أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

الدفاع عن حديث الجارية تصنيف عبدالله بن فهد الخليفي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الدفاع عن حديث الجارية

 تصنيف عبدالله بن فهد الخليفي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: العقل نعمة من الله تعالى جسيمة، فهو مناط التكليف في الإنسان، وأحد الضروريات الخمس التي حافظ عليها الشرع، وقد أرشد القرآن الكريم إلى أهمية العقل في تبيُّن الآيات، والاتعاظ بالحوادث، والتفكر في المخلوقات، والتمييز بين المتشابهات، والتفريق بين الهداية والغواية، وقد وصف القرآن الكفار أنهم لا يعقلون، ولا يفقهون، وكثيراً ما يُنبّه إلا أنه لا يستفيد منه إلا أولو النُّهى والألباب، وأرباب التذكرة والاستبصار، وهم أصحاب العقول السليمة.

وقد اتفق عقلاء هذه الملة، بل كل من سلمت فطرته من غوائل الشهوة والشبهة على أن العقل الصريح يتفق تمام الاتفاق مع النقل الصحيح، إلا أن النقل مقدم على العقل وليس العكس، خلافاً لما فعلته بعض الفرق الضالة، الذين جعلوا العقل حاكماً على النقل، وفتحوا بذلك كل أبواب الفتنة والشر والضلالة.

وبالفعل فقد رأينا بعض المتأثرين بالسفسطة الكلامية، كيف أنهم أساءوا استخدام العقل، فكان ذلك سبباً في ضعف يقينهم في صفات الله جل وعلا، ولم تسلم فطرتهم من عبث العابثين، وإخضاع الروح العالي في الدين إلى المناقشة والرد، حتى جعلوا من تلك السفسطات مبادئ لا يمكن مخالفتها، بل أساساً لكل بحث في الدين، فإذا جاء النص أرهقوه تأويلاً حتى ينسجم مع ما ظنوه عقلاً وأصلاً!!

وهذا جزء حديثي صغير، وضعه الشيخ عبد الله الخليفي للدفاع عن حديث الجارية المشهور عند مسلم وغيره، والذي طالمها ردَّه المتكلمون بالتأويلات الضعيفة والشبهات الواهية والمجازفات الخطيرة، التي أثرت تاريخنا الفقهي والحضاري بالجدال الفقهي والخصومات الفكرية، والمنازعات المذهبية، ابتداءً بالطعن في بعض رواته، كالطعن في (هلال بن أبي ميمونة) أحد رواة الحديث، ثم وصم الحديث بالاضطراب (وبالتالي بالضعف)، وتزييف أقوال الحفاظ، خصوصاً الحفاظ االثلاثة (البزار، والبيهقي، وابن حجر).

ولعل الباعث الأساس على تأليفه هو الرد على الشيخ حسن على السقاف في رسالته (تنقيح الفهوم العالية فيما صح وما لم يصح من حديث الجارية)، وكعادة هذا الرجل الذي استمرأ القذع والسبِّ والتجريح في أهل السُّنة والمحدثين، والذي كثيراً ما ينعتهم بالبلادة، وقلة الفهم، والتشبيه والتمويه، والضلال، فقد عرّض نفسه بهذا التأليف للامتحان، وكان لزاماً على من يعتني بالدفاع عن السُّنة أن يضعه على ميزان النُّقاد رواية ودراية ليُعرف خطؤه من صوابه.

وقد وضع السقاف في رسالته المشار إليها- عدداً من الشبهات التي ظنها وجوهاً صحيحةً لرد الحديث وإبطاله؛ لكنها في الحقيقة ليست بشيء في ميزان النقد العلمي والحديثي. ولم يفت السّقاف أن يحشو كتابه المذكور بألفاظ ظالمة وقبيحة، غيرَ مُبالٍ بما يورده، أسوةً بسلفه من الجهمية والمعطلة.

 وينقل الخليفي أن السقاف الذي ردَّ حديث الجارية مع جلالته واتفاق النقاد على صحته، وقع في هوّة التناقض والاختلاف؛ حيث صحح أحاديث اتفق المحدثون على ضعفها ووهائها، وتوثيقهم لمن أجمع النُّقاد على تركهم، وضرب لنا مثلاً بحديث أبي جعفر الرازي عيسى بن ماهان (انسب لنا ربك)، فوثّقه السّقاف في حين اتفق النُّقاد على ضعفه.

وهو بلا ريب تناقض فاحش، فكيف يقع فيه، وهو -أي السقاف -صاحب (تناقضات الألباني الواضحات)؟!، وللأسف فقد كان منهج التأويل سبباً في الجمود الفكري، ودعوة إصرار على ردّ كل حق وصواب، حتى رمى بعضهم كبار الحفاظ بالوهم والخطأ وقلة الفهم!

كل ذلك حفاظاً على المنهج المضطرب في رد الحديث وإبطاله، وتأويله عدداً من آيات الصفات، واستطاع الخليفي -فيما أحسب- أن ينقض منهج السقاف، والذي يتضح أنه امتدادٌ للمدرسة الكوثرية المتعصبة، والذي طعن قبل تلميذه طعناً جارحاً في الحديث ومصححيه ورواته، انتصاراً لأشعريته ومذهبه العقدي.

كما تناول المؤلف بعض الصفات الإلهية التي تأولها بعض المبتدعة؛ كالساق والوجه واليد والاستواء ونحوها، وذكر عنه أربعة عشر افتراءً على أئمة السلف، كابن خزيمة، والدارقطني، وأبي عثمان الدارمي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم. ولعل أمثال السقاف أحقُّ من يُتَّهمُ في صدقهم، وتطرح شهاداتهم، ولا يُوثق بعلمهم ولا عملهم، فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد توحيد خالص، غير مشوبٍ بالآراء والفلسفات، وإن أولى الناس بردِّ شهادته في حكم الله ودينه من ردَّ شهادة الله على كتابه وبهت حقَّ الله بباطله.

يقول المؤلف: "وقد يرى القاريء في هذا الكتاب شيئاً من الشدة وقد وقعت على سبيل المقابلة؛ فالمردود عليه طويل اللسان" اهـ. ونحن لا نرى مقابلة التسفيه بمثله أو الغلط بمثله؛ لأن الإنصاف يقتضي التأدب في الخصومة، لأن تسويغ ذلك يفضي إلى استمراء ذلك، واستمراره واتباعه منهجاً مع كافة الخصومه، وصيرورته سجيّةً في أصحابه.

فينبغي أن يُعامل كل إنسان بما يليق به؛ لأن قلة الإنصاف تحدِث في العلم فساداً كبيراً؛ ذلك لأن من لا يقدر الإنصاف قدره، فقد يرى بعض الآراء العلمية الصحيحة قد صدرت من شخص لا يرتاح هو لأن تكون قد صدرت منه، فيقابلها بالرد والأنكار، وقد تكون له براعة بيان، فيصرفها في تشويه وجه الحق، وهو يعلم أنه حق، فيظهر الجهل على العلم، ولو في فئة قليلة، أو دائرة صغيرة.

حديث الجارية

أما حديث الجارية؛ فهو ما رواه مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: "كانت لي غنم بين أُحُد والجَوَّانِيَّةِ، فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة فصككتها؛ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فعظم ذلك عليّ فقلت: "يا رسول الله أفلا أعتقها؟"، قال: "ادعها"، فدعوتها.

فقال لها: "أين الله؟" قالت: "في السماء". 

قال: "من أنا؟"، قالت: "رسول الله". قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". 

والحديث صححه ابن خزيمة في صحيحه (859) وأبوعوانة في مستخرجه (1727) وابن الجارود في المنتقى (212).

  • وعن صدقة، قال: سمعتُ سليمان التيمي، يقول: لو سئلتُ أين الله؟ لقلتُ في السماء.

  • قال يحيى بن المغيرة: سمعتُ جرير بن عبد الحميد، يقول: كلام الجهمية أوله عسل، وآخره سُم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله. إسناده جيد، مختصر العلو (ح: 149).

أما أبرز شبهات السقاف على حديث الجارية من جهة الرواية

 الشبهة الأولى: الطعن في هلال بن أبي ميمونة -أحد رواة الحديث-، ونقل لذلك قولين فقط من "تهذيب الكمال"، وهما قول النسائي ((لا بأس به))، وقول أبوحاتم الرازي ((شيخ))، ثم نقله كلام ابن حبان فيه، وقوله فيه أنه ((صدوق)) فقط، متخذاً من ذلك ذريعةً للطعن في الحديث!

الجواب: لا يخفى على أحد له معرفة بالفن أنهما متشددان، ولا يخفى أن هلال بن أبي ميمونة ممن احتج بهم البخاري في صحيحه في غير ما موضع فهو ثقة عنده، وكذلك احتج به مسلم، ووثقه الإمام مالك، والدارقطني، وابن حبان، والذهبي في الميزان ((ثقة))، وتابعه الحافظ في التقريب. 

الشبهة الثانية: احتج السقاف برواية عبدالرزاق في المصنف: عن ابن جريج عن عطاء وفيها: فسألها النبي صلى الله عليه وسلم ((أتشهدين أن لا اله الا الله)) قالت: نعم ((وأن محمدا عبده ورسوله)) قالت نعم ((وأن الموت والبعث حق))قالت نعم ((وأن الجنة والنار حق)) قالت نعم فلما فرغت قال ((اعتقها أو أمسك)).

ثم قال السقاف: هذا اسناد صحيح عال، بل وادعى أن صحابي هذا الحديث هو معاوية بن الحكم السلمي راوي حديث الجارية في صحيح مسلم ليتسنى له الحكم على الحديث بالاضطراب.

والجواب: أن عطاء في رواية عبدالرزاق غير عطاء في رواية مسلم؛ فعطاء في رواية مسلم هو عطاء بن يسار كما جاء مصرحا به وابن جريج لا يروي عن عطاء بن يسار، إذن عطاء في رواية عبد الرزاق هو عطاء بن ابي رباح على الراجح، ويروي عنه ابن جريج، ولا يعرف له سماع من معاوية السلمي، بل هو مطعون بسماعه من جمع الصحابة ولم يسم عطاء الصحابي في الحديث، ولم يصرح بالسماع منه فالرواية مرسلة لا صحيحة كما زعم السقاف.

 أما من ناحية الدراية فالحادثة في صحيح مسلم غير الحادثة في مصنف عبدالرزاق واليك الفروق بينها:

الفرق الأول: هو أن الرجل صاحب الجارية عند عبدا لرزاق أراد أن يهدي الشاة الى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يوجد في رواية مسلم

الفرق الثاني: هو أن الرجل صاحب الجارية في مصنف عبد الرزاق يعرف الحكم الشرعي في المسألة على عكس معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم فانه جاء مستفتياً

الفرق الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاوية بن الحكم السلمي باعتاق الجارية على عكس صاحب الجارية عند عبدالرزاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد خيره بين الاعتاق والامساك

الشبهة الثالثة: احتج هذا المنفوخ برواية سعيد بن زيد عن توبة العنبري عن عطاء بن يسار به  _ وقد ذكر سندها المزي في تحفة الأشراف _ والتي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم مد يده اليها (أي الجارية) مستفهما من في السماء ؟ قالت الله قال فمن أنا ؟ فقالت رسول الله قال اعتقها فانها مسلمة)) وزعم السقاف  أن حديث الجارية من رواية معاوية السلمي مضطربة، وهنا اتهم الشيخ الألباني بالتناقض في شأن سعيد بن زيد؛ إذ أعل به هذه الرواية في "مختصر العلو"، وحسن روايته في ارواء الغليل؟!

والجواب: أنه حتى لو كانت رواية سعيد بن زيد حسنة وهو صدوق فان روايته هنا معلولة بمخالفته لمن هو أوثق منه عند مسلم، ولا يعزب عن ذهنك أن اسناد مسلم على شرط الشيخين فرجاله ثقات متفق عليهم عند أهل الفن، هذا ان كانت روايته حسنة. والصواب أنها دون ذلك فإن سعيد بن زيد بن درهم على ما جاء في تهذيب التهذيب: ثقة عند ابن معين في رواية، وقال أحمد لا بأس به ووثقه ابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال البخاري والدارمي ((صدوق حافظ)).

 وأما من جرحه فأولهم يحي بن سعيد القطان؛ قال ابن المديني سمعت يحي بن سعيد القطان يضعف سعيد بن زيد في الحديث جدا ثم قال قد حدثني وكلمته.. وعليه فإن القطان أعلم بحال سعيد بن زيد من غيره لالتقائه به وجرحه هنا مفسر فلا أقل من أن يعتبر عند اصدار الحكم النهائي على سعيد،  وقال أبو حاتم الرازي ((ليس بالقوي)) وقاله النسائي أيضاً.. 

وقال عنه البزار ((لين))، وقال الجوزجاني ((يضعفون حديثه وليس بحجة))،  وقال ابن حبان ((كان صدوقا حافظا ممن يخطيء في الأخبار ويهم في الآثار حتى لا يحتج به اذا انفرد)).

وقد أورد الذهبي في ميزان الإعتدال حديثين منكرين لسعيد بن زيد، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين- كما أفاد الشيخ حمدي السلفي في تحقيقه للضعفاء والمجروحين- لابن حبان، وقال العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين أنه سئل عن سعيد بن زيد فقال ضعيف.

الشبهة الرابعة: احتج السقاف بما بما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من من طريق حماد بن سلمة عن الشريد بن السويد الثقفي قال قلت يا رسول الله ان أمي أوصت أن أعتق رقبة وان عندي جارية سوداء نوبية فقال رسول ((من ربك)) قالت: الله، قال ((فمن أنا)) قالت رسول الله قال اعتقها فانها مؤمنة.

والجواب: هذا مرسل حسن. أما الارسال فلأن أبا سلمة مطعون بسماعه من جمع من الصحابة ولا نعرف تاريخ وفاة الشريد بن سويد حتى نعرف أكان معاصراً له أم لا، كما أن هذه الجارية غير جارية معاوية بن الحكم السلمي فاالإسناد غير الإسناد والصحابي غير الصحابي والمتن غير المتن فمعاوية أراد اعتاق جاريته لأنه صكها على وجهها أما الشريد فأراد اعتاقها لأن أمه أوصت بذلك وعلى فرض أنهما رواية واحدة فرواية مسلم الصحيحة المتصلة أرجح.

 الشبهة الخامسة: روى  أحمد في المسند، وأبو داود في سننه كتاب الأيمان والنذور عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول الله ان علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ((أين الله؟)) فأشارت باصبعها الى السماء فقال لها ((من أنا؟)) فأشارت باصبعها الى رسول الله والى السماء أي أنت رسول الله فقال اعتقها فانها مؤمنة

والجواب: أن الجارية هنا غير جارية معاوية فجارية معاوية تفصح جيداً، وهذه لا تفصح ومعاوية جاء مستفتي على خلاف صاحب الجارية هنا فإنه يعرف الحكم الشرعي في المسألة، وهي غير جارية محمد بن الشريد أيضا فمحمد بن الشريد ذكر أن أمه هي التي عليها عتق رقبة على خلاف صاحب الجارية هنا ثم ان جارية محمد بن الشريد كانت تفصح جيداً.

أما إسناد الحديث فهو ضعيف لأن سماع يزيد بن هارون من المسعودي بعد الاختلاط كما في الكاشف للذهبي ولكن يزيداً لم يتفرد فقد تابعه أسد بن موسى وأبو داود الطيالسي عند ابن خزيمة، ورواية الطيالسي عن المسعودي قبل الاختلاط لأنه بصري ورواية أهل البصرة عن المسعودي قبل الاختلاط _ كما في تهذيب التهذيب _ مع العلم أنه جاء في رواية الطيالسي ((من ربك)) بدلا من ((أين الله)) ولكن عوناً خالفه الزهري فروى الحديث بلفظ ((أتشهدين أن لا الا الله))!.

الشبهة السادسة: زعم هذا المأفون تبعا لشيخه الغماري _ كما ص 22_ تواتر الامتحان بشهادة أن لا اله الا الله ولكن الغماري عاد لينقض هذا التواتر المزعوم ببذكره لرواية ((من ربك)) فهذه من تناقضات الغماري الواضحات بل ومن تناقضات غلامه السقاف

وأقول أيضا رداً على هذه المهاترة أن الامتحان بقولنا ((من ربك؟)) سؤال عن الربوبية ويجوز أن يكون عن الألوهية والامتحان بالشهادة سؤال عن الألوهية والامتحان ((بأين الله؟)) سؤال عن الأسماء والصفات، وهذا يكون النبي صلى الله عليه وسلم بين التوحيد كله لا كما يزعم الأشاعرة أن من آمن بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دون الرجوع الى تأويلاتهم أو على الأقل عاملها معاملة المجهولات التي لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبينها وهذا مايسمونه بالتفويض لم يكن موحداً.

وهنا ألزم السقاف بتضعيف حديث ((أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد)) لأنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الاستعاذة بالله وحده _ وقد احتج السقاف بهذا الحديث في رسالته الإغاثة ص23 _ ومع صحة حديث الجارية وكونه درجته من أعلى درجات الصحة فإنه لا يجوز الاعتراض عليه بهذه الاعتراضات السمجة.

وقد حمل الشافعي هذا الحديث على الأعجمية التي لا تفصح فيجزئها وصف الإسلام - قال الشافعي في الأم: ((إلى أن لا يعتق إلا بالغة مؤمنة فإن كانت أعجمية فوصفت الاسلام أجزأته، أخبرنا مالك عن هلال ابن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنما لى فجئتها وفقدت شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت من بنى آدم فلطمت وجهها وعلى رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (أين الله؟) فقالت في المساء فقال (من أنا؟) فقالت أنت رسول الله)). فهذا إمام مذهب الإثنين المذكورين لم يستشكل الحديث وهو أول من صنف في مختلف الحديث، وهذا مثالٌ واضحٌ جليٌ  على الفرق بين الفقهاء وأدعياء الفقه.

 وخلاصة الجوابين أن امتحان مجهول الحال ليس كمثل امتحان معروف الحال، وامتحان الأعجمي ليس كمثل امتحان العربي؛ فالإثنان يجزيء منهما التعريف ببعض شرائع الإسلام.

ومن العجب إن هذا الرجل المضطرب حقاً، لا يفتأ يغرس الشبهات في قلوب المسلمين وعقولهم، ولا ينسى أن يستشهد بأقوال الكاذبين أمثاله، فيقول: بلغ بهم التشبيه أن يقولوا: "أثبتوا كل شيء وأعفوني من الفرج واللحية!"، فأطلقوها كذبة وأغروا بها العوام والدُّهماء، كبرت كلمةً تخرج من في هذا الأحمق وأمثاله من المتصوفة القبورية...

_________________________________________________ 

وكان حشوهم ولغطهم في هذه المسألة من وجوه:

الوجه الأول: أنهم استدلوا بالآثار الضعيفة والموضوعة، وجعلوها أصلاً يبنون عليها الأحكام، ولا يعلمون أن اتباع الحديث يحتاجُ أولاً إلى إثبات صحة الحديث، وثانياً إلى فهم معناه.

الوجه الثاني: أنهم إذا صحَّ الحديث أولوه بأقوالٍ غير مُفيدة، تَبعُد عن المراد المقصود للشارع.

الوجه الثالث: أنهم ردُّوا صحيح الأخبار بمعقولاتهم السخيفة، التي لأجلها يُكفرون ويُضللون، ويُبدعون أقواماً من أعيان الأمة وأعلامها.

_____________________________________________ 

  • مناقشة مواضيع الكتاب:

أولاً: الجواب في دعوى اضطراب الحديث:

 ١) ان جميع الطرق التي ليس فيها "أين الله"، أو "أين ربك" ضعيفة لا يحتجُّ بها، فلا يصح ان تعارض حديث الجارية الصحيح المصرح باللفظ المذكور، فثبت والحمد لله أن لفظ "أين الله" لفظ الرسول ، وقد صح، فلم يبق مجملاً.

 ٢) أنه لو صحت هذه الطرق؛ فإنها لا تدور على حادثة معينة، بل على حوادث كثيرة:

أ- حادثة الرجل الأنصاري الذي جاء إلى الرسول وأخبره أن عليه رقبة، واستفتاه في أمر الجارية العجماء.

ب- حادثة المرأة التي جاءت تستفتي الرسول بشأن جاريتها لتعتقها؛ لأن عليها رقبة.

ثانياً: الجواب على قول الغماري في تعليقاته على التمهيد (٧/ ١٣٥): 

"...والمعهود من حال النبي الثابت عنه بالتواتر، أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين، اللتين هما أساس الإسلام ودليله، أما كون الله في السماء، فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلا على الإسلام ؟".

والجواب عليه من وجوه:

١- لم يقدم الغماري دليلا بينا أن الرسول حصر استدلاله على إسلام الناس فيما ادعاه.

٢- التخيلات والظنون لا يحل لمسلم أن يصفع بها الألفاظ النبوية الثابتة.

 ٣- كون الله في السماء لم تكن عقيدة العرب في الجاهلية؛ لأن مشركي الجاهلية الأولى كانوا يلحدون في أسمائه تعالى، ويعطلون صفاته، قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} /الأعراف: ١٨٠/.

ثالثاً: الجواب على استدلالهم  بحديث حصين والد عمران، أن النبي سأله: كم تعبد من إله؟ 

قال: ستة في الأرض وواحد في السماء! قال: فأيهم تعبد لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء. فقال النبي : أما إنك لو أسلمت، علمتك كلمتين تنفعانك. فلما أسلم حصين، أتى النبي فقال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتنيهما. قال: قل اللهم الهمني رشدي وعافني من شر نفسي". 

  • فالجواب على ذلك:

أن هذا الحديث أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير: ٣/ ١)، والترمذي (٥/ ٥١٩)، وضعفه بقوله: "هذا حديث غريب"، والبيهقي في (الأسماء والصفات، ص ٥٣٤)، والدارمي في (الرد على المريسي العنيد، ص ٢٤) من طريق شبيب بن شبيبة عن الحسن، عن عمران بن الحصين.

وهذا الإسناد ضعيف من أجل شبيب؛ ففي التقريب: "صدوق يهم في الحديث"، وفيه عنعنة الحسن. رواه ابن خزيمة في التوحيد (ص ١٢٠) وإسناده ساقط، وهذا الحديث ضعفه الألباني في (ضعيف الجامع الصغير، ح ٤١٠٢).

وضعف هذا الحديث لا يقدح في صحة حديث الجارية.

 وقد استغل الكوثري -ومن بعده السقاف- أسوأ الاستغلال للرواية الثانية للحديث، واتخذها كشاهد في الجملة، لا في التفصيل، فجاء الكوثري واعتمد عليها جُملةً وتفصيلاً، عازياً إياها للذهبي في (العلو)،  موهماً القارئ أنها ثابتةً عنده، فضرب بها الحديث الصحيح، وأبطل دلالته الصريحة على مشروعية السؤال بـ"أين الله"؛ لأنه لم يقع فيها هذا اللفظ، وإسنادها ضعيف كما ترى، ولا عبرة بالضعيف، وفيما صحَّ وثبت منها الخير والكفاية.

وكان الكوثري معروفٌ بعدائه الشديد لأهل السُّنَّةِ والحديث، فكان يرميهم بلقب الحشوية والمجسمة، وهو في ذلك ظالمٌ له مُفترٍ، وقد يُدعِّمُ فريته بما رواه بعضهم، في تفسير (عسى أن يبعثك ربُّك مقاماً محموداً)، قال: يُجلسني على العرش (رواه الذهبي عن ابن مسعود مرفوعاً، ص 74- 75)، وضعفه جداً، بقوله: "مرسله الأحمر متروك الحديث". ورواه (ص 99) عن ابن عباس مثله موقوفاً، وقال: "إسناده ساقط وعمر بن مدرك الرازي متروك، وهذا مشهور من قول مجاهد، ويروى مرفوعاً، وهو باطل"، وقد خرجهما الألباني في الضعيفة (ح 871).

 وقال في ترجمة محمد بن مصعب العابد: "فأما قضية قعود نبينا على العرش، فلم يثبت في ذلك نص، بل في باب التأويل حديثٌ واهٍ، وما فسر به مُجاهد الآية فهو أثرٌ مُنكر.

وبعد بيان ضعف هذا الحديث روايةً، فإن دلالته تنقلب حُجّةً على السقاف والكوثري لا لهما؛ لأن إقرار النبي ﷺ لحصين قبل إسلامه حين قال: "الذي في السماء" فيه دلالة واضحة على أن الفطرة البشرية مجبولة على التوجه إلى العلو وإثبات الفوقية لله سبحانه، وأن الشرك الذي كان عليه أهل الجاهلية إنما هو في اتخاذ الشفعاء والأنداد في الأرض، لا في جحد كون الإله الحق في السماء مستوٍ على عرشه بائناً من خلقه. 

أما اعتماد الكوثري وتبعه السقاف على الأحاديث الواهية في مسألة القعود، ومحاولتهما التشغيب بها على أهل السنة، فمردودٌ بأن أهل الحديث هم أول من بيّن ضعف تلك الروايات المرفوعة ونكارتها، فمنهج أهل السُنّة وسطٌ وعَدل، يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويردون الأحاديث الضعيفة والموضوعة ولا يبنون عليها معتقداً، خلافاً لأهل الكلام الذين يقبلون الضعيف إذا وافق أهواءهم وتأويلاتهم، ويردون الصحيح المتواتر إذا خالف عقولهم وسفسطاتهم. 

  • الاستواء على العرش:

قال ابن رشد في "الكشف عن مناهج الأدلة" (ص66): " القول في الجهة" وأما هذه الصفة، لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية؛ كأبي المعالي –وقد ثبت رجوعه عنها- ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: "ثم ذكر بعض الآيات المعروفة، ثم قال" إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابها؛ لأن الشرائع كلها متفقة على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين...".

وإتماماً لهذا المحور العَقدي المهم الذي عقده المؤلف الخليفي في كتابه، نلخص جواب أهل السنة في إثبات صفة الاستواء على العرش وعلو الله على خلقه في الوجوه التالية:

  • الوجه الأول: الإجماع السلفي المتواتر: استفيضت أقوال أئمة السلف من القرون المفضلة على إثبات أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، كما نقل ذلك الإمام الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". ونقله الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أساطين الملة.

  • الوجه الثاني: بطلان تأويل الاستواء بـ (الاستيلاء): إن لجوء المعطلة إلى تأويل قوله تعالى [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى] بمعنى (استولى)، هو تحريفٌ للَّفظ عن ظاهره بلا دليل، بل هو لغةٌ مستنكرة لم تعرفها العرب في سياق الممدوح؛ إذ لا يُقال "استولى على العرش" إلا لمن كان منازعاً فيه مغلوباً ثم غَلَب، والله سبحانه له الملك والملكوت قبل خلق العرش وبعده، فلا قهر ولا مغالبة في حقه سبحانه.

  • الوجه الثالث: دلالة العقل الصريح والفطرة السليمة: إن العقول السليمة والهمم الفطرية تتوجه تلقائياً عند الدعاء والاضطرار إلى العلو، ولم يقل أحدٌ من العقلاء بتوجه القلوب إلى الأسفل أو اليمين أو الشمال، فدلّ هذا على أن القول بنفي العلو والجهة مصادمٌ للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومؤدٍ بالضرورة إلى القول بالعدم؛ إذ إن ما لا يكون في داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، هو في حقيقة العقل عَدَمٌ مَحض، تَعالى الله عَمّا يقول المعطلون عُلواً كبيراً.

وفي ختام هذه القراءة لرسالة "الدفاع عن حديث الجارية" للشيخ عبد الله بن فهد الخليفي، يتجلى لنا بوضوح عظمة المنهج الحديثي السلفي القائم على رعاية النصوص وصيانتها روايةً ودراية. وقد أفلح الباحث في تقشير شبهات السقاف وإبراز تهافتها المنهجي، وتناقضاته الصارخة التي يثبت فيها الضعيف ويضعف فيها الصحيح انتصاراً للمذهب والهوى.

وإن كشْفَ عوار المدرسة الكوثرية وتلاميذها في هذا العصر يُعد من أوجب واجبات الذبّ عن السنة النبوية، لتبقى بيضاء ناصعة، لا يزيغ عنها إلا هالك، ويظل العقل الصريح خادماً للنقل الصحيح تبيعاً له، لا حَاكماً عليه ولا مجهضاً لدلالاته.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق