همسة في أذن فتاة
الطبيب حسان شمسي باشا
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: هذا الكتاب يحمل في طياته وصايا هامة، ورسائل نافعة، للفتيات المسلمات، سواءً كانت أمّاً أو زوجةً أو طالبةً، يُجيب في فصوله السبعة عشر على الكثير من التساؤلات التي تراود خاطر الفتيات المسلمات.. بدءاً بالتعرف على الفتاة الصالحة، والنساء اللاتي خلّد القرآن ذكرهنَّ، ثم قدوات النساء في هذه الأمة.. يلي ذلك الحديث عن الحجاب، وأهميته، وحكمه، وردّ الشبهات المثارة حوله.
وينتقل بعد ذلك إلى طبيعة العلاقات التي تحوم حول الفتاة، بدايةً من علاقتها بوالديها، ثم صديقاتها، ثم النضج العاطفي (وبروز جانب الحب)، ثم الخطوبة، فالزواج، فالعمل، فالدعوة ...الخ. ولعل الهدف الحقيقي من هذا الكتاب هو زيادة الوعي لدى الفتيات بالمخاطر التي تحدق بهنَّ في المجتمع: من شباب عابث.. أو من إعلام هابط.. أو صديقاتٍ فاسدات، كذلك فإن له دوراً في الزيادة من إيمانهن.. والربط على قلوبهن في مواجهة طوفان الفتن والشهوات.
وقد نشأت فكرة هذا الكتاب من كتاب آخر -كما يقول المؤلف- وهو: (أسعد نفسك وأسعد الآخرين)، وكذلك من كتاب: (كيف تربي أبناءك في هذا الزمان)، وقد لقي هذان الكتابان إقبالاً واسعاً، وطُبعا مرات عديدة، فرأى حاجةً ملحة إلى مخاطبة الشباب والفتيات في كتابين منفصلين -هذا أحدهما- وهم بأمسِّ الحاجة إلى كتاب جامع يخاطب العقل والقلب معاً.
______________________________________________
إهداء
ـ إليكِ يا من ربَّيتِني على فطرة الإسلام.. أماه رحمك الله
ـ إليكِ يا حسنة الدنيا: مودة..ً وسكينة..ً ورحمة.. زوجتي
ـ إلى اللَّتيْن أسألُ اللهَ أن أكون قد ربيتهما فأحسنتُ إليهما.. ابنتيّ الصيدلانيتين: ريم ولينا
ـ إلى كلِّ فتاةٍ مسلمة تبتغي وجه الحق..ّ وتنشد درب السعادة في الدارين..
إليهن جميعاً أهدي ثواب هذا الكتاب..
حسان
_________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
عندما تطالعنا الإحصائيات الحديثة أنَّ %٥٤ من الشباب في المرحلة الثانوية في أحد البلدان العربية قد مارس الجنس الحرام في هذا السن!! وأنَّ % ٢٠ منهم قد شرب الخمر أو المخدرات ولو مرة على الأقل.!!
وعندما تفاجئنا الإحصائيات أنَّ معدَّل الطلاق في إحدى عواصم الدول العربية قد وصل إلى %٥٠، أي: أن زيجة من كل اثنتين تنتهي بالطلاق.!!
وعندما نسمع أنَّ شباباً وفتيات يتناوبون أمام محطات الفضائيات على مدار ٢٤ ساعة كي لا يفوتهم مشهد من مشاهد مهزلة دنيئة تدور أحداثها بين فتيات وشباب يسكنون منزلاً واحدا.!!
وعندما نرى وسائل الإعلام قد خلطت الحق بالباطل.. بل إنها زيَّنَتِ الباطل لروَّاده.. وسارت في طريق الفساد الأخلاقي.. تحت شعار الثقافة.. والتحرر.. والتمدّن.. وعرضت الشاشات المرئية.. والصفحات المقروءة.. والإذاعات المسموعة.. وصفحات الإنترنت الإباحية.. عرضت كلها الإعلام الغثَّ الذي أدَّى إلى ضياع شبابنا وفتياتنا..وجريه وراء التفاهات والسطحيات.. وانغماسه في الشهوات والملذَّات.. وهروبه من المواقف الإيجابية.. وانخراطه في مجتمع الضياع.. حتى أصبح كثير من الشباب في الشوارع والطرقات.. مسخاً ضائعاً بلا هوية ولا مستقبل.. فضاعت منهم شهامة الرجال.. وحياء النساء.. وطهارة المواقف.. وساروا في مستنقع الخطيئة والرذيلة..
عند هذا كله يدرك المرء أننا نواجه كابوساً خطيرا،ً بل وباءً عظيماً يعصف بنا من كل جانب. وعندما ترعى الأسرةَ امرأةٌ جاهلة بدينها.. لا تفقه في حياتها سوى تلوين الوجه بأصباغ قبيحة.. وتحرِف نطقها لتلْفِتَ الأنظار إلى أنها تلقت تعليماً أجنبيا،ً فإن هذه الأم لن تعطينا إلا أبناءً تاهت معالمهم.. وانمحت شخصيتهم.. فلا هوية.. ولا رجولة.. ولا قدرة على تحمُّل المسؤولية.. ثم تأتي الطامة الكبرى إن أمسك هؤلاء بزمام قيادة الأمة.. فبمثلهم تضيع الأمم وتهدم الحضارات.!!.
وإذا كانت الأم قد تركت تربية أبنائها (للخادمة)؛ فهي التي تُطعِم وهي التي تكسو.. وهي التي تحمل الطفل على الأكتاف ليل نهار.. وهي التي تحدو للوليد.. وتغني للطفل الصغير.. وتزرع فيه الحنان والحب لها.. لا للأم التي أنجبت ولا للأب الذي زرع!..
عندها نشهد ما يسمى (جيل أبناء الخدَّامات..) جيل تافه عابث لا يدري أبواه أين يقضي أيامه ولياليه.. ولا يعلم أحد أيَّ طريق يسلك.. ولا أيَّ مشْرَبٍ يهوى.. ولا أيَّ اتجاه يسير!!. عندها نشهد الطامة الكبرى..
وبالمقابل.. نجد جيلاً اخر يرفض الاستسلام، ويعلن التحدي أمام الباطل.. يرتبط بالإسلام المعتدل الأصيل.. لا تحركه شهوات أو نوازع أو تيارات غربية… فهذا الجيل هو الأمل.. وهو المستقبل.. وهو الذي يحتاج إلى حضانة ورعاية…
وتمرُّ الفتاة في سنّ المراهقة بتغيُّرات نفسية وبدنية.. تكتمل فيها أنوثتها وشخصيتها.. فتعيش حالة من القلق والاضطراب المزاجي والعاطفي.. وربما تتمرَّد على واقعها.. وعلى طريقة تعامل أهلها معها.. فيزداد ميلها للانفعال والرفض.. وسرعة رد الفعل.. والندم على التصرفات.. وربما تمتد هذه المرحلة لسنوات.. ومن ثم فإنَّ الفتاة في هذه السن تحتاج إلى معاملة خاصة.. ورعاية زائدة..
والأم الواعية هي التي تدرك أن ابنتها تمر بمرحلة خاصة.. فتزداد قرباً منها وتعاملها كأنها صديقة.. تحفظ لها سرَّها.. وتقدّم لها النصح الناشئ عن الدين والخلق والخبرة في الحياة. والأم الحكيمة هي التي تنصح بهدوء.. وتراقب عن بعد.. لا تعاقب ولكن تعاتب أحيانا.ً. وتعيش مع ابنتها وكأنهما صديقتان.. فتحرص الأم على احترامها وتقدير مشاعرها.. وإشعارها أنها أصبحت مسؤولة.. فلا بد من الاحتشام في الملبس.. والأدب في السلوك.. والحكمة في التصرف.
ولا شك في أن التربية الإيمانية التي تلقَّتها الفتاة المراهقة في مرحلة الصبا سوف تثمر خيراً كثيراً في حياتها بعد ذلك.
* * *
وتواجه الفتاة في هذا السن دعوات ماكرة.. وإعلاماً مضللاً في أغلبه… ويحق لنا أن نسأل: لماذا يصرُّون على المرأة المسلمة أنها تحتاج إلى تحرير؟. هل ارتداؤها الحجاب لتحمي نفسها من النظرات المسعورة يُعدُّ عبودية تحتاج إلى تحرير؟.. وهل تربية المرأة لأولادها.. وتنشئتهم التنشئة الصالحة هي عبودية تحتاج إلى تحرير؟. لماذا يستميتون ليخرجوا العفيفة إلى الشوارع كاشفة متبرجة؟.!
لماذا هذا الحديث إلى الفتاة؟:
لا تعجبوا من هذا الخطاب إلى الفتاة:
١ـ فهي أمُّ المستقبل منشئة الأجيال.
٢ـ وهي التي زعموا أنها مظلومة ومهانة.. وراح الكثير يتحدَّث عن الفتاة؛ فالأديب سخَّر شعره ونثره..
والصحفي استنفر أقلامه.. والكلّ يريد أن يتحدَّث عن الفتاة.. عن قضية المرأة وحقوق المرأة.!!.
٣ـ وهي التي أولاها النبي (صلى الله عليه وسلم) العناية والاهتمام؛ ففي كل عيد يخطب فيه بالمسلمين كان ينصرف بعدها إلى النساء يحدِّثهنَّ ويعظهن،َّ وتستقل النسوة هذا الأمر فتطمع بالمزيد.. فتأتي إحداهن إليه عليه الصلاة والسلام قائلة: ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فيعدهنَّ (صلى الله عليه وسلم)، ويحدّثهنَّ حديثاً خاصاً لا شأن للرجال فيه.!
ثم ألم يوصِ عليه الصلاة والسلام بالمرأة، فيجعل قضيتها من أهم القضايا في حجة الوداع فيقول: «فاتقوا اللهَ في النساء، فإنكم أخذتموهنَّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله» وجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) التعامل مع المرأة مقياساً لخيرية الرجل فيقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
وليس هذا فحسب، بل إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يحبس الجيش؛ لأن زوجه عائشة رضي الله عنها قد فقدت عِقداً لها! فيأتي إليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فينتهرها -ويقول: حبستِ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) والناسَ وليسوا على ماء.. وليس معهم ماء!!.
وحين قام البعير وجدوا العِقْد تحته.. فنزلت آية التيمم.. فقال أسيد بن حصين رضي الله عنه: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.!! ويرتفع شأن المرأة عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فتأتي أم هانئ رضي الله عنها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فتقول: يا رسول الله.. زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتلٌ رجلاً قد أجرْتُه.! فقال (صلى الله عليه وسلم): «قد أجرْنا من أجرْتِ يا أمَّ هانئ.!!»
٥ـ ولأن المرأة هي أم المصلحين والعلماء العاملين.. أليست هي أم الشافعي، وعمر بن عبد العزيز، وابن تيمية وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم.. فلا تنسي أن أولئك العظماء وغيرهم كان لكل منهم أم بارَّة صادقة..طالما دعتِ الله سبحانه وتعالى أن يجعل لها ابناً قرةَ عينٍ لها.. وكان له شريكة حياة يسكن إليها ويطمئن إليها.. ألا يجدر بعد هذا أن يكون هذا الحديث إلى الفتاة؟.
فكم من فتاة وُلدَتْ من أبوين فاضلين.. وعاشت في بيت محافظ.. ولكنها مع فتن العصر.. ومع ما ترى وتسمع في الفضائيات.. ترفع سماعة الهاتف لتخاطب شاباً لم تعرفه إلا من كلامه.. أو تجلس على الإنترنت تدردش مع شاب لا تعرف اسمه ولا أي شيء عنه… فتعيش في دوامة الصراع.. تسمع تارةً هذا الصوت النشاز الذي يدعوها إلى الارتكاس في المعصية أو التخلّي عن معاني العفة. وتسمع أخرى الصوتَ الصادق.. يهزها من داخلها هزاً عنيفا..ً ليقول لها: رويدك.. فهو طريق الغواية والهلاك!..
وتتصارع هذه الأصوات أمام سمعها وفي خاطرها.. إنها تؤمن بالله واليوم الاخر.. وتعرف الجنة والنار.. وتؤمن بالحلال والحرام.. ولكن الصراع مع الشهوات صعب المراس.
لقد رُزِقَتْ أباً شُغل عنها بتجارته.. وعلاقته مع أصدقائه.. يسهر معهم حتى ساعة متأخرة من الليل!..ورُزقت أماً بعيدةً عنها كلَّ البعد.. مشغولة بهمومها أو بأحاديثها مع صديقاتها.. لم ترَ من أبويها من يصغي إليها ويسمع إلى أحاسيسها وشكواها.. ولكنها وجدت ضالَّتها في صاحبتها.. صاحبة السوء التي تلقاها في المدرسة.. أو تجد ضالتها في شاب تائه يغويها بالكلام المعسول.. والوعود الكاذبة!!..
وللأسف فقد كثرت المجلات الوافدة، والمسلسلات الساقطة، والأصـوات التي تدعـو الفتـاة إلى التحرر من قيود الأسـرة.. وتعاليم الإسلام.. لتنطلق على هواها.. يعبث بها كيف يشاء!.
يقول (جورج هورفت) في كتابه (الثورة الجنسية): «إنَّ القلقين على مستقبل العالم وفضائله يشعرون بأن أطناناً من القنابل الجنسية تنفجر كل يوم، وينشأ عن انفجارها دمار واسع.. وإنَّ مستقبل الأجيال الناشئة محفوف بالمكاره.. وربما يتحول أطفال اليوم إلى وحوش عندما تحيط بهم وسائل الإغراء المتجددة بالليل والنهار.. إن تشويهاً كبيراً سوف يلحق بالبشر حيث كانوا"!!
ويستحيل اليوم السير في أي مدينة دون التعرّض (للقصف الجنسي) الحقيقي.. إعلانات من كل حجم.. مجلات وأغلفة مصورة.. أفلام فيديو ساقطة.. فضائيات غير مسؤولة (ولكن أصحابها والله سيُسألون عما يعرضون يوم لا ينفع مال لا بنون)!»
ومن المخزي حقاً أنَّ كثيراً من الدول العربية لا تضع رقابة على مواقع الإنترنت الإباحية؛ فهي متاحة للطفل والشاب والشيخ على السواء. وللأسف الشديد فقد فتح المسلمون في كثير من البلدان العربية والإسلامية الأبوابَ على مصراعيها لوسائل الإغراء.. كي تهيج الساكن من الغرائز.. فالإعلان عن السلع في كثير من القنوات الفضائية تقوم به المتكشِّفات.. والأغاني الماجنة.. و(الفيديو كليب) تملأ شاشات الفضائيات.
وعندما غلبتْنا حضارةُ الغرب المنتصر أصبح همُّ كثير من النساء أن تقلِّد في الثوب الرشيق والمنظر الأنيق.. أن تتابع الموضات والأزياء.. وأحدث التسريحات.. واخر الصرعات.! فهذه برامج على الفضائيات للأزياء.. وأخرى للرقص والغناء.. وثالثة للفجور والرياء.. أما دراسة النفوس والافاق.. والتفقه في الدين والأخلاق؛ فهذا الأمر لا يستحق الاكتراث؛ لأنه ليس من شأنها ولا من رسالتها.!!
أيُّ إهدارٍ لقيمة المرأة حين تُجعل وسيلة للدعاية والإعلان لترويج السلع والمنتجات.!! فما معنى أن تُعرض صورتها على علبة الصابون أو المناديل؟..! ما معنى أن تزيَّن أغلفة المجلات بصورة فتاة؟..! أليس هذا وسيلة للإغراء والإثارة لترويج المجلات؟..! ألم تنفجر إحدى الممثلات الفرنسيات حينما كانت تمثل مشهداً قذراً أمام الكاميرا وتصيح في وجه المخرج قائلة: أيها الكلاب.. أنتم الرجال لا تريدون منَّا نحن النساء إلا أجسادنا حتى تصبحوا من أصحاب الملايين على حسابنا.. ثم انفجرت بالبكاء.
لقد استيقظت فطرة هذه المرأة في لحظة واحدة على الرغم من الحياة الفاسدة التي تغرق فيها.. استيقظت هذه الفطرة لتقدم الدليل القاطع على عمق المأساة التي تعيشها المرأة التي قالوا عنها: إنها (متقدمة) و(متحررة!!).
سـارة.. من (البوي فرند) ومسـابقات الجمال إلى الغفور الرحمن: وهذه قصة فتاة تقرَّبتْ إلى الله فتقرَّب إليها أكثر.. سعتْ إلى مرضاته فنالت رضاه.. كانت في غربة وكربة.. تغرَّبتْ عن الدين، فسخَّر الله لها من يدعوها إلى الرجوع إلى الله.. إنها قصة (سارة) التي كتبتْ إلى الأستاذ عمرو خالد بعد أن استمعت إلى برامجه في الفضائيات؛ كتبتْ تقول: «أنا فتاة اسمي (سارة) والدي لبناني مسلم، وأمي لبنانية مسيحية، انتقلا إلى فنزويلا، وبعد فترة انفصلا عن بعضهما ليتزوج كل منهما بمن يناسبه.
وبقيتُ أنا حائرة شاردة.. وقد رزقني الله جمالاً أخَّاذا..ً فانزلقتْ قدمي لأنضمَّ إلى مسابقات الجمال هناك.. حتى انتهى بي المطاف إلى العمل في (بار). وصار لي (بوي فرند..) نسيتُ ديني وأني مسلمة.. لم أعد أعرف عن الإسلام إلا اسمه.. ولا عن المصحف إلا رسْمه.
وفجأة كنتُ أتابع هذه القناة (قناة اقرأ) من فنزويلا.. ورأيتُ عمرو خالد يتكلَّم عن العفّة.. فشعرتُ لأول مرة بالخجل من نفسي وأني أصبحتُ سلعة رخيصة في أيدي الأوغاد!.. انشرح صدري وأنا لا أعرف مسلماً سواك... ثم قالت: سؤالي لك: هل يقبلني الله وأنا الغارقة في الموبقات والآاثام؟..
يقول الأستاذ عمرو خالد: فأجبتها عن سعة رحمة الله وفضله وحبّه للتائبين.. فأرسلتْ تقول: أريد أن أصلّي ولقد نسيتُ سورة الفاتحة.. أريد أن أحفظ شيئاً من القرآن. قال عمرو خالد: فأرسلتُ لها بالبريد المستعجل ختمة مسجلة بصوت إمام الحرم الشيخ سعود الشريم.. وبعد ثلاثة أيام أرسلتْ تقول:إنني حفظتُ سورة الرحمن والنبأ.. وبدأتُ أصلّي.. ثم أرسلتْ تقول: لقد هجرتُ (البوي فرند) وطردْتُه.. كما أنني انفصلتُ عن مسابقات الجمال (والبار).
وبدأت الفتاةُ تُقبل على الله سبحانه وتعالى.. فقد وجدتْ ذاتها بعد أن عرفت ربها.. وبعد أسبوعين من المراسلات.. أرسلتْ تقول: إنني متعبة.. لهذا انقطعتُ عن مراسلتكم.. حيث أصابها صداع وآلام شديدة.. وبعد الفحوص الطبية قالت: يا عمرو إنني مصابة بسرطان الدماغ!!
والعجيب أنها قالت: إنني لستُ (زعلانة) بل (فرحانة) لأنني عرفتُ ربي وأحببتُه.. وأقبلتُ عليه قبل المرض والبلاء.. وأنا داخلةٌ على العملية المستعجلة بعد يومين.. وأنا خائفة ألا يغفر الله لي إذا مت!! فقلتُ لها: كيف لا يغفر الله للتائبين.. لقد أكرمكِ الله بهذه العودة إليه.. وبحفظ سورة الرحمن.. وأنتِ بين يدي أرحم الراحمين.
وفتحنا لها أبواب الرجاء.. وطردْنا من نفسها اليأس.. فقالت: لقد وضعتُ أشرطتي لترتيل القران بصوت إمام الحرم (الشريم) في المسجد مع أشرطتك.. لأنني أودِّع الحياة لتكون صدقةً جارية.. وبعد يومٍ أرسلتْ لنا صديقتُها المسيحية تقول: «لقد ماتت سارة!».
سائلي نفسكِ يا أختاه: هل حمدتِ اللهَ على نعمة الإسلام؟. هل تؤدين الصلوات الخمس على وقتها؟.
هل تقرئين القران بخشوع وتدبُّر؟ وهل جعلتِ لكِ كلَّ يومٍ حزباً معيناً من القران؟. هل أنتِ بارّة بوالديك؟. هل راقبتِ الله في السرّ والعلن؟.
هل تحافظين على حجابك الذي أمركِ الله به؟.
هل اتخذتِ صديقات صالحات، وتجنبتِ رفيقات السوء؟.
هل أخذتِ حذرك من المكالمات الهاتفية؟.
هل تكثرين من دعاء الله بالثبات على الدين؟. هل أعددتِ العدَّة للسفر الطويل؟.
هل تزوَّدتِ من هذه الدنيا الفانية بالأعمال الصالحة؟.
هل تخيلتِ نزول ملائكة السماء لقبض الروح وأنتِ غافلة لاهية؟.
هل تخيلتِ أول ليلة في القبر؟.
هل تخيلتِ القيامة.. يوم يقوم الناس لرب العالمين؟.
هل استعددْتِ للوقوف بين يدي جبار السماوات والأرض ليسألك عن أعمالك.
عيشي حياتك:
فالإسلام لا يمنعك أن تمارسي حياتكِ كما تحبين.. بل إنه لم يطالبك أبداً بالزهد الكامل في الدنيا.. فهو يطلب منك أن تكوني من سادة المتحضرين وأفضلهم.. وأن يكون لديك علم ووعي وثقافة في مختلف العلوم.. وأن تكوني كذلك من خيرة الأغنياء وأقدرهم على فعل الخيرات..
يطالبك بأن تعرفي ما لجسدك من حقوق كالغذاء والرياضة فتؤدينها.. روِّحي عن نفسكِ بالتسلية والمتعة بالحلال وفي غير محرم.. اعرفي حق أهلكِ وأدِّيه بحسن رعايتهم وصحبتهم.. اعرفي حق زوجكِ بالسمع والطاعة في غير معصية.. اعرفي حقَّ أولادكِ بحسن التربية وحسن التوجيه..
أدِّي حق المجتمع بالعمل بكل ما هو لصالح الإسلام والمسلمين..
وفوق كل هذا وذاك اعرفي حقَّ الله بتوحيده وحسن عبادته وطاعته.
* * *
الفصل الأول - نساء خالدات - بمثل هؤلاء اقتدي
تحتاج المسلمة في كل زمان ومكان إلى قدوة صالحة تسير على نهجها وتسلك سبيلها.. تحتاج إلى نماذج طيبة طاهرة .. حملتْ قلوباً تعظِّم الله..
فاطمة رضي الله عنها:
ومن هذه النماذج العظيمة نقف مع سيدة نساء أهل الجنة.. إنها فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تزوَّجت بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.. ووالله ما حملتْ معها الجواهر ولا الذهب ولا الفساتين.. ووالله ما دخلت القصور ولا الدور.. وإنما دخلتْ بيتاً من طين..
أمَّا جهازها فكان وسادةً محشوَّةً بليف..ٍ وسِقاءً وجرَّتين ورحىً تطحن الحبَّ عليه.. وهي سيدة نساء العالمين. فاطمة بنتُ النبي (صلى الله عليه وسلم). بنتُ رئيس الدولة الإسلامية تنام على وسادة محشوة بليف.. تطحن الحبَّ بيدها.!!
نعم والله كانت تفعل ذلك وما ضرَّها ذلك ولا أنقصَ من قدرها. يقول علي رضي الله عنه وهو يتحدَّث عنها بعد وفاتها: كانت بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تجرُّ الرحى (طاحونة) تطحنُ الحَب..َّ حتى أثَّر الجرُّ في يدها.. واستقتْ بالقربة (تحمل الجرَّة على كتفها) حتى أثَّر الحبل في نحرها.. وقمَّت (كنَّست) البيت حتى اغبرَّت ثيابها.. وأوقدتِ النار حتى تغيَّرت هيئتها.. وأصابها من ذلك ضرٌّ وأيُّ ضر!ٍّ.!
يا سبحان الله!! بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تطحن الحبَّ حتى أثَّر في يدها.. ألا فاسمعي ذلك يا من تتكبَّرين عن العمل في بيتك وعن خدمة زوجك!. انظري إليها يوم طلب علي رضي الله عنه أن تذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكي يُخدمها (يعطيها خادمة) من المماليك.. فذهبت واستحيتْ أن تكلِّمه.. فرجعت إلى علي رضي الله عنه الذي ذهب معها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكلَّماه في الخادم..
فهل قال عليه الصلاة والسلام: سأنفّذ أمركما على الفور؟ هل قال لأصحابه: عيِّنوا لهما مملوكاً فهي ابنتي وزوجها ابن عمي؟ ولا والله ما قال ذلك.. ولكن قال: «لا والله لا أعطيكما.. وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم لا أجدُ ما أنفقُ عليهم.. ولكن أبيع المماليك وأنفقُ عليهم».
فذهبا رضي الله عنهما إلى بيتهما.. ثم جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) في الليل إليهما.. فإذا فاطمة ابنته وعلي زوجها في فراش واحد.. وعليهما غطاء إن غطَّيا رأسيهما بدت أقدامهما، وإن غطيا أقدامهما انكشف رأساهما.! ثم قال لهما (صلى الله عليه وسلم): «أولا أدلَّكما على خير لكما من خادم؟» فقالا: بلى يا رسول الله. قال: «إذا أخذتما مضاجعكما تكبِّران أربعاً وثلاثين، وتسبّحان ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان ثلاثاً وثلاثين؛ فهو خيرٌ لكما من خادم» قال علي رضي الله عنه: فوالله ما تركتهن منذ علَّمَنِيهن.َّ
عائشة عالمة النساء:
وهذه عائشة رضي الله عنها التي ملأت الأرض علماً، حتى قال فيها الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل وأكثر وأفيد.
ففي (طبقات ابن سعد): كانت عائشة أعلم الناس.. يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وعن أبي سلمة: ما رأيتُ أعلم بسنن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من عائشة، ولا أحداً أفقه في رأي إن احتيج إلى رأيه.. ولا أعلم باية فيما نزلت.. ولا فريضة.. من عائشة رضي الله عنها.
وكانت رضي الله عنها تفتي في عهد عمر وعثمان إلى أن ماتت.
سارة.. زوج إبراهيم عليه السلام:
وها هي سارة زوج إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أُخذت من بيتها عنوة بالقوة من قِبَل زبانية طاغية مصر آنذاك، وقام إليها يريد فعل الفاحشة بها. امرأة ضعيفة.. ولكنها قوية يوم استمسكت بحبل الله.. قامت وتوضأت لتصلّي.. اتصلتْ بربها سبحانه وتعالى قائلة: اللهمَّ إن كنتَ تعلم أني امنتُ بك وبرسولك.. وأحصنتُ فرجي إلا على زوجي.. فلا تسلِّط عليَّ هذا الكافر.. اللهمَّ اكفنيه بما شئت..
فجمد الكافر مكانه لا يستطيع الحراك. حفظت ربها في الرخاء.. فحفظها في الشدة.. جمد في مكانه ولم يتزحزح.. ثم يُطلَق بعد ذلك.. فيمدُّ يدَه مرة أخرى على زوج إبراهيم الخليل.. فتجمدُ أعضاؤه مرة أخرى.. ثم يمدُّ الثالثة والرابعة.. وأخيراً يقول لهم: ما جئتموني إلا بشيطان!! أرجعوها إلى إبراهيم وأخدِموها (هاجر.!). لم ترجع سليمة بحفظ الله فقط.. بل رجعت ومعها مملوكة لها.
ماشطةُ بنتِ فرعون:
وها هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ـ فيما رواه الإمام أحمد ـ يُخبر ليلة الإسراء أنه قال: فلما كانت الليلة التي أُسري بي أتت عليَّ رائحة طيبة.. فقلت:ُ ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطةِ بنتِ فرعون وأولادها.
كانت هذه المرأة تمشط بنت فرعون.. وذات يوم.. وبينما هي تمشِّط بنت فرعون، وإذا بالمِدْرى (المشط،) يسقط من يديها.. فقالت: بسم الله.. وكانت تخفي إيمانها من قبل. فقالت بنت فرعون: أبي؟ قالت: بسم الله ربي.. ورب أبيك.. ورب العالمين. قالت: إذن أخبرُه بذلك.
قالت: افعلي.. فذهبت فأخبرت أباها فرعون. فجاء في تجبّر وتكبّر وقال: أولك رباً غيري؟ قالت: ربي وربك ورب العالمين سبحانه وتعالى. فاغتاظ وقال: أوما أنت بمنتهية عن ذلك؟. قالت: لا. فقال: إذاً أُعذِّب أو أقتُل؟. قالت: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
فراح يعذّبها.. أوتدَ يديها ورجليها.. وصبَّ عليها أنواع العذاب.. فكانت تمزج حلاوة إيمانها بمرارة العذاب.. وتشتاق فتقول: إنما هي ساعات.. وإلى جنات ونَهَر في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر. يُرسل عليها العقارب لتلسعها علَّها تعود إلى عبادة فرعون فتقول: ربي وربك الله رب العالمين. فيرسِلُ عليها الحيَّات لتنهشها.. فتقول: ربي وربك الله رب العالمين.
قال: إذاً أقتلك وأحرقك بالنار.. فأمر ببقرة من نحاس (قيل: إنه قِدرٌ على صورة بقرة) ثم جيء بها وبأولادها.. فيأخذ الولد الأول ويرميه.. فتقف!! فيقول لها الولد الثاني: اصبري يا أماه فإن لك عند الله كذا وكذا إن صبرتِ. ثم يرمي بالثاني. ويرمي بهم واحداً بعد الاخر.. وهي تقول: ربي وربك الله رب العالمين. ولم يبقَ سـوى طفل رضيع على ثديها.. فتتردد في أن تلقي بنفسها من أجل هذا الرضيع!! فينطقه الله ويقول: يا أماه اقتحمي.. لَعَذابُ الدنيا أهونُ من عذاب الاخرة..
فتقتحم النار مع طفلها الرضيع لتلقى الله تعالى راسخة بإيمانها..
آسية بنت مزاحم:
وكانت آسية بنت مزاحم ـ زوج فرعون ـ تراقب الموقف وهي مؤمنة ولم تعلن إيمانها بعد.. فلما رأت ما رأت من أمر الماشطة قالت له: الويل لك.. ما أجرأك على الله!.!. قال فرعون: لقد اعتراكِ جنون الماشطة. قالت: بل امنتُ بالله ربي ورب الماشطة.. امنتُ بالله رب العالمين.
ذهب فرعون إلى والدتها وقال: لأذيقنها ما ذاقته الماشطة أو لترجع.. فجاءت أمها تعرض عليها أن تتنازل عن دينها. قالت: يا أماه! أمَّا أن أكفر بالله فوالله لا أكفر بالله.!! عندها أوتدَ يديها ورجليها.. ثم ربطها وألقاها في الشمس.. ومنع عنها الطعام والشراب.. وضُربت ضرباً مبرحا.. لجأتْ إلى فاطر السماوات والأرض: {رب ابنِي لي عندك بيتاً في الجنّة}، روي أنها لما قالت ذلك رُفعت دونها الحُجُب.. حتى رأتْ بيتها في الجنة.. فضحكتْ وهي تُعذَّب حتى قالوا: هذه مجنونة!! تُعذَّب وتضحك؟!.
أمر فرعون بعد ذلك بحجر يُلقى عليها وهي في أوتادها.. فما وصل الحجر إليها حتى أخذ الله روحها قبل ذلك.. فصارتْ مَثلاً للذين امنوا.!
وبالمقابل نجد امرأة أبي لهب ـ عم النبي (صلى الله عليه وسلم) ـ كانت تسمِّي الرسول (صلى الله عليه وسلم) (مُذَمَّماً) لا (مُحمدا!)ً وتقول: «مذمَّماً أبَيْنا، ودينَه قَلَيْنا، وأمْرَهُ عصيْنا.!!» ومشتْ بهذا الهجاء المسعور في مجالس قريش تسفِّه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وتبثّ الفتنة، وتؤيد الكفر!
فنزل قول الله تعالى فيها: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}، والمرأة كانت من كبراء قريش،لا تشتغل بالاحتطاب، وإنما شُبِّه سعيها بالوقيعة والبذاءة وإيقاد العداوات ضد الإسلام بمن تحمل الحطب للوقود.! وقيل:إنها كانت تحمل الشوك والحسك وتنثرها بالليل في طريق رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
صفية تقتل يهودياً:
وهذه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وشقيقة حمزة رضي الله عنه وزوجة العوام رضي الله عنها.. تلك التي ربَّت الفارس المقدام (الزبير بن العوَّام.) لما رأت ما حلَّ بالمسلمين يوم أُحد ـ وكانت تسقي المسلمين الماءـ
هبَّت كاللبؤة وانتزعت رمحاً من أحد المنهزمين ومضت تشق الصفوف وهي تقول: ويحكم أتنهزمون عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فلما رآها النبي (صلى الله عليه وسلم) أشار إلى ابنها الزبير وقال له: دونك أمك. فقال الزبير: إليكِ إليكِ.
فقالت: والله لقد بلغني أنه مُثِّل بأخي حمزة ولأصبرنَّ في ذات الله. وعندما انتهت المعركة وقفت على أخيها حمزة وقد بُقِرَتْ بطنه وأُخرجتْ كبده، وقطعت أذناه وشوِّه وجهه. قالت: لقد رضيتُ بقضاء الله. لم تلطم خدا..ً ولم تشق جيبا..ً ولم تَنُح..ْ وهي تعلم أن ذلك قضاء الله وقدره!.
وها هي صفيـة يـوم الخندق.. يـوم وضع النبي (صلى الله عليه وسلم) النساء في حصن حسَّان.. وهو حصن من أمنع الحصون.. ولم يترك معهن من الرجال أحدا.ً وذهب الجيش إلى الخندق، فإذا بيهودي يتسلَّل إلى الحصن ليرى إذا كان هناك رجال في الحصن.. أمْ نساء فقط.. فيقوم اليهود باقتحام الحصن وسبي النساء..
فلما رأته صفية رضي الله عنها أخذتْ عموداً من الحصن ثم هجمت عليه وقتلته.. ولم تكتفِ بذلك بل قطعتْ رأسه.. وصعدتْ إلى أعلى الحصن ثم رمتْ برأسه على اليهود.. فتدحرج رأس اليهودي بينهم.. فقال اليهود: قد علمنا أنَّ محمداً لن يترك النساء بلا رجال. أي: ظنّوا أنَّ هناك رجالاً قتلوا هذا اليهودي..! فكانت صفية أول امرأة قتلت رجلاً من المشركين. كما أنها حمَت النساء من أن يسبيهنَّ اليهود.
امرأة تنقذ المسلمين (أم سلمة العاقلة اللبيبة):
ففي صلح الحديبية تكبَّر الكفار وأخذتهم حمية الجاهلية.. ورفضوا كتابة أنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم كانت شروط الصلح مجحفة للمسلمين.. وقد جاؤوا من بعيد لزيارة البيت الحرام، ثم يُمنَعوا من ذلك حسب شروط المعاهدة.
غضب عمر رضي الله عنه غضباً شديدا،ً وذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر! أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلامَ نُعطي الدنيَّةَ في ديننا؟. فقال أبو بكر: يا عمر، الزم غَرْزه ـ أي طريقته ـ فإني أشهد أنه رسول الله. فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
ولما فرغ النبي (صلى الله عليه وسلم) من كتابة العهد قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» ثلاث مرات.. فما قام منهم أحد! فقد أذهلهم ما هم فيه من الغمِّ والحزن عن أمر رسول الله. فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على زوجه أم سلمة ـ وكانت خرجت القرعة عليها في سفر رسول الله هذا ـ فذكر لها ما وجد من الناس وقال: «هلك المسلمون»، فقد رفضوا أن يطيعوه ويذبحوا الهدي ويحلقوا.
فقالت ـ وكانت عاقلة حازمة ـ: يا نبي الله، اخرج، ثم لا تكلّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلِّم أحداً منهم حتى فعل ذلك. فلما رأوا ما فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) قاموا فنحروا وحلق بعضهم وقصَّر اخرون.
أفرأيتم كيف استطاعت امرأة أن تنقذ المسلمين بإذن ربها حينما عجز الرجال عن طاعة أمر رسولهم (صلى الله عليه وسلم)؟!.
امرأة يزوِّجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
فعن أنس رضي الله عنه: كان رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقال له: جليبيب، في وجهه دمامة.. فعرَض عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التزويج!! فقال: إذاً تجدني كاسداً؟.! فقال: «غير أنَّك عند الله لستَ بكاسد». فلم يزل النبي (صلى الله عليه وسلم) يتحيّن الفرص لتزويج جليبيب.. حتى جاء رجل من الأنصار يوماً يعرض ابنته الثيّب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ليتزوّجها.. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لست أريدها لنفسي.. ولكن أريدها لجليبيب» قال أبوها: دعني أستأمر أمها..
فأتى الرجل زوجته فقال: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يريد ابنتنا لجليبيب.. قالت: لعمر الله لا أزوِّج جليبيبا..ً وقد منعناها فلاناً وفلانا..ً فاغتمَّ أبوها لذلك.. وقام ليأتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فصاحت الفتاة من خدرها بأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قالت: أتردَّان على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمره؟! ادفعاني إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإنه لن يضيّعني..
فذهب أبوها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، وزوَّجها النبي (صلى الله عليه وسلم) جليبيبا.. ودعا لها وقال: «اللهمَّ صُبَّ عليهما الخيرَ صبّا.ً. ولا تجعل عيشهما كدّاً كدّاً» فلم يمضِ على زواجه أيام.. حتى خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة.. وخرج معه جليبيب.. فلما انتهى القتال.. وبدأ الناس يتفقد بعضهم بعضاً.
سألهم النبي (صلى الله عليه وسلم): «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نفقد فلاناً وفلانا.ً قال: «ولكني أفقد جليبيباً» فقاموا يبحثون عنه. فلم يجدوه في ساحة القتال.. ثم وجدوه في مكان قريب.. إلى جنب سبعة من المشركين قد قَتَلَهم ثم قَتَلوه.!! فوقف النبي (صلى الله عليه وسلم) ينظر إلى جثته ثم قال: «قَتَل سبعة ثم قَتَلوه.. هذا مني وأنا منه»..
ثم حمله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ساعديه وحفر له ثم وضعه في لحده. قال أنس: فوالله ما كان في الأنصار أيِّمٌ أنفق منها؛ تسابق إليها الرجال كلهم يخطبها بعد جليبيب.!!
شَعْرُها لجام للفرس:
وهذا أبو قدامة يقف خطيباً على المنبر في دمشق يعظ الناس ويذكّرهم بفضيلة الجهاد في سبيل الله، فما أن خرج من المسجد حتى تنافس الناس للذهاب إلى القتال. وإذا بامرأة تقول: يا أبا قدامة! السلام عليك.. فلم يردّ عليها السلام، لأنه خشي أن تفتنه.. فأعادت عليه السلام فلم يردّ عليها.. وفي الثالثة قالت: السلام عليك يا أبا قدامة! ما هكذا يفعل الصالحون.!.
قال: فتوقفت،ُ وتقدمتْ إليّ وقالت:ْ سمعتك وأنت تشحذ الهمم للجهاد في سبيل الله، فتشتُ فلم أجد والله أغلى عندي من ضفيرتي شعري فقصصتهما.. فخذهما واجعلهما لجاماً لفرسِكَ في سبيل الله، عسى الله أن يكتبني من المجاهدات في سبيله.
امرأة تعلِّم زوجَها:
وها هي ابنة سعيد بن المسيب رحمه الله.. لما دخل عليها زوجها وكان من طلبة العلم.. فلما أصبح الصباح أخذ رداءه يريد أن يذهب إلى مجلس سعيد بن المسيب ليتعلم العلم.. فقالت له زوجته: أين تريد؟ قال: إلى مجلس أبيك أتعلَّم العلم. قالت له: اجلس أعلِّمك علم سعيد..
فوجد ما كان يتعلَّمه من سعيد بن المسيب عند ابنته.!! هكذا والله تكون المرأة المسلمة معلِّمة فاضلة تشعّ نوراً في البيت على زوجها وأولادها.
أم الإمام أحمد:
وهذه أم الإمام أحمد الذي مات عنه أبوه وهو صغير.. فأخذت أمه تقوم على تربيته. يقول الإمام أحمد: حفَّظتني أمي القران وعمري عشر سنوات.. وكانت توقظني قبل صلاة الفجر بوقت ليس بالقصير.. تدفأى لي الماء لأن الجو كان بارداً في بغداد.. وتلبس اللباس.. ثم نصلي أنا وإياها ما شئنا.. ثم تنطلق إلى المسجد وهي مختمرة لتصلي معه صلاة الفجر في المسجد وعمره عشر سنوات. وتبقى معه حتى منتصف النهار تعلِّمه العلم.
يقول الإمام أحمد: فلما بلغتُ السادسة عشرة قالت: يا بني سافِر في طلب الحديث.. فـإنَّ طلب الحديـث هجرةٌ في سـبيل الله. فأعدَّت له مسـتلزمات السفر ثم قالت: إن الله إذا استُودِعَ شيئاً حفِظَه.. فأستودِعُكَ الله الذي لا تضيعُ ودائعه.
فذهب من عندها إلى المدينة ومكة وصنعاء.. ليعود إليها وهو (الإمام أحمد) وقد قدَّم للأمة ما قدَّم. فهؤلاء هن القدوة.. لا مطربات اليوم ولا الممثلات.. ألا فاقتدي بهنّ وسيري على طريقهن، عسى الله أن يحشرك معهن في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
فاطمة الفقيهة:
وانظري إلى سيرة فاطمة بنت الشيخ علاء الدين السمرقندي صاحب كتاب (تحفة الفقهاء) المتوفى عام (٤٣٥هـ.). فقد كانت فقيهة جليلة.. تزوجها تلميذ أبيها الشيخ علاء الدين الكاساني المتوفى عام (٤٨٥هـ) صاحب كتاب (البدائع) الذي شرح فيه كتابَ شيخِهِ السمرقندي!.
وكانت فاطمة من جلالتها في الفقه أن كان زوجها يخطئ فتردُّه إلى الصواب. وكانت الفتوى تخرج من بيتها وعليها خطُّها وخطُّ أبيها.. فلما تزوَّجتْ بالفقيـه الكاسـاني أصبحت الفتوى تخـرج وعليها خطّها وخـطّ أبيها وخـطّ زوجها!.
امرأة بألف رجل!:
فهذه امرأة تسمى (الخازندارة) أوقفت مالها لله.. حدث هذا في القرن العشرين.. بَنَتْ كلية أصول الدين في القاهرة التي تخرَّج منها أجيال كثيرة من علماء الأزهر، ومنهم فضيلة الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهم كثير.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: «وللأسف فلا ندري عنها شيئا..ً فالبيئة التي عاشت فيها دأبت على كتمان النساء.. فلا يجوز أن يُذكر اسم الأم ولا اسم الزوجة!! فذلك عيبٌ لا يقع فيه أهل الإيمان!!
امرأة بمفردهـا بنت من أموالها كليـةً للدراسـات التي تؤهل للشهادة العالية..ولم تكتفِ بهذا بل أنشأت مستشفى (الخازندارة).. ثم مسجد (الخازندارة..) وملجأ (الخازندارة). امرأة مُحسنة تنشر العلم وتحمي العبادة.. وتربي اليتامى.. وتداوي المرضى!!
أي قلب زكي في صدر هذه المرأة التي أقرضت اللهَ قرضاً حسنا..ً وادّخرت عنده ما ينضّر وجهها: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } [الحـَـديد: ١٠]. رحم الله الخازندارة التي استودعت الله مالها، وجاهدت في سبيله بتقديم الدواء للمرضى.. والزاد للجيَّاع.. والعلم لطلابه.. وألْهم الرجال والنساء أن يتأسَّوا بها»
أبطال يُسلِمون على أيدي النساء:
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتنق الإسلام على يد أخته فاطمة.. كانت أسبق منه إلى الإسلام. ولقد أدمى وجهها بعد أن سمعها تقرأ القران وعلم بإسلامها.. فقالت له: يا عمر! إنَّ الحقّ في غير دينك.. وإني أشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمداً رسول الله.. فتوجَّه عمر على إثرها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأعلن إسلامه!.
وهذا أبو طلحة ـ قبل أن يُسلم ـ خطب أم سُليْم ـ وهي مسلمة ـ فقالت له المرأة الراشدة: يا أبا طلحة! ألستَ تعلم أنَّ إلـهك الذي تعبد نبتَ من الأرض؟ قال: بلى! قالت: أفلا تستحيي أن تعبد شجرة؟.. إن أسلمتَ فلا أريدُ منكَ صداقاً (مهرا)ً غير الإسلام.! قال لها: دعيني حتى أنظر في أمري..
فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمداً رسول الله.. فكانت أم سليم سبباً في إسلام أبي طلحة.
نساء داعيات:
وهذه أم شريك القرشية العامري كانت تدخل على النساء تدعوهنَّ إلى الإسلام.. وترغبهن فيه حتى انكشف أمرها لأهل مكة.. فأوثقوها وأذاقوها سوء العذاب..
وكبنت سمرة بن نهيك تؤدِّب النساء.. وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر…
ثم هاك خولة بنت مالك التي لقيت عمر بن الخطاب في الطريق فسلَّم عليها فردَّت عليه السلام وقالت: هيها يا عمر.. عَهِدْتُك وأنتَ تُسمى عميراً في سوق عكاظ.. تُروِّعُ الصبيان بعصاك.. فلم تمضِ إلا أيام حتى سُِميتَ عمر.. ثم لم تذهب حتى سُميتَ أميرَ المؤمنين.. فاتقِ الله في الرعية.. واعلم أن من خاف الوعيد قَرُبَ عليه البعيد.. ومن خاف الموتَ خشي الفوت.
قال الجارود: قد كثَّرتِ على أمير المؤمنين أيتها المرأة.! فقال عمر: دعْها أما تعرفها؟ هذه خولة امرأة أوس بن الصامت قد سمعَ اللهُ قولها من فوق سبع سموات.. أفلا يسمع لها عمر؟.! وبعد: أفلا تكون هذه السـير النضرة أسـوة للمسـلمات في شـتى الأمصار وعلى مرِّ العصور؟.!
* * *
الفصل الثاني: المرأة في صدر الإسلام
النساء في المساجد:
وكانت المرأة تشهد الجماعة والجمعة، في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان عليه الصلاة والسلام يحثهنَّ على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال، وكلما كان الصف أقرب إلى المؤخرة كان أفضل، خشية أن يظهر من عورات الرجال شيء، وكان أكثرهم لا يعرفون السراويل.
وكانوا في أول الأمر يدخل الرجال والنساء من أي باب اتفق لهم، فيحدث نوع من التزاحم عند الدخول والخروج. فقال عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم جعلتهم هذا الباب للنساء» فخصصوه بعد ذلك لهن، وصار يعرف إلى اليوم باسم (باب النساء.)
وكان النساء في عصر النبوة يحضرن الجمعة، ويسمعن الخطبة، حتى إنّ إحداهنَّ حفظت سورة (ق) من في (فم) رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من طول ما سمعتها من فوق منبر الجمعة.
وكانت النساء يحضرن كذلك صلاة العيدين، ويشاركن في هذا المهرجان الإسـلامي الكبيـر، الذي يضم الكبـار والصغار، والرجـال والنساء، في الخلاء مهللين مكبّرين. روى مسلم: عن أم عطية قالت: كنا نؤمر بالخروج في الخلاء في العيدين، والمخبأة والبكر.
وفي رواية: قالت: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيّض وذوات الخدور، فأما الحيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: «لتلبسها أختها من جلبابها»
النساء.. ومجالس العلم:
وكانت النساء يحضرن دروس العلم مع الرجال عند النبي (صلى الله عليه وسلم) ويسألن عن أمر دينهن مما قد تستحيي منه الكثيرات اليوم. حتى أثنت عائشة على نساء الأنصار، أنهن لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهن في الدين، فطالما سألن عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض والاستحاضة ونحوها.
ولم يشبع ذلك نهمهن للعلم من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فطلبن أن يجعل لهنَّ يوماً يكون لهن خاصة، لا يغالبهن الرجال ولا يزاحمونهم، وقلن في ذلك صراحـة: يـا رسـول الله، قد غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنـا يوماً من نفسك.. فوعدهن يوماً، فلقيهن فيه ووعظهن وأمرهن.
النساء في غزوات المسلمين:
وتجاوز هذا النشاط النسائي إلى المشاركة في المجهود الحربي في خدمة الجيش والمجاهدين، بما يقدرون عليه ويُحسِنَّ القيام به، من التمريض والإسـعاف ورعايـة الجرحى والمصابين، بجـوار الخدمـات الأخرى من الطهي والسقي وإعداد ما يحتاج إليه المجاهدون من أشياء مدنية.
عن أم عطية قالت: غزوت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سبع غزوات، أخلفهم في رحالهن، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى.
وروى مسلم عن أنس: أن عائشة وأم سليم، كانتا في يوم أحد مشمّرتين، تنقلان القِرَب على متونهما ـ ظهورهما، ثم تفرغانهما في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأانها»
وتضم كتب مغازي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بطولات النساء في الغزوات الإسلامية.. فهذه نُسيبة بنت كعب (أم عُمارة) التي خرجت لتسقي المسلمين في غزوة أُحد.. فلما لحقتْ بالمسلمين الهزيمة.. رمتْ ما بيدها وأخذتْ سيفا..ً
وخاضت غمار الحرب تدافع عن النبي (صلى الله عليه وسلم). وجُرحتْ فوهبت حياتها للموت لتبقى حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام. استعذبتْ الموت في إحقاق الحق وإزهاق الباطل.. ودعا لها الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولزوجها ولولدها وقال عنها: «ما نظرتُ يميناً ولا شمالاً إلا ورأيتُ أمَّ عُمارة» ويخاطب ابنها فيقول: «لمقام أمك خير من مقام فلان وفلان».
وروى الإمام أحمد: أنَّ ست نسوة من نساء المؤمنين كنَّ مع الجيش الذي حاصر خيبر: يتناولن السهام، ويسقين السويق، ويداوين الجرحى، ويغزلن الشعر، ويعنّ في سبيل الله، وقد أعطاهن النبي (صلى الله عليه وسلم) نصيباً من الغنيمة.
وكذلك اتخذت أم سُليم خنجراً يوم حنين، تبقر به بطن من يقترب منها. روى مسلم عن أنس ابنها: أنّ أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا،ً فكان معها، فراها أبو طلحة ـ زوجها ـ فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ما هذا الخنجر؟» قالت: اتخذته، إن دنا مني أحد المشركين بقرتُ به بطنه! فجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يضحك.
وقد عقد البخاري باباً في صحيحه في غزو النساء وقتالهن. ولم يقف طموح المرأة المسلمة في عهد النبوة والصحابة للمشاركة في الغزو عند المعارك المجاورة والقريبة من الأرض العربية كخيبر وحنين، بل طمحن إلى ركوب البحار، والإسهام في فتح الأقطار البعيدة لإبلاغها رسالة الإسلام.
ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال عند أم حرام بنت ملحان ـ خالة أنس ـ يوماً، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناسٌ من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكاً على الأسرَّة، أو مثل الملوك على
الأسرَّة»
قالت: فقلت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها.. فركبت أم حرام البحر في زمن عثمان، مع زوجها عبادة بن الصامت إلى قبرص، فصُرعت عن دابتها هناك، فتوفيت ودفنت هناك، كما ذكر أهل السير والتاريخ.
في الحياة الاجتماعية:
وفي الحياة الاجتماعية شاركت المرأة داعية إلى الخير.. آمرة بالمعروف.. ناهية عن المنكر.. ومن الوقائع المشهورة رد إحدى المسلمات على عمر في المسجد في قضية المهور، ورجوعه إلى رأيها علنا،ً وقوله: أصابت المرأة وأخطأ عمر. وقد عيَّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته الشفاء بنت عبد الله العدوية محتسبة على السوق.
امرأة نذرت لله:
فقد أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام حبيب بن يزيد إلى مسيلمة الكذاب يتحدَّث معه ويحاول ردَّه إلى صوابه. وكان حبيب شاباً مؤمناً جريئا،ً فلما راه مسيلمة قرر قتله! فسأله أولاً: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟ فتصامم حبيب، وأشار بوجهه لا أسمع، وكرر مسيلمة دعواه، وكرر حبيب رفضه الصامت المستهزأى المستكبر.! وهنا بدأ مسيلمة يقطع الشاب المؤمن عضواً عضوا..ً وكلما سأله فرفض الإيمان به قطع جزءاً اخر من جسمه..
واستمر تقطيع الأشلاء ونزف الدماء حتى فاضت روح الشاب المسلم إلى باريها! وعلمتْ أمه (نسيبة بنت كعب الأنصارية) بمصرع ولدها على هذا النحو، فنذرت ألا تغتسل حتى تثأر لولدها وحتى يُقتل مسيلمة!.
وخرجت المرأة مع ابنها عبد الله واشتركت في معركة اليمامة.. وقاتلت جيش مسيلمة أشد قتال.. وأصابها اثنا عشر جرحاً وهي مُقدِمة في المعركة.. وقُطعت يدها خلال المعركة الشرسة.. لكن خيل الله قتلت مسيلمة.. وانتصر الحق وزهق الباطل.. وعادت نسيبة بعدما وفتْ بنذرها.
أكان أحد يستطيع ردَّها عندما خرجت؟ كلا: لقد شهدتْ من قبل قتال أُحد.. وشهدتْ بيعة الرضوان في عمرة الحديبية.. وشهدتْ فتح مكة ويوم حنين.. ومن قبل ذلك شاركت في بيعة العقبة.. إنها مثال عالٍ للمسلمة المجاهدة التي شرَّفت أسرتها ودينها.
الخنساء قبل وبعد:
وتلك هي الخنسـاء التي أخرجـت على يديها أبطـالاً صناديد.. وقدَّمت أبناءها الأربعة في معركة القادسية راضية النفس قريرةَ العين. اقرئي ما أوصتْهم به أمهم قبل خروجهم إلى المعركة:
«يا بَنيَّ إنكم أسلمتم طائعين.. وهاجرتم مختارين.. اعلموا أن الدار الاخرة خير من الدار الفانية.. اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.. فإذا رأيتُم الحرب قد شمَّرتْ عن ساقيها.. وجلَّلتْ ناراً على أوراقها.. فيمِّموا وطيسها وجالدوا رسيسها.. تظفروا بالغُنم والكرامة في دار الخُلد والمقامة»
فلما كشَّرت الحرب عن أنيابها تدافعوا إليها.. وقدَّموا أرواحهم فداءً لنصرة دين الله وإعلاءً لكلمته. ولما وافتها الأخبار باستشهادهم قالت: الحمد لله الذي شرَّفني باستشهادهم جميعا..ً وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته!!.
امرأة يستشهد أبناؤها الأربعة.. فلا بكاء ولا عويل.. ولا مناحة ولا صريخ.. هي تعلم حقَّ العلم أنهم سبقوها إلى الجنة.. وأنها إن شاء الله بهم لاحقة.. في جنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين!. وكلنا يعرف كيف كانت الخنساء تندب أخاها قبل إسلامها، وتنوح عليه ليل نهار، وتنشد فيه المراثي الطوال.!!
المرأة في معارك المسلمين:
كان للمرأة المسلمة حضور كبير في كثير من معارك المسلمين؛ ففي معركة اليرموك قاتل المسلمون قتالاً شديدا،ً وكانوا كلما ضعفوا أو انكشف صف من صفوفهم صعدت النساء على التلِّ وحرَّضن المؤمنين على القتال. ويحصبن (أي: يرمين بالحجارة) في وجوه أزواجهن وإخوانهن المنهزمين من القتال، ويعدون بين أرجُل الخيل حتى ترجح كفة المسلمين على الأعداء.
جاء في كتاب (فتوح الشام) للواقدي: أنَّ أبا سفيان قال لأبي عبيدة بن الجراح: أيها الأمير! مُرْ نساءَنا أن يعلون على هذا التل. فصاح أبو عبيدة بن الجراح في النسـاء: يا نسـاء المؤمنين، خذن بأيديكن أعمدة الخيـام.. واجعلن الحجـارة بين أيديكن.. وحرِّضن المؤمنين على القتال.. فإن كان الظفر لنا.. فكنَّ على ما أنتنَّ عليه.. وإن رأيتنَّ أحداً من المسلمين منهزماً فاضربن وجهه بأعمدتكن.. واحصبنه (اضربنه) بحجارتكن.. وارفعن إليه أولادكن..َّ وقلنَ له: قاتلْ عن أهلك وعن دين الإسلام.
فقالت النساء جميعاً بصوت واحد: أيها الأمير أبشِر بما يسرُّك.!! وعندما حمي وطيس المعركة، وشدَّ الروم على المسلمين، وكانوا أكثر عدداً من المسلمين بفارق كبير جداً، انكشفت ميمنة المسلمين فنكصت الخيل على أعقابها من هول المعركة، ورأتْ نساءُ المسلمين انكسارَ رجالهن فتنادين قائلات: «يا بنات المسلمين دونكن الرجال؛ رُدُّوهم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحرب»
وقالت (سعيدة بنت عاصم): كنت في جملة النساء يومئذٍ على التل.. فلما انكشفت ميمنة المسلمين صاحت بنا (عُفيرة بنت غفار) ونادت: يا نساء المسلمين دونكن الرجال، احملن أولادكن على أيديكن.. واستقبلنهم بالتحريض على القتال. فأقبلت النسوة يرجمن وجوه الخيل بالحجارة.. وجعلت (بنت العاص بن منبه) تنادي: «قبح الله وجه رجل يفرُّ عن حليلته».
وأخذت النساء يقلن لأزواجهن: «لستم ببعولة لنا إن لم تمنعوا عنا هؤلاء الأعلاج» وكانت خولة بنت الأزور تحرض المؤمنين على القتال. فرجع الفرسان يُحرض بعضهم بعضاً على القتال، فكرَّ المسلمون على عدوهم كرَّة عظيمة ونالوا منهم.
وخرجت هند بنت عتبة وبيدها مزهر، ومن خلفها نساء من المهاجرين وهي تقول الشعر الذي قالتْه يوم أُحد، وهو:
نحن بنـات طـــارق … نمشي على النمارق
والدر في المخانــق … والمسك في المناطـق
إن تقبلوا نعـانق … ونفرش النمــارق
أو تدبروا نفـارق … فـراق غير وامــق
ثم استقبلت خيلَ ميمنة المسلمين المرتدة.. فلما رأتهم منهزمين صاحت بهم: إلى أين تنهزمون؟ أمِنَ الله وجنَّته تَفِرُّون وهو مُطَّلع عليكم؟.! ونظرتْ إلى زوجها أبي سفيان منهزما،ً فضربت وجه حصانه بعمودها وقالت له: إلى أين يا بن صخر؟! ارجع إلى القتال وابذل مهجتك حتى تمحِّص ما سلف من تحريضك على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
فعطف أبو سفيان عندما سمع كلام هند.. وعطف المسلمون معه. قال الزبير بن العوام: فلقد رأيتُ النساء يسابقن الرجال، وبأيديهنَّ العُمد بين أرجل الخيل.. ولقد رأيتُ منهن امرأة، وقد أقبلت إلى عليج (أي واحد من أفراد الروم) عظيم، وهو على فرسه، فتعلقت به، وما زالتْ به حتى نكَّسته عن جواده وقتلته وهي تقول: هذا بيان نصر الله للمسلمين. وقاتلت النساءُ المشركين قتال الأبطال.
فصبر المسلمون على القتال حين رأوا النساء يقاتلن قتال الموت. ويقول الرجل لمن يليه: «إن لم نقاتل نحن هؤلاء فإننا أحقُّ بالخدور من النساء!». إنها والله صورة مشرفة من صور بطولات نساء المسلمين، ولقطة تستحق أن تقف عندها النساء اليوم وقفة طويلة. فما أحوج نساء المسلمين إلى التأسي بهؤلاء النسوة اللواتي أسهمن في صناعة التاريخ الإسلامي المشرف على مرِّ العصور.
* * *
الفصل الثالث: أخلاق الفتاة المسلمة
لا تكثري من الكلام:
فليس أحسن وأبلغ من سكوت إذا كثر اللغط. ويقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيراً أو ليصمت» ويقول أيضاً: «إنَّ العبدَ ليتكلَّم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات».
وكانت وصية أبي الدرداء رضي الله عنه: «أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل الله لك أذنين اثنتين وفماً واحداً؛ لتسمع أكثر مما تقول» ويقول الفضيل بن عياض: «المؤمن قليل الكلام كثير العمل.. والمنافق كثير الكلام قليل العمل».
لا تنظري إلى عيوب الناس:
حاولي أن تشـغلي نفسـك بـإصلاح عيوبـك بـدلاً من تتبع عيـوب الاخرين، فزين العابدين يجعل معرفة المسلم بعيوبه منحة ربانية، وإنها لكذلك والله.. فيقول: «ما أحسب أحداً تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه».
وكان السري السقطي يتخوف من سريان مرض (تتبُّع عيوب الناس) فقال: «ما رأيتُ شيئاً أحبط للأعمال ولا أفسدَ للقلوب، ولا أسرعَ في هلاك العبد، ولا أدومَ للأحزان.. من قلة معرفة العبد لنفسه، ونظره في عيوب الناس».
اتركي لغو الحديث:
كان ابن رواحة يأخذ بيد أبي الدرداء رضي الله عنهما ويقول: «تعال نؤمن ساعة». فيتذاكران أمر الإيمان، ويتعرَّفان على مسالك التوبة.. ويتحادثان بما يصلح النفس أو يصلح بين الناس. وكذلك كان ميمون يذهب إلى سيد التابعين الحسن البصري، يطرق بابه ويقول له: «يا أبا سعيد قد انستُ من قلبي غلاظة فألِنْ قلبي بما عندك».
فإن لم تجدي جليسة صالحة فأمامكِ خلوةُ ساعة تذيقك حلو طعم مناجاة رب العالمين. وقد وضع الصحابة والتابعون قواعد عملية لتزكية النفس وتهذيبها على طريق الإيمان: «اجلس بنا نؤمن ساعة»، «امشوا بنا نزدد إيماناً»، «اجلسوا حتى يعلم من لا يعلم»، «انستُ غلطة فألِنْ لي قلبي»، «هيا بنا إلى مناجاة المحراب».. كلها إشارات عملية تطلب منكِ الدخول في درب الله.
كوني صادقة:
فالكذب والإيمان لا يلتقيان في قلب المؤمن أبداً.. ووقوع بعض النسـاء في الكذب سـببه عوامل عـدة؛ منها: المبالغة، والمباهاة، والرغبة في التميُّز. فبعض النساء يبالغن في حديثهن، ولا بأس في المبالغة، ولكن في حدود المعقول، فهذا يدخل في باب اللغو من الكلام، كأن تقولي: اتصلتُ بكِ هاتفياً عشرين مرة فلم أجدك،ِ والحقيقة أنك اتصلت بها خمس مرات مثلا،ً أو تقولي: لقد نهيتُ ولدي عن اللعب بالنار ستين مرة فلم ينته،ِ والحقيقة أنها نهتْه ثلاث مرات.
فهذه مبالغات يُتجاوز عنها في الحديث غالبا،ً وهي مألوفة للناس، ولا يأخذونها مأخذ الجد، أو الحصر العددي المذكور، وإن كان التحرز منها أفضل بلا شك. وكلما كان المسلم صالحاً مرهف الحس،ّ ابتعد عن ذلك حتى لو كان فيه مسامحة من الناس.
يروى أن أحد الصالحين الزهاد جاءته عمَّته لتعوده، فقالت له: كيف أنت يا بُنيّ؟ فقال: أأنتِ التي ولدتني؟ قالت: لا. قال: أأنتِ أرضعتني؟ قالت: لا. قال: فما عليك لو قلتِ: يا بن أخي، ولا تكذبين!. انظري إلى هذه الحساسية ضد الكذب، أو حتى المبالغة التي يتسامح الناس فيها عادة.. كيف رفضها حسه المرهف.
وأما المباهاة فمرض اخر أصيب به كثير من النساء، ولا تخلو منه بعض المسلمات الملتزمات. وتجد ذلك مثلاً عند امرأة لها بنت في سن الزواج، فتثني عليها أشد الثناء.. ولكن قد تكون هناك مباهاة مفضوحة لا يقبلها عقل، فقد زعمت إحداهن أن ابنتها تحفظ جزءاً من القران في ساعة واحدة عن ظهر قلب.. وراحت تكرر ذلك في كل مجلس تحضره. ولم تدرِ أن معنى ذلك أن بنتها قد حفظت القران كله في يوم ونصف (إذا حفظت جزءاً في كل ساعة،) فهذا من المباهاة المفضوحة التي لا يقبلها إنسان.
وأما الرغبة في التميُّز فهو دافع قوي عند البعض، حتى يجعلهم يكذبون ويتكرر منهم الكذب ما دام هناك إحساس بالنقص عندهم. فإذا ذكرتِ أمام واحدةٍ من هؤلاء أن ابنك مثلاً نال المرتبة الأولى في المدرسة؛ تضايقت تلك الأخت، وانبرتْ تذكر لك الأوائل في أسرتها أيضاً، وإن لم يكن هناك أحد في أسرتها مَنْ كان من الأوائل، فهذا الإحساس بالضعف يدفعها إلى الكذب والاختلاق المفضوح.
ويكثر هذا عند النساء بوجه خاص، في مجال المهارات النسائية من طبخ وتطريز وتنسيق للبيت وغير ذلك. فاحذري يا أختاه هذه الأمور، ولا تدَعِيها تجرُّكِ إلى الكذب من حيث لا تشعرين.عليكِ الاهتمام بالاخرين دون إسراف، فالمجاملة مطلوبة شرعاً وعرفاً. قدِّمي لهم المساعدة إن احتاجوا لها، ولا تتواني عن الثناء عليهم بما فيهم من خصال حقيقية، ولو كان مدحكِ هذا في غير وجودهم لكان أفضل.
وكم يكون الإنسان سعيداً عندما تبلغه كلمات المديح والثناء من إنسان اخر في غيبته.! احرصي على الثناء على الاخرين بما فيهم من جميل الصفات، وإياك أن تمدحيهم بما ليس فيهم، فهذا كذب من جانب، ومن جانب اخر يصمكِ بالاختلاق والنفاق.
أخلصي عملك لله:
سأل أحد رعاة الغنم عمر بن عبد العزيز: لماذا الذئب يحرس الغنم يا أمير المؤمنين؟ فقال: لأني أخلصتُ ما بيني وبين الله، فأخلص الذئب وحرس الغنم. استغفري الله مما كان من رياء لا تعلمينه من نفسك.. الله يعلمه.. أو ادعي بدعاء أبي بكر رضي الله عنه عندما يمدحه الاخرون: «اللهمَّ إني أستغفركَ مما علمتُ ومما لم أعلم.. اللهمَّ إنك أعلم بنفسي مني فاغفر لي ما لا يعلمون.. واجعلني خيراً مما يظنون».
ويقول أحد الصالحين: «حسبي خساراً أن أكون مفرطاً في ديني، ويظن الناس بي أني عابد»، ورحم الله من قال: «إن أقواماً غرَّهم ستر الله.. وفَتَنَهم حُسْنُ الثناء، فلا يغلبن جهلُ غيركِ بكِ علمَكِ بنفسك»، والخطأ أكبر الخطأ أن تنظّمي الحياة من حولك.. وتتركي الفوضى في قلبك.!!
تذكري أن المسلم الصادق كالأرض الخضراء الخيّرة يعلو نباتها فيحصده الناس.. فمنهم الشكور ومنهم الكفور.. وتظل الأرض ساكنة راضية! وأن المسلم الصادق كسندان الحديد.. كتلة صلبة تنزل عليه المطرقة مرة بعد مرة.. شديدةً مُوجعة.. وهو هادئ قانع بما يحمل للناس من خير ونفع.!!
ألم تدخلي المصلَّى يوما..ً وتنظري إلى أخواتك الصالحات.. هذه تقرأ القران.. وأخرى تصلّي الضحى.. وثالثة تقرأ في كتاب.. قارني بين هذه الصورة.. وصورة فتيات يتحلقن على موائد اللحوم البشرية في غيبة وإشاعات.. أو أحاديث بلا معنى.. قارني بين هذه الصورة.. وصورة فتاة تقف عند بوابة المدرسة.. أو أمام محل تجاري تنظر في كل اتجاه.. هل أتى صاحبها أم لا؟ هل يراها أحد أم لا؟
أو صورة فتاة تحملق ببصرها أمام الشاشة في أفلام ساقطة أو مشاهد منحطة!!. وصورة فتاة تقضي الساعات على الجوال أو الإنترنت تتحدث إلى من يداعب أحلامها.. ويُغدق عليها بأحلى الكلمات.. وأخبث الوعود.. وهو لا يريدها إلا ليلهو فيها ويعبث بشرفها وعرضها.
بالله عليكِ اسألي نفسك: أيهما أهنأ عيشاً وأكثر استقراراً؟.!
حافظي على وعدك:
فعدم الالتزام بالوعد أمرٌ خطير، وربما ينشأ عن أسباب ثلاثة؛ هي: ضعف الإيمان، والأنانية، والاستهتار. فأما ضعف الإيمان؛ فلأن خلف الوعد من النفاق، والرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول:
«آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، وزاد في رواية مسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».
والله سبحانه وتعالى يمقت ذلك فيقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُون مَا لاَ تَفْعَلُون}، وقد يكون سـبب الخلـف بالوعـد تعارض ذلك الوعـد أو المـوعد مع مصالحهم، فقدَّموا مصلحتهم على مصالح العباد، حتى ولو كانت مصلحتهم أمراً تافها،ً كأن تتأخر الأخت عن موعدها معك،ِ لأنها كانت تشاهد برنامجاً تلفزيونياً خافت أن يفوتها.
والبعض يسـتهتر بأوقـات الناس، فـلا يقيم لوقتهم أو تعبهم أو حـرق أعصابهم وزنا!ً فهذا أمرٌ محرَّم شرعاً؛ لأنه يَحرُم على المسلم أذية المسلم أو احتقاره، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، التقوى ههنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرأى من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».
فاحذري يا أختاه أن تخلفي وعدك، أو تتخلفي عن موعدك مهما كلَّفك ذلك من تعب وتضحية. كوني متواضعة: فالتواضع خُلُق الأنبياء وسمة الصالحين، واعلمي أن أكثر ما يقرّبك إلى قلوب الناس تواضعك معهم، وعدم إشعارهم بالتعالي، وقد يأخذ التكبّر الخفي أشكالاً مختلفة؛ كسوء معاملة الرئيس لمرؤوسيه تحت اسم المصلحة العامة، وضرورة أن يكون للرئيس هيبة فلا يتجرأ عليه أحد. وقد يترك مجاملة الاخرين في الأفراح والأحزان تحت اسم (عدم التدخل) في خصوصيات الناس.
لا تتكبَّري على أخواتك حينما ينصحنكِ بالمعروف.. تخيّلي أنَّ ربَّ العالمين يسألك: لماذا لم تستجيبي لأمري عندما سمعتيه على لسان فلانة؟ أتقولين لرب العالمين: أنا خير منها، وهي ليست من مستواي المادي أو العلمي؟ أتقولين لله تعالى: مَن هي هذه التي أتت تنصحني؟ أين هي مني؟ وأين علمها من علمي؟.. فلنتقِ الله ولننظر إلى القول لا إلى قائله، فلا نردَّ النصح طالما جاء من عند الله أو من عند رسوله (صلى الله عليه وسلم).
اقبلي النصيحة:
كان الحسن البصري ملحاحاً في الحث على قبول النصيحة، حتى جعلها ثلث العيش، فقال: «لم يبقَ من العيش إلا ثلاث: أخٌ لك تصيب من عشرته خيرا..ً فإن زغت عن الطريق قوَّمك.. وكفاف مِن عيش ليس لأحد عليك فيه تبعة.. وصلاة في جَمْعٍ تُكفى سهوها، وتستوجب أجرها».
وكان الإمام الشافعي يقول: «ما نصحتُ أحداً فقبلَ مني إلا اعتقدتُ مودَّته.. ولا ردَّ أحدٌ عليَّ إلا سقط من عيني ورَفضته»، اتخذي صاحبةً تحميك.. فعمر بن عبد العزيز يقول لمولاه مزاحم: «إنَّ الولاةَ جعلوا العيون على العوام.. وأنا أجعلك عيْني على نفسي.. فإن سمعتَ مني كلمةً تربأ بي عنها، أو فِعالاً لا تحبه فعظني عنده، وانهني عنه».
واقبلي النصيحة من أختك في الله.. لا تتذمَّري ولا تتضايقي إن صارحتك بحقيقة أمرك. فهذا ميمون بن مهران عرض نفسه على أصحابه وقال لهم: «قولوا لي ما أكره في وجهي.. لأن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره».
تمشي على استحياء:
أليس أجدر بالفتاة أن تكون على حياء؟! فحياؤها يمنعها من الفحش في القول أو الفعل أو المشية.. أليست أجدر بالاحترام من فتاة تلقي ابتسامات مثيرة.. وصوت متصنّع.. وفحش في الزي.. ومشية الكاسيات العاريات؟!.
ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: «ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء إلا زانه»؟.! ولكن لا ينبغي أن يفهم من الحياء أن تكون البنت مهينة ضعيفة، أو ساذجة بلهاء.
انظري إلى قصـة موسـى عليه السلام مع ابنتَيْ شعيب: {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا}، ولم يزد على ذلك.. لم يسألهما عن اسميهما.. ولا عن أبيهما.. ولم يسألهما إن كانتا متزوجتين كما يفعله بعض الناس اليوم.!!
ثم انظري كيف كان جواب ابنتَيْ شعيب على مستوى السؤال.. في عبارة موجزة مانعة: {لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير}. فبذلك أسدلتا الستار عن استمرار الحديث.. فلم تسأله إحداهما عن اسمه.. أو عن بلده.. أو عن أيام حياته.. أو فيما إذا كان متزوجاً أم لا..
وكذلك حين جاءته إحداهما وصف القران مشيتها: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء}ٍ وكأنما الحياء بساط وهي تسير عليه. هكذا يكون الحياء.. وهكذا يكون الخطاب والجواب.
فلا تسترسـل مع أحد في الحديث عن اسـمها! وفي أي الجامعات هي؟ وبأي سنة تدرس؟ وما هي الكتب المقررة؟ ومن يقوم بتدريسها؟ ثم يستمر الحديث حتى يفترقا.. ليستأنف في اليوم التالي!!
أحبي أخواتك الصالحات:
يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «ما تحابَّ اثنان في الله إلا كان أحبّهما إلى الله: أشدَّهما حبّاً لصاحبه»، وما أجمل ما قال الإمام الشافعي:
أحـب الصالحيـن ولسـت منهـم … لعلـي أن أنـال بـهـم شفـاعـة
وأكـره مـن تجارتـه المعاصـي … ولـو كنـا سـواء فـي البضاعـة
تذكري قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه مَلَك مُوَكَّل، كلما دعا لأخيه بخير.. قال المَلَك الموكَّل به: امين ولك بمثل»، نعم.. إنها نعمة الأخوَّة في الله.. نعمة المحبة في الله.. جعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام ـ فيقول: «ما أُعطي أحد بعد الإسلام خيراً من أخٍ صالح.. فإذا رأى أحدكم وُدّاً من أخيه فليتمسك به».
وسماها مالك بن دينار روح الدنيا فقال: «لم يبقَ من روح الدنيا إلا ثلاثة: لقاء الإخوان.. والتهجُّد بالقران.. وبيت يلهج أهله بذكر الرحمن».
اغفري زلَّة أختك المسلمة:
لماذا التعاتب المكفهر بين الإخوة؟ ولماذا المجابهة والاحتداد؟.. أما سمعتي بما قاله ابن السماك عندما قال له أحد أصدقائه: «الميعاد بيني وبينك غداً نتعاتب»، فقال له ابن السماك رحمه الله: «بل بيني وبينك غداً نتغافر!!».
أليس من الأجدى أن تغفري لأختك المسلمة زلّتها.. وتعفي عن تقصيرها وتنصحيها بالحسنى بدلاً من أن تعاتبيها.!! أليس التغافر أطهر وأبرد للقلب؟. أليس جمال الحياة أن تقولي لأختكِ كلَّما صافحتها: ربِّ اغفر لي ولأختي هذه، ثم تشهدي قلبك أنك قد غفرتِ لها تقصيرها تجاهك؟.
أليس عبوس التعاتب ماء عكرا..ً تصطاد الفتن فيه كيف تشاء؟. أليس من الأجدى أن نتمثَّل قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا اختلاف بينهم ولا تباغض... قلوبهم قلب واحد».
لا تتمني البلاء!:
تذكَّري دوماً حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا يزالُ البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده، وفي ماله، وفي ولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» ويقول عليه الصلاة والسلام: «وما يزال البـلاء بالعبـد حتى يمشـي على الأرض، وليـس عليـه خطيئة».
ومع ذلك فليس معنى هذا أن تتمنّي البلاء، فقد نهانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك فقال: «لا تتمنَّوا لقاء العدو، وسَلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا)، وتذكَّري قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الصبر: «ما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر».
كوني كريمة:
وليس المقصود بالكرم كثرة الإنفاق، بل بذل الشيء ولو كان يسيراً، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فِرسنَ شاة»، والفِرْسنُ من البعير كالحافر من الشاة، وهو كناية عن الشيء اليسير الذي لا يُهدى مثله.
فالكرم يكون بهدية صغيرة، أو صدقة قليلة، وليس المقصود بالكرم تلك الموائد الممدودة أو الهدايا الباهظة الثمن. وانوي يا أختاه بعملك وجه الله عزَّ وجلّ حتى لا يضيع أجر عملك.
كوني بشوشة:
وبالطبع مع أخواتك من النساء فقط، واحذري أن يكون ذلك مع الرجال حتى لا يُساء بك الظن،ّ ويتجرَّأ عليك مرضى القلوب.. فقد حذَّر الله تعالى من ذلك فقال: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا}.
فالبشاشـة صفـة ينبغي أن يتحلَّى بها المسـلم والمسلمـة. والوجـه البشـوش سـريع الدخول إلى القلب. وقد دعا إلى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة».
ورسْمُ الابتسامة على الوجه عند مقابلة الناس ليس نوعاً من النفاق، بل هي ضرورة اجتماعية لتأليف القلوب وزرع المودة. ولعلكِ تذكرين حديث عائشة رضي الله عنها: استأذن رجل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة»، فلما دخل ألانَ له الكلام،َ قلت:ُ يا رسول الله! قُلْتَ الذي قُلْت، ثم أَلَنْتَ له الكلام؟! قال: «أي عائشة، إنَّ شرَّ الناس من تركه الناس ـ أو وَدَعَهُ الناس ـ اتقاء فُحشه».
وأخيرا:ً لا تحاولي أن تظهري بمظهر السيدات المتزوجات، فتبدين أكبر من سنك، وتعرِّضين بشرتك للأذى من كثرة استخدام أدوات التجميل. بل تقيدي باللباس الشرعي المحتشم والمناسب لسنك. ولا تستعجلي الزمن، وعيشي أيام عمرك فترة بعد فترة.
استفيدي من تجارب الاخرين، واعملي بنصائح والديك وأهل العلم والدين. أيقني أن شريك العمر سيطرق بابك بإذن الله، فليس هناك فتاة لم يطرق (الخُطَّاب) بابها حتى من فاتهن قطار الزواج، فربَّما كنَّ هنَّ أو أهاليهنَّ من رفض الزواج من هذا أو ذاك، أو تشدَّد في الطلبات وذلك انتظاراً لعريس أفضل.!!
الفصل الرابع - أنتِ وثقافتُكِ
فكِّري في مستقبلكِ الدراسي:
التفتي إلى مستقبلكِ الدراسي، وحدِّدي اتجاهك وهدفك، وفكِّري ماذا تريدين أن تكوني في المستقبل بإذن الله. ولا تضيِّعي أيامك بين الرسوب والإكمال، وتغيير اتجاه الدراسة، وإعادة سنوات دراسية بحجة قتل الفراغ وتمضية الأوقات، لاعتقادك أنك مكفولة من الرجل دائما،ً سواء كان أباً أو أخاً أو زوجا،ً وأن هناك من سينفق عليكِ مدى الحياة.
ولا شك أنَّ الإسلام قد كرَّم المرأة وأوجب رعايتها على الرجل رحمة بها، وحفظاً لأنوثتها من الابتذال والتعرض للأخطار، ولكن هذا لا يعني الطلب من المرأة ألا تتعلم!. فمن سيقوم بتعليم البنات في المدارس ودور العلم؟. ومن سيقوم بعلاجهن في المستشفيات والعيادات؟.
ومن سيأخذ بأيديهن إلى طريق الخير والنجاح؟. وأنتِ تعلمين أنَّ تكاليف الحياة أصبحت باهظة، وأن المرأة لا تعلم ما تخبأى لها الأيام فتتسلح بسلاح العلم والمعرفة، وترفع من مستوى فهمها وإدراكها للحياة، وتقضي على وقت الفراغ المخيف بما يجلب لها الخير والمنفعة.
فأنتِ مسؤولة عن طلب العلم، وهو فريضة على كل مسلم ومسلمة. ولا بدَّ من أن تحققي شيئاً من هذا العلم يفيدك ويفيد مجتمعكِ وبنات جنسك، ويكون بإذن الله سلاحاً نافعاً تقاومين به تقلبات الزمان وقسوة الظروف لا سمح الله.
هل يصح في الأذهان أن تقول الطالبة: اللهمَّ نجّحني، وهي مهملة في دراستها، لا تراها إلا على الهاتف تحادث شابّا.. أو على الفضائيات تشاهد الأغاني والمسلسلات؟..! فما هذه المذاكرة والمدارسة.. إلا عبادة حضَّنا الله عزَّ وجلّ عليها..
فحري بنا ونحن على أبواب الامتحانات.. أن نُقبل على هذه الطاعة بجد واجتهاد.. ولا تنسي أن الجميع ينتظر نتائجكِ لترتسم على شفاههم تلك الابتسامة والفرحة التي ستغمر كل من حولك.
وسِّعي من ثقافتك العامة:
فالمنهج الدراسي الذي تدرسينه يزيد من معرفتك في مجال تخصصك، ولكنه لا يغطِّي المعارف الأخرى، فلا بدَّ من الإلمام بشيء من الثقافات في المجالات الأخرى. اقرئي الكتب النافعة، فالمكتبات غنية بالكتب التي تزيد من ثقافتك وتوسع من مداركك. وهناك المجلات الهادفة والمثقفة والمسلّية في آن واحد.. لا تضيّعي وقتك في قراءة المجلات الهابطة، التي لا همَّ لها سوى الحديث عن نجوم الفن والغناء واللهو والأزياء.
اختاري من برامج التلفاز والفضائيات ما يفيدك ويفيد أسرتك في المستقبل إن شاء الله. اسـتمعي إلى الشـريط الهادف والمثقّـف، وقومي بإهدائـه إلـى صديقاتك، حاولي أن تكتبي ما تستمعين إليه فيرسخ في ذهنك، ويزيد من تمكنك على نقل تلك المعلومات إلى صديقاتك، تتحدّثين بما سمعتِ وكتبتِ، فهذا ما يزيد من ثقتك بنفسك بأنكِ قادرة على العطاء، وأنت في هذا السن.
لا تحقري القليل من تلك المعلومات أو الأفكار التي تتعلَّمينها من هذا الشريط أو ذاك الكتاب، أو تلك المجلة. احفظي بعض الأحاديث النبوية الشهيرة؛ مثل: الأربعين النووية، وحاولي أن تحفظي ما تيسر من القران الكريم.
استشهدي باية كريمة أو حديث شريف، وأنت تتكلَّمين في أحد المواضيع، فهذا ما يزيد من قدرتك على الحديث، ولا بأس بأن تكرري ذلك، وأنت تتحدثين مع أخوات أُخَر.
نظمي وقتك:
كيف تنظِّمين وقتك بين دراستك وواجباتك المنزلية؟ حين تجدين ذهنك متعباً أو مشوشا،ً والأطفال من حولك يملؤون البيت ضجيجاً، فالدراسة عندها قد تكون غير مناسبة، وهنا تكون الفرصة مناسبة للقيام بالواجبات المنزلية المختلفة. وحين يكون الأطفال نائمين، أو خارج البيت، فهذا هو الوقت المناسب للدراسة.
* * *
الفصل الخامس - أنتِ والحجاب
ما لي لا أرى الحجاب يتوِّج رأسك الطاهر؟.! ما لي لا أرى جوهرة مصونة أمامي؟.! تذكري أن الحجاب ليس تخلّفاً ولا تأخّراً ولا رجعية.. بل هو عفاف وسعادة أبدية.
ألا ترين الفرق بين المحجبة والمتبرجة؟ قولي بالله عليك: أيتهما أفضل؟ الفتاة التي تستَّرت بستار الإيمان، وارتدت حجاب الشرف والكرامة.. أم السافرة التي خلعت ملابس الحياء، ونزعت معطف الإيمان، وتبرجت وتشبَّهت بنساء النصارى واليهود؟!
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد: «إنَّ الحجاب الإسلامي لا يعني الحبس.. وإنما يمنع الغواية.. فلا حجاب إذاً في الإسلام بمعنى الحبس.. ولا عائق فيه لحرية المرأة حيث تجب الحرية وتقضي المصلحة.. وإنما هو حجاب مانع من الغواية والتبرج.. وحافظ للحرمات.. ولاداب العفة والحياء»
حوار مع غير محجبة:
هل تحبين أن تأخذي سيئة بكل شعرة ظهرت منك لغير المحارم؟.. تذكري أنكِ كلما خرجتِ سافرة من بيتك حصلتِ على سيئات بعدد من راكِ من غير المحارم.. فهل حسناتك تعادل ذلك الكمّ من السيئات؟.. هل أنتِ مصرَّة على أن تقولي: «لا» لأوامر الله تعالى كلما ظهرتِ أمام غير المحارم بدون حجاب؟.
لا أظن أنك تتعمدين ذلك.. ولكن عدم حجابك يقول ذلك. أترفضين أن تكوني أجمل وأشرف مكانة من الحور العين في الجنة؟.. فنساء المؤمنين أعلى مكانة من الحور العين.. لأن الحور العين خُلقن طائعات.. أما أنتِ فقد خلقتِ للصبر على طاعة الله وامتثال أوامره.. والصبر عن المعاصي.
هل تضمنين أن يُمهلكِ مَلَكُ الموت حتى ترتدي الحجاب وتتوبي قبل أن يقبضَ روحك؟. تذكري أن الجنة هي سلعة الله.. وأن الجنة محفوفة بالمكاره.. وأن النار محفوفة بالشهوات.. فلا تظني أنَّ الطريق إلى الله سهل ممهَّد.. ولكن البطولة الحقيقية هي أن تتخطي كل العقبات حتى تصلي إليه تعالى ولسان حالكِ يقول: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} فتكوني من الأبرار الذين قال الله عنهم: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعْيمٍ *عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ}.
شبهات حول الحجاب:
يقول البعض: إن عفة الفتاة حقيقة كامنة في ذاتها.. وليست غطاءً يُسدل على جسمها.. وكم من فتاة متحجبة عن الرجال في ظاهرها وهي فاجرة في سلوكها؟..! وكم من فتاة حاسرة الرأس كاشفة المفاتن لا يعرف السوء سبيلاً إلى نفسها؟.!
والجواب: أن هذا صحيح.. فليست الثياب هي التي تمنح صاحبها عفة مفقودة ولا استقامة معدومة. ولكن مَن الذي زعم أنَّ الله شرع الحجاب ليخلق الطهارة في نفس المرأة؟! ومن الذي زعم أن الحجاب إعلان بأن كل من لم تلتزمه فهي فاجرة؟!
إنَّ الله تعالى فرض الحجاب على المرأة محافظة على عفة الرجال الذين قد تقع أبصارهم عليها.. وليس حفاظاً على عفتها من الأعين التي تراها فقط.
ويقول بعضهم: إنَّ الحجاب يسهِّل عملية إخفاء الشخصية، فقد تتستر وراءه بعض النسوة اللاتي يقترفن الفواحش.
الجواب: أن المسلمة التي تتحجَّب في هذا الزمان تذوق الويلات من الحملات الإعلامية والإدارات الجامعية في بعض الدول.. وسفاهات المنافقين في كلّ مكان.. ثم هي تصبر على هذا كله ابتغاء وجه الله تعالى.. ولا يفعل هذا إلا مؤمنة صادقة رباها القران، فإذا حاولت فاسقة مستهترة أن تتوارى عن الأعين بارتداء شعار العفاف، فما ذنب الحجاب إذن؟.
فلو أن رجلاً انتحل شخصية قائد عسكري كبير، وارتدى بزَّته، وتحايل بذلك واستغلَّ هذا الثـوب فيما لا يبـاح لـه، فهل نطالب بإلغاء الزي المميـز للعسكريين خشية أن يسيء أحدٌ استعماله؟.
وقالوا: إن الطاقة الجنسية في الإنسان كبيرة وخطيرة، وحجاب المرأة يغطي جمالها، وبالتالي فإن الشباب يظلون في كبت جنسي يكاد ينفجر على شكل حوادث الاغتصاب وغيرها. والعلاج يكمن في تحرير المرأة من هذا الحجاب كي ينفِّس الشباب عن الكبت الذي فيهم!!.
والجواب: أنه لو كان هذا الكلام صحيحاً لكانت أمريكة وأوروبة أقل الدول في العالم في حوادث الاغتصاب والتحرش في النساء، وما شاكلها من الجرائم الأخلاقية!! ففيها مطلق الحرية الشخصية وما تنطوي عليه من الانفلات والإباحية.
فماذا كانت نتائج تلك الإباحية؟ هل قلَّت حوادث الاغتصاب؟ وهل حُميت المرأة من هذه المخاطر؟ تقول أحدث الإحصائيات: إنه تقع جريمة اغتصاب بالقوة كل (٩٠) ثانية في أمريكة، وأن هناك أكثر من (٢٥٠٠٠) امرأة تُغتصب سنوياً في فرنسة.
ويقول تقرير منظمة العفو الدولية: «إنَّ امرأة واحدة حول العالم من أصل خمس نساء تقع ضحية للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب في حياتها».
وقالوا: إن حجاب المرأة يعطل نصف المجتمع؟!
والحقيقة أن ليس في حجاب المرأة ما يمنعها من القيام بواجباتها، وما يُسمح لها به من الأعمال.. ولا يحول بينها وبين اكتساب العلوم والمعارف. وكثير من طالبات الجامعات اللاتي ارتدين الثوب الساتر وابتعدن عن مخالطة الطلاب قد أحرزن قصب السبق في الامتحانات.. وكنَّ موضع احترام وتقدير من المدرّسين والطلاّب على حدٍّ سواء.
ويدَّعي أعداء الحجاب أن التبرج الذي تبدو فيه المرأة كاسية عارية لا يثير انتباه الرجال.. بينما ينتبه الرجال إلى المرأة المتحجبة حجاباً يستر جسدها، فيريدون التعرف على شخصيتها.
والجواب: أنه إذا كان التبرُّج أمراً عادياً لا يلفت الأنظار.. فلماذا تبرجت تلك الفتاة؟ ولمن تبرَّجت؟ ولماذا تحملت أجرة الكوافير ومتابعة الموضات؟. والحقيقة أن أعلى نسبة من الفجور والإباحية والشذوذ الجنسي واختلاط الأنساب قد صاحب خروج النساء متبرجات كاسيات عاريات.
ومن المؤكد أن أعلى نسبة للأمراض الجنسية هي في الدول الإباحية التي تزداد فيها حرية المرأة تفلتاً وتسيباً. أما أن العيون تتابع المتحجبة ولا تتابع المتبرجة فإن المتحجبة تشبه كتاباً مغلقا،ً لا تعلم محتوياته ولا ما يحمله من أفكار.. فمهما نظرنا إلى غلاف الكتاب فلن نفهم محتوياته..
أما المتبرجة فتشبه كتاباً مفتوحاً تتصفحه الأيدي.. وتتناوله الأعين سطراً سطرا..ً فلا يُترك حتى يكون قد فقد رونقه.. وتمزقت أوراقه.. بل يصبح كتاباً قديماً لا يستحق أن يوضع في واجهة مكتبة بيت متواضعة، فكيف بوضعه بواجهة مكتبة عظيمة؟!.
تساؤلات حول الحجاب:
الحجاب يعوق حركتي؟!
تذكَّري أن أمهات المؤمنين والصحابيات كنَّ يتحرَّكن بكامل الحرية: يحاربن مع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ويعالجن الجرحى، ويمارسن شتّى الأنشطة في الحياة دون أن يعيقهن الحجاب عن الحركة.. فالمشكلة لا تكمن في الحجاب. وانظري إلى أخواتك المحجبات من طبيبات ومعلمات وطالبات كيف يعشن حياتهن اليومية من دون مشاكل تُذكَر.
أخشى أن أفقد أناقتي بعد الحجاب:
لا تظني أن الإسلام يريدك رثة الثياب سيئة المظهر.. والرسول (صلى الله عليه وسلم) كان نظيفاً يدعو للنظافة، والإسلام يدعو إلى اللباس النظيف المحتشم. انظري إلى ما قالته (فابيان) أشهر عارضة أزياء فرنسية سابقاً، بعد أن هداها الله إلى الإسلام: «لولا فضل الله عليَّ ورحمته.. لضاعت حياتي في عالم ينحدر فيه الإنسان ليصبح مجرَّد حيوان.. كلُّ همّه إشباع رغباته وغرائزه بلا قيم ولا مبادأى».
قالت ذلك بعد أن ارتدت أفخر الثياب ما لا تحلم به أي فتاة.. وجرَّبت من أزياء الموضة ما تتوق له أية امرأة.. ولكنها أدركت أنَّ كل ذلك سراب خادع.. وأن نهاية الإنسان ـ لا محالة ـ للحساب..!
ما زلتُ صغيرة على الحجاب:
لعلّك تدركين أن الشابة أوْلى بستر محاسنها من كبيرة السن. ولا أظنّ أنك تؤمنين بتلك الاعتقادات القديمة التي كانت تبيح للشابات أن يرتدين ما يحلو لهنّ بحجة أن يتمتَّعن بشبابهن..ّ وأن الحجاب لا ترتديه إلا كبيرات السن.!!
انظري إلى صفحة الوفيات كم فيها من شباب انتهت أعمارهم فجأة وهم يعتقدون أن مَلَك الموت لا يزور إلا المسنين فقط. إنَّ كل يوم يمضي يزيدك من الاخرة قربا.. وعن الدنيا بُعداً؛ فماذا أعددتِ لنفسك بعد الموت؟.
اركبي قطار التوبة قبل أن يرحل عن محطتك.. تأمَّلي مشهد يوم العرض اليوم قبل الغد.. الجو حار في بلادي وأنا لا أتحمَّله.. فكيف إذا لبستُ الحجاب: إذا كانت بلادك من هذا النوع.. فهل تعلمين كيف كان جوّ مكة والجزيرة العربية بأسرها قبل أن يكون لديهم أجهزة التكييف؟. وهل ترددت المسلمات الأوليات في ارتداء الحجاب لهذا العذر؟. وهل كانت الخيام تمنع عنهن الحر؟.. كلا.. ولكنهنَّ امتثلن لأمر الله تعالى حبّاً له وإيماناً به.. ولتتذكر تلك الأخت أنَّ حرَّ بلادها لن يصل في درجته إلى حرّ نار جهنم: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُون.}َ
سأرتدي الحجاب بعد أن يتقدَّم الشاب المناسب لخطبتي: فمن هو هذا الشاب المناسب في نظرك؟.. أذلك الذي يرضى أن يرى الناس عورات زوجته؟.. فمن يتقدم لخطبتك وأنت سافرة، يعني ـ في الغالب ـ رضاه عن ذلك. وقد يعترض عليك ويحاربك إن أنتِ ارتديتِ الحجاب بعد الزواج.
فهل تفضّلين رضاه على رضا الله عزَّ وجلّ؟. وهل تبيعين الجنّة بزوجٍ لا يطيع الله فيك؟..! أما إن اختارك الشاب وأنت بحجابك.. فهذا يعني موافقة ضمنية على الحجاب. تذكَّري أنكِ إن بنيتِ حياتك الزوجية على أساس من معصية الله.. فهل تنجح هذه الزيجة؟ وإن نجحتْ فهل ترضين بغضب الله عليك؟..!
كما أن الزواج عطاء من الله يعطيه من يشاء.. فكم من محجَّبة تزوَّجت.. وكم من سافرةٍ لم تتزوج؟.! إنَّ زوجي (أو خطيبي) يرفض أن أرتدي الحجاب: فهل يضمن لك زوجك أو خطيبك الجنة؟. تذكَّري قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «الطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية؛ فإن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة».
حاوريه بالمعروف.. والجئي إلى من يقنعه بضرورة الحجاب. أما إن أصرَّ الخاطب على موقفه فلا تربطي مستقبلكِ في الدنيا ومصيرك في الاخرة به. فلا خير فيه إن كان عاصياً لله. والله قادر على أن يعوّضكِ خيراً منه.
سأفقد وظيفتي إن ارتديتُ الحجاب:
نعم قد يحدث ذلك.. ولكن فقدان وظيفتك أفضل من فقدان رضا الله عنك.. ولا تنسي أنَّ فقدان الوظيفة لا يعني إطلاقاً فقدان الرزق.. فسوف يبدلكِ الله خيراً منها. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله إلى الناس»
أخاف أن أخلع الحجاب بعد ارتدائه:
لا تستسلمي لهذه الفكرة.. فإذا كنتِ مترددة بطبيعتكِ أو ترين أنَّ الدنيا لا تزال تملأ قلبكِ فتدرجي في الحجاب.. وذكّري نفسكِ بضرورة طاعة الله قبل فوات الأوان.
فإذا منَّ الله عليك بارتدائه.. فاحرصي على مصاحبة الصالحات.. وحضور دروس العلم الشرعي.. وتلاوة القران.. وأكثري من الدعاء لله تعالى أن يثيبك ويعينك على الاستمرار على طاعته.. تذكَّري أن الحجاب توبة.. وأنَّ الله يحبّ التوابين.. واحرصي دوماً على الدعـاء: «اللهمَّ يـا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.. اللهمَّ كما هديتني للحجاب فثبّتني عليه حتى الممات».
أنا أفعل الكثير من الطاعات وقلبي مطمئن بالإيمان؛ فما دخل اللباس أو الحجاب؟.! إذا كنت مسلمة حقاً فعليك أن تتقبلي كل أوامر الله ورسوله وتنتهي عن نواهيهما.. ولا تكوني كالذين قال الله تعالى عنهم: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
ثم أما تقرئين قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}.. أطهر لقلب عائشة وفاطمة وخديجة رضي الله عنهن.. فهل أنتِ أطهر قلباً منهن؟.!
أنا غير مقتنعة بالحجاب.. ثم هل هو فرض أم سنّة؟:
إنَّ عدم اقتناعك بالحجاب ينقض إسلامك ويُنقصه والعياذ بالله.. لأنك بانتسابكِ لدين الإسلام أعلنتِ استسلامك لأوامر الله. ولقد اختبر الله تعالى سيدنا إبراهيم في ابنه الذي رزقه به على كِبر بعد أن حُرم الولد.. أمره بذبحه؛ فهل تردد وطلب من أحد أن يقنعه؟.
هل تردَّد إسماعيل أو حاول الهرب؟. هل اعترضت هاجر المؤمنة الصابرة؟. هل كانوا يعرفون السبب؟. لقد اختُبر إبراهيم في فلذة كبده.. فاستسلم وأطاع.. ألا تطيعين في الحجاب؟.!
ربما كان من الأفضل أن تعترفي بضعف إرادتك أو عدم قدرتك على ارتداء الحجاب وتطلبي من الله العون.. فذلك أهون من أن تردِّي على الله أمره وتقولي: «أنا غير مقتنعة»! فنحن لسنا مكلَّفين بالاقتناع بأوامره سبحانه.. وإنما بطاعته.. فالله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم}.. فلا تكوني كالذين قالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} والعياذ بالله.
أما مسألة الفرض والسنّة فاقرئي ايات الحجاب الصريحة في القرآن: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}.
إنَّ الله لم يهدني بعد:
لا تنتظري الهداية التي قد تأتي أو لا تأتي، فالله سبحانه يريد أن تأتيه بملء إرادتك.. فالله تعالى يقول: {ِإنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} .. فلا تبيعي سعادتك الأبدية في الجنة بهذه الدنيا الفانية.
فلا بد من السعي لمرضاة الله.. أفلا نركب السيارة للسفر دون أن نعرف هل يطول بنا الأجل لنصل إلى البلدة الفلانية أم لا؟ ألا نتناول الدواء، والله تعالى هو الشافي، أخذاً بالأسباب؟ كذلك خذي بأسباب الحجاب..
أنا أكره الحجاب لأن بعض المحجبات سلوكهنّ سيِّئ:
إنه للأسف الشديد واقع ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن هناك من يحافظون على الصلوات الخمس ويفعلون الفواحش.!! وهناك من يحجون وهم يتسترون وراءه ليفعلوا أشياء أخرى.!
أفنترك الصلاة والحج بسبب أولئك المخطئين؟.! فالله تعالى يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، فكلٌّ منَّا محاسبٌ على أفعاله وليس على أفعال غيره.
الآن وقد تحجَّبت:
ـ بارك الله فيك؛ فأنت الان رمز للإسلام.. فأحسني إلى إسلامك. ـ إنَّ كونك قدوة لا يعني أنك لا تذنبين.. ولكن إياك والجهر بالمعاصي. ـ إنَّ حجابك فضلٌ من الله عليك وليس تفضلاً منك.. فاحمدي الله الذي عافاك مما ابتلى به كثيراً من خلقه.. وادعيه سبحانه أن يمُنَّ به على أخواتك المسلمات.
ـ لا تجعلي من حجابك زينة لأي سبب.
تذكَّري أنك عندما ترتدين حجابك فأنت تحتسبين ثواب السمع والطاعة.. فالله تعالى يقول: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.. ـ وأنك تتقربين بها إلى الله: «ومَن تقرَّب منِّي شبرا،ً تقربتُ إليه ذراعاً».. ـ وأنَّ الله تعالى يحب الحجاب، فاحتسبي أن يحصل لك حب الله ورضاه لأنك تفعلين ما يحب.
قال تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه.. وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه.. فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به.. وبصره الذي يبصر به.. ويده التي يبطش بها.. ورجله التي يمشي بها.. وإن سألني لأعطينَّه.. ولئن استعاذني لأعيذنَّه».
ـ وأنَّ الله تعالى يعطيك أجر الصبر على طاعته.. والصبر على سخرية حثالة القوم.. وحرارة الطقس.. وأنك ستنالين بإذن الله ثواب الاقتداء بالصالحات، فقد جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «المرء مع من أحبّ».
ـ وأنك ستنالين ثواب العفاف.. فأنت مأمورة بصون عرضك.. وهي عبادة تؤجرين عليها. ـ وستنالين ثواب صون المجتمع من الرذيلة والفساد. ـ وأنك بارتدائك الحجاب تتعاونين مع أخواتك المحجبات على معاونة الشباب المسلم في حفظ نفسه.
متحجبات مع أهل غير ملتزمين:
سئل فضيلة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن مشكلة المتحجبات مع الأهل غير المتدينين، فأجاب: أقر أني أعجز عن الجواب الشافي الوافي.ـ إننا نعيش هنا في عهد من عهود الانتقال الذي مرَّت بمثله البلاد العربية كلها، بل لقد مرَّت بمثله أكثر أمم الأرض.
المسلمون في صدر الدولة العباسية لما اختلطوا بالفرس، اصطدمت عاداتهم بالعادات التي ورثوها عن أجدادهم من العرب. والرومان لما فتحوا بلاد اليونان فعاشروهم أثَّروا فيهم وتأثَّروا بأفكارهم وبعلومهم وبعاداتهم. في مثل هذه المرحلة يكون في الحياة لونان مختلفان يمشيان معا،ً حتى لتجد بين الأب وولده وبين الأم وبنتها تبايناً ظاهراً في الأفكار وفي العادات، بل وفي فرش غرفة كل منهما، وفي أسلوبهما في كلامهما..
فما الذي تعمله البنت في هذه الحال؟.. إن لذلك علاجاً مؤقتاً ربما قدرت عليه البنت، أما العلاج الدائم فهو بيد أرباب الفكر وأصحاب الأقلام، ومن بيدهم زمام الإعلام من خطباء المنابر ومعلمي المدرسة، والذين يكتبون في الصحف والمجلات، لأن الأمر يحتاج إلى تنبيه عام. وهذا لا يقدر عليه إلا هؤلاء.
أما الذي تقدر عليه البنت فهو أن لا تكشف عما أمرها الله بستره، لا أن تبقى بالعباءة والخمار، (كما تخرج إلى الشارع) طوال النهار، فليس هذا من المألوف، ويصعب أن تكون بين أعضاء الأسرة وهن بثياب البيت، وهي بهذا اللباس، وفي تكليفها هذا (وإن كان هو الحق) تحميل لها ما لا طاقة لها به.
ولكن تلبس اللباس المألوف المعروف، الذي لا يكشف عن الصدر ولا عن الساق ولا عن الشعر. بل لو جاء الصيف لوجب عليها أن تبقى عليه، ولا يحتاج هذا منها إلا إلى موقف حازم مؤدب، تَقِفُهُ مرة واحدة. أي: أنها تبين لأهلها أنها مسلمة، وأن على المسلم أن يقف عند حدود الله فلا يتعداها، فإذا ألف ذلك منها، واشتهر عنها، لم يعد ينتقدها به أحد، واعتبروه أمراً عادياً.
وإن اشتدَّ عليها حرّ الصيف فلتذكر أن نار جهنم أشد حراً. وأن تبتعد ما أمكن عن هذه المجالس المشتركة التي لا تخلو من محرم. وتستطيع أن تتخذ لذلك سبباً مقبولاً عند أبويها، وعذراً تعتذر به، إلى أن تستطيع أن تجاهرهم بأنه حكم الإسلام. هذه هي أدنـى الدرجـات: أن تبتعد هـي عن المحرم الظاهـر الحرمة.
والدرجة التي فوقها أن تبين لأهلها بالأسلوب المناسب سبب سلوكها هذا. على أن تدرس طبائعهم وتعرف المقدار الذي يحتملونه منها، ولا يستثقلونه لئلا ينفروا من سماعه.ـ ولتذكر أن في كل نفس من نفوس أهلها ـ لا سيما النساء ـ ذخيرة من الإيمان.
الإيمان موجود في القلب ولكنه قد يتغطى أحياناً ببعض الشهوات، وبعض العادات المخالفة للشرع، وبعض المطامع والرغبات.. إنه موجود ولكنه مستور مغطى.
ومن عجائب اللغة العربية أن هذا هو معنى الكافر، فالكافر هو الساتر. الإيمان موجود في القلب ولكنه مغطى، فإذا كشف عنه بالحكمة والموعظة الحسنة، أو جاءت هزة قوية؛ فإنه يظهر ويعود صاحبه مؤمناً.
إذا كان المسافرون في الطائرة، وبدأت تضطرب في الجو، وأعلن قائدها أن خللاً طرأ عليها، وأنها لم تعد تستطع الطيران، وأنها ستسقط من الجو، وأن عليهم أن يتخذوا حزام النجاة، وأن يقفزوا بالمظلة.. في هذه اللحظة يرجعون جميعاً مؤمنين، لأن هذه الرجة ألقت الغطاء عن الإيمان الذي كان مغطى في نفوسهم فعادوا مؤمنين.
ولقد وجدت بالتجربة من سنين طويلة لما أُجبرتُ على محاضرة النساء في الأردن، أن المرأة التي تمشي حاسرة سافرة، حتى التي تكشف عن سـاقيها، لما كانت موضة اللباس القصير (الميني جوب..) هذه الفتاة ما ذهب الإيمان من نفسـها، ولكنها تحتـاج إلى مـن يوقظـه بالأسـلوب المناسب.
إنه مثل النار التي انطفأت ولم يبقَ منها إلا جمرة صغيرة، وأردنا أن نعيد إضرامها فما الذي نصنعه بها؟.. إذا وضعنا إلى جنبها الحطب الكبار لم تشتعل، وإن نفخناها نفخة قوية ربما طارت فنزلت رمادا،ً وإن نفخناها نفخة ضعيفة لم تؤثر فيها. فينبغي إذن أن نضع حولها شيئاً من الورق، أو من القش، أو بعض المواد السريعة الاشتعال، ثم ننفخ عليها بحكمة. أي أننا نهيِّئ لها الجو المناسب، وندعوها بالأسلوب المناسب.
فهذه البنت بدل أن تتأثر هي بهذا الوسط البعيد بعض البعد عن الإسلام، تستطيع هي أن تردّ أهله إلى طريق الإسلام. فإن كانت أمها على شيء من الصلاح والاستعداد لرضا الله، انفردت بها وشرحت ذلك لها، لا تعمل من نفسها معلمة لأمها، ولا تكلمها من فوق، كما تكلم المدرِّسة تلميذاتها، فإن الأم مهما بلغتْ بنتُها من العلم ومن المعرفة، لا تحتمل ذلك منها، لأنها لم تنسَ أنها هي التي ولدتْها، وأنها كانت طفلة بين يديها تنظفها، وتزيل الأوضار عنها وتلفها، فلا تقبل منها أن تكون معلمة لها.
بل بالأسلوب المهذب الذي يناسب طبيعة الأم، والذي يثير حنانها ويهيج عاطفتها، وفي نفس كل أم عاطفة على بنتها، كما أن في نفسها استعداداً للرجوع لما يرضي الله. وإن كان أبوها صالحا،ً ولكنه ضعيف كما هي الحال في كثير من الاباء، خلت به فشدَّت من أزره، وقوَّت من عزيمته، وأفهمته ـ ضمناً ـ أنها معه.
أما إخوتها الصغار وأخواتها فتمتلك قلوبهم بالهدايا والعطايا بمقدار ما تستطيعه وتقدر عليه، وتعلمهم الحق بالأسلوب الذي يفهمونه لا بمحاضرة ولا درس، ولا بجرعة واحدة في ساعة واحدة.. فالدواء يعطى منه كل يوم ثلاثة أقراص مثلا،ً فلو أخذ المريض العلبة كلها في يوم واحد، وهي معدّة لأسبوع كامل، ربما حملته إلى القبر بدلاً من أن توصله إلى الشفاء.
والمقدار الذي يعطى للطفل من الدواء غير الذي يعطاه الكبير البالغ. فإذا جعلت الصغار في صفها، وعلَّمتهم حبها وطاعتها لم تمضِ سنوات حتى يصيروا كلهم مثلها. وهذه كلها نصائح عامة ليست كالثوب الجاهز الذي يُشترى من البياع لتلبسه السمينة والهزيلة، والقصيرة والطويلة فيصلح لهنّ جميعاً.
فما وجد مثل هذا الثوب، ولا أستطيع أنا أن أعطيها تفصيل خطة تطبقها كل بنت مهما اختلفت حال أبيها، ومهما اختلف وضع أمها. لا أعطيها ثوباً جاهزا،ً ولكن أدفع إليها القماش، وأعلمها طريقة التفصيل والخياطة وعليها هي أن تُلبس كل حالة لبوسها.
والخلاصة أن عليها:
أ ـ أن لا تعمل عملاً محرّماً قطعاً مخالفاً للشرع، وأن لا توافق على الاشتراك به، مهما كانت الأحوال ومهما كانت النتائج.
ب ـ أن يكون نصحها وشرح موقفها بالحكمة والموعظة الحسنة، أي أنها لا تخالف أمر الله. ولا تجاهر أباها وأمها بالعصيان. ولا تواجه أسرتها بالعداوة والخصام.
ج ـ وأن تفتش عمن هو مثلها من قريباتها، ومن نساء أسرتها، ليكن عوناً لها على سلوكها، وعلى ما تحاول الوصول إليه من هداية أهلها.
* * *
الفصل السادس -كيف تحاورين والديكِ؟
لماذا ينشأ الخلاف بين الأبناء والوالدين:
غالباً ما ينشأ الخلاف بين الوالدين والأبناء حول المواضيع التالية:
١ـ قلة المذاكرة والدراسة:
ربما يطلب الوالدان منك أن تعطي دراستك مزيداً من الاهتمام، وذلك عندما يلاحظان تراجع مستوى تحصيلك، أو انخفاض معدلاتك في الدراسة. فلماذا تتأففين وتغضبين من ذلك؟..! والحقيقة أن كثيراً من البنات حولك يتمنين مثل هذا الاهتمام من أهلهن. ولو أنك نظَّمتِ وقتك، وزدت قليلاً مستوى تركيزك واهتمامكِ بدراستك لاستطعتِ أن ترفعي مستواك في المدرسة، فتحصلين على رضا الذات ورضا
الوالدين.
٢ـ أنت تسهرين كثيراً:
ربما يتدخل الوالدان إذا وجداك قد أفرطتِ في السهر، ولم تنالي حظاً كافياً من النوم، وما ذلك إلا لخوفهما عليك من الإرهاق وضعف التركيز. وتدخُّل الوالدين يُعدُّ واجباً عليهما تجاهك، فلماذا تعتبرين ذلك تدخلاً في أمورك الشخصية؟.! اشكري حرص والديك عليك، واطلبي منهما برفق بعض التعاون، كالإقلال من ضجيج الأطفال الصغار، والتحكم في الأصوات المنبعثة من التلفاز وغير ذلك.
٣ـ عدم المشاركة في أعمال المنزل:
كثير من البنات والأبناء من يغفل عن المشاركة في أعمال المنزل، كترتيب الأسرَّة أو ترتيب الكتب والأوراق الخاصة بهم، أو ترتيب ملابسهم في الخزائن.. ورغم أن تلك الأعمال صغيرة نسبيا،ً إلا أن قيامك بعمل شيء منها يسعد الأم، ويعطيها بعض الراحة.
فقيامك بتحضير المشروبات الخفيفة للأسرة عندما يُطلب منك ذلك، أو رعاية إخوتك الصغار ـ في وقت انشغال والدتك ـ يدخل البهجة والسرور في قلوب من يحيط بك في المنزل.
لا تدعي هذه الفرص تفوتك، بل كوني البادئة بتنفيذها من غير أن يأمرك أحد بها. لا تتضايقي أو تتفوهي بكلمات غامضة تدل على عدم ترحيبك بالقيام بها، فقيامك بمثل تلك الأعمال يكسبك الخبرة في هذا المجال، ويزيد عمق مودتك لأسرتك التي تحمل عنك أعباء الحياة منذ مولدك.
ولو أنك كنتِ ضيفة تقيمين مؤقتاً مع عائلتك لمنعك الحياء من الوقوف متفرجة دون تقديم أي عون لهم، فكيف بك وأنت الابنة العزيزة لديهم؟!.. هل تعتقدين أن مشاعر العطاء والسخاء واجبة على الأبوين فقط؟ أم أنه يجب عليك أن تبادليهم المحبة والعطاء!.
لا تستغلي عواطف والديك، ولا تجعلي الأنانية تسيطر عليك. كوني ناضجة رغم صغر سنك.. ومتفهمة رغم قلة خبرتك.. قدِّري ما يقوم به والداك تجاهك بالقول والفعل والمشاركة.
٤ زيارات الصديقات:
قد ترفض والدتكِ زيارة صديقاتك في منازلهن، ولا تمانع في استقبالك لهنَّ في منزلك. حاولي أن تعرِّفي والدتك على أمهات صديقاتك، وربما تقوم والدتك بدعوة صديقاتك وأمهاتهن إلى منزلكم للتعارف.
فلا بدَّ للأم من أن تطمئن إلى أنَّ صديقتك على خلق ودين، فهذا من حرصها عليك، ومن محبتها لك، وليس هذا تقييداً لحريتك أو وقوفاً ضدك. تذكري أن وجودك مع والديك فرصة لك لكسب الخبرة والتدرب على التعامل السليم في كل زوايا الحياة.
فغداً إن شاء الله ستكون لك حياتك الخاصة بك، ومنزلك الخاص الذي يضم بين جانبيه شريك الحياة والأبناء، فتكونين أهلاً لتحمّل المسؤولية، والسير في درب الحياة.
٥. كثرة استخدام الهاتف:
استخدمي الهاتف للضرورة، وللأشياء المهمة، وليس للعبث والتسلية، فهذا ما يشغل خط الهاتف، ويبدّد الوقت والمال.
٦ـ تصرفات مزعجة:
لا تتصرفي بما يزعج الاخرين كصفق الأبواب بقوة، أو رفع صوت التلفاز وغيره عن الحد المقبول.
كيف تديرين الحوار؟:
_ تذكري أن اختلافهما معك في الرأي ليس هدفه إلغاء وجودك أو التحكم فيه، إنما هو بدافع من الحرص عليك، فأنت أمانة في عنقهما، وهما مسؤولان عنك أمام الله وأمام الناس. وحين تتفهمين هذا الأمر جيداً بواقعية وانفتاح ذهني سليم، سترين أنك كنتِ على وشك ارتكاب خطأ فادح في حق والديك لا يجوز الإتيان به.
_ احرصي على أن تبقي باب التفاهم والحوار بينك وبين والديك مفتوحاً، وحبل المودة موصولاً.
_ اسألي عن سبب رفضهما لهذا الأمر أو ذاك، ولكن ناقشي الأسباب بهدوء وأدب.
_ لا تنسي أنك تخاطبين والديك أو أحدهما، فمخاطبة الوالدين تختلف عن مخاطبة الأخوات والصديقات.
_ تحكَّمي في ألفاظك بحيث تكون موزونة وهادئة، وبعيدة عن العصبية والخطأ. ناقشي والديكِ بالرفق واللين، وكبح جماح العاطفة، والعمل بما عليه الشرع والعقل.
_ استفيدي من فترة المراهقة بتحسين قدراتك على التفاهم بالحوار المنطقي البناء وتجميل شخصيتك بإطار من سعة الأفق ورحابة الصدر،وهذا ما يزيد من ثقة والديك فيك، ويقلل حجم الخوف والقلق عليك. وهذا ما ينعكس على محيطك الدراسي، فيسهِّل علاقتك بمعلماتك وزميلاتك.
_ تذكري دوماً محبة والديك لك، وإحاطتهما لك بالرعاية والدعاء المستجاب.
_ انظري إليهما نظرة إنصاف وعدل وامتنان، وقدِّري لهما ما بذلاه ويبذلانه من أجلك إلى اخر العمر.
_ حاولي أن تفهمي لماذا تقف أمك موقفاً سلبياً من هذه القضية؟ ما هي الأسباب التي دفعتْها لذلك؟
_ استمعي إليها جيدا.ً. وحاولي أن تفهمي موقفها من كلامها.. وأشعريها أنكِ تستمعين إليها..
_ أظهري تعاطفك معها حتى ولو كنتِ على خلاف معها.. ويمكنك أن تستعملي كلمات مثل: «كلامكِ صحيح وأقدِّره لك يا أمي»، و«أنتِ على صواب وموقفك صحيح بالنسبة لك كأم».
_ بعد ذلك برِّري لها موقفك.. أخبريها بشكل مفصَّل ودقيق لماذا تفكِّرين في هذا الأمر.. ولكن استعيني قبل ذلك بكلمات تظهرين لها مدى حرصك على أحاسيسها.. استبقيها بكلمة «أمي» كأن تقولي لها: «أمي.. أفهم كلامك وأقدِّره ولكن لدي رؤية أخرى للأمور أرجو أن تعطيني الفرصة لأشرحها لكِ».
_ استبدلي بكلماتك القاسية كلمات أخرى لينة ولطيفة.. وإن كان هنالك فارق كبير في العمر فلا تواجهيها بالقول: اختلافنا في الرؤية سببه اختلاف الجيل.. أنتِ من جيل وأنا من جيل!!.
_ احرصي على اختيار الوقت المناسب لعرض الفكرة عليها.
_ أظهري لها أنكِ قد تختلفين معها في الرأي إلا أنها تبقى أمك الغالية والحبيبة على قلبك.
_ اخفضي لها جناح الذل من الرحمة.. وكلِّميها بكلمات مهذبة.. ولا تستعملي الأسلوب الاستفزازي؛ فهي أمك التي أوصاكِ الله عزَّ وجلّ بألا تقولي لها {أف}.
_ إذا كان أهلكِ شديدين معك، فتذكَّري أن دافع ذلك في كثير من الأحيان هو حرصهم عليك. ولهذا أحسني ظنك في دوافع الأهل، فهم لا يشدِّدون على أبنائهم كرهاً لهم، أو انتقاماً منهم.
صحيح أننا نراهم يصرخون في أبنائهم، ويثورون عليهم، وقد يضربونهم.. ولكنهم إنما يفعلون ذلك لأنهم وجدوهم يقومون بعمل خاطئ، أو فوجئوا بهم في حالة غير مُرضية.
هل وجدتم أهلاً يضربون ولدهم لأنه تفوق في دراسته، أو يصرخون في بنت لأنها تؤدي الصلاة وتحافظ عليها؟..! إنهم يغضبون إذا وجدوا ولدهم يدخن.. أو ابنتهم تتحدَّث بطريقة غير مهذبة.
كيف تكسبين ثقة أبويكِ فيكِ؟:
احرصي على أن يجدوك حيث يرجون.. وأن يفتقدوك حيث لا يرغبون.. فحين يجدك الوالدان تعطفين على إخوتك الصغار، ولا يجدانك تضربينهم.. وحين يجدانك تحافظين على صلاتك، ولا تقصرين فيها.. وحين يجدانك صادقة في كل أحاديثك.. وحين يجدانك تؤدين واجباتك المدرسية.. وحين يجدانك تتحلَّين بكل خلق حسن.. حينذاك تكسبين ثقة والديك.. بل وثقة الناس جميعاً.
كوني صديقة لأمك:
_ اجعلي أمك صديقة لك، مثلما على الأم أن تجعل من ابنتها صديقة لها.
_ استشيري أمك فيما تريدين القيام به. قولي لها: «ما رأيك يا أمي في هذا العمل؟»
_ لا تسخري من رأي أمك، أو فكرة من أفكارها، أو كلمة من كلماتها، حتى ولو كان رأيها خاطئاً أو كلمتها غير مناسبة.. بل وضّحي لها ما ترينه من خطأ بلطف وأدب.
_ إذا أردتِ أن تشيري على أمك برأي فاحرصي على طريقة كلامك وقولي لها: «هل تأذنين لي يا أمي أن أقول لك رأيي في ذلك».
_ اعرضي عليها باستمرار مساعدتها في أعمالها المنزلية.
_ إذا كنتِ في مجلس فيه أقاربك وأمك تتحدَّث، فلا تقاطعيها ولا تخطِّئيها.
_ احترمي وعودك لها، فإذا وعدتِها أن تعودي إلى البيت في السادسة مساءً فاحرصي على أن تكوني في البيت في ذلك الموعد. يقول الشاعر:
لأمك حقٌ لو علمت كبيرُ *** كثيرك يا هذا لديها يسيرُ
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي *** لها من دوائها انّة وزفيرُ
وفي الوضع لو تدري عليها مشقة*** فكم غصص منها الفؤاد يطيرُ
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها *** ومن ثديها شرب لديك نميرُ
فكم مرة جاعت وأعطتك قوتها *** حنواً وإشفاقاً وأنت صغير ُ
فضيعتها لما أسنت جهالة *** وطال عليك الأمر وهو قصير ُ
فآه لذي عقل ويتبع الهوى * ** وآه لأعمى القلب وهو بصير ُ
فدونك فارغب لعميم دعائها *** فأنت لما تدعو إليه فقير
عليك يا بنتي أن تجعلي صلتك بأمك صلة خفض الجناح، كما صوَّرها القران الكريم: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.. لا تقولي إنَّ أمك لا تفهم تفكيرك.. فعليكِ أنت أن تجعلي أمك تفهمك بتوددك إليها وطاعتها وخفض جناح الذل من الرحمة…
ولا شك بأن على الأم ـ في الوقت ذاته ـ أن تدرك أن جيلها يختلف عن جيل ابنتها.. ولكنه مطلوب من البنت أيضاً ـ حتى تجعل أمها تفهمها ـ أن تتودد إليها، وتتقرَّب منها، ولا تضيق بتأنيبها.
اختلاف المعاملة بين الأبناء والبنات:
لعلَّ بعض الاباء أو الأمهات يفرِّق في معاملته بين الولد والبنت بطريقة تثير الحقد والكراهية في قلب الفتاة تجاه أخيها.. وينسى هؤلاء الاباء وجوب العدل بين الأبناء؛ فالرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: «إنَّ عليك من الحق أن تعدل بين ولدك، كما عليهم من الحق أن يبرّوك».
ولكن العدل بين الأبناء والبنات لا يعني أن يُعامَل الفتى مثل الفتاة في كل الأمور.. فالفتى في حاجة شديدة إلى الاحتكاك المباشر خارج محيط الأسرة؛ كأن يرافق والده أو أخاه الكبير، ليتمكن من تعلم تصريف أمور الأسرة الخارجية.
فلا تكوني ضيقة التفكير فتفسري اختلاف المعاملة على أنه تفضيل له، وإهمال وتضييق عليك.ِ فلا وجه للمقارنة بين الذكر والأنثى في كثير من الأمور، فكل منهما خُلق ليؤدي وظيفة مختلفة عن الاخر، ولكنها مكمِّلة لبعضها البعض.
إذا كان تفكيركِ سطحياً ستقولين: أنا أتعلَّم وأخي يتعلَّم، أنا أعمل وهو يعمل.. أنا أكسب وهو يكسب، وأحياناً أتفوق عليه، فلماذا يفضِّل أهلي أخي عليَّ ويفرِّقون بيني وبينه في المعاملة؟. فإذا كان هذا التفريق في خروج أخيك مع رفاقه من دون رقابة أو اهتمام من أهلك فهذا تقصير منهم في حق أخيك، وليس تفضيلاً له. ولعلكِ تلفتين نظر والديك إلى مثل هذا الأمر.
تقول الأستاذة (نجاة جميل هاشم) في كتابها (أضواء على الطريق): «وأما إذا كانت نظرتكِ أكثر واقعية فإنك ستجدين الاختلاف واضحاً بينك وبين أخيك، ولا دخل لوالديكِ فيه.. فأنت تبكين لأبسط الأسباب، لأن دموعك قريبة جدا،ً ولا تجدين حرجاً في انهمارهما من عينيك.. أما هو فقدرته على التحمل أكثر، ويخجل أن يرى أحدٌ دموعَه حتى وهو في أشد المواقف صعوبة.
أنت تخافين وتصرخين مستنجدة به وبغيره حينما تشاهدين حشرة تمشي على الأرض.. بينما هو يمسك بالحشرة ويداعبها، ويركض خلفك بها ليزيد من رعبك وفزعك. أنتِ العاطفة والأنوثة.. والرقة والحنان والأمومة.. وهو العقل والرجولة.. والقوة والجرأة والقيادة.
أنتِ التي تحملين الطفل جنيناً في أحشائك، ورضيعاً بين يديك تهبينه الرعاية والعناية والاهتمام. وهو الأب الذي يدفع عنك وعن طفلك المتاعب والالام وضنك العيش، ويحمي بعد الله أسرتك، ويذود عن داره وعن حدود وطنه كل طامع آثم». والأمثلة كثيرة وعديدة للفروق الطبيعية التي جعلها الله بين الذكر والأنثى، تستطيعين اكتشافها، وتزول من نفسك مشاعر التوتر والكراهية لما كنتِ تحسبينه تمييزاً من والديك بينك وبين أخيك.
* * *
الفصل السابع -أنتِ وصديقاتكِ
لعلك تحبين إحدى صديقاتك محبةً شديدة، ولكن هل ساءلتِ نفسك: هل هي محبة خالصة لله تعالى أم أنها مبنية على مصالح خاصة أو عواطف وأحاسيس؟. هل تتعاونان على الطاعات؟ وهل تتناصحان في الدين؟. هل ترين أخطاءك وعيوبك فيها، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي».
أحِبِّي في الله.. وأبغضي في الله.. وخذي لله.. ودعي لله، وعيشي دنياكِ كلَّها لله. ولا مانع أن تختاري أختاً ترتاحين إليها أكثر من غيرها، ولكن لا تقصِّري في حق الأخريات. ولا تعلّقي كل أحاسيسك وامالك ومشاعرك على صديقة واحدة، وتذكّري قول القائل:
«إذا أحببتَ ففكِّر بالبغض لعلَّه يكون.. وإذا كرهتَ ففكِّر في الحب لعلَّه يكون»
وصدق المصطفى عليه الصلاة والسلام حين قال: «أحبب حبيبك هوناً ما.. عسى أن يكون بغضيك يوما ما… وأبغض بغيضك هوناً ما.. عسى أن يكون حبيبك يوماً ما». ولعلَّ الحبَّ يكون من طرف واحد لا يبادله الطرف الاخر ذات المشاعر الوهاجة، والعواطف الفيَّاضة.
ولعلَّنا ندعو مع من يقول: «اللهمَّ لا تجعلنا نحبّ من لا يحبونا حتى لا تشقينا بالحب مرتين»!
كيف تعبِّرين عن حبّك لأخواتك من النساء؟:
_ عبِّري لهنَّ عن حبك تعبيراً صريحاً، فالرسول عليه الصلاة والسلام يعلِّمنا أنه إذا أحبَّ أحدٌ أخاً له في الله فعليه أن يخبره بذلك. فلا تتردّدي في أن تقولي لأختكِ في الله: إني أحبكِ.
_ أثني على أخلاقها الفاضلة أو خصالها الحميدة فتقولين لها: «أُحبُّ أسلوبكِ في الكتابة، أو طريقتك في الحديث».
_ وإذا كنتِ خجولة جدا،ً فاكتبي إليها على كرت صغير أو مع هدية بسيطة ما يختلج في قلبك من مشاعر المودة لها.
_ اسألي نفسك هذا السؤال: لماذا تحبين هذه الأخت كل هذا الحب؟.
_ اجعلي عقلك حارساً على قلبك.. فلا تسمحين لحب أي إنسان كائناً من كان أن يشغلك عن حب الله تعالى.
أليست كل تلك النعم التي حولك هبة من الله.. فلماذا تذكرين أختا..ً وتنسين الربَّ المُنعم؟.
- حافظي على صفاء نفسك بالتقرّب إلى الله تعالى.. والجئي إلى الله تعالى يمتلأى قلبك برداً وسلاما.ً ولن يتخلّى الله عن عبده المؤمن أبداً. قـال تعـالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيم}.
الحب بين المتدينات:
يقول فضيلة الشيخ علي الطنطاوي في «الحب في الله بين المتدينات»: إنَّ لغات البشر قاصرة، تعجز عن التعبير عن المشاعر والعواطف، بل إنها لتعجز أحياناً عن تصوير بعض مشاهد الطبيعة.. فمن يستطيع أن يصور بقلمه ألوان السماء عند الغروب على ساحل البحر؟ وأشكال الأزهار البرية كلها بدقائقها، في الأرض البكر، بعد المطر؟. لذلك أطلقنا هذه الكلمة الواحدة ذات الحرفين: الحاء التي تمثل الحنان، الباء التي تبدو الشفتان عند النطق بها كأنهما متهيئتان لقبلة.
كلمة واحدة نطلقها على ألوان متعددة، هي إلى الاختلاف أقرب منها إلى الائتلاف، فنقول: إن المؤمن يحب الله، والأم تحب ولدها، وأنا أحب منظر الوادي عند المنحنى، وأنت تحب أسلوب البحتري، وهو يحب نغمة السيكا أو الرصد، وهي تحب زيارة أختها، وأختها تحب الثوب الأحمر.
كل ذلك نسميه حبّا،ً وأين حب من حب؟. وقد يختلط الحب في الله، والحب لغير الله عند بعض الناس، حتى ليظن صاحبه أنه منه، وما هو منه، فما الحب في الله؟.
الحب في الله أن تحب المرء، لا طمعاً بماله، ولا للاستمتاع بجماله، ولا للاستعانة بجاهه، ولا للأنس بحديثه، ولا لتجلب به نفعاً، ولا لتدرأ به عنك ضررا… بل يكون الدافع الأول إلى حبه أنه امرؤ صالح، يعمل ما يرضي الله، ويتّبع شرع الله.. فإن ازداد حبك له لنفع حلال تناله منه، فلا أحسب أن في ذلك شيئا،ً لأن النفوس فُطِرَت على حب مَن أحسن إليها.
ولقد كان في دارنا لوحة معلقة بالجدار، كنت أراها كل يوم وأنا صغير، فكنت أعجب بخطها، فلما كبرت صرت أعجب بصحتها وضبطها وهي: «احتج إلى مَن شئت تكن أسيره، واستغنِ عمن شئت تكن نظيره، وأحسِن إلى من شئت تكن أميره».
فإذا كانت الطالبة في الجامعة تحب رفيقتها في الله، فإنه يسرُّها أن يحبها الطالبات جميعاً معها، لأن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى، فكلما كثر المتعاونون عليهما زاد الخير، وعمَّ النفع. أما إن كانت تكره أن تحبها غيرها معها،وتريد أن تنفرد هي بحبها وبصحبتها، وأن تكون مودتها كلها لها،لا تشاركها فيها غيرها، فهذا ليس حباً في الله ولا حباً لله.
ومن علامات الحب لله أن لا تؤثر فيه الصلات الشخصية بينك وبينها، وأن يستوي في نظرك العجوز الشوهاء، والصبية الحسناء، والتي تقبل عليك، والتي تعرض عنك، ما دامتا قد تساوتا في طاعة الله، والاستقامة على اتّباع شرعه.
أما البغض في الله فهو أن تكره الكافر الذي لا يحب الله: ومن نتائج البغض في الله: أن تمتنع عن مداراة أعداء الله، فإن كان نزاع بين مسلمين وكفار، فلا تكن في صف الكفار. أخرج نفسك من زمرة{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}.
أما المجاملات وحسن العلاقات وما يسمى بالتعايش السلمي، مع غير المحاربين من الكفار، ومعاملتهم بالعدل فلا مانع منه . والبر والعدل غير الموالاة الممنوعة وغير الحب. فإن حاربونا في ديننا بالسلاح أو بالكيد والدس، أو غزونا غزواً فكرياً ظاهراً غايته إخراج أبنائنا من دينهم، أو فتنتهم فيه، فلا تعايش بيننا وبينهم.
أما الذميون، أي المواطنون غير المسلمين في البلاد الإسلامية، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا، وما داموا على العهد الذي بينهم وبيننا، ومن شروط العهد ألا يمالئوا عدوا، ولا يدعوا إلى دينهم (علنا)، ولا يظهروا شعائرهم بين أظهرنا، وأن لا يتسموا بأسمائنا، إلى اخر ما هو مدوَّن في كتب الفقه. فإن خالفوا فلا ذمة بيننا وبينهم.
والإسلام يوجب علينا أن نجعل رابطة الدين قبل رابطة «المواطنة»، فإنَّ أبا لهب كان (مواطنا)ً في مكة، وكان في ذروة أهلها وسنامهم، كان قرشياً هاشمياً وكان عم رسول الله (ص،) ونحن نشتمه في صلاتنا ونحن قيام بين يدي ربنا.
وإبراهيم قطع الله ما بينه وبين أبيه: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ}، فمن لم يحاربنا من الكفار في ديننا، ولم يخرجنا من ديارنا، ووفى بالعهد بينه وبيننا، نقابله بالحسنى، ونعامله بالعدل، ونصاحبه بالمعروف، لكن لا نجعله منا بمنزلة إخواننا في الإيمان، ولا نحبه بقلوبنا وهو يكفر بالرحمن.
ميزان الحب في الله:
تذكري أنَّ ميزان الحب في الله ولله معناه أن تحبي الاخرين بمقدار حبهم لله، وطاعتهم لله، ونزولهم عند أمره.. وتبغضيهم بمقدار بعدهم عن الله واستعلائهم على أمره. فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان».
وقال (صلى الله عليه وسلم) «إنَّ من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى». قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: «هم قوم تحابّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فـوالله إن وجوههم لنـور، وإنهم لعلى نـور، ولا يخافـون إذا خـاف الناس، ولا يحزنـون إذا حـزن الناس، ألا إنَّ أوليـاء الله لا خـوف عليهم ولا هم يحزنون».
ولهذا نسأل الله عزَّ وجلّ ألا يجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا. وعلينا البعد عن كل ما من شأنه أن يسبب بعداً وجفوة فيما بيننا. يقول أحد العارفين: «ولنتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».
هل باعتني صديقتي؟:
ليس غريباً أن نسمع هذا السؤال في معشر البنات، فكم من فتيات تصادقن لسنوات ثم خرجن بهذا السؤال: «هل باعتني صديقتي؟». وقد تكون الصديقة في البداية مواسية لكِ، تخفف من الامك، وتستمع إلى همومك، ثم ما تلبث أن تتغيَّر فتجافيك ولا تكترث بشكاويك ولا مشاعرك.. تتصلين بها فلا تردُّ عليك، وتتحدَّثين إليها فلا تأبه لما تقولين.
وتتألم الفتاة لجفاء صديقتها فلا تنام الليل، وتصاب بالكابة والإحباط.. أين تلك الصديقة التي كنت أبوح لها بما يجيش في صدري من أحاسيس؟! أين التي كانت لي ـ من بعد الله ـ خير مواسٍ ومعين؟.! فما هي أسباب تلك الجفوة بعد المحبة والإخاء؟.
ربما كانت الصداقة لمصالح دنيوية، أو أهواء شخصية.. ولعلَّها لم تقم على أساس المحبة في الله.. وربما كانت بسبب مبالغتك في حب صديقتك،وعدم الاعتدال فيه.. وربما كان بسبب اعتقادك بأن صديقتك هي ملككِ وحدكِ وليس لها من همٍّ سواك!!ِ.
ما العلاج؟:
ويذكر الأستاذ محمد رشيد العويد في كتابه القيم: (لحظات يا بنات) عدداً من طرق العلاج لتلك الحالات:
أولاً: ينبغي أن تكون المحبة بين الأخوات في الله تعالى، وعلى الفتيات أن يدركن أن «الحب نعمة ورزق من الله»، وإذا تحقق حقاً فقد نالها الأجر والمثوبة من الله في أن المتحابّين في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء بمقامهم عند الله.
ثانياً صحيح أن الإسلام يدعونا إلى التحابب في الله، وأن أفضلهما أشدهما حبّاً لصاحبه، كما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «ما تحابَّ اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدّهما حبّاً لصاحبه»، ولكنَّ الإسلام يدعونا دوماً إلى الوسطية والاعتدال، فلا مبالغة في الحب ولا تعسف، ولا تعتقدي أنك تملكين صديقتك بهذا الحب، فلا تحب غيركِ، ولا تهتم بسواك،ِ ولا تصادق فتاة أخرى.!!
ولعلَّ صديقتك تضيق بك ذرعاً إن أنتِ حاولتِ أن تحتكري كل محبتها وصداقتها لنفسك..! فالرسول عليه الصلاة والسلام يوصينا بالاعتدال في هذا الحب فيقول: «أحبب حبيبك هوناً ما.. عسى أن يكون بغيضك يوماً ما.. وأبغض بغيضك هوناً ما.. عسى أن يكون حبيبك يوماً ما».
ثالثاً: انتبهي إلى أسلوبك في معاملتك لصديقتك، فقد يكون هو الذي غيَّر صاحبتك، أو لعلَّها ملَّت منك ومن شكاويك..ِ حاولي أن تستمعي إلى شكواها وأحاسيسها مثلما تريدين منها أن تستمع إليك.. وينبغي أن تجد منكِ صدىً لها مثلما تجدين فيها صدىً لك. ادفعيها للحديث عن نفسها، واضبطي نفسك فلا تحدّثيها بأي شيء عنك. أظهري اهتمامك بكل أحوالها وشؤونها، واعتدلي في اتصالاتك بها ولا تطيلي فيها.
رابعاً: وثِّقي صلتكِ بالله عزَّ وجل،ّ وأحبّي الله تعالى، فهو إن أحبَّكِ حبَّبكِ إلى ملائكته وجميع خلقه.. وكثير من مشاكل الإخاء مردّها خلل في الإيمانيات، وتقهقر في العبادة.. ولو أن كل أخت سارعت بمجرد إحساسها بتغيُّر الإخاء وتبدل الحال إلى محرابها وسجدت لله، وراجعت نفسها في معاملتها مع الله ومع الناس، لتحسنت الأحوال.
يروى أنَّ أحد السلف خرج من بيته فسبَّه أحد العامة سبّاً شنيعا،ً فعاد هذا الرجل الصالح إلى بيته وصلَّى وسجد لله عزَّ وجلّ وقال في سجوده: «اللهمَّ اغفر لي الذنب الذي سلَّطتَ به عليَّ هذا الرجلَ حتى شتمني.!!».
ويقول أحد السلف الصالح: «إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلُق امرأتي ودابتي» فإذا تغيَّرت أختكِ عليك،ِ وانقلبتْ بعد المودة والحب إلى الجفاء.. فعودي إلى الله تعالى، ثم إلى نفسك وأصلحيها مراراً وتكراراً.
خامساً: لا تهجري أختك إن هي هجرتك.. ولا تتجاهليها إن هي تجاهلتك. تصوَّري عظم المثوبة والمنزلة التي سيغبط بها النبيون والشهداء هاتين الأختين المتحابتين في الله، أو الرجلين اللذيْن تحابّا في الله. اصبري على أسلوبها، وعوِّدي نفسك على ذلك، وقولي في نفسك: «إنما غيَّرها الله عليَّ لأعود إليه وأصلح نفسي».
ولو قال لكِ بعض الناس: لا تصبري، فللصبر حدود، فتعزَّي أنتِ بذلك الرجل الذي ذهب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يشكو إليه أنه يزور أقرباءه ويصلهم ولكنهم يقطعونه ولا يصلونه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهمُ المَلَّ ـ أي الرماد ـ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك».
فواصلي أختك في الله ولا تعيبي على الإخاء ما صنعتْهُ أختُك في الله، فالإخاء يبقى مفهوماً عذباً جميلا،ًوإن شُوِّهَ من قِبَل بعض المسلمات.. ولا تنسي أنَّ محبتكِ في الله لو كانت صادقة، فإنها لا تتأثر بالجفاء، ولا بقلة الزيارات والاتصالات، ولا بندرة الهدايا والعطايا.. يقول يحيى بن معاذ: «حقيقة المحبة أنها لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء».
ولعلَّ بعض الأخوات عندما يتحاببن في الله عزَّ وجلّ فلا تجد بعضهن تلك الحلاوة الإيمانية التي بشَّر بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول: «ثلاث مَن كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما.. وأن يحب المرء لا يحبّه إلا لله.. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار».
وسبب ذلك أن كل أخت يقفز إلى ذهنها مفهوم «أن يحب المرء»، وتنسى أن محبة الله ورسوله مقدَّمة على محبة أي إنسان.. ولو دخل حب الله ورسوله القلوبَ حقّاً لهانت بعدها كل محبة.. فإذا رزق العبد بعد محبة الله ورسوله محبة أخ صالح لا شك أنه سيشعر بحلاوة الإيمان؛ لأن قلبه تشبَّع بمحبة الله ورسوله، فصار قلبه لا يحمل على أي عبد من عباد الله، وصار حبه كله (لله) لا من أجل هذا الشخص أو مكانته.
سادسا:ً لا تظني أن الأساس في الإخاء هو الاتصال اليومي والسؤال عن الحال والأحوال.. وكأن هذه الأخت (وقفٌ) على أختها وليس وراءها من مشاغل أخرى في هذا الحياة سواها!. أين نحن من السلف الصالح يوم أن قال أحد الناس للإمام ميمون بن مهران: إن فلاناً يستبطأى زيارتك. فقال: إذا ثبتت المودة في القلوب فلا بأس وإن طال المكث.
وكان من كان من السلف يقول لأخيه: والله إني أحب أن أراك وأزورك كل يوم، ولكن أخشى أن أشقّ عليك. فيقول له أخوه: إن لي إخواناً بعيدون عنا هم أقرب إلى قلوبنا ممن نراهم كل يوم. هكذا كـان دأبهم، وأمـا نحن فمـا زلنـا نتعاتـب على قلـة الزيـارة، وقلة المودة. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «من صدق في أخوَّة أخيه قَبِل علله، وسدَّ خلله، وعفا عن زلله».
طالبة تحب معلِّمتها:
من الفتيات من تعجب بمدرِّستها، وتشغف بحبها.. وتكثر هذه الحالات في بعض مجتمعاتنا العربية. وقد تجد الفتاة في معلِّمتها المَثَل الأعلى فتحبها، وتفرغ فيها شحناتها العاطفية. ولا بدَّ للمدرِّسة من أن تحاول ضبط تلك العلاقة وفق الأسس الشرعية. وتحاول أن تعلِّم طالباتها مبدأ التسامي، وهو التنفيس عن العواطف والغرائز، وذلك بالالتجاء إلى الله تعالى والاستغراق في العبادة، وبالتفرغ للدراسة والمطالعة، أو بممارسة فن محبب؛ كرسم المناظر الطبيعية وما هنالك.
صداقة عبر الإنترنت:
لا شكَّ أنَّ هذه الصداقة التي تنشأ عبر الإنترنت يلعب فيها الخيال دوراً كبيرا.ً فحين تسمعين صوت المتكلّم على الهاتف ولا ترين تعابير وجهه أو لغة جسده، لا يمكنك الحكم عليه دون أن يكون صوته هو المسيطر على حواسكِ؛ لأنه يتعامل معك من خلال حاسة واحدة هي السمع. أما باقي الحواس فمعطَّلة.
وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو نبيٌّ مرسل قد قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار».
فكيف نستطيع أن نحكم على صدق الأشخاص أو كذبهم خاصة من خلال حديثهم فقط، والذي يسهل جداً اللحن به؟.! ثم كيف وأنا لا أرى وجه محدِّثي، ولا أسمع صوته أستطيع بناء علاقات متينة على الإنترنت؟.! وحتى لو وجدت الكاميرا على الإنترنت، فكيف تبنى صداقة بين شاب وفتاة خارج الإطار الشرعي؟.
بالطبع لا أحد يمنعكِ أن تنشئي صداقة مع فتيات، ولكن الأوْلى أن تكون تلك الصداقة مع من حولك من زميلات أو قريبات. فكيف تثقين بتلك الفتاة التي لا تعرفينها، تعطينها معلومات عنك وعن أهل بيتك، بل ربما ترسلين لها بصورتك، ومن ثم تصل تلك الصورة والمعلومات إلى رجال غرباء عنك؟ فيشهِّرون بها أو يستغلونكِ أشدّ استغلال.
حذارِ يا أختاه من تلك العلاقات على الإنترنت، فهي مجاهيل عميقة قد تقودك إلى ما لا تحمد عقباه.
* * *
الفصل الثامن - أنتِ والشباب
قد تلتقي الفتاة بشاب في السوق.. أو عند بوابة المدرسة.. وقد تسمع صوته عبر جهاز الهاتف أو الجوال.. وقد تسمع منه الكلمات المعسولة والأيمان المغلَّظة على صدق حبّه وإخلاصه لها.. أو قد تكون يده قد خطَّت رسالة لها تفيض بمعاني الحب والهيام.. والوعود والأوهام بأنه هو زوج المستقبل وفارس الأحلام.!!
ماذا يريد الشاب؟:
فلتسأل هذه الفتاة نفسها: ماذا يريد هذا الشاب؟ أليست هي الشهوة الحرام؟. ولتسأل نفسها ثانية: كيف تأمن هذا الشاب على نفسها.. وقد خان ربَّه وخان دينه.. وبنى علاقته على الحرام؟.! ألم تسمعي أن هناك من ندمت أشدّ الندم على مثل تلك العلاقات التي تتمنى كثير من الفتيات أنها لم تعرف فلاناً أبداً ولم تتخذ فلاناً خليلاً؟!
قارني بين صورتين:
الصورة الأولى: لشاب مستقيم محافظ على طاعة مولاه.. سخَّر وقته لعبادة ربه.. وأفنى شبابه في طاعته.. تُعرض له الفتنة فيغض بصره.. وينأى عنها.. إنه كالاخرين لديه شهوة وعواطف.. ولكنه يشعر أنها ينبغي أن تكون في إطار الشرع..
والصورة الثانية: صورة شاب تائه زائغ البصرات.. ينهار أمام شهواته ورغباته.. يقضي نهاره في التسكع في الأسواق.. وأمام التجمّعات النسائية، أو في التفحيط في السيارات أو في ترقّب نظرة إلى إحدى الفتيات!!. ثم يقضي ليله على سماعة الهاتف.. أو أمام شاشة فضائية ساقطة، أو مشهد داعر..
بربك:ِ أيهما أحق بالإعجاب والثناء:
الشـاب الذي ينتصر على شهوته ويستعلي على رغباتـه استجابـة لمرضاة الله؟.. أم الشاب الذي ينهار أمام داعي الهوى والشهوات.. ويسعى لتحقيقها على أشلاء الخلق والفضيلة والعفاف؟.
هاتف.. وزواج:
لا تصدّقي أن زواجاً سوف يتم عن طريق مكالمات هاتفية عابثة.. وحتى لو تمَّ فإن مصيره في الغالب الأعظم إلى الضياع والفشل والشك والندم.. لا تصدّقي شاباً ـ مهما تظاهر بالصدق والإخلاص ـ يحترم فتاة تخون أهلها وتحادثه عبر الهاتف أو الجوال.. فإنما يفعل ذلك لأغراض دنيئة لا تخفى على عاقل.
وكم من فتاة بكت على الهاتف. وهي تسمع التهديد بالقطيعة من شاب عابث يعرف عشرين فتاة غيرها.. يخبرها بأنه سيختار أوفاهنَّ له.. وما أبعد مثل هؤلاء الشباب عن الوفاء.!!
وعود كاذبة:
ألا ترين أن الشاب مهما وَعَدَ فإنه في نهاية الأمر يراجع نفسه، وينظر إلى هذه التي أعطته نفسها دون زواج، ولو لحظة من عمرها، على أنها قد تعطي غيره؟. أجل هذه صفة سخيفة في الشباب غير الملتزمين بالإسلام، ولكنه الواقع الذي لا مفرَّ منه.. إنه الواقع الذي يجعلنا ننادي الفتاة دوماً أن احترسي ولا تنخدعي بالوعود الكاذبة..
احذري الذئاب البشرية التي لا تريد إلا ساعة لهو وعبث وفجور..
ففي استفتاء على مئة شاب وشابة، أجاب(٨٠%) من الفتيات على سؤال: هل تفضّلين الزواج التقليدي، أم الزواج بعد قصة حبّ؟ بأنهن يفضِّلن الزواج التقليدي، أما الـ( ٢٠%) الباقية فهنَّ اللواتي لا يتعلمن من تجاربهن وتجارب غيرهن.! والعجيب أن (١٠%) من الشباب فقط أجاب بأنه يفضِّل الزواج التقليدي، والـ(٩٠%) فضَّلوا قصّة الحب قبل الزواج.!!
وكان تعليق الأخصائي النفسي والاجتماعي على ذلك أن الشاب يفضِّل قصة الحب قبل الزواج، حتى يتسلَّى ما شاء له أن يتسلّى، ثم إذا أراد الـزواج، فالقرار في يده.. يترك هذه الفتاة بعد أن أصبحت ثوبـاً باليـاً، ويذهب لمن يتأكد أنها احتفظت بقلبها وعرضها، لم تُسلِّمْهُ لأحد، فهي وردة يانعة لم يقترب منها التراب.! تذكري دوماً أنوثتك..ِ تذكري عفّتكِ واستعلاءك،ِ ولا تلقي نفسكِ في حُفَرِ المهانة والإذلال.
ذئاب بشرية:
صحيح أن الرجل هو الذي يخطو الخطوة الأولى في طريق الإثم.. لا تخطوها المرأة أبدا.ً. ولكن لولا رضا الفتاة ما أقدم.. ولولا لينها ما اشتد.. هي التي فتحتْ له الباب وقالت للص: تفضّل.. فلما سرقها.. صرخت: أغيثوني يا ناس لقد سُرِقْت..
وإذا كان الذئب لا يريد من النعجة إلا لحمها.. فالذي يريده منك الرجل أعزّ عليك من اللحم على النعجة.. وشرٌّ عليك من الموتِ عليها. يريـد منكِ أعزَّ شيء عليك..ِ عفافكِ الذي بـه تشـرُفين.. وبـه تفخرين.. وبه تعيشين.
وحياة البنت التي فجعها الرجل بعفافها أشد عليها بمئة مرة من الموت على النعجة التي فجعها الذئب بلحمها.. لا تصدّقي ما يقوله بعض الرجال من أنهم لا يريدون في البنت إلا خُلقها وأدبها.. وأنهم يكلّمونها كلام الزميل.. ويودونها ودَّ الصديق.. كذبٌ والله.
ولو سمعتِ أحاديث الشباب في خلواتهم ـ كما يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله ـ لسمعتِ مهولاً مرعبا.. وما يبسم لك الشاب بسمة.. ولا يلين لك كلمة.. ولا يقدّم لك خدمة.. إلا وهي عنده تمهيد لما يريد.. تشتركان في لذة ساعة.. ثم ينسى هو.. وتظلين أنت أبداً تتجرّعين غصصها..
يمضي (خفيفاً) يفتش عن مغفَّلة أخرى يسرق منها عرضها. وينوء بكِ أنتِ ثِقَلُ الحمل في بطنك.. والهم في نفسك.. والوصمة على جبينك.. يغفر له المجتمع الظالم، ويقول: شاب ضلَّ ثم تاب.. وتبقين أنتِ في حمأة الخزي والعار طول الحياة لا يغفر لك المجتمع أبداً.
ولو أنّكِ إذْ لقيتِهِ زويتِ عنه بصرك..ِ وأريتِه الحزم والإعراض.. فإذا لم يصرفه عنكِ هذا الصد،ّ وإذا بلغت به الوقاحة أن ينال منك بلسان أو يد، نزعتِ حذاءكِ من رجلك.. ونزلتِ به على رأسه.. لو أنكِ فعلتِ هذا لرأيتِ كل من يمرُّ في الطريق عوناً لك عليه. ولَمَا جرؤ بعدها فاجر على فتاة عفيفة، ولجاءكِ إن كان صالحاً ـ تائباً مستغفرا،ً يسأل الصلة بالحلال، جاءكِ يطلب الزواج…
إعجاب بلاعب:
ومن الفتيات من تستأذن من المحاضرة لتتابع مباراة على الشاشة.. أو تسأل عن الفريق المنتصر.. ومنهن مَن تُعجب بلاعب رياضي ماهر.. أو تهتم بفريق معين. ماذا يهمها انتصار فريق رياضي على آخر.. أو عدد الأهداف التي حصَّلها هذا الفريق أو ذاك؟!
أي ثمرة جنتها الأمة وحققتها من وراء ذلك؟! وماذا ستحصل عليه الفتاة حين تشغل نفسها بذلك إلا إهدار الوقت.. والتلاعب بالمشاعر والعواطف.. ومخالفة طبيعة الأنوثة والأمومة؟.
معاكسات الشباب:
شـباب يعاكـس الفتيات.. بكلمات.. أو نظرات.. أو بإعطائها رقم الهاتف.. أصبح ظاهرة تنتشر بين الشباب والبنات انتشار النار في الهشيم.. تجد في الشارع سيارة فتيات واقفة.. تصطف إلى جانبها سيارة شباب.. ينفتح زجاج النوافذ.. وتمتد يد الشاب بورقة تتلقفها إحدى الفتيات من السيارة المقابلة.. ثم تنطلق السيارتان.. مشهد أصبح يُرى أمام الأسماع والأبصار..
ودون خجل أو حياء… اعلمـي أن هذه المعاكسـات من أعظم وسـائل جلب الفسـاد وانتشـار الفاحشة. وهي وسيلة من وسائل دمار الأسر، وتضييع مستقبل الفتيات.
فكم من فتاة عُرف عنها ذلك السلوك المشـين فأغلقتْ على نفسـها باب الزواج.. بل ربما عن أخواتها أيضا.ً وكم من زوجة وقفت فريسة للمعاكسات فعلم زوجها فطلَّقها.. وضاعت وضاع أولادها معها!! ومن تتبَّع ما يقع من جرّاء المعاكسات من حوادث أليمة.. وفواحش عظيمة لتحسَّر أشد التحسّر على أحوال بنات المسلمين.. وأدرك أنّ هذه المعاكسات ما هي إلا وسيلة تغرير.. وشباك صيد.. يستهدف عرضهن.. ويسوِّدُ وجوههن.. ويتركهنَّ ضحايا في الزوايا.. أو بائعات هوى ومنحرفات.. سوساً ينخر في جسد الأمة.
وقد تفنن الشباب والفتيات بطرق المعاكسات: من غمز بالعين، أو ابتسامة خبيثة.. أو نكتة مائعة.. أو مشية متكسـرة متغنجـة.. أو عطـر فوَّاح.. ولا تسل عن الهواتف والجوّالات.. اتصالات عشوائية تبحث عن فريسة.. لتبدأ رحلة العصيان وغضب الله.
وظهرت في السنوات الأخيرة خدمة (البلوتوث) علاوة على ما يرسل مع الرقم من كلمات غرامية أو من صور إباحية.!! والعجيب أن المعاكسات تصدر أيضاً عن فتيات يعاكسن الرجال.. وبنات يشاغلن الشباب في الهواتف بمعسول الكلام وعبارات الغزل والتهتك.. للتسلي أو تمضية الوقت.. أو سماع بعض الإطراءات!
ولكن ما هي نتيجة هذه المعاكسات.. أليست هي اللقاء المحموم واللذة المحرَّمة والمعصية القاتلة؟.! انظروا إلى ما تحكيه إحدى البنات المعاكِسات: «كانت البدايـة مكالمة هاتفيـة عفويـة.. تطوَّرت إلى قصـة حب وهمية.. أوهمني أنه يحبّني وسيتقدّم لخطبتي.. طلب رؤيتي.. رفضت. هدَّدني بالهجر.. بقطع العلاقة.. صُعقت.. أرسلتُ له صورتي مع رسالة معطّرة.. توالت الرسائل.. وبصوتي في الهاتف ـ فقد كان يسجِّله ـ هدّدني أنه سيفضحني أمام أهلي.!!
خرجتُ من المنزل على أن أعود بأسرع وقت ومعي أغراضي كما وعدني.. لقد عدتُ ولكن ليتني ما خرجت.. ليتني ما وعدت.. عدتُ وأنا أحمل العار والذل.. توسلتُ إليه أن يتزوَّجني ويسترني من الفضيحة.. فقال بكل سخرية واحتقار: (إني لا أتزوج فاجرة).!!». وهكذا يتركها إلى مصيرها الأسود، ومستقبلها المظلم.. ويذهب يبحث عن فريسة أخرى يفترسها ويلقي بها في الوحل.
لماذا تنتشر ظاهرة المعاكسات؟:
كثير من الشباب ليس له علاقة بالله تعصمه.. ولا عبادة تشغله.. ولا وِرْد من القرآن والذكر يؤنس وحشته.. فلما أعرض عن الله اخاه الشيطان.. فذهب يبحث عن شيء يؤنس وحشته.
احذري كاميرا الجوال:
فتاة شريفة في الجامعة.. استلقت على كرسي في الجامعة لتستريح بعد المحاضرة.. لم تغطِّ كامل جسدها فهي بين بنات من جنسها.. ولكن كانت المؤامرة.. فتاة شريرة تحمل هاتفاً جوالاً مزوَّداً بكاميرا للتصوير.. أخذت لها صورة من حيث لا تدري.. وراحت تنشرها على الجميع عبر الإنترنت..
ماذا يصنع الوالد أو الزوج بعد انتشار صورة ابنته أو زوجته في ملابس غير محتشمة على الإنترنت ـ وهي الإنسانة العفيفة الطاهرة ـ؟!. فلقد هُدِّمت بيـوت من وراء تلـك اللقطات الخبيثـة.. فاتقـي الله يا أختاه.. لا تلتقطي صورة لصديقتك ثم تحفظيها في ذاكرة الجهاز أو ترسليها لأحد.. لا تصوري النساء في حفلات الزفاف وغيرها..
يقول الدكتور إبراهيم محمد الفايز ـ الخبير في الفقه الجنائي والأستاذ المشارك في كلية الشريعة: «لم يخالف أحد من علماء المسلمين في تحريم الاطلاع على عورات الغير سواء بالنظر المباشر، أو من ثقب الباب أو الشباك، أو من وراء الزجاج أو في الماء، وعدُّوا ذلك من الكبائر.
حتى إنهم منعوا فتح النوافذ التي يطّلع منها على عورات الغير؛ لأنها تعتبر وسيلة إلى المحرَّم، وما كان وسيلة إلى المحرم فهو حرام. وبعضهم أفتى بسد الكوّة القديمة التي تكشف منها على الجيران، أو يطيل الجار بناءه حتى لا يرى من بداخله.
كما منعوا صعود المؤذن على المنارة إذا ثبت أنه في صعوده يستطيع أن يكشف نساء الجيران، لأن ذلك من الضرر، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الضرر. فالحكم في مسألة تصوير النساء بواسطة كاميرا الجوال أو أية كاميرا أخرى خلسة؛ سواء كنّ في الشارع أو في السوق، أو في صالة الأفراح، أو كنَّ في سيارة أو على شاطأى أو منتزه أو غيره، وهؤلاء النسوة لسن من محارم الرجل أو المرأة التي قامت بالتصوير، فحكم ذلك واحد كحكم النظر من خلَلِ الباب أو الكوة من الدار.
بل المصيبة في التصوير بواسطة كاميرا الجوال أعظم ضرراً وأشد خطراً؛ لأن هذه الصورة يدخلها الشاب إلى جهاز الكومبيوتر ثم ينشرها عن طريق الإنترنت.
فيلم فيديو هدَّم حياتها:
وهذه قصة فتاة جامعية كانت معروفة بحسن الخُلُق والأدب الجم. قالت: خرجتُ في يوم من الأيام من بوابة الجامعة.. وإذا بشاب وسيم أمامي.. كان ينظر إليَّ وكأنَّه يعرفني.. لم أعطِه أيَّ اهتمام.. سار خلفي وهو يحدّثني بصوت منخفض: «يا جميلة.. أنا أرغب في الزواج منك، فأنا أراقبك وأعرفك منذ مدة.. وأعرف أخلاقكِ وأدبكِ».
سرتُ مسرعة تتعثَّر قدماي.. ويتصبب جبيني عرقا..ً لم أكن قد تعرَّضتُ لمثل هذا الموقف من قبل. وصلتُ إلى منزلي مرتبكة مهمومة.. ولم أنم ليلتها من الخوف والقلق. وفي اليوم التالي.. وجدتُه ينتظرني أمام باب الجامعة يبتسم.. وتكرّرت معاكساته لي والسير خلفي كل يوم.. وانتهى الأمر برسالة صغيرة ألقاها عند باب البيت.. ترددتُ في التقاطها..
ولكني أخذتُها ويداي ترتعشان.. قرأتُها فإذا بها كلمات مملوءة بالحب والهيام والاعتذار عما بدر منه من مضايقات.. مزَّقتُ الورقة.. وبعد سويعات دقَّ جرس الهاتف.. فإذا بالشاب نفسه يطاردني بكلام جميل ويقول: هل قرأتِ الرسالة أم لا؟. قلتُ له: إن لم تتأدَّب سأخبر عائلتي.. وسوف يؤدبونك.!
وبعد ساعة عاود الاتصال.. وأخبرني أن غايته شريفة.. وأنه يريد أن يستقر ويتزوج.. وأنه سيحقق لي كل امالي.. وأنه وحيد لم يبقَ من عائلته أحد على قيد الحياة... و... و… رقَّ قلبي له.. وبدأتُ أسترسل معه في الكلام. وبدأت أنتظر هاتفاً منه في كل وقت.. بدأت أخرج معه في سيارته نتجول في أنحاء المدينة.
كنتُ أشعر أنني مسلوبة الإرادة عاجزة عن التفكير.. وكنتُ أصدِّقه فيما يقول.. وخاصة قوله لي: إنك ستكونين زوجتي الوحيدة.. وسنعيش تحت سقف واحد.. ترفرف عليه السعادة والهناء. وفي يوم من الأيام..ويا له من يوم.. كان يوماً أسود.. دمَّر حياتي وقضى على مستقبلي.. خرجتُ معه كالعادة، وإذا به يقودني إلى شـقّة مفروشـة.. دخلت وجلسنا سويا،ً ونسيتُ حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم».
ولكنَّ الشيطان استعمر قلبي.. وامتلأ قلبي بكلام هذا الشاب.. ثم غشتنا غاشية من عذاب جهنم.. ولم أدرِ إلا وأنا فريسة لهذا الشاب.. وقد فقدتُ أعز ما أملك.. قمتُ كالمجنونة.. ماذا فعلتَ بي؟. قال: لا تخافي أنتِ زوجتي. قلت: كيف أكون زوجتك وأنت لم تعقد عليَّ. قال: سوف أعقد عليك قريبا.!
ذهبتُ إلى بيتي مترنحة.. واشتعلت النار في جسدي.. يا إلـهي ماذا فعلتُ؟ أجننتُ أنا؟. وأظلمت الدنيا في عيني. وأخذتُ أبكي بكاءً شديداً مرّا. تركتُ الدراسة.. وساءت حالتي إلى أقصى درجة.. ولم يفلح أحد من أهلي أن يعرف كنه ما في.َّ. ولكني تعلّقتُ بأمل راودني وهو وعدُهُ لي بالزواج.
ومرَّت الأيام تجر بعضها البعض وكانت عليَّ أثقل من الجبال. ماذا حدث بعد ذلك.. كانت المفاجأة التي دمَّرت حياتي.. دقَّ جرس الهاتف.. وإذا به على الهاتف يقول: أريد أن أقابلكِ لشيءٍ مهم.. خرجتُ وهللت.. وظننتُ أنَّ الشيءَ المهم هو ترتيب أمر الزواج.. قابلتُه ولكن كان يبدو متجهماً.. وإذا به يبادرني القول: «لا تفكري في أمر الزواج أبداً.. نريد أن نعيش سوياً بلا قيد».
ارتفعت يدي دون أن أشعر وصفعتُه على وجهه، حتى كاد الشرر يطير من عينيه.. وقلت له: كنتُ أظنُّ أنك ستصلح غلطتك.. ولكني وجدتُك رجلاً بلا قِيَم ولا أخلاق!.. نزلتُ من السيارة مسرعة وأنا أبكي.. فقال لي: لحظة من فضلك.. ووجدتُ في يده شريط فيديو يرفعه بأطراف أصابعه مستهتراً وقال: سأحطِّمكِ بهذا الشريط.. قلتُ له: وما بداخل الشريط؟ قال: هلمِّي معي لتري ما بداخله..
وذهبتُ لأرى ما بداخل الشريط.. فإذا به تصوير كامل لما تمَّ بيننا في الحرام.. قلت:ُ ماذا فعلتَ يا جبان.. يا خسيس؟. قال: كاميرات خفية كانت مسلّطة علينا تسجّل كلّ حركة وهمسة.. هذا الشريط سيكون سلاحاً في يدي لتدميركِ إلا إذا كنتِ تحت أوامري ورهن إشارتي!!.
أخـذتُ أصيح وأبكي.. لأن القضيـة ليسـت قضيتي بل قضيـة عائلـة بأكملها.. وكانت النتيجة أن أصبحتُ أسيرة بيده.. ينقلني من رجل إلى رجل.. ويقبض الثمن.. وسقطتُ في الوحل.. وانتقلت حياتي إلى الدعارة.. وأسرتي لا تعلم شيئاً عن فعلتي.. فهي تثق بي تماما.!
وانتشر الشريط.. ووقع بيد ابن عمي فانفجرت القضية.. وعلم والدي وجميع أسرتي.. وانتشرت الفضيحة في بلدتنا.. ولُطخ بيتنا بالعار.. فهربتُ لأحمي نفسي واختفيتُ عن الأنظار.. وعلمتُ أن والدي وشقيقاي قد هاجروا إلى بلادٍ أخرى.. عزمتُ على الانتقام.. وفي يوم من الأيام دخل عليَّ وهو في حالة سكر شديد.. فاغتنمتُ الفرصة وطعنْتُه بمدية.
فقتلتُ إبليس المتمثّل في صورة آدمية..وخلَّصت الناس من شروره..وكان مصيري أن أصبحتُ خلف القضبان.. أتجرّع مرارة الذل والحرمان.. وأندم على فعلتي الشنيعة.. وعلى ما فرَّطتُ في نفسي. وكتبتُ قصتي لتكون عبرة وعظة لكل فتاة تنساق خلف كلمات برَّاقة أو رسالة مزخرفة بالحب والوله والهيام.
رسالة من فتاة:
وهذه فتاة أخرى غرَّر بها أحد الشباب.. فسلبها قلبها وشرفها.. وترك في بطنها جنيناً يضطرب.. تركها وهاجر من بلده.. وبعد أعوام.. كتبتْ إليه هذه الرسالة التي أثَّرت فيه ولكن بعد فوات الأوان. تقول في رسالتها: «إنَّك عرفتَ حين تركتني أن بين جنبيَّ جنيناً يضطرب.. فلم تُبالِ بذلك حتى لا تحمِّل نفسك مؤونة النظر إلى شقاءٍ أنت صاحبه..
فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصوّر أنك رجلٌ شريف؟. لا.. بل لا أستطيع أن أتصوّر أنك إنسان.. كذبتَ عليَّ في دعواك أنَّك تحبّني.. وما كنتَ تحبّ إلا نفسك.. خنتني إذ عاهدتني على الـزواج.. فأخلفتَ وعـدكَ وقلتَ: إنني لن أتزوج مجرمـة سـاقطة!! وما هذه الجريمـة إلا مـن صنع يدك.. ولولاك مـا كنتُ مجرمة ولا ساقطة.!!
سرقتَ عفّتي.. فأصبحتُ ذليلة النفس.. حزينة القلب.. وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة لرجل.. ولا أماً لولد.. بل لا تستطيع أن تعيش في المجتمع.. سلبْتَني حياتي لأنني فررت من بيت والدي..َّ وقتلتَ أمي وأبي.. فقد علمتُ أنهما ماتا حزناً لفقدي ويأساً من لقائي.
ما كتبتُ إليك هذا الكتاب لأجدِّد بك عهدا..ً فأنت أهون عليَّ من ذلك.. إنني قد أصبحتُ على باب القبر.. وفي موقف وداع للحياة.. وإنما كتبتُ إليك لأن لك عندي وديعة هي فتاتك.. فإن كانت ذهبت الرحمة من قلبك، فأرجو أن يكون قد بقي عندك من رحمة الأبوة شيء.. فخذها إليك حتى لا يدركها من الشقاء ما أدرك أمها من قبل.
سائلي نفسك:
وأسألكِ سؤالاً: هل تقفين بين يدي الله تؤدين صلواتك الخمس وأنت تقيمين علاقة مع شاب؟. هل تفتحين كتاب الله، تتلينه وأنتِ على هذه العلاقة؟ هل تصومين شهر رمضان وأنتِ على هذه الصحبة؟ تذكري قول القائل: «مَن عصى الله وهو يضحك.. دخل النارَ وهو يبكي».
تذكَّري وأنت تنظرين إلى مسنّة رقَّ عظمها وخارت قواها.. أنها كانت شابة مثلك.. ولكن سرعان ما مضت السنون فذبلت زهرة الشباب.. وحلَّ محلها الضعف والوهن.!! فكيف تهدرين شبابكِ وحيويتك..ِ ألا تتذكّرين قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «سبعةٌ يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه». وذكر منهم: «شاباً نشأ في طاعة الله» والخطاب للرجال تدخل فيه النساء.
متى هذا الوعد؟ ومتى هذا النعيم؟. إنه في يوم تدنو فيه الشمس من الخلائق حتى تكون منهم على قدر ميل.. يذهب عرقهم في الأرض سبعون ذراعا.. ويرتفع عرقهم.. فمنهم من يبلغ إلى كعبيه.. ومنهم إلى ركبتيه.. ومنهم إلى حقويه.. ومنهم من يلجمه العرق إلجاما.!! فهلا فكّرتِ أن تكوني من اللواتي في عرش الرحمن يوم لا ظلّ إلا ظلّه؟.
* * *
الفصل التاسع - حذار من الاختلاط
كوني على يقين أنَّ هؤلاء الذين يُغرون الفتاة بالتحرر والتحلل.. واقتحام سائر الحواجز.. سعياً إلى الاختلاط الذي لا ينضبط بضوابط الدين والفضيلة.. إنما يستدرجونها لشباكهم.. ليجعل أحدهم منها خليلة الساعة أو الساعتين.. ثم يرميها في منزلق الطريق كما يرمي أحدهم فضلات طعامٍ التَهَمَه..
فإذا فكَّر بعد ذلك بالزواج الذي هو الزواج فعلا.ً. أصرَّ على ألا يقترن إلا بالعفيفة الفاضلة المستقيمة؛ لأنه قد عرف الخيانة والخائنات حق المعرفة.. لقد بطلت الدعوة التي يزعم قائلوها أنَّ الاختلاط يكسر الشهوة، ويهذب الغريزة، ويزيل هذا الجنون الجنسي. وبطلان هذه الفرية قائمٌ متحقق بزيارة عابرة لأي بلد من بلاد أوروبة وأمريكة.
إنّ مثل هذه الزيارة تقنع من كان متردداً في تكذيب هذا الادّعاء، فلقد زاد الاختلاط من توقد الشهوة وعرامها، وزاد من الفساد.. ومَثَله مثل الظمان يشرب من ماء البحر فلا يزيده شربه إلا عطشاً على عطش.
هل من غَيْرة على الأعراض؟:
إن الديكين إذا اجتمعا على الدجاجة اقتتلا غَيْرة عليها وذوْداً عنها، وعلى شواطئ البلاد العربية رجال مسلمون، لا يغارون على نسائهم المسلمات أن يراهن الأجنبي.. لا أن يرى وجوههنّ ولا أكفَّهن.َّ. بل كل شيء فيهن!!
وفي النوادي والسهرات (التقدمية) الراقية رجال مسلمون يقدِّمون نساءهم المسلمات للأجنبي ليراقصهن.. ولا ينكر ذلك أحد منهم. وفي جامعات البلاد الإسلامية شـباب مسلمون يجالسون بنات مسلمات متكشفات باديات العورات، ولا ينكر ذلك الاباء المسلمون ولا الأمهات المسلمات، وأمثال هذا كثير..
تجد الزوجـة السـافرة تسـتقبل صديق زوجها فـي بيتها.. وتحييـه في الشارع... أو تصافح البنت رفيقها في الجامعة.. أو تمشي معه في الطريق.. وتستعد معه للامتحان.. وتنسى أنَّ الله جعلها أنثى وجعله ذكرا.. وركَّب في كلٍّ منهما الميلَ إلى الاخر.. فلا تستطيع هي ولا هو ولا أهل الأرض أن يغيِّروا خلقَ الله أو أن يمحوا من نفوسهم هذا الميل.
إنّ دعاة المساواة والاختلاط باسم المدنية لا يريدون إلا إمتاع جوارحهم، وإرضاء ميولهم، وما يأملون به من اللذائذ. ولكنهم لم يجدوا الجرأة على التصريح به.. فلبَّسوه بهذا الذي يهرفون به من هذه الألفاظ الطنانة التي ليس وراءها شيء: «التقدمية، والتمدن، والفن، والحياة الجامعية، والروح الرياضية».
يقولون: إن الاختلاط يكسر شِدَّة الشهوة، ويهذِّب الخُلُق، وينزع من النفس هذا الجنون الجنسي. والحقيقة غير ذلك.
لهاث خلف التقاليد الغربية:
ويريد المستغربون أن يفرضوا على المرأة التقاليد الغربية، بما فيها من فساد وتحلّل من القيم ـ وأعظمها الدين وانحراف عن سواء الفطرة، وبُعد عن الصراط المستقيم، الذي بعث به الله الرسل، وأنزل الكتب لبيانه، ودعوة الناس إليه.
وهم يريدون من المرأة المسلمة أن تتبع سنن المرأة الغربية: «شبراً بشبر، وذراعاً بذراع» كما صوّر الحديث النبوي: حتى لو دخلت جُحر ضب لدخلته وراءها، على ما في جُحر الضب من الالتواء والضيق، وسوء الرائحة، ومع هذا لو دخلته المرأة الغربية لدخلته المرأة المسلمة بعدها، أو بعبارة أخرى: لظهرت «موضة» جديدة يروج لها المروّجون تسمّى «موضة جحر الضب.!».
وهؤلاء يغفلون ما تشكو منه المرأة الغربية اليوم، وما جر عليها الاختلاط «المفتوح» من سوء العاقبة على المرأة أو على الرجل، وعلى الأسرة، وعلى المجتمع كله، ويسدون اذانهم عن صيحات الاستنكار التي تجاوبت بها الافاق في داخل المجتمع الغربي نفسه... وعن كتابات العلماء والأدباء، ومخاوف المفكّرين والمصلحين على الحضارة كلها من جرّاء إلغاء القيود في الاختلاط بين الجنسين.
كما ينسى هؤلاء أنَّ لكلّ أمة شخصيتها التي تكونها عقائدها وتصورها للكون والحياة والوجود ورب الوجود، وقيمها وتراثها وتقاليدها. ولا يجوز أن يغدو مجتمع صورة مكررة من مجتمع آخر.
رجال ونساء في البيوت:
يقول الدكتور محمد بن لطفي الصباغ: «ومما شاع لدى نفر من الموسرين اليوم استخدام الرجال في البيوت وقيامهم بشؤون البيت الداخلية ومخالطتهم للنساء. يخرج الرجل من بيته إلى عمله.. أو إلى شأنٍ من شؤونه، وقد ترك زوجته مع الخادم الشاب الذي يتفجر حيوية ونشاطا،ً وربما لا يكون معهما أحد من الناس، وهي لا تستتر منه، وقد رفعت الكلفة بينهما، فهي تأمره وتناديه وتنهاه، وهو بحكم عمله يستجيب، والشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم، وما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما، يحببه إليها ويحببها إليه حتى تقع الجريمة.
وقد يكون هذا الخادم وسيماً، وقد يكون الزوج مسناً أو قبيحاً أو ضعيفاً أو شرساً مخاصماً، فماذا تكون النتيجة إن لم يكن خوف الله مسيطراً على الجانبين؟. وهذا القران الكريم يحدثنا عن تجربة تعرَّض لها سيدنا يوسف عليه السلام، عندما كان في بيت العزيز.. لقد تعرَّض للفتنة المغرية. ولولا أن عصمه الله تبارك وتعالى، فأراه برهان ربه لكان الأمر الفظيع المستبشع.
وكذلك ما شاع لدى فئة من أتباع الغرب ممن لا يخافون الله، ولا يرعون حرماته، من استقبال المرأة صديق زوجها في حال غيابه، والسماح له بالدخول إلى بيتها، والجلوس معه ومؤانسته والتبسط معه في القول وممازحته، وما إلى ذلك..
إنّ هذه خلوة محظورة ممنوعة شرعا،ً ولا يجوز التساهل بها بحجة الثقة بالصديق والزوجة. ومثله وأشد منه أن تسافر المرأة وحدها، أو مع السائق أو الخادم، وكذلك أن تذهب المرأة إلى الطبيب وحدها، وتتحقق خلوة محظورة.
وقريبٌ من ذلك ما يفعله بعض الناس من ترك زوجته أو ابنته مع السوَّاق يذهب بها أنّى شاءت، ولا يدري أحد عن طبيعة الحديث الذي يدور بينهما في داخل السيارة إلا الله. وكذلك فإن الجلسات العائلية ـ كما يدعونها ـ التي يختلط فيها الرجال بالنساء وهنّ في أتم زينة، وقد ألغين الحجاب، وأظهرن المفاتن بحجة أنهم أصدقاء.
وقد يكون في هذه الجلسات تبادل الحديث المبتذل، والمزاح الهابط، والنكتة اللاذعة، وإنّ كل ذلك مما لا يجيزه دين الله، وهو يعرِّض كيان الأسرة إلى الانهيار، ويبدِّل الودّ بين الزوجين إلى تنافر». وكيف يرضى امرؤ يتّقي الله ويخشاه بأن تخلو زوجته أو ابنته مع رجل أجنبي عنها؟.!
يقول الدكتور محمد بن لطفي الصباغ: «نعم إنّ للمرأة الحق في أن تعمل، ولكن عملها هذا مشروط بأن يكون ضمن حدود الشريعة، وذلك بألا يكون فيه اختلاط مستهتر، ولا خلوة محرّمة، وألاَّ يعرّضها هذا العمل إلى الفتنة، وألاّ تكون طبيعة عملها مخاطبة الرجال، وإلانة القول لهم حتى تتألفهم لصالح العمل الذي تقوم به، وأن تكـون هي ملتزمـة بالحجـاب والحشمة».
* * *
الفصل العاشر - الحب الحقيقي
كيف نتعامل مع من نحب؟:
لا تصدقي ما يردده أدعياء تحرير المرأة من أنه لا بد من الحب قبل الزواج.. فالحب الحقيقي لا يكون إلا بعد الزواج.
ما هو الحب ؟. وكيف نتعامل مع من نحب؟:
«الحب شعور انفعالي، وليس فعلاً اختياريا،ً ولذلك لا تتعلَّق به الأحكام الشرعية من حرمة أو وجوب أو كراهية.. فالشارع ـ جلَّ جلاله ـ لا يقول لك: لا تحب،ولكن يقول: إذا أحببتَ فلا تنحرف. ولا يقول لك: لا تكره، ولكنه يقول: إذا كرهتَ فلا تظلم، ولا يقول: لا تجع، ولكنه يقول: إذا جعتَ فلا تسرف».
ولكن ما نشاهده في كثير من الأحيان أنّ الشاب يستغلّ عاطفة الفتاة تجاهه ليقضي وطره منها ثم يتركها ليبحث عن غيرها.. والسبب في كثير من الأحوال أنّ هذا الشاب وتلك الفتاة كوَّنا انطباعهما عن الحب من خلال ما يقرأان من قصص تباع بأبخس الأثمان تحت اسم القصص الرومانسية، أو من خلال ما يعرض من أفلام عاطفية، وهي أبعد ما تكون عن العاطفة، وإنما هي جنس بحت.
وهذه القصص وتلك الأفلام تغري من لم يعرف قيمة الحب بأن يستغل الاخر باسم الحب. وعندما لا يستطيع المرء التمييز بين عواطفه وأشواق روحه من جهة، وبين غرائزه وشهوات جسده من جهة أخرى؛ فإنه يتردى في درك الحيوانية. ألا نرى في كل يوم شباباً يتصيّدون الساذجات بكلمات سرعان ما تتبخّر معانيها بعد أن تقع الفريسة سهلة في شباك وهْمٍ اسمه (الحب)ّ، وما أدراك ما الحب؟ وهل ما يسمى حبّاً في هذا الزمان هو الحب؟ أم أنه الجنس؟.!
ليس هو الحب:
إن ما يسمونه حبّاً ليس هو الحب.. بل هو الجنس وقد ارتدى مسوح الحب، وما أن تقع الفريسة حتى يخلع الذئبُ الماكرُ ثيابَ الحمل الوديع، ويظهر على حقيقته مكشّراً عن أنيابه.. مستعدّاً لتمزيق فريسته.. وبعد أن يقضي وطره منها.. يرميها غير اسف ولا نادم.. فقد أصبحت أرخص من التراب.!
تذكري أن الشاب الذي يصوغ الكلام المعسول، وينسج الأحلام والوعود، ويطمح في لقاء مشبوه.. إنما هو ذئب جائع يريد أن يلتهمك دفعة واحدة.. ويرميك جلداً أو عظماً بعد أن يشبع من لحمكِ الحرام.. وستجلسين تندبين حظّك.. وتبكين على تلك اللحظات.. اعلمي أنَّ الله لم ينزل اية في القران إلا ومن ورائها حكمة؛ فالله تعالى يقول: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
فهلاّ غضضتِ بصرك.ِ. واتقيتِ ربك.. وأقلعتِ عن الخضوع بالقول للرجال؟. ألم تسمعي حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الزنى: «كُتب على ابن ادم نصيبه من الزنى مدركٌ ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر.. والأذنان زناهما الاستماع.. واللسان زناه الكلام.. واليد زناها البطش.. والرِّجْل زناها الخُطا.. والقلب يهوى ويتمنّى.. والفرْجُ يصدِّق ذلك أو يكذِّبه».
فمن كانت تزني بجوارحها فلتتنبّه وتسرع لإغلاق منافذ الشيطان، فليس بينها وبين الزنى الكامل إلا خطوة. فهلاَّ أغلقتِ باب السطح كي لا يتسلل إليك اللص.. ويسرق زهرة عمرك وريعان شبابك..ِ ويخطف حياءك وعفافك..ِ ويمنحكِ بدلاً منها غمّاً وهمّا..ً وعذاباً وذلاًّ؟.. وربّ حلاوة ساعة أورثت حزناً لأعوام!.
ولو كان الشاب حقّاً يريديك.. لَطَرَق باب أهلكِ وتقدَّم طالباً يدك..ِ فهذا هو الطريق الحلال ولا طريق يفلح في الحياة سوى ذلك الطريق. يقول أحدهم: الحبُّ وَلَهُ القلب.. فإن تعلَّق بحقير.. فهو وَلَهُ الأطفال.. وإن تعلَّق بإثم.. كان وَلَهَ الحمقى.. وإن تعلَّق بفان.ٍ. كان وَلَهَ المرضى.. وإن تعلَّق بباقٍ عظيم.. كان وَلَهَ الأنبياء والصدّيقين..
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم:
فهل تعرفين أسباب نزول هذه الايات: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِن}.
أخرج ابن أبي حاتم أن أسماء بنت مرثد كانت في نخلٍ لها.. فجعلت النساء يدخلن عليها غير متأزرات.. فيبدو ما في أرجلهن ـ تعني الخلاخل ـ وتبدو صدورهن وذوائبهن. فقالت أسماء: ما أقبح هذا.. فأنزل الله في ذلك: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ...}.
وأخرج ابن مردويه عن علي كرَّم الله وجهه أنَّ رجلاً مرَّ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في طريق من طرقات المدينة.. فنظر إلى امرأة ونظرتْ إليه.. فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الاخر إلا إعجاباً به!
فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشقَّ أنفه. فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأُخبره بأمري.. فأتاه فقصَّ عليه قصته؛ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «هذه عقوبة ذنبك». وأنزل الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتّخذتْ بُرَتَين من فضة، (البرة هي الخلخال)، واتخذت جَزْعاً (سلسلة خرز) فمرَّت على قوم، فضربتْ برجلها، فوقع الخلخال على الجَزْع، فصوَّت.. فأنزل الله: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}الآية.
وقال تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِن}: أي ليُسدلن ويُرخين أغطية على أعلى أجزاء الصدر لسـتر الشـعور والأعنـاق والصدور. والضرْب هنا: السدل والإلقاء والإرخاء. والخُمُر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها. والجيوب: جمع جيب، وهو فتحة في أعلى الثوب يبدو منها بعض النحر.
تذكري كلمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي وردت في الرجل الذي شُقَّ أنفه حينما أطال النظر إلى امرأة أجنبية عنه: «هذه عقوبة ذنبك».. تذكَّري أن الله تعالى قد يعجل العقوبة للمؤمن في نفس اليوم الذي يعصي به الله، فتكون العقوبة في نفسه، أو في زوجه أو في ولد من أولاده.
يقول أحد الصالحين: «إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلُق امرأتي ودابتي» وكثيراً ما يجمِّل الشيطان للناس المعصية فيأتيهم بها متلفعة بثوب من الطاعة، بدلاً من أن يغريهم بها وهي عارية مكشوفة.
وخير مثال على ذلك أنّ إبليس قال لأبينا ادم عليه السلام: {أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى} فصدَّقه ادم لبراءته ونيته الطيبة.
* * *
الفصل الحادي عشر - على أبواب الخطوبة
شاب يتقدَّم لخطبة فتاة:
مثلما يبحث الشاب المسلم عن الفتاة المؤمنة الطاهرة ليتزوجها ويبني معها عش الزوجية السعيد، فإن الفتاة قد تجد صعوبة في اتخاذ قرارها بالموافقة على الشاب المتقدّم لها.. فهي تحلم بالشاب الوسيم والغني والمثقف و… فما هو دور كل هذه الصفات في نجاح الزواج؟.
يطرح الأستاذ محمد رشيد العويد في كتابه الممتع (لحظات يا بنات) عدداً من الأسئلة في هذا المجال:
هل ثراء الرجل ضروري؟:
من حق الفتاة بالطبع أن تحرص على أن يكون الشاب المتقدِّم إليها صاحب دخل شهري مرتفع نسبيا.. ولكن ينبغي ألا يكون ذلك الحرص على حساب الخُلق والدين.. فماذا يفيد مال قارون لو كان الشاب دون خُلُق ودين؟.!
تذكري أنّ الرزاق هو الله، فكم من شاب متوسط الحال، تزوج بفتاة رضيت به وبدخله القليل، فرزقه الله حتى صار من الأثرياء.. وكم من شـاب غني طمعت بثروتـه الفتـاة، فضاعت ثروتـه بعد الزواج..!!
اسألي عن مصدر كسب هذا الشاب.. أهو من حلال أم من حرام؟.. فلا تفرحي بمن كان ثراؤه من حرام، أو من اغتصاب حقوق الاخرين، فإنّ ذلك زائل لا محالة.
هل للمهنة دورٌ في إنجاح الزواج؟:
قد تحلم الفتاة بالزواج من طبيب أو مهندس أو صاحب مركز اجتماعي مرموق.. فهي تحسب أن أحدهم قادر على أن يلبي لها جميع رغباتها ويضمن لها العيش الرغيد. وبالطبع لا بأس في أن تفضّل الفتاة مهنة على أخرى.. ولكن بشرط ألا تعتقد أن مهنته ستكون سبب سعادتها أو رخاء عيشها.
فلا تهتمي بالمهنة إلا بعد اهتمامك بخلقه ودينه والبيئة المحيطة به.. فالحياة حافلة بالاف الزيجات التي أخفقت بسبب مهنة الزوج رغم أن تلك المهنة كانت مما تتمناه الفتاة في زوجها.!!
هل لوسامة الشاب دور في إنجاح الزواج؟:
من حق الفتاة أن ترضى شكل الرجل وترتاح إليه، فوسامة الرجل غير وسامة المرأة، فقد ترى الفتاة في طول قامته وسامة، أو عرض منكبيه وسامة.. وعلينا أن ندرك أنّ الفتاة تحب ما يحبه الفتى، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تُكرِهوا فتياتكم على الرجل القبيح، فإنهن يحببن ما تحبّون».
ولهذا يرى العلماء أنه يندب أن تنظر المخطوبة إلى خاطبها كما ينظر هو إليها لترى منه ما يعجبها، بل إنهم رأوا أنها أحوج إلى النظر إليه منه إليها، كما جاء في حاشية ابن عابدين: «بل هي أولى منه في ذلك، لأنه يمكنه مفارقة من لا يرضاها، بخلافها».
أي أن الرجل يستطيع أن يطلّق زوجته دون أن يذكر سبباً، بينما لا تستطيع المرأة ذلك. ولهذا فإن الأولياء يخطئون حين يغفلون رضا الفتاة عن شكل من تقدّم إلى خطبتها. وتذكّري دوماً أنّ المقدَّم عند الفتيات ينبغي أن يكون خُلق الرجل ودينه، ثم قدرته المالية التي تعينه على توفير حاجات الحياة، وتأتي الوسامة بعد ذلك؛ لأن من الفتيات من ترى الوسامة مقدمة على غيرها!.!
هل لمستوى الزوج التعليمي دور؟:
لا مشكلة عادةً إذا ما كان الاثنان في مستوى تعليمي واحد أو متقارب، ولكن قد تحدث المشكلة حينما يكون المستوى التعليمي للفتاة فوق المستوى التعليمي للزوج، خاصة حين تفخر الزوجة بتفوقها العلمي عليه، أو تغمز في وجهه في مسألة من المسائل..
وتذكّري أنّ المستوى التعليمي لا يعني مستوى النضج،ومستوى الخلق، فكم من أصحاب مسـتوى تعليمي عـادي، ولكنهم في مسـتوى أخلاقي رفيع.. وكم من أصحاب مستوى تعليمي عال هم عاديون جداً في نضجهم وتفكيرهم!.
هل لاختلاف الطباع أثر سلبي؟:
قد تجد الفتاةُ الشابَّ المتقدّم إليها متدينا،ً ثرياً، وسيماً، ومن أسرةكريمة، فتوافق على الزواج منه. ويتم الزواج.. ويفاجأ الجميع بالخلافات الشديدة بين الزوجين.. فما سبب تلك الخلافات، وقد اتفقا في التدين والمستوى الاجتماعي وغيرها من الأمور؟.
إنها الطبـاع المختلفـة، فقد كانت الفتـاة مثلاً تحبّ زيارة الناس ومشاركتهم أفراحهم ومناسباتهم، في حين كان زوجها يميل إلى العزلة وعدم الاتصال بالناس، ويؤثر الجلوس في البيت. فهي تريد زيارة صديقاتها وجاراتها وقريباتها، وزوجها يريدها في بيتها ترعاه وترعى أولادها.
ولهذا تنصح الفتاة بالحرص على معرفة طباع الشاب الذي يخطبها ـ بالطبع بعد عقد القران ـ فتحاول أن تكيف نفسها مع ميوله وطباعه تدريجيا،ً مثلما ينبغي أن يحاول هو مراعاة شعور زوجته.. وليعلم الاثنان أنه إذا توافقت الأركان الكبرى من: دين، وخُلق، ومستوى مادي، ووسامة، وأسرة كريمة، فلا ينبغي أن يصلا باختلاف الطباع إلى حدِّ النفور من بعضهما البعض وهدم صرح الزوجية.
لحظات قلقة:
وفي فترة الخطوبة المليئة بمشاعر الفرح والبهجة، قد تنتابكِ لحظات قلقة مشوبة برهبة المسؤولية والخوف من المجهول.. لحظات خاطفة من الحيرة والمخاوف سرعان ما تذوب عندما تتأملين ملياً قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}..
حاولي أن تعيشي هذه الكلمات الخالدات: «سكينة»، «مودة»، و«رحمة»؛ فإنها تُدخِل الأمن والاطمئنان إلى قلبكِ.. وقد تطول فترة الخطبة إلى سنة أو أكثر بسبب الظروف المادية أو الدراسية، وقد تظهر المشاكل والأقاويل بسبب عدم تمكّنهما من الانصهار التام.
وتذكّري دوماً أنه لا يمكن أن يكون الزوجان صورة طبق الأصل عن بعضهما، وليس المطلوب في الزواج أن يكون الزوجان متطابقين في كل الطبائع والعادات ـ على الأقل في بداية الأمر.
تعرَّفي على شخصيته:
_ تعرّفي على شخصية خطيبك من خلال اللقاءات الشرعية ـ بعد عقد القران ـ.
_ كوِّني فكرة عن طباعه وعاداته، من خلال حديثه ومظهره الخارجي. وحاولي إعطاءه صورة عن طباعك وأخلاقكِ بصراحة ودون تكلّف، فليس أسوأ من أن يرتدي الخطيبان أجمل الأقنعة في فترة الخطوبة، ثم بعد الزواج يخلع كل منهما قناعه ويبدو على حقيقته.
_ تحدَّثي في مواضيع يمكن من خلالها معرفة وجهة نظره فيها، كي تجدي الأسلوب المناسب للتكيف مع آرائه وأفكاره.
_ تذكَّري دوماً أنه لا بد من بعض التنازلات من طرفيكما معاً حتى تتقارب الطباع وتتمكّنا من السير في طريق حياة زوجية سعيدة.
_ اسأليه عن صلاته.. عن علاقته بربّه.. عن صومه وتواجده في المسـجد.. عن إخلاصـه في عمله.. عن صحبتـه هل هي صالحة أم غير ذلك؟..
_ حدِّثيه عن الاستعفاف والتسامي.. عرِّفيه أن أول غيرتك على عينيه أن ينظر لغيرك، وأعلميه أن غيرة الله أشد.
- ذكّريه بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنَّ الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتيَ المؤمن ما حرَّم عليه».
_ إنّ كل تطوّر في علاقتك مع الله إلى الأفضل يزيد من قرب خطيبك إلى ربك.
_ لا تظني أنه عندما يراك وقد تقاطر ماء الوضوء من وجهك، وأضاء نور الصلاة على جبينك، وتزيَّن جسدك بلباس التقوى المحتشم، لا تظني أن ذلك لن يعيد خطيبك لمراجعة نفسه والتوبة إلى الله.
_ لا تستعجلي خطيبكِ في إحضار كل شيء إذا كان دخله لا يساعده على ذلك، ولا تجعلي من طلباتك المتكررة سبباً في وقوع خلافات مبكرة معه في فترة الخطوبة أو أوائل شهور الزواج.
_ لا تقارني خطيبكِ بزوج أختك إذا كان أكثر مالا،ً فقد يكون خطيبكِ أقل مالا،ً ولكنّه أكثر ابتساماً ومودةً ومحبة.ً لا تنسي أبداً ما في خطيبك من صفات وميزات، فلعلَّها أفضل بكثير من المال!.
* * *
الفصل الثاني عشر - على أبواب الزواج
ألا تعلمين أنّ الزواج الذي جعله الله العلاقة الوحيدة الطيبة بين الفتى والفتاة هو اية من ايات الله في الكون.. يربط الله فيه بين رجل وامرأة رباطاً مقدّسا.ً. فإذا نَمَا في بيئة طيبة، حيث العفة، ووجود الأب، ومباركة الدنيا من حولكم، فإنه يستمر ويتوثق.. وإن نما في الظلام، حيث العلاقات التي نخجل أن نكشفها أمام الناس، فإنه سرعان ما ينهدم وينهار.!!
الحب قبل الزواج:
ونتساءل هل الحب الذي يسبق الزواج يكفل السعادة الزوجية، أو يوصل إلى الزواج أصلاً؟. فالشاب الذي يتعرّف إلى إحدى الفتيات ويُعجب بها وتُعجب به، يبذل وسعه لكي يظهر بالمظهر الذي يروق في عيني الآخر. فإذا ما أدرك الشاب مثلاً أن الفتاة تفضّل أن يكون فتى أحلامها هادأى الطبع، اتخذ لنفسه مظهر الشاب الرزين، وقد يكون في حقيقته على عكس ذلك.
فإذا انتهت فترة الحب أو الخطبة وتزوج الاثنان، بدأت أخلاق الزوج تظهر رويداً رويدا.ً. فيخلع ثوب الهدوء الزائف الذي كان يتلفح به قبل الزواج. ومن الشباب من يتظاهر بالكرم أو السخاء مثلاً ثم يتضح بعد الزواج أنه مقتّر بخيل.
وبالمثل تتظاهر الفتاة إبان فترة الحب أنها زاهدة في مظاهر الحياة الكاذبة، ثم هي بعد الزواج تجدها مسرفة تلهث وراء الملابس والزينات.!!
إنَّ المرأة التي تبيح لنفسها إنشاء علاقة حب بينها وبين الرجل قبل الزواج إنما تغامر بسمعتها وبشرفها، وبالتالي فهي تغامر بحياتها كلها.. والسبب في ذلك أن الرجل الذي تحبّه المرأة قبل الزواج، وتسمح لنفسها أن تقابله أو تراسله في غفلة من أهلها؛ لن يحترمها في قرارة نفسه مهما تظاهر أمامها بهذا الاحترام، ومهما أقسم لها أنه يفهم ويقدّر الظروف أو المبررات التي تدعوها إلى مغافلة أهلها لمقابلته.
فإذا ما انتهت مثل هذه العلاقة بالزواج، فإن الزوج قد يعيش طول حياته، وهو يخشى أن تغافله وتخدعه كما سبق لها أن غافلت أهلها من قبل. والحقيقة أن أغلب تلك العلاقات غير الشرعية بين الشباب والفتيات لا تنتهي إلى زواج، فالرجل لا يثق بالبنت التي تسلّمه نفسها وشرفها وعرضها، وهو يعلم في قرارة ذاته أنه يسهل عليها أن تسلِّم نفسها لرجل آخر.
أهلها يريدون تزويجها من ابن عمها وهي لا تحبه:
سألتْ فتاة في الخامسة عشرة من عمرها فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: أنّ أهلها يريدون تزويجها من ابن عمها وهي لا تحبه؟
فأجاب: مسألة الحب والعواطف، كثرت في هذه الأيام، نتيجة للتمثيليات والروايات والقصص والأفلام وغيرها.. فأصبحت البنات متعلقات بمثل هذه الأمور، وأنا أخشى أنّ كثيراً منهن يُخدع بهذه العواطف، ويضحك عليها، وخاصة إذا كانت بمثل هذه السن، سن المراهقة والبلوغ، والقلب خال، والكلام المعسول إذا صادف قلباً خالياً تمكّن فيه.
وهناك بعض الشبان يفعلون هذا مخادعين ـ مع الأسف ـ أو يتلذذون بهذا الأمر، ويتباهون في مجالسهم، بأنّ أحدهم استطاع أن يكلّم اليوم الفتاة الفلانية، وغداً يكلّم أخرى، وبعد غدٍ سيكلم ثالثة.. وهكذا. فنصيحتي إلى الفتيات المسلمات ألا ينخدعن بهذا الكلام، وأن يستمعن إلى نصائح الاباء وأولياء الأمور والأمهات، وألا يدخلن على حياة زوجية بمجرد العاطفة، ولكن لا بد من وزن الأمور كلها بميزان العقل أولاً، هذا من ناحية.
وأيضاً أقول لأولياء الأمور: إن عليهم أن ينظروا في رغبات بناتهم، فـلا ينبغي للأب أن يضـرب برغبـة ابنتـه عرض الحائـط، ويجعلها كمّـاً مهملا..ً ثم يزوّجها بمن يريد هو لا بمن تريد هي، فتدخل حياة زوجية وهي كارهة لها.. مرغمة عليها..
ذلك لأنّ الأب ليـس هو الذي سيعاشـر الـزوج، وإنما هـي التـي ستعاشـره، فلا بد أن تكون راضية.. وهـذا لا يقتضي ضرورة العلاقـة العاطفية بين الشاب والفتاة قبل الزواج، إنما على الأقل، أن تكون مستريحة إليه، راضية به.
ومن هنا، يأمر الإسلام بأن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، ويراها وتراه: «فإنّ ذلك أحرى أن يؤدم بينكما» كما جاء في الحديث.. فالشرع الإسلامي يريد أن تقوم الحياة الزوجية على التراضي من الأطراف المعنية في الموضوع كله، الفتاة تكون راضية، وعلى الأقل تكون لها الحرية في إبداء رغبتها ورأيها بصراحة، أو إذا استحيت تبديه بما يدل على رضاها، بأن تصمت مثلاً: «البكر تُستأذَن وإذنها صماتها، والأيم أحقّ بنفسها».
أي التي تزوجت مرة قبل ذلك، لا بد أن تقول بصراحة: أنا راضية وموافقة.أما البكر فإذا استؤذنت، فقد تستحيي، فتصمت، أو تبتسم، وهذا يكفي. ولكن إذا قالت: لا. أو بكت، فلا ينبغي أن تكره. والنبي (صلى الله عليه وسلم) ردّ زواج امرأة زُوِّجت بغير رضاها.
وجاء في بعض الأحاديث أنَّ فتاة أراد أبوها أن يزوّجها وهي كارهة. فاشتكت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأرادها أن ترضي أباها مرة ومرتين وثلاثاً، فلما رأى إصرارها قال: افعلي ما شئت، فقالت: أجزت ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن يعلم الآباء أنه ليس لهم من أمر بناتهم شيء.
فالذي أنبّه إليه في هذا الصدد ـ كما يقول الدكتور القرضاوي ـ بأنه لا بد للفتاة أن ترضى، ولوليّ أمرها أن يرضى، وهذا ما اشترطه كثير من الفقهاء، فقالوا بوجوب موافقة ولي الأمر حتى يتم النكاح. وجاء في الحديث: «لا نكاح إلا بوليّ وشاهدي عدل». و«أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل».
وكذلك ينبغي رضا الأم، كما جاء في الحديث: «امّروا النساء في بناتهن»؛ لأن الأم تعرف رغبة بنتها، وبهذا تدخل الفتاة حياتها الزوجية وهي راضية، وأبوها راض، وأمها راضية، وأهل زوجها راضون.. فلا تكون بعد ذلك حياة منغصة ومكدرة.
فالأوْلى أن يتم الأمر على هذه الصورة، التي يريدها الشرع الإسلامي الشريف. والله الموفق.
العلاقة بين الخاطب وخطيبته:
ما حدود العلاقة بين الخاطب وخطيبته.. ما المسموح وما المحرَّم شرعاً؟ .. الخِطبة بين أسرتين، على مشروع زواج، وربّما تُوِّج هذا الاتِّفاق بقراءة سورة الفاتحة.. هذه الخطبة لا تحمل في طيّها أي دلالة على حكم شرعي ما، ولا تتضمن أي مسوّغ لأي نوع من أنواع المتعة التي قد تتمّ بين الزوجين..
بالإضافة إلى أن قراءة الفاتحة التي جرى العرف بها بين الناس، بدعة لا تستند إلى دليل في الشرع، فإنها بحكم البداهة، لا تبيح حراماً، ولا تحلّ محلّ عقد الزواج.. ومن ثم، فإن العلاقة بين الخطيبين، في فترة الخطبة، هي نفسها العلاقة التي تكون بين أيّ شاب وفتاة لا تربطهما ببعض أية صلة زوجية أو قرابة رحم، أي فلا يجوز أن يلتقيا على أي من أنواع المتعة الزوجية، بل لا يجوز أن تضمّهما خلوة شرعيّة.
هذا من حيث الحكم الشرعي.. أما من حيث الاثار والنتائج الاجتماعية والقانونية، فلا شك أن بين الحكم الشرعي وهذه الاثار كامل الانسجام، ولولا الاثار الاجتماعية الضارّة التي قد تنجم عن التهاون في هذا الأمر، لما سجّل الشارع جلَّ جلاله أي حظر ولا تحذير من ذلك.
إنَّ الاتفاق الذي يتمّ بين الأسرتين على مشروع الزواج، لا يشكِّل إلا بنياناً هزيلاً، بل لا يشكّل أكثر من تصوُّر لمشروع بناء.. وهذا المشروع مهما تمَّ الاتفاق الكلامي عليه، فإنه معرَّض في كل وقت للاضطراب ثم الفسخ والانمحاق، لعوامل شتى قد تفاجأ بها إحدى الأسرتين أو أحد الطرفين.
إذن، فإقدام الشاب على التمتع بخطيبته في هذه الفترة، واستسلام الخطيبة لذلك، مغامرة خطيرة غير مأمونة العواقب، والضرر، كل الضرر، إنما يتوجّه إلى مصلحة الفتاة وسمعتها.
ماذا يحدث لو أنّ الشاب أخذ حظّه، ولو بشكل جزئي، من خطيبته، واستمرّا على ذلك حيناً من الزمن، ثم طرأ أمر لم يكن في الحسبان، استوجب فسخ الخطوبة وطيّ مشروع الزواج كله؟..!
إنَّ الشاب قد لا ينوبه من ذلك شيء، ولكن الفتاة تعود من هذه الرحلة الخيالية وقد فقدت الكثير من سمعتها الطيبة، وتفتّحت إليها أبواب من الظنون السيئة بها والتصوّرات التي قد تكون ظالمة لها، فضلاً عن أنها قد تكون خسرت في هذه الرحلة الوهمية أعزّ ما تملكه في ساعة لم تكن تملك، لا هي ولا خطيبها، أية إرادة صابرة أو قدرة على الثبات والاعتصام.
وواضح أن الفتاة لا تملك في هذه الحالة أي قانون تطالب بموجبه بأي تعويض عما قد أخلَّ بسمعتها أو عقَّد سبيل التطلّع إلى مستقبل جديد لها. فلن تعود بمهر ولا بجزء من المهر، ولن تملك المطالبة بأيّ تعويض.. لأنّ المغامرة تمّت شاردة من وراء سور الزواج والعقد الشرعي.
غير أنّ كلاًّ من الخطيبين إن كان يشعر أن ابتعاده عن صاحبه أمرٌ شاقّ لا صبر عليه؛ فمن السهولة بمكان أن تتوَّج الخطبةُ العرفية بعقد شرعي يتمّ على أصوله وإن حالت الظروف في تلك الفترة دون تسجيله في سجلات القضاء.
وعندئذ ينعقد الرباط الزوجي بينهما، ويحلّ لهما كل أنواع المتعة الزوجية، فإن تعرّض العقد بعد ذلك لأي إلغاء أو بطلان، فإن في صورة العقد الشرعي الذي تمَّ مع توقيع الشاهدين، ما يضمن لكل ذي حقّ حقَّه.
ألا يوجد شيء جيد في زوجك؟:
لا تقولي ليس فيه أشياء جيدة، فليس هناك إنسان خالٍ تماماً من أشياء حسنة.. لماذا لا تسجلين تلك الأشياء الجيدة في زوجك؟ .. ولماذا لا تبحثين فيه عن شيء جيد تغافلتِ عنه؟ .. اضبطيه عندما يعمل عملاً جيدا،ً وسجِّلي ذلك له.. حاولي تناسي مساوئه.
اتبعي إذاً الخطوات التالية:
١ـ سجّلي ما ترينه مناسباً جيداً في زوجك.. وهذه مرحلة القبول.
٢.ـ ابحثي فيه عن شيء جيد غير تلك القائمة، وهذه مرحلة «التقبل».
٣ـ امدحيه على هذا الشيء الجيد، وهذه هي مرحلة «التقدير».
وعندما تقرئين أن فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وسلم) طحنت بالرحى حتى ورمت يدها، أو حملت الماء في القربة حتى كلَّ كتفها. تشعرين بأن سيدة نساء الجنة لم تكن أنثى تخدم ذكرا.. بل كانت أماً مؤمنةً تقيم بيتاً يربو فيه اليقين والحب..فهي تقدّم لرجلها وولدها نفسَها وما تملك..
لم يكن هناك ربُّ بيت يُصدر أوامر وامرأة ذليلة تنفِّذ! بل كان هناك شريكان يقتسمان السرَّاء والضرَّاء.. نجاحاً لأمرين متساويين: حياة الدين الذي امنا به.. وحياتهما الخاصة.
ولا ننسى كلام أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام: «كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله، وكنت أسوسُ فرسَه، وأعلفه، وأحْتَشُّ له، وأخرزُ الدلو، وأسقي الماء، وأنقل النوى على رأسي من أرض له على ثلثي فرسخ!!».
ورغم أن جمهور الفقهاء يرى أنَّ المرأة لا تكلف بخدمة الرجل، إلا أن الأمر هنا ما تقضي به مصلحة الشركة القائمة بين مؤمن ومؤمنة.. الأمر هنا محكوم بعاطفة الإيثار.. لا بشعور الأثرة.
يسِّري له برّ والديه:
يسِّري لزوجك برَّ والديه ـ وخاصة والدته ـ، وصلة رحمه.. لأن رضا الله ـ عزَّ وجلّ ـ عنك في رضا زوجك عنك.. ورضا الله عن زوجك في رضا والدته عنه، فهل ترْضَين هلاكه وسخط الله عليك بإبعاده عن والدته وعدم حثِّه على برِّها وصلة رحمها..
فعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: سألتُ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) أيُّ الناس أعظم حقّاً على المرأة؟ قال: «زوجها»، قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: «أمه». فاستحضري في نفسك أية عقوبة ستجنيها على نفسك من الله تعالى إن لم تحققي ذلك.
ليكن خوفك من زوجك نابعاً من خوفك من الله، فتطيعيه في السرّ والعلن، في حضوره وعند غيابه كما أمركِ الله تعالى.
المرأة الذكية:
المرأة الذكية فعلاً ليست تلك التي تبحث في أشياء زوجها، أو تنظر في عينيه، أو تراقب انزلاق لسانه.. ولكنها هي التي تشعر بحاجات زوجها، وتكون كما يحب ويشتهي، وهذا من حُسن التبعّل الذي حثَّنا عليه الرسول عليه الصلاة والسلام..
ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «وأعْلمي من خلفكِ من النساء: أنَّ حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتّباعها موافقته؛ تعدل ذلك كله».
فانظري إلى زوجكِ ماذا يحب ويشتهي، فأكثر الرجال لا يحبون المرأة لأنوثتها فقط.. ولكنهم يحبونها لما هي عليه من نسوية «أي من شخصية المرأة».. فاعملي على تثقيف نفسك.. وشاركي زوجك هواياته وطموحاته.
ولا تنسي أن تطالبي بحقوقك أيضاً متى أدّيتِ واجباتك،ِ وأهم ما تعتادان عليه هو طاعة الله سبحانه.. والابتعاد عن محارم الله من رؤية الفضائيات والمواقع الإباحية. وما لا يرضي الله.
كيف تسعدين زوجك:
_ أنتِ مسؤولة عن إسعاد زوجك وأولادك. وتذكّري أن رضاه عنك يدخلك الجنة. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أيُّما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة».
_ لا تحمِّلي زوجك ما يفوق طاقته. فلا تحشدي رغباتك ولا تكدّسي طلباتك مرة واحدة، حتى لا يرهق زوجك فيهرب منك. غير آسف ولا نادم.
_ لا تكلِّفيه أن يتحلَّى مرة واحدة بكل الصفات والفضائل والمكارم التي تشتهين أن تتجمع فيه، فمن النادر جداً أن تجتمع كل الصفات في شخص واحد!.
_ حافظـي على جمالـك وأناقتـك، ونضـرة صحتـك، ورشاقـة حركاتك،ِ وحلاوة حديثك ولا تتحدّثي بصوت أجش، ولا ترددي ألفاظاً سوقية هابطة. جاء في وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للمرأة الصالحة أنه قال: ...« وإذا نظر إليها (أي: زوجته) سرَّته».
_ حافظي على تدينكِ واقعاً ومظهرا.ً التزمي بالحجاب الإسلامي، ولا تتساهلي في أن يرى خادم أو سائق أو غيره شيئاً من جسدك ولو لمحة عابـرة، فإنّ زوجك يغار عليـك ويحرص على ألا يـراكِ إلا من تحلُّ لـه رؤيتك.
_ تجمَّلي لزوجك قبل أن يأتي إلى البيت في المساء، فيراك في أحسن حال. البسي ثوباً نظيفاً لائقاً، واستعملي من العطور ما يحب.
_ لا تنشغلي بأعمال البيت عن زوجك، فتظهر كل أعمال الطهي والتنظيف والترتيب عندما يأتي إلى بيته متعباً مرهقاً.
_ لا تتحسَّري على العاطفة الملتهبة ومشاعر الحب الفياضة وأحلام اليقظة التي كنت تعيشين فيها قبل الزواج، فهي تهدأ بعد الزواج وتتحوَّل إلى عاطفة هادئة متَّزنة.
_ إذا كان الرجل هو صاحب الكلمة الأولى في العلاقة الزوجية، فأنتِ المسؤولة عن النجاح والتوافق والانسجام في الزواج. ومهما بلغتِ من علم وثقافة، ومنصب وسلطان، ارضخي لزوجك والجئي إليه، ولا تصطدمي معه في الرأي.
_ جرّبي الكلام الحلو المفيد، والابتسام المشرق المضيء، والفكاهة المنعشة، والبشاشة الممتعة، وابتعدي عن الحزن والغم، والهذر واللغو، والعبوس والتجهم، والكابة والاكتئاب.
_ أظهري لزوجك مهارتك وبراعتكِ وتفوّقكِ على سائر النساء، وسيزداد تمسّك زوجك بك، واعتزازه بصفاتك الشخصية، حتى تتقني كل شيء تعملينه.
_ لا تضيعي وقتكِ في ثرثرات هاتفية مع صاحباتك، أو في قراءة مجلات تافهة تتحدّث عن أخبار الممثلين والممثلات، والمغنين والمغنيات، وفي قراءة قصص الحب والعلاقات الغرامية والأوهام، وضياع الوقت في قراءة تلك المجلات التافهة الهابطة.
- اختاري من المجلات ما يفيد ذهنك وعقلك وقلبك، وما يزيدك ثقافة ويُعينك على حلّ مشاكل البيت والأولاد.
_ اختاري من برامج التلفاز ما يفيدك ويزيدك ثقافة وخبرة، ولا تضيّعي وقتك في المسلسلات الهابطة والأفلام المائعة.
_ تخيّري الأوقات المناسبة لعرض مشاكل الأسرة ومناقشة حلّها.
_ لا تسرعي بالشكوى إلى زوجك بمجرّد دخوله البيت، من أمور تافهة مثل صراخ الأولاد. ولا تطلبي من زوجك أن يلعب دور الشرطي للأولاد، يقبض على المتهم ويحاكمه أو يضربه.
_ لا تنتقدي سلوك زوجك أمام أطفاله، ولا تستعملي ألفاظاً غير لائقة يرددها الأبناء من بعدها مثل: «جاء البعبع»، أو «وصل الهمّ».
_ لا تنقلي مشاكل بيتك إلى أهلك، فتوغري صدور أهلك ضد زوجك، بل حلّي تلك المشاكل بالتعاون مع زوجك.
_ لا تستعلي على زوجك إذا ما كنتِ أغنى منه أو أعلى حسباً ونسباً أو أكثر ثقافة وعلماً.
_ لا تتمنعي على زوجك في المعاشرة الزوجية. فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح».
_ تذكَّري أنَّ أول حقـوق الزوج على زوجتـه طاعتها له، فقد قـال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو كنتُ امراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها».
_ لا تنسي فضل زوجك عليك، فقد جعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تناسي فضل الزوج سبباً لدخول المرأة النار، وسمَّاه كفراً.
_ حافظي على أموال زوجك، ولا تنفقي شيئاً من ماله إلا بإذنه وبعد أن تستوثقي من رضاه.
_ لا تضجري من عمل زوجك، فإنَّ أسوأ ما تصنعه بعض النساء هو إعلان الضجر من عمل الزوج. والإعلان يكون عادة في شكل خلق النكد، والدأب على الشكوى، واتهام الزوج بإهمالها.. واللجوء إلى بيت أمها غضبى.
_ تذكري أن البيت المملوء بالحب والسلام، والاحترام والتقدير المتبادل، مع طعام مكوّن من كسرة خبز وماء، خير من بيت مليء بالذبائح واللحوم وأشهى الطعام، وهو مليء بالنكد والخصام.!!
* * *
الفصل الثالث عشر - عمل المرأة
المرأة إنسان، كالرجل، هي منه وهو منها -كما قال تعالى في القرآن: والإنسان كائن حي من طبيعته أن يفكّر ويعمل، وإلا لم يكن إنساناً. والله تعالى إنما خلق الناس ليعملوا، بل ما خلقهم إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملاً..
فالمرأة مكلَّفة كالرجل بالعمل، وبالعمل الأحسن على وجه الخصوص، وهي مثابة عليه كالرجل من الله عزَّ وجل، وهي مثابة على عملها الحسن في الاخرة، ومكافأة عليه في الدنيا أيضاً..
والمرأة أيضاً ـ كما يُقال دائماً ـ نصف المجتمع الإنساني، ولا يتصور من الإسلام أن يعطّل نصف مجتمعه، ويحكم عليه بالجمود أو الشلل، فيأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويستهلك من طيباتها، ولا ينتج لها شيئاً.
على أن عمل المرأة الأول والأعظم الذي لا ينازعها فيه منازع، ولا ينافسها فيه منافس، هو تربية الأجيال، الذي هيّأها الله له بدنيّا،ً ونفسيّاً، ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان؛ فإن أحداً لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير، الذي عليه يتوقف مستقبل الأمة، وبه تتكوّن أعظم ثرواتها، وهي الثروة البشرية.
ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعبا طيب الأعراق
ومثل ذلك عملها في رعاية بيتها؛ وإسعاد زوجها، وتكوين أسرة سعيدة، قائمة على السكون والمودة والرحمة، وقد ورد: إن حسن تبعّل المرأة لزوجها يعد جهاداً في سبيل الله.
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: «وهذا لا يعني أنَّ عمل المرأة خارج بيتها محرَّم شرعاً، فليس لأحد أن يحرّم بغير نصّ شرعي صحيح الثبوت، صريح الدلالة، والأصل في الأشياء والتصرفات العادية الإباحة كما هو معلوم. وعلى هذا الأساس نقول: إنَّ عمل المرأة في ذاته جائز، وقد يكون مطلوباً طلب استحباب، أو طلب وجوب، إذا احتاجت إليه: كأن تكون أرملة أو مطلَّقة ولا مورد لها ولا عائل، وهي قادرة على نوع من الكسب يكفيها ذلَّ السؤال أو المنة.
وقد تكون الأسرة هي التي تحتاج إلى عملها كأن تعاون زوجها، أو تربي أولادها أو إخوتها الصغار، أو تساعد أباها في شيخوخته، كما في قصة ابنتي الشيخ الكبير شعيب عليه السلام التي ذكرها القرآن الكريم في سورة القصص، وكانتا تقومان على غنم أبيهما: {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير}.
وكما ورد أنَّ أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين كانت تساعد زوجها الزبير بن العوام في سياسة فرسه، ودق النوى لناضحه، حتى إنها لتحمله على رأسها من حائط له ـ أي: بستان ـ على مسافة من المدينة.
وقد يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عمل المرأة كما في تطبيب النساء وتمريضهن، وتعليم البنات، ونحو ذلك من كلّ ما يختص بالمرأة. فالأوْلى أن تتعامل المرأة مع امرأة مثلها، لا مع رجل.. وقبول الرجل في بعض الأحوال يكون من باب الضرورة التي ينبغي أن تقدر بقدرها، ولا تصبح قاعدة ثابتة.
وإذا أجزنا عمل المرأة، فالواجب أن يكون مقيّداً بعدة شروط:
١.ـ أن يكـون العمل في ذاتـه مشـروعا،ً بمعنى: ألا يكون عملها حرامـاً في نفسـه أو مفضيـاً إلى ارتكاب حرام، كالتي تعمل خادماً لرجل عزب، أو سـكرتيرة خاصـة لمدير تقتضي وظيفتها أن يخلـو بها وتخلو به، أو راقصة تثير الشهوات والغرائز الدنيا، أو عاملة في (بار) تقدم الخمر التي لعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ساقيها وحاملها وبائعها، أو مضيفة في طائرة يوجب عليها عملها تقديم المسكرات، والسفر البعيد بغير محرَم، بما يلزمه من المبيت وحدها في بلاد الغربة… أو غير ذلك من الأعمال التي حرمها الإسلام على النساء خاصة أو على الرجال والنساء معاً.
٢.أن تلتزم المرأة المسلمة إذا خرجت من بيتها في الزي والمشي والكلام والحركة: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}.
٣ـ ألا يكون عملها على حساب واجبات أخرى لا يجوز لها إهمالها، كواجبها نحو زوجها وأولادها، وهو واجبها الأول وعملها الأساس.
الضوابط الشرعية لعمل المرأة:
يقول الدكتور محمد بن لطفي الصباغ: «للمرأة الحق في أن تعمل، كما يدل ذلك قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْن}. ولكن عملها هذا مشروط بأن يكون ضمن حدود الشريعة، وذلك بألا يكون فيه اختلاط مستهتر، ولا خلوة محرَّمة، وألا يعرّضها هذا العمل إلى الفتنة، وألا تكون طبيعة عملها مخاطبة الرجال، وإلانة القول لهم حتى تتألفهم لصالح العمل الذي تقوم به، وأن تكون هي ملتزمة بالحجاب والحشمة.
وهناك مجالات ممتازة لعمل المرأة كالتعليم والتوليد والطب للنساء.. فكم هو جميل أن نجد طبيبات متخصصات في الأمراض كلها، ولا تعالج الطبيبة إلا النساء.. وعملها في مثل هذه المجالات لا يقدّم لها المنفعة الخاصة فحسب، بل يقدِّم للأمة كلها النفع الكبير..
إذن فالعمل للمرأة بعيداً عن الرجال أمر لا يمانع فيه الشرع.. ولكن ينبغي أن يبقى في حدود الضرورة والمحافظة على تنفيذ أحكام الله.
إن عمل المرأة في خارج البيت يُحدث اختلالاً في الحياة الزوجية دون شك، وإن الوضع الطبيعي للمرأة أن يكون عملها في البيت، وعمل البيت عبء غير يسير، وإنه ليحتاج إلى تفرغ تام، لا سيما إن كان هناك أطفال».
ليكن خروجكِ للعمل فيما هو ضروري للإسلام:
لا تبحثي عن العمل لمجرَّد أن تعملي أو أن تكوني طبيبة أو مدرِّسة، فقط ليقال: إن فلانة طبيبة أو غير ذلك.. ليكن عملك في المجال الذي فيه نقص وحاجة للأخوات..اجتهدي في اختيار مهنة تكون المسلمات بحاجة إليها، فإنك بذلك تجعلين خروجك وعملك كله جهاداً في سبيل الله.
يقول تقرير منظمة الصحة العالمية ـ شرق البحر المتوسط ـ الأخير: «وفي جميع الأحوال لا يليق بالمرأة أن تعمل في المجالات التي لا تلائم طبيعتها، وأن تدخل في أي ضرب من ضروب الصناعة والحرف المضنية، فالمجالات التي تُحسنها المرأة وتتناسب معها كثيرة ومتعددة، كميدان التعليم والطب والتمريض، والرعاية الاجتماعية، والكتابة والنشر، وبعض الوظائف غير المرهقة.
أما أن تعمل المرأة كأعمال الرجال، كأن تكون شرطية وميكانيكية، وعاملة في المصانع، ومنظِّفة في الشـوارع، وسائقة للعربات وأدوات النقل وما شابه ذلك، فلا يليق بها، ولا يجوز لها أن تزاوله».
عمل المرأة برأي إنكليزية:
تقول الكاتبة الإنكليزية (لادي كوك) في مجلة (Echo): «إن الاختلاط يألفـه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بمـا يخالـف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنى. وهنا البلاء العظيم على المرأة».
ثم تردف قائلة: «أما ان لنا أن نبحث عما يخفف ـ إن لم نقل يزيل ـ هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية؟ أما ان لنا أن نتخذ طرقاً تمنع قتل ألوف الالاف من الأطفال الذين لا ذنب لهم، بل الذنب ذنب الرجل الذي أغرق المرأة المجبولة على رقة القلب.
يا أيها الوالدان لا يغرَّنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل ونحوها ومصيرهن إلى ما ذكرنا.. علّموهنَّ الابتعاد عن الرجال، أخبروهنَّ بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد.
لقد دلّنا الإحصاء على أن البلاء الناتج من حمل الزنى يعظم ويتفاقم حيث يكثر اختلاط الرجال بالنساء، ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنى من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت، وكثير من السيدات المعرَّضات للأخطار.
ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط رأينا أضعاف ما نرى الان. لقد أدَّت بنا هذه الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان.. وهذا غاية الهبوط بالمدنية».
* * *
الفصل الرابع عشر - في السوق
لماذا الذهاب للسوق؟
من الأخوات من لا همَّ لها إلا الشراء.. ولا مكان لديها إلا الأسواق.. ولا تفكير عندها سوى ماذا اشترت؟.. وبكم؟.. وأين..؟ .. كلما سمعتْ بمحل جديد هرعتْ إليه.. وما علمتْ بتخفيض إلا سارعت نحوه!!.
منهن من تذهب إلى السوق لتشتري الحاجات الضرورية. ومنهن من تسعى خلف الإعلانات: تخفيضات.. تنزيلات.. تصفية!! ومنهن من يذهبن لقتل الوقت والتسلية!!.. وأخريات للقاء صديقاتهن أو قريباتهن في الأسواق.
وبعض النساء تتخذ الخروج إلى السوق نزهة يومية. وثمة فئة أخرى تذهب لحب الاستطلاع ومتابعة (الموضة) والبحث عن كل جديد. ومنهن متخصصات في الأسواق: متى فتح هذا المحل؟ ومتى التخفيضات..؟ وهكذا..
الزمي الآداب الإسلامية:
بالطبع هناك من لبست الثياب الشرعية وذهبت مع محرَمها.. وهناك من أسقطت الحجاب وتجملت للأسواق وللرجال الأجانب!!! وهناك.. وهناك!.. تذكري قبل الذهاب إلى السوق قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أحب البلاد إلى الله مساجدها.. وأبغض البلاد إلى الله أسواقها».
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا تكن أول من يدخل السوق.. ولا اخر من يخرج منها.. فيها باضَ الشيطان وفرَّخ». إذا خرجتِ إلى السوق فإياكِ والتطيب والزينة وارتداء الملابس الجميلة التي تلفت النظر، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا استعطرت المرأة فخرجت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا»، أي: زانية.
احذري التباهي بما ليس عندك للتعالي في أعين الناس. فعن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة قالت: يا رسول الله! أقول: إن زوجي أعطاني ما لم يعطني؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «المتشبع بما لم يعط كلابسِ ثوبي زور».
احذري ثوب الشهرة، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة».. يقول ابن الأثير: «المراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والكبر».
دعاء السوق:
اذكري الله عزَّ وجلَّ وأنت تدخلين السوق، ولا تنسي دعاء الدخول إلى السوق فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «من دخل السوق فقال: لا إلـه إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة».
يقول الأسـتاذ عبد الملك القاسـم في كتـابه الممتع: (الهاربـات إلى الأسواق): «تحدثي مع البـائع بإيجاز وبمظهـر الجد.. مبتعدة عـن التـرقيق والغنج.. وتجنبي كثرة النقاش مع البائعين.. لا تدخلي محلاًّ خالياً من صاحبه.. ولا تدخلي محلاً أنت الزبونة الوحيدة فيه.
احذري أن يَمَسَّك رجل إذا دخلت السوق. واحذري قياس الملابس على صدرك حتى وإن كان فوق العباءة، واحذري لبس الحذاء وقياسه أمام الرجل.. لا تكثري من طلب إنزال البضائع وعرضها.. ولا تجعلي يـدك أو إصبعك ألعوبة في يد البائع بأن يقيس لك أسورة أو خاتما..
تذكري أن زوجك أو أبوك يثق فيك.. ولكنه لا يثق في (الذئاب) التي تجول في الأسواق!!.. تذكري أن خروج المرأة وحدها مُغْرٍ للذئاب الجامحة بالتعرض لها.. ومن العجب أن يترك رجل زوجته أو ابنته أو أخته تذهب إلى السوق وغيره وهو جالس في بيته أو مع أصحابه.!!
يقول الشاعر:
إنّ الرجال الناظرين الى النسا … مثل الكلاب تطوف باللحمان
إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان..
لا إسراف ولا تبذير:
فكِّري في دخل زوجك أو أبيك ولا تسرفي ولا تبذري؛ فبعض النساء تنفق الالاف في السوق دون حساب!!
فالمرأة إحدى فئتين من الناس:
الأولى: أنعم الله عليها ورأت أن ذلـك مـن إظهار نعمـة الله.. وما عرفت أن ذلك من الإسراف والتبذير.. وما رعت حق الله في مالها أو مال زوجها.
والثانية: امرأة تحب المظاهر حتى وإن أرهقت زوجها بالديون.. وأثقلت عليه بكثرة الطلبات.. ولكن أهم شيء في حياتها المظاهر.. ولو كانت خاوية الجيب واليدين..!!
فهلا فكَّرتِ في الاقتصاد فيما تشترين.. وتتصدقين بما كنت تنوين شراءه.. رفقاً بنفسك وزوجك، فليس من الضروري أن يكون في البيت فرع للسوق. فلا تشتري إلا شيئاً أنت بحاجة إليه… قال قراد بن نوح: رأى شعبة بن الحجاج عليَّ قميصا، فقال: بكم أخذتَ هذا؟ قلت: بثمانية دراهم. فقال: ألا اشتريتَ قميصاً بأربعة دراهم وتصدقت بأربعة!!.
أخبري زوجك:
إذا كنتِ تعلمين أن زوجكِ لا يرضى عن خروجك إلى السوق بدون إذنه، فإنك إن فعلتِ ذلك دون علمه، ودون إذنه، متخذة كل الاحتياطات التي تجعله لا يعلم بذلك، فأنت اثمة في حقّه، بل إنّ الملائكة تلعنكِ في كل خطوة من خطواتك تلك..
وذلك لأن خوفك في تلك الحالة كان نابعاً من خوفك من شخصه.. من خوفك ألا يؤذيك إذا علم بذلك، وتكونين قد ارتكبتِ معصية في حقّ الله وفي حق زوجك.. لأن الله أمرك بطاعته في حضوره وغيابه.. فإن عصيتِهِ في غيابه لعنتْكِ الملائكة وحلَّ عليك غضب الله وسخطه.
* * *
الفصل الخامس عشر - المرأة: عندنا وعندهم
لعلَّكِ تسمعين في كل يوم وسائل الإعلام الغربية تشير إلى أن العنف ضد المرأة ظاهرة شرقية.. أو بمعنى أدق مصدرها الإسلام.. وللأسف الشديد نجد بعض الذين يصدّقون تلك الادعاءات الباطلة، وينبهرون بأكذوبة الحرية وصون الحقوق في المجتمعات الغربية.
فعندما يتحدثون عن العلوم الطبيعية والإنسانية لا يُذكر اسم المسلمين الأوائل الذين اكتشفوها ـ إلا فيما ندر ـ بل ينسبون ذلك كله للحضارة الأوروبية الحديثة.. وحينما يتحدَّثون عن انتهاكات حقوق الإنسان والتطهير العرقي الديني.. لا يذكرون ما جرى في الأندلس من إبادات جماعية لمئات الألوف من المسلمين.. ولا يتحدثون عن محاكم التفتيش.!!
بل يتناسون ما جرى قبل سنوات في البوسنة والهرسك!! من قتل جماعي واغتصاب للنساء وانتهاك للحرمات!.
ظاهرة العنف ضد المرأة:
ويقصد به كل ما تتعرَّض له المرأة من ضرب وإيذاء أو تعذيب أو معاملة قاسية أو إكراه على عمل شيء لا ترغب فيه.. ويشمل العنف الجسدي والنفسي والاغتصاب، والإساءة، والتحرّش، والترهيب في العمل، والإجبار على البغاء.. على أيدي أفراد أو جماعات.. فكل هذا يدخل في إطار العنف ضد المرأة.
وإنَّ ما تعرَّضت له النساء في البوسنة.. وفي سجون العراق تحت ظلال الاحتلال من اغتصاب وتعذيب وإهانة لهو خير دليل على امتهان كرامة المرأة في ظل الحماية الغربية بكل قوتها وجبروتها.. وأمام ناظريها إن لم يكن بأيديها.!!
ولا ننسى ما يجري في عدد من الدول الإسلامية من حالات التعقيم القسري.. وإجبار النساء على تناول موانع الحمل.. ومن أخطر الممارسات في هذا الصدد التجارة بالنساء والفتيات، في دول العالم المتحضر.. حيث أصبحت هذه الممارسات من أكثر أنواع الإجرام انتشاراً.
فوفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة يتم الاتجار كل سنة بما يزيد على سبعمئة ألف امرأة.. واستغلالهن بصورة بشعة.. واستناداً إلى بيانات الأمم المتحدة فإن ثلث نساء العالم يتعرَّضن إلى العنف.. ومن آثار العنف على النساء: الخوف والآلام في أسفل البطن والصداع والإسهال وضيق النفس.. وقد تستمر بعض الآثار الجسدية أو النفسية مدى الحياة.. وقد يلجأ البعض منهن إلى الكحول والمخدرات.
وتقول التقارير الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية: إنّ هناك امرأة تتعرَّض للضرب كل خمس عشرة ثانية.. وإنَّ سبعمائة ألف امرأة تتعرَّض للاغتصاب سنوياً.. ويقدّر عدد الزوجات اللاتي يتعرَّضن للعنف الجنسي في أمريكة بـ(٨١) مليون امرأة سنويا!! وفي فرنسة يقدر الباحثون أنَّ (٩٥%) من ضحايـا العنـف هن مـن النساء!!. وفي كندة يمارس ( ٦%) من الرجال العنف ضد زوجاتهم..
أما في الهند فإن (٨) نساء من كل عشرة هن ضحايا للعنف، وتتعرض (٤٠%) من نساء الهند للضرب والصفع أو الاعتداء الجنسي.!! .. وفي البيرو نجد (٧٠%) من الجرائم المسجلة لدى الشرطة هي ضحايا نساء تعرَّضن للضرب من أزواجهن!!.
وما تعانيه المرأة في الدول الغربية من امتهان لكرامتها تحت مسميات أخرى؛ مثل: التهديد أو الإغراء المالي، لا يقل بشاعةً عن صور الاستغلال السيِّأى لأنوثة المرأة في مسابقات الجمال، ونجوم الفن وغيرها. كما أن القنوات الفضائية الإباحية تشتري الفتيات بملايين الدولارات لنشر الرذيلة في المجتمعات، وتشجيع الفتيات على البغاء.
في الخامس من آذار مارس عام (٢٠٠٤م) صدر تقرير طويل عن منظمة العفو الدولية بشأن (العنف ضد المرأة). ورغم أن الحقائق التالية التي ذكرها التقرير حول قضية العنف ضد المرأة وحجمها في جميع أنحاء العالم، إلا أن هذه الأرقام لا تبين المدى الحقيقي لهذا الانتهاك لحقوق الإنسان.
فالعديد من النساء لا يبلِّغنَ عنه ـ إذ إنهن يشعرن بالخجل.. أو يخشين التشكيك في أقوالهن.. أو التعرّض لمزيد من العنف.. فطبقاً لإحصائيات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الأخرى فإن (١٧%) من النساء في العالم أجمع يتعرَّضن للضرب أو للعنف خلال حياتهن، وأن (١٠%) من النساء سيقعن ضحايا الاغتصاب في حياتهن.
وأن هناك ما لا يقل عن (٦٠) مليون فتاة كان من المتوقع أن يكنَّ أحياء..« لكنّهن لسن موجودات» في شعوب مختلفة نتيجة الإجهاض الانتقائي القائم على الجنس، أو عدم كفاية الرعاية لأنهن يعتبرن أقل أهمية من الفتيان!. ألم يحرّم الإسلام الإجهاض ـ ما لم يكن هناك دواعٍ طبية خاصة له ـ؟! ألم يحرِّم وأد البنات ودفن تلك العادات الجاهلية؟!
العنف العائلي:
ويتخذ العنف في محيط الأسرة أشكالاً مختلفة، بدءاً من العدوان الجسدي مثل: الصفع واللطم والركل والضرب، وانتهاءً بالأذى النفسي مثل: التخويف والتحقير والإذلال وغيرها.
ويقول تقرير منظمة العفو الدولية: إن مليار امرأة تتعرَّض خلال حياتها للضرب أو الإكراه لممارسة الجنس أو الأذى على نحو أو آخر.. ففي الولايات المتحدة، تتعرض امرأة للضرب عادة على يد زوجها (شريكها) كل ( ١٥) ثانية -(دراسة الأمم المتحدة حول نساء العالم).
وفي كندة، تصل تكلفة العنف ضد المرأة إلى (٦١) مليار دولار في السنة، بما في ذلك الرعاية الطبية والخسارة الإنتاجية.. وفي نيوزلندة، ذكرت ( ٢٠%) من النساء أنهنّ ضُربن أو تعرَّضن للأذى الجسدي على يد شريك ذكر.. وفي روسية الاتحادية، تتعرض (٣٦٠٠٠) امرأة للضرب يومياً على أيدي أزواجهن أو شركائهن وفقاً لمنظمات غير حكومية روسية.
وفي إسبانية قُتلت امرأة واحدة كل خمسة أيام على يد شريكها في عام (٢٠٠٠م)، وتُقتل حوالي امرأتين أسبوعياً على أيدي شركائهن في بريطانية (إحصائيات ٢٠٠٣م).. هذه هي إحصائياتهم وأرقـامهم.. يكاد يشـيب لها الولدان مـن هولها.. فأين ادّعاءاتهم وهجومهم على الإسلام بأنّه يُقِرُّ ضرب النساء؟.! لماذا لا ينظرون إلى تلك الحقائق والأرقام؟.!. أم أن على قلوب أقفالها! فيتعامون عنها تحت غطاء الحقد الأسود للإسلام.!!
العنف الجنسي:
والاغتصاب هو الشكل الأكثر عنفاً للعنف الجنسي، كما يرتبط الاغتصاب بالحمل القسري، والأمراض التي تنتقل عن طريق ممارسة الجنس بما فيها الإيدز، بيد أنَّ حالات الإبلاغ عن الاغتصاب أقل بكثير من حالات وقوعه بسبب وصمة العار التي تلحق به.. بل إنه نادراً ما يُعاقَب عليه.!
ويقول التقرير: إنَّ امرأة واحدة حول العالم من أصل خمس نساء تقع ضحية للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب في حياتها.. وإن في الولايات المتحدة الأمريكية تغتصب امرأة كل (٩٠) ثانية (حسب تقرير وزارة العدل الأمريكية لعام ٢٠٠٠م).. وفي فرنسة تتعرض (٢٥٠٠) امرأة للاغتصاب سنوياً.
النساء والحروب:
ووصل العنف ضد المرأة خلال النزاعات إلى درجة الوباء المستشري، وغالباً ما يستخدم الاغتصاب الجماعي بصورة منهجية كسلاح في الحرب.. ففي العراق ورد أن ما لا يقل عن (٤٠٠) امرأة وفتاة لا تتجاوز أعمار بعضهن ثماني سنوات تعرضن للاغتصاب في بغداد خلال الحرب أو بعدها منذ أبريل/ نيسان (٢٠٠٣) (حسب دراسة لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان).
وفي البوسنة والهرسك، تعرَّضت ما بين (٢٠٠٠٠ و ٥٠٠٠٠) امرأة للاغتصاب خلال خمسة أشهر من النزاع في العام (١٩٩٢م).. وفي بعض القرى في كوسوفو، تعرَّضت ما بين (٣٠ - ٥٠%) من النساء اللواتي هن في سن الحمل والإنجاب للاغتصاب على أيدي القوات الصربية (حسب تقرير منظمة العفو الدولية لعام ١٩٩٢م)..
على أيدي مَن حدثت هذه الوحشية؟ أليست على أيدي الأوروبيين المتمدنين؟ ألم تحدث على مسمع ومرأى من كل العالم بما فيها الدول المتحضرة؟.!
الدول تخذل ضحايا العنف ضد المرأة:
هذا ما يقوله تقرير منظمة العفو الدولية.. حيث إن جزءاً كبيراً من العنف ضد المرأة يمر مرور الكرام دون الإبلاغ عنه. وهناك ـ حسب التقرير ـ عوامل مختلفة تمنع النساء من الإبلاغ عن حـوادث العنف، مثـل: الخـوف من الانتقام، والافتقـار إلى الوسـائل الاقتصادية، والاتكالية العاطفية، والقلق على الأطفال، وعدم الحصول على التعويض والإنصاف.
ففي الولايات المتحدة تُبلِّغ (١٦%) من النساء فقط الشرطةَ بحوادث الاغتصاب، ويمكن لنصف عدد اللواتي لا يبلِّغن الشرطة أن يقمن بذلك إذا ما أُعطوا تأكيدات بأن أسماءهن لن تنشر على الملأ.. وفي بريطانية (١٣%) من جميع النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب يبلِّغن الشرطة بالاعتداء (حسب إحصائيات عام (٢٠٠٣م).
الإفلات من العقاب على العنف:
وغالباً ما يمرّ العنف ضد المرأة دون رادع أو عقاب.. وليس لدى كثير من الدول أية قوانين على الإطلاق بهذا الشأن.. ففي عام (٢٠٠٣م) كان لدى (٥٤) دولة على الأقل قوانين قائمة على التمييز ضد المرأة، وليس لدى (٧٩) دولة أية تشريعات لمحاربة العنف المنزلي..
وفي دراسة قامت بها مؤسسة الطب البشري الفرنسي وامتدت إلى سبع سنوات تبين أن الشريك كان متهماً في ( ٥١%) من جرائم القتل التي طالت النساء..
وتقدِّم لنا شهرية (العالم الدبلوماسي) الصادرة في شهر أكتوبر (٢٠٠٤م) المعطيات المفجعة التالية:
_ تُقتل في ألمانية ثلاثة نساء كل أربعة أيام.!! .. _ وفي إنكلترة تُقتل امرأة كل ثلاثة أيام.!!
_ وفي فرنسة تقتل امرأة كل خمسة أيام.. أي بمعدل ستة نساء في الشهر.
_ وفي إسبانية يودي العنف الأسري بامرأة كل أربعة أيام.
ويخلص تقرير منظمة العفو الدولية إلى أن معركة اليوم هي وضع حدٍّ للعنف ضد المرأة. إذ إن ضحايا العنف العائلي في أوروبة هي ستمئة امرأة يقضين نحبهن سنوياً من جرَّاء هذه الافة. أي: بمعدل امرأتين في اليوم.
والجدير بالذكر أنَّ العنف الأسري لا يميز بين فئة أو طبقة دون أخرى إذ إن المعتدي حسب الدراسات الفرنسية مثلاً غالباً ما يكون ذا مستوى تعليمي جامعي، ويتميز بمكانة اجتماعية مرموقة.
وللأسف فإن الأمر يتكرر في بلدان العالم الثالث، فقد أبرزت الدراسات الميدانية أن (٣٣%) من نساء تونس و(٣٤%) من المصريات و(٥٤%) من الفلسطينيات يتعرَّضن للعنف الأسري.. انظروا إلى حال الغرب وما وصل إليه من مآل:
لقد ارتفعت نسبة المراهقات اللاتي يحملن دون زواج.. واللواتي يسمونهنّ الان (الأمهات المراهقات!). وازدادت نسبة المراهقات اللاتي لهن علاقة جنسية مع رجل أو أكثر. وانتشرت ظاهرة الأطفال اللقطاء دون أب أو أم.
واشتدَّ السعار الجنسي المحموم بعدما تعوَّدوا على رائحة العفن، فأخذوا يبحثون عن أشكال شاذة للسلوك الجنسي، وما خبر اللوطيين والسحاقيات ببعيد.
الإجهاض وباء عالمي:
أصبح الإجهاض وباءً عالمياً، إذ تقول إحصائيات منظمة الصحة العالميـة الأخيرة: إن (٤٦) مليون امـرأة بين سـن (١٥ إلى ٤٠) تُجهض سنويا،ً وهذا يمثل (٢٢%) من أصل (٢١٠) ملايين حمل سنوياً.. وتقدّر الإحصائيات أن (٢٦) مليون حالة إجهاض تحدث بشكل رسمي مقابل (٢٠) مليون حالة إجهاض غير رسمي.
ولكن قياس معدل الإجهاض في الدول التي تمنع ممارسة الإجهاض من أصعب الأمور.. وتمثل شرق أوروبة أعلى معدل للإجهاض في العالم، حيث تحدث (٩٠) حالة إجهاض في كل ألف امرأة.. أما في غرب أوروبة فالمعدل هو (١١)حالة في كل ألف امرأة.. وفي مصر على سبيل المثال تجهض (٢٣) امرأة في كل ألف امرأة، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية.
وفي أمريكة تبلغ نسبة الإجهاض (٣٩) من كل ألف امرأة.. وتتضح الكارثـة في غيـر المتزوجـات، حيث تصل نسـبتهن إلى (٧٥/ ١٠٠٠) ويقدر الباحثون أن نصف النساء الأمريكيات تقريباً (٤٣%) يقمن بالإجهاض مرة واحدة في حياتهن على الأقل.
النساء والإيدز:
يقول تقرير الـ (Unifem) الأخير: إن نسبة (٥١%) من جميع الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) هم من النساء، أي يبلغ عدد النساء المصابات بالإيدز أكثر من (٢٠) مليون امرأة.!! .. وإن نسبة (٥٥%) من الستة عشر ألف إصابة جديدة التي تحدث يومياً هي في صفوف النساء.
ويعتبر مرض الإيدز الآن أحد الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى وفاة النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين (٢٠ و ٤٠) عاماً في عدة مدن في أوروبة وجنوب الصحراء الإفريقية، وفي أمريكة الشمالية.. ويموت سنوياً أكثر من (٥) ملايين شخص بمرض له علاقة بالإيدز في العالم.. والمعروف أن الإيدز يحدث عند الذين يمارسون الشذوذ الجنسي أو العلاقات الجنسية المحرَّمة مع مصابين بالإيدز.
هل تعلمين؟:
_ أنه تُغتصب (٩٠٠) فتاة يومياً في الولايات المتحدة، وأن (٢٠%) منهن يُغتصبن من قبل ابائهن.!! ..
-وأنه يُقتل سنوياً في أمريكة مليون طفل بالإجهاض المتعمد..
_ وأن (١٧٠) شابة تحمل سفاحاً كل أسبوع في بريطانية.
_ وفي إسبانية سجَّلت الشرطة أكثر من (٥٠٠) ألف بلاغ اعتداء جسدي على المرأة في عام واحد.
_ وأن الإحصائيات الأمريكية تشير إلى أن (٦) ملايين امرأة تتعرَّض للضرب المبرح في كل عام.
_ وأن (٨) ملايين امرأة في أمريكة يعشن وحيدات مع أطفالهن دون أية مساعدات خارجية.
_ وأنَّ مليون امرأة تقريباً عملن في البغاء خلال فترة عشر سنوات.
فأين حقوق المرأة التي ينادي بها الغرب؟ أين حريتها؟ أين كرامة المرأة؟..! وفوق هذا يريدون للمرأة المسلمة أن تكون مثل نسائهم عارية متبرجة سافرة.. ساقية للخمر.. أو عارية على الشواطأى.. فإن أسهل طريق للسيطرة على المجتمع هو بإفساد المرأة وتحريرها كما يقول مفكروهم!!.
ففي دراسة حديثة من بريطانية تبين أن (٣٧%) من المشاركات تعرَّضن للضرب من أزواجهن أو أصدقائهن (BoyFriend).. وفي فرنسة تقول التقارير: إن أكثر من مليوني امرأة تتعرض للضرب سـنوياً.
وفي الجانب الاخـر من الأطلسـي كان الأمريكـان أكثر ضربـاً لزوجاتهم، فقد أشارت دراسة إلى أن (٥٩%) من الرجال يقومون بضرب النساء.. فأين هذا من تعاليم الإسلام التي يهاجمونها؟.!. فهم يقولون: إن كتاب الله نصَّ على ضرب النساء.. حتى إن كتاب (الحلال والحرام) للدكتور يوسف القرضاوي مُنع تداوله في فرنسة.. وذلك لأنه يفتي بجواز ضرب المرأة.
ولكن أي ضـرب هذا الذي يبيحـه الإسلام.. إنـه الضرب كاخر دواء.. وبأداة خفيفة كالسـواك ونحوه.. إذ ليـس القصد منـه البطـش والتعذيب ولكن التأديب والتوجيه. ورحم الله الشاعر العربي الذي قال:
رأيت رجالا يضربون نساءهم ...... فشلت يميني يوم أضرب زينبـا
أأضربها من غير ذنب أتت به ...... فما العدل مني ضرب من ليس أذنبـا ؟
فزينب شمس والنساء كواكب ........ اذا برزت لم تبد منهن كوكبا
والرسول عليه الصلاة والسلام يقول في حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانـة الله، واسـتحللتم فروجهن بكلمة الله.. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح».
ضرب الزوجة في الإسلام:
يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي: «لم أجد في أدلّة الشرع ما يسيغ الضرب إلا في حالتين: النشوز، ومعنى الكلمة الترفع والاستعلاء.. أي أن المرأة تستكبر على الزوج.. وتستنكف من طاعته.. ويدفعها هذا إلى كراهية الاتصال به في أمسِّ وظائف الزوجية.. فيبيتُ وهو عليها ساخط..
وأمرٌ اخر أفحش: أن تأذن في دخول بيته لغريب يكرهه مع ما في ذلك من شبهات تزلزل العلاقة الزوجية. ومع ذلك فقد اتفقت كلمة المفسرين على أن التأديب يكون بالسواك مثلا!ً فلا يكون ضرباً مبرحا.ً. ولا يكون على الوجه..!! في الحديث: «... ولا تضرب الوجه.. ولا تقبِّح» أي: لا تقل لها قبحك الله.!
وليس يُتصور مع هذا كله أن يعدو الرجل على امرأته كلما شاء.. وأنه لا يُسأل عن ذلك أمام الله»!
منع الإسلام الزوج من ضرب زوجته في ثلاث حالات:
فلا يحق للزوج أن يضرب زوجته الناشز إلا بعد المرور بمرحلتي الوعظ والهجر. ونهى الإسلام عن الضرب المؤذي، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «اضربوا نساءكم إذا عصينكم في معروف ضرباً غير مبرِّح».
قال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرّح؟ قال: بالسواك ونحوه. ونهى الله تعالى عن الضرب الذي فيه انتقام. قال تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}.. ولنتذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي تزوج تسع نساء فما ضرب واحدة منهن في يوم قطّ.
بل قد شنَّع من يضرب زوجتهفي النهار ثم لا يستحيي أن يضاجعها في الليل. يقول عليه الصلاة والسلام: «بِمَ يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها!!».
هذا تكريم الإسلام، فأين تكريمهم؟:
فأين هذا في الحضارة الغربية من حقوق المرأة التي كرَّمها الإسلام بنتا:ً فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة».
وكرَّمها زوجةً: يقول عليه الصلاة والسلام: «ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم».. ثم كرَّمها أمـا:ً فقال مجيبـاً من سـأله: «من أحـق الناس بحسـن صحابتي؟. قال عليه الصلاة والسلام: أمك. قال: ثم مَن؟. قال: أمك. قال: ثم مَن؟. قال: أمك. قال: ثم مَن؟. قال: أبوك».
ويغمض الغرب عينيه على واقع المرأة المرير في بلدانه.. ثم يتطاول على سماحة ديننا ويدعو نساءنا إلى السفور والسقوط باسم الحرية والاستقلالية، متناسين أنه لا يوجد نظام في الكون أعلى من قَدر المرأة ورفع شأنها مثل الإسلام. والرسول يقول: «النساء شقائق الرجال».. ويقول عليه الصلاة والسلام في شأن من يضرب المرأة: «ولا أهانهن إلا لئيم».. ويقول أيضاً وهو يحث على أن يكون المرء خيراً لأهله: «خيركم خيركم لأهله.. وأنا خيركم لأهلي».
وإذا الموؤودة سئلت:
كانت المرأة قبل هذا الدين سلعةً رخيصة، وكانت تعامَل كالبهائم.. يذكَر أن صحابياً اسمه عبد الله بن المُغَفَّل رضي الله عنه كان إذا جلس عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ظهر على وجهه حزن وكابة، حزن عظيم وكابة عظيمة.. فسأله النبي (صلى الله عليه وسلم) عن سبب حزنه ذلك الذي لا ينقطع أبدا.. فقال الصحابي: يا رسول الله، كنت في الجاهلية فخرجت من عند زوجتي وهي حامل، وذهبت في سفر طويل ولم أعد إلا بعد سنوات، وجئت وإذا بزوجتي قد أنجبت لي طفلة تلعب بين الصبيان كأجمل ما تكون الأطفال.. طفلة جميلة بريئة تلعب وتلهو وهي فرحة سعيدة، قال: فأخذْتُها وقلتُ لأمها: زينيها زينيها وهي تعلم أني سأئدها وسأقتلها..
فقامت أمها تزينها وهي تبكي بكاءً مرّا،ً وبها من الهم والغم والحزن ما بها، فأخذت تزينها وهي تقول لزوجها: يا رجل لا تضيع الأمانة.. قال: فلما زينتها أخذتُها كأجمل ما يكون الأطفال براءة وجمالاً وحسناً وبهاء،ً ثم خرجت بها إلى شعب من الشعاب، وبقيت في ذلك الشعب أبحث عن بئر أعرفها هناك، فجئت إلى بئر ليس فيه قطرة ماء.. قال: فوقفتُ على شفير البئر ثم أخذتُ أنظر إلى ابنتي الصغيرة فيرقّ قلبي عليها لما بها من البراءة وليس لها من ذنب، ثم أتذكر نكاحها وسفاحها، وأتذكر العار فيقسو قلبي عليها.. وأخـذت أتقلّب بين هذيـن الأمريـن، وأخذت أعيـش بين هاتين العاطفتين.
قال: ثم استجمعتُ قواي وأخذتُها ورميتها على رأسها في وسط تلك البئر، قال: وبقيت أنتظر هل ماتت؟ هل فقدت الحياة؟ ثم بعد لحظات سمعتها تقول: يا أبتاه ضيعت الأمانة.. ترددها وترددها حتى انقطع صوتها.. فوالله يا رسول الله ما ذكرتُ تلك الحادثة إلا وعلاني الحزن والهم، وتمنّيت أن لو كنت نسياً منسيا..
ثم نظر إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فإذا دموعه تنهمر على لحيته (صلى الله عليه وسلم)، وإذ به يقول: «يا عبد الله! والله لو كنتُ مقيماً حدّاً على رجل فعل فعلة في الجاهلية لأقمته عليك.. ولكن الإسلام يجبُّ ما قبله»، أو كما قال (صلى الله عليه وسلم).
تربية البنات:
لقد وضع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القاعدة المثلى في تربية البنت، وجعل تربيتها وسيلة إلى مرضاة الله في قوله عليه السلام: «مَن ابتليَ من هذه البنات بشيء كن له ستراً من النار»، وطمأن الوالدين على الرزق فهو مضمون من عند الله للذكر والأنثى على السواء.
وحين بُشِّر الرسول عليه الصلاة والسلام بولادة ابنته فاطمة قال: «ريحانة أشمُّها ورزقها على الله»، تأمَّلي إلى وصف البنت بأنها ريحانة.. ما أجملها من كلمة جامعة لجمال الخلق وكمال الخُلُق.. فهي تفيض على والديها من العطف والحنان والرقة ما تفيضه الريحانة على مَن حولها مِن طيب الرائحة وجمال المنظر.
وليسمع الاباء الذين يغضبون أو ينزعجون حينما تولد لهم (بنت) كيف كان استبشار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بابنته فاطمة رضي الله عنها. ويحثّ الإسلام على رعاية البنات ورحمتهن وإيثارهن على النفس. انظري إلى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي يقول فيه: «من كان له ثلاث بناتٍ فصبر على لأوائهن وضرائهن، أدخله الله الجنة برحمته إياهن»، فقال رجل: وابنتان يا رسول الله؟ قال: «وإن ابنتان»، قال رجل: يا رسول الله وواحدة؟ قال: «وواحدة».
مفاهيم ينبغي أن تصحَّح:
المرأة إنسان موفور الكرامة بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. وبنو آدم هم الرجال والنساء.. أما قوله (صلى الله عليه وسلم): «ناقصات عقل ودين»، وقوله: «فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه». فقد أساء الناس فهمها، وأنها لبيان البُنية الجسدية للمرأة وليس قوله (صلى الله عليه وسلم) ذلك للدلالة على نقص الكرامة الثابتة بالنصوص الشرعية من القران والسنّة.
وهي إنسان مسؤول كالرجل تماماً عن أعماله المدنية والجنائية في الدنيا، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة}.. وهي إنسان له شخصيته المستقلة تختار بحرية شريك حياتها. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا تُنكَح الأيِّم حتى تُستأمَرُ، ولا تُنكَح البِكرُ حتى تُستأذن».
ولها أيضاً أن تفارقه إذا كرهته، وذلك بإقراره أو بإقرار القاضي على أن تردَّ ما قدَّمه لها إذا لم يصدر منه إضرارٌ بها. جاءت امرأة ثابت بن قيس فقالت: يا رسول الله! ما أنقم على ثابت في دينٍ ولا خُلُقٍ إلا أني أخاف الكُفْر. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «فتردّينَ عليه حديقته؟»، فقالت: نعم. فردَّت عليه، وأمره ففارقها»..
وهي إنسان كامل، شريك للرجل في حياته الأسرية، لأنه إذا كانت المرأة لباساً للرجل فهو أيضاً لباساً لها، قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}، يتعاونان في مسؤوليات الأسرة، فالله تعالى الذي هيَّأ الرجل للكسب والقوامة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}..
وقد هيأ الله سبحانه المرأة لرعاية الأطفال وتدبير شؤون البيت. قال (صلى الله عليه وسلم): «والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم». وهي إنسان راشد له نشاطه الاجتماعي والدعوي.. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر}.
حقوق المرأة في المُلكية:
منح الإسلام هذا الحقّ للمرأة من دون طلب منها.. وبدون جمعيات نسوية.. ولا عضوية في البرلمان!.. فللمرأة المتزوجة في الإسلام شخصيتها المدنية الكاملة.. وثروتها الخاصة المستقلة عن شخصية زوجها وثروته. ولا يجوز للزوج أن يأخذ شيئاً من مالها ـ قلَّ أو كثر .. إلا أن يكون برضاها وعن طيب نفس منها. قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}..ولا يحلّ للزوج أن يتصرّف في شـيء من أمـوالها إلا إذا أذنتْ لـه بذلك.
هل المرأة شرٌّ كلُّها؟:
جاء في (نهج البلاغة) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «المرأة شرٌّ كلُّها.. وشرُّ ما فيها أنه لا بدَّ منها».. فهل هذا يمثّل موقف الإسلام من المرأة؟. ويردُّ فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي على هذا السؤال فيقول: «هناك حقيقتان يجب أن نقررهما بوضوح:
الأولى: أن الذي يمثّل رأي الإسلام في قضية ما، إنما هو قول الله تعالى وقول رسوله (صلى الله عليه وسلم) وكل أحد بعد ذلك يؤخذ كلامه ويُترك.
والثانية: أن من المعروف لدى النقاد والمحققين أن نسبة بعض ما في كتاب (نهج البلاغة) إلى علي رضي الله عنه غير صحيحة، ولهمْ على ذلك دلائل وبراهين.
ومن هنا لا يجوز الاحتجاج بكل ما في (نهج البلاغة) على أنه من أقوال علي رضي الله عنه. بل لو نقل هذا القول عن عليّ بسند صحيح متصل لوجب أن يُرد،ّ لما فيه من مخالفة للأصول والنصوص الإسلامية.
وكيف يقول علي بن أبي طالب هذا القول وهو يقرأ كتاب الله الذي يقرر مساواة المرأة للرجل في أصل الخلق وفي التكاليف وفي الجزاء: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض}..
والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «من سعادة ابن ادم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح».. ويقول عليه الصلاة والسلام: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتّقِ الله في الشطر الباقي».. ويقول: «أربعٌ مَن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والاخرة».. يذكر منها: «زوجة صالحة لا تبغيه حوباً في نفسها وماله» .. ويقول عن نفسه: «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجُعل قرّة عيني في الصلاة».
فكيف يخالف علي رضي الله عنه هذا كله وغيره ويطلق القول: إن المرأة شرٌّ كلُّها.. ونستطيع ـ لو صحَّ هذا القول لعليّ ـ أن نسأله: ما قولك في زوجكَ وأم ولدك السبطين الحسن والحسين. أعني فاطمة سيدة النساء رضي الله عنها؟..
هل يقبل الإمام علي أو يقبل المسلمون منه أن يقول عنها: إنها شرٌّ كلُّها؟!. أما التحذير من فتنة النساء في قوله (صلى الله عليه وسلم): «ما تركتُ بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء»، فالتحذير من الافتتان بشيء لا يعني أنه شرّ كله، وإنما يعني أن لهذا الشيء تأثيراً قوياً على الإنسان يُخشى أن يشغله عن الله والاخرة.
ومن هنا حذَّر الله من الفتنة بالأموال والأولاد في أكثر من آية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون}.. هذا رغم أن الله سمَّى المال خيراً في عدة ايات من القران. واعتبر الأولاد نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده.
فالتحذير من فتنة النساء كالتحذير من فتنة الأموال والأولاد.. لا يعني أن هذه النِّعَم شر.. وشرٌّ كلّها.. بل يحذّر من شدة التعلّق بها إلى حدِّ الافتتان والانشغال عن ذكر الله»..
إن كيدكن عظيم:
ورد في القران الكريم على لسان عزيز مصر عن النساء: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم}. وقال تعالى أيضاً: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.. فهل المرأة أشد كيداً من الشيطان؟.. والحقيقة أنه بقراءة الاية الثانية كلها تجد أن كيد الشيطان ورد مقابل قدرة الله، وكل شيء أمام الله ضعيف صغير؛ لأن الله أقوى والله أكبر: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}.
وكيد النساء في الاية الأولى ذُكر مقابل كيد الرجال… والسبب في أن كيد النساء أعظم أن المرأة في (الجملة) أضعف من الرجل. ومن عجز عن الوصول إلى غايته عن طريق القوة وصل عن طريق الكيد والحيلة.
* * *
الفصل السادس عشر - نحو مزيد من الإيمان
الامتحان الرهيب:
كثيراً ما تعيش البيوت أزمة طاحنة حينما يقترب موعد الامتحانات، تعلَن فيها حالة الطوارأى.. الكل مستنفِر .. ومستعد.. والجميع في حالة التأهب القصوى.. وهذا جهد مشكور.. وعمل مأجور إذا صلُحت النية.. وخلُص المقصد لله رب العالمين.
ولكن من منا من استعدَّ لذلك الامتحان الرهيب الذي خلقنا الله تعالى من أجله.. وما هي أوجه الخلاف بين الامتحانين؟.. امتحان الدنيا في كتاب معيَّن أو في ضرب من ضروب العلم.. أما امتحان الاخرة ففي كتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها.
قال تعالى: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.. فالصغائر مكتوبة.. والكبائر مدوَّنة: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ}.. امتحان الدنيـا في مكان مُعَـدٍّ للامتحان.. الكراسـي مريحـة.. والمكيفات بـاردة.. أما امتحـان الاخرة: فالجـو رهيب.. والموقف عصيب.. الأهوال عظيمة..والقلوب واجفة: المراقب في امتحان الدنيا مخلوق مثلك..
أما الرقيب على امتحان الاخرة ـ ولله المَثَل الأعلى ـ فهو الذي لا يضل ولا ينسى وقد أحاط بكل شيء علماً.. وامتحان الدنيا النجاح فيه شبه مضمون.. ونسب النجاح عالية.. أما امتحان الاخرة فالناجحون فيه قليل.
والنجاح في امتحان الدنيا يرتقي بالإنسان مرتبة أو يفوز فيه بشهادة.. أما النجاح في امتحان الاخرة ففيه الزحزحة عن النار والدخول إلى الجنة.. {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض.. فإذا سألتم الله فسَلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن».. والرسوب في امتحان الدنيا خسارة لدرجة أو تأخر في مرحلة أو مرتبة من دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
أما الرسوب في امتحان الاخرة، فخسارة إلى الأبد: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.. وفي امتحان الدنيا أسوأ ما يحصل أن يرسب الطالب.. وغالباً ما يكون لديه فرصة أخرى.. أما امتحان الاخرة.. فلا فرصة ثانية ولا كرّة اتية.. عندئذٍ ينادي المفرّط والخاسر: {رَبِّ ارْجِعُونِي}..
لِمَ أيها الغافل؟:
فهل يجاب له سؤاله ويُحقق له أمله؟.. وعندما يخفقون في الاختبار.. ويدخلون النار ويصلون سعيراً ينادون: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}.. فيأتيهم التقريع والتوبيخ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِير}.. وينتهي المشهد بقوله تعالى: {فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}.
حذار من الدنيا:
يقول أحدهم: «من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر.. ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر.. وما أعجب من يوقن بأمر ثم ينساه.. ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه».. ولله در الشاعر إذ يقول:
تزود من حياتك للمعاد .. وقم لله أَجمع خير زاد
ولا تـركن الى " الدنيا "كثيرا.. فإن المال يُجمعُ للنفاد
أترضى أن تــكون رفيق قوم.. لهم زادٌ وأنت بغير زاد!!
لا والله ما نرضى، واللهَ نسأل خير الزاد.. فإذا استغنى الناس بالدنيا، فاستغني أنتِ بالله.. وإذا فرحوا بالدنيا.. فافرحي أنتِ بالله… وإذا أنِسوا بأصحابهم.. فاجعلي أنيسكِ هو الله.. توددي إلى الله تعالى بالافتقار والانكسار.. يمنحك العزة والرفعة.
إذا رأيتم الناس مشغولين بأمر الدنيا.. فاشتغلوا أنتم بأمر الاخرة.. وإذا رأيتم الناس قد اشتغلوا بتزيين ظواهرهم.. فاشتغلوا أنتم بتزيين بواطنكم… وإذا رأيتم الناس قد اشتغلوا بعمارة البساتين والقصور.. فاشتغلوا أنتم بعمارة القبور.. وإذا رأيتم الناس قد اشتغلوا بعيوب الناس.. فاشتغلوا أنتم بعيوب أنفسكم… واتخذوا من هذه الدنيا زاداً يوصلكم إلى الاخرة.. فإنما الدنيا مزرعة الاخرة.
يقول أحدهم: «سار المتقون ورَجَعْنا.. ونَجَوْا من الأشراك ووقفنا.. سار القومُ على رواحل الصِّدق.. فعبقت قلوبهم بعبير القُرْب.. البكاءُ دأبهم.. والجوع طعامهم.. والصمت كلامهم. جنَّ عليهم الليل فراهم ساهرين.. وهبَّت رياح الأسحار فمالوا مستغفرين».
حقيقة الزهد:
وحقيقة الزهد هو تجريد القلوب من حب الدنيا.. وما أروع الإمام ابن القيم رحمه الله إذ يقول: إنَّ في القلب شعثاً لا يلمُّه إلا الإقبال على الله… وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأُنس بالله.. وفيه حزن لا يُذهبه إلا السرور بمعرفة الله.. وفيه قلق لا يسكنُه إلا الاجتماع على الله.. والفرار إلى الله».
قال أحدهم: «دواء القلب في خمس: قراءة القران بتدبُّر.. وخلاء البطن.. وقيام الليل.. والتضرُّع في السَّحَر.. ومجالسة الصالحين».
لا تتهالكي على الدنيا:
يقول أحدهم: «زهرة الدنيا وإن أينعت، فإنها تسقى بماء الزوال… يـا من هو على محبـة الدنيـا متهالك.. أما علمت أنك عن قليل هالك؟.!. أما تيقنتَ أن الدنيا محبوب تارك؟.. أين أرباب المعاصي وعلامَ وردوا؟.. أما جنوا ثمرات ما جنوْا وحصدوا؟.. أما خلوا في ظلمات القبور، وبكوْا والله وانفردوا؟.. أما ذلّوا وقلّوا بعد أن عتوْا وتمرَّدوا؟.. أما طلبوا زاداً يكفي في طريقهم ففقدوا؟.. أما حلَّ الموت بهم فحلَّ ما عقدوا؟.. عاينوا والله كل ما قدموا ووجدوا.. فمنهم أقوامٌ شقوْا وأقوامٌ سعدوا».
قال الله تعالى:
ويقول تعالى في الحديث القدسي: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين... إذا خافني في الدنيا أمَّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة».
تذكَّري الجنة والنار:
كان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يُبلّ لحيته، فسئل عن ذلك وقيل له: تذكرُ الجنة والنار فلا تبكي.. وتبكي إذا وقفتَ على قبر؟!. فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «إن القبر أول منازل الاخرة.. فإن نجا منه فما بعده أيسر منه.. وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدّ منه».
وقال مجاهد: أول ما يكلِّم ابن ادم حفرته تقول له: أنا بيت الدود.. أنا بيت الوحدة.. أنا بيت الغربة.. أنا بيت الظلمة.. هذا ما أعددتُ لك.. فما أعددت لي؟! يقول أحدهم: اعمل للنار بقدر تحملك لها.. واعمل للجنة بقدر طلبك لها.
فكِّري في عظمة الله:
فكِّري في عظمة الله تعالى في خلقه.. في السموات.. في الأرض.. في البحار وما فيها من كائنات.. حاولي أن تكوني معه دائماً ـ ليكون معك.. قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}..
حاولي أن تكوني ممن أحبهم الله.. فمن أحبه الله يوفقه إلى أحسن الأعمال؛ فهذا قوله تعالى: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
وانظري إلى قوله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه}؛ فهو سبحانه يعلم أن الإنسـان يظل يجاهد مظاهر الحيـاة المختلفـة من حوله.. وهي تغريه على الانفلات من قبضة الدين.. بوساوس النفس ونزعات الشيطان.. ولا ينتصر عليها إلا من أحب الله وأحبه الله.
وتذكري حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ثلاث من كن فيـه ذاق حـلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار».
فالصفة الأولى: تعني أن يحتل حب الله ورسوله قلب المؤمن، فلا يفضل عليه شيئا،ً وحب الله طاعته.. وحب رسوله اتباعه في كل ما بلَّغه عن الله.
قـال تعالـى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم}.. والصفة الثانية: أن حبه للناس حب مبرأ عن الهوى.. منزه عن الغرض.. والصفة الثالثة: أن يكره العودة إلى الكفر. وهذا هو الثبات على المبدأ والتمسك بالدين..
فهذه سمية أم عمار بن ياسر التي استشهد جميع أفراد أسرتها في سبيل الإسلام.. جاء أبو جهل إلى سمية وأراد منها أن تكفر بمحمد، فأبت قائلة: والله لا أدنِّس لساني بكلمة الكفر بعد أن أنقذني الله منه، فطعنها طعنة قاتلة، فكانت أول شهيدة في الإسلام.
القلب والعقل:
اجعلي قلبك حياً رقيقاً صافياً صلبا،ً فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إن لله تعالى في أرضه أواني، ألا وهي القلوب.. فأحبُّها إلى الله تعالى أرقُّها وأصفاها وأصلبها»، ثم فسَّرها عليه الصلاة والسلام فقال: «أرقها للإخوان، وأصفاها من الذنوب، وأصلبها في ذات الله».
واجعلي عقلك واعياً مدركاً وبصيرا..ً زوِّديه بكل أنواع العلوم والمعارف. يقول أحدهم: «إذا تقرَّب الناس إلى الله تعالى بأنواع البر فتقرب أنت بعقلك». ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما اكتسب مكتسبٌ مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدًى، أو يردُّه عن ردى».
واحفظي بصيرتك الواعية، فما يطفأى تلك البصيرة إلا المعاصي وعدم التوبة، والله تعالى يقول: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}.. يقول أحد الصالحين: أصحاب القلوب الذاكرة.. هم دائماً في رضا الله؛ لأنهم رضوا بـه ربّاً، وبالإسلام دينا،ً وبمحمد (صلى الله عليه وسلم) نبياً ورسولاً.. إنهم الشاكرون في الرخاء.. الصابرون في البلاء.. الراضون بالقضاء.
هل نحن حقاً مؤمنون؟:
سأل أحد المربّين الصالحين تلاميذه فقال: أمؤمنون أنتم؟. قالوا: نعم نحن مؤمنون والحمد لله. قال المربّي: فما حقيقة إيمانكم؟. قال التلاميذ: نشكر في الرخاء.. ونصبر في البلاء.. ونرضى بالقضاء.. قال المربّي: مؤمنون وربّ الكعبة.
وما أصدق قول الشاعر المسلم:
ولست أرى السّعادة جمع مالٍ … ولكنّ التقيّ هو السّعيدُ
التقوى والإحسان:
من أجمل تعاريف التقوى هي: «ألا يراك الله حيث نهاك.. وألا يفقدك حيث أمرك».. وقـد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنـه أبيَّ بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكتَ طريقاً ذا شوك؟. قال: بلى. قال: فما عملت؟. قال: شمَّرتُ واجتهدت. قال: فذلك التقوى.
استحضري عَظَمةَ الله تعالى، وراقبي نفسكِ في كل عمل تقومين به، وقبل القيام به، وأثناء القيام به؛ فالإحسان كما بيَّنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».. اسألي نفسكِ عن سبب قيامك بهذا العمل: أهو من أجل حظوظ النفس ورجاء ثناء الناس عليكِ؟..
أم أن الذي دفع بكِ إلى ذلك العمل هو ابتغاء مرضاة الله ورجاء ثوابه؟.. ورحم الله الإمام البصري حين قال: «رحم اللهُ عبداً وقف عند نيَّته، فإن كانت لله مضى، وإن كانت لغيره تأخَّر» .. كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أحد ولاته: «أمَّا بعد: فاعمل عمل رجل يعلم أنَّ اللهَ لا يصلح عمل المفسدين».
ولقد فقه عمر أن التقوى هي تقوى القلوب لا تقوى الجوارح.. فمتى صلحت هذه المضغة صلح سائر الجسد. كان العلماء يتواعظون ويكتب بعضهم إلى بعض: «من أصلح ما بينه وبين الله؛ أصلح اللهُ ما بينه وبين الناس»..
تذوَّقي طعم العبادة والخشوع بقيام الليل.. والذكر وحلاوته بقراءة القرآن. علِّمي مَنْ حولكِ مما علَّمكِ الله.. فهم في أشد الحاجة إلى كلمة تشحن إيمانهم.. تذكَّري قول النبي (صلى الله عليه وسلم): «بلِّغوا عنّي ولو آية».
الجئي إلى الله.. وتخلَّصي من الشوائب العالقة في شغاف قلبكِ:
وليس معنى الدعوة إلى الله أن تكوني عالمة لا يشق لك غبار حتى تقومي بهذا الواجب، بل إنَّ كلَّ إنسان مسلم عَلِمَ شيئاً من دين الله علماً حقيقيا،ً وجبَ عليه نقله إلى الاخرين.
هيا نؤمن ساعة:
يقول أحد الصالحين: «ميدانكم الأول أنفسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر.. وإذا أخفقتم في جهادكم معها كنتم عما سواها أعجز.. فجرِّبوا الكفاح معها أولاً».. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تفقَّهوا قبل أن تسودوا» ..
كان سلفنا الصالح يقول أحدهم لأخيه في الله تعالى: «هيا بنا نؤمن ساعة» .. أجل يا أختاه: هيا بنا نذكر ربَّنا تبارك وتعالى، عسى أن يلهمنا طاعته، ويوفّقنا للعمل الصالح..
يقول الفاروق عمر رضوان الله عليه: «لولا ثلاث ما أحببتُ البقاء في هذه الدنيا: أن أكابد التهجُّد في جوف الليل.. وأن أجالس أقواماً ينتقون أطايب القول، كما ينتقي الناس أطايب الثمر.. وأن أُعِدَّ الخيل لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) تغزو عليها في سبيل الله».
ما أطيب عيش المؤمنة الصابرة في الجنة.. ما أطيب عيشك.. وربكِ الكريم يسألكِ في الجنة: أرضيتِ بما أنتِ فيه من النعيم؟. فتقولين: وما لي لا أرضى وقد أعطيتني ما أرجو.. وأمنتني مما أخاف. فيقول: أعطيكِ أعظم من ذلك.. ثم يكشف الحجاب عن وجهه فتنظرين إليه.. فلا تنصرفين إلى شيء من النعيم ما دمتِ تنظرين إليه. ولكن لن يصل أحد إلى الجنَّة إلا بمقاومة شهواته.. فقد «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات»
أين نساؤنا من سِيَر هؤلاء الصالحات؟.!
أين النسـاء اللاتي يقعن في المخالفات الشـرعية فـي لباسـهن.. وحديثهن ونظرهن.. ثم إذا نصحتَ إحداهنَّ تقول: كلّ النساء يفعلنَ ذلك.. ولا أستطيع أن أقف وحدي بمواجهة التيار! أين الثبات على مبادئ الدين؟.! أين تلك المسكينة التي تُعرض عن سماع آيات القرآن.. وتستمع إلى الأغاني الهابطة.. والمسلسلات الساقطة؟...!
لا تيئسي من رحمة الله:
يقول الإمام الشافعي: «ليس من مسلم يطيع الله ولا يعصيه.. ولا من مسلم يعصي الله ولا يطيعه».. فكلُّ ابن ادم خطَّاء وخيرُ الخطَّائين التوابون، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
يروى أنَّ قارون فعل الأفاعيل في موسى عليه السلام.. حتى رشى زانية فأعطاها قنطاراً من ذهب لتدّعي أنَّ موسى عليه السلام زنى بها.. فلما اجتمع بنو إسرائيل قام موسى خطيبا،ً فقامت هذه المرأة تضرب وجهها.. وتشقُّ شعرها وتولول.. فوقف موسى عليه السلام وقل: ما لكِ؟ قالت: هو زنى بها (تعني: موسى)! فوقف موسى واجماً مذهولاً. وقال: أسألك بالله أفعلتُ ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فمن أعطاكِ حتى قلتِ ما قلتِ؟ قالت: قارون! قال: اللهمَّ خذ قارون أخذ عزيزٍ مقتدِر.
وكان قارون في بيت من ذهب.. فأخذ بيته ينزل في الأرض.. وحبست قدماه في البيت حتى لا يفر: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ}.. أخذ البيت يغوص تدريجياً.. فأخذ قارون يصيح: يا موسى! يا موسى..! فسكتَ موسى ولم يجبه يريد أن ينتقم منه حتى أخفاه الله هو وبيته عن وجه الأرض!.
فقال الله: يا موسى! ما أقسى قلبك؟ وعزّتي وجلالي لو دعاني بكلمة مما دعاك به لأنقذته.!! فتذكَّري دوماً أنَّ الله غفورٌ رحيم.. إذا أذنبتِ فتوبي إلى الله.. وإذا عصيتِ الله فتذكَّري الحي القيوم… يقول الحسن رضي الله عنه: «إنَّ المؤمن ليذنب الذنب.. فما يزال كئيباً باكياً حتى يدخل الجنة». ويقول سعيد بن جبير رحمه الله: «رُبَّ عامل عمل ذنبا.ً. ما زال الذنب بين عينيه حتى دخل الجنة».
حاسبوا أنفسكم:
يقول وهب بن منبه: «حق على العاقل ألا يشغل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه.. وساعة يحاسب فيها نفسه.. وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه.. وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ولا يحرم، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات، وإجماع القوة».
وما أجمل وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين يقول: «حاسبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا.. وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.. وتهيَّأوا للعرض الأكبر، فالله تعالى يقول: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}.. إذا قصَّرتِ في صلاة، فعاقبي نفسك بالتصدّق بمبلغ من المال.. وإنْ تساهلتِ في زيارة أخواتكِ أو أقاربك..ِ فعاقبي نفسكِ بالذهاب الفوري ومخالفة النفس والهوى.
أدّي بضع ركعات من صلاة نفل تأديباً لها، وتعويداً لنفسكِ على المحاسبة والمراقبة.. والقابضات على الجمر..يتسابقن إلى الأعمال الصالحة.. صغيرها وكبيرها.. ولهن في كل ميدان سهم.. ولا تعلمين العمل الذي به تدخلين الجنة.! فلعلَّ شريطاً توزّعينه في مدرسة.. أو نصيحة عابرة تتكلَّمين بها.. يكتب الله بها لك مرضاته ومغفرته.
والأعظم من ذلك هو الحذر من المعاصي.. وعدم التساهل بها.. فقد قال تعالى عن قومٍ تساهلوا بالمعاصي وتصاغروها: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}.. قال رجل للنبي (صلى الله عليه وسلم): يا رسول الله! إن فلانة... فذكر من كثرة صلاتها وصومها وأنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: «هي في النار».. قال: يا رسول الله! فإن فلانة... فذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي بلسانها جيرانها.. قال: «هي في الجنة».
دخل رجل على عمر رضي الله عنه فقال له: أوصني؟ قال: أوصيكَ بثلاث: أن تحفظ الاء الله عليك في كل حالة كنت.. وأن تذكر اطّلاع الله عليك في كل حالة كنت.. وأن تذكر الموتَ ودخول القبر على أي حالٍ كنت».
احفظي وقتك:
ورحم الله الإمام الحسن البصري إذ قال: «يا بن ادم، إنما أنت أيام.. فإذا ذهب يوم فقد ذهب بعضك.. وإذا ذهب بعضك فسيذهب كلّك».. ورحم الله من قال: «إنَّ الواجبات أكثر من الأوقات.. فعاون غيرك على الانتفاع بوقته.. وإن كانت لك مهمة فأوجز في قضائها»..
وما أصدق ما قاله الإمام الحسن البصري رحمه الله: «كل يوم ينشقُّ فجرُه ينادي: يا بن ادم.. أنا خلقٌ جديد.. وعلى عملكَ شهيد.. فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة»..
اقرئي القرآن:
من الناس مَن يفضّل سماع أغنية.. أو رؤيـة تمثيليـة.. فـإن أخذ القارئ في تلاوة القران تشاغلوا عنه، أو لغوا فيه، وربما أداروا مفتاح المذياع أو التلفاز ليغلقوا الجهاز، ريثما يحين وقت البرنامج الذي يترقّبون أو المسلسل الذي ينتظرون.. فهلا خصصت لنفسك وقتاً لسماع ايات من القران؟.!
قد تكوني من القارئات للقصص والروايات أو لمختلف المجلات.. فهلا جعلتِ لنفسكِ وقتاً للتعبّد بتلاوة القرآن.. فستجدين فيه خيراً كثيراً فوق ما هو سبيل إلى مرضاة الله ورسوله.. فمن كان القران ربيع قلبها.. وجلاء سمعها وبصرها.. ورطب لسانها.. فقد هُديت إلى صراطٍ مستقيم.
يقول أحدهم ـ وهو غير مسلم ـ بعد أن فقد سمعه وبصره، وأصبح مشلولاً تماماً: «لو لم يبقَ لي إلا الإرادة فهذا يكفي».. ونقول كمسلمين: «لو لم يبقَ لكَ إلا نعمة الإيمان والعقل لكفى».. فاحمدي الله تعالى على تلك النعم.
وتذكَّري هذا الدعاء:
اللهمَّ ألهمني الصبر والقدرة لأرضى بما ليس منه بُدٌّ.. وألهمني الشجاعة والقوة لأغيِّر ما تستطيع تغييرَه يدي.. وألهمني الصواب والحكمة لأفرِّق بين هذا وذاك.. والمقصود بـ«بين هذا وذاك» هو بين ما يجب أن أرضى به وما يمكنني تغييره.
_إذا رأيتِ مسلمة متمسكة بدينها.. فأشعريها بالحب.. واتخذيها صديقة. فللحب في الله منزلة عالية. يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث القدسي: «يقول اللهُ عزَّ وجلّ: المتحابّون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء».
_ ارفعي أكفَّ الضراعة إلى الله دوما.ً. طالبةً منه العفو والعافية.. والتوفيق في الدنيا والاخرة.. يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «إنَّ ربَّكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً».
_ ولا تستعجلين الإجابة فالرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: «ما من عبدٍ يرفع يديه حتى يبدو إبطه يسأل الله مسألة إلا اتاه الله إياها ما لم يعجل»، قالوا: يا رسول الله، وكيف عجلته؟ قال: يقول: «قد سألتُ وسألتُ ولم أُعطَ شيئاً».
_ أقبلي على الله بصدقٍ وأنتِ مؤمنة بالإجابة، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.. واعلموا أنَّ اللهَ لا يستجيب دعاءً من قلب غافلٍ لاهٍ».
_ ولا يغرَّنكِ كثرة المخالفين لأمر الله.. والمتهاونين في تطبيق شرعه.. فسوف يأتي يومٌ يعضّ الظالم على يديه وهو يقول: {يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا}.
_ اعتزّي بدينك وعقيدتكِ.. فأنتِ مكرَّمة معزَّزة عند الله تعالى.
_ احذري من تقليد الكفـار في عـاداتهم وتقاليـدهم.. وتميّـزي بإسلامك..ِ والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم».
ماذا تقولين لنساء جريئات.. تحادث إحداهن البائع في السوق بكل طلاقة لسان.. وكأنه زوجها أو أخوها.. بل قد تضاحكه وتمازحه.. ليخفض لها في السعر.. وقد تزيد على ذلك الخلوة بالسائق.. وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. وهي تعلم أنها معصية لله.. وتعصي الله بنعمته.. فلو شاء الله لسلب منها تلك النعم التي تعصيه بها.
اذهبي إلى مستشفيات النقاهة وانظري أحوال النساء اللواتي فقدن العافية. انظري هناك إلى فتيات في عمر الزهور.. لا يتحرك في الواحدة منهن إلا عيناها.. أما بقية جسدها فمشلول شللاً كلياً.. لو قُطّعتْ رجلاها ويداها بالسكاكين لما أحسَّت بشيء.
كل واحدة منهن.. تتمنَّى لو تتحكّم بإخراج البول أو الغائط.. يُلبسْنَ حفائض على عوراتهنّ كالأطفال. وقد كانت مثلك..ِ تأكل وتشرب.. وتضحك وتلعب.. وتمشي في الأسواق.. وفجأة.. ودون سابق إنذار.. أصيبت بحادث سيارة.. أو جلطة في الدماغ. والنتيجة.. صارت حيَّةً في صورة ميتة.. عشر سنين.. عشرين سنة أو أكثر.
قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُون}، وليس معنى هذا أنَّ كل من أصابها المرض أنه عقوبة وجزاء من الله. كلا.. ولكن لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
لا تستسلمي للأحزان:
ليس أصعب على النفس من فقد الحبيب.. فالموت لا يفرِّق بين صغير وكبير.. ولا يفاضل من غني وفقير.. حذار من الذكريات.. فهي لا تشدُّكِ إلا للوراء.. لا تستسلمي للأحزان بعد موت أي قريب أو عزيز.. وتذكّري أنه لم يكن هناك جلل بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومع ذلك استمرَّ المسلمون في حمل الرسالة بعد وفاة نبيهم (صلى الله عليه وسلم)؛ لم يستسلموا للأحزان لفقدان حبيبهم، بل حملوا مشعل الهداية للعالم أجمع، وفتحوا الدنيا استمراراً لدعوة المصطفى (صلى الله عليه وسلم).
اقلبي الظروف السيئة لصالحك.. فقد تأتي المعاناة لتجعلها تنفجر إبداعاً وخلودا.. استغلّي حالة الحزن لتبدعي من خلالها من مواهبك وطاقاتك.. ابحثي في نفسكِ عما بطن فيها من مواهب كامنة.. فكّري في معاناة الاخرين وأسهمي في مدّ يد العون للمحتاجين.
لا تعلّقي قلبكِ بأي مخلوق كائناً من كان، فلا بدَّ بعد اللقاء من الفراق، ولا بد من الموت بعد الحياة.. احمدي الله على أن تلك المصيبة لم تكن أشد مما كانت.. ورضي الله عن عمر بن الخطاب حين قال: «ما أصابتني مصيبة إلا حمدت الله على أربع: أنها لم تكن في ديني، وأنها أهون مما كانت عليه، وأن الله ألهمني الصبر عليها، وأنه سيجازيني بها يوم ألقاه».
كيف أتخلص من الاكتئاب:
من الطبيعي أن تزداد مشاعر الاكتئاب في سن الشباب. فمن من الناس لم يمر بمرحلة الحزن والإحباط؟! ولكن:
_ تذكَّري أن لا شيء في الدنيا يدوم.. فلا الحزن بدائم.. ولا الفرح يدوم.. فإذا كنتِ تشعرين في هذا السن بالكابة والإحباط، فاعلمي حق اليقين أنَّ الله سبحانه وتعالى سيزيل ما بكِ من شدة وحزن بالدعاء واللجوء إلى الله.
_ تذكَّري أيضاً أنَّ الكابة ليست مقتصرة على من هم في سنك، فالكبار يكتئبون.. والصغار أحياناً يُحبَطون.. ولكن مشاغل الحياة تبعد عن الناس تلك المشاعر والأحاسيس، فاحرصي على أن تشغلي وقتك بما هو نافع.
_ أيقني أن كل هم أو حزن يصيبك وتصبرين عليه تثابين عليه وتؤجرين، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزن،ٍ ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلاَّ كفَّر الله بها من خطاياه». والرسول عليه الصلاة والسلام كان «متواصل الأحزان» وهو أحب العباد إلى الله تعالى، فلا تقنطي ولا تحزني، فالله سبحانه وتعالى يجزيك على صبركِ أحسن الجزاء.
_ أكثري من ذكر الله تعالى، فبذكره تطمئن القلوب، وتعلَّمي دعاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي يقول فيه: «اللهمَّ إني أعوذ بك من الهمِّ والحزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال».
_ أنشئي علاقات جيدة مع فتيات أكثر التزاما.ً. اجعليهن حولك ـ تواجدي في وسطهن.. اجعليهن حوائط صدٍّ للشياطين..
_ عودي إلى الحبيب الذي إذا ضاقت بنا الدنيا ناديناه.. الجئـي إلى الله.. قفـي على أعتـابه.. توسّـلي إليـه أن يرشـدكِ الصواب.. قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ}.
* * *
الفصل السابع عشر - أنتِ داعية
لم يقتصر الإسلام على تكليف الرجال بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.. بل حمَّل النساء جزءاً من هذه المسؤولية.. والله تعالى يقول: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُون}.. وفي القران نص صريح على تكليف النساء بالدعوة. قال تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا}..
وربما كانت المرأة أقدر على الإيضاح من الرجل في أمور شرعية خاصة بالنساء، أو ربما تستحيي المرأة من سؤال الرجل فيها.. يقول الإمام ابن العربي: «أمر الله أزواج رسوله (صلى الله عليه وسلم) بأن يخبرن بما أُنزل إليه من القران في بيوتهن، وما يرينَ من أفعال النبي (صلى الله عليه وسلم) وأقواله فيهن، حتى يبلِّغ ذلك إلى الناس فيعملوا بما فيه ويقتدوا به».
التزمي أولاً:
التزمي تعاليم الإسلام.. وطبقيها في حياتك كاملة.. وادعي غيرك إلى الإيمان، ولكن لا تستعجلي عليهن فالزمن جزء من العلاج.. والتدرج في التربية والتشريع من سنن الله.. احـذري يـا أختـاه ـ ثم احـذري ـ أن تُفرِّطي في شـيء من أحكام الإسلام.
حافظي على الفرائض.. واستكثري من النوافل.. امتنعي عن المحرمات والمكروهات والشبهات.. كوني تقية نقية في مخبرك ومظهرك.. إن ألممتِ بذنب أو تقصير أو فتور.. فالجئي تائبة نادمة باكية إلى الله تعالى.. أيقني أن الله سبحانه وتعالى توَّاب كريم.. ثم استأنفي المسير إليه بكل صدق وإخلاص.
هدفك في الحياة:
اجعلي لنفسك هدفاً في الحياة تسعين إليه، واسألي نفسك: ماذا تريدين من حياتك؟: المال؟ الشاب الوسيم؟ إعجاب الناس بك؟ التفوق الدراسي، وإثبات الوجود؟ تريدين الله؟!
فهذه الأمة تحتاج إلى أمهات، لا تكون أمنية حياتهن أن يعجب بهنَّ شاب، ولا تكون أسمى أمانيهن كلمة خادعة من فتى على الطريق.! أمهات يرين ماء الوضوء على وجوههن أجمل زينة، والحياء في سلوكهن أسمى هيئة، والحشمة في ردائهن أجمل حلَّة.
اعلمي يا أختاه أن الناس إذا أُعجبوا بك.. فإنما أُعجبوا بجميل ستر الله عليك!. لا تنظري إلى مجتمعك ومَن حولك نظرة سوداوية.. فتتشاءمين وتصابين بالإحباط.. وتقولين في نفسك: هذا مجتمع متخلف بعيد عن الإسلام.. لا خير فيه ولا أمل.! تذكري قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}.
كوني فتاة مسلمة متميزة:
ربما تكونين الان على أعتاب الجامعة أو قريباً من تلك المرحلة التي تبدأ فيها معالم شخصيك بالتبلور والتميز.
_ فكوني واثقة في الله أولاً ثم ثقي بنفسك.. ولكن من دون غرور.
_ وكوني قادرة على إثبات شخصيتك.. ولكن من دون عنادٍ أو مكابرة.
_ تحكمي في عواطفك.. ولكن من دون قهرٍ أو تعسف..
_ لا تتبعي أهواء نفسك في كل ما تصبو إليه، وما تحلم به.
* فالنفس تهوى اللهو والكسل... فلا تكسلي ولا تتهاوني فيما تطمحين إليه.
* والنفس تهفو إلى البذخ وحب المظاهر.. فأنفقي بحكمة والبسي من الثياب من دون إسراف ولا مخيلة.
* والنفس تهوى الشراهة في الطعام والشراب.. فلا تسرفي في طعامك، وحافظي على وزنك ورشاقتك.
* تسلحي بالإيمان حتى تكوني قوية الإرادة، وتتغلبي على ضعف أهواء نفسك الأمَّارة.
* تذكري أنه عندما يأخذ الاخرون برأيك ومشورتك، ويسيطر عليهم الصمت وهم يستمعون إليك،فإنك قد حققتِ ـ بإذن الله ـ ذلك التميز عليهم، فاحمدي الله على تلك النعمة، وحافظي عليها بزيادة ثقافتك ومعلوماتك.
* انشـري هذا الخيـر بين أخواتك وصديقاتك.. فـأنتِ في سـن العطاء، واحتسبي أجرك على الله..
نحن في معترك تغيير الوجود:
الحدَّاد قد يطرق قطعةً فيؤلمها من أجل أن يضيف إلى حوزة الحياة الة منتجة.. والنجار قد ينحتُ الخشب، ويهدر منه الكثير من أجل الجَمال.. وكذلك الداعون والداعيات إلى الله... إنهم مهندسو الحياة.
_ افهمي مقاصد القران حق الفهم.. فلا تعتزلي الناس مثلاً لمجرد أنك قرأتِ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم}.. فلا بد من أن تعرفي سبب نزولها والملابسات التي أحاطت بها عند نزولها. وهذا مجرد مثال واحد.
_ أكثري من الاستشهاد بايات القران في أقوالـك.. فبـدلاً مـن أن تحكي قصة ساذجة من حياة الناس أو من التاريخ.. احكي القصة التي تؤدي الغرض من قصص القرآن.. وبدلاً من أن تضربي للناس مثلاً شعبياً أو عامياً دارجاً، ابحثي عن مقابل له من القران.. وهكذا.
طريقة الدعوة:
لا تحوِّلي جرأتك في إظهار الحق إلى غلظة وشدة تنفِّر الناس.. كوني رفيقة لينة.. حكيمة في دعوة من تتعاملين معهم.. تخيَّري المناسبات، وتحيَّني الفرص حتى يكون لتوجيهك أثر فعال..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق