فضل اللطيف في التعريف الشريف
لأبي بكر العدني بن علي المشهور
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: اختلف العلماء في التعريف بالأمصار عشية عرفة، وهو الاجتماع فيها (بمساجد الأمصار) على الدعاء والذكر، وكان الإمام أحمد لا يفعله، ولا ينكر على من فعله؛ لأنه روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة، وأما مشاركتهم لهم في الذكر في الأيام المعلومات؛ فإنه يشرع للناس كلهم الإكثار من ذكر الله في أيام العشر خصوصاً (للمعرّفين وغيرهم)، وفي حديث ابن عمر مرفوعاً: "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".
ولما وضع سبحانه في نفوس المؤمنين حنيناً إلى زيارة بيته الحرام، وليس كل أحد قادراً على ذلك في كل عام؛ فإنه فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركا بين الساعين والقاعدين، فمن عجز عن الحج في عام؛ فلن يعجز في العشر على عمل يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج، ولذلك فالتعريف مشروع إن شاء الله.
وهذا الكتاب من قبيل التعريف بهذا اليوم، وقد تضمّن أبياتاً في التضرع والدعاء والذكر لله سبحانه، تُقرأ جماعةً، وأولها مدخل، بيّن فيه فضيلة الحج، وأنه اصطفاء من الله تعالى، ثم تعرّض للوقوف بعرفة، وبيّن أن الوقوف فيه محض توفيق من الله، وأن زمانه يوم التاسع من ذي الحجة، كما تحدث عن أحوال الحجيج من البكاء والدعاء والذكر.
ثم فصلٌ في بيان وصول الحاج إلى عرفات، والحال التي ينبغي أن يكون عليها، من استحضار شرف الزمان والمكان، واستجماع الفكر والقلب، واستذكار الذنوب والمعاصي رجاء غفرانها في ذلك الموقف، وأن حضوره محض توفيق من الله تعالى، وأبيات فيها دعوات كريمات.
ثم فصلاً ثالثاً في علاقة يوم عرفة بعالم التكوين، وأن من وقف ذلك اليوم، إنما استجاب إلى نداء الرب في عالم الذّر؛ فمن لبّى في ذلك اليوم جاء مُلبياً في هذا، يليها دعوات طيبات.
ورابعاً: في فضائل يوم عرفة، ومن ذلك: أنه اليوم الذي أتم الله فيه الدين، ورضي الإسلام ديناً لعباده، وأنه يوم يقبل الله فيه دعاء الداعين، وأنه اليوم المشهود المذكور في سورة البروج، وأن من صامه غُفر له ذنوب السنة الماضية والباقية، غير أن الحاج لا يصومه، وبيّن أن الله تعالى يُباهي بعباده الملائكة، ويغفر فيه الذنوب، وأنه اليوم الذي تعرف فيه آدم عليه السلام إلى حواء، وأنه يوم الحج الأكبر، وشرف الصدقة وعتق الرقاب فيه، وخير الدعاء دعاؤه، وأنه اليوم الذي يحثو إبليس على رأسه التراب، يليها دعوات مباركات.
خامساً: آداب الوقوف بعرفة، ومن ذلك: تبكير الوقوف من زوال الشمس، وإحياء الوقت بالذكر والثناء والدعاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكف عن السّفه واللغط في القول والعبث، ورفع الصوت بالتلبية، والاستعداد ليوم النحر، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر تقديماً، واستقبال القبلة، واستحضار الخير في الدعاء، والدفع إلى مزدلفة بعد غروب شمسه.
سادساً: التشبه بالحجاج يوم عرفة (وهو التعريف)، وفيه: ذكر أوَّل من عرَّف من الصحابة، وهو ابن عباس -رضي الله عنه-، والحسن البصريُّ كان يجمع الناس بعد العصر يوم عرفة، وجوّزه الإمام أحمد، وندب الفقهاء المتأخرون فعله، لما فيها من حفظ الوقت، وفعل الخير، وموافقة يومٍ شريف.
سابعاً: التوجيه لمن حضر التعريف، وهي وصية جامعة لمن أراد التعريف، وفيها: الحث على التوبة، وملازمة التقوى، وتصحيح النية وإخلاصها لله تعالى، وشغل الوقت بالدعاء، وطلب الفرج والخير لهذه الأمة.
ثامناً: حجة الوداع للرسول صلى الله عليه وسلم، وخطبة عرفة، وفيه: وكان في السنة العاشرة للهجرة، وخرج فيها أربعين ألفاً، وقيل سبعين ألفاً، وقيل مئة وعشرين ألفاً، من الصحابة، وخطب النبيُّ فيهم راكباً على ناقته، وكانت خطبته جامعة لكل خير، متممة لكل أصل، شافية وافية بليغة وتضمنت العديد من الوصايا.
تاسعاً: الخاتمة والدعاء: وتضمنت دعوات مباركات نظمها الشيخ في جملة نظمه.
عاشراً: ملاحق منثورة، منها: ملحق الأذكار، ودعاء عشر ذي الحجة، وصلوات نبوية، والأدعية المأثورة يوم عرفة، ودعاء زين العابدين علي بن الحسين في يوم عرفة، ثم دعاء يوم عرفة للشيخ علي بن محمد الحبشي -رحمه الله-، ودعاء عرفة للإمام عبد القادر السقاف -رحمه الله-.
حادي عشر: نظم "زفرات الحجاج تملأ الأفجاج"، وفيه: تصوير حال الحجاج في هذا اليوم المبارك، وبيان لأحسن أعمالهم وأكملها، والختم بدعاء للشيوخ والمريدين والمسلمين.
فوائد مُلحقة
أولاً: هل يشرع إظهار التكبير والجهر به في الأسواق في العشر الأول من ذي الحجة أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فأنكره طائفة واستحبه أحمد والشافعي، لكن الشافعي خصه بحال رؤية بهيمة الأنعام، بينما أحمد يستحبه مطلقاً. وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ورواه أبو داود.
قال أبو داود: حدثنا سلام أبو المنذر عن حميد الأعرج عن مجاهد، قال: "كان أبي هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك".
وروى جعفر الفريابي في كتاب العيدين، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير ومجاهداً وعبد الرحمن بن أبي ليلى أو اثنين من هؤلاء الثلاثة، وما رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".
ثانياً: المعاصي تحرم صاحبها من المغفرة في مواسم الرحمة:
روى المروذي في كتاب "الورع"- بإسناده عن عبد الملك بن عمير عن رجل ـ إما من الصحابة أو من التابعين ـ: أن آتياً أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة؛ فقال: ما من مسلم إلا يغفر له في هذه الأيام كل يوم خمس- مراراً- إلا أصحاب الشَّاه.. يقولون: مات! ما موّته يعني أصحاب الشطرنج، فإذا كان اللعب بالشطرنج مانعاً من المغفرة فما الظن بالإصرار على الكبائر المجمع عليها؟!
ورأى بعضهم في المنام عشية عرفة في الموقف قائلاً يقول له: أترى هذا الزحام على هذا الموقف، فإنه لم يحج منهم أحد إلا رجل تخلف عن الموقف فحج بهمَّتِه! فوهب له أهل الموقف.
موعظة بليغة من ابن رجب الحنبلي في هذا السياق:
يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين! يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين!
ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين! يا من ذنوبه بعدد الشفع والوتر أما تستحي من الكرام الكاتبين؟! أم أنت ممن يكذب بيوم الدين؟ يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري! أما آن لقلبك أن يستنير أو يلين تعرض لنفحات مولاك في هذا العشر، فإن فيه لله نفحات يصيب بها من يشاء فمن أصابته سعد بها آخر الدهر.
آداب الأدعية والأذكار (يوم عرفة وغيره عموماً):
قال الإمام النووي في الأذكار: إن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء، والمحدثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها، من السلف والخلف: أن الدعاء مستحب؛ قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60].
1 - فمن آدابه -وهو آكدها-: تجنب الحرام مأكلا، وملبسا، ومشربا، ووجه ذلك: أن ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإجابة، إلا إذا تفضل الله على عبده، وهو ذو الفضل العظيم.
2 - ومنها: الإخلاص لله، وهذا الأدب هو أعظم الآداب في إجابة الدعاء؛ لأن الإخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة، وقال عز وجل: {مخلصين له الدين} [الأعراف: 29]، فمتى دعا ربه غير مخلص، فهو حقيق بأن لا يجاب له، إلا أن يتفضل الله عليه، فهو ذو الفضل العظيم.
3 - ومنها: الوضوء.
4 - ومنها: استقبال القبلة؛ ووجه ذلك: أنها الجهة التي يتوجه إليها العابدون لله عز وجل، والعابدات له، والمتقربات، والمتقربون إليه.
5 - ومنها: الثناء على الله عز وجل.
6 - ومنها: الصلاة على نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
7 - ومنها: بسط اليدين، ورفعهما حذو المنكبين.
8 - ومنها: التأدب، والخشوع، والمسكنة، والخضوع، وهذا المقام أحق المقامات بهذه الأوصاف؛ لأن المدعو هو رب العالم، وخالق الخلق، ورازق الكل، وفي ذلك تسبب للإجابة؛ لأن العبد إذا خشع وخضع، رحمه الله، وتفضل عليه بالإجابة ومن ذلك: قول الله عز وجل: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55].
9 - ومنها: أن يسأل الله بأسمائه العظام الحسنى، وبالأدعية المأثورة؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف: 180].
10 - ومنها: الاعتراف بالذنوب.
11 - ومنها: أن يسأل بعزم ورغبة، وجد واجتهاد.
12 - ومنها: إحضار القلب، وتحسين الرجاء.
13 - ومنها: تكرير الدعاء، والإلحاح فيه.
14 - ومنها: أن لا يستعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي، ووجهه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي".
15 - ومنها: أن يترصد الأوقات الشريفة.
16 - ومنها: أن يغتنم الأحوال الشريفة؛ كحالة السجود، ونزول الغيث.
17 - ومنها: أن يدعو بلسان الذلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
فصل في أوقات الإجابة وأحوالها:
منها: ليلة القدر، ومنها: يوم عرفة، ومنها: شهر رمضان، ومنها: ليلة الجمعة، ومنها: يوم الجمعة، وساعة الجمعة.
ومنها: جوف الليل؛ يدل عليه ما أخرجه الترمذي (3499) وحسنه من حديث أبي أمامة قال: "قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل، ودبر الصلوات".
والدبر يشمل الدعاء بعد التشهد الأخير في نفس الصلاة، وبعد التحلل منها بالسلام.
ومنها: عند النداء بالصلاة؛ لما أخرج مالك في الموطأ (155)، وأبو داود (2540) من حديث سهيل بن سعد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلتحم بعضهم بعضا".
وبين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات المكتوبات، وفي السجود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق