ألا في الفتنة سقطوا
محمد جلال كشك
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: هذا الكتاب هو تحليل عملي للفتنة الطائفية بين النصارى والمسلمين في فترة الرئيس السادات، والتي اشتعل فتيلها في نوفمبر ١٩٧٢، قعرضها المؤلف بالوثائق والإثباتات، موضحاً أسبابها ودوافعها والعوامل المؤثرة فيها، وأن اليد الخفيّة التي لعبت فيها هي القوى الأمريكية والصهيونية، سيما وأنها جاءت في الفترة التي اتخذت مصر قرارها التاريخي بمواجهة إسرائيل عسكرياً، الأمر الذي تم في أكتوبر ١٩٧٣.
وحيث أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة المصرية في الشرائع والمعاملات وجل القوانين، فهو يمثل الهوية الذاتية والعربية للمصريين، هذا ما اتفقت عليه الطوائف المصرية، الإسلامية والنصرانية، وقد تصدى بعض المفكرين من الأقباط لمحاولات ضرب الحالة الوطنية المصرية، والتي تهدف إلى إحداث شرخ في مكونات المجتمع المصري، وتحريك بواعث الحقد والضغينة للدخول في فتنة دامية.
وبينما كانت بعض التنظيمات الإسلامية غارقة في العزلة الفكرية والمجتمعية ومحاربة الأنظمة الحاكمة، بل والتساوق مع هذه الفتنة الدهماء، كان لا بد من طرح عملي لبرنامج إسلامي- قومي، يُحافظ على الوحدة الوطنية، ويتعامل مع الأقليات الغير مسلمة بإنصاف وعدالة، ويناقش قضاياهم الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، لأن إلغاء حقوقهم يعني إلغاء وجودهم وإنسانيتهم، وصرف لهم إلى أن يعادوا نظام الدولة وسياساتها.
ويناقش كل الأفكار التي تسهم في خلق المناخ الفكري الملائم لظهور هذا البرنامج الإصلاحي. وقد أعاد تعريف نظام الحكم، والخلافة، والإمامة، وأهل الشوى، والديمقراطية، كما أنه يجعل من الإسلام بالنسبة لغير المسلمين هو اختيار حضاري لا اختيار ديني.
وفي هذا الكتاب تحليل عميق لأكثر الكتابات التي تعمل على إذكاء الفتنة بين المصريين، في محاولة جادة لعلاجها، وقدّم المؤلف -لأول مرة- برنامجاً لسد جميع الثغرات التي قد تنفذ منها اليد الأجنبية، في محاولة لسد الطريق على قوى الفتنة هذه، أو محاولة العناصر القائمة فيها،
كما ناقش بوضوح برنامج تنصير المسلمين الذي أعده مؤتمر الكنائس الأمريكية، وبذلك يُعد مساهمة حقيقية في كشف اليد الثالثة، وتعزيز الوحدة الوطنية المصرية.
وصاحبه هو الكاتب محمد جلال كشك، مؤلف كتاب (مصريون لا طوائف)، الصادر عام 1941م، الكتاب الذي وصفه الأب "سرجيوس" بأنه أغنى الأقباط، وأغناه هو شخصياً عن الشكوى، والذي يُعد مرجعاً في الوحدة الوطنية، والذي يؤكد يوماً بعد آخر على عمق الوحدة الوطنية والتلاحم التاريخي بين مسلمي مصر وأقباطها، رافضاً نبرة الطائفية والفرقة، ومؤكداً أن المصريين أمة واحدة متماسكة عبر التاريخ لا مجرد طوائف متجاورة، مما جعله محط إشادة واسعة من كبار الشخصيات الوطنية والدينية في عصره.
___________________________________________________
مدخل
مع التسليم بأن الفتنة هي من صنع وتغذية القوى الاجنبية، ومع التسليم بأن هذه القوى قد خلقت اوضاعاً، واقامت مؤسسات وعلاقات تقوم على الفتنة، كي تعيش منها، إلا أنه من المتفق عليه أن القوى الخارجية لا يمكن أن تتحرك في فراغ، وأنها تستخدم اوضاعاً معينة، وتحرك قوى موجودة، فلابد أن يفضي تحركها إلى صدام، كما أنها تثير قضايا ربما لم يكن أحدٌ لينتبه إليها لو لم تثيرها قوى الفتنة..
لذلك يجب اتخاذ خطوات تسد الطريق على قوى الفتنة هذه، وعلى الاقل تعزل العناصر المخلصة عن تأثيرها وتضليلها - وقد أوضحنا أن الزعم بوجود أغلبية تمارس السيادة والتسلط والاضطهاد على أقلية مسالمة هي صورة تضليلية لا وجود لها..
الوضع الآن هو أغلبية مظلومة في رزقها مضطهدة في دينها، تواجه تهديداً بالإذلال والإبادة، وتعيش في ظل تحرش دائم لكل قيمها وطموحاتها المشروعة - وأقلية، جماهيرها مقتنعة بأنها مظلومة مسلوبة الحقوق، تقودها وتسيطر عليها تنظيمات مخلصها متضخم الإحساس بالذات، مسرف في طموحه، يعتقد أن لحظة تصفية الحساب قد حانت، غير منشغل أبداً بحماية الطائفة كما يقولون.. بل منشغل بأهداف تتراوح ما بين إلغاء الطابع الاسلامي للدولة، وبين حلم جنوني بإلغاء الاسلام كله..
وهناك بالطبع جماعات إسلامية مخبولة تجمع بين الجهل وضيق الافق وسوء الخلق، تظن أن العدو هو الأقباط، وغالبيتها ليست أكثر من دمية تحركها قوى الشر العالمية والصهيونية..
وفي مواجهة ذلك نطرح أولاً تصورنا للوضع وللقضايا المطروحة كما ورد في كتابنا عن الأقليات الصادر منذ عشر سنوات تقريبا ثم نطرح مشروعاً لمواجهة الفتنة.. ونبدأ بما عرضناه منذ سنوات فنقول:
• الإسلام هو دين الغالبية العظمى من الإمة العربية، والمحرك اأصيل لقوى هذه الأمة، وهو القادر وحده على خلق تيار التحرر والتجدد، وبذلك يشهد التاريخ المنتصر، وتجارب الحلول الفاشلة خلال ما يقرب من مائتي سنة، أو منذ الغزوة الأوروبية الأخيرة..
• الإسلام أو التشريع الاسلامي هو وحده التراث التشريعي والقانوني والفكري.. أو الحضاري الذي يمكن نسبته للمنطقة، فهو وحده الأصيل، غير المستورد ينبع من جذورنا فعلاً، ويدخل في صميم تكويننا النفسي، وما من أمة تنهض إلا على مقوماتها الذاتية.
ومهما فتشنا، وبكل حسن النية والرغبة الصادقة؛ فليس لنا من تراث فكري أو قانوني أو هيكل حضاري أو ممارسات في الحكم والتشريع إلا التجربة الاسلامية، ومن ثم فإن التنكر لها - كما قلنا - يعني الإصرار على العبودية الفكرية والروحية، للحضارات الأخرى المعادية، والتي لا يمكن التفاعل معها، أو التعامل معهما على قدم المساواة، بل لابد من الفناء فيها.
فالاسلام هو الذاتية العربية أو المصرية..
• الحركات المسيحية الوطنية ورجال الكنائس العربية، وفي مقدمتهم كنيستنا المصرية، نظروا دائماً للإِسلام هذه النظرة. فالمسيحية من ناحية، لم تطرح فكراً يتعلق بتنظيم الدولة أو الحكم، بل تجنبت ذلك بوضوح تام واصرار شديد منذ قولة المسيح الاكثر من مشهورة: ((اعطوا ما لقيصر لقيصر)) أي: أن الحكم هو من شأن رجال الدولة، وليس لرجال الدين المسيحيين فيه من حق، ولا للمسيحية فيه برنامج محدد، ((لأن من ينهاهم عن محبة العالم وما فيه، لا يقرر لهم معاملاته))، ولأن المسيح رفض حتى أن يقسم للرجل ميراثه مع أخيه.
وقامت العلاقة بين الكنيسة والسلطة على هذا المبدأ الذي قرره الأنبا اثناسيوس ((ليس لرجال الدين أن يمارسوا حكماً أرضيا، ولا للامبراطرر أن يقوم بعمل كنسي)). فهذا من ناحية المبدأ، أما من ناحية الممارسة، فلم تقم أبداً سلطة مسيحية وطنية في العالم العربي، لأن كنائسنا بدأت منشقة عن سلطة روما - بيزنطة، وكانت محاربة من هذه السلطة، ولم تأمن على دينها إلا في ظل السلطة الإسلامية بعد الفتح التعريبي.. ولذا فليس لها أي تراث سلطوي. ومن ثم - كما قلنا - ليس أمامنا جميعاً في الوطن العربي، مسلمين ومسيحيين، إلا أحد حلين في إقامة الدولة العصرية المطلوبة: إما الاعتماد على تراثنا، استقراءه وتطويره.. أو استيراد نموذج اجنبي وتحويل بلادنا وشعوبنا إلى حقل تجارب، وحيوانات مختبر بلا هوية ولا ذاتية.
• المسيحي العربي قَبِلَ أن يُحكم بتشريعات لا تنتسب للمسيحية، سواء لأن المسيحية لا تقدم تشريعات للحكم أو لأن القوانين الغربية الحديثة، لا تهتم بإعلان نسبتها الى الدين، بل بعض هذه القوانين استورد من دول تنكر الدين وتجهر باستبعاده. ومن ثم فلا معنى لرفض المسيحي العربي تشريعاً صالحاً لمجرد أنه صادر عن الفكر الاسلامي.
• النزاعات الطائفية في أوساط الأقليات، والتي ظهرت بشكل سافر في الأيام الأخيرة، ترجع بالدرجة الأولى إلى النشاطات الخارجية التي تستهدف ضرب الحركة الوطنية وتمزيق الوحدة الجماهيرية، وهو دور مفهوم وقديم، ويتم الآن لحساب الهيمنة الاسرائيلية، وقد عملت على نجاحه الأجهزة العالمية في الدول المؤيدة لإسرائيل، والمتخوفة من احتمال انبعاث الوطنية العربية.
ويمكن استقصاء الجذور الفكرية، بل حتى البرنامج العملي لتحركات الطائفية في مؤلفات ونشرات صدرت في الخارج على يد مؤلفين أجانب، لهم اتصالاتهم بأجهزة المخابرات، والتي تنبه لها عدد من العلمانيين، من المسلمين والمسيحيين، بل وبعض المتدينيين من المسيحيين فثاروا لوطنيتهم، وحذروا مواطنيهم مما يدبر لهم (انظر كتابات الأب متى المسكين، والأب غريغوري حداد، والدراسة الموسوعية الممتازة لطارق البشري، وكتابات المؤرخ والمفكر القبطي البارز وليم سليمان، الذي يكشف بالوثائق، الأصابع الأجنبية، والمعادية لاستقلالية الكنائس العربية الوطنية، ودورها في إحدث الفتن.. وانظر ايضاً نشاط البروفيسورة إيفون حداد).
إلا أن هذه الأصابع الأجنبية لا تتحرك في فراغ، والفتنة تحتاج لمتعصب في كلا الجانبين، والشارع الإسلامي لا يخلو من تأثيرات شريرة، ولكن أهم من ذلك كله، في اعتقادي - أن التيار الاسلامي قد وقف جامداً، لم يحاول أن يطرح برنامجاً قومياً، يكسب اليه الجماهير والقيادات المسيحية الوطنية.
وقد أدت العزلة الفكرية، إلى عزلة تنظيمية، وجفوة.. فاحتكاكات.. وقد آن الأوان لطرح هذا البرنامج الإسلامي - القومي، ولعل هذا الحديث وما قد يثيره من مناقشات، يشكل مساهمة في خلق المناخ الفكري الملائم لظهور هذا البرنامج.
• لم تعد هناك قضية ذميين أو أهل ذمة، فتلك قضية تاريخية مصاحبة للفتح، وللدولة التي قامت على أساس الفتح الاسلامي، ولا وجود لها اليوم. فكل الأوطان العربية يسكنها مواطنون شركاء في الوطن والتاريخ والحقوق والواجبات.
• لا مجال للحديث عن الجزية، فهي قد شرعت من نص الآية، على المحاربين الذين ينهزمون ويرفضون الدخول في الاسلام. ونحن لا نحارب مواطنينا المسيحيين ولا نعرض عليهم لا الاسلام ولا السيف.
• ولهم ما لنا وعليهم ما علينا هي الاساس الدستوري الاسلامي في كفالة المساواة الدائمة، ولا يجوز لأحد أن ينقح الحكم الشرعي، فيجعله، ((لهم بعض ما لنا، وعليهم بعض ما علينا)) ؟ أما عن الممارسات التاريخية، فيجب النظر اليها من واقع الظروف التاريخية لدولة ظهرت في ظروف شديدة الخصوصية، وامتدت من خلال الصراع المسلح مع دولة مسيحية ظلت تشكل الخطر الدائم عليها أو المواجه الرئيسي لها.
كما يجب الاخذ في الاعتبار الظروف التي نشأت فيها الدولة الإسلامية، وممارسات الشورى الأولى. فالمدينة لم تكن بها أقلية مسيحية يعتد بها أو تمثل جزءاً أساسياً من مواطنيها. واليهود كان لهم وضعهم الخاص، فهم الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانوا يرفضون الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، ويعتبرون هذا الاندماج مؤامرة على جنسهم، حتى لو سمح لهم بالاحتفاظ بدينهم.
فهم يعزلون أنفسهم ويشكلون كيانا منفصلاً. والثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاول الدخول معهم في تنظيمات إدارية تستند الى الاعتراف ((بحقوق لهم)). ولكن نتيجة موقفهم، وحرصهم على التميز، أدى إلى جعل هذه التنظيمات شكل العلاقات الدولية بين كيانين. حتى وصفت بالمعاهدة. وإن کانت قد أكدت أن العلاقة الطبيعية التي يبدأ بها الاسلام هي التعايش لا المحاربة. إلا أن هذه العلاقة لم تتطور الى المواطنة، أو المشاركة، بل جاءت الحرب فصفت الوجود اليهودي نهائياً.
فهم لم يعتبروا مواطنين ابداً، ولا حتى أهل ذمة، ولا هم اعتبروا أنفسهم مواطنين أو جزءاً من الكيان العربي.. أما عمر رضي الله عنه، فقد أجلا اليهود والمسيحيين من جزيرة العرب، لضرورات الأمن خلال أكبر حرب خاضتها جزيرة العرب أو حتى عرفتها المنطقة، حرب غيرت وجه المنطقة إلى الأبد.
وفي الأربعينيات من القرن العشرين اعتقلت الولايات المتحدة جميع مواطنيها من أصل ياباني -وهي تحارب اليابان التي يفصلها عنها المحيط الهادي كله.. وهي تمتلك قنبلة ذرية.. وعمر رضي الله عنه كان يكره حتى السماح بوجود العبيد الفرس، المأسورين في الحرب مع فارس، ويستشعر الخطر منهم على أمن العاصمة- لولا فتاوى ابن عباس والعباس، وقد تحققت مخاوفه رضى الله عنه بأفدح ثمن.. مصرعه بأبي وأمي...
في زمن كان الدين هو الولاء، ولم تكن القوميات ولا مفهوم الوطنية قد ظهر، أكان عمر يترك اليهود والنصارى في جزيرة العرب وكل شبابها القادر على حمل السلاح في قلب فارس وجبال الشام ؟ ولا أدل على أنه ليس موقفا طائفياً، بل هو سلوك عمر وسلوك الفاتحين المسلمين مع المسيحيين واليهود في الشام ومصر...
المهم لم يكن في جزيرة العرب، وبالأحرى في المدينة، غير المسلمين حتى نستدل من عدم اشتراكهم في الشورى في ذلك الوقت على عدم جواز اشتراكهم فيها للأبد.. أو سقوط حقهم في تولي مناصب الدولة.. ثم لا يجوز أن نغفل التصور الخاص والمنطقي في ذلك العصر لفكرة السلطة.
وقد رفض المسلمون أن تكون الامامة في الأنصار بحجة واحدة حاسمة هي أن: ((العرب لا تطيع إلا هذا الحي من قريش)). ورغم وضوح التفسير، وأنه لا يعتمد على نص أو فقه يحرم الخلافة على غير قريش، وأنه ضرورة سياسية تلجأ اليها الدولة، أو النخبة الواعية القائدة، إلا أن بعض الذين يرون في جميع الاجتهادات نصاً دينياً، ويعتقدون أن النص يجمد التاريخ وليس يفسره ويحركه للامام، هؤلاء ما زالوا يتحدثون في القرن الخامس عشر عن إعادة الخلافة الى قريش..
مع أننا قلنا لهم أنه لو صح حديث: ((الخلافة في قريش ما أقاموا الدين)) فهو من أحاديث النبوءات وليس التشريع؛ كقوله صلوات الله عليه: ((لتتبعن حذو من سبقكم حتى اذا دخلوا جحر ضب)).. أو قوله: ((ثم يصبح ملكا عضوضا)) فيكون الذين اقاموا الملك العضوض - بهذا المفهوم - هم الذين اقاموا السنة.. وأطاعوا الرسول !!...
وعمر رضي الله عنه عندما عين مجلس الشورى للخلافة، لم يجد إلا ستة يستحقون هذا الأمر، وكما بينا خطأ الاستلال بهذه الأحداث، على حرمان المسلمين من خارج قريش من حقوق أهل الحل والعقد، كذلك لا يجوز الاستدلال بها أو غيرها في معاملة الاقليات اليوم.
فهذه ظروف تاريخية اجتهد فيها ائمتنا، فأحسنوا الاجتهاد، ولا يجوز كما علمنا عمر رضي الله عنه أن نجعل اجتهاد البشر قيداً على حركة التاريخ.. وعلى امكانات الدين الصالح لكل زمان ومكان. فمن طبيعة الزمان التغير وطبيعة المكان الاختلاف. ومن ثم فباب الاجتهاد مفتوح الى يوم القيامة لمواجهة هذه المتغيرات.
لم يعرف التاريخ الاسلامي مجلساً تشريعياً بالمفهوم المعاصر، حتی يمكن أن نستشهد به على تمثيل الأقليات، ولا جرت انتخابات بالمعنى المفهوم. كانت البيعة تتم في نطاق معين، فمهما قيل عن عدد الذين اشتركوا في اجتماع السقيفة.. فلا يمكن القول أن بيعة أبي بكر قامت بانتخاب المسلمين في جميع انحاء الجزيرة العربية كما يفهم من انتخابات اليوم.. والذين كانوا خارج السقيفة مباشرة لم يعرفوا النبأ ألا بعد أن تمت البيعة.
وإنما يجوز القول أن الحزب الحاكم أو أهل الحل والعقد رشحوا أبا بكر في السقيفة واستفتيت الأمة عليه في البيعة العامة بالمسجد، وكان الحق مكفولاً لأي مسلم في الاعتراض بالطبع...
وجيوش المسلمين في الشام وفارس لم تعرف ((بانتخاب)) عمر إلا عندما وصل النبأ بالبريد، وكان قد تولى السلطة فعلاً، وجاء نبأ ولايته مع قراره بعزل قائد الجيش الذي لم يشترك في انتخابه.. وإن كانت وقائع التاريخ لا تشير إلى أنه - أي قائد الجيش - قد رأى أن من حقه معارضة ما اتفق عليه المسلمون في المدينة.
وقد أشرنا الى حصر عمر حق الانتخاب والترشيح في ستة.. فهل يجوز أن نستشهد بذلك على أن المسيحيين ليس لهم حق الانتخاب ؟
إذا كان عمر بن الخطاب لم يجد ((عمرو بن العاص)) فاتح مصر، أهلاً لا للترشيح ولا حتى الانتخاب، ونفس الشيء عن معاوية حاكم الشام وأمير المؤمنين فيما بعد.. فهل كنا نتوقع أن يعين عمر في مجلس الشورى قبطياً مصرياً أو مسيحياً شامياً؟.. وهل يجوز أن نستدل بأنه لم يفعل، على عدم جواز تولي المسيحيين اليوم عضوية تشكيلات الحل والعقد ؟!...
حسب هذا السلف الصالح، أنهم اقروا مبدأ البيعة، أي جعل الشرعية، لا تكتمل إلا بموافقة الأمة. فالحكم لا يغتصب ولا يورث بالدم الأزرق. ولا ينتزعه قائد منتصر. وإنما القيادة السياسية، ترشح وتختار ثم تعرض الأمر على الأمة، أو على الجماهير معترفة بحقها في الرفض أو حتى الخلع. وكله حدث.. فقد قتلت الجماهير أحد الخلفاء، ورفضت الجماهير -وبعض أهل الحل والعقد - خليفة آخر.. ورفض الحسين خلافة يزيد.. الخ. ورأى الرافضون أن من حقهم، بل وواجبهم الاسلامي، مقاتلة الخليفة أو الأمير المرفوض حتى يخلعوه.
كل شروط الديموقراطية، كل مباديء الشورى -بمعنى وجود الرأي الجماعي، لا الاستئناس برأي البعض فقط! كل صيغ الرقابة من الأمة على السلطة، كما أن كل الأدلة التي تؤكد أن الأمة هي مصدر السلطات، طرحت وتأكدت بممارسة هؤلاء الأئمة في الصيغ المناسبة لظروفهم وبيئتهم، وبقى علينا أن نبني على هذه الأسس الصيغ الديموقراطية التي تناسب عصرنا.
فليس من الضروري أبداً أن يكون رئيس الدولة هو الإمام، ولا أن ينتخب مدى الحياة. نحن نرى أن منصب رئيس الدولة ليس محدد الصيغة في الاسلام، فقد بويع للخلفاء ومدى الحياة، ثم جاء الملك الوراثي، مع استمرار البيعة وهو ايضاً مدى الحياة بالطبع، وإن كُنّا شخصياً نؤمن بالنظام الملكي، ونعتقد أنه هو الأفضل للبلاد العربية والإسلامية عموماً، وأنه يحل مشكلة رئاسة الدولة، وقضية الحق ((النظري)) للأقليات في التطلع اليها.
لأنه في الدول الملكية تتقبل شعوبها؛ حصر رئاسة الدولة في عائلة هي عادة من دين ومذهب أو حتى جنس ولون الاغلبية، وهذا يفسر تشبث الإنكليز بالملكية، لأنها تبعد عن رئاسة الدولة، الكاثوليكي واليهودي..
وانظر المشاكل التي بدأت تظهر في أمريكا أو الوحدة الوطنية في بعض البلاد العربية، وما يمكن أن يحدث لو أصبحت جمهورية.. الخ. إلا أننا نقول أنه في النظام الجمهوري، ورغم تأكدنا، بأن الأغلبية ستختار رئيس الجمهورية من بينها، فإننا لا نرى مانعا ((نظرياً)) من قبول حق أي مواطن في ترشيح نفسه، فضلاً عن أن يصوت في انتخابات الرئاسة.. طالما أن الرئيس يقسم على احترام ((الدستور الاسلامي)) ويتعهد بحمايته وتنفيذه..
أما ما يُثار من دفوع شكلية، مثل أن الرئيس في الدولة الاسلامية هو قائد الجيش أو الامام الذي يؤدي الصلاة الجامعة، فتلك قضايا تارخية ونظرية، لم تقع إلا في عصر الرسول، عندما كان الاسلام في المدينة، والمسلمون يمكن جمعهم في مسجد واحد.. ولكن لا سيدنا أبو بكر ولا سيدنا عمر ولا سيدنا عثمان الذين قادوا الجيوش التي فتحت نصف العالم. والجيش الذي أدخل مصر في الاسلام، إلا أنه لم يسعفه الحظ كونه أمير المؤمنين أن يكون إماماً للصلاة طوال جهاده ومرابطته في مصر. ولا أظن أنه يدور ببال أحد أن رئيس الدولة الاسلامية سيصلي بكل رعيته.
لقد أصبح لكل مسجد إمامه. والخليفة العثماني استمر يحكم ويصلي به الإمام لعدة قرون. وقد انقسم الأمر إلى فقهاء وأمراء منذ ايام عمر بن الخطاب، الذي كان يقول: قضية ولا أبا حسن لها.. وهلك عمر لولا علي، في قضايا الفقه.
ولكنه لم يجد علياً أحق بالحكم منه لأنه أفقه. وما من دليل يثبت أن أمير المؤمنين يجب أن يكون أفقه أهل عصره، ولا حتى اكثرهم تديناً.. فيمكن أن يوجد فقيه أو شيخ للأزهر يصلي بأهل العاصمة، اذا تصورنا مسجداً يضم هذه الملايين.
أما أهل الحل والعقد، وهم في الدولة الحديثة، القيادات السياسية والمؤسسات الدستورية، فإننا لا نرى أي مبرر لمنع غير المسلمين من عضويتها وانتخاب أعضائها، فقد قرر ابن خلدون أن ((أهل الحل العقد)) هم الذين يطيعهم السواد الأعظم من الناس، ويقبلون قراراتهم. أو يحملهم ((أهل الحل والعقد)) بما لهم من قوة ونفوذ على الطاعة، أي: القوة التي تضمن وحدة الأمة، وتمنع انقسامها، أو ((الفتنة)) بالمصطلح الإسلامي.
وقد رأينا أنه لما فقد أهل الحل والعقد في المدينة السيطرة على العامة، انتقلت الشرعية أو السلطة للبيت الذي تعود حكم العرب والسيادة قبل ظهور الاسلام. وانتقل مركز القيادة نهائياً من الحجاز، ولم يعد اليه ابداً، فلما تبددت قوة العرب سقط الالتزام بأن تكون الخلافة في قريش، وأفتى الفقهاء بأنها ((لمن غلب)) وظهر أئمة من كل جنس ولون.. وبالتالي فأهل الحل والعقد هم الذين يحققون المصلحة العامة: وحدة الأمة وسلامة الوطن..
أي: هم القيادة السياسية لهذه الأمة، التي تكفل لها حرية وأمن ممارسة عقيدتها، وليس من الضروري أن تكون قيادتها الدينية، فابن عباس وابن عمر كانا يفتيان في المدينة، ((وابن هند)) يحكم في دمشق، ويوفر لهما الأمن من الخطر الفارسي والرومي.. والفتنة الداخلية...
وكما قلنا من قبل، لا يمكن قبول حزب سياسي في الساحة يسعى للسلطة، حتى ولو كان تحت شعار بناء الدولة الاسلامية أو حكم الاسلام إلا إذا ضم بين صفوفه نسبة من المواطنين غير المسلمين المؤمنين ببرنامجه السياسي، وإن رفضوه من الناحية الدينية، بمعنى أنهم يوافقون على أن هذا البرنامج هو الصيغة الوطنية..
فإن شاء ((لجوج)) مزعج، أن يطرح فرضية انتخاب الأغلبية المسلمة لحزب أغلبيته من المسيحيين ورئيسه مسيحي لاقامة دولة الاسلام ! فردنا: أنهم احرار فيما اختاروا لأنفسهم ليس لنا عليهم من سلطان، وليس لهم أن يحتجوا اذا ما أصبح ((أمير المؤمنين)) من أهل الذمة ((سابقاً)) فكيفما تكونوا يولى عليكم!
نحن لا نعتقد أنه من الناحية العملية سينتخب غير مسلم لمنصب رئيس الدولة أو حتى رئيس الوزراء حيث تصل نسبة المسلمين إلى تسعين بالمائة (( في الوطن العربي))، ومن ثم فالجدل حول هذا الموضوع ينبع من الرغبة في الشقاق وليس الاتفاق.
من الطبيعي أن يطالب هذا الحزب الناخبين من مسلمين وغير مسلمين بالتصويت لمرشحيه، ومن الطبيعي أن يكون له مرشحون من كل الديانات، ومن الطبيعي اذا فاز بالحكم أن يشكل الوزارة من أعضاء حزبه بنسبة تكوينه.
ونحن نعتبر النظام الاسلامي، هو الذي يأخذ بالديموقراطية، وبأوسع وأصدق الاشكال في تمثيل ارادة الشعب، ولا نقبل التحايل حول هذا المبدأ تحت شعارات من طراز ((نسيج الوحدة))، و((لا شرقية ولا غربية)) أو الطعن بفساد النظم الديموقراطية الغربية.. الخ. فنحن نعرف أن هذه النظم ناقصة، وهي لابد أن تكون ونعرف أن الاسلام نسيج وحده، لأنه يستطيع تغطية احتياجات كل عصر، وفي عصرنا الحاضر فإن ((الثوب)) الشرعي الذي نريده من النسيج الخاص، هو الديموقراطية، ولا بد أن يطرح ذلك بوضوح وبالتحديد...
• أما الجيش فلا بد أن يضم جميع المواطنين على قدم المساواة، يقاتل فيه المسلم جهادا في سبيل الله ويقاتل فيه المسيحي وطنية أو ((عن احسابهم)). ولا يجوز أن تتهم فئة من المواطنين بأنها غير مؤتمنة أو غير راغبة في الدفاع عن الوطن.
إن هذا الاتهام - لو صح - يسقط المواطنة، ويصل إلى الاتهام بالخيانة العظمى، ويصح فيه ((فتوى البدائع وفتح القدير)): ((أن الذي يسقط الذمة، خروج الذمي إلى دار الحرب أو خروجه على الدولة الاسلامية علناً، وبث الفتنة في البلاد))، وهي أعمال كما ترى تسقط الذمة والحماية عن شيخ الإسلام لو ارتكبها.. كذلك تسقط المواطنة برفض الدفاع عن الوطن، إذا ما تعرض لهجوم أو احتلال هو خروج على الدولة، والتحاق بدار الحرب ولو من ناحية الموقف العملي.
أما إذا كانت الحرب هجومية، أو جهادية بالمفهوم الذي طرحناه، وأيده في معظم كتاباته الشيخ ((سيد سابق)) أي: أن الدولة الإسلامية تشن حرباً على دولة تعتدي على حرية العقيدة، أو حرية الاختيار، أو تحاول الهيمنة وفرض سيطرتها الايدلوجية، أو السياسية، فإن المسيحي ملزم أو حتى متحمس للقتال، لأن دستور الدولة ينص على ذلك..
ولأن هذا الدستور ينص أيضاً على الحرب، اذا ما تعرض ((ذمى)) للاضطهاد في ذلك البلد حتى ولو كان بلداً إسلامياً.. فهو موقف إسلامي وإنساني في نفس الوقت، ينطلق من الدفاع عن حرية الاختيار والعقيدة، ويلزم الدولة بمقاتلة أي حاكم مسلم، يحاول فرض الاسلام على رعاياه غير المسلمين. ومن ساواك بنفسه فقد أنصفك وزاد !.
إما أن كانت الحرب الهجومية التي يدعو لها البعض، أي شن الحرب إبتداء على دولة غير معادية، وتكفل بالقانون والممارسة حرية العقيدة لرعاياها، وليست لديها تطلعات توسعية، الهجوم عليها لمجرد تطبيق مفهوم هذا البعض -الخاطىء - عن الجهاد، وهو ((إخراج العباد من عبادة أو سلطة العباد)) وإقامة سلطة إسلامية هناك.
فهذه الحرب، من حق غير المسلم معارضتها، فإن لم يفعل فسنبذل كل جهدنا لضمه إلينا في معارضتها، وحبذا بالسجن ضد قرار الحكومة من هذا النوع، بل وسنعمل على إسقاط الحكومة والغاء اجتهادها الخاطىء..
هذه حالة موجودة في البلدان الديموقراطية، حيث يرفض عدد من المواطنين ((التجنيد))؛ لأنهم لا يقرون مشروعية الحرب التي تجندهم الدولة لها، وهم يخضعون للعقوبات التي تفرضها الدولة، وهذا طبيعي وضروري، حتى ينتصر الرأي الآخر ويصبح هو القانون، ولكنه لا يسقط المواطنة عن أي من الطرفين.
وهذا ما نطالب به في ظل دولتنا الإسلامية شرط أن تبقي كل الاجتهادات في الإطار البشري، ولا يدَّعي أحد أنه يشرع من قبل الله أو بتفويض من الله، أو أن روح القدس تتقمصه عندما يتولى منصباً بين أهل الحل والعقد، فكلنا بشر وكلنا خطاءون، ولا سبيل لتغيير الخطأ إلا بمعارضته ودعوة الناس إلى إعادة التفكير.
وهكذا تسقط الجزية لسببين، أنه لا فاتح ولا مفتوح، ولأنه لا يمكن تصور قيام دولة حديثة تحرم على قسم من مواطنيها الخدمة العسكرية. فإذا ما اتفقنا على أن النظام الديموقراطي القائم على الانتخاب لجميع المناصب الرئيسية والسلطة التشريعية، ودون الخوض في التفاصيل، فهو يقوم على حق الأغلبية في التعيين والمحاسبة والعزل، والتشريع.
وما دمنا قد اتفقنا على هذا النظام، وأنه وحده في الحاضر وفي المستقبل المنظور، وهو أقرب الصيغ للنظام الإسلامي، وأقدرها على عكس فلسفة وروح الاسلام. فلا يحق لأي مواطن أو فئة أن تضع تحفظاً، أو تطلب ضمانات، فالأغلبية لا تملك أن تعطي الأقلية إلا ضمانة المساواة.
أما ما يترتب على تطبيق المساواة فلا أحد يتعهد به مقدماً، ولا أحد يحق له أن يشترط، وإلا فقدت المساواة معناها. فإذا رفض الناخبون المسلمون مثلاً انتخاب المسيحيين. كان على المسيحيين أن يسعوا ديموقراطياً لتغير موقف الأغلبية -لا أن يشترطوا لاعتبار الانتخابات حرة- نجاح نسبة من مرشحيهم..
لا.. هذا الشرط اخلال بالديموقراطية والمساواة، إذ يجعل المرشح غير المسلم يتمتع بامتياز خاص، وغالباً يكون إعطاء هذا الامتياز تغطية لسلب الجماهير ما هو أهم - كما قلنا - فالذي حطم وحدة باكستان، هو جيش الدولة المجوسية التي يترأسها مسلم !
كما تم الفتك بالسيخ في عهد الرئيس السيخي !... والفتك بغير المسلمين أيضاً.. والآن وقد صفينا موقفنا مع المسلمين.. نسأل غير المسلم ما هو مبرر اعتراضه عندما تختار الاغلبية، الإسلام، هوية للدولة، وتضع التشريعات التي تعتبرها مستوحاة من فلسفة وتشريع الاسلام، وغير متعارضة معها..
ما هو وجه الاعتراض ؟
التشريعات الدستورية - كما رأينا - ستكون في الإطار الديموقراطي سواء انتخب رئيس الدولة ملكاً أو رئيساً. وسيكون للمسيحيين كافة الحقوق، وعلى أساس المساواة التامة في تشكيل المؤسسات الدستورية.
تبقى القوانين الاقتصادية والاجتماعية والجنائية والشخصية:
النظام الاقتصادي، وهو قضية وطنية تهم جميع المواطنين، وتؤثر فيهم على السواء. ومن ثم فإن اختيار هذا النظام من حق الأمة. وطالما لم تكن هناك صيغة دينية مسيحية تفرض نظاماً اقتصادياً معيناً، أو تحرم نظاماً بعينه، فإن المسيحيين لن يضاروا ((دينياً)) من تبني المجتمع لصيغة اقتصادية بعينها.
والمسيحيون يعيشون - الآن - في ظل كافة اشكال النظم الاقتصادية المعروفة، ولا يرون في أيٍّ منها عدواناً دينياً على معتقداتهم. ومن ثم فلا مبرر لافتراض أنهم سيعادون نظاماً اقتصادياً بعينه لمجرد أن اخوانهم المسلمين يعتبرونه من دينهم !.
والحقائق المعروفة حتى الآن عن النظام الاقتصادي الاسلامي والتي يطالب المسلمون بفرضها، تكاد تعد على اصابع اليد الواحدة.
فالمسلمون يطالبون بالزكاة..
وهي لا تفرض إلا على المسلمين، وهي على أية حال ((ضريبة)) غير كافية لمواجهة أعباء الدولة في الظروف الحالية، ومن ثم ستكون هناك ضرائب أخرى يخضع لها الجميع.. ولن يفوت المشرع أن يحقق العدل الاقتصادي بفرض ضريبة على المسيحيين مقابل الزكاة، أو استقطاع قيمة الزكاة من الضريبة العامة على الإيراد التي يدفعها المسلم كما يجرى الحال مع التبرعات في معظم الدول، ويمكن للمسيحي أن يتبرع هو ايضا للاغراض الدينية أو الخيرية، ويعامل بالمثل.
المسلمون يطالبون بتحريم الربا..
وهذه قضية يثبت كل يوم صحة المنظور الاسلامي إليها، لا على الصعيد الفردي، ولا في اطار الوطن الواحد، بل على الصعيد العالمي. وإذا كان النظام المالي العالمي سينهار فسيكون السبب الأول هو ((الربا)) أو الفائدة..
وقد البرنامج الإصلاحي للجمهوريين أو الرئيس ريغان بالذات يكاد ينحصر في نقطة واحدة، وهي نجاحه في خفض معدل الربا.. ومعظم دول العالم الثالث على وشك الإفلاس بسبب الربا أو الفوائد على ديونها- وهي لو اعلنت افلاسها فستجذب معها إلى الهاوية، كل البنوك التي اقرضتها بالربا.. ثم تتداعي السلسلة.
فلو أمكن للمسلمين حقاً أن يقيموا نظاماً اقتصادياً داخل بلادهم، وفي علاقاتهم مع الدول الإسلامية على الأقل، بدون ربا، فسيكون هذا أهم تحرير لشعوب العالم الثالث بل واشارة للعالم الرأسمالي الغني، لكي يفكر في تغيير اسسه، وإلا فإن نظامه سينهار من القواعد دون حاجة الى غزوه.
أما اذا فشل المسلمون وتبين أنه لا يمكن العيش في هذا العصر دون الربا، فإننا نقول إنه ما من مجتمع ولا حضارة ولا دولة في التاريخ قَبِلَ الهلاك والدمار والانهيار، وإن لم تتمسك بالنص، فخذ حق التجربة، ونحن على يقين أن تحريم الربا هو أول شرط لتحرر شعوب العالم الثالث، وخطوة اساسية في بناء اقتصاد وطني ولابد من محاولتها.
وعلى أية حال أن المعارضة لتحريم الربا لا تستند لأي التزام ديني، فليس في دين المسيح، ما يلزم المسيحي بدفع أو قبض الفائدة.. وحتى إذا قيل: أنها غير محرمة في دينه، فكذلك ((الملكية)) مثلاً ليست محرمة، ولكن المسيحي قَبِلَ ويقبل التشريعات الاشتراكية التي تحد من ملكيته، وتحد من حقه في التصرف في هذه الملكية.
فالأصل أنه لا يجبر متدين على ممارسة ما يحرمه دينه، أما ما لم يرد فيه نص بالتحريم؛ فهو يخضع للمصلحة العامة وقرار الأغلبية.
ماذا بقى على اللائحة الاقتصادية الاسلامية يخشى غير المسلم أن يتعرض له إذا قامت دولة الاسلام ؟
لا شيء.. من ناحية المطالب المحددة، أما ما عدا ذلك فهي مبادىء عامة لا خلاف عليها إلا عندما تتحول إلى قوانين، وهذا الأمر سيكون -بإذن الله -مطروحاً للنقاش العام والتفكير المشترك والقرار للأغلبية.
ومن الناحية الاجتماعية؟.
ويبدو أننا يجب أن نكرر للمرة الألف، أنه ليس في المسيحية تشريعات دينية، في هذه القضايا.. لأن المسيح رفض أن يكون مَلِكَ اليهود، ورفضت الكنيسة من بعده أن تحكم مباشرة، أي: أن يكون رئيس الكنيسة هو رئيس الدولة.
والمجتمع الاسلامي اليوم يختلف في تشكيله واحتياجاته اختلافا جوهرياً عن المجتمع الاسلامي في صدر الاسلام، ومن ثم سنحتاج في كثير من القضايا إلى الاجتهاد لاستصدار تشريعات مناسبة، وهذه ستمر عبر القنوات التشريعية الوطنية، التي تمثل مجموع الأمة، فنحن بحاجة إلى تشريع للنقابات، ولمزاولة المهن الحرة، وتنظيم هذه المهن، وللأجور وساعات العمل، والمسرح والسينما والإِذاعة.. والضمانات الاجتماعية، والسلم الوظيفي والتقاعد.. وتنظيم الوزارات..
ولا استطيع أن أجد حالة يتحتم فيه الخلاف مع غير المسلمين لسبب دینی.
قد يثر البعض قضية الحجاب، أو ((التزمت)) الإعلامي، والحياة الاجتماعية، وقد أشرنا إلى ذلك في حديثنا عن تحريم الخمر، عندما قلنا أن التحريم سينظر إليه من الناحية الاجتماعية والصحية، وأن الدولة عندما تشرع لمنع الخمر لن تستند فقط لآية التحريم الملزمة بالطبع للمسلمين، بل إلى النتائج الثابتة من ناحية الضرر على صحة المواطن وسلامة المجتمع.
ولا أظن أن رجال الدين المسيحي سيثورون إذا منعت الخمر إلا في الطقوس الدينية، أو إذا رفع سن شرب الخمر للمسيحي إلى ٢١ سنة، أو حظرت قيادة السيارات على المسيحي إذا شرب أكثر من كمية معينة، لأن هذه التشريعات كلها موجودة في دول غير اسلامية، ويؤيدها رجال الدين المسيحيون هناك.
والاتجاه العام العالمي يميل نحو تحريم شرب الخمر، واعتبارها رسول الشيطان فعلاً.. وكل دول العالم تتمنى التخلص منها، ولكنها لا تستطيع.. لا لأن الاسلام حرمها والمسيحية أباحتها.. فالولايات المتحدة حاولت جاهدة أن تمنع الخمر، وحرمتها، ولم يرتفع صوت واحد يقول أن هذا المنع اعتداء على الدين المسيحي، أو حرية المسيحي في السكر..
ولكن السلطة الأمريكية فشلت بسبب الضعف البشري، وقوة الجهات المستفيدة من تسميم المواطنين، والذي انتصر في معركة الخمر في أمريكا هم المافيا، وتجار الخمر، وليس المسيحية.. تماماً كالتدخين الذي يجمع العالم كله على أنه سم قاتل، ولكن المؤسسات التي تحقق دخلاً هائلاً من زرع السرطان في صدور البشر تمنع إصدار القرار المنطقي بتحريمه.
ومن ثم إذا اختلفنا في موضوع الخمر، فلن يكون على أساس ديني، ولن يمتد التحريم إلى خمر القداس أو المراسم بحال من الاحوال..
أما عن ((الحدود))، فيمكن القول: إن الخمر رغم تحريمها بالقرآن والسنة والإجماع، لم يرد فيها حد لا في القرآن، ولا في السنة، ولذا فقد تركت ((لتقدير)) الحاكم. قال ((علي بن أبي طالب)) رضي الله عنه: إن حد الخمر ((لم يسنه رسول الله)) رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
وقال: ((ما كنت لأقيم على أحد الحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئاً إلا صاحب الخمر))؛ فإنه لو مات وديته، (أي دفعت ديته، كما في القتل الخطأ) وذلك لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يسنه)).
وفي عهد الرسول كانوا يضربون شارب الخمر بالثياب والنعال، وهو ما يحدث عادة للسكران اليوم ((في قسم البوليس)).
أما الحد الذي شك فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإنه يعطينا الحق في الاجتهاد على ضوء الظروف الاجتماعية والسياسية. والطبية، مطمئنين إلى أن الاتجاه العام في العالم كله يميل إلى وجهة نظر الاسلام بأن شرور الخمر أكبر من أي احتمال لمنافعها.
أما موضوع ((الحجاب)) أو بمعني أصح احترام انسانية المرأة، الكف عن التطلع إلى لحمها، والتعامل مع عقلها أولا، فلا أظن أن رجل الدين الاسلامي أكثر تزمتاً من رجال الدين المسيحيين، والمرأة المسيحية المتدينة لا تقل احتشاماً وعفة وتحجبا عن المرأة المسلمة في صعيد مصر أو ريف الشام.
وكل الرجال والنساء من المسيحيين والمسيحيات يريدون ويسعدهم أن تفرض علاقات اجتماعية سليمة تحمي ابناءهم وبناتهم من مشاكل الإباحية والتحلل، ولا أظن أن كثيراً من المجتمعات تبيح لبعض أفرادها الاعفاء من القانون الاخلاقي أو الاجتماعي للبلد بحجة انهم لا یؤمنون به.
ولا یفوتني هنا أن انتقد موقف رجال الدین - وقد ذکرنا ذلك في أكثر من مقال وكتاب - الذين يجعلون عورة المرأة محور الفكر الديني وقضية القضايا، والذين يهتمون اهتماماً مبالغ فيه بالجنس.
إننا نعتقد أن التشنج الجنسي الذي يتصف به بعض الدعاة، وهو ظاهرة تخلف وتأثر بمفاهيم غير اسلامية. ومن المغالطات المفضوحة أن يدعي خصوم الاسلام، أنهم يخشون الحكم الاسلامي لما يحمله من تضيق في المسألة الجنسية ؟!
عجبي! لأكثر من خمسة قرون وهم يتهمون الإسلام بأنه دين شهواني إباحي، جنسي... إلخ الآن أصبحنا ضد المتعة الجنسية؟..
الإسلام هو الأكثر انسانية، والأكثر مرونة والاكثر استجابة للرغبات الطبيعة فهو دين الفطرة.
بقى أن نقول كلمة نوضح فيها الفرق بين رأينا وبين موقفين متطرفين على أقصى اليمين وأقصى اليسار إن صح التعبير.
الموقف الأول: نادى به الشيخ على عبد الرازق بناء على تنسيق مع السلطة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولي، وكان يهدف إلى إصدار فتوى للمسلمين بجواز الخروج عن سلطان أمير المؤمنين وطاعة المعتمد البريطاني !.. هذه الفتوى صدرت خلال الحرب العالمية لأولى ولحساب الانجليز، والغريب أن كل المدافعين عن الشيخ وكتابه، لا يشيرون إلى هذه الحقيقة، بل يزيفون التاريخ بادعاء أنها صدرت بعد الحرب وخلال مناقشة الوضع بعد إلغاء الخلافة أي: بعد عشر سنوات من تاريخ التأليف الحقيقي..
وبهذا يتسنى لهم أن يخلعوا عليها اهدافا تحررية ديموقراطية، أو على الاقل الاجتهاد البريء !. على عبد الرازق نفى الحاجة إلى دولة أو سلطة إسلامية زاعما أن الدولة أو السلطة الاسلامية ليست من الاسلام..
والرأى الآخر: هو الذي يقول أن الهوية الاسلامية للدولة قضية تخص المسلمين وحدهم، ولا تعني غير المسلمين، وأقصى المطلوب منهم هو الحياد، مقابل المعاملة ((السمحة)) التي يقدمها الحكم الاسلامي.
نحن نخالف الرأيين..
نحن نعتقد أنه لا وجود لمجتمع اسلامي، بل لا تطبيق حقيقي للدين الاسلامي إلا بالسلطة الاسلامية، لأن الاسلام لا يضم مؤسسة اخرى غير مؤسسة الدولة تحمي الفرد والمجتمع والوطن، ومن ثم فإلغاء السلطة الاسلامية يقترب جداً من الغاء الاسلام.
ودعنا من هذر الغلمان الذين تفرغوا لاثبات أن المسلمين ليسوا مطالبين بالحكم بما أنزل الله !..
ولذلك نرى أنه لابد من قيام الدولة الاسلامية التي ينص دستورها على إسلاميتها بكل ما تعنية هذه الكلمة، من التزام دستوري وقانوني وفلسفي وحضاري.. فإذا نص على ذلك والتزم به الجميع، وقام مجتمع مسلم حر الإرادة، وجاء الدور على تشكيل جهاز الحكم في هذه الدولة المسلمة عندئذ يجب أن يشترك المواطنون جميعاً في الاختيار والحل والعقد..
وهذا لأننا نخالف الرأي الآخر؛ فنحن نعتقد أن الهوية ((الإسلامية)) للوطن، هي اختيار حضاري وليست اختياراً دينياً.. فكل من يعيش فوق أرض الوطن العربي، هو مسلم الحضارة والتاريخ والموقف بصرف النظر عن دينه أو حتى لو كان لا يؤمن بدين...
وما قرأت كتاباً صحيح المقدمة فاسد النتيجة مثل كتاب الأستاذ جمال بدوي.. ((الفتنة الطائفية في مصر))... ومع ذلك يتميز هذا الكتاب باعتماده على المراجع، وإنه ربما كمان الوحيد الذي حاول أن يعرض القضية من وجهة نظر المسلمين...
ففي السرد الذي قدمه لأحداث الفتنة سنلاحظ، ما أشرنا إليه عن التزامن بين المواجهة المصرية - الاسرائيلية وتصاعد الفتنة. فالمؤلف - وإن لم يشر هو لهذا التزامن - يرجع بدايتها إلى نشاط تبشيري قام به بعض القساوسة في مدينة الإسكندرية عام ١٩٧٠ ولكنه تفجر بعد عامين في ١٩٧٢ وبيد خفية - وفى رأينا - يعدما تبين أن السادات يعد فعلاً للحرب..
يقول:
((في خلال عام ١٩٧٠ وقع بالاسكندرية حادث فردي خاص باعتناق شابين من المسلمين للمسيحية تحت تأثير ظروف مختلفة، وقد سرت أخبار ذلك بين الناس، وكانت موضع تعليق ونقد بعض أئمة المساجد استنكاراً للنشاط التبشيري. وقد أعد وكيل مديرية الأوقاف بالاسكندرية تقريراً عن الحادث حدد فيه الأخطار التي تهدد بعض الشباب نتيجة حملات تبشير نسبت إلى بعض القسس. وكان هذا التقرير داخلياً - غير قابل للنشر - ولكن الذي حدث أنه في عام ١٩٧٢ -أي: بعد سنتين من تقديم التقرير - امتدت يد خبيثة إلى صورة من التقرير وقامت بنسخة علي ((الاستنسل)) وتوزيعه على نطاق واسع. وقد تضمن التقرير بعض الأمور المنسوبة إلى بعض رجال الدين الأقباط، والتى من شأنها أن تثير استفراز من يطلع عليها من المسلمين وأن تحمله على تصديق أمور لم يقم أي دليل على نسبتها إليهم، وبعضها بعيد عن التصديق، مما حمل بعض أئمة المساجد على أن يتناولوها في خطبهم بالتنديد الشديد، الأمر الذي نتج عنه بذر بذور الشك بين المسلمين والاقباط)).
ويبدو أن لعبة التقارير السرية الرسمية قد صادفت نجاحاً جعل مخترعيها يكررونها، ففي ((أواخر مارس ١٩٧٢)) تناقل الناس تقريرا آخر وصف بأنه تقرير وضعته جهات الأمن الرسمية عن اجتماع البابا في ١٥ مارس بالكنيسة المرقسية بالاسكندرية، وقد صيغ هذا التقرير على نحو يوحي بصحته كتقرير رسمي، وتضمن أقوالاً نُسبت إلى البابا في هذا الاجتماع، ورغم أن هذا التقرير كان ظاهر الاصطناع، فقد تناقله الناس على أنه حقيقة، مما ولد اعتقاداً خاطئاً، بأن هناك مخططاً لدى الكنيسة القبطية يهدف إلى ((أن يتساوى المسيحيون في العدد مع المسلمين، وإثراء الاقباط حتى تعود البلاد إلى أصحابها المسيحيين من أيدى الغزاة المسلمين، كما عادت أسبانيا إلى النصرانية بعد استعمار إسلامي دام ثمانية قرون)).
وفي هذا الكتاب الذي يعتبر - للدهشة - العرض الوحيد لأزمة السادات مع البابا من وجهة نظر مسلمة يلاحظ المؤلف أنه: ((رغم خطورة هذا المنشور المصطنع وأثره على نفسية بعض المسلمين الذين يطلعون عليه، فلم ينخذ إجراء حاسم لتنبيه الناس إلى إفكه. وقد استغل بعض المتطرفين هذا التقرير فراحوا يوزعونه مع تعليق فيه إثارة وحض على الكراهية. وقد أحدث رد فعل كان اسوأ مظاهره إن عقد بعض رجال الدين المسيحي مؤتمرا بالاسكندرية يومي ١٧و١٨يوليو ١٩٧٢، واتخذوا فيه قرارات أبرقوا بها إلى الجهات المسئولة ومجلس الشعب، وكلها تدور حول المطالبة بما سموه: ((حماية حقوقهم وعقيدتهم المسيحية.. وإنه بدون ذلك سيكون الاستشهاد أفضل من حياة ذليلة)).
ويصف تقرير اللجنة هذا الموقف بأنه كان موضع استياء عام من كافة الطوائف المسيحية نفسها.
ونلاحظ الآتي:
لو أن السادات لم يحارب في أكتوبر ١٩٧٣ لأمكن تصديق بقايا الفكر الناصري، بأنه هو الذي كان يلعب ورقة الطائفية، ولكن السادات حارب بل وأهم حرب في تاريخ الصراع العربي - الاسرائيلي.. وأكثرها إعدادا من الجانب العربي..
وهذا يعني أن السادات كان في ذلك الوقت مشغولا لشوشته في الإِعداد لهذه الحرب.. والتي - أن صح التعبير - كان يقامر عليها بتاريخه وحياته، وأخر ما يفكر فيه هو إحداث فتنة واشعال النار في مؤخرته.
هو مهما يكن سوء رأينا فيه:
إن اتهام حاكم يعد للحرب مع إسرائيل بأنه يدبر الفتنة الطائفية في بيده.
هو فجور لا تجرؤ عليه إلا بغايا السياسة، أو عملاء فاجرون يريدون إخفاء الفاعل الحقيقى.
فالفتنة.. طباعة المنشورات وتوزيعها والاثارة حولها.. ثم الاستجابة الاستفزازية بعقد الاجتماع الذي كان موضع استياء الطوائف المسيحية ذاتها ((لأنا كنا ما نزال في البداية، حيث يعمل الواعون لجر الفئات العريضة إليها. ولم تكن الفتنة قد سممت هذه الفئات بعد.. ولا أرهبتهم، ومن ثم كان بوسعهم المعارضة. ما حدث كان من صنع اليد الثالثة التي جاءها الدعم بحملة اليد الرابعة في المهجر.. )).
بينما أجهزة الأمن لم تحرك ساكناً، وأظن أن اغتيال السادات وما جرى في عهده يؤكد الآن أن أجهزة أمنه كانت مغزوة من الداخل، وقد قلنا أن أجهزة الأمن قد تشكلت خلال سبعة عشر عاماً على منهاج ومسلكية متناقضة مع ما كان يحاوله السادات، فمن الطبيعي أو من الممكن جداً أن تتحرك عناصرها أو لا تتحرك بما يخدم هدفها في الاطاحة ((بالثورة المضادة)) كما كانوا يسمون عهد السادات.
أما عن الأصابع الأجنبية فقد شهد بوب وود وارد في كتاب المخبي أن المخابرات الأمريكية ((متغلغلة في الدولة المصرية من قمة الرأس حتى القدم)) بنص تعبيره. ومن ثم فمن الطبيعي جداً: أن لا يتخذ أي إجراء لسحق الفتنة أو إيضال مفعول التقرير المزعوم.. وكل هذه القوى كانت تعمل لتكسيح السادات؛ لكي لا يغامر بالحرب.
وقد حاول السادات مواجهة هذه الفتنة، دون أن يعي بالضبط حقيقة أبعادها، ومن خلال المؤسسات والتشريعات، فطرح الأمر على الاتحاد الاشتراكي وأصدر قانون حماية الوحدة الوطنية في أغسطس ١٩٧٢ وكان أول تفجير مباشر هو ما يعرف بحادثة الخانكة نوفمبر ١٩٧٢، أي: قبل الحرب بأحد عشر شهراً، إنه تكتيك متفوق ذلك الذي جعل السادات يحارب في جبهتين، جبهة الإعداد للعبور، وجبهة الخانكة.
وحادث الخانكة ((هو الحادث الذي دفع مجلس الشعب إلى تشكيل لجنة برلمانية تضم مسلمين وأقباطاً للبحث في مسببات الفتنة الطائفية)).. والمؤلم أن الكتاب من ذوي الميول يتعامون عن هذه الحوادث البالغة الدلالة في وجود يد ثالثة مصممة ومجهزة لإحداث الفتنة، وبدلاً من أن نواجه هذه القضية بوضوح وحسم يضع كل فرد أو هيئة في مكانها عن وعي.. نراهم يدبجون التحاليل عن الجزية وموقف المقوقس والمعلم يعقوب ونسبة الوظائف وتمثيل الأقباط في مجلس الثورة والطعن في الثالوث.. إلخ.
ويتطوع سفير مصري؛ فيقول: ليس للاستعمار يد، وإنما هو هكذا تاريخ المصريين منذ البداية ! والهدف الحقيقي هو تغطية اليد الثالثة والزعم أن الفتنة ظاهرة طبيعية نتيجة وجود أغلبية مسلمة وأقلية مسيحية..!!.
والغريب أن كتاب البابا والسادات يحاول التقليل من حادثة الخانكة لخطورة ارتباطها بالاعداد لحرب أكتوبر.. ولا نرى مصلحة في ذلك فنحن حاشا أن نتهم البابا أو قيادة الكنيسة القبطية بالمساهمة عن وعي في تخريب المجهود الحربي في مواجهة إسرائيل، ولكن الذين يحركون الفتنة كانوا يدركون إتجاهات السادات أو على الأقل يحاولون سد الاختيار العسكري عليه..
وبالطبع لا يمكن أن يحارب من تهدده فتنة طائفية خلف ظهره، ولكن السادات لعب بالبيضة والحجر ودفع كل ما يمكن أن يدفعه وطني من كرامته وهيبته كرئيس لتبريد الفتنة لينجز المهمة التي وهب نفسه لها، وهي مواجهة إسرائيل وانتزاع مكاسب ١٩٦٧ منها...
حادثة الخانكة
ولذا تتوقف هنا عند حادثة الخانكة فإن دراستها تلقي الضوء على اليد الثالثة وأسلوبها ولعبة السباق لبناء الكنائس وتوقيت تحريك الفتنة.. والاستجابة الفورية لكل استفزاز:
• وفي يوم الأثنين ٦ نوفمبر ١٩٧٢ وهو يصادف عيد الفطر المبارك، وضع مجهولون النار في دار جمعية الكتاب المقدس التي كان يتخذها أهالي مركز الخانكة من الاقباط كنيسة بدون ترخيص لاقامة الشعائر الدينية.
• وفي يوم الأحد التالي ١٢ نوفمبر وفد إلى الخانكة عدد كبير من القساوسة قدموا إليها بالسيارات ومعهم بعض المواطنين من الأقباط، حيث ساروا إلى مقر الجمعية المحترق، وأقاموا شعائر الصلاة فيها.
• وفي المساء تجمع عدد كبير من المواطنين في مسجد السلطان الأشرف وخرجوا في مسيرة احتجاج وخلال ذلك نسب إلى أحد الاقباط أنه أطلق أعيرة نارية في الهواء على رءوس المتظاهرين من مسدس مرخص، فتوجه بعض المتظاهرين إلى مسكن هذا الشخص وإلى أماكن أخرى للاقباط، وقاموا بوضع النار فيها وإتلافها دون أن تقع إصابات.
• ومرة أخرى حاول السادات مواجهة الفتنة بأسلوب متحضر؛ فأمر بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية.. وتبين للجنة التحقيق البرلمانية الآتي:
(الجمعية التي وقع عليها الاعتداء مشكلة من عام ١٩٤٦.. وفي عام ١٩٧١ باع المحامي أحمد عزمي قطعة أرض إلى أحد الأشخاص الذي باعها بدوره إلى شخص آخر حتى انتهت ملكيتها إلى الأنبا مكسيموس مطران القليوبية. وكان الظن أنها ستبنى مقراً للجمعية، وقد سورت فعلاً، وألحقت بها حجرات نقلت إليها الجمعية. غير أنه في مطلع صيف ١٩٧٢ أقيم فيها مذبح للصلاة.. وتولى القس مرقس فرج وهو راعي كنيسة أبو زعبل التي تبعد قرابة ثلاثة كيلو مترات من الخانكة إقامة الشعائر الدينية فيها أيام الجمع. وتدخلت السلطات لأنها كنيسة بدون ترخيص، وحصلت على تعهد من رئيس الجمعية" بمنع التعدي إلا إذا حصل على ترخيص)).
وقد ثبت أن هناك سياسة عامة مدعومة ودؤوبة لبناء الكنائس بدون ترخيص إذ: ((تبينت اللجنة أن عددها يبلغ ١٤٤٢ كنيسة، ولكن البيانات التي أفادت وزارة الداخلية عن عدد الكنائس الجديدة المسجلة لديها يدل على أنهما خمسمائة كنيسة، منها ٢٨٦ كنيسة قبطية، ويدل الخلاف في الرقمين إلى أن بعضها قد بني بدون قرار جمهوري، وقد تبين أيضاً أن مجموع الكنائس التي صدرت بشأنها تراخيص خلال الستينيات يبلغ ١٢٧ كنيسة منها ٦٨ كنيسة للاقباط)).
((وجاء في تقرير لجنة التحقيق: أن مدينة الخانكة بها ٣٦ أسرة مسيحية فقط، بينما ظل مسيحي رئيساً لمجلس المدينة - التي تضم ٢١٨٦٣ نسمة - لمدة ١٢ سنة.. وأن نسبة الموظفين المسيحيين تزيد على الستين بالمائة في قطاعي الصحة، والصحة النفسية. ونسبة الموظفين المسيحيين إلى مجموع الموظفين في المركز هي ١٣٪ بينما نسبة المسيحيين في المدينة وهي عادة مركز تجمعهم أقل من ثلاثة بالمائة)).
هذا هو الواقع وهذه هي الأرقام، ولم تقع فتنة ولا غضب المسلمون.. ولا انتبه أحد لهذه الظاهرة التي لا تحدث لا في الولايات المتحدة ولا في الاتحاد السوفييتي ولا نقول إيرلندا الشمالية والجنوبية...
وأيضاً كشفت الوقائع وجود مخطط لنشر الكنائس رغم أنف القانون والسلطان، بدليل عملية نقل الملكية لتقع في النهاية في ملكية القسيس الذي بدوره يحولها بوضع اليد إلى كنيسة.. ودون أي احترام للقانون وهو الذي يفترض فيه أن يكون أحرص الناس على سيادة القانون ومتى؟..
في مطلع صيف ١٩٧٢ والدولة مشغولة بالبحث عن مخرج من ورطة ١٩٦٧ ولا ندري ما أهمية أن توجد كنيسة كل ثلاثة كيلو مترات.. وكما قال التقرير أن الأهالي المسلمين الذين لا يستطيعون بناء منزل أو مستشفى بدون ترخيص ساءهم أن تقام كنيسة جديدة لست وثلاثين أسرة.. ولكن ليس لدرجة الاحتجاج وإن كان قد ظهرت حركة تبرعات لبناء ((مسجد شديد القرب من موقع الكنيسة غير المرخصة ليناطحها.. واللعبة معروفة؛ اليد الثالثة تهمس للمسيحيين بإقامة الصلوات في أي مكان وبذلك يكتسب المكان حصانة ضد السلطة، ويمكن بعد ذلك تحويله إلى كنيسة، وتهرع نفس اليد إلى دهماء المسلمين فتقول النصارى يصلون هناك لتحويلها إلى كنيسة بدون ترخيص، ولم يكن ذلك أيضاً كافياً أو قل: أن مدبر الفتنة لم يكن لديه الصبر لانتظار المناطحة أو المصالحة.. كان لابد من مفجر أقوى بعد أن فشل استفزاز زرع الكنيسة.. وكان أن وضع المجهولون، المعروفون جدا، النار في الجمعية الساعية لأن تكون كنيسة))..
ومرة أخرى متى ؟! في نوفمبر ١٩٧٢ وقد بدأ العد التنازلي لأخطر قرار في تاريخ مصر الحديثة.. وكان التصرف الطبيعي أو حتى الغريزي هو إعلان أن الحريق مجرد مؤامرة لاحداث الفتنة، وأنه ليس من حق أحد أن يقيم من نفسه محققا فيفترض أن هذا المجهول مسلم.. ولكن القيادات الدينية التي يفترض فيها أن تكون آخر من يتحرك في الفتن وآخر من يتبع الغوغاء، فضلاً عن أن يحرضهم.. والتي يفترض فيها ألا تتحرك إلا بموافقة أعلى سلطة في الكنيسة، سرعان ما هرولت في ليل الفتنة:
مائة قسيس..! بثيابهم وصلبانهم.. اقتحموا المدينة رغم أنف البوليس ورغم اعتراضه أو بتواطو منه..
لا يستبعد !!.
في ((موكب طويل مرددين التراتيل الدينية.. حتى وصلوا إلى مقر الجمعية فثبتوا مكبرات الصوت وأقاموا القداس مرتين.. وقد نسب إلى بعض الغلاة منهم تفوههم بعبارات غليظة في الاحتجاج على حادث الحريق، وتصويره على أنه عداء طائفي لم تتخذ الدولة حياله الاجراءات المناسبة)).
وهكذا تم تحدي المسلمين في عقر دارهم - كما لاشك ترجم الموقف صناع الفتنة - ويصلون مرتين في مكان الحريق.. وهات يا تصوير وصراخ في الداخل والخارج.. ووقع ما كان الصبية وليس القادة يتوقعونه. حرض من حرض الدهماء من المسلمين على الثأر للشرف والكرامة والدين فكان ما كان.
كانت الحادثة مؤشراً هاماً عجزت السلطة عن فهم دلالاته، أو قل كانت في شغل عن الاستيعاب والمواجهة باعدادها الحرب. ورفضت القوى السياسية الفهم تحت تأثير حساباتها الخاصة وعداوتها.. فقد كان رد الفعل المصري دائماً في مواجهة مثل هذه الأحداث هو محاولة تطويقها ورفض تصعيدها، وذلك بتجنب إدخال الأكليروس أو رجال الدين المسلمين كطرف فيها. بل بالعكس مسارعة هؤلاء للتلاقي والتعانق وتبريد الموقف.. إلا في حادثة الخانكة وما تلاها.. فقد فوجئت البلاد بموقف مسبق معد ومتحرق شوقاً في انتظار الفرصة للخروج بالمواجهة إلى الشارع وباسم الكنيسة وبرجال الكنيسة وبالزي الكنسي وبحشود وسيارات وميكروفونات..
لقد كشف الجهاز عن وجوده وعن استعداداته ورغبته في تفجير الموقف وخوض المعركة.. وبذلك يمكن أن نؤرخ بهذا الحادث، بداية الفتنة الحقيقية في تاريخ مصر. هذا ما فات الجميع التنبه له أو ما فضلوا ولا زالوا تجاهله رعباً من التفكير فيه، فضلاً عن مواجهته.. وربما يقول المؤرخ: إن بعض عناصر السلطة - في ذلك الوقت - كانوا ضالعين في مخطط تكسيح مصر ومنع السادات من الحرب، ثم من كسب معركة السلام.
ونذلك نحن لا نستطيع قبول تفسير البابا بأن حادث الخانكة بما أنه - ومن وجهة نظره - عدوان على المسيحيين، فليس فتنه.. قال غبطته كما نقل مؤلف البابا والسادات:
■ كذلك قال السادات: إن الفتنة من ٧٢ إلى ٧٨.. أريد أن أسال ما هي فئنة ٧٢.. مالذي حدث من فتنة.. حرق كنيسة الخانكة. هل كان إعداء من الاقباط أه إعتداء على الاقباط.. إذن ما هي نواحي الفتنة؟ !!
وقد تناول تقرير اللجنة، المشكلة الأساسية التي تصدر منها معطم لبراك الختمة وهي عمليات التبشير بين المسلمين.. استخدام شنى الوسائل لغواية بعض المسلمين والمسلمات لتغيير دينهم.. وما ينتج عن ذلك من إثارة وفتن. ويا ليت الدولة والجهات المعنية اهتمت بما جاء في لجنة التحقيق البرلمانية التي يفترص فيها تمثيل مصر كنها..
ويا ليت الذين طرحوا قانون الردة وفشلوا في توضيحه أو الدفاع عنه مستندها إلى تقرير اللحنة البرلمانية الذي جاء فيه -هذا الكتاب:
عشية افتتاح مؤتمر مدريد أو مبكى العربي الثاني، وجه رئيس دولة اسرائيل نداء إلى الولايات المتحدة جاء فيه: ((أن الخطر في الشرق الأوسط ليس مصدره الصراع العربي - الإسرائيلي بل الخطر على الغرب كله هو أن يضع الإسلاميون الأصوليون يدهم على أسلحة الدمار الشامل)).
ولاشك أن الدول العربية تقوم بجهد نادر في حماية الغرب من هذا الخطر..
ليس فقط في تأييدها نزع أسلحة الدمار من المسلمين وحدهم، الأصوليين منهم والوصوليين أيضاً من باب الاحتياط، وكذلك بشن حملة إبادة وحشية على كافة الإسلاميين المتطرفين منهم والمسالمين، إبادة تشمل الساعين منهم لامتلاك قنبلة ذرية اسلامية أسوة بالقنبلة المسيحية واليهودية والمجوسية... أو المكتفين منهم بفريضة الصلاة.
وقد اكتشف الخبراء وأوصوا العملاء بأن الهجوم على الإسلام وتهديم تعاليمه وتشويه تاريخه هي أقصر السبل لإزالة مخاوف رئيس اسرائيل، ومن ثم نشط في بلادنا من احترفوا التهجم على الاسلام والطعن فيه وتصيد الغرائب والسخرية من تاريخه وثقافته، تحقيقاً لسلامة الغرب واسرائيل، لأن مصر هى الصخرة التي تعترض الإمبراطورية الاسرائيلية.
ومصر لا تقوى على مواجهة اسرائيل بغير دور عالمي يجمع حولها مؤيدين كما تجمع الصهيونية أو اليهودية التأييد العالمي لإسرائيل. وليس لمصر من دور عالمي إلا الاسلام.. فمصر لا تساوي شيئاً بدون الإسلام، والذين يريدون الغاء دورها الاسلامي إنما يقصون أجنحتها ويشلون قدرتها على الحركة ويقصفون دورها.. خذ مثلاً موقفنا من الجزائر أو السودان.
في الجزائر تيارات عديدة منها: الأقلية المتفرنسة، وهي بالطبع ما بين ماركسية وعلمانية وصليبية، وهذه تكره العروبة والاسلام، وهي رغم قلة عددها تسيطر على الحكم منذ الاستقلال وكانت تحكم بالحديد والنار في ظل نظام الحزب الواحد والرئيس الواحد والاقتصاد الواحد والفساد المطلق.. وهذه الطبقة لا يمكن أن تحب مصر ولا أن تقبل بزعامتها فلسنا قيادة لا في الماركسية ولا في العلمانية...
وهناك الجماعات غير العربية مثل البربر وهؤلاء تتنازعهم تيارات عديدة، لكن أقوى تيار يحركهم هو الاسلام، وهو الذي جمعهم مع العرب الجزائريين ضد فرنسا، وجعلهم يقاومون كل إغراءات فرنسا والحضارة الغربية التي تمثلها فرنسا، ما الذي يمكن أن يجذب هؤلاء إلى مصر إلا الاسلام والأزهر ودفاع مصر عن المسلمين والمسلمات في فرنسا وبلغاريا.. الخ.؟
ثم هناك التيار الاسلامي الزاحف بين الجماهير والذي ينتشر بين كل فئات الشعب الجزائري من عرب وبربر والذي يعبر فعلاً، وبكل الحقائق المتاحة عن إرادة الجماهير، هذا التيار الذي أجبر طغاة جبهة التحرير على إقرار قانون التعريب المعطل من ثلاثين سنة والتشدق بالديمقراطية والتعددية، وهم الذين هتكوا عرض الديمقراطية ثلاثين سنة حتى أفاقوا على صيحات الشارع الاسلامي المطالب الأوحد بالديمقراطية، مهما تهتك إسلاميو المباحث في اتهامهم.
هذا التيار الاسلامي بزعامة جبهة الإنقاذ هو الذي كشف ارتباط الحاكمين الجزائريين وعملائهم في صحافة العالم العربي، ارتباطهم الصريح مع الصليبية والاستعمارية الفرنسية التي استأجرتهم لضرب الحركة الاسلامية هناك ودفعت لهم الأجر علناً..
هذا التيار هو أمل مصر الوحيد في كسب الجزائر وقبول الجزائريين السنة زعامة مصر وأزهرها.. فإذا أرسلنا في هذا الوقت بالذات سفيراً رافضا للإسلام لا يترك صحيفة إلا ويهاجم فيها الاسلاميين، مكانه الطبيعي بين تلك النخبة المستغربة التي تحتقر مصر ولا تتكلم العربية، وهو بنشاطه وتصريحاته بارع في كسب عداء التيار الاسلامي..
هل نستغرب أن تكون الجزائر ضدنا وتخسر مصر سنداً وقوة في مواجهتها لإسرائيل؟ !...
الحق أن هذا ما كنت قد كتبته يوم كنت أقبل وصفه لنفسه بالعمالة إلى أن أدهشنا خلال فرحهم بمؤتمر مدريد بتوجيه دعوة لليهود لاعتناق المسيحية لأنها كما قال: ((الموقف المسيحي هو الموقف السليم الوحيد اليوم)).
نحن لا نعترض أبداً أن يكون سفير مصر مسيحياً، وكان وزير خارجيتنا مسيحياً، ويمكن أن يحضر مؤتمرات اسلامية ممثلا للدولة. ولكننا لا نتصور سفيراً لمصر في الجزائر يحمل اسماً اسلامياً، يقول للجزائريين: ((الموقف المسيحي هو الموقف السليم الوحيد اليوم)). حتى ولو زعم أنه على لسان ((باسترناك)) لأن تعليقه وسياق المقال يؤكد موافقته على هذه المقولة.
هل نستغرب إذا أصبح السودان كله ضد مصر، فنحن لا يمكن أن نكسب الشيوعيين ولا العلمانيين ولا جنود المبشرين الذين يعملون على تنصير السودان...
فما الذي يبقى لنا إلا جماهير السودان المسلمة وكيف نكسبها وصحافتنا تعتبر القتال ضد الاسلام في السودان معركتها الخاصة !؟
إن عناصر مأجورة عن وعي وعناصر تحركها أحقاد رخيصة، وعناصر تتبع كل ناعق تسيطر على اعلامنا وتجنده لمحاربة الاسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها غير محققة من هدف إلا إزالة دور مصر الاسلامي وإلغاء زعامتها للعالم الاسلامي، وعزلها عن المسلمين.. لمصلحة من؟!.. هذا هو السؤال الذي نعرف جوابه جيداً.
وهذه العناصر تستغل عنصرين.. أعمال التطرف التي تقوم بها جماعات مشبوهة لا نستبعد أن تكون تحت سيطرة عناصر غير اسلامية، خاصة وإن كل عملياتها سيئة السمعة سيئة النتائج، لم توجه قط ضد عنصر أو جهة معادية فعلا للإسلام!
أليست أول عملياتها ذبح بشع لشيخ مسلم، ثم اغتيال أول حاكم لمصر منذ محمد علي، يقول إنه: ((رئيس مسلم لدولة اسلامية.. )) وكيف يكون اغتياله عملاً اسلاميا إذا كان البعض يعتبره معجزة لا اسلامية!.
نحن لا يخامرنا شك في وجود أكثر من يد معادية للاسلام تحرك هذا الذي يسمونه النشاط المتطرف للإسلاميين وبالذات الجانب الإرهابي منه. ولكن هذا لا يعفي الاسلاميين من المسئولية إذ يجب إعلان الرأي صريحا في استنكار عمليات الإرهاب على الاطلاق.
وقد كتبت مرة أنه لم تقع جريمة اغتيال واحدة من قبل المسلمين في مكة قبل أن تعلن الدولة الاسلامية في المدينة وأنه ما لم تقم الدولة لا يحق لأحد أبدا ممارسة الاغتيالات الفردية، التي تباح في إطار المواجهة المسلحة من جانب الدولة المسلمة. أما قبل ذلك فهو انتحار على المستوى التنظيمي، وجريمة في حق الدعوة. وضربنا الأمثال برفض خبيب أن يقتل الصبي الذي أرسلته أمه إليه بسكين وهم يعدون العدة لذبح خبيب، وكان المسلمون يعذبون والنبي - بأبي وأمي - يعتدى عليه، وما كان أسهل أن يأمر النبي باغتيال أئمة الكفر في مكة ولكنه لم يفعل.. إلخ.
ولا أريد أن أطيل؛ لأن تبذُّل فقهاء السلطان يجعلنا نتحرج من هذا الضرب من النصح. وكيف ننصح أو نحاور جماعة تقتل رمياً بالرصاص بلا إنذار، وتسلط عليها أحط وسائل الإعلام لتشويه حتى حياتها الخاصة ((انظر ما تكتبه أمينة سعيد عن عضو تنظيمات اسلامية، وماذا يطلب من زوجته أن تفعل لحظة القذف فيها.. أي: والله هذا يكتب في صحافتنا وعلى لسان من؟ أمينة السعيد.. نعم أمينة السعيد !! ثم يدعونهم للحوار !)).
على أية حال ليس هذا حديثنا في هذا الكتاب، وإنما نتحدث عن العنصر الثاني الذي يعتمد عليه أعداء دور مصر الاسلامي، وهو استغلال الأقليات أو ما عرف في أعلامنا بالفتنة الطائفية.
والفتنة الطائفية حقيقة وخطيرة، بل تكاد تكون القضية الرئيسية التي تواجه مصر حالياً، والموقف منها يختلف بين الحريصيين على مصر وبين المتعمدين تقزيم مصر وشلها وشغلها عن القيام بمسئوليتها التاريخية في الدفاع عن المنطقة.
ففي مناقشة سرعان ما وئدت في صحيفة الأهالي، استطعت أن أرغم أحدهم على الاعتراف بأنه يروج أن تاريخ مصر مشوه دائماً وأبداً بالفتن الطائفية، وأنه منذ التقى المسلمون واأاقباط على أرض النيل ولا تعايش بينهما بل اضطهاد دائم من جانب المسلمين للاقباط..
أما نحن فنرى ونبشر: أن الأساس في العلاقة الاسلامية القبطية هو التعايش والتآخي لهذه الأسباب:
- مصر لم تكن دولة مستقلة مثل فارس أزال العرب استقلالها، بل فقدت استقلالها قبل العرب بما يقرب من سبعة قرون وفقدت تميزها الحضاري قبل ذلك بعدة قرون بالغزو الفارسي الذي خلصها منه الغزو اليوناني ثم كان الغزو الروماني..
- ومن ثم لم يكن ثمة ثأر وطني ولا هزيمة قومية في الفتح العربي بل كان على العكس تحريراً للمصريين.
- الاقباط لم يكونوا مجرد خاضعين لحكم أجنبي وقت الفتح العربي، ولا حتى مجرد مستعمرة للامبراطورية البيزنطية، بل كانوا في ثورة ضد هذا الحكم، ويتعرضون لعملية إبادة حقيقية سجلها عصر الشهداء وأصبحت المذابح التي قتل فيها الاقباط على يد هذه الحكومة الأجنبية هي بداية التاريخ القبطي، ورغم مقاومة الاقباط الباسلة والتي لم يسبق لها مثيل إلا أيام الحرب ضد الهكسوس، إلا أن تفوق الامبراطورية البيزنطية ومن قبلها الرومانية جعل حصة الاقباط من المعركة هي الاستشهاد تحت ضرب السياط وأبشع ما تفتق عنه العقل من وسائل التعذيب والقتل، وقد قتلوا شقيق البطريرك القبطي بإسالة شحمه بالشموع المشتعلة ثم وضعوه في جوال مثقوب وأنزلوه في البحر عدة مرات يطلبون منه الرجوع عن دينه فلم يفعل. ولم يأت العرب إلا وقد وصل اضطهاد الاقباط إلى مستوى لم تعرفه أمة ربما إلى يومنا هذا.
- واستحال على رئيس الكنيسة المصرية وممثل الشعب المصري الوجود العلني فاختفى عشر سنوات في الكهوف والمغارات والأديرة البعيدة عن رقابة سلطة الاحتلال. وتتفق رواية ألد المؤرخين عداوة للإسلام على أنه لو لم يقع الفتح العربي لأبيد الاقباط بإبادة كنيستهم وفتنهم عن دينهم..
في هذه الظروف جاء العرب.. وما كان يمكن أن يصنفوا من قبل المصريين إلا محررين، نعمة أرسلها الله لإنقاذ المصريين والانتقام لهم من عدوهم الذي أذلهم وقهرهم وفتنهم عن دينهم. بل واعتبر وصولهم معجزة أثبتت صحة دينهم.
وتعددت الروايات عن الرؤيا التي رآها البطريرك الهارب وكبار الصالحين من الأقباط عن الخلاص القادم، وهذه الروايات اثبتت في التاريخ القبطي الذي كتب بعد سنوات أو قرون ولو كان المسلمون اساءوا معاملة الاقباط بعد الفتح أو بعد استقرار الدولة بمئات السنين لما اهتم أحد بإثبات معجزة الخلاص الذي حمله المسلمون..
- ثم هناك دليل لا سبيل لدحضه وهو الأمن الذي ساد بعد الفتح، فقد استطاع أربعة آلاف زادوا إلى ثمانية آلاف أن يفرضوا الأمن والاستقرار في بلد يصل تعداده في روايات طائفية معادية للإسلام والمسلمين إلى خمسة وثلاثين مليوناً..
بل ما كاد يمر على الفتح أقل من عشرين سنة حتى كان هؤلاء الفاتحون يخوضون حرباً دموية ضد بعضهم البعض في فتنة عثمان ثم علي ومعاوية، ومع ذلك لم تقع ثورة ولا انقض عليهم أهل البلد، فأما أن نتهم الاقباط بأنهم قد انعدمت منهم الرجولة والحس والوطنية بحيث كانت شرذمة متقاتلة فيما بينها تفرض هيبتها عليهم، أو أن نعترف بأن هذا الشعب الذي كان يخوض مقاومة دموية ضد الامبراطور المسيحي قبل سنوات قد وجد الخلاص والعدل، بل أهم من ذلك استشعر عودة الحكم الوطني في دولة العرب بحيث أصبح أحرص على استمرارها في مصر من العرب أنفسهم.. وهذا هو التفسير الوحيد لهدوء الاحوال الى عهد المأمون.
- والثابت أن الثورة التى قامت في عهد المأمون اشترك فيها المصريون الأقباط والمسلمون معاً.. ثم سرعان ما استقلت مصر وأصبحت قاعدة دولة عظمى منذ ابن طولون.. وأصبح الوزراء من المسيحيين في بلاط الخليفة في أول دولة دينية في الاسلام !.
فالفتح العربي حرر المصريين وأعاد استقلال مصر بعد أقل من مائتي سنة، وكان قد غاب سبعة قرون على الاقل، هذا لو اعتبرنا مصر مستقلة في عهد البطالمة وان كانت ثقافتها أجنبية وحكامها من دم أجنبي..
وقد أشرت في غيرها هذا المكان من الكتاب إلى وجود عناصر عرقية ولغوية وجيوبوليتيكية جعلت الفتح العربي عملية توحيد ودمج وليس استيطاناً ولا استعماراً، لقد أصبحت مصر عربية إسلامية، وأصبحت هذه حقيقة واقعية وتاريخية وحضارية، ولم يحدث قط أن قامت فيها حركة وطنية ضد العروبة والاسلام. وانتصرت اللغة العربية دون أن يحس أحد ودون أن يتعمد ذلك أو يأسف عليه أحد إلا في زمان الفتنة هذا...
- ويقف مؤرخو الفتنة عاجزون في تفسير دخول الاقباط في الإسلام، وهم الذين كانوا يحرقون بالنار لكي يتحولوا من مذهب مسيحي لآخر فيختارون الموت ولا يتزحزحون عن دينهم.. ويحاول تجار الفتنة أن يجدوا سببا لتفسير هذه الظاهرة فيسقط في أيديهم وأيدي شياطينهم الأمريكان والصهاينة.. إذ لا تفسير إلا ما قاله مرغما مؤلف كتاب فتح العرب لمصر أو ما قال نصفه كارهاً، وهو أن الأقباط فقدوا الثقة في الدين الذي يجمعهم ولو مع اختلاف المذهب مع لصوص وطغاة روما وبيزنطة ووجدوا في الاسلام ليس فقط دين التسامح والتعاطف والاعتراف بحقوق الإنسان بل وجدوا فيه المسيحية الحقة التي بشر بها المسيح والحواريون من أصحابه، ومن ثم لم يحسوا أنهم يخونون المسيح باعتناقهم الاسلام وهكذا لا أكرهوا ولا كرهوا.
- وكانت أية مقارنة بين مسلكية المسلمين وحكومتهم وما عرفوه وعانوه من البيزنطيين والرومان المسيحيين، تنتهي لصالح الاسلام. وما عدا ذلك فهو زيف وبهتان فالذي لا يقوى على دفع الجزية كان يستطيع تفاديها بالرهبنة أو تسددها عنه الكنيسة أو أغنياء القبط.
- ومن العار أن يقال: أن أمة غيرت دينها بدينارين ! خاصة وأن تجار الفتنة نقبوا حتى انتزعوا جلد التاريخ فلم يجدوا حالة يمكن اتهام السلطة. فيها بإكراه الاقباط على اعتناق الاسلام كما فعلت السلطة المسيحية بالمسلمين في أسبانيا القرن الخامس عشر وبلغاريا القرن العشرين أو ما فعله المسيحيون الرومان والبيزنطيون بأقباط مصر...
من هنا لا نرى أي أساس ديني أو تاريخي أو عنصري يمنع إتحاد عنصري الأمة المصرية واندماجهما مع احتفاظ كل بدينه.
من هنا نرى أن الفتنة هي الطاريء الذي لا مبرر له، وانها من فعل القوى الأجنبية ومن الممكن معالجتها:
• بكشف التزييف والدس والتآمر الذي يلعبه العنصر الأجنبي.
• بزيادة استقلال القرار المصري.
• بسد منافذ الفتنة من خلال تمحيص المطالب والشكاوي المطروحة، فضح الزائف منها وتبني الحقيقي..
وهذا ما يستهدفه هذا الكتاب الذي يعد ثالث كتبي في حديث الفتنة.. الأول ((مصريون لا طوائف سنة ١٩٥٠)) والثاني (خواطر مسلم عن الأقليات ١٩٨٥)).
والله الموفق - محمد جلال کشك -نوفمبر ١٩٩١
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق