أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

ملحمة فلسطين د. عدنان علي رضا النحوي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

ملحمة فلسطين

د. عدنان علي رضا النحوي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: لم يكن الإيمان يوماً رحلة عاطفية مؤقتة، ولا شعارات كلامية مسجوعة، ولا وعود جدارية مكتوبة، بل هو الفكر والعاطفة، الأمل والحياة، الهداية والأمن، هذا الإيمان هو الذي ينقل الأمة من ظلمات الحيرة والضلال والتيه إلى واحات المعرفة والرشد والحضارة.. وهو الذي ينشلها من زحمة الأماني والشعارات إلى وضوح الموقف والمسارات، ومن نزغات الطوائف ورهانات الأحزاب إلى برامج البناء والإعمار، ومن السياسات المتعثرة والفتوات الفارغة إلى الواقعية المستنيرة والعقلانية الهادئة.. 

هذا الإيمان هو الذي يُمثل الدين الصحيح، ويحدد الموقف الصائب والرأي السديد ويرسم السلوك والخطوات، ويني الحضارة ويعيد الأمجاد.. وما سوى ذلك أوهام وتخاييل وقصص فارغ، وأكثرها كذب.. وكلما ذكرت إذاعاتنا في هذه البلاد .. نشأتها ورهاناتها الغبية والعمياء، وكيف عبثت بطفولتنا وشبابنا ومستقبلنا .. عبر زرع أفكار القلق والخوف والموت.. وكيف نزعت منّا كل معاني الأمن والاستقرار والسكينة، وكيف جذّرت في قلوبنا نبتة الدماء والخراب والحروب.. إلى ساقتنا إلى هذا النفق المظلم، الذي لم نترائى فيه للحظة بصيص أمل، أو بقعة ضوء..

لقد ظلَّ اليهود يُعلّمون أجيالهم الكذب (في أنهم شعب الله المظلوم) حتى صدقها الأجيال، وتبنوا روايات البكاء والمظلومية واهتموا بها، ونثروها حول العالم؛ حتى آمن الجميع بها، وبثوا لذلك دعاةً وجمعيات، واستغلوا القضاء والمحاكم الدولية، وكرّسوا لذلك سفاراتهم حول العالم، ثم ما لبثوا أن أثاروا الفتن، وهيجوا الدول، وألبوا الناس بعضهم على بعض، واستفردوا بشعوب، وأهملوا شعوباً أخرى، وأغروا العالم بالزخارف والشهوات.. الأمر الذي نجحوا فيه بعد السابع من أكتوبر، حيث كانت رسالتهم قويّة للعالم كله، أن ما حدث فينا هو مجزرة، وأنها مروّعة، ومن قام فيها إرهابيون يجب محوهم عن الخارطة؛ لأنهم ذئاب (أو حيوانات) يجب قتلهم...

هكذا صوروا الأمر، بينما كنا غارقين في أوهام البطولات، وتخريف الساسة، وقد غفلنا عن روايتنا العادلة، ومظلوميتنا الظاهرة، وعن الحكمة الهادية في الإقدام والأحجام، وقد تم الأمر بانفراد تامن وزُجَّ بميلوني إنسان في حرب طاحنة، رفضتها كل الضمائر والقلوب والشرائع، مع الفارق الكبير في القوة، واهتراء النسيج الاجتماعي، في ظل اقتصاد غير مُريح، وقد وقع ما وقع، ..

رأينا التدين المزيف ومواقف الخذلان لأصحاب اللحى الملونة، ممن طغت فيهم الأهواء، ومرجت عندهم العهود، وضاعت لديهم الأمانات، ممن باعوا الدماء، وقتلوا المستقبل، واحتكروا كل معاني الحياة، لقد هدمت تلك اللحى كل معاني الاعتصام والاجتماع والوحدة لدى أمَّةٍ مزّقتها الحروب وأوهنها الحصار. 

رأينا أولئك الذين مردوا على الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل (من التجار والمتنفذين وأصحاب الكلمة والمركز والمنصب)، وقد أغرونا بشياطينهم المبثوثة.. بالأماني الكاذبة والوعود الزائفة، في الجمعيات والنوادي والمؤسسات ومواقع التواصل، وكيف أنهم وهبوا الناس قرابين لحماقاتهم المشينة ورعوناتهم الحركية.. وقد حقنوا جيلاً بأكمله بأقذر معاني الحقد والكبر والجبروت.. 

إن هذا الواقع المرير الذي نتجرع غصصه اليوم، يجعلنا نوقن أن الخروج من هذا التيه يقتضي العودة إلى القراءة الواعية والتخطيط الرشيد. ومن هنا، تبرز قيمة المؤلفات الفكرية الرصينة التي شخّصت الداء ووصفَت الدواء قبل عقود، وعلى رأسها مؤلفات الدكتور عدنان النحوي. لذا، دعونا من هذا الألم العابر ولننتقل الآن للحديث عن الكتاب.. فهذا الكتاب يُحدثنا عن قضية فلسطين، التي هي أقدس القضايا، وعن أرضها التي هي الأرض المباركة، كونها أرض الملاحم عير التاريخ، والتي فيها جرت المعارك الكبرى، التي حولت مجرى التاريخ، وكونها امتداد النور الذي ظهر في مكة، وانتشر في المدينة، وطال أطراف الشام، وقد بلغ الدنيا نوره دعوةً وبلاغاً وقرىناً..

وهو ملحمة شعرية (عاطفية)، تمثل جرعة أملٍ في طريق التضحياء والفداء، وقد دعا فيه "النحوي" إلى طرح الارتجال، وترك هوان العزوف، ووضع الخطة المؤمنة، وتأييدها بالأيدي الطاهرة، والخطو نحو الدرب والهدف من تحريرها وإعادتها إلى حاضنة المسلمين..

ويقع هذا الكتاب في بابين، أما الباب الأول؛ فيذكر فيه معالم القضية الفلسطينية، ومجمل تاريخ فلسطين، ومنزلتها في الإسلام، ومعالم في طريق العودة إليها. وأما الكتاب الثاني؛ فيذكر فيها ثمانية ملاحم (أي: قصائد)، وهي ( تل الزعتر، وحرب المخيمات، وزيارة القدس، والانتفاضة، وفلق الصباح، ..).

ومع ما يتضمنه هذا الكتاب من مشاعر جيّاشة، وأشعارٍ مزخرفة، إلا أننا لا زلنا بحاجة إلى من (يفهم) حقيقة ما تريده فلسطين من العرب، وما يحتاجه الفلسطينون من برامج ومشاريع سياسية وعسكرية واقتصادية ناجحة، وإنهاء كل مظاهر الارتزاق بالدم، والعمالة المقنّعة لدى الاحتلال وغيره، وإنما يبدأ ذلك (بالتغيير) الذي أشار إليه الله سبحانه في كتابه، وهذا التغيير يبدأ في أصحاب الكلمة، أعني العلماء والوعاظ، فما أشدَّ نكبتنا بهم؛ إذ لم يصدقوا في وعظهم وكلماتهم.

_________________________________________

فلسطن الوطن المسلوب

وإذا تحدثنا عن (فلسطين) فهو الوطن الذي تُقمع فيه الحريات، وتُصادر فيه الآراء، وتُحجب فيه أدنى مقومات الحياة، ويُعاقب فيه الإنسان مادياً ومعنوياً، لا تتحدث ولا تصرخ ولا تتأوّه، لا تقل إني جائع ولا عطشان، ولا تطالب بحياة أفضل من هذه التي تحياها، أنت خلقتَ للموت، وللموت ستعيش، وكأن البشر هنا أرقام بلا هوية، أو لا يمتوا إلى جنس الآدمية بصلة، وكلهم تحت رحمة هذه الجماعة أو ذلك الحزب..

إن حالنا اليوم تُجسّده الخيمة التي تقف على الرصيف وفي وسط الشارع، وبالكاد تضمُّ أبناءها الذين أنجبتهم آلة الحرب، بعد أن لفظتهم الجدران والأبنية والمساكن، وتركتهم بين الجرذان والقطط والكلاب، يصبحون ويمسون في أمتار معدودة، ولا أدري كيف ينامون أو يسيرون، بل كيف يقومون ويقعدون.. 

إنها تشبه النساء اللواتي يغادرن خيامهنَّ في حرّ الهجير، بحثاً عن ظلٍٍّ يُبرّد عليهم حمأة الظهيرة وحمّام القهر.. كما تشبه الجالسين في فنادق الدوحة ومطاعم أسطنبول ومحافل لندن، وقد هتكوا عن أنفسهم ستر الحياء والدين، ومزّقوا كل أواصر الرحمة والشفقة، وأخذوا يمزقون لحم إخوانهم من أهل الخيام في صحراء غزة وشوارعها؛ طعناً في الأرعاض، وخفراً للذمم، وهتكاً لكل ما يصلح هتكه.. ثم يذهبون مع أقرانهم آخر الليل في حكايات المجون وقصص العشق والجنس..

ومهما تحدثنا؛ فلن يُوفي الحديث بكل مآسي قطاعنا التي تمزق نياط القلب، عن حوانيت المدارس، عن الغرف السوداء في المشافي، عن منظومة الكذب والخداع والتناقض في أرقى الأحياء، عن مشاريع الجشع والنهب والهيمنة في مخازن المال.. 

لقد سلبونا إنسانيتنا، واغتصبوا حرياتنا، سرقوا تضحياتنا، وتسلطوا على أبناء شعبنا، تمالأوا علينا كتمالئ أعدائنا.. ولعلي أذكر ذلك الشاب الذي أخرج ظهراً من أوكار الظلم مضرجاً بدمائه؛ ليطلق دعوةً من قلبه على أولئك الظالمين.. لتنطلق كلمات مأفونة من بعض المهووسين: دعوه.. شاب مهووس.. أغوته المخدرات!

وذلك الشاب الذي صرخ من أعماق قلبه، وقد هدّه  التهجير، بأن أنقذونا .. فقتلوه انتقاماً لكبريائهم، وقرباناً لتلك الأصنام القابعة في الخارج. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

________________________________________________

واختم بفائدة جليلة (ص 35):

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)} [البقرة: 249، 250]

إنهم جنود (طاقة بشرية مؤهلة، مُدرّبة، معهم السلاح والعُدّة)، ولهم قائد "طالوت" (يرجعون إليه في كل كبيرة وصغيرة)، وقد فصل (وهذا يعني أخذهم كل الأسباب المادية للمعركة، والتي من جملتها الواقعية ومراعاة ظروف القتال). مجاوزة النهر (يمثل الصدق في نية الخروج إلى الجهاد)، اليقين (والذي هو ثمرة الثبات أمام الأعداء عند اللقاء)، إذن الله (انتصار الفئة القليلة كانت بوحي الله وإذنه، ولم يكن ذلك لقلتها أو كثرتها)، المبارزة (الأمر الذي يقتضي أرضاً مهيأة للقتال تتوسط الفريقين)، الدعاء (بالتبيث والنصر على الأعداء)

 فخروج طالوت إنما كان بأمر نبيٍّ يُوحى إليه، أي: أن النصر كان منحة ومعجزة، ولا يعني هذا إهمال العَدد والعُدَد، بل هو من جملة الأسباب المطلوبة شرعاً، ولعل قاعدة نضعها هنا، أن: (الاستغناء عن الأسباب لا يعني إهمالها، وتوافرها لا يعني الاعتماد عليها)، و(الاستغناء عن الاسباب لا بد له من وحي) والوحي قد انقطع، وبقي العمل بالاسباب.

يقول د. النحوي:

إنهم جنودٌ، تم تدريبهم، وإعدادهم، كما توحي كلمة "بالجنود"، وكلمة "فصل" توحي بأنم تركوا مكانهم وانفصلوا عنه بعد أن أخذوا كل حاجتهم للمعركة منه، فلا مجال للعودة للبحث عن سلاح أو نفر أو غذاء، فهم فصلوا بعد أن استكملوا الإعداد والاستعداد في حدود واقعهم الذي كانوا يعملون فيه آنذاك، وفي حدود مسؤوليتهم الشرعية، على أن يكون الاستعداد قد استكمل النواحي المادية والنواحي الإيمانية في بناء مرصوص.

وكانت حكمة الله بعد ذلك أن هيّأ أسباب التمحيص والابتلاء حتى يُنقّي الصفّ المؤمن من الخبث والوهن، فكان التمحيص الأول، ثم تلاه تمحيصٌ آخر، حتى بقيت الفئة المؤمنة التي أسلمت لله رب العالمين، الفئة التي تبرئت من العرق والجنس وسائر العصبيات الجاهلية، وجعلت قتالها جهاداً خالصاً صافياً في سبيل الله، لا يلوثه شركٌ ولا خوىً ولا انحراف، ولا تميل به فلسفة وسياسة وأعذار. وإنما يحكمه إسلام وإيمان وتوحيد.

وبعد استكمال هذا السياق من التمحيص والابتلاء، جاء قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}؛ ليوضح لنا الوحيُ أن الفئة التي ثبتت هي التي تسلّحت باليقين في لقاء الله، فصارت القلة المادية قوة معنوية هائلة لا تُهزم، لأنها ربطت سببها الأرضي بمددها السماوي 

ولعلنا نستطيع أن نوجز الشروط الرئيسية التي يمكن أن نستخلصها من الآيات الكريمة في وسورة البقرة، ومن آيات أخرى في وسورة أخرى بشروط أربعة رئيسية.

1-الأمة المسلمة الواحدة في بنائها المرصوص.

2-ترابط الأمة جنوداً وقيادةً على منهاج الله تدبّراً وإيماناً وعلماً وممارسة.

3-إعداد وقوة: طاقة بشرية مدربة ومؤهلة وعدة وسلاح.

4-نهج وخطة: تصوغها الطاقة البشرية على أساس من قاعدتين: منهاج الله، والواقع الذي تعمل فيه الأمة.

هذه هي الشروط الأربعة التي استنبطها الدكتور النحوي من وحي قصة طالوت وجالوت، هي طوق النجاة الحقيقي لفلسطين اليوم. فما لم تتحد الأمة في بنيان مرصوص، ويسقط المرتزقون والمنتفعون، وتُبنى الخطط على الواقعية المستنيرة والإعداد الحقيقي لا المغامرات الطائشة؛ سنبقى ندور في فلك المأساة، ونبكي على أطلال الخيام. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق