صفقات رابحة
د. خالد أبو شادي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: لكل صفقة شروط تُجيزها، وأحكام لتنفيذها، وتسهيلات أمامها، وترتيبات لتسليمها، وأرباح تُدرُّها، وإلا فات جزاؤها، وعظمت حسرتها، وتمنى دخوله فيها لينال عظيم فوزها، وينطلق السباق في كتاب «صفقات رابحة» من رؤية قرآنية بديعة، تجعل من العبادة تجارةً رابحة مع الله سبحانه وتعالى، ولعل ذلك ينسجم مع النداء الإيماني الذي أطلقه الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: «هيا بنا نؤمن ساعة».
والكتاب يصحب القارئ في رحلة عملية تجمع بين الترغيب والترهيب، غايتها تهذيب النفس، وتقويم اعوجاجها، ودفعها إلى اغتنام مواسم الطاعة، واستفراغ الوسع في طلب رضوان الله والفوز بجنته. غير أن هذه التجارة تقوم على أصلٍ عظيم، وهو إخلاص النية لله تعالى، وتجريد العمل من الرياء والسمعة؛ فالإخلاص هو رأس مال كل صفقة، وبدونه يضيع العمل، وتذهب الأرباح، ويصبح ما ظنه صاحبه مكسبًا هباءً لا وزن له في ميزان الله.
ومن أولى الصفقات التي يفتح الكتاب أبوابها صفقة السحر، حين ينزل الرب سبحانه إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فينادي عباده داعيًا إياهم إلى الاستغفار والدعاء. ويحث المؤلف على اغتنام هذه اللحظات المباركة بالاستيقاظ قبل الفجر ولو بوقت يسير، ثم الوضوء في سكينة، والوقوف بين يدي الله بركعتين خاشعتين، يعقبهما إطالة الاستغفار والدعاء حتى يؤذن للفجر.
وقد جاءت الشريعة ميسرة في ذلك، فأباحت للمريض أو المتعب أن يصلي جالسًا، وأجازت الاقتصار على ما تيسر من القرآن، كما جعلت النوم المبكر سببًا يعين على القيام. ومن وُفِّق لهذه الخلوة نال من بركاتها سكينةً تملأ قلبه، وشرفًا يرفعه عند ربه، وإجابةً لدعائه، وكتابةً في ديوان المستغفرين بالأسحار. أما من فرط فيها، فلن يدرك مقدار ما فاته إلا يوم يرى منازل أهل القيام، فيتمنى لو أنه جعل لنفسه نصيبًا منها في كل ليلة.
ثم ينتقل الكتاب إلى صفقة أخرى لا تقل فضلًا، وهي المكث بعد صلاة الفجر حتى شروق الشمس، فيما بين الغدوة والإشراق، حيث تتنزل البركات وتُقسم الأرزاق. ويدعو المؤلف إلى أن يلازم المسلم مصلاه مشتغلًا بذكر الله وتلاوة كتابه حتى تطلع الشمس، ثم يصلي ركعتي الضحى، مستحضرًا ما أعده الله من الثواب العظيم لهذه العبادة.
ولم تغلق الشريعة هذا الباب في وجه أصحاب الأعذار؛ فمن حال بينه وبين المسجد مرض أو عمل، أمكنه أن يذكر الله في بيته أو في طريقه إلى عمله، ليبقى قلبه متعلقًا بربه في أول نهاره. ومن حافظ على هذه العبادة كتب الله له من الأجر ما أخبر به النبي ﷺ من ثواب حجة وعمرة تامتين، وبارك له في يومه، ووسع له في رزقه، أما من أضاع تلك الساعات في غفلة أو نوم، فسيعلم حينها أنه لم يخسر وقتًا فحسب، بل خسر بركة كانت كفيلة بأن تفيض على يومه كله.
ويولي الكتاب عناية خاصة بالسنن الرواتب، لأنها السور الذي يحفظ الفرائض ويجبر ما قد يقع فيها من نقص. ويبين فضل المحافظة على الركعات الاثنتي عشرة التي كان النبي ﷺ يداوم عليها في يومه وليلته، من ركعتي الفجر، وأربع قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. ومن رحمة الله بعباده أنه وسع عليهم في أمرها، فأجاز قضاء ما فات منها، ورغب في أدائها في البيوت لما في ذلك من زيادة الأجر، وخفف عن المسافر فجعل له من الرخص ما يناسب حاله. ومن حافظ عليها بنى الله له بيتًا في الجنة، وجبر بها ما عساه أن يقع في صلاته من خلل، فإذا وقف بين يدي الله يوم القيامة وجد فيها ما يتم به نقص فرائضه، أما من فرط فيها فقد يرى يوم الحساب حاجته الشديدة إلى كل ركعة أهملها، ويتمنى لو أنه أكثر من السجود والركوع ما استطاع.
كما يستعرض الكتاب أعظم ما تزكو به المعاملات، وهو حسن الخلق، فيجعل منه صفقة رابحة لا تحتاج إلى مال ولا جاه، وإنما تحتاج إلى قلب سليم ونية صادقة. فطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف، وقضاء حوائج الناس، ومواساة المكروبين، كلها أبواب واسعة إلى مرضاة الله، وقد جعلها الشرع في متناول الجميع، حتى إن تبسم المسلم في وجه أخيه صدقة، والكلمة الطيبة قد تبلغ بصاحبها منازل عالية.
وإذا خلصت النية لله، وسلمت المعاملة من المن والأذى، كان لصاحبها من الأجر ما يبلغه منزلة الصائم القائم، ويقربه من مجلس النبي ﷺ يوم القيامة، ويثقل بها ميزانه. أما من أفسد عبادته بسوء خلقه، وآذى الناس بلسانه أو يده، فقد يجد حسناته تتفرق بين خصومه يوم القيامة، ويتمنى حينها لو أنه جعل حياته كلها في خدمة الناس، وجبر خواطرهم، وصيانة لسانه، لينال ما أعده الله لأهل الأخلاق الكريمة من عظيم الجزاء.
يسعدني ذلك. هذه فقرة يمكن إدراجها بعد الفقرة الافتتاحية، وهي منسجمة مع أسلوب النص ولغته:
وقد رتَّب المؤلف مادته في بناءٍ تربوي متدرج، فقسَّم الكتاب إلى عشر صفقات إيمانية، تمثل كل واحدة منها بابًا من أبواب التجارة الرابحة مع الله تعالى، ينتقل فيها بالقارئ من فضيلة إلى أخرى، ومن عمل صالح إلى ما هو أزكى منه، حتى تتكامل أمامه معالم المنهج القرآني في تزكية النفس وإصلاح السلوك.
ولم يكتفِ بعرض هذه الصفقات متتابعة، بل جعل بين كل صفقتين استراحةً قصيرة؛ يطل منها على القارئ بوقفات إيمانية وتأملات تربوية، يكشف فيها جانبًا من محاسن الشريعة، وما أودعه الله فيها من حكمٍ بالغة، وأنوارٍ هادية، وآدابٍ سامية، فتأتي هذه الوقفات بمثابة محطات يتزود فيها القلب بالبصيرة، ويستعيد بها القارئ أنفاسه قبل أن يمضي إلى الصفقة التالية، فيزداد يقينًا بأن الشريعة ليست أوامر ونواهي مجردة، بل منظومة متكاملة تهذب الإنسان، وتزكي روحه، وتبني حياته على الرحمة والحكمة والإحسان.
_________________________________________
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد .. فقد أنعم الله علي بمنحة في صورة محنة، خلوت فيها إلى نفسي لأخط هذه الصفحات، والتي أسميتها ( صفقات رابحة )، وهي عبارة عن فصول في مدرسة الترغيب والترهيب، تلك المدرسة التي تعد من أنجح المدارس في تقويم النفس ودرء عيوبها وحثها على بذل الطاقة واستفراغ الوسع في طلب الجنة وحرث الآخرة، ولولا هذه المدرسة لكانت القلوب رقعة خربة في غياب ري الإيمان وبواعث الهدى .
قال يوسف بن أسباط: "خلقت القلوب مساكن للذكر، فصارت مساكن للشهوات، ولا يمحو الشهوات إلا خوف مزعج أو شوق مقلق "، وفي هذا السياق يجيء هذا الكتاب ليحقق هذا الهدف، وقد عرضت فيه إلى صفقات رابحة مبينا أرباحها أي: ثوابها، وتسهيلات تنفيذها أي ما يعين النفس على أدائها، وشروطها الجزائية المترتبة على تركها -أي: الخسارة التي يتكبدها من ينام عنها .
وتظهر أهمية هذا الكتاب في أنه لما كثرت مجالس اللغو، وتشعبت مسالك الهوى، وطغى عصر المادة، وتاهت السكينة الإيمانية وسط الزحام، وعم الضجيج، وقيس الرجل بغناه، ووزن الخاطب بماله، وانشغل هذا بداره وذاك بديناره عن آخرته ومآله، ووقتها اشتد الظما، وأوشك الناس على الهلاك، وتعطشوا إلى سماع هتاف: "هيا بنا نؤمن ساعة" .. هتف به عبد الله بن رواحة خلث، وعبقته نفحة إخلاص فوصل لنا شذاه عبر مئات السنين، وما صفقاتنا الرابحة إلا صدى صوت ابن رواحة، يتردد بين جنبات الأوراق ليصل إلى أعماق الأعماق عسى القلوب تحيا، والهمم تنهض والعزائم تستعر، المرعى أخضر لكن العنز مريضة، فلو تجرعت جرعة دواءٍ لأذن الله لها بالشفاء، أرباحنا ثمينة داستها أقدام الجُهّال، وعجز عن التقاطها مشلولو التقى، وعمي عن رؤيتها مكفوفو الهدى .
وهو كتاب يتوجه أول ما يتوجه إلى الشباب ذكراناً وإناثاً وذلك لاعتبارات عدة:
■ منها أن الشباب يمتاز عن غيره بأنه أصفى ذهناً وأقل انشغالاً وأقوى صحة وأمضى عزيمة (فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله، وفي الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة أثمارها، وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلها إلا خشباً).
■ ومنها أن من شب على شيء شاب عليه، فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وقل عادة اعتدتها في صغرك فارقتها عند كبرك، فأنت في شبابك تملك القوة البدنية والروحية التي تستطيع بها غرس الفضائل في نفسك غرسا يستعصي على الاقتلاع مهما طال بك العمر وتغيرت الأحوال.
■ ومنها أن هذه المرحلة العمرية ستكون موضع سؤال في اختبار الآخرة لا بد له من إجابة ".، وعن شبابه فيم أبلاه"، وهي مع ذلك سريعة الانقضاء كمثل البرق الذي يضيء يسيراً يسطع بالنور، ثم يذهب فجأة ويرجع بالظلام، أو كمثل سحابة الصيف التي لا تلبث أن تنقشع سريعاً .
■ ومنها أن الشباب صار هدفاً لشياطين الإنس والجن، وحقل تجارب لمحاولات إفسادهم وتضليلهم، يريدونه قوة مهملة في غياب الإيمان مؤاخياً آثامه، عاشقاً أوزاره، ضعفه في بره، وعزمه في غيه، يريدونه قرداً يقلّد الغرب في كل خصاله إلا الفضائل، وتلميذاً يتتلمذ على يد إبليس ثم يرتقي في سلم الإبليسية إلى أن يصبح أستاذاً لإبليس .
ومن هنا فقد كتبت هدا الكتاب لشباب الإسلام الصاعد وعرقه النابض وأمله الوثّاب ليكون لهم بمثابة شهر صوم .. بتصفح صفحاته تفتح للخير أبواب وتُغلق للشر أمثالها، وبقراءة كلماته تصفد شياطين الإنس والجان، وتتنزل ملائك الرحمن، وتظلنا سحائب الغفران، فإذا بمن نظر في الكتاب يقول بعد ثبوت رؤية هلال الهدي: اللهم أهلّه علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، وبانقشاع الظلام وبزوغ الفجر يرتفع صوت المؤذن معلناً مولد عهد جديد.
أهم ملامحه : إمساك عن المحارم، وصيام عن الآثام، واستغفار في الأسحار، وانتظار للأذان بالأشواق، وتهافت على تكبيرة الإحرام، ووله بالصف الأول، وهتر بالذكر، وكلل للحلال، وملازمة للكتاب، ومعانقة للسنة، وتلمس لمجالس الصالحين، وتنافس في الخيرات، ويستمر موسم الصوم قائماً إلى أن تؤذن شمس الحياة بالمغيب، حينها يفطر الصائمون على صوت أذان ندي، ترفعه على أسماعهم الملائكة تزف لهم البشرى: (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) [فصلت: ٣٠]، ليجدوا فيها موائد الإفطار في الانتظار: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) [التمر: ٥٥].
هذا الكتاب صيحة تنادي فيك : قم واصح يا نائم لتوحد الدائم، الصلاة خير من النوم، والتجلد خير من التبلد، العالي يرجو المعالي، والدون يقنع بالدون، من جد وجد ومن زرع حصد، جنة الفردوس تبغي ثمنا، ومهور العين ما كانت يوما رخيصة .
هذا الكتاب ومضة أمل تسرج لك مصباح نور في ظلمة يأس فتبدده، وسفينة هداية ترفع لك لواء رشد في متاهة غي فتهديك، وتمد لك طوق النجاة لتتشبث به قبل أن يبتلعك طوفان الحياة، ولا يزال الأمل قائما مادام في القلب خفقة من حياة، وفي الصدر أنفاس تتردد، وفي الجسد عرق ينبض، وفي الأجل لحظة عمر باقية .
هذا الكتاب صفحة جديدة تطوي صفحات قديمة، طالما سطر فيها ملك السيئات بقلمه، وآن له الآن أن يستريح ويفسح المجال لملك الحسنات، يسطر صالح الأعمال لترفع الصحف بيضاء مسفرة، بعد أن ظلت دهرا ترفع سوداء مظلمة .
هذا الكتاب علامة حب واصطفاء، فلا يرشد الله إلى طريقه إلا من أحب، ولا ييسر سبل الهدى إلا لمن اصطفى لذا يهدي لقراءة الكتاب من شاء له الخير في الكتاب .
فخذه مني - أخي القارئ - أعواد ريحان زكية الرائحة، يفوح شذاها من بين الأسطر والكلمات، طوفت في بساتين القرآن وحدائق السنة وروضات السلف، وقطفتها لك فاقبل رياحيني فإن النبي قال: "من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل، طيب الريح ".
وقبل تقليب الصفحات وتدفق الكلمات أستجلب رحمات الله وأستمطر بركاته، ويلهج لساني بالدعاء :
اللهم .. افتح بهذا الكتاب آداناً صماً عن آياتك، وقلوباً غلفاً عن أنوارك، وأعينا عمياً عن آثار قدرتك.. اللهم .. استعمل بسببه أبداناً في طاعتك، وأقداماً في خدمتك، وألسنة في ذكرك .
اللهم .. داوٍ به قلوباً أعيتها كثرة الذنوب، ونفوساً أفسدها طول الركود، وانتشلنا به من آبار غفلاتنا، ومهاوي شهواتنا، ومصارع أهوائنا، أنقذنا به من أنفسنا التي بين جنوبنا، وادفع به عدواً يتربص بنا في صباحنا ومسائنا، وقوِّ به بواعث الإيمان الدفين في أعماقنا، واجعله حجة لنا بين يديك، تشهد بصدق العبودية لك، وإخلاص التوجه إليك، وبذل الأوقات فيك .
اللهم .. لا تعذب عبداً أرشد العباد إليك، ودلَّهم عليك، وحيّبهم فيك، واختم لنا اللهم بخاتمة السعادة أجمعين . اللهم آمين ...
الفقير إلى عفو ربه
د. خالد أحمد أبو شادى
_____________________________________________
الصفقة الأول : لا تتبع النظرة .. النظرة
أعد العدو عدته، وأخذ اهبته، ووتر سهمه في كبد قوسه، ثم أطلقه فأصاب الهدف، وما هي إلا لحظات .. حتى سرى السم إلى الجوارح، فصارت جوارح .. اللسان تكلم، والقدم سعت، والجسد انتفض، ودارت العجلة: نظرة .. فابتسامة .. فسلام .. فكلام .. فموعد .. فلقاء ..
قبل التنفيذ (مهم):
■ لأن : النظرة سهم مسموم فأثرها يستمر وإن غاب المنظور إليه ،تشغل فكراً فتورث هماً، وتبذر شهوة فتنبت هوى، شأنها شأن السهم المسموم ، فإن السم يظل يسري منه إلى الجسم وإن نُزع السهم من موضع الإصابة .
■ لأن: هيبة الله في القلوب قلّت، والجرأة على محارمه زادت، وتكرار النظر إلى الفواحش أورث القلب بلادة في الإحساس واستئناساً بالذنب وإدماناً له وفرحاً عند الظفر بها.
■ لأن : أشباه يوسف قلوا ، وعدُوات الحور العين أطللن من شاشات التلفاز وصفحات الجرائد والمجلات ، وأخوات امرأة العزيز عجّت بهن طرقات المدينة، في حصار يشبه ما فعلته أختهن من قبل (وغلقت الأبواب) [يوسف: ٢٣]، وأبرزت كل واحدة منهن مفاتنها ، وكشفت ما استتر من زينتها ، ولسان حالها يقول للشباب : (هيت لك) [يوسف: ٢٣].
■ لأن : المرأة أقوى أسلحة الشيطان وأفتكها ، فإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وما ترك النبي على الرجال فتنة أضر على الرجال من النساء، وإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وهذه كلها إنذارات من صاحب الرسالة وقد أعذر من أنذر .
■ لأن : الشهوات استعرت ، والعورات انكشفت ، وتجارة الجسد راجت ، والحرام أطل برأسه ، والحياء صار سلعة نادرة ، وطريق الحرام بات ممهداً، ووضعت العراقيل في طريق الحلال ، وارتدى المنكر ثياب المعروف ، وأطفئت النار بمزيد الحطب ، واختلط الحابل بالنابل ، وصارت ظلمات بعضها فوق بعض .
ارباح الصففه:
(١) نشوة الانتصار:
استشعار حلاوة الإيمان ولذة المجاهدة وعاقبة الصبر وفرحة الانتصار على بواعث الشهوة ورسل الهوى ، وهذه هي سيماء الرجولة الحقة والشجاعة الخارقة : سمو عن دنايا، وتطهر من أدناس ، وتحرر من استرقاق ، ونهضة للمعالي :
لیس الشجاع الذي يحمي مطیته … يوم النزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتى غض طرفا أو ثنى بصرا … عن الحرام فذاك الفارس البطل
ولهذا فسر سفيان الثوري قول الله تعالى (وخلق الإنسان ضعيفا) [النساء: ٢٨]، بقوله: "المرأة تمر بالرجل فلا يملك نفسه عن النظر إليها ولا ينتفع بها، فأي شيء أضعف من هذا؟"
لكن قوي الإيمان يملك نفسه ويحزم أمره فيغض من بصره ، لهذا استحق حب الله والوصف بالخيرية على لسان خير البرية د الذى قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف "..
(٣) الفراسة الصادقة:
تظل الفراسة الصادقة منزلة إيمانية محتكرة لمن غض بصره، محجوزة له لا يزاحمه فيها إلا مثيله ، وهي التي تميز بين الصادق والكاذب بين المحق والمبطل ، بين الباكي والمتباكي، وهذه أهم ثمار غض البصر وأجلها.
قال شاه بن شجاع الكرماني: "من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة ".
ويبين ابن القيم السر في هذا فيقول :
" وسر هذا أن الجزاء من جنس العمل، فمن غض بصره عما حرم الله عليه عوَّضه الله من جنس ما هو خير منه ، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات ، أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم ير من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى ، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه، فإن القلب كالمرآة والهوى كالصدأ فيها ، فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي عليه ، وإذا صدئت لم تنطبع فيها صور المعلومات فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون ".
كان عثمان بن عفان علماً من أعلام الفراسة وشيخاً من شيوخها، استحيا من الله فاستحيت منه ملائكة الله ، وغضَّ طرفه عن الآئام فأورثه الله فراسة يكشف بها.
كل من أطلق بصره وزنا به ظانا أن أحدا لن يعرف من أمره شيئا، فإذا بعثمان يعلم ويكشف لا ليفضح بل لينصح، دخل عليه رجل فقال له عثمان: يدخل علي أحدكم والزنا في عينيه، فقال: أوحى بعد رسول الله؟! فقال: "لا، ولكن فراسة صادقة ".
(٣) حماية القلب من شيطان يتسلل:
القلب بيت والعين بابه ، ولا يدخل لص البيت إلا والباب مفتوح ، فإذا دخل سرق حلية الإيمان وجوهر التقوى ، وترك القلب خرابا في خراب ، فاحذر هذا اللص فإنه خفيف الحركة تكفيه لحظة واحدة ليتسلل - لحظة واحدة فقط - ولهذا لما سئل النبي عن نظر الفجأة قال: "اصرف بصرك".
أي أحكم إغلاق الباب وضع عليه حراسة أمن مشددة من جنود المراقبة ، ولا تفتحه ولو لحظة واحدة، عندها يدب اليأس إلى قلب إبليس فيرجع خائبا ويتركك سالما.
لما وقع النزاع بين القلب والعين واتسعت هوة الخلاف بينهما ، كل منهما يلقي باللائمة على الآخر فيما حل من سقم ومن ألم تحاكما إلى الجسم الذي حكم بإدانة العين :
قلي يقول لطرفي هجت لي سقما … والعين تزعم أن القلب أنكاها
والجسم يُقسم أن العين كاذبة … هي التي هيَّجت للقلب بلواها
لكن العين رفعت القضية للاستئناف فتم عرض النزاع مرة أخرى ، وبعد المداولة أصدر القاضى حكماً بالإدانة لكليهما ، وجاء في حيثيات الحكم: العين والقلب شريكان في جريمة قتل واحدة تقاسما فيها الأدوار :
أنا ما بين عدوين … هما قلي وطرفي
بنظر الطرف ويهوى الـ … قلب والمقصود حتفي
(٤) اجتماع القلب على الله:
يقول ابن القيم في إحدى فوائده: "إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور، والقلب كعبة، والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصنام ".
لأن القلب الذي تنقش على جدرانه صورة الحق تنمحي فيه صورة الخلق ، فلا يعود يرى سوى ربه ، ولا يهمه إلا رضاه، وذلك في سائر أحواله في سر وجهر أو جد وهزل في حديث أو صمت في حل أو ترحال، وهذه هي البصمة التي يتعارف فيها الصالحون وسط الزحام ، أو هي العقد غير المكتوب الذي وقعت عليه ضمائرهم ونفوسهم ، وأمثال هؤلاء جعلوا الهموم هماً واحداً، فأحسوا بحلاوة المناجاة ولذة الخشوع ونعيم السير على منهاج رب العالمين ، فوصلوا بينما غيرهم يشكو التيه .
نضرب لذلك مثلاً: مسافر قصد سفراً وحدد وجهته، فحزم متاعه وأعد زاده واستفرغ الجهد والطاقة في السير الحثيث ، مصطحباً معه عزمه وتصميمه على بلوغ الوطن، وهو مع هذا يحذر كمينا على هيئة زهرة زاهية الألوان فوّاحة العبير تعرقل سيره، فتؤخره عن الوصول ، فان استمر على عزمه ويقظته وصل وطنه في أسرع وقت وأتم عافية، أما إن خدع وسقط فهذا كيف يصل؟! زمان التزود قصير ما يحتمل التأخير فكيف بمن نام فيه؟! وقت الرحلة لو بذل كله في المسير خيف عدم الوصول فكيف لو تناولته أيدي البطالة ؟!
فالوطن : الجنة ، والكمين : النظرة ، والمسافر : أنت .
استهوى عالم الحيوان ابن الجوزي فأخذ يراقب ما فيه عن كثب ، وضرب مثلاَ آخر منه ليزيد الصورة وضوحا لمن يشكو عدم الفهم وانخفاض مستوى الذكاء ، فقال :
"تأملوا إلى الفرس، إذا قدم إلى الماء الصافي كيف يضرب بيديه فيه حتى يتكدر أتدرون لم؟ لأنه يرى صورته في الماء الصافي وصورة غيره، فيكدره حتى لا يتبين فيه الصور فيتهنى بالشرب".
(٥) بركة الطاعة:
أمر الله عباده المؤمنين بالغض من الأبصار، لأن صاحب الصنعة أدرى بصنعته، والآمر بإصلاح النفوس والقلوب أعلم بما فيه صلاح النفوس والقلوب ، وأهل التقوى والمغفرة خبير بالطرق الموصلة إليهما ، من ذا الذي لبى نداءه فما سعد ؟! من ذا الذي أناخ ببابه فما فاز؟! من ذا الذي أجاب داعيه فما رضي ؟! من ذا الذي ذل له فما عز ؟! من ذا الذي تاجر معه فما ربح ؟!
قال عز وجل: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) [النور: ٣٠].
قال الإمام الحجة أبو حامد الغزالي: "واعلم أني تأملت هذه الآية فإذا فيها مع قصرها ثلاث معان عزيزة ، تأديب وتنبيه وتهديد :
فأما التأديب: فقوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، ولابد للعبد من امتثال أمر السيد والتأدب بآدابه ، وإلا كان سيئ الأدب فيحجب فلا يؤذن له في حضور المجلس والمثول بالحضرة ، فافهم هذه النكتة ، وتأمل ما تحتها فإن فيها ما فيها .
وأما التنبيه: فقوله تعالى: ( ذلك أزكى لهم)، وينطلق على معنيين والله أعلم، الأول: ذلك أطهر لقلوبهم والزكاة : الطهارة، والتزكية: التطهير، والثاني: ذلك أغنى لخيرهم وأكثر ، والزكاة في الأصل: النمو ، فنبه على أن في غض البصر تطهيرا للقلب وتكثيرا للطاعة ، والدليل على ذلك أنك إن لم تغض بصرك وأرخيت عنائه تنظر في ما لا يعنيك، فلا تخلو من أن تقع عيناك على حرام ، فإن تعمدت فذنب كبير ، وربما تعلق قلبك بذلك فتهلك إن لم يرحم الله تعالى .
وأما التهديد: فقوله تعالى: (إن الله خبير بما يصنعون).
الشروط الجزائية:
يقول أبو حامد الغزالي: "لو أن يهوديا أخبرك في ألذ أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه وتركته وجاهدت نفسك فيه، أفكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات وقول الله تعالى في كتبه المنزلة أقل عندك تأثيرا من قول يهودي يخبرك عن حدس وتخمين مع نقصان عقل وقصور علم؟!".
إخوتاه .. هل تعلمون أن إطلاق البصر من أوسع مداخل الشيطان، فإن البصر جارحة لا تملأ بخلاف البطن فإنه متى امتلأ لم يبق له فى الطعام إرادة ، وأما العين فلو تركت لم تفتر من النظر أبدا ، وتكون النتيجة الحتمية :
(١) احتلال القلب:
قلب الإنسان لا يتسع لشريكين : نور وإلا ظلمة، ملك وإلا شيطان، هداية وإلا غواية ، إذا غلب جند الإيمان في القلب كانت نوازع الخير وأنوار الهدى وأدوية الطاعات ، وإذا غلب جند إبليس كانت نوازع الشر وآفات الهوى وسموم المعاصي .
وبالنظرة يدخل جند الشيطان القلب ليجاور جند الإيمان، لكن الشيطان ملحاحطماع لا يقبل الشراكة ، فيظل يتربص ويغوي ويفسد : يلقح النظرة بأخرى إلى أن يحتل نسله القلب كله، ويرفع على أرجائه راية النصر ثم يقدم الشكر لمن يستحق : النظرة.
قال ابن سمنون: "أما سمعت قول النبي: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو تمثال !! فإذا كان الملك لا يدخل بيتا فيه صورة أو تمثال، فكيف تدخل شواهد الحق قلبا فيه أوصاف غيره من البشر؟! ".
والصلة بين العين والقلب جد وثيقة ، فالعين عين ماء تصب في خليج القلب ، فإن تكدر صفوها بفضول نظر أو صورة محرمة تكدر الخليج وتغير طعمه ، فلا يقربه ملك يلهم بل شيطان يغوي .
يا مطلق النظر .. إذا رتعت العين بوادي الحسان لاحت في القلب بوادي الخسران، وإذا حضرت سوق الحرام غاب القلب، وإذا غابت عنه حضر، و(إذا حضر قلبك فنسيم الريح يذكرك، وإن غاب فمائة ألف نبي لا يوصلون التذكرة إليك).
ولي الف باب قد عرفت سبیله … ولکن بلا قلب إلی أین اذهب
(٣) هاوية العشق:
فكما أن أول الحريق الشرر، فأول العشق النظر، بحر العشق إذا علا أغرق ، وأخطر شيء على السابح فيه فتح العين في الماء :
عیناي أعانتا علی سفك دمي … يا لذة لحظة أطالت ألمي
کم أندم حین لیس یغني ندمي … ویلي ثېت اهوی وزلت قدمي
إذا سقط إنسان في هذه الهاوية أصبح إلهه هواه ومعبوده معشوقه ، يأمره فيأتمر وينهاه فينتهي ، حلالا كان أم حراما، عدلا كان أم عدوانا .
والعشق داء لا يحل بأجساد النابهين المجدين ، لكن له في أبدان الفارغين مأوى وفي أذهانهم وقلوبهم مرعى ، قال ابن عقيل :
" العشق مرض يعتري النفوس العاطلة والقلوب الفارغة والمتلمحة للصور لدواعى النفس، ويساعدها إدمان المخالطة فتتأكد الآفة ويتمكن الأنس فيصير بالإدمان شغفا، وما عشق قط إلا فارغ، فهو من علل البطالين وأمراض الفارغين، وما عشق حكيم قط، لأن قلوب الحكماء أشد تمنعا من أن تقفها صورة من صور الكون مع شدة تطلبها، فهي إن تلحظ تخطف ولا تقف ، وقل أن يحصل عشق من لمحة، وقل أن يضيف حكيم إلى لمحة نظرة ، فإنه مار في طلب المعاني، ومن كان طالبا لمعرفة الله لا تقفه صورة عن الطلب لأنها تحجبه عن المصور ".
وقد ألف ابن الجوزي كتابا كاملا عن العشق وأضراره أسماه (ذم الهوى)، عرض فيه إلى من بلغ منهم العشق منتهاه ، حتى دفع بعضهم إلى قتل نفسه أو قتل محبوبه ، أو إلى الزنا أو إلى الكفر والعياذ بالله ، وغير ذلك من كبائر الذنوب وفواحش الفعال، والعاقل من وعظ بغيره، ومن لم تنفعه أذنه لم تنفعه عيناه، أخبروني بالله عليكم .. أي ذل ورق أنكى من ذل رجل يقول لمعشوقته :
أتاني منك سبك لي فسبي … أليس جرى بفيك اسمي فحسبي
وأي ضلال وكفر يدرك رجلا ككفر من انخلع عن دينه بقوله :
أراني إذا صليت يممت نحوها … بوجهي وإن کان المصلى ورائيا
أو من انقلب مسخا بقوله :
أصلي فابکي في الصلاة لذکرها … لي الويل مما يكتب الملكان
فكيف ترضى يا مطلق بصره أن تسلك طريقا هذا آخره ، وأن تغرس غرسا هذا ثمرته؟ فإن لم تفق من سكرتك بعد هذا الكلام فزن نفسك بميزان دقيق، صنعه ابن القيم عساك تتوب وتئوب وتعرف قدرك عند علام الغيوب ، قال رحمه الله :
" من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان، فينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شغل يشغله".
كلماتنا واضحة ومعانيها أوضح ، لكن ارتداء نظارة الأهواء أضعف أبصار العشاق وأعمى بصيرتهم فإن خلعوها رشدوا ورأوا الطريق واضحا فسلكوه .
(٣) النظرة ولادة:
■ تأمل هذه السلسلة :
النظرة تولد الخطرة ، والخطرة تولد الفكرة، والفكرة تولد الشهوة ، والشهوة تولد الإرادة، والإرادة تولد العزيمة ، فإذا قويت العزيمة وقع المحظور ، وسقطت في المعصية . .
كل الحوادث مبداها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر
کم نظرة فعلت في قلب صاحبها … کمبلغ السهم بین القوس والوتر
والعبد ما دام ذا طرف يقلبه … في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقلته ماضر مهجته … لا مرحبا بسرور عاد بالضرر
فإذا عرضت لك نظرة لا تحل فاعلم أنها سهم مسموم من سهام إبليس ، وجهه إلى قلبك وأراد بها قلبك، فتترس منها بدرع (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) [النور: ٣٠]، حتى تكون من الذين عافاهم الله (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) [آل عمران: ١٧٤].
قيل لوهيب بن الورد : أيجد طعم العبادة من يعصي الله؟ قال: "لا، ولا من هم بالمعصية ".
ما أنفس ما وهبنا وهيب ، وما أشذى الورود التي أهداها لنا ابن الورد، فحرمان حلاوة الطاعة هو عقوبة الله لمن آثر غيره وقدم سواه، فأحيا وزره وأمات بره، وطاف بشهواته سبعا، وسعى بين لهوه وغفلته أشواط حياته ، وهذا الحرمان في حقيقته نعمة، وهذه العقوبة عطاء ، إذ هي تنبيه للعبد إن هو ألم بذنب في ساعة غفلة أو ورود هوى، حتى إذا ما فقد حلاوة طاعته ولذة مناجاته رجع إلى نفسه محاسبا لها ومؤدبا .
(٤) أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟:
■ فإن النظرة إلى ما لا يحل تشغل فكرا في الحرام لو كان تفكرا في ملكوت السماوات والأرض ، لكان من أفضل العبادات ولأثمر زيادة تقى وعلو يقين وارتفاع درجات .
■ وهي تورث حزنا على فوات لذة محرمة ، لو كانت حزنا على أحوال المسلمين وعروقهم النازفة في أرجاء الأرض، لكان علامة إيمان ودلالة على متانة الرابطة وصدق عقد (إنما المؤمنون إخوة) [الحجرات: ١٠].
■ وهي تصرف وقتا في إثم ومعصية هما ثمن شراء النار ، ولو صرف هذا الوقت في طاعة الله لأورث الفوز بالجنة ولذة النظر إلى وجه الله الكريم .
■ وهي تسيل مدامع حزنا على فراق حبيب القلب ، ولو كانت سيالة من خشية الله لنعم صاحبها بظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
■ وهي تستهلك أقداما وأكفا في لقاءات عبث ومواعيد هوى، ولو سعت هذه الأقدام في خدمة الله وشغلت هذه الأكف في خط تعاليم النبي *، لاستحق صاحبها مكافأة نهاية الخدمة ومجاورة صاحب التعاليم في جنات النعيم .
فأصغ بقلبك يا أخي إلى هذا الكلام المضمخ بعبير الهدى :
" عندك بضائع نفيسة: دموع ودماء وأنفاس وحركات وكلمات ونظرات، فلا تبذلها فيما لا قدر له ، أيصلح أن تبكي لفقد ما لا يبقى؟ أو تتنفس أسفا على ما يفنى ؟ أو تبذل مهجة لصورة عما قليل ستمحى؟ ".
(٥) النظرة ذنب:
القاعدة وقت المبارزة : كل خطأ يكون مدعاة للقتل .
إن العيون التي في طرفها حور … قتلننا ثم لا يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به … وهن أضعف خلق الله أركانا
شخص أعراض المرض الذي أدى إلى موت القلب الطبيب الشرعي المؤمن ابن قيم الجوزية فكتب في تقريره معددا آثار الذنوب :
" قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق ، والوحشة بين العبد وبين ربه ، ومنع إجابة الدعاء ، وقسوة القلب ، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو ، وضيق الصدر ، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت ، وطول الهم والغم ، وضنك المعيشة، وكسف البال تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والإحراق عن النار، وأضداد هذه تتولد عن الطاعة.
وفوق هذه الأعراض تبقى كراهة اللقاء ، وخشية الحساب وخوف العقاب ، لهذا اسمعها عالية من ابن الجوزي لعلك لا تسمعها من غيره :
" إياك والذنوب، فلو لم يكن فيها إلا كراهة اللقاء كفى عقوبة، أطيب الأشياء عند يعقوب رؤية يوسف، وأصعبها عند إخوته لقاؤه ".
واسأل نفسك بعدها يا صاحب النظرات الآثمة: أي تركة ورثت ؟ تركة يعقوب أم تركة أبنائه ؟
تسهيلات الصفقة:
قال أبو محمد سهل بن عبد الله التستري: "أعمال البر يعملها البر والفاجر، ولا يجتنب المعاصي إلا صديق.
فباجتنابك النظر إلى الحرام تسعى إلى درجة الصديقية ، ودوري معك أن أمهد لك الطريق إليها بذكر ما يلي :
(ا) لعقد مقارنة:
قال أبو عصمة : كنت عند ذي النون وبين يديه فتى حسن يملي عليه، فمرت امرأة ذات حسن وجمال وخلق فجعل الفتى يسارق النظر إليها ، ففطن ذو النون فلوى عنق الفتى وأنشأ يقول :
دع المصوغات من ماء ومن طين … واشغل هواك بحور خرد عین
فمن شغله اليوم التطلع إلى الغيد الحسان فليعقد مقارنة بينهن وبين الحور ، لتعلم الفارق بين هذه وتلك الحور، الحور وما الحور .. تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من ثناياها إذا ابتسمت ، لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض ريحا، ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلا وتكبيرا وتسبيحا، ولتزخرف لها ما بين الخافقين، ولما نامت عن النظر إليها عين، ولطمست ضوء الشمس كما يطمس الشمس ضوء النجوم، ولآمن من على ظهرها بالله الحي القيوم، نصيفها: خمارها الذي يخفي جمالها خير من الدنيا وما فيها فكيف جمالها ؟
بياض لحمها يسطع من وراء سبعين حلة من فوقها فكيف ضياؤها؟ لولا أن الله كتب على أهل الجنة أن لا يموتوا لماتوا من فرط حسنها، فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها !؟ وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بووج أفلاكها .. كل هذا وأنت مشغول بالجيف !!
يا من وقع العقد : نظران لا يجتمعان من غض طرفه اليوم عن الطين أطلقه غدا في الحور العين ، ومن أطلقه اليوم حرمه غدا فاختر لنفسك ، وقدم إن شئت المهر الذي سبق وأرشدك إليه أبو الدرداء عنه فقال: "من غض بصره عن النظر الحرام زوج من الحور العين حيث أحب".
(٢) اسلك طريقهم:
تنسم شذى عبير السلف، وارو عطشك بسيرتهم، وأحي قلبك بذكرهم ، وقلدهم وضاههم عسى أن تشبه الصورة الأصل .
■ كان الربيع بن خثيم - أنجب تلامذة عبد الله بن مسعود - يغض بصره فمرّ به نسوة فأطرق حتى ظن النسوة أنه أعمى، فتعوذن بالله من العمى .
■ وحين خرج حسان بن أبي سنان إلى العيد قيل له لما رجع : ما رأينا عيدا أكثر نساء منه ، فقال: ما تلقتني امرأة حتى رجعت .
■ ولما طلب بعض أمراء البصرة داود بن عبد الله لجأ إلى رجل من أصحابه فأنزله منزله، وكانت له امرأة يقال لها : زرقاء - وكانت جميلة - فخرج الرجل في حاجته وأوصاها أن تلطف به وتخدمه ، فلما قدم الرجل قال كيف رأيت الزرقاء وكيف كان تلطفها بك ؟ قال : من الزرقاء؟ قال: أم منزلك، قال: ما أدري أزرقاء هي أم كحلاء !! فلما رآها زوجها قال لها : أوصيتك أن تلطفيه وتخدميه فلم تفعلي، قالت: أوصيتني برجل أعمی والله ما رفع طرفه إلي.
■ واسمع إلى العجب العجاب الذي انطلق من لسان محمد بن سيرين حين قال : " ما غشيت امرأة قط في يقظة ولا نوم غير أم عبد الله - يعني زوجته - وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها ".
وأمثال هؤلاء هم الأنقياء نقاوة الماء الزلال ، الأمناء على الأعراض والحرمات والأموال ، وصف بعضهم حاله فقال :
ما ضر لي جار أجاوره … أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت … حتى يواري جارتي الخدر
وتصم عما بينهم أذني … حتى يصير كأنه وقر
(٣) شغل بالحق وإلا فالباطل:
النفس لا تمل السعي والحركة والطلب والعمل، إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ، إن لم تحلق بها في معالي الأمور انحدرت بك إلى سفسافها، إن فاتها قطار الجد ركبت قطار الكسل، لا بد لها من وثاق إن شددته عليها تأدبت بآداب الشرع، وإن حللته عنها راغت منك روغان الثعالب، فاختر لنفسك شغلا وحدد لذهنك هما واطلب لجسمك كداً .
من أجل ذلك كره عمر بن الخطاب الفراغ باعتباره مزلة إلى المذلة وهاوية إلى الهوى، قال رحمه الله: " إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا - أي فارغا - لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة ".
ويشرح ابن القيم ويحلل النفس البشرية تحليلا عميقاً؛ فيقول: "وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة، لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه ، فإن وضع فيها حب طحنته ، وإن وضع فهيا تراب أو حصى طحنته، فالأفكار التي تجول في النفس في منزلة الحب الذي يوضع في الرحى ، ولا تبقى هذه الرحى معطلة قط بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحنه ".
فالملك يلقي في الرحى بالحب النافع، والشيطان يلقى فيها التراب والحصى، وهو لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجدت الرحى فارغة من الحب وقيمها قد أهملها وأعوض عنها ، فحينئذ يبادر إلى إلقاء ما معه فيها.
(٤) خوف يطفئ الشهوة :
اضطرام نار الشهوة في القلب لا يخمده غير ماء الخوف ، إذا علا منسوب الخوف أخمد نار الشهوة فكان غض البصر، وإن قل ازدادت اضطراما وكان إطلاق البصر ، فوجب على العاقل التنبه والنظر من أين جاء العجز، فيستدركه قبل أن يعم الحريق القلب وتشم منه رائحة الشواء. قال تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦]، قال مجاهد: "هو الذي إذا هم بمعصية ذكر مقام الله عليه فيها فانتهى".
كان التابعى الجليل عبيد بن عمير يسمى قاص مكة ، وكان الصحابة يحضرون مجلس وعظه ويبكون فيه ويتأثرون ، وهو رجل ممن غلب ملكه شيطانه ، وقهر خوفه شهوته، حتى نضح على من حوله خشية ووجلا أورثت توبة وإنابة، واسمعوا قصته مع غانية مكة :
كانت امرأة جميلة بمكة وكان لها زوج، فنظرت إلى وجهها فى المرآة فأعجبت بجمالها، وقالت لزوجها: أترى أحدا يرى هذا الوجه ولا يفتن به؟ قال: نعم، قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير، قالت: فأذن لى فلأفتنه، قال : قد أذنت لك، قال : فأتته كالمستفتية فخلا معها فى ناحية من المسجد الحرام ، فأسفرت عن مثل فلقة القمر، فقال لها : اتق الله يا أمة الله، قالت: إني قد فتنتُ بك فانظر فى أمري .
قال: إنى سائلك عن شيء فإن أنت صدقت نظرت فى أمرك، قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك .
قال: أخبريني .. لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا ، قال : صدقت .
قال: فلو أدخلت فى قبرك وأجلست للمسألة ، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت : اللهم لا ، قال : صدقت .
قال : لو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين تأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك ، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت : اللهم لا ، قال : صدقت .
قال: فلو جيء بالموازين وجيء بك لا تدرين تأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك ، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت .
قال: فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة ، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟
قالت : اللهم لا ، قال : صدقت .
قال : اتق الله يا أمة الله فقد أنعم عليك وأحسن إليك .
فرجعت إلى زوجها ، فقال: ما صنعت؟ قالت : أنت بطال ونحن بطالون، فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة ، فكان زوجها يقول : مالي ولعبيد بن عمير، أفسد على امرأتي، كانت فى كل ليلة عروسا فصيرها راهبة.
والخوف من الله هو ثمرة طاعات عديدة: ككثرة تلاوة القرآن، وتدبر معانيه ، ومطالعة أخبار القيامة، وأهوال النار وأحوال أهلها، ومصاحبة الخائفين وسماع أخبارهم، ومعرفة أحوال المغترين واجتنابهم، وتغسيل الموتى، وحضور الجنائز، وشهود حالات الاحتضار ، واستحقار طاعتك في عينك، ومعرفة قدر الله ومقامه، والتفكر في أسمائه وصفاته، وغيرها من مولدات الخوف وباعثات القلق .
(٥) أكثر من الصيام:
أصل الشهوات واحد كما أن أصل الصبر واحد، فمن صبر عن شهوة الطعام قويت إرادته واستطاع الصبر عن شهوة النظر إلى الحرام ، ولهذا جاءت الوصية بالصيام لتدرب الصائم على أن يمتنع باختياره عن شهواته ولذته الحيوانية، ويصر على امتناعه فلا يتغير ولا يتحول ، ولا تعدو عليه عوادي الغريزة أو نوازع الرغبة، فيكون غض البصر نتيجة طبيعية لهذا وثمرة تلقائية له، لذا أوصى النبي ﷺ- من لم يستطع الزواج: "فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
(٦) اعرف كيد عدوك :
للشيطان مع القلب صولات وجولات وغزوات وغارات ، ومن سياساته التدرج حتى يصل إلى هدفه ويضمك إلى حزبه ويجعلك من جنده، فإذا كان مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة فهذه الخطوة هنا هي النظرة .
قال ابن الجوزي: "إذا رأيت فرسا قد مالت براكبها إلى درب ضيق قد خلت فيه ببعض بدنها ، ولضيق المكان لا يمكن النزول فيه فصيح به : ارجعها عاجلا قبل أن يتمكن دخولها، فإن قبل وردها خطوة إلى ورائها سهل الأمر، وإن توانى حتى ولجت ثم قام بجذبها بذنبها طال تعبه وربما لم يتهياله .
وكذلك النظرة إذا نزلت في القلب ، فإن عجل الحازم بغضها وحسم المادة من أولها سهل علاجه ، وإن كرر النظر نقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرغ فنقشها فيه ، فكما تواصلت النظرات كانت كالمياه تروي بها الشجرة فلا تزال تتمنى فيفسد القلب، ويعرض عن الفكر فيما أمر به ويخرج بصاحبه إلى المحن ، ويوجب ارتكاب المحظورات ويلقى في التلف".
(٧) فليتزوج:
قال النبي ﷺ: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج".
بل قدم النبي ﷺ دواءً ناجحاً يشفي من أثر النظرة الحرام ، فعن جابر أن رسول الله ﷺ- رأى امرأة، فأتى زينب وهي تمعس منيئة لها فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه فقال: " إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه ".
قال الإمام النووي: "إنما فعل هذا بيانا لهم وإرشادا لما ينبغي لهم أن يفعلوه، فعلمهم بفعله وقوله"، وربما هيجت نظرة شهوة رجل ، ولا تسكن هذه الشهوة إلا بتنفيذ وصية الرسول وإتيان أهله، ولهذا جاء الوعيد شديدا لمن امتنعت عن فراش زوجها بغير عذر.
قال رسول الله ﷺ:"إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ".
(٨) الله مطلع عليك:
قال تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) [غافر: ١٩]. قال ابن عباس : "الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها ، فإن رأى منهم غفلة نظر إليها، فإن خاف أن يفطنوا إليه غض بصره، وقد اطلع الله عز وجل من قلبه أنه يود أنه نظر إلى عورتها.
يخدع المسكين نفسه ويظن أنه يخدع ربه، مراقبتك لله يا أخانا تتمثل في استشعار أن نظر الله أقرب إليك من نظرك إلى الحرام ، لأنه أقرب إليك من حبل الوريد ، وملائكته تقف عليك عن اليمن وعن الشمال ، فالأعمال تسجل والنظرات ترصد والخطرات تكتب بل تنقش (وما كان ربك نسياً) [مريم: ٦٤].
كان لابنة عمر بن عبد العزيز لؤلؤة واحدة تستخدمها كقرط فى أذنها ، وتنقصها لؤلؤة أخرى تضعها فى أذنها الأخرى ، فأرسلت إليه أن يعطيها لؤلؤة أخرى ، فأرسل إليها بجمرتين، ثم قال لها: " إن استطعت أن تجعلى هاتين الجمرتين فى أذنيك بعثت إليك بأخت لها.
ونحن نرث مذهب الراشد الخامس ، ونقول لك يا مطلق بصره : لو استطعت أن تجعل مكان عينيك جمرتين فابعثهما فى الغيد الحسان .
** عند التسليم **
سئل الحارث المحاسبي : إذا الرجل التائب عاد إلى النظر المحرم بعد أن تاب منه فهل تصح توبته أم أنها توبة كاذبة ؟ فأجاب قائلاً :
" ينقسم الناس في ذلك إلى قسمين :
■ صادق في توبته الأولى لم يصر على ذنبه ، وليس في نيته العود إليه عند التوبة ، ثم عرض له فيما بعد ذلك ذنب آخر دون إعداد ولا ترتيب له ، ولا علم بوقوعه فارتكبه ، سواء كان ذلك الذنب هو الأول أو غيره من الذنوب ، وحينئذ يجب على المذنب أن يسارع بالتوبة لشروطها ، وصحت توبته الأولى والثانية مهما تكرر منه الذنب ، بشرط عدم الإصرار وعدم التفكير والترتيب لارتكابه.
■ وتائب من ذنبه الأول على حب له ، وتَمنَّ لمقارفته مرة أخرى، لم يقتلع حب المحرم من قلبه، ثم عرض له الذنب فارتكبه، فهذا مستهزئ بربه ، وتسمى توبته توبة الكذابين، لأنه يتوب بلسانه على نية العودة إلى الذنب بقلبه ".
_________________________________________
الصفقة الثانية: الصلاة خير من النوم
كان أصحاب النبي ﷺ لا يطيقون فراقه، ولما كانت الدنيا دار فراق، وهم لا يشبعهم منه غير الخلود، طلبوا صحبته في دار الخلود، وقدموا الثمن ..
الصديق قدّم صدقه، والفاروق قدّم عدله، وذو النورين قدّم ماله، وعليٌّ قدم روحه يوم هجرة الحيب .. هذا ما قدموا فأين ما قدمت؟!
قبل التنفيذ:
** أعجب العجاب:
يقول ابن القيم رحمه الله :
" من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن إجابته ، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره ، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له ، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته ، وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حد دينه والحديث عنه ، ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه، وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب " .
** أرباح الصفقة
يا قومنا هذي الفوائد جمّة … فتخيّروا قبل الندامة وانتهوا
إن مَسّكم ظما یقول نذیرکم … لا ذنب لي قد قلتُ للقوم استقوا
** من فوائد أداء صلاة الفجر في الجماعة:
(١) تعدل قيام ليلة كاملة:
يقظة من منام + إجابة للأذان + صلاة مع أهل الإيمان = ثواب قيام ليلة
وما أعظمه من ثواب مع يسر ما بذل فيه من جهد .
قال رسول الله : "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله "، وهي وصية العامة إذ قالوا: عليكم بما خف حمله وغلا ثمنه .
(٣) الحفظ في ذمة الgه:
قال رسول الله : "من صلى الصبح فهو في ذمة الله".
وتأمل معي قوله "ذمة الله": فهي ليست ذمة ملك من ملوك الأرض لأنه - وإن علا ملكه وتوقفت مراكب السير تعظيماً وتبجيلاً له - لا تزال فيه حقارة الأرض وذلة الأرض والضعف الكائن في المخلوق من تراب الأرض ، وإنما هي ذمة مالك الملك ورب الأرباب وخالق الأرض وما عليها لك والواصف نفسه قائلاً: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة( [النور: ٣٠].
ذمة الله هي الذمة التي لا يستطيع أحد خرقها بل مسّها، تحيط المؤمن بسياج من الحماية له في نفسه وولده وعقله ودينه وسائر أمره، فيحس بالطمأنينة في كنف الله ، ويشعر أن عين الله ترعاه وأن قوته تحفظه ، فيمضي يومه واثق الخطى ثابت الجنان عديم الوجل من كل من دبّ على وجه الأرض وخلق منها .
(٣) نور يوم القيامة:
قال النبي : "بشَر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ".
والنور على قدر الظلمة، فمن كثر سيره في ظلام الليل إلى الصلاة عظم نوره وعمّ ضياؤه يوم القيامة، والمؤمن يعلم أن مقاساة الظلمة هنا هي ثمن النور هناك ، وأن سيره في ظلمة الليل إلى المساجد ، إنما يدخر الأنوار له ليوم تضيء فيه الصراط فيعبره إلى الجنة .
وليست أنوار المؤمنين يوم القيامة على درجة واحدة من الشدة والقوة ، بل تتفاوت بتفاوت الإيمان، قال رسول الله 8: "فيُعطون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يُعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يُعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يُعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يُعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة ".
(٤) دخول الجنة :
قال رسول الله 8: "من صلى البردين دخل الجنة".
والبردان هما صلاة الفجر والعصر، قال ابن حجر في الفتح : "وسميا بالبردين لأنهما تصليان في بردي النهار، وهما طرفاه حين يطلب الهواء وتذهب سورة الحر أي شدته".
ولأن النفس تخلد في هذين الوقتين للراحة والرقاد وتستصعب النشاط والقيام ، فقد استحثها النبي وحفزها بهذه البشارة العظيمة، وكأنه يقول: هذه الجنة نزلت إلى أرضكم تعرض نفسها عليكم في هذين الوقتين الثمينين ، فاحضروا القسمة يكن لكم فيها نصيب، وارموا ساعة القتال بسهم يكن لكم في الغنيمة سهم ، ولا تكونوا مع الخوالف فتنالكم التوالف ، ولا ممن :
یحاول نیل المجد والسیف مغمد … ويأمل إدراك العلا وهو نائم
(٥) تقرير مشرف:
أخي الحبيب: أنت على موعد مع الله كل يوم في صلاة الفجر والعصر، لتقدم له تقريراً يومياً تكتبه بيدك شاهداً به على نفسك ، مجدداً العهد مع ربك الذي يحرص كل يوم على السؤال عنك وتفقد أحوالك عن طريق ملائكة أطهار - وهو أعلم بك منهم - لكنه يسأل براً ولطفاً وإحساناً وتقرباً.
قال رسول الله : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون.
(٦) هذا ثواب النافلة فكيف بالغريضة:
قال رسول الله : "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
وهما ركعتا سنة الفجر، ولما كان الفرض أحب ما تقرب به العبد إلى ربه ، فثوابه أعظم وربحه أوفر، وإذا قال "خير من الدنيا وما فيها"، فكن على يقين أن قوله الحق، لا يبالغ في تصوير، ولا ينطق عن هوى، تنزه عن ذلك، كيف وما هو إلا وحي يوحى؟ ويد الله ملأى، وخزائنه لا تنفد، وملكه لا ينقصه شيء إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ؟
(٧) رؤية الله في الآخرة:
وما أعطى الله أهل الجنة نعيماً أحب إليهم من النظر إلى وجهه الكريم، وهو شرف أجل من أن يخطر ببال أو يدور في خيال، فأي نعيم وأي لذة وأي فوز وأي قرة عين ، والله ما طابت الجنة إلا بهذا ولا تم نعيمها إلا به .
هذا الشرف حازه أهل الفجر كما أخبر النبي 8: "أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غغروبها) [طه: ١٣٠].
قال ابن حجر: "وجه مناسبة ذكر هاتين الصفتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات ، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا وهو النظر إلى الله تعالی·.
يا أخي .. نسوة مصر، لما رأين يوسف (أكبرنه وقطعن أيديهن) [ يوسف: ٣١]، وشغلن به عن أنفسهن، فكيف لا تحب مولاك وتشتاق إلى رؤيته؟!
وإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه ويطلع فيه علی أحبائه .
(٨) زاد الدنيا والآخرة:
لما كان الوقت الذي يعقب صلاة الفجر أكثر الأوقات بركة، فقد حرص النبي على اغتنامه وشغله بالذكر، فكان يجلس بعد صلاة الفجر يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين، ويبشر أصحابه إن هم فعلوا هذا بأن لهم أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، ولقد حرص السلف الصالح على التزام سنة النبي 8.
فكان ابن تيمية كما ينقل عنه تلميذه ابن القيم يذكر الله في هذا الوقت المبارك ويقول : "هذه غدوتي ولو لم أتغد الغذاء سقطت قوتي".
وهذا الوقت وقت البركة الوفيرة في الرزق، ولهذا نجد أصحاب المهن والحوف والتجارة حريصين على اغتنام هذا الوقت، فعن صخر الغامدي أن النبي 8 قال: " اللهم بارك لأمتي في بكورها".
قال صخر : وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم أول النهار ، وكان صخر تاجراً وكان إذا بعث تجارة بعثها أول النهار، فأثري وكثر ماله ، ولا يعني ذلك أن النائم لا يُرزق، بل إن الله يرزق البر والفاجر والمؤمن والكافر ، لكن البركة كنز لا يناله إلا المستيقظون في هذا الوقت، الذي يفيض بالبركة على أهله .. بركة في المال فلا فقر،
وفي الصحة فلا مرض، وفي العزيمة فلا وهن ، وفي الوقت فلا ضيق ، وفي العقل فلا شطط، وكذا في سائر نعم الله على العبد .
(٩) صحة وعافية:
أما الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر فهي كثيرة منها :
■ تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون (O3) في الجو عند الفجر، وتقل تدريجياً حتى تضمحل عند طلوع الشمس ، ولهذا الغاز تأثير مفيد للجهاز العصبي ، ومنشط للعمل الفكري والعضلي .
■ نسبة الأشعة فوق البنفسجية (U.V) تكون أعلى ما يمكن عند الفجر، وهذه الأشعة تحرض الجلد على صنع فيتامين (د)، كما أن لِلَّون الأحمر تأثيراً باعثاً على اليقظة .
■ نسبة ( الكورتيزون ) تكون في الدم أعلى ما يمكن وقت الصباح وأقل ما يمكن وقت المساء.
الشروط الجزائية
رأى يحى بن معاذ يوما رجلا يقلع الجبل فى يوم حار وهو يغنى ، فقال: " مسكين ابن آدم، قلع الأحجار عنده أهون من ترك الأوزار"، نعم والله .. هانت على ابن آدم أوزاره لجهله بعواقبها وآثارها، ومن الآثام المدمرة للتخلف عن صلاة الفجر:
(١) الاتصاف بصفات المنافقين:
قال تعالى في وصف المنافقين: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) [الأنبياء: ١٤٢]، وقال : "ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً ".
ويؤكد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود فيقول: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق "، وما يزال الرجل بخير ويظن فيه الخير ما دام مواظباً على صلاة الفجر، فإذا تخلف دارت حوله الظنون وحامت حوله الشبهات ، قال عبد الله بن عمر: "كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن".
(٣) الويل والغي له :
قال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) [الماعون: ٤ - ٥ ]، قال سعد بن أبي وقاص: "سهوا عنها حتى ضاع الوقت"، وقال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) [مريم: ٥٩]، قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: "لم تكن إضاعتها تركها ولكن أضاعوا الوقت ".
سوق الأرباح قائمة حتى الشروق، فإذا طلعت الشمس انفضت السوق ولم تنفع البضائع صاحبها، وفوق هذا وذاك تهديد ووعيد بالغي والضلال من قوي عزيز ذي انتقام .
(٣) أذنه كنيف شيطان:
عن عبد الله بن مسعود قال: "ذُكر عند النبي رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أننيه"، أو قال: "في أذنه"، قال الطيبي:خص الأذن بالذكر، وإن كانت العين أنسب للنوم إشارة إلى ثقل النوم ".
وقد يتعجب الإنسان ويسأل : وهل يبول الشيطان؟ فيجيبه القرطبي قائلاً: " وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشيطان قد استولى عليه ، واستخف " ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح فلا مانع من أن يبول به حتى اتخده كالكتيف المعد للبول، ازدراء له واستهزاء به" .
يا بائع الفجر .. وجاني الوزر .. أما تأنف من بول الشيطان في أذنيك؟! أما تجزع من هروب الملائكة من ريحك ؟!
أردنا أن يكون الملك حاديك إلى الجنة بنشيده: ( الصلاة خير من النوم)، فأبيت إلا أن يكون الشيطان حاديك إلى النار بعوائه: ( عليك ليل طويل فارقد ).
(٤) الخبث والكسل :
فيصبح النائم عن صلاة الفجر إسفنجي الطبع: إذا صادف خبيثاً تشرب خلاله الخبيثة وامتلأ بها ، زجاجي القوام: إذا صادف آية مرت من خلاله دون أن يبقى منها فيها شيء، حجري الإحساس : تنهال عليه سياط المواعظ دون أن يشعر بأي ألم.
وهو مع ذلك لو كان الخمول والكسل عن الطاعات حديداً لكان هو قطعة مغناطيس ، ولو كان الثواب منه على قيد أنملة لحسبها - من كسله - صحارى وقفاراً.
ولذا أخبر النبي أن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدنا إذا هو نام ثلاث عقد، لا تنحل إلا بالقيام والوضوء والصلاة " وإلا أصبح خبيث النفس كسلان"، ليس هذا فحسب .. بل وتعلن فضيحته على الملأ وتفوح معصيته في الأرجاء ، وتتنكس من على رأسه أعلام العزة والكرامة ولترفع بدلاً منها أعلام الذل والهوان .
قال أبو المعتمر سليمان بن طرحان التيمي: " إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته.
(٥) الكب على الوجه في النار:
قال النبي : "من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم، لا يطلبنك من ذمته بشيء ، فإن من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم ".
صلاة الفجر من ذمة الله التي يغار عليها أن تخفر ، فمن نام عنها أو أخَرها عن وقتها فقد خفر ذمة الله ، واستعدى عليه العظيم ، وأغضب منه الجليل ، فعاقبه بأن كب وجهه الذي غمره النوم في الدنيا في النار يوم القيامة، جزاء ما قدمت يداه غير ظالم له أو متجن عليه ، حاشاه ..
(٦) وتُكسر رأسه:
لما ثبت في البخاري من أن النبي رأى في رؤيا: (رجلاً مستلقياً على قفاه وآخر قائماً عليه بصخرة يهوي بها على رأسه، فيشدخ رأسه فيتدحرج الحجر، فإذا ذهب ليأخذه فلا يرجع حتى يعود رأسه كما كان ، فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى)، وقد فسر جبريل وميكائيل ما رآه النبي 8 بأنه: "الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة " .
قال ابن العربي: "جُعلت العقوبة في رأس هذا النائم عن الصلاة، والنوم موضعه الرأس ".
(٧) ويمنع بزقه:
قال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد: "ونومة الصبح تمنع الرزق، لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة وهو مضر جداً، ورأى عبد الله بن عباس ابناً له نائماً نومة الصبح ، فقال: قم .. أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟".
** تسهيلات الصفقة
(١) نم مبكرا واترك السمر:
لحديث أبي برزة : "كان رسول الله 8 لا يبالي بعض تأخيرها (يعني صلاة العشاء )، ولا يحب النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها".
وقد استثنى من ذلك حالات، منها ما ذكره الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم فقال :
" سبب كراهة الحديث بعدها أن يؤدي إلى السهر، ويخاف من غلبة النوم عن قيام الليل أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو في وقتها المختار أو الأفضل ، والمكروه من الحديث بعد صلاة العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها ، أما ما كان فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه ، كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ، ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس ، والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، والإرشاد إلى مصلحة أو ما شابه ذلك فكل ذلك لا كراهة فيه".
هل علمت الآن لماذا كان عمر بن الخطاب يضرب الناس بدرته بعد صلاة العشاء ويقول: أَسَمَرٌ أول الليل ونوم آخره؟ !.
(٣) الحرص على آداب النوم:
كالنوم على طهارة وأداء ركعتي الوضوء، والمحافظة على أذكار النوم ، والاضطجاع على الشق الأيمن، ووضع الكف الأيمن تحت الوجه ، وقراءة المعوذتين في الكفين ومسح ما استطاع من الجسد بهما ، وغير ذلك من أذكار النوم.
(٣) ابذر الخير تحصد الخير:
فمن نام عقب أداء طاعة من صلة رحم ، أو بر والدين ، أو إحسان إلى جار ، أو صدقة سر، أو ستر مسلم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر ، أو إرشاد ضال، أو شفقة على يتيم، أو سعي في حاجة محتاج، لكوفئ بأن يكون ممن يشهدون الفجر، لأن حسنة المؤمن تستوحش فتدعو أختها إلى جوارها تأبى التفرد .
(٤) انزع الشر تسلم :
وذلك بحفظ الجوارح عما لا يحل لها ، فيصرف النظر عن الحرام ، وكذلك اللسان والسمع وسائر الأعضاء عما لا يحل لها .
سئل الحسن البصري : لم لا نستطيع قيام الليل؟ فقال: "قيدتكم خطاياكم".
فمن نام على معصية ارتكبها من غيبة مسلم ، أو خوض في باطل ، أو نظرة إلى حرام، أو خذلان محتاج، أو خلف وعد، أو أكل حرام، أو خيانة أمانة ، عوقب بالحرمان من شهود الفجر، لأن من أساء في ليله عوقب في نهاره ، ومن أساء في نهاره عوقب في ليله .
(٥) استعن بنوم القيلولة :
كان أبو ذر الغفاري يعتزل الصبيان لئلا يسمع أصواتهم فيقيل، فقيل له، فقال: "إن نفسي مطيتي وإن لم أرفق بها لم تبلغني" .
وهي سنة النبي ينفذها أبو ذر كما علمه إياها المعلم القدوة ، فلا شك أن نوم القيلولة يريح الجسد من تعبه فيقوي الإنسان على الاستيقاظ على أذان الفجر إن لم يكن قبله .
(٦) إخوان الخير يساعدون:
فهؤلاء هم العدة والعتاد في مواجهة رسل النوم وبواعث الكسل بقيادة إبليس ، أوصهم بأن يوقظوك وأن ينبهوك ويذكروك ، واستعن على ذلك بشهود مجلسهم وحضور منتدياتهم ، فمن عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم ، فإن كان قلبك مريضاً شفي، وإن كان ميتا حيي .
وتذكر: لما بعث الله أهل الكهف بعث كلبهم، ولما أحيا عُزيراً أحيا حماره.
(٧) اعرف قدر الآخرة :
لو قيل لك : احضر إلى مكان كذا في تمام الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، فإنه سوف يأتيك من يسلمك عشرة آلاف جنيه .. ترى ماذا كنت فاعلاً؟ لا شك أنه لن تغفل لك عين ولن يطيب لك نوم ، بل ستظل تتقلب على جمر الشوق وتتقلى في نار القلق ، وتعد الساعات بل الدقائق والثواني كأنها الدهر قدامك ، ولذهبت قبل الموعد بساعة تنتظر بلهفة حضور الجنيهات .
ويحك : عشرة آلاف جنيه أم الجنة؟ ثواب الدنيا أم الآخرة؟ لذة ساعة أم نعيم الأبد ؟ لو عرفت قدر الآخرة حقاً لأفاق قلبك المخمور ، ولو تذكرت ما علمه إياك مدرس الحساب وأنت صغير، لكان حالك غير حالك، علّمك أن ( البسط / مالا نهاية = صفو) فالدنيا مهما عظم قدرها وعلا شأنها هي البسط والآخرة هي المقام، وما الدنيا إلى الآخرة إلا صفر مهمل وسراب خادع ووهم كبير، فحصّل ما استطعت في المقام ليطيب لك في الجنة المقام، ولا تطلب البسط كل البسط فإنه سبحانه وتعالى قال لك : (ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) [الإسراء: ٢٩].
(٨) انتقم من عدوك:
فإذا فاتك شهود الفجر فانتقم من شيطانك انتقاماً يؤلمه، فيحذرك ويخاف الاقتراب منك ، بعد أن كان يعدك من قبل لتكون ذباب طمع وفراش نار، وخطة الانتقام تتمثل في صيام هذا اليوم الذي ضيع عليك صلاة الفجر فيه، أو قراءة جزء من القرآن زائداً عن وردك، أو أداء أي عبادة مما تجد فيها النفس مشقة وتعبأ، وكلما عظمت المشقة زاد الشيطان فرقاً ، فقابل كل ضربة منه بضربة ، وكل غفلة بيقظة ، وكل سقطة بنهضة، تنجُ من كيده وتسلم من أذاه ، وإياك إياك والمداهنة فإنها دليل الذل وعلامة الجبن وبداية الهزيمة .
هي وصية أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح التي يبث لك فيها الأمل، مهما طوقتك ذنوبك وحاصرتك آثامك، يقول : "ادرؤوا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء ، ثم عمل حسنة أدلت فوق سيئاته حتى تقهرهن".
كما هي وصية عبد الله بن عمر رضي الله عنه، الذي كان يؤثر النصيحة بالحال على النصيحة بالمقال، فكان إذا فاتته صلاة جماعة صلى تطوعاً إلى الصلاة الأخرى، إرغاماً للشيطان وتأديباً له ونكاية فيه.
(٩) المح عاقبة الصبر:
من عرف حلاوة الأجر هانت عليه مرارة الصبر ، والعاقل الفطن له في كل ما يرى حوله عبرة ، فهو يرى أنه ما ابيض وجه رغيف حتى اسود وجه خبازه ، وما علت اللآلئ الأعناق إلا بمعاناة الغوص في الأعماق، من سهر الليالي بلغ المعالي ، ومن استأنس بالرقاد استوحش يوم الرقاد ، لا يحل لحم الغزال دون ذبحه ، ولا يطيب إلا بأن يصلى النار، إضاءة الشمعة إفناء نفسها، وكلما طال سفر القافلة عظم ربحها، وإذا كانت السلعة غالية رامت همماً عالية .
صاح بهذا أستاذ الصبر الأول فقال 8: "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" ، فتذكر هذا تفق على صوت الديك ، وإلا فقد سبقتك الديوك :
قُم بنا يا أخي لما نتمنى … واطرد النوم بالعزيمة عنا
قم فقد صاحت الدیوك ونادت … لا تکون الدیوك أطرب منا
** عند التسليم:
** أخي المشترك :
اقرأ هذه السطور وأسقط معانيها على صفقتك التى عقدتها لتوك .. يقول صاحب الإحياء :
" اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار ، فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها ، فإن العفو أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها ، ومثال ذلك : قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه ، وذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة واحدة لم يؤثر، ولذلك قال رسول الله 8: "خير الأعمال أدومها وإن قل".
والأشياء تتميز بأضدادها، وإن كان النافع من العمل هو الدائم وإن قل ، فالكثير المنصرم قليل النفع في تنوير القلب وتطهيره، فكذلك القليل من السيئات إن دام عظم تأثيره في إظلام القلب ".
________________________________________________
استراحة
(وإن لكم في الأنعام لعبرة ... ) [النحل: ٦٦ ]
■ غلا ثمن الراحلة .. لما صابرت طول السفر وقلة الزاد ، فاستحقت أن تكرم وتزين ، وتظل حياتها عزيزة حتى يتوفاها الموت، أما غيرها من الإبل فأرخصها نفاد صبرها وضعف تحملها ، لذا تأكل لتؤكل وتكرم لتذبح ، وغاية إكرامها : إخفاء السكين عنها ساعة الذبح .
■ إذا فرغ التمساح من طعامه .. فغر فاه واسعاً ليسمح لعصفور صغير بالتقاط بقايا الطعام من بين أسنانه ، خشية أن ينخر فيها السوس ، وبعض الناس ينخر فيه السوس منذ زمن دون أن يسمح لأحد بالتقاط أصل الداء منه ، لا التمساح شابه ولا العصفور قلّد .. أخي إن لم تكن فاعلاً فمتفاعلاً .. إن لم تتبّج خطبة فاحضرها ..
إن لم تُلق درساً فاشهده .. إن لم تكن أهلا لإصلاح غيرك، فلا تمانع في أن يقوم غيرك بإصلاحك .
■ الحمام الزاجل .. إذا أطلقه صاحبه في توصيل رسالة كابد قرص الشمس ، وواصل الليل والنهار محتملاً ما يقابله من رياح وأمطار ورعد وبرق، وحَلَّق عالياً خشية أن تناله سهام الصياد ، وهو مع هذا يحذر النزول على حبة قمح ملقاة، خوفاً من خديعة فخ تورث عرقلة سير أو كسر جناح فتضيع الرسالة ، فإذا أوصل الرسالة أطلق لجناحيه العنان في البرج يأكل ما يشاء .
فيا حاملي رسائل القرب إلى الله : ماذا كابدتم ؟ وإلى أي علو منه سموتم ؟ وأي فخ عرقل تقدمكم؟ ويحكم .. غمسة في الجنة تنسي آلام العمر، ولحظة واحدة فيها خير من الدنيا وما فيها ، فلم التردد ؟
■ القط .. إذا أحسنت إليه مرة جعل كلما رآك لاطفك وتمسح بثيابك، وأنت كل ذرة من بدنك تشهد بإحساننا ، وكل شعرة من جسدك مغمورة بنعمنا، ومع هذا كله كلما رغّبناك فينا رغبت عنا ، وكلما أدنيناك منا أحببت غيرنا ، وكلما واصلناك جافيتنا، خاصمتنا وأنت أحوج ما تكون إلينا ، وصالحناك ونحن أغنى ما نكون عنك ، هلا تعلمت من البهائم يا ذا القلب الهائم ، ولا تستعظمن قدرك فقد تعلم قابيل كيف يدفن أخاه من غراب ، وعلم سليمان خبر بلقيس من هدهد .
■ النمل .. مع صغر حجمه وضعف قوته ، يحمل أضعاف أضعاف وزنه صيفاً ليقتات عليها شتاء، دون أن تشغله حلاوة زاد الصيف عن جمع زاد الشتاء ، لعلمه بضراوة الجوع فيه ، ولكونه أخذ العبرة من كثرة الهالكين فيه .. يا أخي افهم .. الدنيا صيف والآخرة شتاء ، فقليل من الاعتبار يرحمك الله .
■ الحمار .. يسير في الليلة المظلمة إلى المنزل فيعرفه ، فإذا خلي سبيله وصل إليه بغير دليل، وهو مع هذا يفرق بين الصوت الذي به يستوقف والصوت الذي يحث به على السير، فيا ضالا طريقه إلى الجنة. . يا فاقدا التمييز بين صوت داعي الجنة وبائع النار، لم تحصل في الهمة درجة (حمار) .. إذا فهمت همت، وكلما دنوت من القبور قوي عندك الفتور ، دنو أجلك يزيد من أملك، ودفنك الكثير من الأعزة ما أثناك بعد عن حب عزة، آه .. كم تظلم فصيلة الحمير.
■ الجلالة .. هي كل ما يؤكل لحمه من دواب الأرض ، تأكل النجس من الطعام حتى يخبث لحمها، وقد حرم الفقهاء أكلها حتى تحبس أربعين يوما ، تأكل فيها طيب الطعام فتطيب وتحل للأكل ، وكثير من الناس غرق في الحرام ففسد حاله وخبث لحمه ، وما أحوج هؤلاء إلى حبس كحبس الجلالة ، لا يتناولون فيه سوى أطايب الكلام وصالح الأعمال، إلى أن تزكوا أرواحهم وتطيب نفوسهم ، فيستحقون بذلك دخول الجنة التي لا يدخلها إلا (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين) [النحل: ٣٢]، وعندها تطرب أسماعهم بسماع النشيد الملائكي الخالد: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) [الزمر: ٧٣].
■ بعض الناس بهيمة في مسلاخ بشر .. حيوان في صورة إنسان . .
- فمنهم حمار يدور برحاه دون أن يتقدم إلى الأمام خطوة ، طلّق أخراه وتزوج دنياه، جلبة بالنهار خشبة بالليل ، سبحان من رفع البهائم فوقه درجة إذ تنفع غيرها وهو لا ينفع نفسه ولا غيره، ألم أقل لك: (إنهم إلا كالأنعام بل هم أضل) [الفرقان: ٤٤]
- ومنهم دودة قز يموت وسط ما ينسج ، الألفة بينه وبين شهواته عجيبة، والمؤاخاة بينه وبين شيطانه حميمة، يسعى لحتفه بيده، ويسير إلى النار في خطى ثابتة ، شعارهم في الحياة : (يهلكون أنفسهم) [التوبة: ٤٢ ]
- ومنهم نعامة يدفن رأسه في الرمال، يظن أن أحداً لا يرى فسقه ولا يلمح فجوره ، يزعم أنه لم يقتل ودماء الضحية تلطخ يديه ، ويدعي عدم السرقة وبصماته تملأ موقع الجريمة، يرتدي ثوب التقى وقطرات الخمر تقطر من فمه، وأمثال هؤلاء: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) [البقرة: ٩]
- ومنهم حرباء في تلونها يدخل مجلس الصالحين فيخشع لسماع الأعراف وهود، ويُثني على مجالس الطالحين فيطرب لسماع الجيتار والعود، حُرموا من المعية لأن نفوسهم إمعية وعقولهم غير ألمعية طريقتهم في الحياة : (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) [النساء: ١٤٣]
- ومنهم خفاش في هيئته المقلوبة ، يعشق الظلام ويكره النور ، يستلذ بالمعصية ويستقبح الطاعة ، مفاهيمه معكوسة لأن فطرته منكوسة لذا : (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) [الزمر: ٤٥].
_________________________________________
الصفقة الثالثة: صلِّ صلاة مودع
يا ساهياً في صلاته: جسمك في مصر وقلبك هائم في كل مصر، صورة بلا روح .. جسد بلا حياة .. عربي النطق أعجمي الفهم، مثلك مثل من طلب منه الملك جوهرة ثمينة، لقاء قربه وجعله في لحاشیة، فاشتری حقنة تراب، ووضعها في سلة قش وقدمها ، فلما رآها الملك غضب، وكان الطرد والإبعاد بديل القرب والإسعاد.
** قبل التنفيذ:
*** مراتب خمس:
قال الإمام ابن قيم الجوزية :
" والناس في الصلاة على مراتب خمس :
■ أحدها : مرتبة الظالم لنفسه المفرط ، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.
■ الثاني : من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركائها الظاهرة ووضوئها ، لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار .
■ الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار ، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته ، فهو في صلاة وجهاد .
■ الرابع : من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئاً منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها وإتمامها ، قد استغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.
■ الخامس : من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ، ناظراً بقلبه إليه مراقباً له، ممتلئاً من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات ، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين الغافل في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض ، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به.
فالقسم الأول معاقب ، والثاني محاسب ، والثالث مكفْر عنه، والرابع مُثاب، والخامس مُقرب من ربه ".
أرباح الصفقة
(١) التلذذ بالصلاة:
الخاشع يلتذ بصلاته ويستأنس بمناجاته ، فسرعان ما تنقضى دون أن يشعر، لأن ( سنة الوصل سنة ) ، فإن أصابته نزلة فتور فهجر الخشوع هجره الخشوع لتمر عليه أيام الهجر كأنها أعوام لأن ( سنة الهجر سنة).
يخفف الخشوع أمر الصلاة على العبد، قال تعالى: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: ٤٥]، بل يجعل الصلاة لذة فائقة ومتعة غامرة، قال النبي : "وجُعلت قرة عيني في الصلاة "، فبالمعاني التي يحييها الخشوع في القلب يعود المسجد قطعة من الجنة مختبئة بين أربعة جدران ولا أروع، فما ثم إلا السرور والنعيم وقرة العين .
كانت هذه اللذة عند عروة بن الزبير بحراً غرقت فيه سفن الألم، فلم تقترب من شاطئ الجسد ولم تصل إلى عالم الوجدان فكيف كان ذلك ؟
وقعت الأكلة في رجله فأشاروا عليه بقطعها لا تفسد جسده كله ، فأشار عليهم بقطعها في الصلاة، وخرج بخشوعه من دنيا البشر إلى لذة القرب من الله ، فقطعوا كعبه بالسكين دون أن يلتفت ، حتى بلغوا عظمه فوضعوا عليه المنشار ونشروها وهو لا يلتفت، ثم جيء بالزيت المغلي فغمرت به فغشي عليه ساعة، ثم أفاق وهو يقول : هل انتهيتم ؟
(٢) أرحنا بها يا بلال:
كان النبي إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وإذا أعياه أذى الناس وصدودهم وبطشهم وكيدهم نادى في بلال: "يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها"، ولا تنبعث هذه الراحة من حركات مصطنعة تتخللها كلمات لا تجاوز الحناجر، إنما الراحة حكر على من تدبر آيات الله وعاش في معانيها، فانتشلته من همومه واحزانه إلى تسليمه وإيمانه ، ونقلته من عالم الألم إلى عالم الأجر، ومن ضيق الدنيا وكدرها إلى سعة الآخرة وصفائها ..
الصلاة الخاشعة هي اللمسة الحانية التي يختفي معها التعب في غمرات السكينة الإيمانية، وعرصات الروحانية العالية .. هي البلسم الشافي لقلق النفس وضعفها، فإذا بها تطمئن بعد قلق إذ بذكر الله تطمئن القلوب، وتسكن بعد اضطراب إذ تتصل بباعث السكينة في نفوس المؤمنين، وتأمن بعد فزع إذ تركن إلى من رزقها وأجلها بيده وحده ، وتقر بعد خوف إذ لن يصيبها إلا ما كتب الله لها .
(٣) الأجر على قدر الخشوع:
يتناسب الأجر الذي يناله المرء عن صلاته تناسباً طردياً مع قدر خشوعه فيها، قال رسول الله : " إن الرجل لينصرف وما يكتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها" ، ولذا قرر ابن عباس هذه الحقيقة فقال: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها".
(٤) مغفرة الذنوب :
قال رسول الله : "ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول، إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه " .
ثمن "فيعلم ما يقول" عند الله هو غفران الذنوب، وكأن الخشوع ممحاة تمحو ما مضى وتنسف ما سلف، صلاة واحدة يا أخى تسري فيها هذه الروح كافية لقلب صحائفك كلها بيضاء .
يا أرباح الخاشعين ما أثمنك .. يا فوز الخاشعين ما أغلاك ..
قال : " إن العبد إذا قام يصلي أتى بذنوبه كلها، فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه ".
ويربط عبد الرؤوف المناوي بين هذا الحديث وبين الخشوع فيقول: "المراد أنه كلما أتم ركناً سقط عنه ركن من الذنوب، حتى إذا أكملها تكامل السقوط، وهذا في صلاة متوفرة الشروط والأركان والخشوع، كما يؤذن به لفظ العبد والقيام، إذ هو إشارة إلى أنه بين يدي ملك مقام عبد ذليل ".
الشروط الجزائية
قال عبد الله بن مسعود : "الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى، ومن طفف فقد علم ما قال الله: (ويل للمطففين) [المطففين: ١]".
وهذا الوعيد الذي توعده الله للمطففين يظهر جلياً في :
(١) فوات الأجر:
فإن مراد الصلاة الخشوع وحضور القلب ، ومدار الأجر فيها قائم على هذا ، وإلا فما أسهل هذرمة اللسان وحركة الأعضاء ، وإنما ينال الأجر العظيم على جهد مكافئ له ، ببذل في قطع العلائق الدنيوية واستجماع الهمم الأخروية .
عن أبي هريرة أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه فقال له رسول الله 8: "وعليك السلام فارجع فصلّ فإنك لم تصل "، فصلى ثم جاء فسلم فقال 8: "وعليك السلام فارجع فصلَ فإنك لم تصل"، فقال في الثانية أو التي تليها: علمني يا رسول الله، فعلمه رسول الله .
(٣) بئنست المناجاة:
رأى النبي رجلاً ينقر الصلاة فقال له: "يا فلان ألا تتقي الله؟ ألا تنظر كيف تصلي؟ إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يقوم يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه ".
إذا وقف المصلي في صلاته فإنما يناجي ربه ، ولو ناجى ملكاً من ملوك الأرض لارتعدت فرائصه ، واقشعر جلده ، ووقف شعر رأسه ، ولما غفل أو سها لحظة أو أقل، فكيف بمناجاة مَن ملوك الأرض جميعاً لا يساوون ذرة في ملكه؟ وإذا كان ملوك الدنيا يملكون حطامها وأمثالك يطلبون هذا الحطام ، فالأولى أن تعلق آمالك بمن يملك حطام الدنيا ونعيم الآخرة، وأن تعرف قدر السلعة وعظم الجائزة، وعلى هذا الأساس تتعلم فن الطلب وأدب المناجاة .
مرّ الحسن البصري برجل يعبث بالحصى ويدعو: اللهم زوجني من الحور العين ، فقال: بئس الخاطب تعبث بالحصى، وتطلب الحور.
(٣) جريعة سرقة:
قال رسول الله :"أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها " .
هو أسوأ الناس سرقة .. لأنه يسرق في بيت الملك، وهو واقف بين يديه وليس بينه وبين ربه حاجب ولا ترجمان ، فأين الحياء إن لم يكن الأدب ؟
وهو أسوأ الناس سرقة .. لأنه يسرق من صلاته فيفسدها، وهي التي لو فسدت فسد عمله كله، وأصبح إلى العقوبة أسرع منها إلى الثواب . وهو أسوأ الناس سرقة .. لأن سارق الدنيا ينتفع بما يسرقه ويتمتع به، أما هو فيسرق من حق نفسه في الثواب ، ويشتري بذلك العقاب في الآخرة . فأقبح بها من سرقة .. وأعظم بها من جناية ..
وأخبرني يا مضيّع الخشوع : ماذا يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك ؟
إذا أردت أن تشعر بقبيح فعلك وعظيم جرمك ، فخاطب نفسك بما سبق وخاطب به أبو الفرج ابن الجوزي أحد البطالين في زمانه، فقال له: "يا بطّال .. لو سافرت بلدأ لم تربح فيه حزنت على فوات ربحك ، وضياع وقتك، أفلا يبكي من دخل في الصلاة على قرة العين، ثم خرج بغير فائدة؟".
يصلي فيرسلها كالطيور … إذا أرسلت من حصار القفص
يقوم ويقعد مستعجلاً … كمثل الطروب إذا ما رقص
(٤) موت على غير ملة محمد :
عن أبي عبد الله الأشعري ، أن رسول الله رأى رجلاً لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي، فقال: "لو مات هذا على حاله مات على غير ملة محمد ".
وهي كلمة لو سمعها هذا الرجل لخرَ مغشياً عليه من هولها وتقلها، كلمة تنوء الجبال بحملها، قصد بها النبي تعليم أصحابه أهمية السكينة والطمأنينة وحضور القلب في الصلاة ، هى كلمة يوجهها رسول الله لفاقدي الوعي في صلاتهم، يشير عليهم بإصبعه دون مواربة ، ويحددهم بأشخاصهم دون غيرهم ، ويحذر غيرهم من سلوك طريقهم، ويقول لهم : لو متّم على هذا لمتم على غير ملتي.
فاستدركوا ما فات عنكم ، وابحثوا عما ضاع منكم ، مادامت الأنفاس تتردد فالأمل فى اللحاق يتجدد .. ابذروا الإيمان فى الأرض البوار، وأسرعوا قبل فوات القطار ، فليس أحد فى قبره يركع ويسجد .
وهذا هو النهج الذي جاءت به ملة محمد ، وقد يبلغ الرجل من العمر عتياً ولا يكون قد أتم لله صلاة واحدة كاملة الأركان سليمة البنيان .. هذا ما قاله عمر بن الخطاب ، وقد صعد المنبر يوماً: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاة، ولما سئل عن ذلك قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله تعالى فيها.
بل قد يسجد هو وأمثاله سجدة سماها بعض السلف السجدة المذنبة فقال : إن العبد يسجد السجدة عنده أنه يتقرب بها إلى الله عز وجل ، ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا ، قيل : وكيف يكون ذلك؟ قال: يكون ساجداً عند الله وقلبه مصغ إلى هوى ومشاهد لباطل قد استولى عليه.
وترصد أم سلمة حالة التدهور فى الخشوع من لدن رسول الله إلى عهد عثمان فتقول: كان النبى إذا قام أحدهم يصلى لم يعدُ بصره موضع قدميه، فتوفى رسول الله فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصره جبينه، فتوفى أبو بكر وعمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعدُ بصره موضع القبلة، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة فالتفت الناس يمينا وشمالا !! ".
تسهيلات الصفقة
كثيرا ما تعترى قلوبنا سحب من آثار المعاصى، فيظلم القلب ويبرد الإيمان، قال رسول الله : "ما من القلوب قلب إلا وله قلب كسحابة القمر، بينما القمر يضيء إذ عليه سحابة فأظلم، إذ انجلت عنه فأضاء"، لكن هذه السحب ستنجلي بحول الله وقوته إذا تعرضت للأنوار المشرقة من ثنايا هذه -التعليمات :
١) لبّ النداء في الحال:
تصف أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها حال النبي وقت سماعه الأذان فتقول : كان يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
قبس إبراهيم بن ميمون المروزي من مشكاة الاقتداء ، وكان يعمل صائغاً يطرق الذهب والفضة ، فإذا سمع النداء وكان رافعاً مطرقته لم يردها ، وهذا من فقه الخشوع ، لأن الإنسان إذا أسرع بتلبية النداء نزع بذلك نفسه من كل ما يشغله داخل الصلاة، فلا يفكر في سواها ويصلي حاضر القلب خاشع الفؤاد ، أما إذا استرسل مع الشواغل وتأخر عن الإجابة دخل إلى الصلاة وقد بقي قلبه معلقاً بشغله، فيتابع التفكير فيه وتضيع عليه الصلاة.
ولذا أوصى أبو الدرداء وصية مجرب: "من فقه الرجل أن يبدأ حاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ ". يرى الخشوع من تمام الفقه لأن الفقه علم، وما العلم بكثرة الرواية ، وإنما العلم خشية يورثها الخشوع .
جاء مملوك إلى سيده فقال: ضاعت مخلاة الفرس، فقام السيد يصلي، فلما فرغ من الصلاة قال: هي موضع كذا وكذا ، فقال الغلام: يا سيدي أعد الصلاة فإنك كنت تفتش عن المخلاة.
(٢) المسجد قبل الساجد:
عن أنس، قال: كان لعائشة قرام سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي : "أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي "، ويدخل في هذا الاحتراز من الصلاة في أماكن مرور الناس ، وأماكن الضوضاء وبجانب المتحدثين ، وفي مجالس اللغو، والاحتماء من كل ما يشغل البصر، ولهذا لما صلى النبي في خميصة ذات أعلام (مخططة)، ونظر إلى أعلامها قال بعد انقضاء صلاته: "شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانيه".
(٣) لا صلاة لهؤلاء:
قال النبي : "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"، والأخبثان هما البول والغائط ، ولا يستطيع الإنسان الخشوع وهو يدافعهما، وبالنسبة للطعام فلأنه إذا حضر بين يدي المصلي قام يصلي ونفسه متعلقة به ، لذا يجب على الجائع أن يبدأ بطعامه قبل صلاته ، ولا يعجل حتى تنقضي حاجته لقول النبي: " إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ، ولا يعجل حتى يفرغ منه ".
(٤) إياك وتكبيرة الكذابين:
تكبيرة الإحرام .. هي مفتاح الدخول على ملك الملوك، ودليل افتقار المخلوقين إلى الخالق ، وشهادة إقرار بعظمة الرب وحقارة العبد .
الله أكبر .. تعني أن الله أكبر من كل شيء ، فإذا بالدنيا تنكمش وتنكمش حتى تعود إلى أصلها وحقيقتها، فتكون في نظرك كما هي في نظر الله لا تساوي جناح بعوضة، فعش هذا بقلبك مع كل تكبيرة ، إذا سهوت أثناء قيامك ثم ركعت أيقظك صوت الله أكبر ليذكرك بضرورة الصدق مع نفسك ، وموافقة قلبك لسانك فيما يقول ، وإذا غفلت في سجودك ثم قمت منه نبهك صوت: الله أكبر .. ليبعث فيك التعظيم يسري من فمك إلى أذنك، ومن أذنك إلى قلبك، فيكون تعظيم القلب تاليا لتعظيم اللسان .
ويعجب المرء .. ألا يستحيى المرء من أن يبدأ يومه بكذب على الله؟ يدخل إلى صلاة الفجر بتكبيرة الله أكبر وهو كاذب في دعواه ، ثم يبدأ بدعاء الاستفتاح في الصلاة فيقول: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض .. "، ثم هو بعد ذلك وجهته شهوته ، وقبلته متعته ، وغفلته مركبه ، وإلهه هواه .
فإذا أردت يا أخي الخشوع فابدأ صلاتك بصدق ، ودع عنك تكبيرة الكذابين ، وفجِّرها في وجه الشيطان، واصدع بقوة: الله أكبر ..
(٥) صل صلاة مودع:
قال النبي موصياً أبا أيوب: "إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع".
يريد أن يقول لأبي أيوب ولمن جاء بعد أبي أيوب: قم إلى صلاتك وظلال الموت تغمرك ، وأنفاس ملك الموت تمازج أنفاسك ، يوشك أن يبتدرك فيقبض روحك
• فور تسليمك، فهي آخر صلواتك ، وخاتم عهدك بدنيا البشر، وإيذان بقرب طي صحيفتك وفراغ حفظتك ، فأدها أداء من علم أنه ليس بينه وبين القدوم على ربه غير التسليم . . عندئذ تخشع .
ولأهمية الوصية يكررها النبي ، ولكن هذه المرة إلى أنس فيقول له: " اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل، إذا ذكر الموت في صلاته لحَرِيّ أن يُحسن صلاته ".
كان لأبي حلال العتكي طريقة عجيبة فى اقتلاع حشائش الدنيا من قلبه قبيل الصلاة، وغرس أشجار الآخرة بدلا منها، يهزها فتساقط من ثمار الخشوع رطبا جنيا ، لكنه كريم لا يمنع فضله عن غيره، فطن يريد أن يصيب أجورا كثيرة بعبادة وحيدة، لذا كان يأتى فوق غرفة فيأتى بعض أبوابها فيشرف على شق من ناحية الحى فينادى: يا فلان بن فلان ( من الأموات )، ثم يقبل على الشق الآخر فيقول مثله، حتى يأتى على الأركان الأربعة، ثم يقول: (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)، ثم يُقبل على الصلاة وقد استقر ذكر الموت فى قلبه وقلب من سمعه.
(٦) وثل وحسّن صوتك:
وهو أمر الله لنبيه : (ورتل القرآن ترتيلا) [المزمل: ٤]، لذا كانت قراءة النبي مفسرة حرفاً حرفاً، وهذا الترتيل أدعى إلى التفكر والخشوع بخلاف العجلة والإسراع .
وصنو هذا تحسين صوتك بتلاوة القرآن ، وهي وصية أريجها أطيب من شذى الزهور والرياحين ، يهديها إليك رسول الله 58 فيقول: "زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً ".
ولا يتذرعن أحد بقبح صوته، فإن النبي أخبر أن جمال الصوت يكون مع القراءة بحزن، فقال : "أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله" .
(٧) تدبر وتفاعل:
من أراد الوصول إلى بر الخشوع فعليه أن يبحر في بحر التدبر ، وأن يغوص في نهر الدموع .. قال عز وجل: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) [ص: ٢٩]، ومن تدبر بقلبه دمعت عيناه، ومن لم يجاوز القرآن حنجرته إلى قلبه قسا قلبه وأجدبت عيناه .
قال ترجمان القرآن الحبر عبد الله بن عباس : "إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه "، وسجدة سبحان هي سجدة سور الإسراء في قوله تعالى: (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) [الإسراء: ١٠٩].
وبكاء القلب هو التدبر الذي يورث الخشية ، وبكاء القلب حتما سيورث بكاء العين، لذلك إن رزقت هذه الخشية فأبشر فقد أوشكت على الوصول، ومما يعين كثيرا على التدبر ترديد الآيات وتكرارها كما كان يفعل النبي ، فقد قام ليلة بآية واحدة حتى طلع عليه الصبح، وهي قول الله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فارنك أنت العزيز الحكيم) [المائدة: ١١٨].
(٨) حقق معاني الصلاة:
كل عمل من أعمال الصلاة يرمز لمعنى ويرمي لمغزى ، له دلالة وفي طياته إيماء :
■ الوضوء .. هو مشاركة السماء لك وإفاضتها عليك بمعاني التزكية والسمو والترقي والعلو ، أو هو إزالة غبار شهواتك الذي امتد إلى أطرافك وغمر أعضاءك ، فهو طهارة الظاهر والباطن معاً ، وماؤه الماء الذي يروي شجرة الخشوع في القلب ، لتنمو وتنمو إلى أن تثمر وتثمر .
■ استقبال القبلة .. هو استدبار غيرها ، وكما لا يتوجه إلى الكعبة إلا بالانصراف عن غيرها، فكذلك القلب لا يتوجه إلى الله إلا بالانصراف عن غيره .
■ القيام .. هو الوقوف بين يدي الله بلا حاجب ولا ترجمان ، تدريباً لوقوف أشق غداً يوم العرض الأكبر .
■ السجود .. هو تمكين أعز أعضائك ( الجبهة ) ، من أذل الأشياء وهو التراب ، وهذا هو قمة الخضوع والتذلل لله، وأنت بذلك ترد الفرع إلى الأصل (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) [طه: ٥٥]، وتنال جائزة: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحطّ عنه خطيئة) .
(٩) حذار من خنزب :
عن أنس أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي ، فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها، فقال رسول الله: "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثاً"، قال: "ففعلت ذلك فأذهبه الله عني ".
(خنزب ) شيطان الصلاة الذي لا عمل له سوى إفساد صلاتك وتضييع خشوعك ، يبدأ عمله مع تكبيرة الإحرام وينتهي مع التسليم ، وبينهما الوسوسة وقطع الطريق ، فلا سير إلى الله بل بعيداً عنه، ولا زيادة في إيمان بل أخذاً منه، ولا بناء قلب بل قلب قلب ، وتفصيل ذلك أن يلقي في قلبك ذكر أمور الدنيا التي لم تكن حاضرة في ذهنك قبل دخولك الصلاة ، فتنشغل بها وتستيقظ على تسليم الإمام معلنا انتهاء - أو بالأحرى - ضياع الصلاة .
فقه سلفنا الصالح هذه العداوة ، فلما جاء رجل إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ، يشكو إليه أنه دفن مالا في الصحراء ونسي مكانه ، فما العمل ؟ فأجابه الإمام أن قم من الليل فتوضاً وصل ركعتين وادع الله أن يذكرك مكان المال .
في اليوم التالي جاء الرجل متهلل الأسارير منشرح الصدر ، فسأله الإمام : ماذا فعل الله بك ؟ قال كل خير، قمت كما أوصيتني فتوضأت وشرعت في الصلاة ، وبينما أنا أصلي إذ تذكرت مكان المال، فقال له الإمام : كنت أعلم أن الشيطان لن يتم عليك صلاتك .
فالحذر الحذر من هذا العدو ، ونفذ وصية النبي العدنان لتصل بتوفيق الله إلى بر الأمان .
(١٠) عليك بصلاة أبي اليقظان:
صلى عمار بن ياسر صلاة خففها، فقيل له: خففت يا أبا اليقظان، فقال: هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا؟، قالوا: لا، قال: فإني بادرت سهو الشيطان، وكذلك كان الزبير وطلحة ، ونفر من صحابة النبي من أخف الناس صلاة، ولما سئلوا في ذلك قالوا: "نبادر بها وسوسة العدو".
وحد الاعتدال في هذا أن لا تطيل صلائك إطالة تؤدي إلى سهوك وغفلتك عن معانيها ، ولا تقصرها إلى حد يخل بخشوعك فيها .
قال أبو طالب المكي في القوت: " واعلم أن طول الصلاة عليك غفلة، وقصرها سهو ، لأنها إذا طالت عليك دل على عدم الحلاوة، ووجود الثقل بها ، وكبرها على جوارحك، وإذا قصرت عليك وخفت ، دل على نقصان حدودها، ودخول الغفلة والسهو فيها ، فالنسيان قصرها والاستقامة في الصلاة أن لا تطول عليك لوجود الحلاوة ولذة المناجاة وحسن الفهم واجتماع الفهم ، ولا تقصر عليك ليقظتك فيها ورعايتك حدودها وحسن قيامك بها، وهذه مراقبة المصلين ومشاهدة الخاشعين " .
وما أنت بالمشتاق إن قلت بيننا … طوال الليالي أو بعيد المفاوز
*** عند التسليم
** الله أكرم:
حكي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه جاء إليه في بعض الأيام سائل ليسأله شيئاً من الطعام، فلم يحضر عنده شيء سوى عشر بيضات ، فأمر جاريته بأن تعطيه إياها ، فأعطته تسعة وخبات واحدة ، فلما كان وقت غروب الشمس ، جاء رجل دق الباب وقال خذوا مني هذه السلة، فخرج عليه عبد الله وأخذها منه ، فرأى فيها بيضاً ، فعده فإذا هو تسعون بيضة ، فقال لجاريته : أين البيضة الأخرى ؟ كم أعطيت السائل ؟، فقالت: أعطيته تسعاً، وتركت واحدة نفطر عليها، فقال لها : غرَمتِنا عشراً.
___________________________________________________
الصفقة الرابع: أبواب السماء مفتوحة
إذا أجدبت الأمرض، وجفّ الضرع، وانقطع الماء عن الزرع، مد الّر ع يد الطلب يستعطي، وأمال الرأس خاضعا، وخلع ثوب الأوراق شاكيا، طالبا من الله حرارة الشمس، وبرودة الماء، ولطف الهواء، واحتضان التربة، مناديا إياك بلسان حاله: "بي مثل ما بك ولم أقبل على غيره، وعلتنا متشابهة ولم اتجأ إلى سواه، خالقنا واحد ولم أطرق باب فقير مثلي، فتعلم مني".
*** قبل التنفيذ:
** استغاثة:
■ حين تصرخ من قسوة الظلم فلا تسمع سوى صدى صوتك ، وتتأوه من شدة الألم فلا تجد غير رجع الأنين ، وتنهمر من عينيك العبرات من وقع القهر ، فاعلم أنك تملك سهاماً نافذة يغفل عنها الظالمون ، ولا يغفل عنها رب الظالمين ، تنطلق من قوس دعائك لحظة أن تصدح بهتاف . . يا رب ..
■ حين تشكل ذنوبك سداً يحول بينك وبين النور ، وحين تمثل آثامك قيداً يمنعك من المسارعة في الخيرات ، وحين يعلو الران وتستحكم الأقفال ، فاعلم أن لك رباً يغفر الذنوب جميعاً، إذا سمع منك ابتهالات هتاف .. يا رب ..
■ حين يضطرب الموج، وتهيج العاصفة ، وتطيش العقول ، ويعلو الصراخ، ويفتضح الضعف، ويعترف الناس بعجزهم وقدرته ، وفقرهم وغناه ، عندها تلهج الألسنة في استماتة وضراعة ، باستنجادات هتاف .. يا رب ..
■ حين تسلك الطرق فتجدها قد سُدت ، وتطرق الأبواب فتجدها قد أغلقت ، وتطلب العون من أهل العون فما ثم إلا عاجز أو جبان ، فاعلم أنه إنما سد عليك الأبواب كلها لتطرق بابه ، وقطع عنك الحبال جميعها لتعتصم بحبله ، وأنه اشتاق إلى أن يسمع منك نغمات هتاف . . يا رب ..
■ حين تحل النكبة ، وتستحكم البلية ، وتتكسر النصال على النصال ، وتربط حبال الخطوب عقدها، وتكون ظلمات بعضها فوق بعض، فتيقن أن نوراً عظيماً يبدد دياجير هذه الظلمات ، يشرق من ثنايا هتاف .. يا رب ..
■ حين يستند الغني إلى ماله ، ويعتمد القوي على بطشه، ويركن صاحب الجاه إلى نفوذه وسلطانه ، فإن المؤمن يطرح كل هذه القوى بعيداً، ويستند إلى ربها وموجدها ويأوي إلى ركن شديد، حين تنطلق من أعماق أعماقه استغاثات هتاف .. يا رب ..
*** أرباح الصفقة:
أنشد الحطينة أمام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قائلا:
من يفعل الخير لا يُعدم جوائزه … لا يذهب العُرف بين الله والناس
ومن هذه الجوائز المستحقة بالدعاء أنه:
(١) أكرم شيء على الله:
قال النبي : "ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء".
وسبب هذه الكرامة : أن الدعاء في معناه الضمني هو تأكيد الإنسان على إنسانيته بكل ما تحويه من ضعف وعجز وجهالة ، واعترافه بقدرة الله وعظمته وقيومته ، أي إقراره بأن الرب رب والعبد عبد، وإعادته سيرته الأولى إن كانت نفحة كبر أصابته ، أو طائف من غرور مسته .
وهذا هو جوهر العبادات ولبها، وليس العجب من عبد يتذلل لسيده ويتقرب إليه ولا يمل خدمته، فكل عبد محتاج إلى سيده مفتقر إليه لا يستطيع العيش بغيره، وإنما العجب كل العجب من سيد يتحبب إلى عبده بصنوف النعم وفيوضات الكرم ، ويتودد إليه بشتى أنواع الإفضال والإحسان ، مع غناه عنه وعدم احتیاجه إليه .
هذا الربح لمح بريقه من بعيد مطرف بن الشخير ، فانطلق يحكى ما رأى :
"تذكرت ما جماع الخير فإذا الخير كثير: الصوم والصلاة، وإذا هو فى يد الله عز وجل، وإذا أنت لا تقدر على ما فى يد الله عز وجل إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير: الدعاء ".
(٣) لا يرد القدر إلا الدعاء:
باب الملك مفتوح وأبواب العبيد مغلقة، فإذا طرق عبد المغلق وترك المفتوح وآثر إفلاس المفاليس على غنى الغنى فتعجب من حاله : ظمآن والماء بين يديه .. تائه والدليل أقرب إليه من حبل الوريد، وعند ذاك اعلم أنه صار إلى الحيوان أقرب منه إلى الإنسان ..
کالعیس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول
وقد يتبادر إلى الأذهان تساؤل مفاده : مادام القضاء قد مضى والقدر قد سبق به القلم ، فما فائدة الدعاء ؟
يجيب أبو حامد الغزالي فيقول :
" اعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة ، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض ، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء يعتلجان، وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح، وقد قال تعالى: (خذوا حذركم) [النساء: ٧١]، وأنه كما يسقي الماء الأرض بعد بث البذر فيه فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت ، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب ".
رأى أصحاب نور الدين محمود زنكي كثرة إنفاقه على الفقراء والمساكين ولا سيما طلبة العلم، وشدة طلبه الدعاء منهم، فعوتب في ذلك فقال: " والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراش بسهام لا تخطئ (يريد الدعوات)، وأصرفها إلى من لا يقائل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطئ".
ولذلك ولنفس السبب طلب إلينا خالد بن صفوان أن نتقى دعاء الضعفاء فقال فى كلمات معانيها أكبر بكثير من عدد كلماتها: "اتقوا مجانيق الضعفاء".
(٣) اطلب ما تشاء:
قال ابن عطاء الله السكندري في إحدى حكمه: "كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلاً، ومتى أطلق لسانك فاعلم أنه يريد أن يعطيك ".
يعطيك ما تشاء وقتما تشاء كيفما تشاء مهما عز مرادك وعظم مطلوبك .
قال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) [غافر: ٦٠].
قال الإمام القشيري في تفسيره (لطائف الإشارات ): "ادعوني بالطاعات أستجب لكم بالثواب والدرجات ، ويقال : ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة ، ويقال: ادعوني بالتنصل أستجب لكم بالتفضل، ويقال: ادعوني ببذر الطاعة أستجب لكم بكشف الفاقة ، ويقال : ادعوني بالسؤال : أستجب لكم بالنوال والإفضال".
ومطالب العبد لا تنفد وحاجاته لا تنتهي، فإذا أوى إلى ركن الله وألقى حمله عليه بالكلية لبى وأجاب، قال النبي : "ادع إلى ربك الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضلك بأرض فلاة قفر فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته استجاب لك ".
واعلم أن من أُعطي منشور لادعاء أُعطي الإجابة، فإن الله لو لم يرد إجابته لما ألهمه الدعاء کما قيل :
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبهُ … من فيض جودك ما عوّدتني الطلبا
وإليك بشارة ونذارة ابن عطاء السكندرى: " ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك ".
(٤) دعاء الذليل أفضل الطاعات:
وبذا أخبر النبي ، فقال: "أفضل العبادة الدعاء".
وما نال الدعاء هذا الفضل إلا لأن العبد فيه يرمي بنفسه بين يدي خالقه، خارجاً من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، مُقرًا بالإساءة والعجز والجهالة، مسلماً بكمال الله وعظمته وقوته ، وبهذين : سوء ظن بنفسه وتعظيم ربه يصل أو يوشك .
هذه تجربة ابن قيم الجوزية في الدخول على الله ، حكاها لنا فقال رحمه الله :
" دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها ، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مُزاحم فيه ولا مُعوِّق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه".
(٥) أرباح غير مرئية:
قال #: "ما من داع يدعو الله إلا أتاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له حاجته، وإما أن يعطيه من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها ".
فليس الخير دائماً كما تظن ، في إجابة سؤلك وتحقيق طلبك .
· فربما .. لم يجبك لكنك لا تعلم ما رده الدعاء عنك من بلاء ، وما جرى من تصارع بين البلاء النازل والدعاء الدافع انتهى بنجاتك ودفع الشر عنك، فحمداً لله على سلامتك .
· وربما .. لم يجبك لأنه سبق في علمه أن كفة حسناتك لن ترجح يوم القيامة، إلا أن يوزن فيها أجر دعائك المؤجل إلى الآخرة ، فإذا رأيت يوم القيامة أن ما أجبت فيه قد ذهب ، وما لم تجب فيه قد بقي ثوابه قلت : ليتك يا رب لم تجب لي دعوة قط !!
· وربما .. لم يجبك لسابق علمه أن الخير في صرف هذا المطلوب عنك ، فهو وحده المطلع على الغيب ولذا فهو الأدرى بما ينفعك ويصلحك ، فإن كان المطلوب مالاً فلربما أطغاك وأفسدك، وإن كان ولدا فلربما كبر عاقا فأعياك وأجهدك ، وإن كان عملاً أو وظيفة فلربما فتحت لك بابا للحرام أرداك وضيعك، فكم من محبوب في مكروه ومكروه في محبوب ولا يعلم ذلك إلا الله .
■ وربما .. لم يجبك لأنك أدخلت الحرام في رزقك أو أسكنت شهوة في قلبك، فيكون عدم الإجابة بمثابة لفت نظر لتصحح ما سبق وتستدرك ما فات .
· وربما .. لم يجبك لأنه أراد أن يصل حبالا قطعتها ووشائج هجرتها ، فألجأك إليه حتى يسمع همسك في الأسحار ويرى دمعك المدرار ، فيغسل ذنوبا لا يغسلها غير دموع الأسى على ما فات والندم على ما انقضى .
أليس هذا الذي قلناه هو ما أوجزه ابن عطاء في قوله :
" لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح فى الدعاء موجباً ليأسك ، فهو قد ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا الوقت الذي تريد.
** الشروط الجزائية:
من ترك الدعاء فقد :
(١) غضب الله عليه:
قال النبي : "من لم يسأل الله يغضب عليه".
وهذا بعكس العبد الذي يغضب إن أثقلت كاهله بطلب أو شغلت وقته بسؤال ، وما أصدق قول القائل :
لا تسألن بُنَيّ آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تُحجَبِ
الله يغضب إن تركت سؤاله … وبُنَيّ آدم حین یُسأل یغضب
فطن يحيى بن معاذ لهذا المعنى فتذلل به في دعائه قائلاً: "يا من يغضب على من لا يسأله لا تمنع من قد سألك"..
(٣) ووكله إلى نفسه:
فقد أجمع الصالحون على أن الخير كله في أن يكلك الله إليه، والهلاك كل الهلاك في أن يخلي بينك وبين نفسك، وهي نفس عاجزة لا تملك من أمر نفسها فضلاً عن أمر غيرها شيئاً، ظالمة تورد صاحبها المهالك وتلحق به المعايب، جهولة لا تعرف ما يضرها وما ينفعها، بل قد تعمل أعمالاً تظن أنها صلاح وهي عين الفساد بأن تتحرك في موضع السكون، أو تسكن في موضع التحرك، أو تقدم في موضع الإحجام، أو تُحجم في موضع الإقدام ، فإذا علم المرء ذلك عن نفسه أدرك هول المحنة وعظم المصيبة إن لم يتداركه الله بعون، فانطلقت صرخات استغاثته معلناً:
" اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني لنفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
ليجد الرد من رب كريم جواد على شكل وحي حوى النذارة والبشارة معاً .
أوحى الله إلى داود اللي: "يا داود .. أما وعزتي وجلالي لا يستنصر بي عبد من عبادي دون خلقي، أعلم ذلك من نيته ، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له بهن فرجاً ومخرجاً .. أما وعزتي وجلالي وعظمتي .. لا يستعصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعلم ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء دونه ، ولا أبالي في أى واد هلك ".
وأنت تعلم جيداً أنه ( لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها ، ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث في السجن بضع سنين).
(٣) وصار أعجز الناس:
ليس هذا وصفنا له بل وصف الصادق المصدوق حيث قال: "وأعجز الناس من عجز عن الدعاء.
من مثلك يا ابن آدم .. خَليَ بينك وبين ربك لا تلقى على بابه حاجباً ولا ترجماناً ، تدخل عليه في أي وقت تشاء فترفع حاجئك وتُقَدم مسألتك، فإن قَيَّد الذنب رجليك عن دخول المسجد ، وكبّل النوم يديك عن رفع أكف الضراعة، افتضح أمرك ووصل خبرك إلى رسول الله ، فأطلق عليك وصف ( أعجز الناس) غير ظالم لك أو متَجَنّ عليك.
كريم إذا يممت بالصدق بابه … فإنك لا تلقی علی الباب حاجبا
وإن کنت ذا ذنب فتب منه واعتذر … کانك لم تذنب إذا جئت تائبا
** تسهيلات الصفقة:
سئل علي بن أبى طالب : كم بين الأرض والسماء؟، قال: "دعوة مستجابة "، ليست أميالا وكيلومترات بمقاييس المادة، وإنما دعوة مجابة بمقاييس الإيمان ، ولكن ما هي شروط إجابة الدعاء ؟
(١) أشهر إفلاسك أولاً:
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ..
صيحة استغائة أطلقها يونس القية من أعماق قلبه الغارق في دياجي الظلم: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، أطلقها وقد ملأته مشاعر الخوف والوحشة والوجل والرهبة ، وقد تملكته حالات التضرع والخضوع والتذلل والخضوع ولذا استجيب دعاؤه .
فإذا رددت هذه الكلمات دون أن تغمرك هذه الظلمات فما حظك من دعائك غير تحريك نسانك وتضييع أوقاتك ، ومعنى أن تغمرك أن تنبض كل نبضة من قلبك بمعاني الضعف والفقر والذل والحاجة ، وأن تشعر كما شعر نبي الله يونس أن أمواج محنتك محيطة بك من كل جانب توشك أن تغرقك ، إلا أن يتداركك الله برحمة منه وفضل ، وأن يبرز ذلك في كلامك واضحاً، فإن كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز، وعندها تصل إلى شاطئ الأمان كما وصل ذو النون وعد الله في كتابه (وكذلك ننجي المؤمنين) [الأنبياء: ٨٨].
هذا الإفلاس سبق وطلبه منك ابن عطاء الله فى قوله :
"تحقّق بأوصافك يمدك بأوصافه، تحقق بَذْلك يُمتك بعزه، تحقّق بعجزك يُمدك بقدرته ، تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته ".
عزة الله يا سادة لا تتنزل على عزيز أو من يظن فى نفسه العزة، بل على الأذلاء تُمطر، وقوة الله لا يقطفها إلا من ارتقى أعلى قمم الضعف، وقدرة الله لا تمنح لقادر أو من يظن فى نفسه القدرة بل لمن نشيده العجز، ولذا كان بديع الزمان سعيد الدين النورسى يردد دائما : ( عجزي كنزي )
وهذا من علمه وفقهه ونفاذ بصيرته الإيمانية رحمه الله .
(٣) أحضر قلبك معك:
قال النبي : "واعلموا أز الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه ".
قال الإمام الرازي معلقاً :
" أجمعت الأمة على أن الدعاء اللساني الخالي من الطلب النفساني قليل النفع عديم الأثر "، بل يجزم يحيى بن معاذ بأن ( من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم یرده ).
ولحضور القلب مؤشرات وعلامات ، إذا ظهرت فهي فرصة سانحة فاغتنمها ولا تضيعها وليلهج لسانك عندها بالدعاء فإنك مجاب بإذن الله .
قال ثابت بن أسلم البناني: وإني أعلم حين يستجيب لي، فعجبوا من قوله وقالوا : تعلم حين يستجيب لك ربك ؟، قال: نعم، قالوا : كيف تعلم ذلك؟، قال: إذا وجل قلبي واقشعر جلدي وفاضت عيناي وفتح لي الدعاء فثم أعلم أن قد استجيب لي .
فإذا لم يجب دعاؤك فاسأل نفسك وواجهها : هل وجل قلبك ؟ هل اقشعر جلدك؟ هل فاضت عيناك ؟ فإن كان الرد بالنفي، فعلى نفسك جنت نفسك فألق باللائمة عليها فهي المستحقة للتهذيب والتأديب لا غيرها .
ونظراً لأن شجرة الإيمان واحدة ونبع التلقي لا يتغير، فقد فهم هذا الفهم المؤمنون الصادقون رجالاً كانوا أم نساء .. قالت أم الدرداء رضى الله عنها: إنما الوجل في قلب ابن آدم كاحتراق السعفة أما تجد لها قشعريرة؟ ، قال أحدهم: بلى، قالت: فادع الله إذا وجدت ذلك فإن الدعاء يستجاب عند ذلك .
سهام الليل صائبة المرامي …. إذا وُكِرتْ بأوتار الَخشوع
يُسَدِّدُها إلى المرمى رجال … يطيلون السجود مَع الرُكوع
بألسنة تُهَمهِمُ من دعاء … وأجفان تفيضُ مِن الدموع
(٣) قدّم العمل الصالح:
إن غاب العمل الصالح لم يرتفع الدعاء فوق رأس صاحبه شبراً، وإن حضر استجاب الله دعاءه قبل أن يغادر لسانه، وتأمل معي في الأعمال التي يصل ثوابها إلى الميت بعد موته لترى فيها (وولد صالح يدعو له)، فلولا صلاحه ما وصل دعاؤه وما حصل به نفع .
قال بعض السلف: "الدعاء بلا عمل كالقوس بلا وتر".
ولذا لما قال نفر لأنس بن مالك : يا أبا حمزة ادع الله لنا، قال : " الدعاء يرفعه العمل الصالح*.
فاسمع نصيحتي وجَرّب أن تدعو عقيب دمعة من خشية الله ذرفتها، أو صدقة في ظلام الليل بذلتها ، أو جرعة غيظ تحملتها وما أنفذتها، أو حاجة مسلم سعيت فيها فقضيتها ، وستذهلك سرعة الإجابة ، فلا ينسينك فرحك بها اسم الفقير الذي أرشدك إلى هذه الوصية وأد حقه عليك : اذكرني بدعوة .
(٤) كن على يقين من الإجابة:
قال النبي : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة".
قال المناوي: "أي جازمون بالإجابة، لأن الداعي إذا لم يكن جازما لم يكن رجاؤه صادقا، وإذا لم يصدق الرجاء لم يخلص الدعاء، إذ الرجاء هو الباعث على الطلب، ولا يتحقق الفرع بدون تحقق الأصل ، ولأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه، فعدم إجابته إما لعجز المدعو أو بخله أو عدم علمه بالابتهال ، وذلك كله على الحق - تقدس - محال".
فإن اعتزلت الدعاء بحجة أنك مثقل بالآثام مكبل بالخطايا، فأنى لمثلك أن يستجاب له؟ سألناك وقلنا: أيهما خير أنت أم إبليس؟! ولا تستغرب سؤالنا واسمع إلى سفيان بن عيينة حين يقول: " لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فقد أجاب الله دعاء شر الخلق إبليس إذ قال: (رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) [الحجر: ٣٦]، وهو شر منك "، قال: (فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) [الحجر: ٣٨،٣٧].
(٥) مُر بالمعروف وإنه عن المنكر:
قال النبي : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ".
فمن لم يبر سهام دعائه بسكين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاءت سهامه باردة وطاشت ، وليست السهام معيبة لكن العيب في الرامي ، ومرد ذلك أن الله تعالى خلق أهل المنكر يبتلي بهم أهل المعروف، ويختبرهم ويبلو أخبارهم (وجهلنا بعضكم لبعض فتنة) [الفرقان: ٢٠]، فإن تقدم الصالحون وبادروا فأمروا ونهوا فقد قدموا البرهان على امتلاء قلوبهم بالإيمان والغيرة على دين الله ، فيفرح الله بهم أيما فرح، ويكافئهم على صنيعهم ، فيلبي رغباتهم ويقضي حاجاتهم ويحقق أمانيهم ويستجبب دعاءهم ، أما من سكت وتخارس وتعامى وتقاعد فهل يرجو مسىء مثل ثواب المحسنين؟!
وهل يطمع بطال فى منازل الأبطال ؟! وهل يترقب كسول تسلم هدية الوصول ؟!
(٦) لا تستعجل:
قال النبي: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي".
ولا تزال مظنة الإجابة قائمة إلى أن يستعجل فعندئذ يغلق باب الإجابة ، والمستعجل ( بمنزلة من بذر بذرة أو غرس غرساً فجعل يتعاهده ويسقيه فلما استبطأ کماله وإدراکه ترکه وأهمله).
ولتأخير الإجابة حكم لا تخفى على شيخ الحكمة أبى الفرج ابن الجوزي الذي قال: "اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض ".
فإذا نفد صبرك فأنت الخاسر .. أسأت الأدب مع الله فصرت أحد رجلين: إما منان وإما بخيل .
قال ابن بطال معلقاً على الحديث السابق: "المعنى أن يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمان بدعائه ، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق الإجابة ، فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء ".
فلا يدُبّن اليأس إلى قلبك إذا تأخرت الإجابة، فإن حدث .. بدده صوت الأمل ينبعث معلناً:
جدوا في الدعاء فإن من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له ..
أخي القارئ نأسف لهذا الخطأ المطبعي السابق ، فمن قال إن الباب مغلق حتى يحتاج أحدّ إلى فتحه ؟!
كان صالح المُرّي يقول كثيراً: من أدمن قرع باب يوشك أن يفتح له، فقالت له رابعة : إلى متى تقول هذا؟ متى أُغلق الباب حتى ينفتح؟، فقال صالح: شيخ جهل وامرأة علمت.
(٧) جدِّد توبتك:
تشكل ذنوب العبد سداً منيعاً يقف حائلاً دون إنفاذ دعائه، ولا يستبطئن أحدّ إجابة دعائه وقد سدّ طرقاتها بالذنوب، فإذا تخظص منها بتوبة أو غسلها بدمعة أو أحرقها بندم هُدم الجدار، ووصلت رسائله مباشرة وجاءه الرد والإجابة.
ويعجب المرء من قوم يعصون المغيث ويستغيثون به، يبارزون المعين ويطلبون منه ، يكفر أحدهم بنعمة ربه ليلاً ويصبح وقد طلب المزيد ، ما هذا الإحساس البارد بل ما هذه الجرأة العجيبة ؟!
روى ابن قدامة في كتاب التوابين أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى عليه السلام، فاجتمع الناس إليه فقالوا : يا كليم الله ادع الله لنا أن يسقينا الغيث ، فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفاً أو يزيدون، فقال موسى التليئي: إلهي اسقنا غينك وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع ، فما زادت السماء إلا تقشعاً والشمس إلا حرارة ، فأوحى الله إليه: فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم فيه منعتكم ، فقال موسى: إلهي وسيدي عبد ضعيف وصوتي ضعيف فأين يبلغ وهم سبعون ألفاً أو يزيدون، فأوحى الله إليه: منك النداء ومني البلاغ ، فقام منادياً وقال: يا أيها العبد الذي يبارز الله منذ أربعين سنة، اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر، فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحداً خرج، فعلم أنه المطلوب فقال.في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل ، وإن قعدت معهم منعوا لأجلي، فأدخل رأسه في ثيابه نادماً على فعاله وقال: إلهي وسيدي عصيتك أربعين سنة وأمهلتني ، وقد أتيتك طائعاً فاقبلني ، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب ، فقال موسى : إلهي وسيدي بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟! فقال: يا موسى سقيتكم بالذي منعتكم به، فقال موسى: إلهي أرني هذا العبد الطائع، فقال: يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني.
(٨) اشهد مجالس الخير:
فإن الله يستجيب دعاء شاهد مجالس الخير ويغفر له ببركة جلوسه معهم ، فيقول لملائكته : "فأشهدكم أني قد غفرت لهم"، فيقول ملك من الملائكة: "فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة "، فيقول: "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
فتأمل حفظك الله كيف أجاب الله دعاء هذا الرجل وغفر ذنبه ببركة مجالسة أهل الإيمان حتى وإن كان جلوسه معهم طمعاً في مال، أو رغبة في إنفاذ مصلحة ، أو نزولاً على رغبة صديق ملحاح لم يجد مفراً من إجابته .
الملك العظيم إذا نزل عليه ضيوف أكرمهم غاية الإكرام فأسكنهم قصره ، وقتم لهم ما لذ وطاب من الطعام والشراب ، وهيّا لهم سبل الراحة النعيم، ثم أمر بدوابهم أن تعلف وتوضع في الحظيرة الملكية، فأكرمت البهائم بسبب الصحبة ، ونعمت بالزاد والمبيت بسبب الرفقة .
وفي هذا إشارة لك: ارتد ثياب الصالحين تحسب منهم، وزاحم بمنكبيك مجالسهم تُرحم بسببهم ، عفواً فلست أحقر من بهيم ، وربك حاشاه ليس الملك أكرم منه .
(٩) تأدّب:
كان بعض السلف يقول : إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل ، فالخير كله في اتباع سنة النبي والتأدب بآدابه، ومن ضمنها آداب الدعاء والتي نوجزها فيما يلي :
ادعُ الله وأنت على طهارة مستقبلاً القبلة، رافعاً يديك حذو منكبيك حتى يرى بياض إبطيك، وابدأ الدعاء بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم الصلاة على النبي ، وكرر دعاءك ثلاثاً، وألح فيه ، ولا تدع بإثم ولا قطيعة رحم ، ولا بأمر قد فُرغ منه، ولا بمستحيل وقوعه، واسأل الله بعزم فلا تقل: اللهم اغفر لي إن شئت أو أدخلني الجنة إن شئت، وتجنب السجع في الدعاء والتكلف فيه ، وليكن صوتك فيه بين المخافتة والجهر، واحرص على جوامع الدعاء من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة فهو أرجى للإجابة، واختم بالصلاة على النبي 5 كما بدأت، وانتظر بعد ذلك الإجابة فهي أقرب إليك مما تظن .
(١٠) كن من هؤلاء:
يستجيب الله للمضطر إذا دعاه ، وللمظلوم ولو كان فاجراً أو كافراً، ولمن يدعو لأخيه بظهر الغيب وللوالدين على ولدهما وللإمام العادل وللمسافر حتى يرجع وللمريض حتى يبرأ ، وللصائم حتى يفطر، فإذا استطعت أن تكون واحداً من هؤلاء فافعل .
(١١) أدمن أكل الحلال:
لأن ( مثل المجتهد في الدعاء مع الاغتذاء بالحرام كمثل الرامي بالسهام في هدف من رخام )، ولقد ذكر النبي (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام فأنى يستجاب له ).
أشبَّهُ مَن يَتُوبُ عَلِى حرامٍِ … يطول عَناؤه في غَير شُغَلٍ
كبيض فاسد تحت الحَمَام … إذا كان المُقامُ عَلى حَرامٍ
وآخِرهُ يَقوم بلا تَمام … فلا مَعنى لتطويلِ القِيام
وهي وصية النبي لسعد بن أبي وقاص : "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة "، والذي نعلمه من خلال كتب السير أن سعداً نفذ الوصية فكان لا ترد له دعوة .
شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فأرسل عمر رجلاً إلى الكوفة يسأل عنه فلم يترك مسجداً إلا سأل عنه ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبنى عبس فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة ويكنى أبا سعدة فقال : أما إذ نشدتنا - أي طلبت منا الشهادة - فإن سعداً لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ، فقال سعد: أما والله لأدعون بثلاث :
• اللهم إن كان عبدك هذا كانباً قام رياء وسمعة، فأطل عمره وعرضه للفتن ". قال عبد الملك بن عمير راوي الواقعة: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك بعد أن سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فإذا قيل له : كيف أنت يا أبا سعدة ؟ قال: " كبير مفتون أصابتتي دعوة سعد.
وقد تشدد سلفنا الصالح في التحذير من أكل الحرام ومصاحبة أهله ، وما هو في حقيقته بتشدد ولكنها حياة قلوبهم أرتهم الذنوب على حقيقتها دون تزيين ، وموت قلوبنا صيَّر عيوننا حولاء.
قال واعظ الدنيا في زمانه أبو الفرج ابن الجوزي: "من الحرام يتولد عمى البصيرة وظلام السريرة، فاكسب مالاً حلالاً، وأنفق في قصد واجتنب الحرام في أهله : ولا تجالسهم، ولا تأكل طعامهم، ولا تصحب من كسبه من الحرام إن كنت صادقاً في وعدك، ولا تضيفن أحداً على الحرام فيأكله هو وتحاسب أنت عليه ، ولا تعنه أيضاً على طلبه فإن المعين شريك، واعلم أنما يتقبل الله من الأعمال من أكل الحلال ".
وأشكال الحرام كثيرة منها :
أكل الربا والرشوة والاختلاس والغصب والغش ، والاتجار في المحرمات وأكل مال اليتيم والقمار ، وغير ذلك من صور أكل أموال الناس بالباطل .
أعاذنا الله وإياكم من أكل الحرام ليس فقط لنكون مجابي الدعوات ، لكن لأن الرسول يخبرنا في كلمات قصار وقعها مخيف وجرسها عنيف أن: " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به.
(١٢) تخير وقت الطلب:
إن كان من توفيق الله لك أن يقيمك بين يديه ، ويقذف فيك روح الإقبال عليه لتدعوه وتناجيه ، فإن كمال التوفيق يتمثل في معرفة الأوقات التي تُوزع فيها الأرباح بالجملة ، وتتنزل فيها البركات والرحمة :
كيوم عرفة من أيام السنة ، وشهر رمضان من بين الأشهر ، ووقت السحر من ساعات الليل ، كما يُجاب الدعاء أيضاً بين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات المكتوبات ، وأثناء السجود ، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة، وآخر ساعة من نهار ذلك اليوم ، وأثناء شرب ماء زمزم، وعند سماع صوت الديك ، وعند التحام الصفوف في القتال ، وعند نزول الغيث .
*** عند التسليم/
تحفة شوكانية:
عدد محمد بن على بن محمد الشوكانى علامات استجابة الدعاء وجاد لنا بذكرها فقال :
" علامة استجابة الدعاء: الخشية والبكاء والقشعريرة، وربما تحصل الرعدة والغشى والغيبة ، ويكون عقيبه سكون القلب ، وبرد الجأش وظهور النشاط باطنا والخفة ظاهرا، حتى يظن الداعى أنه كان على كتفيه حملة ثقيلة فوضعها عنه، وحيننذ .. لا يغفل عن التوجه والإقبال والصدقة والإفضال والحمد والابتهال، وأن يقول : الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ".
___________________________________________
استراحة
تزود ثم انطلق ..
■ النفس والشيطان والهوى أعداؤكم فأعلنوا الحرب عليهم (وليجدوا فيكم غلظة) [التوبة: ١٢٣]، ولا تلقوا سلاحكم (حتى تضع الحرب أوزارها) [محمد: ٤]، ودّ أعداؤكم (لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) [النساء: ١٠٢]، ولا تقعد بكم الجراح عن المواصلة فإنها علامة المجاهدة، وحذار من المهادنة فإنها دليل الذل (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون) [محمد: ٣٥].
■ تذكروا نعم الله عليكم ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم) [البقرة: ٢٣٧]، وإذا التّفْتّم إنى الدنيا (فلا تميلوا كل الميل) [النساء: ١٢٩] .. ألزموا نفوسكم حدودها، وقيّدوا شرودها (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) [النساء: ٣٤]، وداوموا على النصح (فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) [النساء: ٣٤].
■ عقارب ساعتك عقارب .. تلدغ وقت ملئها بالذنوب وتأمن شرها عند ملئها بالطاعات ، وتكون منها على حذر وقت الفراغ، عقرب الثواني يحذر من التواني، وعقرب الدقائق يشهد على الذنوب الدقائق، وعقرب الساعات كلما قطع في مشواره ساعة قطع من عمرك ساعة .
■ هل سمعت قط عن عبد شهوة استمتع بخلوة؟ أو استأنس بطاعة؟ أو التذّ بمناجاة ؟ الشهوة امرأة ولمسها بدون حائل ينقض الوضوء ، فكيف تصح بعدها الصلاة ؟
■ مثل من انشغل عن أداء الفرائض ، مثل من هش الذباب من على وجهه وترك الثعابين تحت أقدامه ليجد القبر قدامه ، أو كمن سفك دم الحسين وسأل عن حكم دم البراغيث .. أغثنا يا مغيث .
■ إذا أجهدت نفسك بطاعة فأعطها راحة، فإن الله تعالى قال: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) [البقرة: ٢٢٨]، إن كسلت عن قيام الليل فليس أقل من استحضار نيته، إن لم تطلق يدك للصدقة فاكففها عن الظلم ، إن لم تشغل لسانك بالذكر فاحبسه عن الغيبة، إن لم تكن شمس هداية فليس أقل من قمر اهتداء ، إذا لم تكن أبا عبيدة فلا تكن أباه، وإذا لم تشبه مصعباً فلا تشبه أخاه .. لك في المباح متسع فلماذا الحرام؟!
■ من عجيب الأمر أنك تقدم حسن الجوار لجيران سكن ، وتؤذي جيراناً ليس بينك وبينهم حائل ولا جدار (وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين) [الانفطار: ١٠ -١١]، إخواني .. لا تنفروا الحفظة منكم بكثرة ذنوبكم وقبيح فعلكم فإن الملائكة لا تطيق رائحة الذنوب .
■ من الغريب أن الذي يخاف هو الذي يعمل ، والذي يأمن هو الكسلان ، الأول وسامه: (وقلوبهم وجلة) [المؤمنون: ٦٠]، والثاني عاره: (زين له سوء عمله فرآه حسناً) [فاطر: ٨]، وعند شم الرائحة يبين الفرق ..
واعجباً .. خاف عمر النفاق وهو المبشر بالجنة، وأمنه ابن أبَيّ وقد حجز مكانه سلفاً في الدرك الأسفل من النار ! !
■ كان السلف يوصون : اتخذ صاحباً يحصي عليك ، فبتل الخلف وقالوا : انصحوا غيرنا وارحلوا من هنا ، والنتيجة : تراكم العيوب واتساع الخروق وغرق السفينة، كانت المعصية عندهم شذوذاً وأصبحت عندنا قاعدة ، ولا يجمعنا بهم سوى الوضوح ، فبقعة سوداء في الثوب الأبيض كبقعة بيضاء في الثوب الأسود .
■ إذا أعجبتك البضاعة فاشتر ، وإن راقت لك الصحبة فالحق بها ، فإن تأخرت عنى سوق أرباحنا حتى قالوا: تخلّف فلان، قلنا: إن علم الله فيه خيراً ألحقه بنا وإن يك غير ذلك فقد أراحنا الله منه، ثم أوصيناك بقراءة الفاضحة، قبل سماع أعذارك عند الرجوع .
■ إذا أظلم قلبك بذنب تسلل إليه شيطان دون أن تلمحه ، وإذا أضاء بطاعة توارى لأن السارق لا يظهر في الليلة المقمرة ، إذا سرق شيطانك شيئاً من إيمانك فأعدّ نفسك غدا لتمثل للمساءلة ، فأنت شريكه في الجريمة .
■ كل إنسان يرى في منامه الأحوال التي ألفها سائر يومه ، فإن قضى يومه في التجارة رأى في منامه أحوال التجارة والتجار ، وإن قضى يومه في العلم رأى منامه أحوال العلماء والمتعلمين، وسكرات الموت تشبه النوم فطول إلف المعصية يفرض تذكرها عند الموت والتعلق بها ، فإن قبضت روحه هذه الساعة ختم له بسوء ، وكذلك الأمر بالنسبة للطاعة سواء بسواء ، فحتد لنفسك نوع أحلامك من الآن أو بالأحرى نوع خاتمتك .
■ يا من كلما نقص أجله زاد كسله ، وكلما قرب من القبور قوى عنده الفتور ، اسمع يا مصاب .. لو فقدت أحد أقاربك وشيعته إلى قبره لعمك الحزن وذرفت عليه الدموع، وأنت تفقد كل يوم طاعة ، وتُشيع كل ساعة أكواماً من الأجر والثواب ، فأين البكاء يا صاحب المصيبة؟! وأين الوجيعة يا صاحب الفجيعة ؟!
■ لو سافرت سفراً ولم ترجع منه بربح لبكيت فوات أرباحك وضياع أوقاتك ، ورحلتك في صفحات هذا الكتاب سفر إن لم ترجع منه بربح فابك ثواباً ضاع منك وجنة أوشكت أن تفلت من يديك، إن لم يكن في الأسفار ربح فمن الحمق تكبد مشاقها ، إن لم تنفعك كلمات الكتاب فلماذا أنفقت فيه وقتك ومالك ؟!
■ جامع العلم والعمل كمتحدث الفصحى في قريش ، وجامع العلم طارح العمل كالأعجمي يملي على العربي، لا العربي يكتب ولا الأعجمي يُبين، وما لا يُسجُّل في الكتاب لا يوزن في الميزان .
■ المُسوّف مرعاد مبراق بغير مطر، قعقعة بلا طحن، جعجعة بلا عمل، فلو ارتقى سلم عزيمة لخرج من مضيق الأقوال إلى ساحات الأفعال (ولكن كره الله انبعائهم فتبطهم) [التوبة: ٤٦].
■ ليس العجب في اشتياق بشر إلى الجنة ، لكن العجب كل العجب في اشتياق الجنة إلى بشر، أناس سمت أرواحهم وزكت سرائرهم حتى صاروا جزءاً من الجنة هبط إلى الأرض، فلا تسكن الجنة ولا تقر إلا أن يرجع الفرع إلى الأصل ، لأن ألذ الأشواق ما كان بالتبادل ( ثلاثة تشتاق لهم الجنة: علي وسلمان وعمار).
■ إذا انتفعت بالكتاب وعملت بما جاء فيه فهذا علامة الحياة ، وإلا فأعطه لمن فيه الرمق، ولا تمسكه عندك إلى أن يعلوه التراب .. ألم تقرأ (فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان) [البقرة: ٢٢٩].. يا أخانا .. ليس من شيم الكرام إمساك الخير عن الجيران (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) [البقرة: ٢٣١].
_____________________________________________
الصفقة الخامسة: دقائق الليل غالية
سلّ المجاهدون خنجر الخوف، فذيحوا به كبش الكسل، ففزع النوم وطار، ودوَّى في أسماعهم صوت الحق: (هل من داع)، فلبوا النداء، واستنشقت أتوفهم عبير الجنة، حملته رياح الأسحار، فاشتد الشوق وقوي العزم، ونصبت الأقدام وهطلت الدموع، إلى أن اتتهى رمن الزباة، وحان وقت الفراق، وآذن الأنس بالرحيل .. طلع الفجر..
*** قبل التنفيذ:
** لأنه مهم:
■ فقد كان النبي إذا فاته ورده من قيام الليل قضاه نهاراً، فصلى اثنتي عشرة ركعة .
■ وكان رسول الله لا يترك قيام الليل في صحة أو مرض ، فإن مرض أو كسل صلى قاعداً .
■ وكان رسول الله يوقظ أهله ليشهدوا هذا الخير ، فيمر على ابنته فاطمة وزوجها علي ويطرق بابهما ليلاً، ويتعجب من إيثارهما النوم على القيام قائلاً لـهما: "ألا تصليان؟!".
■ وكان رسول الله إذا سمع الصارخ (الديك) وثب، ليصرخ هو بدوره في الناس، يترجم صرخة الديك إلى لغتهم قائلاً: " أيها الناس جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاءكم الموت بما فيه ".
** أرباح الصفقة
كان أبو الحسن سريّ بن المغلّس السقطي يقول: "رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل·، ومن هذه الفوائد التي رأها سري :
(ا) دخول الجنة:
أوصى النبي أبا هريرة قائلاً له: " أطب الكلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وصَل بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام ".
وفي وصف تفصيلي للغرف المعدة لاستقبال رهبان الليل يقول النبي : "إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام ".
(٣) أفضل أنواع الصلاة:
وذلك لقوله : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل".
وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار .. عقد المقارنة بينهما عبد الله بن مسعود ثم أخبرنا بما وصل إليه قائلاً: "فضل صلاة الليل على النهار كفضل صدقة السر على العلن "، بل يذهب عمرو بن العاص ه إلى أن (ركعة بالليل خير من عشر بالنهار)، وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار لأنها أبلغ في الإسوار وأقرب إلى الإخلاص .
(٣) نيل حب الله:
يقول النبي :"ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل ، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه ، فيقول انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟ والذي كان له امرأة حسنة وفراش ليّن حسن فيقوم من الليل، فيقول يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم صحوا فقام من السحر في ضراء وسراء.
فانظر إلى هذه البشارة النبوية .. اثنان من الذين يضحك الله إليهم من قوَّام الليل تركوا النساء والمائدة ليرتلوا النساء والمائدة ، وحطمت أرواحهم أسوار الجسد لتحلق عالياً مع الملائكة السيارة حول العرش، في إخاء إيماني بديع وسمو روحاني رفيع ، فأجسادهم بشرية، وأرواحهم ملائكية، بعثوها رسائل إلى الله في الخفاء ، مدادها الدموع وسائقها الخشوع، فأتاهم الربح سريعاً من رب كريم عظيم الأفضال: "يحبهم الله".
(٤) علامة حب وبشارة رحمة:
علامة حب .. دخل السري السقطي سوق النخاسين قال: فرأيت جارية ينادى عليها بالبراءة من العيوب فاشتراها بعشرة دنانير ، فلما انصرفت بها أى إلى المنزل عرضت عليها الطعام، فقالت لى: والله يا سيدى ما رأيت أحدا فى دارنا أكل نهارا قط ، قال : فخرجت، فلما كان العشاء أتيتها بطعام فأكلت منه قليلاً، ثم قالت : يا مولاي بقيت لك خدمة ؟ قلت: لا. قالت: دعني لخدمة مولاى الأكبر، قلت : أي وكرامة، فانصرفت إلى بيت تصلي فيه ، وصليت أنا العشاء الآخرة ورقدت، فلما مضى من الليلى الثلث ضربت الباب عليّ، فقلت لها : ماذا تريدين ؟ قالت: يامولاي أما لك حظ من الليل ؟ قلت : لا، فمضت، فلما مضى النصف منه ضربت عليّ الباب وقالت : يا مولاي، قام المتهجدون إلى وردهم، قلت : يا جارية .. أنا بالليل خشبة وبالنهار جلبة، فلما بقي من الليل الثلث الأخير: ضربت عليّ الباب ضربا عنيفا، وقالت: أما دعاك الشوق إلى مناجاة الملك، قم لنفسك وخذ مكانا فقد سبقك الخدام ، فهاج مني كلامها خاطرا ، وقمت فأسبغت الوضوء وركعت ركعات، ثم تحسست إليها فوجدتها ساجدة وهى تقول: بحبك لى إلا غفرت لى ، فقلت لها : يا جارية ومن أين علمت أنه يحبك؟ قالت : لولا محبته ما أنامك وأقامني، فقلت: اذهبي فأنت حرة لوجه الله العظيم، فدعت ثم خرجت وهي تقول: هذا العتق الأصغر بقى العتق الأكبر.
بشارة رحمة .. قال النبي : "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته ، فإن أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء ".
قال المناوي: "فقوله رحم الله رجلاً تنبيه للأمة بمنزلة رش الماء على الوجه لإيقاظ النائم، وذلك أن المصطفى ! لما قال ما قال بالتهجد من الكرامة، أراد أن يحصل لأمته حظ من ذلك وحثهم عليه عادلاً عن صيغة الأمر للتلطف".
فهل أحسست ببرد الماء الذي نثره رسول الله على وجهك؟ أم أن نوم أصحاب الكهف راق في عينيك فغرقت فيه؟ وامتثل أبو هريرة هذا الأمر فكان (يقوم ثلث الليل، وتقوم امرأته ثلث الليل، ويقوم ابنه ثلث الليل، إذا نام هذا قام هذا ).
(٥) عقد زواج:
إذا قام المتهجد إلى تهجده فقد قام إلى مخطوبته، فإذا دخل إلى الصلاة فقد شرع في إعداد المهر، فإذا فرغ فقد استوفاه ، ولا يزال في شوق إلى إتمام العقد حتى يقترب الموعد ويأذن الله ، وعندها يلذ اللقاء ويطيب العناق، على فرش بطائنها من إستبرق ولسان المفهم يقول: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) [الرحمن: ٦٠].
نام أبو سليمان الداراني فأيقظته حوراء وقالت: "يا أبا سليمان تنام وأنا أُربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام "، ويحكي عن مالك بن دينار تجربته قائلاً: سهرت ليلة عن وردي ونمت، فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون، في يدها رقعة فقالت لي: أتحسن تقرأ؟ ، فقلت : نعم، فدفعت إلى رقعة فإذا فيها :
ءألهَتْكَ اللّذائِدُ والأماني … تعيش مُخلّداً لا موت فيه
عن البيْضِ الَأُوَانِسِ في الحِنَانِ .. و تلهو في اجنان مع الحسان
ثَنَبَّة من منامك إنَّ خيراً … مِنَ النَّوم التهجُّد بالقُرَانِ
(٦) وقاية من النار:
عن عبد الله بن عمر: "كان الرجل في حياة النبي إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ، وكنت غلاماً شاباً وكنت أبيت في المسجد على عهد الرسول ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيِّ البئر وإذا لها قرنان ، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر فقال لي : لم تُراع ، فقصصتها على حفصة فقصتها على رسول الله ، فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً ".
قال القرطبي: "إنما فسّر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عُرض على النار ثم عوفي منها ، وقيل: لا روع عليك، وذلك لصلاحه غير أنه لم يكن يقوم من الليل، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما تتقى به النار والدنو منها ، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك ".
(٧) الفائدة الخماسية:
قيام الليل شعار الصالحين ، وعلامتهم المسجلة بها يعرفون ويميزون ، أو هو عنوان أخوتهم الإيمانية والحبل الوثيق الذي يربطهم جيلاً بعد جيل، أو هو روضتهم الزاهرة وفردوسهم المنشود وواحتهم الريانة على مر العصور والأزمان ( دأب الصالحين قبلكم)، امتطوا صهوته ليكون مركب الوصول بهم إلى أرض الأجر والثواب فازدادوا بذلك ( قربة إلى الله)، وزرع الوجل في قلوبهم من ذنوب اقترفوها أو آثام ولغوا فيها فحصدوا ما زرعوا ( تكفير للسيئات)، وأورثهم الحياء من زلل يعرض أو معصية تلوح ، فالعين التي بكت من خشية الله كيف تلتذ بنظر محرم ؟!
واللسان الذي رتل وسبح واستغفر كيف يتحول لساناً يغتاب ويكذب وينمّ ؟! والجسد الذي هوى ساجداً لله كيف يهوي ساجداً لملذاته وشهواته ؟! ويظل هذا الحياء ينمو إلى أن يصير إرادة نافذة وسلطة قادرة تشكل في مجملها ( منهاة عن الإثم )، وبتكفير ما مضى والعصمة فيما بقى تبرأ الروح ، وإذا برئت الروح انتقلت العدوى إلى الجسد فبرء كما برء جاره من قبل، أو إن شئت قل: لما برنت الروح كرَّم الله الجسد الذي يحملها لأجلها وعافاه لطهرها، فلم يصبه داء ولم يمسسه ضر (مطردة للداء عن الجسد) .
أجمل النبي # هذه الفوائد في قوله: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله عز وجل ، ومنهاة عن الإثم ، وتكفير للسيئات ، ومطردة للداء عن الجسد ".
(٨) جبر الكسر:
قيام الليل يجبر كسر الفريضة ويستدرك التقصير فيها ، وهو لا بد حاصل من تضييع خشوع أو سهو أو تأخير وقت وغير ذلك مما لا يكاد يسلم منه أحد .
قال رسول الله: " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة ، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضة قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله بعد ذلك ".
(٩) اختر اليقظة أو القنوت أو القناطير:
رحمات الله قريبة قريبة في متناول يدك تطلب إليك قطفها، قيام الليل بعشر آيات فحسب كاف ليخلع عنك ثوب الغفلة ، فإن واصلت إلى المائة ألبسك ثوب القانتين ، فإن ذقت حلاوة الوصال فأتممت الألف خلع عليك خلع المقنطرين .. سبحانه ما أعظم كرمه وما أسخى جوده ، ألا فتعرضوا نفحات الكرم والجود يا معاشر الفقراء .
قال النبي : "من قام بعشر آيات لم يكن من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين.. والمقنطرون هم من ينالون أجورهم بالقناطير، وخشية أن يتقالُ أحد المقنطرين فیها.
قدر قنطاره أخبرهم النبي بقيمة القنطار الواحد فقال: " والقنطار خير من الدنيا وما ولا يخفى ما في هذا الحديث من حث على التنافس بين المؤمنين والاستكثار من الطاعات عن طريق بيان جزاء كل واحد ، وكل يبذل على قدر همته ويؤجر على قدر مشقته ، فأي الفرق الثلاث أنت ؟!
(١٠) ذكر الله كثيرا:
قال النبي : "من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا ليلتنذ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ". ركعتان خفيفتان في جوف الليل تعدل ذكراً كثيراً يستغرق وقتاً طويلاً، والفطن من عرف السبيل إلى أعظم الأجر بأيسر الجهد .
(١١) الجائزة الخفية:
قال عز وجل: (تتجاف جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون فا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٦ - ١٧ ].
قال مجاهد والحسن: "تتجافى جنوبهم يعني قيام الليل ".
تأمل صاحب القلم السيال والسحر الحلال ابن قيم الجوزية في هذه الآية ، فقال: "تأمل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلم نفس ، وكيف قابل قلقهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقومون إلى صلاة الليل بقرة الأعين في الجنة ".
بعد أن يتسلم كل جائزته في الجنة ويسكن درجته التي أعد الله له، تبقى الجائزة الكبرى مدخرة لهذه الثلة المباركة، مصونة لا تخدشها عين ، مكنونة لا تعبث بها يد، خفية لا يطلع عليها أحد، وإذا كان نعيم الجنة الذي أعلنه لا يخطر على بال بشر فكيف بنعيمها الذي أخفاه ؟ وما أعظم كرمه إذ أخفى كرمه وما ألطف جوده عندما أخفى جوده ، إذ النفس دوماً تواقة إلى سبر أغوار ما أخفي عنها .. تطمح في نيله وتسعى في أثره وتستفرغ الجهد في تحصيله ، فكأنه عز وجل بإخفائه جزاء القائمين أعان على سلوك طريقهم وأمدنا بالزاد لنلحق بهم ونفخ فينا نفخة من عزمهم .
*** تسهيلات الصفقة:
قال ربيعة الجرسي: " إن الله جعل الخير من أحدكم كشراك نعله، وجعل الشر منه مد بصره ".
(١) نم قيلولتك:
هذه فرصة ثمينة وغنيمة دفينة ، فلئن اشتريت ساعة من ساعات الليل الغالية التي تتنزل فيها الملائكة بساعة من ساعات النهار التي تنشط فيها الشياطين تغوي، إنك إذن لمن الرابحين .
قال النبي : "قيلوا فإن الشياطين لا تقيل".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق