إرشاد الحيارى في حكم الدراسة في مدارس النصارى
الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت ١٣٥۰ هــ)
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تمثل رسالة "إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصارى"؛ للشيخ العالم الفاضل يوسف بن إسماعيل النبهاني- وثيقة تاريخية واجتماعية هامّة، ضمّت بين جنباتها صيحةً مدوية في العالم الإسلامي، حيث أنكر الشيخ النبهاني على الآباء الذين يُعلّمون أبناءهم في مدارس النصارى، مُبيناً ما في ذلك من المحاذير والمخالفات الشرعية والمخاطر الدينية والدنيوية، مستنهضاً حكام المسلمين وسلاطينهم، وعلمائهم وخطبائهم في التصدي لهذه الظاهرة التي فتكت بأجيال المسلمين، وطبّعتهم بطباعهم، وشتّتت به عليهم حاضرهم ومستقبلهم.
وقد صنّف الشيخ النبهاني هذه الرسالة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين (حيث طُبعت عام ١٣٢٢ هـ)، ومما ميّز هذه الرسالة أن مؤلفها -وهو العالم الفاضل يوسف النبهاني -قد شغل منصب رئيس محكمة الحقوق في بيروت، الأمر الذي يجعله قريباً من الواقع الاجتماعي والسياسي لبلاد الشام، وكونه أحد القارئين لعموم الحواضر الإسلامية في تلك الحقبة، بل ومن أبرز المؤرخين لها.
وفي الحقيقة أن مدارس الإرساليات النصرانية لم تكن معزولة عن المناخ السياسي العام؛ فبعد حوادث عام ١٨٦۰م في الشام، تحولت بيروت إلى ساحة صراع نفوذ بين الدول الأوروبية عبر (القوة الناعمة) المتمثلة في الإرساليات. فكانت فرنسا تدعم المدارس اليسوعية والمارونية لترسيخ نفوذها وثقافتها، بينما تدعم بريطانيا وأمريكا المدارس البروتستانتية (مثل الكلية السورية البروتستانتية - الجامعة الأمريكية لاحقاً). ولم تكن هذه المدارس مجرد مؤسسات تعليمية خيرية كما رُوّج لها، بل كانت أدوات سياسية مغلفة بالدين والتعليم، لإنشاء جيل من النخب المحلية يدين بالولاء الثقافي والسياسي للعواصم الأوروبية، وهو ما فطن إليه الشيخ النبهاني وحذر منه في وقته.
وتكمن أهمية هذه الرسالة كونها تندرج في بوتقة الحركة الإصلاحية التي نشطت إبّان ضعف الخلافة، ونشاط الغزو الفكري الذي شهده أواخر العصر العثماني؛ فكان الشيخ النبهاني مصلحاً تربوياً، ومفتياً دينياً من الطراز الأول. وتكتسب فتوى الشيخ النبهاني وأطروحاته في هذه الرسالة بعداً استشرافياً؛ إذ تنبأ مبكراً بما يُعرف اليوم بـ "الغزو الفكري" و"التغريب"، وصياغة العقل المسلم وفق قوالب ومفاهيم غربية، مما يجعل الكتاب حلقة وصل أساسية لفهم التحولات الفكرية التي طرأت على مجتمعات بلاد الشام ومصر مع مطلع القرن العشرين.
أما الباعث على تأليف هذه الرسالة؛ فهو ما عاينه الشيخ النبهاني خلال إقامته الطويلة في بيروت (والتي تجاوزت ١٥ عامًا) من ظواهر اجتماعية وسياسية خطيرة؛ تكمن في إقبال بعض جهلة المسلمين على إلحاق أبنائهم بالمدارس الإرسالية والأجنبية (كاليسوعية والمارونية) التي أسسها الإفرنج.
وربما كان دافع الآباء الأساس في ذلك هو تعليم أبنائهم اللغات الأجنبية والعلوم الدنيوية، إلا أن هذه المدارس اشترطت شروطًا صارمة تمس العقيدة، مثل إلزام الطلاب المسلمين بحضور الكنائس ومشاركة النصارى في عباداتهم وتعلّم أجواء من دينهم.
وقد وضع المصنف كتابه في مقدمة (تشتمل على مبحثين)، وأربعين فصلًا، وخاتمة.
واعتمد في المقدمة والفصل الأول منها على النقل والاختصار من أمهات الكتب الإسلامية كـ "شرح صحيح مسلم" و"رياض الصالحين" للإمام النووي، و"إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي.
وفي المبحث الأول: أصّل المؤلف لوجوب النصيحة من القرآن الكريم، مستشهدًا بقصص الأنبياء (كنوح وهود عليهما السلام)، كما استند إلى الحديث النبوي الشريف: (الدين النّصيحة)، موضحًا أن النصيحة تشمل: النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. كما بَيَّنَ أن أعلى مراتب النصيحة وأوجبها هي تلك المتعلقة بأساس الدين وحماية العقيدة من الزوال، وهو ما دفعه لتأليف هذا الكتاب نصحًا لعامة المسلمين.
بينما المبحث الثاني، فقد أوضح فيه المصنف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، يترتب على تركه الهلاك العام للمجتمع (مستشهدًا بحديث السفينة وحديث أم المؤمنين زينب بنت جحش: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"). كما أشار إلى أن بعض المنكرات الشنيعة (مثل إدخال الأولاد لمدارس تُعلّم الكفر) لا تحتاج إلى إقامة دليل لإثبات قبحها، بل إن مجرد حكاية حالها ووصفها كافٍ في التشنيع عليها واستنكارها.
وقد أسس المصنف حكمه في هذه الفصول على قاعدة شرعية جليلة وهي (وجوب حفظ الضروريات الخمس)، وعلى رأسها حفظ الدين. فالأب في المنظور الإسلامي ليس مجرد مُعيل دنيوي، بل هو راعٍ مسؤول عن عقيدة رعيته بنص الحديث الشريف: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).
وبناءً على ذلك، اعتبر النبهاني أن إلحاق الآباء أبناءهم بهذه المدارس هو تفريط في (الولاية الشرعية) وخيانة للأمانة، إذ كيف يُستأمن على تربية الطفل من يرى عقيدته باطلة؟ فالمنع هنا ليس منعاً من مجرد العلم، بل هو سدٌ للذرائع المفضية إلى تزلزل اليقين، وحمايةٌ لـ 'حِمى العقيدة' الناشئة التي لم يشتد عودها بعد في وجه الشبهات
كما لخص في الفصل الأول: منهج تربية وتأديب الأولاد، (وذكر أن ذلك مستفاد من الإمام الغزالي)؛ فبين أن: الطفل أمانة، وقلبه جوهرة ساذجة (نقية) قابلة لكل نقش ومائلة إلى ما يُعوّد عليه. وأن صيانة الأولاد من نار الآخرة تكون بتأديبهم، وتعليمهم القرآن، وحفظهم من قرناء السوء، ومنعهم من قراءة الأشعار الفاسدة أو مخالطة أهل المجون في صغرهم، لأن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر. واستدل بالحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه).
وفي الفصل الثاني: بيّن واقع المدارس النصرانية في بيروت والحكم الشرعي فيها، حيث كشف الشيخ النبهاني أن المدارس الإفرنجية في بيروت (التي أصبحت مركزًا تجاريًا وثقافيًا يجتذب الناس) تضع شروطًا دينية تمس العقيدة، وأن التلاميذ المسلمين يعيشون فيها كالنصارى تمامًا. كما نقل عبارة القاضي عياض في كتاب "الشفاء" التي تؤكد إجماع المسلمين على تكفير من يقوم بأفعال لا تصدر إلا من كافر (كالسعي إلى الكنائس مع أهلها والتزيي بزيّهم)، ليؤكد خطورة الرضا بهذا المنكر. كما دعا الحكومة العثمانية (في عهد السلطان عبد الحميد الثاني) إلى التدخل لإخراج أولئك الأطفال رغماً عن أوليائهم ووضعهم في المدارس الإسلامية والأميرية المتوفرة بكثرة.
وفي الفصل الثالث: أوضح المقاصد الخفية للدول الإفرنجية من فتح المدارس في العالم الإسلامي، فليس الغرض الشفقة على أبناء المسلمين، بل الهدف هو إخراجهم من دينهم قلبيًا، واستجلاب محبتهم لثقافة الغرب ودوله. وقد نقل الشيخ النبهاني اعترافات خطيرة لكاتب إفرنجي (نشرتها مجلة "العالمين" ونقلها محمد أفندي طلعت) تُقر بأن محاربة الإسلام بالقوة العسكرية لم تعد تجدي، وأن السلاح الأقوى هو "تربية بنيه في المدارس النصرانية وإلقاء بذور الشك في نفوسهم" ليتخرجوا "لا مسلمين ولا نصارى" (بل مذبذبين)، وهو أشد ضررًا على الإسلام. كما تطرق إلى التركيز على تربية بنات المسلمين في مدارس الراهبات لتغيير نظام العائلة المسلمة، وهدم العقيدة من داخل البيت عبر الأم.
بينما تطرق في الفصل الرابع إلى دحض حجج الآباء المتساهلين في هذا الأمر، ورد على حجة بعض الآباء الذين يزعمون أن أبناءهم لن يتنصروا؛ لأن دين النصارى باطل لا يقبله عقل سليم؛ وقد بيّن لهم أن مجرد دخول الشك والفساد في عقيدة الولد يخرجه من الإسلام، سواء اعتنق النصرانية أم أصبح ملحدًا بلا دين.
وفي الفصل الخامس والسادس، بيّن طريقة النصارى في مدارسهم، وهي التدرج في إفساد اعقائد المسلمين، وصولاً إلى خلق حالة من النفاق؛ حيث يدخل الطفل المدرسة سليم العقيدة، ومع طول الملازمة والتربية اليومية ينفث المعلمون وقرناء السوء احتمال صحة الدين الآخر في قلبه. ويتدرج الطفل في دركات الكفر والزندقة خطوة بخطوة عبر الشك في عقيدة واحدة أو آية واحدة، أو الشك في الغيبيات (كالبعث والحساب والجنة والنار). وأوضح أن معظم هؤلاء الطلاب يؤول حالهم إلى "النفاق والزندقة"، فيصبحون بلا دين في الباطن، بينما يحافظون على المظهر الإسلامي (كالنطق بالشهادتين أو الصلاة ظاهريًا) حياءً وخوفًا من المجتمع الإسلامي المحيط بهم.
وفي الفصل السابع والثامن، يُبيّن الشيخ النبهاني حقيقة الإيمان المنجي، وذلك يتمثل في موقف المعلم الذي ينوّه لطلابه بأن "الدين فوق العقل". وأن المنع من التفكير في العقائد قد يقود التلميذ إلى تعميم الفكرة وكراهية الأديان جملة وتفصيلًا. بل يتحول التلميذ إلى استحسان "الزندقة" والإلحاد للتخلص من التكاليف الشرعية (كالصلاة والصيام) وإباحة الشهوات والمنهيات (كالفواحش والمحرمات) على طريقة ملاحدة الإفرنج. كما يؤكد على أن الإيمان المنجي عند الله هو التصديق الجازم بوجود الله وتوحيده واتصافه بالكمال، وتصديق نبيه محمد ﷺ في كل ما جاء به، وهو الأساس الذي يهدده دخول هذه المدارس.
وفي الفصل التاسع:يُبين طريقة النصارى في تسريب فكر الانحلال إلى الصبيان، حيث يتسلل الشك إلى قلب الصبي المسلم في هذه المدارس تدريجياً عبر الأيام والسنين، مدفوعاً بدراسة العلوم الطبيعية ومخالطة المعلمين والتلامذة الملحدين، والاطلاع على كتب الإفرنج التي تستهزئ بالأديان. وبسبب خلو ذهن الصبي وجهله بحقائق الإسلام، يعقد مقارنة خاطئة يظن فيها أن دينه غير معقول كدين النصارى الذي رأى عيوبه، فيتحول قلبه الصافي إلى مرآة تنطبع عليها تلك العقائد الفاسدة، لينتهي به المطاف إلى الخروج من المدرسة بنفاق ظاهر؛ يعيش بين المسلمين بجسده، لكن باطنه منقطع تماماً عن الدين، مستحقاً للخطيئة والخلود في النار.
وفي الفصل العاشر: يُحدثنا عن واقع التلاميذ بعد تخرجهم من تلك المدارس، فبمجرد خروج التلميذ من المدرسة بعد سنوات من انحلال عقيدته، يعيش في المجتمع بآزدواجية منافقة؛ يظهر الشهادتين علانية، لكنه يسر الإلحاد والضلال حين يخلو بأقرانه من أصحاب الفكر المشابه، مستخفياً عن والديه، يُربي أولاده على هذا النفاق. ولا يمكن لهذا التلميذ أن يستعيد دينه المفقود إلا إذا تداركته رحمة الله، وهو أمر مشروط بعزل نفسه عن أسباب الضلال، واعتزال رفقاء السوء، والإقبال على معاشرة صلحاء المسلمين، مع ملازمة العبادات الظاهرة من صلاة وصيام والتزام بأحكام الشريعة.
وفي الفصل الحادي عشر: يوضح أن ظاهرة عدم التدين في تلك المدارس واضحة تماماً؛ فلا تقتصر هذه المدارس على إفساد أولاد المسلمين، بل إن أولاد النصارى أنفسهم يخرجون منها ملحدين (طبيعيين) ومجردين من أي دين، نتيجة نضج عقولهم واطلاعهم على عيوب عقيدتهم التي لا جواب لأسئلتها، مدفوعين بالقراءات العقلية. وبما أن التلميذ المسلم يختلط بهؤلاء التلامذة ليله ونهاره، فإن أخلاق عدم التدين تنتقل إليه بالعدوى الحتمية، مضافاً إليها ما يتلقاه من المعلمين، مما يجعل نجاة عقيدة الطفل المسلم في هذه البيئة أمراً مستحيلاً ومخالفاً للعادة، تماماً كمن يزعم أنه يُرمى بقذائف المدافع ويبقى حياً.
وفي الفصل الثاني عشر: يُبطل النبهاني حجة الآباء الذين يُصرون على التحاق أبنائهم بتلك المدارس لأجل دراسة بعض العلوم الدنيوية واللغات، يويؤكد أن مدارس المسلمين كافية لتحصيل العلوم الدنيوية مع حفظ العقيدة والعبادات. ويوجه خطابه للأب الجاهل واضعاً إياه أمام خيارين: إما ابن عالم باللغات كافر مخلد في جهنم، وإما ابن جاهل بها مسلم مخلد في الجنة، معتبراً أن ادعاء الآباء بأن أبناءهم سيتعلمون دون أن يتأثر دينهم هو محض مكابرة، إذ إن مجرد دخول الكنيسة والعبادة مع النصارى يُعد هدماً لأصل العقيدة.
وفي الفصل الثالث عشر: يُزيّف النبهاني حجةً أخرى وهي تصور الاباء أن التحاق أبنائهم بهذه المدارس يحفظ عليهم ذكاءهم ونجابتهم، وقد رد على ذلك من وجهين حاسمين؛ الأول أن الأب والابن يقعان في الكفر فوراً بمجرد الرضا بشروط المدرسة ودخول الكنيسة (لأن الراضي بالكفر كافر)، والثاني أن الشكوك خطرات شيطانية وأمور معنوية تهاجم القلب قسراً بمجرد توفر أسبابها ولا يدفعها البلادة أو الذكاء. ومثل الأب الذي يدعي سلامة عقيدة ابنه الذكي في هذه المدارس، كمثل من يلقي بفلذة كبده إلى سباع ضارية جائعة ويزعم أنها ستتركه سالماً.
أما الفصل الرابع عشر؛ فيوضح المصنف تفاهة المكاسب الدنيوية أمام فداحة الخسارة الدينية؛ فيتساءل المصنف بإنكار عن الفائدة الحقيقية التي يجنيها الابن مقابل تضييع دينه، وشرفه، وحميته، وتحوله إلى صديق لأعداء الأمة وعدو لآبائه وأجداده المسلمين، ومقدماً لمصالح الإفرنج؛ فلا يجد إلا تعلم لغة أجنبية وقشور من علوم كان يمكن تحصيلها بأمان في مدارس المسلمين. ويشبه هذا الصنيع برجل مجنون أضاع أثمن الجواهر والآلي ليعتاض عنها بفلوس قليلة، واصفاً هؤلاء الآباء بأنهم يفعلون بأولادهم ومهج أكبادهم ما لا يفعله الأعداء بأعدائهم في الحرب.
وفي الفصل الخامس عشر: يكسر المصنف وهم العلاقة بين تعلم اللغات الإفرنجية وسعة الرزق والجاه، مستدلاً بالواقع المشهود حيث يعيش المعلمون الماهرون في هذه اللغات في أضيق عيش وأشد حاجة، بينما ينعم تجار المسلمون وعامتهم (الذين يجهلون اللغات) بالرفاهية وعلو المنزلة مع حفظ دينهم. فالرزق مقدر ولا يتوقف على لغات الإفرنج، بل إن الغالب هو العكس؛ لأن الأوقات الطويلة التي ضاعت في تعلم تلك اللغات لو استثمرت في التجارة وأسباب الكسب لفتحت للولد أبواباً أوسع من الوظائف الهزيلة.
وفي الفصل السادس عشر: يُوضح المؤلف وجوب التوكل على الله في قضايا الأرزاق والمعاش، واقتران الأخطار والهلكة بالربا والغش والفساد، فيُذكّر المصنف المسلم بضرورة التصديق بالآيات والأحاديث التي تؤكد أن الرزق مقدر ولن تموت نفس قبل استيفائه، مما يوجب السعي برفق (إجمال في الطلب) دون إضرار بالدين. ويمضي بمقارنة فقهية يوضح فيها أن ذنب الربا -على عِظمه وكونه الذنب الوحيد الذي أعلن الله الحرب على صاحبه ويخشى معه سوء الخاتمة- يُعد أقل خطراً على الدين من إدخال الأولاد للمدارس النصرانية، لأن الربا يخل بالدين أما هذه المدارس فهي الصاعقة التي تهدم العقيدة من أساسها.
وفي الفصل السابع عشر: يؤكد المصنف بيمين مغلظة أن المسلم الحق لا يمكن أن يختار الكفر لنفسه أو لولده ولو أُعطي الدنيا بحذافيرها، مستنكراً كيف يصدق الآباء أوهام الشيطان ونفوسهم الأمارة بالسوء ويكذبون عيونهم؛ فالإحصاء والواقع يثبتان أن أقل من ٥% من خريجي هذه المدارس ينالون الجاه والمال، بينما ينال الكثرة الكاثرة من الناس الرزق بدونها، معتبراً أن من لم يتعظ بهذا الكلام فقد انسلخ من زمرة العقلاء وأصحاب العقول.
وفي الفصل الثامن عشر: يحذر المصنف الأب من أن وضعه لولده في هذه المدارس هو بلاء جسيم يتجاوز الابن نفسه، ليصبح الأب سبباً مباشراً في كفر ابنه وكفر ذريته المتعاقبة التي قد تبلغ آلاف الأنفاس من بعده. وبناءً على الحديث النبوي الشريف: «من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها...»، فإن هذا الأب سيتحمل وزر ضلال كل تلك الأجيال المتعاقبة يوم القيامة، لأنه كان المتسبب الأول في شر وعقيدة فاسدة سلكت بذرية المسلمين أقبح المسالك.
وفي الفصل التاسع عشر: يغلق المصنف الباب أمام من يظن جواز إدخال الأبناء إلى المدارس النصرانية التي لا تشترط دخول الكنيسة، وتكتفي بتدريس العلوم واللغات، مؤكداً حرمتها أيضاً؛ نظراً لأن الطلاب فيها يتركون الصلوات والآداب الشرعية، ويتطبعون بأخلاق النصارى (كعدم الاستنجاء)، وتتسلل إلى عقولهم الصغيرة عبارات مخلة بالعقيدة مبثوثة وسط المناهج والمحادثات اليومية. وتراكم هذه المؤثرات شهراً بعد شهر يُرسخ في نفوسهم الشكوك والاعتراضات، والشك في عقيدة واحدة كافٍ للحكم بالكفر والخلود في النار.
وفي الفصل العشرين: ينبه المصنف إلى المخطط الخبيث الذي تقوده طوائف النصارى (وخاصة البروتستانت) بافتتاح مدارس خاصة بالإناث لاستدراج بنات المسلمين، لا سيما الفقيرات منهن، عبر تقديم المساعدات والكساء والدقيق. وتكمن الكارثة في أن الطفلة تدخل صغيرة وتتلقى أحكام النصارى، لتتخرج وهي نصرانية أو زنديقة الباطن ومسلمة الظاهر، فتنتقل هذه الزندقة الحتمية معها إلى بيتها المستقبلي وتربي أولادها على انحلال العقيدة، مما يؤدي في النهاية إلى هدم وتخريب الأسرة المسلمة من جذورها.
وفي الفصل الحادي والعشرين: ينتقد المصنف بشدة انخداع أوساط واسعة من المسلمين بالمظاهر الدنيوية البراقة لخريجي المدارس الأجنبية، مثل الملابس الحديثة والرطانة باللغات الأجنبية، مما جعل العوام يقدسونهم ويرفعون من شأنهم على حساب أهل الدين. وتكمن خطورة هذا المسلك في سقوط هيبة علماء الشريعة وحملة الدين في أعين الناس، وازدراء العلوم الشرعية ووصفها بالرجعية والمحدودية؛ والنتيجة الحتمية لهذه النظرة القاصرة هي نشوء جيل يربط التقدم والرفعة بتقليد الإفرنج والانسلاخ من الهوية الإسلامية، مما يمهد الطريق لسيطرة الأفكار الغربية على مفاصل المجتمع.
وفي الفصل الثاني والعشرين: يبين المصنف الجناية الفكرية والتاريخية التي يقع فيها التلميذ نتيجة تلقيه المناهج والتاريخ المزور المكتوب بأيدي الإفرنج، حيث يُربى على تعظيم القادة الغربيين وتبرير مجازرهم وسياساتهم الاستعمارية. والحجة في هذا الطرح أن في هذا النوع من التعليم إعادة صياغة للولاء والبراء، ونتيجة ذلك أن يتخرج الطالب محملاً بالهزيمة النفسية، والعداء الصريح لتاريخ أجداده ودولته المسلمة، فيتحول دون أن يشعر إلى طابور خامس يدافع عن مصالح المستعمر ويبرز محاسنه، ويستر عيوبه وقبائحه أمام أبناء جلدته.
وفي الفصل الثالث والعشرين: يركز المصنف على الجانب السلوكي والأخلاقي، حيث يوضح المصنف أن الاختلاط بالثقافة النصرانية في هذه المدارس يقضي على خصلتي الغيرة والمروءة التي ميزت المسلم، نظراً لاعتياد التلميذ على رؤية التبرج والسفور واستهجان الحشمة. والعلة هنا أن كثرة الاختلاط بالبيئة المنحلّة تقضي على الإحساس بالمنكر، مما يؤدي إلى خروج جيل من الآباء والشباب المستقبليين الذين لا يغارون على محارمهم ولا تهتز فيهم الحمية الإيمانية عند رؤية التجاوزات الشرعية، مما يمثل تهديداً مباشراً للبنية الأخلاقية والاجتماعية للأمة.
وفي الفصل الرابع والعشرين: يُبين المصنف واجب الوقت، بوضع المسؤولية الكاملة على عاتق أولياء الأمور ووجهاء المسلمين في تدريس أبنائهم وبناتهم في مدارسهم الخاصة، مؤكداً أن العجز والجهل ليسوا أعذاراً مقبولة أمام الله لتضييع العقيدة. والحجة التي يرتكز عليها هي أن البديل الإسلامي متوفر وممكن عبر إحياء وتطوير الكتاتيب ومدارس المسلمين، ودعمها بالعلوم العلوية والدنيوية النافعة مع صيانة الدين والصلوات؛ والنتيجة الواجبة هي المقاطعة التامة والشاملة لمدارس الإفرنج، واعتبار حماية عقيدة الأبناء والفتيات هي الثغر الأول والأهم للنجاة في الدنيا والآخرة.
وفي الفصل الخامس والعشرين: يتعجب المؤلف من طوائف النصارى واليهود؛ إذ يحرصون أشد الحرص على عدم وضع أبنائهم في مدارس طوائف أخرى (فضلاً عن مدارس المسلمين) خوفاً على عقائدهم. وفي المقابل، يُقبل كثير من "فساق المسلمين" على الزج بأولادهم في مدارس النصارى واليهود لتعلم اللغات الإفرنجية والعلوم الدنيوية، وهي علوم يمكن تحصيلها في مدارس المسلمين أو عبر المعلمين الخصوصيين.
كما يرد المؤلف على الأب الذي يزعم أنه لا يخشى على ولده؛ لأن المسيحية باطلة وظاهرة البطلان، مؤكداً أن هذا من تسويل الشيطان؛ لأن الصبي إذا اختلت عقيدته الإسلامية في صغره، استوى لديه البقاء على الإسلام أو الدخول في غيره.
وفي الفصل السادس والعشرين: يستشهد المؤلف بعبارة للشيخ الصوفي عبد العزيز الدباغ (من كتاب الإبريز) حول خطورة ارتياد الأماكن التي تُرتكب فيها المعاصي علناً (كالحمامات العامة المكشوفة العورات)؛ حيث تفارقها الملائكة وتحل فيها الشياطين، مما يتسبب في اضطراب نور إيمان الشخص الفاضل وميله التدريجي للمعصية.ثم ضرب مثلاً لذلك: برجل يجلس بين شَربة الخمر يقرأ كتاب "دلائل الخيرات"؛ فإنه لن يمر عليه وقت طويل حتى ينقلب مثلهم بفعل المخالطة، ويُسقط هذا الحكم على إرسال الأطفال لمدارس النصارى، مستنتجاً أن مبيت الطفل معهم ليل نهار سيؤدي حتماً إلى اختلال عقيدته أو ردته.
وفي الفصل السابع والعشرين: ينهى المؤلف عن تكثير سواد غير المسلمين أو زيادة جموعهم، مستدلاً بحديث ابن عباس في صحيح البخاري حول ذمّ أقوام من المسلمين خرجوا مع المشركين فكثروا سوادهم (عددهم) في المغازي ضد المسلمين فنزلت فيهم الآية: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}. ويقيس على ذلك أن وضع الأبناء في مدارس الأجانب هو تكثير لسوادهم وإعلاء لشأنهم، وهو محرم شرعاً حتى لو لم يوافقم الطالب بقلبه.
وفي الفصل الثامن والعشرين: يوجه المؤلف خطابه مباشرة إلى الطفل أو الغلام المسلم الذي يدفع به أبوه (الذي وصفه بالجاهل أو الزنديق) نحو هذه المدارس هادماً دينه؛ ويأمره صراحة بالامتناع وعصيان والديه في هذا الأمر، مبيناً أن سم الكفر يدخل قلبه تدريجياً، وأن تحمل القسوة والضرب من الوالدين أهون بآلاف المرات من المخاطرة بالدين والخلود في النار.
وفي الفصل التاسع والعشرين: يوضح المؤلف أثر المدارس النصرانية في تجهيل المسلم بدينه، وإيجاب الفقه الإسلامي على الوالدين تربية الولد مع أقرانه المسلمين ليزداد إيمانه (مستشهداً بقول الجيلاني: إن النظر في وجوه المؤمنين يزيد الإيمان). كما يستعرض المؤلف جملة من الآيات المحكمة التي تحرم اتخاذ غير المسلمين أولياء وموادّتهم، ويتساءل كيف لطفل نشأ مع معلمين نصارى صاروا له كآبائه، وتلاميذ صاروا له كإخوته، أن يطبق هذه الآيات؟ مؤكداً أن الخريج من هذه المدارس يخرج جاهلاً بأبسط أحكام الصلاة والصيام وعبادات الإسلام، فتصبح ثقيلة عليه ويعيش تعيساً تاركاً للشعائر.
وفي الفصل الثلاثين: يُقرر المؤلف أنه في حال كان المسلم يعيش تحت حكم غير مسلم ويُجبر على وضع ابنه في مدارسهم، فإن الواجب عليه هو "الهجرة" فوراً إن كان قادراً، مستدلاً بآيات سورة النساء (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). وينقل عن المفسرين والفقهاء (كالبيضاوي، والخفاجي، وابن العربي) وجوب الهجرة من أرض الكفر أو الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي ولا تُقام فيها شعائر الإسلام.
وفي الفصل الحادي والثلاثين: يردّ المؤلف شبهة من يبرر دخول هذه المدارس بالحاجة لتعلم علوم الإفرنج وصناعاتهم الحربية والدنيوية لمواجهتهم؛ فيقول: إن خسارة الدين بالكلية لا توازي أي مصلحة دنيوية، ويقترح بديلاً شرعياً: أن يُربى الغلام في مدارس المسلمين أولاً حتى يرسخ الإيمان في قلبه ويكبر، ثم بعد ذلك يمكنه الانتقال لمدارسهم لتعلم الصنائع الجزئية إن أُمن عليه الفساد العقدي.
وفي الفصل الثاني والثلاثين: يُحذّر المؤلف من النفاق الاجتماعي عبر مداهنة النصارى أو الميل إليهم، كما يوبخ المؤلف جهال المسلمين الذين يضعون أبناءهم في مدارس الغرب تقرباً إليهم، وهروباً من تهمة "التعصب الديني"، في حين أن الغربيين يفتخرون بتعصبهم لأديانهم الباطلة. ويؤكد أن الاعتزاز بالإسلام وإعلانه (كالأذان) هو الشرف الحقيقي. ويذكر لذلك قصة حقيقية مستهجنة لرجل من كبار المسلمين الصالحين (في نظره ونظر الناس) جلس على مائدة نصراني، فلما وُضعت الخمر شرب منها خشية أن يقال عنه "متعصب في دينه"، معتبراً هذا ذروة الجهل وآفاته.
وفي الفصل الثالث والثلاثين: يحدد المؤلف الواجب الكفائي والشرعي لإنقاذ أبناء المسلمين، ووجوب السعي في إخراج صبيان المسلمين من مدارس النصارى (عبر النصح، أو الوساطة، أو الحكام، أو دفع المال للآباء الفقراء كحال مدارس البنات البروتستانت في بيروت) ومن لم يفعل فإنه يدخل في القاعدة الخطيرة وهي: "أن الرضا بالكفر كفر"، فمن رضي ببقاء أولاد المسلمين في هذه المدارس فهو شريك في الإثم والوعيد.
وفي الفصل الرابع والثلاثين: يُبيّن المؤلف دور الحكومات المسلمة وسلاطينها في الحد من هذه المدارس، ويستشهد بمقولة عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن؛ موضحاً أن الوعظ الديني في هذا الكتاب قد يؤثر في المسلمين الموفقين، أما الفساق والمنافقون والزنادقة فلا يردعهم إلا القوة، لذا يجب على ولي الأمر (السلطان) منع صبيان المسلمين من دخول هذه المدارس بقوة القانون والسياسة احتياًطا للدين.
وفي الفصل الخامس والثلاثين: يؤكد المؤلف اعلى رفضه لاحتجاج بأن بعض "أكابر المسلمين" يضعون أبناءهم في مدارس الأجانب، واصفاً إياهم بأنهم "أصاغر وسفلة" في ميزان الدين، وأنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون.كما يتعجب من العبقرية الدنيوية التي حازها الغربيون في (المخترعات والصناعات) وبين الجنون العقدي في الدين (حيث يعتقدون بالتثليث، وألوهية المسيح البشري، واستحالة الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح في الكنيسة)، معتبراً أن الله صرف قلوبهم عن الدين الحق لعلمه بأنهم من أهل النار.
وفي الفصل السادس والثلاثون: يتعجب المؤلف من نشاط الإرساليات المسيحية (المبشرين)، في مقابل تخاذل كثير من المسلمين، ويستعرض الجهود الضخمة التي يبذلها الإفرنج لنشر النصرانية عبر إنشاء الجمعيات، وضخ الأموال، وإرسال "المبشرين" للقرى لإغواء الأطفال والجهال، وفتح المدارس وطباعة الكتب. وفي المقابل، ينتقد تقاعس المسلمين الشديد وخذلانهم في نشر دينهم أو حماية أبنائهم من الشرك والشك في هذا الزمان الذي هجم فيه الكفر على الإيمان.
وفي الفصل السابع والثلاثون: يُحذر المؤلف تحذيراً شديداً من الكتب الأدبية والتراثية التي تصدرها "المطبعة اليسوعية" للرهبان في بيروت (مثل كتاب فقه اللغة وكتاب الألفاظ الكتابية والمجون الأدبي). ويتهمهم صراحة بحذف الخطب والألفاظ التي تعظم النبي ﷺ أو تؤيد الإسلام، وتبديل العبارات الصحيحة بأخرى فاسدة، محذراً من الاغترار بتقاريظ بعض علماء المسلمين عليها لأنها قد تكون محرفة كذلك.
وفي الفصل الثامن والثلاثين: أوضح المؤلف خطورة تدريس كتب المخالفين لنهج طريقة أهل السنة والجماعة، حتى لو كان الهدف منها تعلم البلاغة، وخص بالذكر كتاب "نهج البلاغة"، مستشهداً بـ (الذهبي وابن خلكان) في أنه مكذوب ومن جمع الشريف الرضي أو المرتضى وفيه سب للصحابة (أبو بكر وعمر)، ويذكر قصة شاب بيروتي مال إلى التشيع بسبب قراءته لهذا الكتاب في المدرسة. كما يحذر من حركة نشر الفكر الشيعي (الرفض) بين الأعراب وأهل القرى في العراق عبر علماء يطوفون عليهم.
وفي الفصل التاسع والثلاثين: يوجه المؤلف خطاباً حارص لعلماء وخطباء المسلمين، من أجل العناية بهذا الجيل، وتقديم النصح له من على المنابر، ويعيب عليهم صمتهم وعدم نصحهم للعوام الذين يتصرفون في أديانهم كـ "الأنعام". ويعيد التأكيد على المفارقة بين ذكاء هؤلاء العوام (أو الأكابر) في التجارة والدنيا، وجنونهم في تضييع آخرتهم ومداهنتهم لأصحاب العقائد الفاسدة (التثليث والصلب المزعوم)، مذكراً بالقدر الإلهي الذي قسم الخلق إلى حزبين: أهل الجنة (المؤمنون) وأهل النار (الكافرون).
وفي الفصل الأربعين: يستنكر المؤلف غياب الغيرة الدينية لدى قطاع كبير من المسلمين الذين يرون المنكرات جهاراً، ومنها تسليم فلذات أكبادهم لمدارس الأجانب، دون أن تتحرك فيهم النخوة الإيمانية لحماية عقول الناشئة. كما ينتقد بشدة المفهوم المشوه للتحضر الذي يدفع البعض للتخلي عن اعتزازهم بشعائر الإسلام الظاهرة (كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلوات في أوقاتها) استرضاءً للمجتمعات أو الإرساليات الغربية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق