أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 30 يوليو 2026

عنوان التوفيق في آداب الطريق (شرح قصيدة العارف بالله أبي مدين الغوث) لابن عطاء الله السكندري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

عنوان التوفيق في آداب الطريق

(شرح قصيدة العارف بالله أبي مدين الغوث)

لابن عطاء الله السكندري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا الكتاب شرحٌ نفيسٌ لقصيدة الشيخ أبي مدين الغوث، وضعه الإمام العارف، والعالم المحقق، تاج الدين أحمد بن عطاء الله السكندري، صاحب «الحِكَم العطائية» و«القصد المجرّد في معرفة الاسم المفرد» وغيرهما من المصنفات التي شكّلت معالم بارزة في التراث الصوفي السني. وقد ذُيِّلت القصيدة بتخميسٍ للشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي، فاجتمع في هذا الأثر نفَسُ التربية، وعمقُ الإشارة، وجمالُ النظم، مما أكسبه منزلةً رفيعة بين كتب السلوك وآدابه.

وتنتظم القصيدة وشرحها في سلكٍ واحد من الآداب التربوية والمعارف السلوكية التي تمثل جانبًا أصيلًا من تراث التصوف السني، إذ تضمّنت جملةً من أصول الصحبة، وقواعد السير إلى الله تعالى، ومقامات العبودية، وما ينبغي أن يتخلّق به المريد من آداب الظاهر والباطن. 

وقد امتاز شرح ابن عطاء الله بأنه لم يقف عند حدود البيان اللغوي أو الإيضاح النظري، بل مزج بين التأصيل العلمي والتهذيب العملي، فجمع بين تقرير الأحكام السلوكية، واستجلاء المعاني الإيمانية والروحية، حتى غدا دليلًا للمريد، ومرشدًا للسالك، وموردًا لأهل التربية والتحقيق.

ويمكن ردّ المادة العلمية والروحية التي اشتمل عليها هذا الشرح إلى ثلاثة محاور كبرى؛ أولها: بيان حقيقة الصحبة الصوفية وآدابها، وما تقوم عليه من صدق الإخلاص، وترك الدعاوى، ولزوم التواضع، وحسن الأدب مع الإخوان، مع التأكيد على أن صحبة الصالحين من أعظم أسباب التزكية، وأوثق وسائل الترقي في مدارج المعرفة. 

وثانيها: بيان منزلة الشيخ المربي، ووجوب التأدب معه، ولزوم طاعته في حدود الشريعة، مع ترسيخ مقام العبودية القائم على الافتقار إلى الله تعالى، والتبرؤ من الحول والقوة، والتحذير من آفات العجب والاغترار بالطاعة. 

أما المحور الثالث، فيبرز شرف هذا الطريق وعزة رجاله، وندرة العارفين الصادقين، وما يبعثه ذلك في قلب السالك من الشوق إلى صحبتهم والتعلق بمحبتهم، تأسّيًا بقول النبي ﷺ: «المرء مع من أحب».

ويختتم الإمام ابن عطاء الله شرحه بخاتمةٍ تفيض محبةً وإجلالًا لأهل الله، فيثني على شمائلهم، ويُبرز أثر أخلاقهم في صلاح القلوب وإحياء الأرواح، ثم يرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يرزق السالكين صحبتهم في الدنيا، ويجمعهم بهم في دار الكرامة في الآخرة، ويختم بالصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، وآله الطاهرين، وصحبه الغرّ الميامين.

______________________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

قال الشيخ العارف القدوة المحقق تاج العارفين. ولسان المتكلمين. إمام وقته. ووحید عصره. تاج الدین أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السکندری رضی الله تعالی عنه وتفعنا به آمین:

الحمد لله المنفرد بالحلق والتدبير. الواحد فى الحكم والتقدير. الملك الذى لیس له فی ملکه وزیر. الملك الذی لا یخرج عن ملکه صغير ولا كبير. المتقدس فى كال وصفه عن الشييه والنظير. المنزه فى كمال ذاته عن التمثيل والتصوير. العليم الذى لا يخفى عليه مافى الضمير. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. العالم الذى أحاط علمه بمبادئ الأمور ونهاياتها. السميع الذى لا فضل فى سمعه بين ظاهر الأصوات وخفاياتها. الرازق وهو المنعم على الخليقة بايصال أقواتها. القيوم المتكفل بها فى جميع حالاتها. الوهاب وهو الذى منّ على النفوس بوجود حياتها. القدير وهو المعيد لها بعد وجود وفاتها. الحسيب وهو المجازى لها يوم قدومها عليه بحسناتها وسيئاتها. فسبحانه من إله منّّ على العباد بالجود قبل الوجود. وقام بهم بأرزاقهم على كلتي حالاتهم من إقرار وجحود. ومدّ كل موجود بوجود عطائه. وحفظ وجود العالم بإمداد بقائه. وظهر بحكمته في أرضه وقدرته فی سمائه. وأشهد أن لا إله إلا الله. وحدە لا شربك له. شهادة عبدٍ مفوض لقضائه. مسلم له فى حكمه وإمضائه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. المفضل على جميع أنبيائه. المخصوص يجزيل فضله وعطائه. الفاتح الخاتم وليس ذلك لسوائه. الشافع لكل العبادحين يجمعهم الحق لفصل قضائه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه المستمسكين بولائه وسلم تسليماً كثيراً.

إعلم با أخي.. جعلك الله من أهل حبه. واتحفك بوجود قربه. وأذاقك من شراب أهل وده. وأمنك بدوام وصلته من إعراضه وصده. ووصلك بعباده الذين خصهم بمراسلاته. وجبر كسر قلوبهم لما علموا أنه لا تدركه الأبصار لنور تجلياته. وفتح لهم رياض القرب. وهبَّ منها على قلوبهم واردات تفحاته. أشهدهم سابق تدبيره فيهم، فساموا إليه القياد. وكشف عن خفى لطفه فى منعه فتركوا المنازعة والعناد. فهم مستسلمون إليه ومتوكلون علیه (أما بعد):

فقد قال صلى الله عليه وسلم: (يحشر المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)، فإذا علمت أيها الأخ الشقيق. فلا تخالل إلا من ينهضك حاله، ويدلك على الله مقاله، وذلك هو الفقير، المتجرد عن السوى، المقبل على المولى، فليست اللذة إلا مخاللته ولا السعادة إلا خدمته ومصاحبته، فلذلك قال الشيخ العارف المتمكن أبو مدين - رضى الله تعالى عنه-

(1) ما لذة الميش إلا صحبة الفقرا * هم السلاطين والسادات والأمرا

أى: مالذة عيش السالك فى طريق مولاه، إلا صحبة الفقرا، والفقراء جمع فقير، والفقير هو المتجرد عن الخلائق المعرض عن العوائق لم ببق له قبلة ولا مقصد إلا الله تعالى، وقد أعرض عن كل شىء سواه، وتحقق بحقيقة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فمثل هذا مصاحبته تذيقك لذة الطريق، وتريق فى جميع فؤادك من شراب القوم أهنى رحيق، وبعرفك الطريق ويقطع لك العتاب، ويزيل عن قلبك التعويق، وينهضك بهمته ورفعك الى أعلا الدرجات.

ومن كان كذلك فهو السلطان على الحقيقة والسيد على أهل الطريقة، والأمير على أهل البصيرة، فلا تخالف أيها السالك طريقه فاجتهد أيها السالك المجد فى تحصيل هذا الرفيق، واصحبه وتأدب فى مجالسه ويزبل عنك بلركة صحبته کل تعویق کما قال- رضى الله تعالى عنه:

(2) فاصحبهم وتأدب فى مجالسهم * وخل حظك مهما قدموك ورا

أی: اصحب الفقراء وتأدب معهم فی مجالستهم؛ فإن الصحبة شبح والأدب روحها، فإذا اجتمع لك بين الشبح والروح حزت فائدة صحبته، وإلا كانت صحبتك ميتة، فأى فائدة ترجوها من الميت؟! ومن أهم آداب الصحبة أن تخلف حظوظك وراك، ولا تكن همتك مصروفة إلا لامتثال أوامرهم، فعند ذلك يُشكر مسعاك، فإذا تخلقت بذلك فبادر واستغنم الحضور، وأخلص فى ذلك؛ ترفع درجتك، وتعلو همتك، والقصود، كما قال رضى الله عنه:

(3) واستغنم الوقت واحضر دائما معهم * واعلم بان الرضی يختص من حضرا

أى: واستغنم وقت محبة الفقرا، واحضر دائماً معهم بقلبك وقالبك، تسري إليك زوائدهم وتغمرك فوائدهم، وينصلح ظاهرك بالتأدب بآدابهم، ويشرق باطنك بالتحلى بأنوارهم؛ فإن من جالس جانس، فان جلست مع المحزون حزنت، وإن جلست مع المسرور سُررت، وإن جلست مع الغافلين سرت إليك الغفلة، وإن جلست مع الذاكرين انتبهت من غفلتك، وسرت إليك اليقظة، فإنهم (القوم لا یشتقی جلیسهم)، فکیف پشقی خادمهم ومحبهم وأنيسهم، وما أحسن ما قيل:

لى سادة من عزهم * أقدامهم فوق الجباه

إن لم أكن منهم فلي * فى حبهم عز وجاه

واعلم أنّ هذا الرضى وهذا المقام يخص من حضر معهم بالتأدب، وخرج عن نفسه، وتحلى باللذة والانكسار، فاخرج عنك إذا حضرت بين أيديهم، وانطرح وانكسر إذا حللت بناديهم، فعند ذلك تذوق لذة الحضور، واستعن على ذلك بملازمة الصمت، تشرق لك أنوار الفرح، ويغمرك السرور- كما قال رضي الله عنه:

(4) ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل * لا علم عندی وکن بالجهل مستترا

الصمت عند أهل الطريقة من لازمه؛ ارتفع بنيانه، وتمّ غراسه، وهو نوعان: صمت باللسان وصمت بالجنان، وكلاها لا بد منه فى الطريق، فمن صمت قلبه ونطق لسانه؛ نطق بالحكمة، ومن صمت لسانه وصمت قلبه تجلى له سره وكلمه ربه، وهذا غابة الصمت، وكلام الشيخ قابل لذلك؛ فالزم الصمت أيها السالك، إلا إن سئلت، فإن سئلت فارجع الى أصلك ووصلك، وقل: لا علم عندى واستتر بالجهل تشرق لك أنوار العلم اللدنى، فإنك مهما اعترفت بجهلك ورجعت إل أصلك لاحت لك معرفة نفسك، فإذا عرفتها عرفت ربك- كما روى فى الحديث: (من عرف نفسه عرف ربه)، وكل ذلك من فوائد الصمت ولزوم آدابه، فاصمت وتأدب، ولازم الباب تکن من أحبابه، وما أحسن ما قيل:

لا أبرح الباب حتي تصلحوا عوجى* وتقبلونى على عيبي ونقصانى

فإن رضيتم فيا عزى ويا شرفى* وإن أييتم فمن أرجو لعصياني

فانهض أيها الأخ إلى باب مولاك بهمة عليّة، وتحقق بعبوديتك تشرق عليك ـنواره السَّنِيّة، كما أشار الى ذلك الشيخ رضى الله عنه، بقوله:

(5) ولاترى العيب إلا فيك معنقداً * عيباً بدا بيِّنَاً لكنه استترا

أى: تحقق بأوصافك من فقرك وضعفك وعجزك وذلتك، فإذا تحققت بأوصافك وشهدت لنفسك عيوباً لكنها مستترة، فعند ذلك تحظى بظهور أوصاف مولاك فـيك، كما قيل: سبحان من ستر سر الخصوصية فى ظهور البشرية، وظهر بعظمة الربوبية فى إظهار العبودية.

وافهم من هنا سر معني قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده}، ولم يقل "برسوله"، ولا "بنبيه"، لأنه أشار إلى ذلك المعنى الرفيع الذى لا يُنال إلا من العبودية، ولذلك قيل:

لاتدعنى إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائى

انكسر أيها الأخ، وانطرح بالطريق، ولا ترى لك حالاً ولا مقالاً، يَزُل عنك كل تعويق، واستغفر من كل ما يخطر بقلبك فى عبوديتك، وقم على قدم الاعتراف، وانصف من نفسك تبلغ أعلا درجات المنازل، وتفنى بشريتك كما قـال رضى الله تعالى عنه:

(6) وحط رأسك واستغفر بلا سبب * وقف على قدم الانصاف معتذرا

أی: تواضع وانکسر، وحط أشرف ما عندك وهو رأسك فی أخفض ما یکون وهى الأرض؛ لتحوز مقام القرب، كما ورد فى الحديث: (أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى وهو ساجد)؛ لأن قرب العبد بتواضعه وانكساره وخروحه عن أوصاف بشريته.

واشهد نفسك دائماً مذنباً، ولو لم يظهر عليك سبب الذنب، فإن العبد لا يخلو من تقصیر، وقف على قدم الإنصاف من ذنوبك، خجلاً من سیئاتك وعیوبك، فإن من عامل المخلوق هذه المعاملة أحبّه، ولم یشهد له ذنباً، وكانت مساويه عنده محاسن؛ فكيف اذا عامل بهذه المعاملة صاحبه الحقيقى، الذى إذا تحققه ليس له صاحب سواه، كما ورد فى الحديث: (اللهم أنت الصاحب فى السفر، والخليفة فى الأهل والمال والولد)؛ فتأهب أيها الأخ لهذه المعاملة مع إخوانك الفقراء لتصير لك محراباً تتوصل بها إلى معاملة رب السماء، وتكون مقبولاً عند الخلق والخالق، وتصفو لك المعاملة وتشرق عليك أنوار الحقائق، قال رضى الله عنه:

(7) وإن بدا منك عيب فاعتذر وأقم * وجه اعتذارك عما فیك منك جرى

(8) وقل عُبَيْدكمو أولى بصفحكوا * فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا

(9) هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم * فلا نخف درکاً منهم ولا ضررا

أى ليكن شأنك دائماً التواضع والانكسار وطلب المعذرة والاستغفار، سواء وقع منك ذنب أو لم یقع، وإن بدا منك عیب أو ذنب فاعترف واستغفر، فإن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وليس الشأن أن لا تذنب إنما الشأن أن لا تصر على الذنب، كما ورد: (أنين المذنبين عند الله خير من زجل المسبحین عُجباً وافتخاراً).

ولذاك قلت فى الحكم: "ربما فتح لك باب الطاعة وم افتح لك باب القبول، وقضى علیك بالذنب وكان سبباً في الوصول، رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكباراً"، ومع اعترافك واستغفارك أقم وجه اعتذارك عما جرئ منك؛ فيكون ذلك ممحى للذنب، وادخل فى القبول وذل وتواضع وانکسر، وقل: عُبیدكموا أولی بصفحکم؛ لأن العبد لیس له إلا باب مولاه، وما أحسن ما قيل:

ألقيت فى بابكم عنانى * ولم أبالي بما عنانى

فزال قبضى وزاد بسطى * وانقلب الخوف بالأمانى

فسامحوا عبيدکمو يا فقرا، وخذوا بالرفق، وعاملوني به، فإني عبدٌ فقیر لا يصلحني إلا المعاملة بالرفق والفضل، ولا اعتماد لى إلا على الفضل، لا بحولى ولا قوتي، فإن مذهبي العجز والسلام، ثم قال رضى الله عنه: إنهم أولى بهذا الشىء وهو شيمتهم، ولم يزلوا متفضلين، وهذه معاملتهم مع أصحابهم، وهى سجيتهم وكيف لا تكون سجيتهم وم متخلقون بأخلاق مولاهم، كما ورد: (تخلقوا بأخلاق الله)، فلا تخف منهم ضرراً أيها السالك المصاحب لهم، وتمسك بأذيالهم، فإنهم القوم لا يشقى جليسهم.

فإذا عرفت ذلك أيها السالك، فتخلق بأخلاقهم الکريمة، وجُد بالتفتي علی الإخوان وغض الطرف عن عثراتهم، تکن آخذاً من أوصافهم أحسن هيئة، قال رضى الله عنه:

(10) وبالتفتي على الإخوان جُد أبداً * حساً ومعنىً وغُضَّ الطرف إن عثرا

أى: وتكرم على إخواءك، وجُد عليهم أبداً بما فى الحس، وذلك ببذل الأموال، وأما فى المعنى فبصرف همة الأحوال، ولا تبخل عليهم بشىء يمكنك إيصاله إليهم، فان السماحة لب الطريق، ومن تخلق بها فقد زال عن قلبه كل تعويق، قال الشيخ عبدالقادر رضی الله عنه: إخوانى ما وصلت إلى الله تعالى بقيام ليل ولا صيام نهار ولا دراسة علم، ولكن وصلت إلى الله بالكرم والتواضع وسلامة الصدر، فدل كلام الشيخ رضى الله عنه، أن الكرم هو الأساس، وأن التواضع يتم للسالك به الغراس، فإذا تم له هذان الآمران سلم صدره من العلائق، وزال عن طريقه كل عائق، ولذلك ورد فى الحديث: (إن فى الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام).

فتأمل هذا الحديث يا أخي حيث بدأ صلى الله عليه وسلم بإلانة الكلام، وهو إشارة إلى التواضع، ثم ثنى بإطعام الطعام وهو إِشارة إلى الكرم، ثم أتى بعد ذلك بالصلاة والصيام -كما أشار إليه الشيخ عبد القادر، فانهض أخي الى هذه المآثر، وبادر واجمع معها حسن مكارم الأخلاق، وغض الطرف عن مساوئ الإخوان إن وقفت منهم على عثرة، ولا تشهد إلا محاسنهم- كما قال رضى الله عنه فى حكمه الفتوحية: رؤية محاسن العبيد والغيبة عن مساويهم، ذلك شیء من کمال التوحید، کما قيل:

إذا ما رأيت الله فى الكل فاعلا * رأيت جميع الكائنات ملاحا

فاذا تخلقت أيها الأخ بهذه الخصال الشريفة؛ فقد تأهلت للاقبال على الشيخ، فانهض إلى عتبة بابه، وراقبه بهمة منيفه- كما أشار إلى ذلك الشيخ رضى الله عنه، بقوله:

(11) وراقب الشیخ فی أحواله فعسی * یری علیك من استحسانه أثرا

أى: إذا تخلقت بما تقدم من الآداب، ووصلت بافتقارك وانكسارك إلى الشبخ، وتمسكت بأثر تلك الأعتاب؛ فراقب أحواله واجتهد فى حصول مراضيه، وانكسر واخضع له فى كل حين، فإنه الترياق والشفا، وإن قلوب المشايخ ترباق الطریق، ومن سعد بذلك تم له المطلوب، وتخلص من کل تعویق.

واجتهد أيها الأخ في مشاهدة هذا المعنی، فعسي یری علیك من استحسانه حالك أثراً، قال بعضهم: من أشد الحرمان أن تجتمع مع أولياء الله تعالى ولا ترزق القبول منهم، وما ذلك إلا لسوء الأدب منك، وإلا فلا بخل من جانبهم ولا نقص من جهتهم -كما قلت فى الحكم: ما الشان وجود الطلب إنما الشأن أن تورث حسن الأدب.

زار بعض السلاطین ضریح أبی یزید رضی الله عنه، وقال: هل هنا أحد ممن اجتمع بأبى يزيد، فأشير إلى شيخ كبير فى السن كان حاضراً هناك، فقال له: هل سمعت شيئاً من كلامه؟ فقال: نعم. قال: من زارنى لا تحرقه النار! فاستغرب السلطان من ذلك الكلام؛ فقال: كيف يقول أبو يزيد ذلك وأبو جهل رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو تحرقه النار! فقال ذلك الشيخ للسلطان: أبو جهل لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، إنما رأى يتيم أبي طالب، ولو رآه صلى الله عليه وسلم لم تحرقه النار، ففهم السلطان كلامه، وأعجبه هذا الجواب منه.

أي: أنه لم يره بالتعظيم والإكرام واعتقاد أنه رسول الله، ولو رآه بهذا المعنى لم تحرقه النار، ولكنه رآه باحتقار واعتقاد أنه يتيم أبى طالب؛ فلم تنفعه تلك الرؤية. وأنت يا أخي لو اجتمعت بقطب الوقت ولم تتأدب لم تنتفعك تلك الرؤية، بل كانت مضرتها عليك أكثر من منفعتها.

وإذا فهمت ذلك أيها السالك، فتأدب بين يدى الشيخ، واجتهد أن تسلك أحسن المسالك، وخذ ما عرفت بجد واجتهاد، وانهض فى خدمته وأخلص فى ذلك لتَسُد مع من ساد، کما قال:

(12) وقدم الجد وانهض عند خدمته * عساه یرضي وحاذر أن تکن ضجرا

(13) فقى رضاه رضى البارى وطاعته * يرضي علیك فکن من ترکه حذرا

أی: وانهض فی خدمة الشیخ بجد، فعساك تحوز رضاه فتسود مع من ساد، واحذر أن تضجر ففي الضجر الفساد، ولازم أعتاب بابه فى الصباح والمساء لتحوز منه الوداد، وما أحسن ما قيل:

إصبر على مضض الادلاج فى السحر * وللنذور على الطاعات بالبكر

وقل من جد فى أمر يؤمله * ما استصحب الصبر إلا فاز بالظفر

فإن ظفرت أيها السالك برضاه، رضي الله تعالى عنك، ونلت فوق ما تمنيت، فاستقم أيها الأخ فى رضى شيخك وطاعته، تظفر بطاعة مولاك ورضاه، وتفوز بجزبل كرامته، فعُضَّ أيها الأخ بالنواجذ على خدمة الشيخ إن ظفرت بالوصول إليه، واعلم أن السعادة قد شملتك من جميع جهانك إذا عرفك الله تعالى به، وأطلعك تعالى عليه، فإن الظفر به -لاسيما فى هذه الأيام- أعز من الكبريت الأحمر.

واعلم أن طريق القوم دراسة وحال من يدعيها كما ترى، لكن إذا ساعدتك العناية ظفرت وشممت من نفحة طيبه ما يفوق المسك الأذفر، ولذلك قال رضى الله تعالی عنه وعنا، به آمین:

(14) واعلم بأن طريق القوم دارسة * وحال من يدعيها اليوم كيف ترى

(15) متى أراهم وأنى لي برؤیتهم * أو تسمع الأذن مني عنهموا خبرا

(16) من لي وأنى لمثلي أن يزاحمهم * على موارد لم آلف بها كدرا

(17) أحبهموا وأداريهم وأوثرهم * بمهجتي وخصوصاً منهم نفرا

شرع الشيخ رضى الله عنه يُشوّق السالكين إلى طريق أهله، ويخبرهم أن طريقهم دراسة وحال من يدعيها اليوم كما ترى فى الفِترة، حتى كادت الهمم أن تكون من الطلب آيسة، وهكذا شأن طريق القوم لعزتها كأنها فى كل عصر مفقودة، ولا يظفر بها إلا الفرد بعد الفرد، وهذه سنة معهودة، وذلك أن الجوهر النفيس لا يزال عزبز الوجود، يكاد لعزته أن يحكم بأنه ليس بموجود، والطريق أهلها مخفية فى العالم خفاء ليلة القدر فى شهر رمضان، وخفاء ساعة الجمعة فى يومها، حتى يجتهد الطالب فى طلبه بقدر الإمكان، فإن من جدّ وجد، ومن قرع الباب ولجَّ؛ ولج.

قلت: بعد أن ذكر لا بد من الشيخ فى الطريق على سبيل السؤال والجواب: كيف تأمرنا بذلك وقد قيل: إن وجود الشيخ كالكبريت الأحمر، وكالعنقاء! من ذا الذي بوجودها يظفر؟ كيف تأمرني بتحصيل من هذا شأنه؟! فقال: لو صدقت فى الطلب، وكنت فى طلبه كالطفل والظمآن لا يقر لهم قرار، ولا تسكن لوعتهم حتى يظفروا بيمقصودهم.

فأشار الشيخ رضي الله عنه إلى أن الشيخ موجود، وكيف لا يكون موجوداً وعمارة العالم إنما هى بأمثاله؛ فإن العالم شخصٌ والأولياء روحه، فما دام العالم موجوداً، لا بد من وجودهم، لکن لشدة خفائهم وعدم ظهورهم؛ حُكم بفقدانهم، فاجتهد أيها الآخ، واصدق فى الطلب تجد المطلوب، واستعن على ذلك الطلب بمدد علام الغيوب؛ فإن الظفر لا يحصل إلا بمجرد فضله، وإذا أوصلك إلى الشيخ فقد أوصلك إليه- كما قلت فى الحكم: سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه، ثم إن الشيخ رضى الله عنه لما ذكر عزة الطريق وفقدان أهلها، شرع يتأسف على الاجتماع بهم ويتمناه، ويستبعد من نفسه حصول ذلك، واتنشرف بلقائهم، تواضعاً منه وانكساراً، وهضما لنفسه واحتقاراً، ولذا قال بعد ذلك: من لي وأنى لمثلى أن يزاحمهم الح 

وهذا شأن العارف لنفسه بنفسه، الممتلي من معرفة ربه، المتحلى بواردات قدسه، لأنه لا یری لنفسه حالاً ولا مقالاً، بل يری نفسه أقل من كل شيء، وهذا هو النظر التام، كما قيل:

إذا زاد علم المرء زاد تواضعا * وإذا زاد جهل المره زاد ترفعا

وفى الغصن من حمل الثمار مناله * فإن يعْرَ عن حمل الثمار تمَّنعا

فانظر إلى الشيخ أبى مدين ورفعته فى الطريق، مع أنه وصل من تربيته اثني عشر ألف مريد، وانظر إلى هذا التنزل منه والتدلي بأغصان شجرة معرفته إلى أرض الخضوع والانكسار، حتي أنه لم ير نفسه أهلاً للاجتماع بأهل هذه الطريقة، ويزيده هذا الانخفاض من الارتفاع؛ لأن الشجرة لا يزيدها انخفاضها فى عروقها إلا ارتفاعاً فى رأسها، فتواضع أيها الأخ فى الطريق، وخذ هذا الأصل العظيم من هذا العارف المتمكن يَزُل عنك كل تعويق، ثم قال رضى الله تعالى عنه بعد ذلك: أحبهموا إلخ، أی: وإن لم أکن انا منهم، فإني أحبهم، ومن أحب قوماً فهو منهم، كما ورد في الحديث: (المرء مع من أحب)، وكما قيل:

أحب الصالحين ولست منهم * لعلى أن أنال بهم شفاعه

وأكره من كانت بضاعته المعاصي * وإن كنا سواء فى البضاعه

وهذا أيضاً منه- رضى الله تعالى عنه -من تمام التنزل السابق، وتكميلاً وتتميماً، ولهذا تواضع الذی لم یلحق جواد شرفه فی میدانه لاحق نفعنا الله تعالی ببرکاته ووفقنا من معاملاته؛ لأن هذه خصال القوم وصفاتهم، ولذلك ارتفعت ربيهم، وجزلت عطيتهم، كما وصفهم رضى الله تعالى عنه، بقوله:

(18) قوم كرام السجايا حيث ماجلسوا * يبقى المكان على آثارهم عطرا

(19) يهدي التوصف من أخلاقهم طرقا *  حسن التألف منهم راقني نظرا

(20) هم أهل ودى وأحبابي الذين هم * ممن يجر ذيول العز مفتخرا

(21) لازال شملی بهم فی الله مجتمعا *  وذنبنا فيه مغفورا ومغتفرا

(22) ثم الصلاة على المختار سيدنا * محمد خیر من أوفى ومن نذرا

أي: قوم سجاياهم كريمة، وهمتهم عظيمة، حیثما جلسوا تبقي آثار نفحات عطرهم في المكان ظاهرة، وأين ما توجهوا سطعت شمس معارفهم، فتشرق القلوب، وتصلح بهم الدنيا والآخرة، يهدى التصوف للسالك المشتاق من أخلاقهم طرقاً مجيدة تدل على الطريق، ويسير فى سلوكه سيرة حميدة، فلذلك جمعوا أحسن تأليف حتى راق کل ناظر، ووجد فيه کل معنى لطیف، حتى اكتحلت بكحل أثمدهم أنوار البصائر، ولذلك قال الشيخ رضی الله تعالی عنه بعد ذلك: هم أهل ودي وأحبابي إلخ.

فإن الشخص لا يحب إلا من يأنسه، ولا یود إلا من کان بینه وبینه مؤانسة وفى هذا الكلام إشارة إلى أنه رضى الله تعالى عنه من جملتهم وطينته من طينتهم وما تقدم منه في التواضع والانكسار دليل على التحقيق فى هذا المجد والفخار كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، فنسأل الله تعالى أن يسلك بنا أحسن المسالك، ثم دعا وسأل أنه لا يزال شمله مجتمعاً بهم فى الله تعالى وذنبه مغفوراً، ونحن نسأله أیضاً: إتمام الصلاة والسلام على سيدنا محمد المختار خیر من أوفى، ومن نذر ومن أكرم الجار. وعلى آله وصحبه السادة الأبرار. والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم القرار. 

وهذا الرقم لمن تعطش ليله فى معانى هذه الأبيات، وإلا فنحن معترفون بالعجز والتقصير عن معانيها وإنما الأعمال بالنيات، والله أعلم.

_______________________________________________

(هذه القصيدة لشيخ الشيوخ أبي مدين)

( أعاد الله علينا من بركات علومه آمين)

(والتخميس لسيدى الشيخ محي الدين بن العربي قدس الله سره)

يا طالبا من لذاذات الدنا وطرا * إذا أردت جميع الخير فیك يرى

المستشار أمين فاسمع الخبرا * (مالذة العيش إلاصحبة الفقرا)

( م السلاطين والسادات والأمرا)

قوم رضوا بيسير من ملابسهم * والقوت لا تخطر الدنيا بهاجسهم

صدورهم خاليات من وساوسهم * (فاصحبهموا وتأدب في مجالسهم)

( وخل حظك مهما قدموك ورا)

اسلك طريقهموا إن كنت تابعهم * واترك دواعيك وأحذر أن تراجعهم

فيما بريدونه واقصد منافعهم * (واستغنم الوقت واحضر دائماً معهم)

(واعلم بأن الرضا يختص من حضرا)

كن راضيا بهموا تسمو بهم وتصل * إن أثبتوك أقم أو إن محوك فزل

وإن أجاعوك جع أو أطعموك فكل* (ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل)

(لاعلم عندى وکن بالجهل مستترا)

ولا تکن لعیوب الناس منتقدا * وإن یکن ظاهرا بین الوجود بدا

وانظر بعين كمال لا تَعِب أحداً * (ولا ترى العيب إلا فيك معتقدا)

(عيباً بدا بينا لكنه استترا)

تنل بذلك ما ترجوه من أرب * والنفس ذلل لهم ذلاً بلا ريب

بل كل ذلك ذل ناب عن أدب * (وحط رأسك واستغفر بلا سبب)

(وقم على قدم الإنصاف معتذرا)

إن شئت منهم بريقا للطريق تشم * عن كل ما يكرهوه من فعالك دم

والنفس منك على حسن السؤال أدم * (وإن بدا منك عيب فاعترف وأقم)

(وجه اعتذارك عما فيك منك جرى)

لهم تملق وقل داووا بصلحكم * بمرهم العفو منكم داء جرحكم

أنا المسيء هبولي محض نصحكم * (وقل عبيدكم أولى بصفحكم)

(فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا)

لا تخش منهم إذا أذنبت همتهم * أسني وأعظم أن ترديك عشرتهم

ليسوا جبابرة تؤذيك سطوتهم * (هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم)

(فلا تخف دركا منهم ولا ضررا)

إذا أردت بهم تسلك طريق هدى * کن فى الذی يطلبوه منك مجتهدا

فى نور يومك واحذر أن تقول غدا * (وبالتفتي على الاخوان جدأ بدا)

(حساومعنا وغض الطرف إن عثرا)

أصدقهم الحق لا تستعمل الدنسا * لأنهم أهل صدق سادة رؤسا

واسمح لكل امرئ منهم إليك أسا * (وراقب الشيخ في أحواله فعسى)

(يرى عليك من استحسانه أثرا)

واسأله دعوته تحظى بدعوته * تنل بذلك ما ترجو ببركته

وحسّن الظن واعرف حق حرمته * (وقدم الجد وانهض عند خدمته)

(عساه یرضی وحاذر أن تکن ضجرا)

واحفظ وصيته زد من رعايته * ولبه إن دعا فورا لساعته

وغض صوتك بالنجوى لطاعته * (ففي رضاه رضى الباري وطاعته)

(یرضی علیك فکن من تركها حذرا)

والزم بمن نفسه تفس مسابقة * فى ذا الزمان فإن النفس آيسة

منهم وحرفتهم فى الناس باخسة * (واعلم بأن طريق القوم دارسة)

(وحال من يدعیها الیوم کیف ترى)

يحق لي إن نأوا عني لألفتهم * ألازم الحزن مما بي لفرقتهم

على انقطاعي عنهم بعد صحبتهم * (متى أراهم وأنى لي برؤيتهم)

(أو تسمع الأذن من عنهم خبرا)

تخلفي مانعي من أن ألائمهم * منهم أتيت فلمني لست لائمهم

يا رب هب لى صلاحاً كى أنادمهم * (من لي وأنى لمثلي أن يزاحمهم)

( على موارد لم ألف بها كدرا)

جلت عن الوصف أن تحصى ماآثرهم * على البواطن قد دلت ظواهرهم

بطاعة الله فى الدنيا مفاخرهم * (أحبهم وأداريهم وآثرهم)

(بمهجتى وخصوصا منهم نفرا)

قوم على الخلق بالطاعات قد رؤسوا * منهم جليسهم الآداب يقتبسوا

ومن تخلف عنهم حظه التعس * (قوم كرام السجايا حيثما جلسوا)

(يبقى المكان من آثارهم عطرا)

فهم بهم لا تفارقهم تزد شغفاً * وإن تخلفت عنهم فانتحب أسفا

عصابة بهم يكسى الفتى شرفا * (يهدي التصوف من أخلاقهم طرقا)

(حسن التألف منهم راقني نظرا)

جررت ذيل افتخارى فى الهوى بهم * لما رضونى عبيداً فى الهوى لهم

وحقهم فى هواهم لست أنساهم * (هم أهل ودي وأحبابي الذين هم)

(ممن يجر ذيول العز مفتخرا)

قطعت فى النظم قلبي في الهوى قطعاًَ * وقد توسلت للمولى بهم طمعا

(أن يغفر الله لي والمسلمين معاً * لا زال شملى بهم فى الله مجتمعا)

(وذنبنا فيه مغفورا ومغتفرا)

يا كل من ضمه النادى بمجلسنا * ادع الاله بهم يمحو الذنوب لنا

وادعوا لمن خمّس الأصل الذى حسنا * (تم الصلاة على المختار سيدنا)

(محمد خير من أوفى ومن نذرا)

تم بحمد الله طبع هذا الكتاب المستطاب المذيل بخير تخميس راق لأولى الألباب

وذلك على نفقة عبدالله عد الاسنوي

بالمطبعة العثمانية المصرية فى رجب سنة ١٣٥٣ هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم  التحية

آمین






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق