باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس
جمع الشيخ الإمام العالم العلامة الورع الزاهد، شيخ الإسلام، بركة الشام، برهان الدين الغزاوي
أعاد الله على المسلمين من بركاته آمين
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُعدُّ بيتُ المقدس من أعظم البقاع التي حظيت بعناية العلماء والمحدِّثين، إذ أفردوا في فضائله المصنفات الكثيرة، وجمعوا ما ورد في شأنه من الأحاديث والآثار، وأخبار الأنبياء والصالحين. ويندرج هذا الكتاب في هذا السياق؛ فهو منتخَبٌ من كتاب «المستقصى» للحافظ بهاء الدين ابن عساكر، وقد رتّبه مؤلفه على أبواب تجمع فضائل المسجد الأقصى، والصخرة المشرفة، ومدينة القدس، وقبر الخليل إبراهيم عليه السلام، مع الاختصار والتيسير بحذف الأسانيد.
ويستهل الكتاب ببيان الجذور التاريخية والدينية للمسجد الأقصى، مستعرضًا الروايات الواردة في نشأته الأولى، وعلاقته بالمسجد الحرام، وما تناقله العلماء في بناء داود وسليمان عليهما السلام له على أساس قديم، ثم ينتقل إلى بيان مكانته في السنة النبوية، من خلال الأحاديث الواردة في شدِّ الرحال إليه، وفضل الصلاة فيه، والإحرام منه، والصدقة والصيام في رحابه، وما ارتبط به من مشاهد ومعالم مباركة.
كما يجمع المؤلف طائفة واسعة من الروايات التي تُبرز منزلة بيت المقدس في الوعي الإسلامي، بوصفه أرضًا مباركة ارتبطت بمسيرة الأنبياء والرسل، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وقبلة المسلمين الأولى، ومهبطًا للملائكة، ومسرحًا لجملة من الوقائع الإيمانية والتاريخية. ويعرض كذلك ما نُقل في فضل الصخرة، وعيون المياه، وأبواب المسجد، ومواضعه المشهورة، وما قيل في فضل الإقامة فيه والوفاة بأرضه.
ويمتد العرض إلى الروايات التي تناولت مكانة بيت المقدس في أحداث آخر الزمان، وما ذُكر من ارتباطه بالمحشر والمنشر، ونزول عيسى عليه السلام، ووقائع القيامة، وهي روايات تتفاوت من حيث الثبوت؛ إذ يضم الكتاب الصحيح والحسن، كما يورد عددًا من الأخبار الضعيفة والآثار الإسرائيلية التي درجت كتب الفضائل على جمعها، مما يقتضي التعامل معها بمنهج نقدي يميّز بين المقبول وغير المقبول.
ويختم الكتاب ببابٍ مستقل في فضل قبر إبراهيم الخليل عليه السلام بمدينة الخليل، فيورد الأخبار المتعلقة بمغارة المكفيلة، ودفن إبراهيم وسارة وإسحاق ويعقوب عليهم السلام فيها، وما روي في فضل زيارتها وآدابها، ثم يعرض لقصة إقطاع النبي صلى الله عليه وسلم تميم الداري رضي الله عنه بعض قرى الخليل قبل فتح الشام، وما جرى من إقرار الخلفاء الراشدين لذلك بعد الفتح الإسلامي.
ومن ثمَّ، فإن هذا الكتاب يُعد النافذة الحقيقية على المكانة العقدية والتاريخية والحضارية لهذه البقعة المباركة في التراث الإسلامي، كما أنه يكشف عن ثراء المادة التي تناقلها المحدِّثون والمؤرخون، مع ضرورة إخضاعها لميزان التحقيق العلمي (الحديثي والفقهي)، وتمييز صحيح الآثار من ضعيفها، بما يحفظ للكتاب قيمته، ويجعل الإفادة منه قائمة على أسسٍ راسخة من النقد والتمحيص.
وهو مخطوط تم تصويره بدار الكتب المصرية الباهرة، عام 1963، وكتب على غلافه:
كتاب مشتمل على مجموع لطيف رسائل (كتاب باعث النفوس، كتاب فضائل المسجد الأقصى، رسالة سؤال ابن أبي شريف، كتاب تعبير الرؤيا تأليف ابن سيرين، رسالة منظومة الشيخ علاء الدين أبي الحسن).
_________________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الأنبياء والمرسلين، وخير الخلائق أجميعن، صلى الله عليه وعلى أزواجه أصحابه الطيبيبن الطاهرين، صلاة وسلاماً دائماً إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا منتخب في فضائل بيت المقدس، وقبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم انتقيتها من كتاب المستقصي للحافظ بهاء الدين بن عساكر، حذفت الأسانيد خوف الاطالة، وقد رتبته على ثلاث عشر فصلاً.
الفصل الأول. في ابتداء بناء المسجد الأقصى الشريف.
والفصل الثاني: في شد الرحال إليه. وفضل إيتانه وإسراجه، ومن أين بدخل مدينة القدس ومن أبن بدخل مسجدها، وفضل إتيان بيت لحم والصلاة فيها.
والفصل الثالث: فى فضل الصلاة وفصل الحج، والصلاة في مسجد المدينة والمسجد لأقصى الشريف، فى عام واحد.
والفصل الرابع: في فضل الإحرام في بيت المقدس، وفضل الأذان فيه.
والفصل الخامس: في فضل الصدقة فيه والصيام.
والفصل السادس: في فضل الصخرة، وأنها من الجنة.
والفصل السابع: في فضل البلاطة السود أو من أيد يدخل الصخرة.
والفصل الثامن: في قبة المعراج وقبة النبي عليه الصلاة والسلام، وباب الرحمة، ومحراب زكريا صلوات الله عليه وسلامه، والصخرات التي في مؤخر المسجد، وباب السكينة، وباب حطة، ومحراب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وباب النبي صلى الله عليه وسلم وطور زيتا، وقبة السلسلة، وباب التوبة.
الفصل التاسع: في ماء بيت المقدس، وعين سلوان، وجُب الورنه.
الفصل العاشر: في الساهرة، وفضل من مات في بيت المقدس.
الفصل الحادي عشر: فيمن رأي أن يزور تلك المواضع الشريفة.
الفصل الثاني عشر: في جامع فضايل بيت المقدس.
الفصل الثالث عشر: في فضل قبر إبراهيم الخيل علبه الصلاة والتسليم وما اتصل به.
الفصل الرابع عشر: في ابتدا ء بناء المسجد الأقصى الشريف.
_______________________________________________
[الفصل الأول]
روى البخاري في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضى الله عنه، قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قلثُ ثم أي؟ قال: المسحد الأقصى، قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم قال: "أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصلِّ فيه، فإن الفضل فيه".
هكذا نقلته من البخاري، رواه الحافظ بهاء الدين في كتابه بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه.
[...] بعد ذلك في باب بناء بيت المقدس على أساس قديم.
فصلٌ: قال [...] رحمه الله تعالي قال بني سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بيت المدرس على أساس قديم، كما بني ابراهم عليه السلام الكعبة على أساس قديم، قال: والأساس القديم الذي كان لبيت المقدس، أسّسهُ سام ابن نوح عليه السلام، ثم بناه داود وسليمان عليهما السلام على ذلك الأساس.
قلتُ: وقد يقال ينبغي أن يكون الذي أسسه سام على بناءٍ قبله؛ للحديث الصحيح المتقدم، فإنه رَوي الأزافي -رحمه الله تعالى عن مجاهد رحمه الله، أنه قال: لقد خلق اللّه تعالي موضع هذا البيت يعني البيت الحرام قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سَنَة، وإن فرعه لفي الأرض السابعة السفلي.
ثم رَوَي عن على ابن أبي طالب- الحسينُ رضي الله عنه، قال: أن البيت الحرام من بناء الملائكة.
ثم روى بعد ذلك عن ابن عباس رضى الله عنه: أن آدم عليه السلام، أول من أسس البيت الحرام، وصلّى فيه، وطاف به، ثم درس موضع البيت في الطوفان حتى بعث الله تعالي إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فرفع قوعاده.
وإذا كان الأمر كذلك، وكان بنيه وبين المسجد الأقصى أربعون سَنة، وكان ابتناء المسحد لاقصى قبل سام بن نوح؛ فإنه قال في كتاب "المغني في الغريب": أنه كان بين آدم ونوح ألف سنة ومئتا سنة، ونبّه الإمام الخطابي في كتاب "الإعلام" له: علي أنه بني المسحد الأقصى وخص به أولياء الله تعالي قبل داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، وزاد فيه ووسعه، فأُضيف إليهما بناؤه.
_________________________________________________
[الفصل الثاني: في شد الرحال إلى بيت المقدس، وفضل إيتانه وإسراجه، ومن أين بدخل مدينة القدس ومن أبن بدخل مسجدها، وفضل إتيان بيت لحم والصلاة فيها]
عن [...] رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجد المدينة، ومسجد إبراهيم، ومسجد بيت المقدس"، وقال: رواه البخاري ومسلم، ثم ذكر في رواية أخرى: "المسجد الحرام، ومسجدي، والمسجد الأقصى".
وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى"، وفي حديث: أن البيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تُعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد" وذكرها. وفي رواية: "إنما تُضرب أكباد الإبل إلى ثلاثة مساجد"، وذكرها.
وفي حديث عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى" عني به بيت المقدس.
والصلاة فيه -أي: في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، وقال بعض الرواة: "كألف صلاة"، والصلاة في المسجد الأقصى بعشرة آلاف صلاة!
وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تُشد الرحال إلا إلى أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى، ومسجد دمشق"، نقلته كله من "شد الرحال".
وعن ذي الأصابع، أنه قال: يا رسول الله، أرأيتَ إذا ابتلينا بالبقاء بعدك، فأين تأمرنا؟ قال: عليكم ببيت المقدس، لعل الله سبحانه وتعالى يرزقكم ذرية مستورة اليد، ويرجون. قال أبو أيوب: يعني مسجد بيت المقدس، رواه في آخر بشائر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وروى عن ميمونة -مولاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنها قالت: قلتُ يا رسول اله، أفتنا في بيت المقدس، قال: ائتوه؛ فصلوا فيه، قالت: وكنت غائبةً والروم فيه، قال: فإن لم تستطيعوا ، فابعثوا إليه بزيت يُسرج في قناديله، رواه أبو داود. ورواه القزويني، نقلته من أول الفصل الثاني ببيت المقدس.
وروى أبي ذر رضي الله عنه، قلتُ: يا رسول الله، أخبرنا عن بيت المقدس؟ قال: هو المحشر والمنشر، ايتوه؛ فصلوا فيه. لعل من أسمائهنّ: الصلاة في بيت المقدس.
وعن (عوف) ابن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اتى بيت المقدس؛ غُفر له، ورُفع له أربعة درجات"، نقلته عن أشهر الرواة عن فضائل الصلاة في بيت المقدس. وسيأتي إن شاء الله تعالى عن فضل الصلاة فيه أثرٌ في هذا المعنى.
وعن كعب رضي الله عنه، قال: إن لله تبارك وتعالى بابٌ قد توّج في سماء الدنيا، بحذاء مسجد بيت المقدس، ينزل منه كل ليلة سبعون ألف ملك يستغفرون لمن أتى بيت المقدس يصلي فيه. نقلته من باب نزول الملائكة على بيت المقدس.
وروى عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من زار بيت المقدس، حرّم الله لحمه وجسده على النار".
وعن خليد بن دعلج رضي الله عنه، أن صفيّة زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم، أتت بيت المقدس، فصّلت فيه، وصعدت إلى طور زيتا فصلّت فيه، وقامت على طرف الجبال، فقالت: من هنا يتعرف الناس يوم القيامة إلى الجنة وإلى النار"، نقلته في باب طور زيتا.
وعن ميمونة بنت الحارث زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "أرض المحشر ولمنشر، ايتوه فصلوا فيه، فإن الصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه"، قالت: يا رسول الله، فمن لم يُطق فحملاً قال يعني: "فليهدي إليه زيتاً يُسرج في قناديله، فإن من اهدى إليه ذلك، كمن صلى فيه"، أخرجه القزويني، نقلته من باب "إسراج بيت المقدس".
وعن كعبٍ رضي الله عنه، قال: لما فرغ سليمان -عليه السلام- من بناء مسجد بيت المقدس، وضع القربان في رحبة المسجد، ثم قام على الصخرة، ثم قال بعد ثناءٍ وحمدٍ:
اللهم إني أتوسل إليك، وأسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: أن لا يدخل إليه مذنب لا يعمده إلا لطلب التوبة أن تقبل منه توبته، وتتوب عليه وتغفر له ذنبه، ولا يدخل إليه خائف لا يعمده إلا لطلب الأمن أن تؤمنه من خوفه، وتغفر له ذنبه، ولا يدخل إليه سقيم لم يعمده إلا لطلب الشفاء أن تشفي سقمه، وتغفر له ذنبه، ولا يدخل إليه مقحوط لم يعمده إلا لطلب الاستسقاء أن تسقي بلاده، وأن [لا] تصرف بصرك عمن دخله حتى يخرج منه، اللهم إن أجبت دعوتي، وأعطيتني مسألتي، فاجعل علامة ذلك أن تتقبل قرباني. فنزلت نارٌ من السماء فاحتملت القربان، وصعدت [به] إلى السماء. نقلته من آخر باب "بناء سليمان بيت المقدس".
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما بنى سليمان بيت المقدس، سأل ربه أن يعطيه ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأنا أرجوا أن يكون قد اعطاه الثالثة، سأله: مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه ذلك، وسأله حكماً وعلماً لا ينبغي لأحد من بعده؛ فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحدٌ يُصلي فيه، إلا رجع كيوم ولدته أمه، وأنا أرجوا أن يكون أعطاه ذلك.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: إن سليمان بن داود لما فرغ من بناء بيت المقدس، قرّب قرباناً فتُقبّل منه، ودعا الله تعالى بدعواتٍ منهنَّ: اللهم أيما عبد مؤمنس زارك في هذا البيت، تائباً إليك، إنما جاء يغتسل من خطاياه وذنوبه، أن تقبل منه، ووتتركه من خطاياه وذنوبه كيوم ولدته امه"، وفي رواية: "وتنزعه من خطاياه".
وفي رواية عن عبد الله أيضاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن سليمان بن داود لما فرغ من بناء مسجد بيت المقدس، سأل الله ثلاث خصال، فأعطاه إياها، سأله حكمًا يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما عبد خرج من بيته لا ينهزه إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما اثنتان فقد أعطيهما، وأنا أرجوا أن يكون أعطي الثالثة" رواه النسائي، ورواه ابن ماجه.
وعن العوام، أنه قال: ذُكر لنا أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس، ذبح ثلاثة آلاف بقرة، وسبعة آلاف شاة، ثم قال: "اللهم من آتاه من ذي ذنب فاغفر له ذنبه، أو ذي ضرٍ فاكشف ضره"، قال: فلا يأتيه أحد إلا أصاب من دعوة سليمان -عليه السلام- خيراً كثيراً، نقلته من باب سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس.
وروى الإمام البيهقي رحمه الله في باب الإسراء من كتاب "دلائل النبوة" بسنده، عن شداد بن أوس قال: قلنا: يا رسول الله، كيف أسري بك؟ قال: " صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة مقيماً، وأتاني جبريل عليه السلام بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب فاستصعبت علي، فمسك بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا: يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل، فأنزلني، فقال: صل. فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ " قلت: «الله أعلم» قال: صليت بيثرب، صليت بطيبة، فانطلقت تهوى بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا فقال: انزل، فنزلت، ثم قال: صل، فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: «الله أعلم»، قال: صليت بمدين، صليت عند شجرة موسى عليه السلام، ثم انطلقت تهوى بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور، فقال: انزل فنزلت فقال: صل فصليت، ثم ركبنا قال: أتدري أين صليت؟ قلت «الله أعلم». قال: صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى - عليه السلام - المسيح ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد، فربط به دابته، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، أرسل إلي بهما جميعا، فعدلت بينهما , ثم هداني الله عز وجل فأخذت اللبن فشربت حتى قرعت به جبيني، وبين يدي شيخ متكئ على مثراة له فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليُهدى، ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الذرّ تميّز، قلت: يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال: مثل الحمة السخنة، ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان، فسلمت عليهم، فقال: بعضهم هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، أين كنت الليلة فقد التمستك في مكانك. فقال: أتيت بيت المقدس الليلة، فقال: يا رسول الله، إنه مسيرة شهر فصفه لي قال: ففتح لي صراط كأني أنظر فيه لا يسلني عن شيء إلا أنبأته عنه قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله، فقال: المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرا لهم، فجمعه فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا , ثم بكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود، وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينتظرون حتى كان قريبا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم". هكذا رأيته في الرواية، رواه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى، ثم قال عقبه: هذا إسناد صحيح. ورأيتُ هذا الحديث في كتاب فضل الخليل إبراهيم منقولاً عن رواية الطبراني وغيره، وفيه: "بدابة بيضاء" من غير شك.
________________________________________________
[الفصل الثالث: فى فضل الصلاة وفصل الحج، والصلاة في مسجد المدينة والمسجد لأقصى الشريف، فى عام واحد]
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في بيت المقدس خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ومسجدي هذا".
وعن أبي الدرداء، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلمن قال: "الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة".
وفي حديث آخر عن أبي المهاجر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة، الجماعة منها تضاعف خمسًا وعشرين".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى في بيت المقدس غفر الله له ذنوبه كلها".
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمسٍ وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف، وصلاته في مسجدي بخمسين ألفًا، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف".
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى في بيت المقدس خمس صلوات، كل صلاة أربع ركعات، يقرأ في الخمس صلوات عشرة آلاف مرة: قل هو الله أحد، فقد اشترى نفسه من الله تعالى، وليس للنار عليه سلطان".
وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاة في مسجد بيت المقدس بخمس وعشرين ألف صلاة".
وعن أبي أمامة الباهلي -رضي اللَّه عنه- قال: قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من حجَّ البيت واعتمر وصلى ببيت المقدس وجاهد ورابط فقد استكمل جميع سنني".
وعن مكحول -رحمه الله- -، قال: "من صلّى في بيت المقدس ظهرًا وعصرًا ومغربا وعشاء ثم صلّى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
وفي رواية أخرى: "من خرج إلى بيت المقدس بغير حاجة إلا الصلاة فيه فصلى فيه خمس صلوات صبحا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء؛ خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه".
وعنه أيضاً، قال: "من زار بيت المقدس شوقاً إليه دخل الجنة مدللاً، وزاره جميع الأنبياء في الجنة وغبطوه بمنزلته من اللَّه -عز وجل- وأيما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس إلا شيعتهم عشرة آلاف من الملائكة يستغفرون اللَّه لهم ويصلون عليهم ولهم مثل أعمالهم إذا انتهوا إلى بيت المقدس فلهم بكل يوم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكاً. ومن دخل بيت المقدس طاهرا من الكبائر تلقاه اللَّه -تعالى- بمائة رحمة "ما منها رحمة" إلا لو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم ومن صلى في بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكان له بكل شعرة من جسده حسنة، ومن صلى ببيت المقدس أربع ركعات مر على الصراط كالبرق الخاطف وأعطي أمان من الفزع الأكبر يوم القيامة، ومن صلى ببيت المقدس ست ركعات أعطي مائة دعوة مستجابة أدناها براءة من النار ووجبت له الجنة، ومن صلى في بيت المقدس ثماني ركعات كان رفيق إبراهيم الخليل -صلى اللَّه عليه وسلم، ومن صلى في بيت المقدس عشر ركعات كان رفيق داود وسليمان عليهما السلام في الجنة، ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس كان له مثل حسناتهم ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة وغفرت له ذنوبه كلها.
وعن محمد بن شعيب، قال: قلت لعثمان بن عطاء الخراساني: ما تقول في الصلاة في بيت المقدس؟ قال: نعم، ائته فصلي فيه؛ فإن داود صلى الله عليه وسلم أسسه، وبناه سليمان صلى الله عليه وسلم، وبلطه بالذهب، لبنة ذهب، ولبنة فضة، وليس منه شبر إلا وقد سجد عليه ملك أو نبي، فلعل جبهتك أن توافي جبهة ملك أو نبي.
وعن سفيان الثوري -رضي الله عنه، سأله رجل بمكة، فقال: يا أبا عبد اللَّه ما تقول في الصلاة في هذه البلدة؟ فقال: بمائة ألف صلاة. قال: ففي مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: بخمسين ألف صلاة. قال: ففي بيت المقدس؟ قال: بأربعين ألف صلاة، قال: ففي مسجد دمشق؟ قال: بثلاثين ألف صلاة".
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: "من حج وصلى في مسجد المدينة والمسجد الأقصى في عام واحد، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال: هذا غريبٌ، نقلته من فضل الصلاة في المساجد الثلاثة. وذكر أن الخضر ولياس يصومان كل عام شهر رمضان في بيت المقدس، ثم يتوجهان إلى الحج الشريف.
________________________________________________
[الفصل الرابع: في فضل الإحرام في بيت المقدس، والأذان فيه]
عن أم سلمة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أهلَّ بحجٍّ أو عمرةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة" ذكره في رواية الدارقطني.
وفي رواية عنها، قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحرم من بيت المقدس كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وفي رواية أخرى: "غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم قال: رواه أبو داود، ورواه القزويني.
وعن أم حكيم بنت أمية رضي الله عنها، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أهلَّ بعمرة من بيت المقدس غفر اللَّه له".
وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما، قال: قال رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم: "من أحرم معتمرًا من بيت المقدس، قدم مكة مغفوراً له".
وقال ابن عمر: "من أحرم معتمرًا في شهر رمضان من بيت المقدس؛ عدلت عشر غزوات مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم".
وعن جابر رضي اله عنه، أن رجلاً قال يا رسول اللَّه، أي الخلق أولاً دخولاً إلى الجنة؟ قال: الأنبياء، قال: يا نبي الله ثم من؟ قال: الشهداء، قال: يا نبي الله ثم من؟ قال: مؤذنوا بيت المقدس، قال: يا نبي الله ثم من؟ قال مؤذنوا المسجد الحرام، ثم قال: يا نبي الله، ثم من؟ قال: مؤذنوا مسجدي، قال: يا نبي الله ثم من؟ قال: سائر المؤمنين على قدر أعمالهم.
___________________________________________________
[الفصل الخامس: في فضل الصدقة في بيت المقدس والصيام فيه، وشهود الأعياد فيه]
عن الحسن البصري-رحمه الله-، أنه قال: "من تصدق في بيت المقدس بدرهم كان فداؤه من النار ومن تصدق برغيف كان كمن تصدق بجبال الأرض ذهباً".
وعن مقاتل بن سليمان -رحمه الله تعالى-، قال: من صام يوماً في بيت المقدس كان له براءة من النار. وذكره ابن المرجى في كتابه.
وعن السّري السقطي، قال: إلياس والخضر -عليهما السلام- يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ثم يتوجهان إلى مكة المشرفة شرفها الله تعالى إلى يوم الدين، في كل عام.
__________________________________________________
[الفصل السادس: في فضل الصخرة، وأنها من الجنة]
عن نافع ابن عمر والمزني، رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "الصخرة والعجوة من الجنة".
وعلي بن أبي طالب: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد البقاع بيت المقدس، وسيد الصخور صخرة بيت المقدس".
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما، قال: صخرة بيت المقدس من صخور الجنة
وعن كعب الأحبار: أن الكعبة بميزان البيت المعمور في السماء السابعة الذي تحجه ملائكة الله، لو وقعت منه أحجار وقعت على أحجار البيت، وإن الجنة في السماء السابعة بميزان بيت المقدس والصخرة، لو وقع منها حجر لوقع على الصخرة، ولذلك دعيت أورشلم، ودعيت الجنة دار السلام.
وعن وهب بن مُنبّه -رضي الله عنه، قال: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: فيك جنتي وناري، وفيك جزائي وعقابي، فطوبى لمن رآك، ثم طوبى لمن رآك، ثم طوبى لمن رآك.
وعن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصخرة صخرة بيت المقدس على نخلة، والنخلة على نهر من أنهار الجنة، وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، ينظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة".
وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم، قال: "الأنهار كلها، والسحاب والرياح من تحت صخرة بيت المقدس". وفي رواية أخرة: قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم": المياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس".
وعن أبي بن كعب: ما من ماء عذب إلا وهو يخرج من تحت صخرة بيت المقدس، التي في بيت المقدس.
وعن نوف البكالى قال: الصخرة يخرج من تحتها أربعة أنهار من الجنة سيحان جيحان والفرات والنيل.
وعن كعب الأحبار، قال: قال اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس: "أنت عرشي الأدنى ومنك ارتفعت إلى السماء ومن تحتك بسطت الأرض وكلما يسيل من ذروة الجبال من تحتك".
وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لما أسري بي إلى بيت المقدس، أتى جبريل بي إلى الصخرة، فقال: من ها هنا يعرج بك إلى السماء، وألهمني الله تعالى أن قلت: من ها هنا يعُرج بك إلى السماء، فصليت بالنبيين، ثم عرج بي إلى السماء"، نقلته من باب تواضع الصخرة.
وعن أبي إدريس الخولاني، رضي الله عنه، أنه قال: يحول اللَّه يوم القيامة صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماء والأرض ثم يصيرون منها إلى الجنة والنار.
وعن أبي البحتري القاضي، قال: تكره الصلاة في سبعة مواطن: على سطح الكعبة، وعلى ظهر الصخرة صخرة بيت المقدس، وعلى طور زيتا وعلى طور سيناء وعلى الصفا والمروة وعلى جبل عرفة.
وعن حسن بن علي بن حسن الواحدي رحمه الله، قال في قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25]، قال: يدعو إسرافيل من صخرة بيت المقدس حين ينفخ في الصور بأمر الله للبعث بعد الموت.
وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صليت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس غربي الصخرة".
وعن عبد الله بن سلام، قال: من صلّى غربي الصخرة وشرقيها بالف ركعة، دخل الجنة قبل موته، حتى يراها في منامه.
وعن كعب، رضي الله عنه، قال: "من أتى بيت المقدس فصلى عن يمين الصخرة وعن شمالها، ودعا عند موضع السلسلة وتصدق بما قلَّ أو كثر استجيب دعاؤه وكشف اللَّه تعالى حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وعن عبد الرحمن بن منصور، قال: كان في زمن بني إسرائيل إذا أذنب أحدهم الذنب كتب على بابه أو جهته خطيئته أو على عتبة داره، ألا إن فلانا قد أذنب ليلة كذا وكذا فيبعدونه ويدحرونه. فيأتي باب التوبة، وهو الذي عند محراب مريم عليها السلام الذي كان يأتيها رزقها منه، فيبكي ويتضرع ويقيم حينًا فإن تاب اللَّه عليه محي ذلك عن جبينه فيقربه بنو إسرائيل وإن لم يتب عليه لم يقربوه ولم يكلموه، فيستمر يبكي هناك ليلاً ونهاراً حتى يتوب الله عليه.
________________________________________________
[الفصل التاسع: في ماء بيت المقدس، وعين سلوان، وجُب الورنه]
عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إن اللَّه عز وجل اختار من المدائن أربعة مكة وهي البلدة والمدينة وهي النخلة وبيت المقدس وهي الزيتونة ودمشق وهي التينة" واختار من الثغور أربعة إسكندرية مصر وقزوين خراسان وعبادان العراق وعسقلان الشام واختار من العيون أربعة يقول في محكم كتابه العزيز {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} [الرحمن: 50] أما اللتان تجريان فعين بيسان وعين سلوان وأما النضاختان فعين زمزم وعين عكا واختار من الأنهار أربعة سيحان وجيحان والنيل والفرات.
وعن يزيد الرقاشي قال: من أراد أن يشرب من ماء في جوف الليل، فليقل: يا ماء، ماء بيت المقدس يقرئك السلام، ثم يشرب؛ فإنه أمان بإذن الله سبحانه تعالى.
وعن شريك بن حباشة النميري، أنه ذهب يستقي من جب سليمان الذي في بيت المقدس، فانقطع دلوه فنزل الجب ليخرجه فبينما هو يطلبه بذلك الجب، إذ هو بشجرة، فتناول ورقة من الشجرة وإذا هي ليست من شجر الدنيا، فأتى بها عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- فقال -رضي اللَّه عنه- أشهد أن هذا هو الحق سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يدخل الجنة رجل من أهل هذه الأمة الجنة يمشي على قدميه، وهو حيٌّ بين أظهركم، ولكن انظروا إلى ورقة إن استمرت على حالها؛ فهي من ورق الجنة، فإن اوراقها لا تتغير ولا تيبس"، قالوا: فكانت الورقة عند شريك وضعها في مصحفه، فاستمرت عنده، وكنا نزوره وهو ساكن في سليمة، قريب من بيت المقدس، فيحضر لنا مصحفه، ويخرجه لنا منه، فنزورها، فنقبلها، ثم يضعها في مصحفه، فكانت الورقة تشبه ورق الدراقن، قدر الكف، ممدودة الرأس، فكان آخر علمنا بها، أن وضعوها على صدره وأكفانه حين مات، هكذا نُقل عنه.
_________________________________________________
[الفصل العاشر: في الساهرة، وفضل من مات في بيت المقدس]
وعن حذيفة وابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهم قالوا كنا ذات يوم جلوسا عند النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "يحشر الناس" الحديث، إلى قوله: "فينتهون إلى الأرض التي يقال لها الساهرة وهي ناحية بيت المقدس تسع الناس وتحملهم بإذن اللَّه عز وجل".
وعن ابن أبي عبلة في قوله تعالى {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14]، قال: البقيع الذي إلى جانب طور زيتا. وعن أبي بكر بن إبراهيم، قال: حديث مستفاض معروف ببيت المقدس.
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن مات ي بيت المقدس، فكأنما مات في السماء".
وعن كعب الأحبار، قال: يقول الله تعالى في التوارة لبيت المقدس: "من مات فيك فكأنما مات فيك في سماء الدنيا، ومن مات حولك فكأنما مات فيك".
وعن كعب الأحبار أيضاً: "من فات في بيت المقدس، فقد جاز الصراط".
وعن كعب الأحبار أيضاً: "مقبور بيت المقدس لا يُعذّب".
وعن وهب بن منبه قال: من دفن في بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه.
وعن خليد ابن دعلج، قال: سمعت الحسن يقول: من دفن في بيت المقدس في زيتون الملة، فكأنما دفن في السماء الدنيا. قال ابن دعلج: فما عرفت زيتون الملة، حتى قدمت بيت المقدس.
وعن عبد الرحيم بن عدي المازني، قال: سألني عبد الرزاق عن منزلي، فأخبرته أني من بيت المقدس، فقال: هل تعرف زيتون الملة؟ قال: قلت: نعم. قال: بلغني أنها روضة من رياض الجنة.
___________________________________________________
[الفصل الحادي عشر: فيمن رأي أن يزور تلك المواضع الشريفة]
رُوي عن جعفر بن مسافر، أنه قال: رأيت مؤمل بن إسماعيل ببيت المقدس أعطى قوماً شيئًا، وزوره تلك الأماكن الشريفة.
___________________________________________________
[الفصل الثاني عشر: في جامع فضايل بيت المقدس]
وعن أبي أمامة الباهلي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام".
وعن أبي الفتح سليم الرازي، رحمه الله، قال في قوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]، جاء في التفسير: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، جمع له الأنبياء في بيت المقدس، فأمّهم، فنزلت تلك الآية تلك الليلة، وقال له جبريل عليه السلام: سل هؤلاء إخوانك من الأنبياء، هل كان لله شريك؟ أو كان لله ولد؟ فلم يشك ولم يسأل، نقلتها من "باب ما جاء أن الشام مهاجر إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه من الأماكن المختارة لنزول القرآن".
وعن عائشة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن مكة بلدة عظمها الله تعالى وعظّم حرمتها، خلق مكة وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئاً من الأرض يومئذٍ، كلها بألف عام، ثم وصلها بالمدينة، ووصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلها بعد ألف عام خلقاً واحداً".
وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: كانت الأرض ماءً، فبعث الله تعالى ريحاً مسحت الماء مسحاً؛ فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع، فخلق من واحدة مكة المكرمة، ومن الثاني المدينة المنورة، ومن الثالث بيت المقدس، ومن الرابع الكوفة، نقلت ذلك من أوائل جماع أبواب فضائل القدس الشريف.
وعن عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما، قال: إن الحرم المحرم في السموات السبع بمقداره في الأرض وإن بيت المقدس لمقدس في السموات السبع بمقداره في الأرض. نقلته من باب المقدس مُقدّس.
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع مدائن في الدنيا من الجنة: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ودمشق".
وعن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يا شام أنت صفوتي من بلادي، وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي، من كان مولده فيك، فاختار عليك فبذنب يصيبه، ومن كان مولده في غيرك، فاختارك فبرحمة مني، يا شام اتسع لأهلك بالرزق، كما يتسع الرحم للولد، وعيني عليك بالطل والمطر منذ خلقت السنين والأيام، من يعدم فيك المال، لا يعدم فيك الخير، يا أورشلم أنت مقدس بنوري، وفيك المحشر، أزفك يوم القيامة كما تزف العروس إلى بعلها، ومن دخلك استغنى عن الزيت والقمح".
وعن كعب الأحبار، قال: قال الله تعالى لبيت المقدس: أنت جنتي وقدسي، وصفوتي من بلادي، من يسكنك فبرحمة مني، ومن خرج منك فبسخط مني عليه.
و عن وهب بن منبه، قال: أهل بيت المقدس جيران الله تعالى، وحق على الله تعالى أن لا يعذب جيرانه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، قال: نظر موسى -عليه السلام- إلى نور رب العزة ينزل ويصعد إلى بيت المقدس.
وعن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: باب من أبواب الجنة، يخرج من خلاله من جنان الجنة الظل والرحمة، فيسقط على مسجد بيت المقدس وجبالها وصخوراه، وصخرة بيت المقدس ياقوتة حمراء من صخور الفردوس الأعلى.
وعن كعب الأحبار، قال: باب مفتوح من السماء من أبواب الجنة، ينزل منه الحنان والرحمة على بيت المقدس كل صباح حتى تقوم الساعة، والطل الذي ينزل على بيت المقدس شفاء من كل داء؛ لأنه من حنان الجنة.
وعن مقاتل بن سليمان، رحمه الله تعالى: أن كل ليلة ينزل سبعون ألف ملك من السماء إلى مسجد بيت المقدس، يهللون الله تعالى، ويسبحون الله جلت قدرته، ويقدسون الله، ويحمدون الله، لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة.
وعن أنس بن مالك، ضي الله عنه، قال: إن الجنة تحن شوقًا إلى بيت المقدس. يقول الله تعالى لزائر بيت المقدس: يا ملائكتي اشهدوا أني قد غفرتُ لهم قبل أن يخرجوا. هذا إذا كانوا لا يُصرُّون على الذنوب والمعاصي.
وروى بهاء الدين الحافظ، عن مقاتل بن سليمان، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صلاة في مكة بمائتا ألف صلاة، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاة في بيت المقدس بخمس وعشرين ألف صلاة.
وقال: "إن الله تعالى تكفل لمن سكن بيت المقدس بالرزق، إن عازه مالٌ لم يعزه رزق"، "ومن مات مقيمًا محتسبًا في بيت المقدس فكأنما مات في السماء، ومن مات حول بيت المقدس فكأنما مات في بيت المقدس، وما نقص في الأرضين زيد في الأرض التي حول بيت المقدس، والمياه العذبة كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس، وأول الأرض التي بارك الله فيها أرض بيت المقدس، ويجعل الرب جل جلاله مقامه يوم القيامة في أرض بيت المقدس، وجعل صفوته من الأرضين كلها أرض بيت المقدس، والأرض المقدسة التي ذكرها الله تعالى في القرآن فقال: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}. هي أرض بيت المقدس، وقال الله تعالى لموسى: انطلق إلى بيت المقدس، فإن فيه ناري ونوري وتنوري، وكلم الله تعالى موسى في أرض بيت المقدس، وتجلى الله تعالى للجبل في أرض بيت المقدس، ورأى موسى -عليه السلام- نور رب العزة في أرض بيت المقدس، وصخرة بيت المقدس هي وسط الأرضين كلها.
وروي عن مقاتل بن سليمان، أنه قال: تاب الله على داود وسليمان عليهم السلام في أرض بيت المقدس، وغفر الله خطايا بني إسرائيل في بيا المقدس، ورد الله تعالى على سليمان ملكه في بيت المقدس، وبشّر الله تعالى إبراهيم وسارة بإسحاق في بيت المقدس، وبشر الله زكريا بيحيى في بيت المقدس، وسخر الله لداود الجبال والطير في بيت المقدس، وتسور الملائكة على داود المحراب ببيت المقدس، وكانت الأنبياء -صلوات الله عليهم- تقرب القربان ببيت المقدس، وتهبط الملائكة كل ليلة إلى بيت المقدس، وأوتيت مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء في بيت المقدس، وأجرى الله تعالى نهرًا من الأردن إلى بيت المقدس، وأنبت الله تعالى لمريم النخلة ببيت المقدس، وتكلم عيسى في المهد صبيًّا ببيت المقدس، وولد عيسى -عليه السلام- ببيت المقدس، ورفعه إلى السماء من بيت المقدس، وينزل عيسى من السماء إلى الأرض ببيت المقدس، وأنزلت عليه المائدة في أرض بيت المقدس، وتغلب يأجوج ومأجوج على الأرض كلها غير بيت المقدس، ويهلكهم الله تعالى في أرض بيت المقدس، وينظر الله تعالى في كل يوم بخير إلى بيت المقدس، وأعطى الله تعالى البراق للنبي صلى الله عليه وسلم فحملته إلى بيت المقدس، وأوصى آدم حين مات بأرض الهند أن يدفن في بيت المقدس، وأوصى إبراهيم وإسحاق لما ماتا أن يدفنا في أرض بيت المقدس، وماتت مريم -عليها السلام- ببيت المقدس، وهاجر إبراهيم -عليه السلام- من كوثاريا إلى بيت المقدس، ويكون الهجرة في آخر الزمان إلى بيت المقدس، وهبطت السلسلة إلى بيت المقدس، ورفعت السلسلة من بيت المقدس، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون زمانًا إلى بيت المقدس، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مالكًا خازن النار ببيت المقدس، وركب النبي صلى الله عليه وسلم البراق إلى بيت المقدس، وهبط به من السماء إلى بيت المقدس، وصلى بالنبيين ببيت المقدس، والمنشر والمحشر إلى بيت المقدس، ويأتي الله تعالى في ظلل من الغمام والملائكة إلى بيت المقدس، وتزف الجنة يوم القيامة إلى أرض بيت المقدس، ويصير الخلق كلهم ترابًا غير الثقلين ببيت المقدس، والحساب يوم القيامة ببيت المقدس، وينصب الصراط على جهنم بأرض بيت المقدس، وتوضع الموازين يوم القيامة ببيت المقدس، وصفوف الملائكة يوم القيامة ببيت المقدس، وينفخ إسرافيل في الصور على صخرة بيت المقدس، ينادي: أيتها العظام البالية، واللحوم المتمزقة، والعروق المتقطعة، اخرجوا إلى حسابكم، تنفخ فيكم أرواحكم، وتجازون بأعمالكم. ويتفرق الناس من بيت المقدس إلى الجنة والنار، فذلك قوله: {يومئذ يتفرقون}. ويومئذ يعرضون فريق في الجنة وفريق إلى النار. وكفل زكريا مريم -عليها السلام- ببيت المقدس، ويقتل عيسى -عليه السلام- الدجال في أرض بيت [المقدس]، وفهم الله تعالى سليمان منطق الطير ببيت المقدس، وسأل سليمان ربه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه ذلك.
وقال الله تعالى لسليمان -عليه السلام- حين فرغ من بناء بيت المقدس: يا سليمان سلني أعطك. قال: يا رب أسالك أن تغفر لي ذنوبي. قال الله له: لك ذلك. قال: يا رب وأسألك ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. قال الله تعالى: لك ذلك. قال: يا رب وأسألك لمن جاء هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال الله تعالى: ولك ذاك. قال: وأسألك لمن جاءه من سقيم أن تشفيه. قال الله تعالى: لك ذلك. قال: وأسألك أن يكون عينك عليه إلى يوم القيامة. قال الله تعالى: ولك ذاك. ومن تصدق في بيت المقدس بدرهم كان فداءه من النار، ومن تصدق فيها برغيف كان كمن تصدق بجبال الأرض ذهبًا. وصفوة الله من بلاده بيت المقدس، وفيها صفوته من عباده، وليأتين زمان يقول أحدهم: ليتني تبنة في لبنة في بيت المقدس. وأحب الشام إلى الله تعالى بيت المقدس.
___________________________________________________
[الفصل الثالث عشر: في فضل قبر إبراهيم الخيل علبه الصلاة والتسليم من الملك الرب الرحيم، وما اتصل به، والذي نقلته من كتاب أبي المعالي المشرق]
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أسري بي إلى بيت المقدس، مر بي جبريل إلى قبر إبراهيم الخليل، فقال: انزل صلي هاهنا ركعتين؛ فإن هاهنا قبر أبيك إبراهيم عليه الصلاة والتكريم".
وعن كعب الأحبار، أنه قال: أول من مات ودفن في حبرى سارة، دفنها إبراهيم -عليه السلام- وهي زوجته، وكان ملك تلك الأرض كافراً، فأراد إبراهيم أن يشتري منه مكاناً وكل من مات من ذريته ليدفنه فيه، وكان قد طلب منه المغارة بأن يبيعها له، فقال ل الملك: قد أبحتك أرضي، فادفن حيث شئت، وكان الملك قال له: قد بعتك بأربعمئة درهم كل ما سكة ملك، وأراد تعجيزه ليرجع إلى كلامه ويدفن حيث أراد، فخرج من عنده، فجاءه جبريل فدفع له أربعمائة درهم، كل مائة سكة ملك، فقبلها منه، الملك، وباعه المغارة، فأول من مات ودفن فيها سارة، ثم توفي إبراهيم عليه السلام، فدفن فيها، ثم توفت "ريقا" زوجة إسحاق، فدفنت فيها، ثم توفي إسحاق -عليه السلام- فدفن فيها بحيال زوجه، ثم توفي يعقوب -عليه السلام- فدفن عند باب المغارة، ثم توفيت ليقا فدفنت بحذاء يعقوب.
فاجتمع أولاد يعقوب العيص وإخوته، فقالوا: ندع باب المغارة مفتوحًا، فكل من مات منا دفناه فيه، فتشاجروا، فرفع أحد أخوة العيص يده فلطم العيص، فسقط رأسه في المغارة، فحملوا جثته، ودفن بلا رأس، وبقي الرأس في المغارة، وسدوا باب المغارة، وحوطوا على المغارة حائطًا، وعملوا فيه علامات القبور في كل موضع، وكتبوا عليه: هذا قبر إبراهيم عليه السلام، هذا قبر سارة، هذا قبر إسحاق، هذا قبر ربقة، هذا قبر يعقوب، هذا قبر زوجته ليقا، وخرجوا عنه وأطبقوا بابه، فكان من جاز به يطوف لا يصل إليه أحد، حتى جاءت الروم بعد ذلك ففتحوا له بابًا، ودخلوا إليه، وبنوا كنيسة.
ولما أراد الله أن يقبض روح خليله إبراهيم -عليه السلام- أوحى إلى الدنيا: إني دافن فيك خليلي، فاضطربت الدنيا اضطرابًا شديدًا، وتشامخت جبالها، وتواضعت منها بقعة يقال لها: حبرى، فقال الله تعالى لها: يا حبرى أنت شعوعي، أنت شعشوعي، أنت قدسي، أنت بيت قدسي، فيك خزانة علمي، وعليك أنزل رحمتي وبركاتي، وإليك أحشر خيار عبادي من ولد خليلي، فطوبى لمن وضع جبهته فيك لي ساجدًا، أسقيه من حظيرة قدسي، وآمنه أفزاع قيامتي، وأسكنه الجنة برحمتي، فطوباك، ثم طوباك، أدفن فيك خليلي.
وعن كعب الأحبار، قال: إن سليمان بن داود لما فرغ من بناء مسجد بيت المقدس، أوحى الله تعالى إليه: أن ابن على قبر خليلي إبراهيم بناء؛ ليعرف به، فذهب وبنى السور السليماني.
وعن وهب بن منبه، رضي الله عنه، أنه قال: إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج، فمن لم يحج ولحق ذلك، فعليه بقبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإن زيارته تعدل حجة. قال: ومن زار قبر إبراهيم في عمره مرة، لا يعنيه إلا ذلك، حشر يوم القيامة آمنًا من الفزع الأكبر، ووقى فتاني القبر، وكان حقًّا على الله تعالى أن يجمع بينه وبين إبراهيم -عليه السلام- في دار السلام.
وعن كعب الأحبار، قال: من زار بيت المقدس، وقصد قبر إبراهيم -عليه السلام- للصلاة فيه، فصلى فيه خمس صلوات، صبحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءًن ثم سأل الله تعالى شيًا أعطاه، وغفرت ذنوبه كلها، ومن زار قبر إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وسارة، وربقة، وليقا، أعطي بتلك الزيارة الكرامة الدائمة، والرزق الواسع في دنياه، ويبلغه الله تعالى بذلك منازل الأبرار، ولا يرجع إلى منزله إلا وقد غفرت له ذنوبه، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى إبراهيم، فيبشره أن الله تعالى قد غفر له.
وعن عبد الله بن سلام، رضي الله عنه، قال: إن الزيارة إلى قبر إبراهيم -عليه السلام- والصلاة عنده حج الفقراء، ودرجات الأنبياء.
أدب الزيارة إذا أراد أن يزور قبر إبراهيم عليه السلام، أن يخلص النية، ويسأل الله التوفيق والعصمة، فإن الأنبياء أحياء في قبورهم، ثم يقصد المكان بإخبات وسكون، وذكر واستغفار، ثم يدخل المسجد، ويبدأ بإدخال رجله اليمنى، ويُصلي ركعتين تحية المسجد حيثما تيسر له، ثم يقصد قبر الخليل إبراهيم عليه السلام من أي ناحية امكنه، فيقف ويستقبل القبر الشريف بأدب ولا يُقبله، ولا يضع يده عليه، بل يبعد عنه قدر ثلاثة أذرع، فإن الأنبياء أحياء في قبورهم، فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا خليل الله، السلام عليك يا مُقري الضيفان، السلام عليك يا مكسّر الأصنام، السلام عليك يا مُشبع الجيعان، السلام عليك يا أبا الأنبياء الكرام، ورحمة الله وبركاته، ويتوسل به إلى الله تعالى، فإنه من توسل به اجابه وقضى مراده، ويدعو بما أحب واختار، ولمن سأله من إخوانه المؤمنين، وأوصاه، ثم يمضي إلى قبر إسحاق بن الخليل ويدعو عنده كما دعا عند قبر أبيه من الدعا والتضرع ويسأل حاجته، ثم يمضي الى قبر يعقوب بن إسحاق فيدعو عنده، ويجتهد في الدعاء، فإن الدعاء عند قبره مستجاب، ويسأل الله تعالى حاجته من خير الديا والآخرة، تم يمضي إلى قير يوسف الصديق بن يعقوب، ويدعو عند قبره، فإن قبره خارج المغارة، مدفون في صندوق رخام، فيزوره ويجتهد في الدعاء عند قبره، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ثم يمضي ويزور قبر سارة زوجة إبراهيم عليه السلام؛ فيقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا سيدتي سارة ورحمة الله وبركاته، ثم يمضي إلى قبر أريقة ويفعل كذلك، ثم يمضي إلى السرداب فيزوره، ويدعو هناك بما أحب واختار، ثم يُصلي ركعتين في المحراب الكبير.
ذكر ما أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم لتميم الداري، قبل أن يفتح الله على المسلمين الشام، وكتب له بذلك كتابًا، وجاء إلى أبي بكر رضي الله عنه، فأجاز له كتاب رسول الله صلى الله عليه سلم، وكذلك جاء إلى عمر، فأجاز له بعد الفتوح ما أجاز له رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته كذلك.
ثم روى عن ابن أبي هند الداري قال: قدمنا على رسول الله -عليه السلام- ونحن ستة نفر، تميم ابن أوس، وأخوه نعيم بن أوس، ويزيد بن قيس، وأبو عبد الله بن عبد الله، وعبد الرحمن وفاكهة بن النعمان، فأسلمنا، وسألنا رسول الله -عليه السلام- أن يقطعنا أرضًا من أرض الشام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "اسألوا حيث شئتم". فقال أبو هند: نسأل بيت المقدس وكورتها. فقال أبو هند: رأيت ملك العجم اليوم، أليس هو ببيت المقدس؟ قال تميم: نعم. ثم قال أبو هند: وكذلك يكون فيها ملك العرب، وأخاف أن لا يتم لنا هذا. فقال تميم: فنسأله بيت جبريل وكورتها. قال أبو هند: هذا البر وأكثر. فقال تميم: وأين ترى أن نسأله؟ فقال: أرى أن نسأله القرى التي يصنع فيها حصرنا، مع ما فيها من آثار إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعة من جلد، من أدم، فكتب لنا كتابًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ذكر ما وهب محمد رسول الله للداريين، إذا أعطاه الله الأرض وهب لهم بيت عين، وحبرون، والمرطوم، وبيت إبراهيم، بمن فيهم لهم أبدًا، شهد عباس بن عبد المطلب، وجهم بن قيس، وشرحبيل بن حسنة، وكتب.
قال: ثم دخل بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة خاتمًا بشيء لا يعرف، وعقده من خارج الرقعة بسير عقدتين، وخرج إلينا به مطويًّا، وهو يقول: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}. ثم قال: "انصرفوا حتى تسمعوا بي أني قد هاجرت إلى المدينة"؛ فقدمنا إليه فسألناه يُجدد لنا كتاباً آخر، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطى محمد رسول الله -عليه السلام- تميم الداري وأصحابه، إني أنطيتكم بيت عين، وحبرون، والمرطوم، وبيت إبراهيم، برمتهم وجميع ما فيهم، نطية بت، ونفذت وسلمت، ذاك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الأبد، فمن آذاهم فيهم آذاه الله، شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب.
فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي أبو بكر، وجند الجنود إلى الشام، كتب لنا كتابًا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة ابن الجراح، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين، فإن كان أهلها قد جلوا عنها، وأراد الداريون يزرعونها فليزرعوها، فإذا رجع إليها أهلها فهي لهم، وأحق بهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، والحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق