بعضهم يستأجرون ندابات لندب الفقيد، وربما تبعنهم الندابات نابشات شعرهن" (سحاب، ١٩٩٣: ٦٤)، وهذه الطقوس هي التي صاحبت موت (بعل) بعد أن نزل إلى (موت)، وجابهه في العالم السفلي كما تحدثنا الأسطورة الكنعانية (ينظر: كريمر، ١٩٧٤: ١٨٧).
وتفسير هذا السلوك يرتبط بمعتقد كنعاني وهو محاولة إنقاذ الميت من براثن الشياطين، عندما تكشف النساء النادبات عن صدورهن، َ ويشعن شعورهن أملاً في تحقيق المراد، (ينظر: ميديكو، ١٩٨٨: ١٠٧)، ومع الأخذ في الحسبان أن كثيراً من تفاصيل هذا المعتقد قد اختفت بحكم الدين الإسلامي إلا أن بقاء بعض من مظاهره- ولو إلى فترة ليست بالبعيدة -يتناغم مع ما ذكرنا حتى لو كان تناغماً شكلياً.
وقد صور توفيق زياد هذا المشهد ناقلاً لنا ما تفعله الندابة في الجنازة:
يعمل المرتد بالمثل الشعبي:
اقتل كيفا شئت: ولكن
امش في رأس الجنازة
وابك كالتمساح ما شئت
ومزق ثوبك الأسود
واضرب صدرك الدالق
وانتف شعرك الباقي على رأسك
واندب
والطم الخدين
وافعل كل ما تفعله الندابة المحترفة (زياد، ١٩٩٤: ١٠٣).
يرسم الشاعر صورة للانتهازيين في المجتمع موظفاً المثل الشعبي "يقتل القتيل ويمشي في جنازته" (اليوسف، ٢٠٠٢: ٣٨٦)، ولأن هذا الفعل يتصف بالشناعة، فإن توفيق زياد يرفده بتفاصيل المشاركة في هذه الجنازة إمعاناً في السخرية السوداء من الموقف وزيادة في سياسة الخداع التي يتبعها أولئك الانتهازيون، وقد تداخل الشكل البنائي للنص مع مضمونه ومع حيثيات الطقس الاعتقادي، فالحركة المتوالية التي تقوم بها َ الندابة، ظهر معادل لها في بنية النص متمثلة في توالي تسعة أفعال حركية، افتتح الشاعر بها أسطره في النص، مما ولد إيقاعاً نغمياً خاصاً يتآلف مع دلالة توظيف المعتقد.
وفي مقابل معتقدات الموت التي استدعاها الشاعر الفلسطيني، وجدت مظاهر طقوسية ارتبطت بلحظات الولادة، وكانت أحد المظاهر التي كان الكنعانيون يحاربون بها ظاهرة الموت المبكر للأطفال، حيث يدهنون أجسادهم عند الولادة بالزيت والريحان (سحاب، ١٩٩٣: ١٣) اعتقاداً منهم أن "الزيت يمد الجسم ببركة أطول عمراً" (سحاب، ١٩٩٣: ١٠٢)، وهناك من يجعل الملح مع الزيت ركناً أساسياً في هذه العملية فــ "حالما يولد الطفل تتعهده الداية (القابلة) بعنايتها، فتملحه بالزيت، والملح، لأن الجلد المملح لا تتقيح جروحه، ويعتقد الناس أن الطفل الذي لا يدهن بالزيت المملح تفسد طباعه" (سحاب، ١٩٩٣: ١٣).
ومثل هذا المعتقد تعود جذوره إلى الكنعانيين؛ إذ اشترك فيه العامة والخاصة، فلم يكن طقس المسح بالزيت طقساً مقتصراً على الملوك والكهنة في بداية ظهوره عند الكنعانيين، فقد كان طقساً شاملاً لعامة الشعب، يقوم به الإله أيل تبدل هيئة الشخص لكي لا يقع عليه الشقاء" (الماجدي، ٢٠٠٠: ٢٥٥)، وما من شك فإن مكونات هذا المعتقد لا تقف عند حدوده الكنعانية؛ إذ تتدخل المرجعية الدينية الإسلامية، لارتباط الزيت بشجرة الزيتون،كما أنه يرتبط بالخبرة الحياتية عند الفلسطينيين الذين كانوا يستخدمون الملح مع الزيت علاجاً في الطب الشعبي (ينظر: عوض، ١٩٩٤: ١٣٥/١).
يتحول هذا الطقس الاعتقادي عند سميح القاسم إلى احتفال بقدوم المولود الجديد:
يا أهل البيت تعالوا بالغبطة والورد
وتعالوا يا أهل البيت
غطوا جسم الطفل القادم بالملح والزيت
هو ذا يمشي خطوته الأولى
رشوا قدميه بماء الريحان (القاسم، ١٩٩٢: ٥٠/٣).
يصور الشاعر لحظة الفرح بالطفل الوليد، وطالما أنه ولد لفلسطين فرحاً وابتهاجاً (إشارة إلى طفل الانتفاضة)؛ فلا بد أن تكون مظاهر الاحتفال به فلسطينية كاملة، تستجيب لمعتقدات تأصلت عند الفلسطينيين، لذلك فإن الصورة التي يقدمها النص تعكس- على بساطتها- جمالاً عندما يلتقط الشاعر هذه الجزئيات الاحتفالية، ليؤكد أصالة المواجهة مع العدو ببدايتها من أيام الطفل الأولى الذي يحصنه أهله بمظاهر وطقوس فلسطينية أصيلة.
وقد ربط الفلسطينيون في معتقداتهم بين الفراشة ومظاهر الميلاد، ورأوا أن "دخول فراشة إلى البيت يعني مجيء ضيوف أعزاء" (حداد، ١٩٩٧: ٩٩)، رأوا "أن الفراشة لا تدخل بيتاً إلا لتحمل إليه خبراً ساراً" ٠سحاب، ١٩٩٣: ١٦٧).
وقد وظف أحمد دحبور هذا المعتقد في حديث الأم عن طفلها المنغولي لحظة تأمله:
وددت أن أدخل في صمتك الخاوي
وأسري في الفراغ الذي
يحتل عينيك لعلي أرى
فراشة تحوم أوجندباً
يقفز من روحك أو دمعة
تدلل الرؤيا بملح المزاج (دحبور، ١٩٩٧: ٩٩).
يصور الشاعر لحظة حزن مأساوية- عندما وقفت هذه الأم لتطالع المأساة التي تعيشها هي بفعل طفلها متكئاً على المعتقد الشعبي، فتحاول أن تبحث عن لحظة الفرح، عن الفراشة التي يفترض أن تكون قد حملت الخبر السار عند قدوم هذا الوليد، لكنها لا تجده، فتتحول دلالات الفراشة إلى الضد، معتمداً على التوظيف العكسي، فقد ظهرت الفراشة بدلالات تخالف المتعارف عليه ومثل هذه التقنية تولد إحساساً بالمفارقة بين المفهوم الثابت والمفهوم المتغير (ينظر: زايد، ١٩٧٨: ٢٥٥)؛ لينقل الشاعر بهذا الأسلوب من الجمود إلى الحركة التي تشرك المتلقي في خلق دلالات جديدة للنص.
ثالثاً: التطير والتفاؤل:
ترتبط مظاهر التطير والتفاؤل بالإنسان منذ أن وجد على سطح البسيطة، وقد خضعت هذه المظاهر لتجربة الفرد، وغلب عليها التفسير السطحي الذي كان يقوم على الصدفة، إلا أن ما يلاحظ هو اشتراك مختلف الأمم في كثير من مناحي التطير والتفاؤل، وهذا يعود إلى وحدة التجربة الإنسانية والتواصل الثقافي الذي رسم علاقات الأمم المختلفة.
كما تظهر الخرافات سيطرة على الإنسان في جوانب التطير والتفاؤل أكثر من غيرها من مظاهر الفولكلور فهي "ضرب من الجبن أمام القوى الخارقة للطبيعة"، والمؤمن بالخرافة هو ذلك النوع من الناس الذي لا يخرج من دائرة أول النهار إلا بعد أن يغسل يديه، ويرش نفسه بالماء من العيون التسع، ويضع في فمه قطعة من ورق شجر الغار" (بارندر، ١٩٩٣: ٦٢ ،٦١) خشية أن تصيبه العين فيتحول إلى شرير، أو تقتله أو تسلب ماله، لذلك نجده يستجيب سلوكياً لهذا النوع من المعتقدات بشكل سريع، فتطبع تصرفاته، وتسير توجهاته.
وقد ترددت معتقدات التطير والتفاؤل في الشعر الفلسطيني المعاصر، من ذلك ما ارتبط بتغير أصوات القطط لتنذر بشؤم ما حدث، أو ما سيحدث مثلما يفعل "القط الذي يموء ليلاً مصدر صوتاً كبكاء الأطفال، وتفسير ذلك أن الحيوانات تلجأ إلى تنبيه أصحابها عندما ترى الأشباح فتغير صوتها" (عوض، ١٩٨٥)، وقد تجلى هذا المعتقد عند سميح القاسم في صورة المستشفى الذي قصفته الطائرات الصهيونية، حيث جعل من القط شاهداً على المجزرة واستمراراً لشؤم قادم:
في المستشفى
المقصوف جواً قبل لحظات
ممرضة تسعف ممرضة
قط أغبر يموء بهلع
وجثة تحمى جثة
ثمة مزهرية مقلوبة
سالمة تماماً
كالطائرة العائدة إلى قواعدها (القاسم، ١٩٩٢: ٣٧/٣).
إن المشهد رغم دمويته ومأساويته، يتشح بالمفارقات الساخرة، فالذي تعرض للقصف هو مشفى يعج بالمرضى، والقتلى هم أنفسهم المرضى الذين جاءوا يبحثون عن أمل في الحياة، وعمليات الإسعاف تتم من ممرضة إلى أخرى؛ لأنه لا أحد بقي حياً، فما تبقى من المشهد الجثث التي تحمي بعضها بعضاً، إشارة إلى كثرتها، والقط الشاهد هو نذير الشؤم، في حين كانت المزهرية المقلوبة سليمة لم ينلها ضرر، مثل طائرات العدو.
ويوسع سميح القاسم دائرة استدعاء المعتقدات الخاصة بالقطط وبخاصة ذوات اللون الأسود، فنذير الشر يلوح أمام الفرد "إذا شاهد قطاً أسود اللون" (عوض، ١٩٨٥)، يقول مصوراً انفتاح المصعد الذي كان يستقله على قط أسود:
خفت، سحبت القلم الأسود من جيبي
وضغطت.. الزر الغامض
فانزاح الباب، وفاجأني في المصعد قط أسود
قلم أسود ..قط أسود
يوم أسود (القاسم،١٩٩٢: ٧١/٣- ٧٢).
يلوح نذير الخوف من بداية المشهد، والتوقعات تنكشف مع انكشاف المشهد على ذلك القط...السواد يتجلى ليصبح ممتداً من (المكان) انزاح الباب (إلى الزمان) يوم أسود، وهو ما ينذر بشر لا مفر منه، وتفسير هذا المعتقد يعود إلى أصول دينية قديمة تقوم على الربط بين دلالات اللون الأسود السلبية والشر الذي يحيق بالشخص، و" ثمة من يعتقد أن القطط السود تؤوي في أجسادها العفاريت" (سحاب، ١٩٩٣: ١٥٦)، لذلك كانت رؤيتها عند البعض تبعث على الرهبة والخوف.
في حين لا يكون الدين غائباً في تفسير هذا الأمر حيث "يلاحظ أن معتقدات الأديان جميعاً تتفق على صفة السواد للحيوانات التي يسكنها الشيطان، فيما لون الحيوانات التي يسكنها الأولياء أبيض" (سحاب، ١٩٩٣: ١٥٣)، وربما يفسر هذا الأمر ميل غالبية الناس إلى اللون الأبيض، وربطهم اللون الأسود بكل ما هو سلبي.
ومن دلالات التطير المستندة على المعتقدات الشعبية، البومة وما تمثله من شؤم وسوء طالع. فقد تحولت رمزاً يرتبط بالخراب، ويعود ارتباطها بالخراب والمصائب إلى شكلها القبيح، ولونها، وصوتها الذي ينُظر إليه بوصفه خبراً سيئاً، وربما كانت أوضح صورة للتطير من البومة في القرية الفلسطينية وجودها بكثرة تبعاً للفضاء المفتوح للأشجار فيها، "ويخشى الفلاحون نعيق البوم في المساء إذ يعني نعيقه مسخاً أو روحاً شريراً في شكل بوم رأى لصاً أو ضبعاً في الجوار" (سحاب، ١٩٩٣: ١٥٧) فالبوم يرتبط بالشر، ومثل هذه الدلالات التي ترتبط بمرجعيات ميثيولوجية، واجهها الفلسطينيون "بقراءة القرآن وبعض المشعوذات للوقاية من هذا الشر، لأن البومة مكان حياتها في الخرائب. فيتوقعون خراب البيت الذي تدور حوله" (البوجي، ٢٠١٤: ٩٤)،كما أنها "لا تشرب الماء بل تشرب الدماء وتسكن المقابر، وهذا سبب تشاؤم الناس منها وعدم تلفظهم باسمها" (البوجي، ٢٠١٤: ٩٤).
ومن هذا المنطلق لم يكن غريباً أن تظهر البومة مرتبطة بدلالات الموت والانكسار في الشعر الفلسطيني المعاصر وهو ما نقله أحمد دحبور عندما طالع الحياة أمامه:
أين الناس؟
هل أنت الحضور وهم غيابك؟
أم لعلك لم تكن يوما
وأغراهم سرابك بالسفينة،
حيث لا بحر
وباضت بومة في الكف
هذا مسرح قبر،
وبدلت الستارة بالكفن (دحبور، ١٩٩٩: ٨١).
يتخذ الشاعر من البومة التي تحمل دلالات التطير متكئاً في عرض تجربته الشخصية مع الشعر ومع جمهوره، فهو يتساءل بعد هذا العمر عما أنجزه، وربما كان هذا إحساساً بأن الشاعر الفلسطيني ممثلاً في شخص أحمد دحبور لم يؤد دوره المنتظر بعد، فمن الغائب: الشاعر أو الجمهور، ويصل دحبور إلى قمة التطير بحضور البومة وهي تبيض في كفه التي تمسك قلم الإبداع، فلا تنتج إلا الموت: المسرح قبر والستارة كفن، وهذه لحظة يصل فيها الشاعر إلى محاسبة الذات وربما جلدها، وما من شك فإن طبيعة تجربة الشاعر على الصعيد الشخصي والوطنيٍ أسهمت في وصوله إلى هذه الفكرة التي يرددها في شعره، ماذا حققنا كشعراء بعد هذه السنين؟ فارتباط البومة بدلالات الموت يؤكد حال اليأس التي وصل إليها الشاعر، وقد يعكس في جانب آخر قناعته بأن النص الشعري الفلسطيني، وهو أحد أصحابه لم يصل إلى مستوى الحدث/ المأساة، وهو الرأي الذي قد يتحول إلى قناعة عند البعض.
ولا يبتعد التشاؤم من البومة كثيراً عن ذات الحال مع الغراب، الذي " يمثل في الذهن الشعبي قمة التشاؤم؛ فهو يرمز للغربة والبين والوفاة" (سرحان، ١٩٨٩: ٢٣٨)، و"ارتبط الغراب في الذاكرة الشعبية الفلسطينية بالحدث السيئ، إذ كان الفلسطينيون عندما يرون الغراب يتشاءمون منه وخاصة عندما يرونه قبل الذهاب إلى الحصيد فإنهم لا يتباركون بالمحصول" (البوجي، ٢٠١٤: ٩٤).
وثمة شيء آخر ارتبط بالتشاؤم من الغراب؛ فقد أظهر علاقة وثيقة مع البين وارتبط به، فأصبحوا يقولون غراب البين... ذا كان البعض ينظرون إلى البين على أنه الفراق، فالحقيقة غير ذلك، فهو شخصية رامزة إلى الشر والشؤم وهو "كائن خرافي محترق مذرى في الهواء، إنه ذلك الشر الذي يخالط الشهيق والزفير في المعتقد الجمعي الشعبي، لذلك فهو يمتلك ذرية كاملة، تنمو وتتوالد، بشكل متوال مثلها مثل أجيال البشر" (عبدالحكيم، د.ت: ١٣٥).
وقد يكون هذا وراء ارتباط الغراب بالتشاؤم، والخراب، والموت، وانتقال هذا المعتقد من جيل إلى جيل. ومثله مثل البومة، لا يقف إنما يمتد إلى صوته، فـــ "الاعتقاد بأن الأمر على شكل الغراب أو لونه، ونعيق الغراب إنما هو نذير بالموت اعتقاد شائع في كل أرجاء أوروبا وفي أنحاء مختلفة من إفريقيا وآسيا" (العنتيل، ١٩٨٧: ١٠١).
يستجمع الشاعر محمد حلمي الريشة هذه المعطيات من الذاكرة الشعبية مخاطباً الشاعر محمد عفيفي مطر وهو يواجه السلطة بوصفه حامل لواء المثقفين:
هل أنت تحملهم إلى هذا المساء، فيسهروا
بين الجدار وظله؟
الليل يبدأ والحوار يدور من قَدَمٍ .. إلى شفةٍ .. إلى صدر
إلى ظهر ..ومن كل الجهات
هذا العذاب إليك طائفة من الغربان
تسقط فوق رقتك التي قتلت مروءتهم
وما شبع الجدار من الصدى (الريشة، ١٩٩٢: ٤٠).
قرن الشاعر بين دلالات الغراب الاعتقادية وارتباطها بالشؤم، ورجال السلطة الذين يتربصون بكل مثقف يسعى لقول الحق، وقد أجاد في استغلال الأبعاد المكانية: الجدار/ظله، والأبعاد الزمانية: المساء/ الليل في رسم الصورة، كما أفاد من إمكانات الصوت، بوصفة أداة الاستدلال على وجود الغراب وعلى ما يحمله من خراب قادم، فتآلفت مع التشكيل البصري للنص الذي جاء مترجماً للحدث، فقد استعار لفظ الحوار للتعذيب الذي تمارسه أجهزة السلطة.
ووظف القضاء المكاني من خلال الفراغ الأبيض؛ ليعبر عن طبيعة هذا الحوار/ التعذيب، مما يعني أن المثقف والسلطة على طرفي نقيض، أما في محتويات الحوار فظهرت بنية التوازي من قدم إلى شفة إلى صدر إلى ظهر، لتتخلق دلالات تكرار أساليب التعذيب وأهدافه رغم اختلاف أشكالها.
وفي مقابل هذا التوظيف لمعتقدات التطير عند الشاعر الفلسطيني، فقد ظهر على استحياء توظيف لمعتقدات التفاؤل منها رش الأرز على العريس عند زفافه، فهذا عندهم استدرار للخير (ينظر: سحاب، ١٩٩٣: ٣٨). كذلك نثره على العروس عند توجهها إلى بيت الزوجية من الشرفات مع الملح طرداً للأرواح الشريرة (ينظر: سحاب، ١٩٩٣: ٤١).
ولهذا المعتقد مرجعيته الكنعانية، فقد استخدم الكنعانيون الأرز في بناء معبد (بعل)، ليواجه أعداءه فكانوا يبحثون عن طريقة تقيهم سقوط الصواعق على الأرض فكان الأرز الذي استخدم في بناء المعبد كفيلاً بجذب هذه الصاعقة نحوه ليمارس بعد دوره إلهاً للمطر والخير (ينظر: ميلكو، ١٩٨٠: ٦٨).
وقد كان الأرز ضمن مواد أخرى: كالذهب، والفضة، واللازورد التي جمعتها الطبيعة وقدمتها للإله الصانع (كوثروخاسيس)، ليقوم ببناء معبد لبعل بناء على أوامر الإله (أيل) (ينظر: الماجدي، ٢٠٠٠: ١٤٢، ١٤٣) -يستدعي توفيق زياد هذا المعتقد في رسمه لمشهد العرس فيقول:
زغردت النسوة
فلننثر حفنة رز
فوق رءوس العرسان (القاسم، ١٩٩٢: ٥١/٣).
وعلى الرغم من خلو النص من أية صورة فنية، إلا إنه بارتباطه بالموروث القديم يعيد صياغة الواقع من خلال احتفالات طقوسية، تبقى معبرة عن الذاكرة الجمعية، لا سيما أنه يتحدث عن عرس فلسطيني رمزي في مواجهة آلة الموت الصهيونية التي تتربص بالفلسطيني وأحلامه:
لكن الرشاش الرشاش الرشاش
نبى الزمن المرتد
يلقي خطبته
وتصفق غيلان الموت! (القاسم، ١٩٩٢: ٥٢/٣).
من هنا تتضح أهمية استدعاء ذلك المعتقد الشعبي؛ فهو أداة مقاومة ضد المعتدي الغريب، أداة تتجه نحو الماضي ،لتظهر عراقة الفلسطيني وأصالته بانتمائه إلى تراث الأجداد، ورشاش يتردد صداه (إشارة إلى كثرة الموت) لا علاقة تربطه بهذه الأرض، فهو ليس سوى صورة مقيتة من صور الموت التي تواجه الفلسطيني محب الحياة.
من الواضح أن المعتقدات الشعبية الخاصة بالتطير تتغلغل في النص الشعري الفلسطيني أكثر من تلك المرتبطة بالتفاؤل، وقد رصد الباحثان في هذا الشأن غلبة معتقدات التطير المرتبطة بالحيوان على غيرها، كما ظهر في النصوص التي ذكرت القطط والبوم والغربان، وقد يكون تفسير هذا الأمر غير بعيد عن أن المعتقدات الخاصة بالحيوان هي أول ما يحتل فكر الإنسان، وبخاصة أن الإنسان منذ القدم كان أول ما يطالعه، ويخاف منه الحيوان، فكانت تلك المعتقدات وسيلة من وسائل التكيف مع ذلك الواقع، كما أن غلبة معتقدات التطير على معتقدات التفاؤل له علاقة بطبيعة النص الشعري الفلسطيني، وطبيعة المأساة التي يمثلها.
صحيح أن شعر المقاومة وبخاصة بعد ١٩٦٧حمل الأمل بالانتصار والعودة عبر النضال إلا أن انكسار الذات الجمعية أمام الواقع المرير كان مؤثراً "ولأن المأساة قد شملت بآلامها أفراد الشعب جميعاً، وأحسوا وقعها ومرارتها، ولم ينج من ذلك أحد، ذا فإن الشاعر حينما يتجاوب مع مأساة شعبه إنما يعبر عن مأساته هو" (العمصي، ١٩٩٥: ٣٣٣). لنجد اختلاط العام بالخاص يدفع نحو ثقافة التشاؤم، لا سيما أن الزمن بدأ يمتد ويتمدد من دون أن يرى الشعراء فلسطين كما أملوا ونادوا في شعرهم.
رابعاً: التعاويذ َ والرقى والنذور:
تمثل هذه المعتقدات جانباً مهماً في الفولكلور الإنساني منذ القدم، فقد كانت وسيلة واجه بها الفرد القوى الغيبية، محاولاً استرضاءها، أو إخضاعها، وانتقل هذا الأمر إلى الأديان التي اتجه الفرد فيها إلى تقديم القرابين تقرباً للآلهة، وقد عرفت هذه المظاهر عند ديانات الشعوب المختلفة من سكان بلاد ما بين النهرين، ومصر، واليونان، وروما، وبلاد فارس، والهند، والصين (ينظر: بارندر، ١٩٩٣: ٢٣، ٢٨، ٤٢، ٥٦، ٧٥، ١١١، ٢٦٣).فكانت طقوساً تعكس وحدة التفكير الإنساني في ضرورة مهادنة هذه القوى لاتقاء غضبها.
ويبدو أن الشر الذي كانت تجلبه هذه القوى- كما كان يعتقد الناس– هو الذي دفعهم إلى صنع التمائم، ووضع الخرزات "لاتقاء الأرواح الشريرة وغيرها من التصرفات الإنسانية الأخرى القائمة على الاعتقاد وفي وجود الجان والأرواح وأشباههم" (بن حمادي، ١٩٩٣: ٩٧). وهذا يؤكد أن الإنسان منذ القدم كان ينشد التصالح مع هذه القوى، كما كان معنياً برضا الآلهة عنه.
ولم يكن الكنعانيون بعيدين عن غيرهم من الأمم في الالتزام بهذه المعتقدات، فقد "كان المجتمع الكنعاني مجتمعاً متديناً، مؤمناً يخشى آلهته، وكانت الآلهة تمثل القيم العليا محترمة ومهابة عندهم" (الماجدي، ٢٠٠٠: ٢٧٨)، وهذه الجوانب ورثوها لأحفادهم الفلسطينيين، فجاءت كنعانية إسلامية بحكم التطور التاريخي.
ويستعيد سميح القاسم موروث الأجداد في مقاومة الشر بالتعاويذ والتمائم، فيقول مسترجعاً ما حدث عام ١٩٤٨م:
أقبل الفاتح يا أبناء رامه
أقبل الفاتح يا ناس
فلوذوا بالسلامه...؟
ما الذي تجديكم الآن أناشيد الكرامه؟
صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات! (القاسم، ١٩٩٢، ٣١٢/١).
يستدعي الشاعر المعتقد الشعبي- وهو يصور كارثة قرية الرامة إشارة إلى ما حدث في فلسطين كلها؛ ليحقق المفارقة الدر امية عبر مسألتين: الأولى اعتماد عرب فلسطين على القوى الخارجية في صد العدو، عندما كانت هذه القوى السبب الرئيس في المأساة، والثانية استحضار التعاويذ سلاحاً أمام الطائرات، ليوضح تباين القوتين في التفكير، والتخطيط، والتنفيذ، ولا ينفصل هذا الموقف عن توجهات سميح القاسم الفكرية، فهو الثائر الرافض للروح الانهزامية التي تعزو الهزائم والانكسارت إلى قوى غيبية، وهو المتمرد الذي لا يقبل أن يكون التراث- وبمفهومه المطلق وببعض عناصره المتحجرة – دستوراً للحياة المعاصرة.
ويتصدى محمد حلمي الريشة للسحر بوصفه ممارسة ترتبط بقوى غيبية، فيواجهه بالمعتقد الكنعاني الذي يتخذ من الحب وسيلة لمنع كوارث الحرب، والجدب، ولذلك فإن عودة الحياة والازدهار لن تتم إلا عن طريق الحب (ينظر: ميلكو، ١٩٨٠: ٢٥)، يقول متحدثاً عن عودة العنقاء إلى الحياة:
هي العنقاء أولها وآخرها
يرف العشب فوق غطائها النهري
تشهد فاتحات العمر رونقها، وتفتخر
ألا بالعشق
تبطل نمنمات السحر
من شاراته الأولى، ونعتبر (الريشة، ١٩٩٢: ٥٥).
يمزح الشاعر بين الأسطوري والفولكلوري عندما يستحضر مشهد انبعاث العنقاء -وهي رمز الفلسطيني وعنوانه منذ القدم، لتكون شاهدة على الواقع المعاصر، ثم تكون التميمة السر الذي من خلاله تتجدد الحياة/ الحب الذي يقف ضد العدم، والكراهية التي يواجهنا العدو بها، ويستوعب الشاعر الموقف بعمق فيتجاوز تأثير ذلك السحر، ويقدم له العلاج الأمثل، العلاج الأبدي الذي يبطله في مصادره الأولى.
ويعد تقديم النذور من المعتقدات الشعبية الضاربة جذورها في القدم؛ فهي تشير إلى العطاء والتضحية، وقد التقط خالد أبو خالد هذا المفهوم؛ ليربط بين تضحيات الفلسطينيين بكل أطيافهم من أجل محبوبتهم/ فلسطين:
يا ميجانا... للبحر أنت حبيبتي.. وأنا وللبحر النذور..
للحبر وحب حبيبتي الحبلى بطفل ظل يقتل قبل أن يأتي إلينا..
ثم جاء مسربلاً بدم.. ومصطلح هجين..
مذ جاء مقتولاً على كفين من شوك ..وناقلة
وطين (أبوخالد، ١٩٩١: ٧٣).
تمثل عتبة النص ركيزة أساسية في قراءته؛ فقد صدر الشاعر قصيدته بإهدائها إلى طفلته (ريم) في هجرتها الثالثة، وبالعودة إلى تاريخ النص سنجده العام ١٩٨٣، وهي الفترة التالية لخروج المقاومة من لبنان، أو بقول آخر بعد الابتعاد عن فلسطين، تلك المأساة التي عاشها الفلسطيني مرتين قبل ذلك في عام ١٩٤٨وفي عام ،١٩٦٧وهو يرى فيما حدث قرباناً ُيقَّدم للأم الكبرى فلسطين، هو وحبيبته وحبها، ٕوان كان يتشكك في نتائجه، فبعد سني النضال، لا يجد إلا المسخ، ويبدو أن الشاعر كان يستشرف المستقبل الذي يحيط بالتضحية الفلسطينية ليحذر من هجرات أخرى ليس شرطاً أن تكون خارج فلسطين.
وللحسد وما يتصل به مكانته في المعتقدات الشعبية عند الفلسطينيين، فهم "يعتقدون أن عيون هؤلاء الحساد، تنفذ إلى داخل الإنسان، وتستقر هناك لتسبب له الشر والأذى" ((سرحان، ١٩٨٩: ٢٠٢)؛ لذلك جهدوا أنفسهم في سبيل التصدي لهذه الظاهرة فعالجوا "الإصابة بالعين بالشبة والقزحة، فتوضع على النار، ثم يرش عليهما الملح، مع شيء من القراءة والدعاء حتى تحترق، وتكون أشكالاً مختلفة، تبدأ بعدها عملية استنتاج تدور حول الحاسد" (عوض، ١٩٩٤: ١٣٦)؛ حيث يحدد بملامحه وليس باسمه.
ومن الواضح هنا أن للملح قوة خارقة، تقاوم الأعمال الشريرة، لذلك نجده يتحول إلى سلاح مقاوم عند عز الدين المناصرة:
تظلين يا أمنا... والنصال تكسرن فوق النصال..
خيام السماء وبوصلة في سدوم..
تظلين فوق الأعالي نجوماً .. وملحاً بعين الحسود اللئيم..
تظلين فوق الذي فوق، يا قرة العين (المناصرة، ١٩٩٤: ٢٤٣).
يتعالق المعتقد الشعبي – بوصفه عنصرا من الموروث – مع عناصر تراثية أخرى تداخلت في بنية النص، جاء بها الشاعر ليثبت تشبث الأم/ فلسطين بالأرض وتجذره فيها منذ القدم، فتعبير النصال التي تكسرت فوق النصال استعادة للمجد العربي القديم، وفعل الاستمرار (تظلين) جاء مقروناً ببقاء النجوم في السماء وبإشارات توغل في القدم (سدوم) ومن هنا كان استدعاء معتقد رش الملح بعين الحسود لإبطال حسده في الفراغ، فجاء توظيفه مؤكداً عفوية الحب والانتماء الّلذين يدين بهما للأم/ فلسطين.
وقد كان اللجوء إلى التمائم والأحجبة من وسائل رد العين ٕوابطال الحسد، وهي عادة قديمة ترتبط بنشأة الخليقة وقد فسرها صالح بن حمادي بأنها "إبقاء أذى الأرواح الشريرة؛ فهي في الأول حسبما رأينا كلمات وعلامات من قبيل جوازات السفر والمرور كان الفرد من أفراد البشر يستظهر بها قديماً أيام سفره وترحاله. ليتعرف الآخرون بنفسه، وبالقوم الذي ينتمي إليهم" (بن حمادي، ١٩٨٣: ١٠٠).
وهؤلاء الآخرون قد يجمعون بين شريري البشر، أو الكائنات الخرافية التي تترصد الشر بالإنسان، وتلك التمائم كانت تعد – بحسب المعتقدات – عبر شفرات خاصة تكون قادرة على اقتحام عالمالأرواح الشريرة والجن.
وقد أسهم الإسلام بدور فاعل في توجيه هذا الاعتقاد وتهذيبه عندما ربط بين إبطال السحر، والقرآن الكريم، عبر صراع يتم بين الجن المؤمن والجن الكافر لذلك فقد اعتبرت خير الحجابات هي ما تضمنت آيات القرآن الكريم- كما يرى جملة من العوام ليست قليلة العدد- خصوصاً ما اشتمل على آية الكرسي، ويجمع الكثير، على أن هذا من قبل البركة والعلاج النفساني وما هو بالسحر" (عباس، د.ت: ١١٣).
ومن هذا المنطلق جاءت استجابة فدوى طوقان وهي تصور الأم عندما تودع ابنها الفدائي:
يا ولدي .. اذهب!
وحوطته أمه بسورتي قرآن .. اذهب!
وعوذته باسم االله والفرقان ..
كان مازن الفتى الأمير سيد الفرسان (طوقان، ١٩٩٣: ٣٩١).
فهذه التميمة التي أعدتها الأم لولدها هي مشهد متكرر في المجتمع الفلسطيني، وبخاصة عند مواجهة قوى الشر (العدو الصهيوني)، فالعامل الديني ركيزة أساسية من ركائز المواجهة، والأم التي تحصن ابنها بآيات القرآن تعي ما للرعاية الإلهية من دور في حماية الأبناء، وفي تحقيق النصر على العدو.
ٕواذا كان اللجوء إلى التمائم والأحجبة يعكس النزعة الدينية السائدة عند الفلسطينيين، فإنه في جانب آخر يترجم بساطتهم، واستسلامهم أمام القوى الغيبية، لكنهم في النهاية يعتقدون بحزم أن التمائم لها الدور الكبير في مقاومتها.
نتائج الدراسة:
سعت هذه الدراسة إلى الوقوف على استدعاء المعتقدات الشعبية الفلسطينية في الشعر الفلسطيني المعاصر وتوصلت إلى النتائج التالية:
١- أظهرت العودة إلى الموروث الشعبي وبخاصة المعتقدات الشعبية شكلاً من المقاومة التي أجادها الشعراء الفلسطينيون؛ إذ أكدت هوية أصحاب الأرض، وتجذرهم فيها قبل غيرهم منذ القدم.
٢- كان لاستدعاء المعتقدات الشعبية الفلسطينية في الشعر الفلسطيني المعاصر دور حضاري أكد ارتباط الفلسطينيين بأرضهم، ودور جمالي أثرى التجربة الشعرية الفلسطينية، وطعمها بظواهر فنية متعددة.
٣- تعددت مرجعيات المعتقد الشعبي الفلسطيني، وتداخلت فيما بينها، فجمعت بين الأسطوري والتاريخي والديني، والواقعي، وقد ظهرت الأصول الكنعانية بوضوح في معظم المعتقدات التي وظفها الشعراء الفلسطينيون في شعرهم، كما كان للتقاطعات الثقافية المختلفة ممثلة في الحضارات التي ظهرت أو مرت على أرض فلسطين دورها في تلك التعددية.
٤- عكست معظم المعتقدات التي وظفها الشعراء الفلسطينيون في شعرهم واقع الحياة الفلسطينية منذ القدم عندما ارتبطت بالأرض، والقرية، والبيئة الزراعية.
٥-كان لسيادة معتقدات التطير على معتقدات التفاؤل علاقة بطبيعة الشعر الفلسطيني ،وبحالات الإحباط التي كانت تعكس انكسار الذات الفردية أمام الواقع المرير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق