«من هو الله؟»
هالة يحيى صادق (أم شهاب)
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: من عظيم رحمة بعباده أن دلّهم على السُّبل التي ينعمون من خلالها بمعرفته، ثم جعل الكون كلَّه كتاباً ناطقاً بعظمته ووحدانيته وكمال قدرته، كذلك فإنه أقام الحجة عليهم بما أودع في الأنفس والآفاق من البراهين التامة الدلالة عليه سبحانه. ولا شك أن أعظم العلوم وأشرفها على الإطلاق هو العلم بالله تعالى؛ إذ هو أصل الإيمان ومنبع الخشية ومصدر السعادة في الدنيا والآخرة.
وهذا الكتاب بما جمعه في صفحاته وفصوله نحسب أنه وضع ليقود القارئ إلى معرفة الله، في رحلة إيمانية تجمع بين آيات الوحي ومعجزات الكون، ولعل الغرض من تأليفه: تعرف القارئ إلى ربِّه من خلال أسمائه وصفاته، كذلك من خلال ما بثَّه في هذا العالم من آيات باهرات تنطق بعظمته وتفرده بالخلق والتدبير. وإثبات عجز الإنسان عن الإحاطة بكل ما يتعلق بالخالق، وأنه لا يعرف عنه إلا ما عرَّفه المولى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالكتاب في جملته يدعو إلى إحياء الفكر والتأمل في صفحات الكون، والتدبر في آيات النفوس وخفاياها، وإيقاظ الفطرة السليمة التي تدرك أن هذا الكون العظيم لا يمكن أن يوجد صدفة، وأن وراءه خالقاً عظيماً حكيماً. وهو أثناء ذلك يستعرض نماذج من عجائب الخلق في الإنسان والسماء والأرض والبحار والحيوانات، ليقودنا إلى حقيقة كبرى مفادها أن كل ما في الوجود شاهد على وحدانية الله وكماله وجلاله.
أولاً: الطريق إلى معرفة الله:
لا شك أن معرفة الله لا تكون إلا من خلال ما عرّف الله به نفسه، وأن للعبد طريقين عظيمين للوصول إلى هذه المعرفة:
التدبر في الآيات الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية.
التفكر في الآيات الكونية المنتشرة في الأنفس والآفاق.
فالقرآن الكريم مليء بالآيات التي تعرف العباد بربهم، وتبين أسماءه الحسنى وصفاته العلى، وتدعوهم إلى توحيده وإفراده بالعبادة. كما أن الكون كله بما فيه من نظام وإبداع وإتقان يمثل دليلاً دائماً على وجود الله وعظمته وقدرته. والجمع بين هذين الطريقين يورث اليقين الراسخ؛ إذ يلتقي نور الوحي مع نور الفطرة والعقل السليم، فتتكامل الأدلة وتتضافر البراهين على حقيقة التوحيد.
ثانياً: معرفة الله من خلال القرآن والسنة:
وقد جاءت جملة من النصوص القرآنية التي تعرف العباد بالله سبحانه تعالى، سواءً على صفاته أو آثاره في مخلوقاته: خلقاً، وإبداعاً، وتناغماً، مثل قوله سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، وقوله: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم﴾، إلى آخر الآيات التي تجمع أسماء الله وصفاته.
وتظهر هذه النصوص أن الله سبحانه: هو الخالق البارئ المصور. وهو الملك القدوس السلام. وهو الرحمن الرحيم. وهو العزيز الجبار المتكبر. وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
كذلك يتناول المؤلف جملة من الأدعية النبوية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر فيها ربه بأسمائه وصفاته، ومنها دعاؤه عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم»، ودعاؤه صباحاً ومساءً: «اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه». ومن خلال هذه الأدعية والأذكار يتعرف المؤمن إلى ربه معرفة تعبّد ومحبة وخضوع، لا مجرد معرفة نظرية ذهنية.
ثالثاً: دلائل قدرة الله في خلق الإنسان:
ثم ينتقل المؤلف إلى التأمل الواسع في خلق الإنسان باعتباره من أعظم آيات الله الدالة على ربوبيته. ومثال ذلك:
النوم آية من آيات الله:
يعد النوم من النظاهر التي يمارسها الإنسان يومياً دون أن يتأمل أسرارها. ففيه تتوقف كثير من الحواس عن أداء وظائفها المعتادة، ويعيش الإنسان في عالم آخر من الرؤى والأحلام. وقد جعل الله النوم راحة للأبدان وتجديداً للقوى، وربطه القرآن الكريم بآيات السمع والإدراك. كما أن اختلاف أحوال الناس أثناء النوم، بين من يرى الرؤى الحسنة ومن يعاني الكوابيس، دليل على وجود أسرار عظيمة تتجاوز قدرة الإنسان وإرادته.
الجنين في بطن أمه:
فقد ذكر الله في كتابه بعض عجائب الجنين في مراحل تكوينه، مبيناً تأثره بالحالة النفسية والجسدية لأمه، وأنه يعيش في عالم محكم الصنع داخل ظلمات ثلاث، يتغذى وينمو وفق نظام دقيق لا يملك البشر إلا أن يقفوا أمامه مبهورين. وهذا كله يدل على عناية الله بخلقه منذ اللحظات الأولى لتكوينهم.
رابعاً: دلائل عظمة الله في السماء والأرض:
السماء وعالم المجرات
وقد أفرد الكتاب مساحة واسعة للتأمل في السماوات وما فيها من نجوم ومجرات وأفلاك تجري وفق نظام بالغ الدقة. فكلما توسعت اكتشافات العلماء اتسعت معها مساحة المجهول في دائرة العقل البشري، وأدرك الإنسان ضآلة علمه أمام عظمة هذا الكون. وهذا يؤكد أن هذا النظام المحكم يستحيل أن يكون وليد المصادفة، بل هو أثر من آثار قدرة الخالق وحكمته. كما يدعو القارئ إلى استحضار عظمة الملائكة وكثرتهم، ثم إلى التأمل في عظمة عرش الرحمن الذي تعد السماوات والأرض بالنسبة إليه شيئاً يسيراً.
الأرض وما يقع فيها من زلازل وبراكين:
يبين المؤلف أن الأرض التي تبدو مستقرة هادئة قد تتحول في لحظات قليلة إلى مصدر للدمار من خلال الزلازل والبراكين والخسوف. وهذه الظواهر الكونية العظيمة تذكير بقدرة الله وسلطانه على خلقه، وإنذار للناس ليرجعوا إلى ربهم ويتوبوا إليه. فالإنسان مهما بلغ من القوة والعلم يبقى عاجزاً أمام هذه القوى الهائلة التي تتحرك بأمر الله تعالى.
خامساً: آيات الله في الهواء والبحار:
الهواء:
عند النظر إلى نعمة الهواء التي لا يستغني عنها أحد، ومع ذلك لا يكاد الناس يشعرون بقيمتها. هذا الهواء المحفوظ بين السماء والأرض، والذي ينتفع به الجميع دون تمييز، وتتحرك به السحب، وتلقح به النباتات، وتسير به كثير من مظاهر الحياة.. يُدرك الإنسان كم هو غافل عن آيات الله وتدبيره. ومن عجائب تدبير الله أن الرياح تكون رحمة حيناً وعذاباً حيناً آخر، وكل ذلك وفق نظام دقيق يشهد بحكمة الخالق سبحانه.
البحار والمحيطات:
أما البحار فتعد من أعظم مشاهد القدرة الإلهية. فالماء يغطي معظم سطح الأرض، ولو شاء الله لطغى على اليابسة كلها. كما أن في أعماق البحار مخلوقات عجيبة وأسراراً لا تزال البشرية تكتشف بعضها. كما يتناول الكتاب كذلك قصة غرق السفينة الشهيرة «تيتانيك» بوصفها مثالاً على ضعف الإنسان مهما بلغ من التقدم الصناعي، فكل قوة بشرية تبقى خاضعة لقدرة الله تعالى. ويشير -أيضاً- إلى ظاهرة التقاء البحار واختلاف خصائص مياهها، وما في ذلك من دلائل على إحكام الصنعة الإلهية.
سادساً: عجائب المخلوقات ودلالتها على الخالق:
ثم يعقد المؤلف جولةً ختامية في عالم الحيوانات والحشرات، مبيناً ما أودعه الله فيها من غرائز وقدرات مدهشة. فالنملة تجمع قوتها وتخزن غذاءها وتحافظ عليه بطريقة تدل على دقة نظامها. والنحل يبني خلاياه وينتج العسل ويتعامل مع الأخطار بأساليب دقيقة تحفظ بقاءه. بالإضافة إلى سلوك بعض الحيوانات التي تكشف عن قدر من الهداية الفطرية التي أودعها الله فيها. والغاية الكبرى من هذه الأمثلة ليست مجرد إظهار الإعجاب والدهشة، وإنما الانتقال منها إلى معرفة الخالق سبحانه؛ لأن كل مخلوق يحمل في تكوينه وسلوكه شاهداً على حكمة الله وقدرته.
خاتمة
ومن خلال ما سبق، يمكن تلخيص هذا الكتاب فيما يلي:
أولاً: أن الكون بأسره يجيب عن هذا السؤال العظيم «من هو الله؟»؛ والجواب هو: أن الله هو الخالق المدبر، رب السماوات والأرض، المتفرد بالكمال والجلال، الذي تشهد له آيات الوحي وآيات الكون معاً.
ثانياً: كلما ازداد الإنسان تأملاً في نفسه وفي العالم من حوله ازداد يقيناً بأن لهذا الكون رباً عظيماً لا شريك له.
ثالثاً: أن التفكر في خلق الله ليس غاية مستقلة، وإنما وسيلة لتعظيم الله تعالى وعبادته والخضوع له. فالسماء والأرض، والليل والنهار، والنوم واليقظة، والبحار والرياح، والحيوان والنبات، كلها تنطق بلسان الحال قائلة: إنه الله الذي أحسن كل شيء خلقه، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى.
رابعاً: تحويل التأمل في الكون من مجرد معرفة علمية إلى عبادة قلبية تورث الإيمان والخشية والمحبة، وتدفع الإنسان إلى أن يردد مع كل آية يراها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق