أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

الطريق إلى القرآن إبراهيم عمر السكران بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الطريق إلى القرآن

إبراهيم عمر السكران

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: ليست أزمة الإنسان في هذا العصر أنه فقد المعرفة، وإنما في أنه فقد البوصلة التي تهديه إلى حسن استعمالها.. تتسع دائرة العلم، وتتضاعف وسائل الاتصال، وتتزاحم الأفكار، لكن مساحة الأخلاق في النفوس تضيق شيئًا فشيئًا؛ حتى أصبح المرء يرى التناقض الصارخ بين براعة العقول وفقْر الضمائر، وبين ازدهار الحضارة وذبول القيم. وفي خضم هذا الاضطراب، يظل القرآن الكريم هو النداء الإلهي الذي لم يزل يدعو الإنسان إلى أن يبدأ رحلة الإصلاح من داخله، قبل أن يطلبها في العالم من حوله. 

لقد اعتاد كثير من الناس أن يتعاملوا مع القرآن ككتاب يتلون آياته في وقت محدد من الزمن ليحصل لهم البركة والأجر، ثم تعود الحياة إلى مجراها القديم كأن شيئًا لم يكن. ومع أن لهذا أثر جليل لا يُنكر، لكنه ليس الغاية التي من أجلها أنزل الله كتابه، وإنما هي بدايات الطريق نحو الهداية والأمان والنجاة. لأن الغاية الكبرى هي أن يتحول القرآن إلى قوةٍ تبني الإنسان، وتعيد تشكيل وجدانه، وتصوغ منطقه، وتقوّم علاقته بربه، وبنفسه، وبالناس جميعًا.

فالقرآن لا يخاطب العقل ليملأه بالمعلومات، ولا القلب ليغمره بالمشاعر فحسب، وإنما يخاطب الكيان الإنساني كله (الروح، والقلب، والعقل)؛ ليصنع شخصيةً متوازنة، تعرف الحق فتتبعه، وتعرف الخير فتؤثره، وتملك القوة فتعدل، وتملك القدرة فتصفح، وتواجه البلاء فتصبر، وتستقبل النعمة فتشكر. وهكذا تتحول الأخلاق من أوامر محفوظة إلى طبيعة راسخة، ومن تكلفٍ ثقيل إلى سلوك تلقائي ينبع من أعماق الإيمان.

ولم يعرف التاريخ إنسانًا جسّد هذه الحقيقة كما جسدها رسول الله ﷺ؛ فلم يكن القرآن عنده كتابًا يُتلى، بل كان حياةً تتحرك، وعدلًا يُمارس، ورحمةً تُفيض على الخلق، حتى استحقت كلمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تبقى الوصف الأبلغ لشخصيته حين قالت: «كان خُلُقُه القرآن». لقد صار القرآن في حياته إنسانًا يمشي بين الناس، يعلّمهم بالفعل قبل القول، ويهديهم بالسلوك قبل الموعظة.

ومن هنا فإن سؤالًا يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لم تعد آثار القرآن في كثير من المسلمين تتجاوز حدود التأثر المؤقت؟ لماذا تهتز القلوب عند التلاوة، بينما تبقى الأخلاق في الأسواق والبيوت وميادين الحياة بعيدةً عن هديه؟ وكيف انتقل القرآن عند بعضنا من كونه قائدًا للحياة إلى كونه رفيقًا للمناسبات؟ إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي مفتاح كل مشروع يريد أن يعيد للأمة قوتها، لأن الأمم لا تنهض بكثرة الشعارات، وإنما تنهض حين تتحول مبادئها إلى واقعٍ يراه الناس.

ومن أجل ذلك جاءت صفحات هذا الكتاب؛ لا لتضيف معلومات جديدة إلى مكتبة القارئ، وإنما لتدعوه إلى صحبةٍ جديدة مع القرآن، صحبةٍ تبحث عن الأخلاق في مواضعها، وتستخرج من الآيات قوانين بناء النفس، وتربط بين الإيمان والعمل، وبين التلاوة والسلوك، وبين المعرفة والتزكية. فليس المقصود أن نزداد حفظًا للآيات وحدها، وإنما أن نزداد شبهًا بها، حتى يصبح القرآن حاضرًا في الكلمة التي ننطق بها، والقرار الذي نتخذه، والخلق الذي نعامل به الناس.

فإذا استطاع هذا الكتاب أن يوقظ في قلب قارئه سؤالًا صادقًا، أو يفتح أمامه بابًا للمراجعة، أو يدفعه إلى خلقٍ واحد يلتزمه ابتغاء مرضاة الله، فقد بلغ غايته، لأن أعظم انتصار للقرآن ليس أن يُتلى بصوتٍ جميل، وإنما أن يُرى أثره في إنسانٍ جميل.

وإليك الكتاب فيما يلي:

______________________________________________

مدخل:

الحمد الله وبعد، لطالما أرني حديث بعض الصالحين إذ يتحدثون عما يرونه من فرق مبهر في حياتهم، وعن فرقٍ عظيمٍ في فهمهم وصحة نظرهم واستقرار تفكيرهم؛ ببركة هذا القرآن.. ولطالما أرني حديث بعض الصالحين إذ يبثون شجواهم عما يجدونه في أنفسهم بعد تلاوة القرآن.. يتحدثون عن شيء يحسون به، كأنما يلمسونه بحواسهم، من قوة الإرادة في فعل الخيرات والتأبي على المعاصي..

وراحة النفس في صراعات الأفكار والمنافسات الاجتماعية.. بل لقد أرني فوق ذلك كله تشرف النبي ﷺ ذاته بالقرآن! سيد ولد آدم يتشرف بكتاب الله.. فانظر كيف يرسم القرآن حال النبي ﷺ قبل القرآن، وحال النبي ﷺ بعد القرآن، كما قال تعالى ﴿وكَذَلك أَوحينا إِلَيك روحا من أَمرِنا ما كُنت تدرِي ما الْكتاب ولَا الْإِيمانُ﴾ [الشورى:٥٢].

وقول الله سبحانه: ﴿نحن نقُص علَيك أَحسن الْقَصصِ بِما أَوحينا إِلَيك هذَا الْقُرآنَ وإِنْ كُنت من قَبله لَمن الْغافلين﴾ [يوسف: ٣].

فانظر بالله عليك كيف تأثرت حال النبي ﷺ بعد إنزال القرآن عليه، بل انظر ما هو أعجب من ذلك وهو حال النبي ﷺ بعد الرسالة إذا راجع ودارس القرآن مع جبريل كيف يكون أجود بالخير من الريح المرسلة كما في البخاري، هذا وهو رسول الله ﷺ الذي كمل يقينه وإيمانه، ومع ذلك يتأثر بالقرآن فيزداد نشاطه في الخير، فكيف بنفوسنا الضعيفة المحتاجة إلى دوام العلاقة مع هذا القرآن..

بل انظر كيف جعل خاصية الرسول تلاوة هذا القرآن فقال: ﴿رسولٌ من اللَّه يتلُو صحفًا مطَهرةً﴾ [البينة: ٢]. وانظر إلى ذلك التصوير الشجي لحال أهل الإيمان في ليلهم كيف يسهرون مع القرآن ﴿أُمةٌ قَائمةٌ يتلُونَ آيات اللَّه آناءَ اللَّيلِ﴾ [آل عمران: ١١٣].

أترى أن الله جل وعلا ينوع ويعدد التوجيهات لتعميق العلاقة مع القرآن عبثاًَ؟ فتارةً يحثنا صراحة على التدبر ﴿أَفَلَا يتدبرونَ الْقُرآنَ﴾ [محمد: ٢٤]. وتارةً يحثنا على الإنصات إليه ﴿وإِذَا قُرِئ الْقُرآنُ فَاستمعوا لَه وأَنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

وتارةً يأمرنا بالتفنن في الأداء الصوتي الذي يخلب الألباب لتقترب من معاني هذا القرآن ﴿ورتلِ الْقُرآنَ ترتيلًا﴾ [المزمل: ٤]. وتارةً يأمرنا بالتهيئة النفسية قبل قراءته بالاستعاذة من الشيطان لكي تصفو نفوسنا لاستقبال مضامينه ﴿فَإِذَا قَرأْت الْقُرآنَ فَاستعذْ بِاللَّه من الشيطَان الرجِيمِ﴾ {النحل: ٩٨]. 

وتارةً يغرس في نفوسنا استبشاع البعد عن القرآن ﴿وقَالَ الرسولُ يا رب إِنَّ قَومي اتخذُوا هذَا الْقُرآنَ مهجورا﴾ [الفرقان:٣٠]. وتارات أخرى ينبهنا على فضله، وتيسيره للذكر فهل من مدكر، وعظيم المنة به... الخ، كل ذلك ليرسخ علاقتنا بالقرآن..

فهل ترى ذلك كله كان اتفاقاً ومصادفة لا تحمل وراءها الدلالات الخطيرة؟!

بل هل من المعقول أن يكون القرآن الذي أقسم الله به، وتمدح،بالتكلم به، وجعله أعظم الكتب السماوية التي أنزلها سبحانه وخص به أفضل البشرية محمداً، وجعل حفظ ألفاظه خاصية أهل العلم، هل من المعقول أن تكون كل هذه الخصائص والشرف والعظمة للقرآن ويكون كتاباً اعتيادياً في حياتنا؟!

لا بد أن هذا الشرف للقرآن يعكس عظمةً في مضامين ومحتويات هذا القرآن ذاته، ولا بد أن يكون لهذا القرآن حضور في حياتنا يوازي هذه العظمة.

وفي هذه الرسالة القصيرة التي بين يديك حصيلة خطرات وتباريح حول واقع القرآن في حياتنا، وآثاره المبهرة الحسية والمعنوية. 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه

أبوعمر - ربيع الآخر ١٤٣٣هـ

____________________________________________

-١- سطـوة القـرآن

من أعجب أسرار القرآن وأكثرها لفتاً للانتباه تلك السطوة الغريبة التي تخضع لها النفوس عند سماعه.. (سطوة القرآن) ظاهرة حارت فيها العقول.. حين يسري صوت القارئ في الغرفة يغشى المكان سكينة ملموسة تهبط على أرجاء ما حولك..

تشعر أن ثمة توتراً يغادر المكان.. كأن الجمادات من حولك أطبقت على الصمت.. كأن الحركة توقفت.. هناك شيء ما تشعر به لكنك لا تستطيع أن تعبر عنه..

حين تكون في غرفتك - مثلاً - ويصدح صـوت القـارئ مـن جهازك المحمول، أو حين تكون في سـيارتك في لحظـات انتظـار ويتحول صوت الإذاعة إلى عرض آيات مسجلة من الحرم الشريف.. تشعر أن سكوناً غريباً يتهادى رويداً رويداً فيما حولك..

كأنما كنت في مصنع يرتطم دوي عجلاته ومحركاته ثم توقف كل شيء مرة واحدة.. كأنما توقف التيار الكهربائي عن هذا المصنع مرة واحـدة فخـيم الصمت وخفتت الأنوار وساد الهدوء المكان..

هذه ظاهرة ملموسة يصنعها (القرآن العظيم) في النفوس تحدث عنها الكثير من الناس بلغة مليئة بالحيرة والعجب.. يخاطبك أحياناً شاب مراهق يتذمر من والده أو أمه.. فتحاول أن تصوغ له عبارات تربوية جذابـة لتقنعـه بضـرورة احترامهما مهما فعلا له..

وتلاحظ أن هذا المراهق يزداد مناقشة ومجادلة لك.. فإذا استعضت عن ذلك كله وقلت له كلمة واحدة فقط: يا أخـي الكريم يقول تعالى ﴿واخفض لَهما جناح الذُّلِّ من الرحمة وقُـلْ رب ارحمهما كَما ربيانِي صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]. رأيت موقـف هذا الفتى يختلف كلياً..

شاهدت هذا بأم عيني.. ومن شدة انفعالي بالموقف نسيت هذا الفتى ومشكلته.. وعدت أفكر في هذه السطوة المدهشة للقرآن.. كيف صمت هذا الشاب وأطرق رد سماع قوله تعالى ﴿واخفض لَهما جناح الذُّلِّ من الرحمة وقُلْ رب ارحمهما كَمـا ربيـانِي صغيرا﴾..

حتى نغمات صوته تغيرت.. يا أالله كيف هزته هذه الآية هزاً.. حين قدمت للمجتمع الغربي أول مرة قبل ثلاث سنوات للدراسة؛ اعتنيت عناية بالغة بتتبع قصص وأخبار (حديثي العهد بالإسلام).. كنت أحاول أن أستكشف سؤالاً واحداً فقط:

ما هو أكثر مؤثر يدفع الإنسان الغربي لاعتناق الإسلام؟ (حتى يمكن الاستفادة منه في دعوة البقية).. كنت أتوقع أنني يمكن أن أصل إلى (نظرية معقدة) حول الموضوع، أو تفاصيل دقيقة حول هذه القضية لا يعرفها كثير مـن النـاس، وقرأت لأجل ذلك الكثير من التجارب الذاتية لشخصيات غربيـة أسلمت، وشاهدت الكثير من المقاطع المسجلة يروي فيها غربيـون قصة إسلامهم، وكم كنت مأخوذاً بأكثر عامل تردد في قصصهم، ألا وهو أنهم (سمعوا القرآن وشعروا بشعور غريب استحوذ عليهم).

هذا السيناريو يتكرر تقريباً في أكثر قصص الذين أسلموا، وهم لا يعرفون اللغة العربية أصلاً!

إنها سطوة القرآن.. والله يقول ﴿لَو أَنزلْنا هذَا الْقُرآنَ علَى جبـلٍ لَرأَيته خاشعا متصدعا من خشية اللَّه﴾[الحشر: ٢١].. هذا تـأثر الجمادات فكيف بالبشر؟!

ومن أعجب أخبار سطوة القرآن قصة شهيرة رواها البخـاري في صحيحه وقد وقعت قبل الهجرة النبوية وذلك حـين اشـتد أذى المشركين لما حصروا بني هاشم والمطلب في شـعب أبي طالـب، فحينذاك أذن النبي ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، فخرج أبـو بكر يريد الهجرة للحبشة فلقيه مالك بن الحارث (ابن الدغنة) وهو سيد قبيلة القارة، وهي قبيلة لها حلف مع قريش، وتعهد أن يجير أبا بكر ويحميه لكي يعبد ربه في مكة، يقول الراوي:

(فطفق أبو بكر يعبد ربـه في داره، ولا يسـتعلن بالصـلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفنـاء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصـف عليـه نسـاء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين). [البخاري: ٢٢٩٧].

هذه الكلمة (فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم) من العبارات التي تطرق ذهني كثيراً حين أسمع تالياً للقرآن يأخذ الناس بتلابيبهم.. ومعنى يتقصف أي يزدحمون ويكتظون حوله مـأخوذين بجمـال القرآن.. فانظر كيف كان أبو بكر لا يحتمل نفسه إذا قرأ القـرآن فتغلبـه دموعه..

وانظر لعوائل قريش كيف لم يستطع عتاة وصناديد الكفار الحيلولة بينهم وبين الهرب لسماع القرآن.. ومن أكثر الأمور إدهاشاً أن الله - جل وعلا - عرض هذه الظاهرة البشرية أمام القرآن على أنها دليل وحجة، فالله سبحانه وتعالى نبهنا إلى أن نلاحظ سطوة القرآن في النفوس باعتبارها من أعظم أدلـة هذا القرآن ومن ينابيع اليقين هذا الكتاب العظيم، ولم يشر القرآن إلى مجرد تأثر يسير، بل يصل الأمر إلى الخرور إلى الأرض..

هل هناك انفعال وتأثر وجداني أشد من السقوط إلى الأرض؟.. تأمل معي هذا المشهد المدهش الذي يرويه ربنا جل وعـلا عـن سطوة القرآن في النفوس:

﴿قُلْ آمنواْ بِه أَو لاَ تؤمنواْ إِنَّ الَّذين أُوتواْ الْعلْم من قَبله إِذَا يتلَى علَيهِم يخرونَ للأَذْقَان سجدا﴾ [الإسراء: ١٠٧].. بالله عليك أعد قراءة هذه الآية وأنت تتخيل هذا المشـهد الـذي ترسم هذه الآية تفاصيله: قوم ممن أوتو حظاً من العلم حين يتلـى عليهم شيء من آيات القرآن لا يملكـون أنفسـهم فيخـرون إلى الأرض ساجدين الله تأثراً وإخباتاً.. يا أالله ما أعظم هذا القرآن..

بل تأمل في أحوال قوم خير ممن سـبق أن ذكـرهم الله في الآيـة السابقة..

استمع إلى انفعال وتأثر قوم آخرين بآيات الوحي، يقول تعالى: ﴿أُولَئك الَّذين أَنعم اللَّه علَيهِم من النبِيين من ذُرية آدم وممـن حملْنا مع نوحٍ ومن ذُرية إِبراهيم وإِسرائيلَ وممن هدينا واجتبينا إِذَا تتلَى علَيهِم آيات الرحمنِ خروا سجدا وبكيا﴾ [مـريم: ٥٧].. هذه الآية تصور جنس الأنبياء..

ليس رجلاً صالحاً فقط.. ولا قوم ممن أوتوا العلم.. ولا نبياً واحداً أو نبيَّيَن.. بل تصور الآية (جنس الأنبياء).. وليست الآية تخبر عن مجرد أدب عند سماع الوحي وتأثر يسـير به.. بل الآية تصور الأنبياء كيف يخرون إلى الأرض يبكون.. الأنبياء.. جنس الأنبياء.. يخرون للأرض يبكون حين يسمعون الوحي..ماذا صنع في نفوسهم هذا الوحي العجيب؟

وقوم آخرون في عصر الرسالة ذكر الله خبرهم في معرض المـدح والتثمين الضمني في صورة أخاذة مبهرة يقول تعالى: ﴿وإِذَا سمعواْ ما أُنزِلَ إلى الرسولِ تـرى أَعيـنهم تفـيض مـن الـدمعِ﴾ [المائدة:٨٣]، أي شخص يقرأ الآية السابقة يعلم أن هذا الذي فاض في عيونهم من الدموع حين سمعوا القرآن أنه شيء فاق قدرتهم على الاحتمال..

هذا السر الذي في القرآن هو الذي استثار تلك الدمعات الـتي أراقوها من عيوم حين سمعوا كلام الله.. لماذا تساقطت دمعاتهم؟ إنها أسرار القرآن.. هذه الظاهرة البشرية التي تعتري بني الإنسان حـين يسـمعون القرآن ليست مجرد استنتاج علمي أو ملاحظات نفسانية..

بل هي شيء أخبرنا الله أنه أودعه في هذا القرآن.. ليس تأثير القرآن في النفوس والقلوب فقط.. بل - أيضاً - تأثيره الخارجي على الجوارح.. الجوارح إذاً تهتز وتضطرب حين سماع القرآن.. قشعريرة عجيبة تسري في أوصال الإنسان حين يسمع القرآن..

يقول تعالى: ﴿اللَّه نزلَ أَحسن الْحديث كتابا متشابِها مثَانِي تقْشـعر منـه جلُود الَّذين يخشونَ ربهم ثُم تلين جلُودهم وقُلُوبهم إلى ذكْـرِ اللَّه﴾ [الزمر: ٢٣]، لاحظ كيف يرسم القرآن مراحل التأثر، تقشعر الجلود، ثم تلين، إنها لحظة الصدمة بالآيات التي يعقبها الاستسـلام الإيمـاني، بـل والاستعداد المفتوح للانقياد لمضامين الآيات..

ولذلك مهما استعملت من (المحسنات الخطابيـة) في أسـاليب مخاطبة الناس وإقناعهم، فلا يمكن أن تصل لمستوى أن يقشعر الجلد في رهبة المواجهة الأولى بالآيات، ثم يلين الجلـد والقلـب لربـه ومولاه، فيستسلم وينقاد بخضوع غير مشروط.. هذا شيء يراه المرء في تصرفات الناس أمامه.. 

جرب مثلاً أن تقول لشخص يستفتيك: هذه معاملة بنكية ربويـة محرمة بالإجماع، وفي موقف آخر: قدم بآيات القرآن في تحريم الربا، ثم اذكر الحكم الشرعي، وسترى فارق الاستجابة بـين المـوقفين؛ بسبب ما تصنعه الآيات القرآنية من ترويض النفـوس والقلـوب لخالقها ومولاها، تماماً كما قال تعالى ﴿تقْشعر منه جلُود الَّـذين يخشونَ ربهم ثُم تلين جلُودهم وقُلُوبهم إلى ذكْرِ اللَّه..﴾

وفي مقابل ذلك كله.. حين ترى بعض أهل الأهـواء يسـمع آيات القرآن ولا يتأثر بها، ولا يخضع لمضامينها، ولا ينفعل وجدانه لها، بل ربما استمتع بالكتب الفكرية والحوارات الفكرية وتلذذ بها، وقضى فيها غالب عمره، وهو هاجر لكتاب الله يمر بـه الشـهر والشهران والثلاثة وهو لم يجلس مع كتاب ربه يتأملـه ويتـدبره ويبحث عن مراد الله من عباده، إذا رأيت ذلك كله؛ فاحمد الله يا أخي الكريم على العافية، وتذكر قول الله سبحانه ﴿فَويلٌ للْقَاسية قُلُوبهم من ذكْرِ اللَّه﴾ [الزمر: ٢٢].

وحين يوفقك ربك فيكون لك حزب يومي من كتاب الله (كما كان لأصحاب رسول الله ﷺ أحزاب يومية من القـرآن)؛ فحـين تنهي تلاوة وردك اليومي فاحذر يا أخي الكريم أن تشعر بأي إدلال على الله أنك تقرأ القرآن، بل بمجرد أن تنتهي فاحمل نفسك علـى مقام إيماني آخر؛ وهو استشعار منة الله وفضله عليك أن أكرمـك هذه السويعة مع كتاب الله، فلولا فضل الله عليك لكانـت تلـك الدقائق ذهبت في الفضول كما ذهب غيرها، إذا التفاـت الـنفس لذاتها بعد العمل الصالح نقص مسيرها إلى الله، فإذا التفتـت إلى الله لتشكره على إعانته على العبادة ارتفعت في مدارج العبودية إلى ربها ومولاها.

وقد نبهنا الله على ذلك بقوله تعالى ﴿ولَولَا فَضلُ اللَّـه علَيكُم ورحمته ما زكَى منكُم من أَحد أَبدا﴾ [النور: ٢١]، وقول الله ﴿وقَالُوا الْحمد للَّه الَّذي هدانا لهذَا وما كُنا لنهتدي لَولَا أَنْ هدانا اللَّه﴾ [الأعراف:٤٣]، فتزكية النفوس فضل ورحمة من الله يتفضل بها على عباده، فهـو بعد العبادة يحتاج إلى عبادة أخرى وهي الشكر والحمد، وبصـورة أدق فالمرء يحتاج لعبادة قبل العبادة، وعبادة بعد العبادة، فهو يحتاج لعبادة الاستعانة قبل العبادة، ويحتاج لعبادة الشكر بعد العبادة..

وكثير من الناس إذا عزم على العبادة يجعل غاية عزمه التخطـيط والتصميم الجازم.. وينسى أن كل هذه وسائل ثانوية.. وإنما الوسيلة الحقيقية هي (الاستعانة).. ولذلك وبرغم أن الاستعانة في ذاتها عبـادة إلا أن الله أفردهـا بالذكر بعد العبادة فقال ﴿إِياك نعبد وإِياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]..

وهذه الاستعانة بالله عامة في كـل شـيء، في الشـعائر، وفي المشروعات الإصلاحية، وفي مقاومة الانحرافـات الشـرعية، وفي الخطاب الدعوي، فمن استعان بالله ولجأ إليه فتح الله لـه أبـواب توفيقه بألطف الأسباب التي لا يتصورها..

على أية حال، لا يمكن أن يفـوت القـارئ ملاحظـة هـذه الانفعالات التي يحدثها القرآن في النفوس، والتي هي (سطوة القرآن) فعلاً، والسطوة أصل معناها كما يقول ابن فارس (أصل يدل على القهر والعلو)، فالقرآن له قهر وعلو ملموس على النفوس، وهـذا المعنى نظير وصف الله للقرآن بالإزهاق ﴿وقُلْ جاءَ الْحق وزهـق الْباطلُ﴾ [الإسراء: ٨١].

ونظير وصف الله للقرآن بالدمغ ﴿بـلْ نقْذف بِالْحق علَى الْباطلِ فَيدمغه﴾ [الأنبياء: ١٨]، ونظير وصف الله للقرآن بتصديع الكائنات ﴿لَو أَنزلْنا هذَا الْقُرآنَ علَـى جبـلٍ لَرأَيته خاشعا متصدعا من خشية اللَّه﴾ [الحشر: ٢١]، ونظير تشبيه الله للقرآن بالبرق ﴿يكَاد الْبرق يخطَف أَبصارهم﴾ [البقرة: ٢٠]. كما نبه على هذا التشبيه ابن عباس رضي الله عنه.

ولصحة هذا المعنى فإنك تجد في كتب الآثار أوصافاً للقرآن تدور حول أثره في النفوس، كعبارة (زواجر القرآن)، وعبـارة (قـوارع القرآن)، ونحوها مما هو متداول في كتب الآثار.

والسطوة بمعنى العقوبة فعلٌ لائق بالله كما جاء في بعض الآثـار عند ابن حبان وغيره (إن الله إذا أنزل سطوته)، ويكثر في كتـب التفسير بالمأثور كالطبري وابن كثير ونحوهم قولـه (يحـذرهم الله سطوته)، اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم أحي قلوبنا بكتابك، اللهم اجعلنا ممن إذا استمع للقرآن اقشعر جلـده ثم لان جلـده وقلبـه لكلامك، اللهم اجعلنا ممن إذا سمع ما أنزل إلى رسـولك تفـيض عيوننا بالدمع، اللهم اجعلنا ممن إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً، اللهم إنا نعوذ بك ونلتجئ إليك ونعتصم بجنابك أن لا تجعلنا من القاسية قلوم من ذكر الله.

___________________________________________

-٢- تأمل.. كيف انبهروا !

تأمل كيف تنفعل (الجمادات الصماء) بسكينة القرآن ﴿لَو أَنزلْنا هذَا الْقُرآنَ علَى جبـلٍ لَرأَيته خاشعا متصدعا من خشية اللَّه﴾[الحشر: ٢١].. الجبال الرواسي التي يضرب المثل في صلابتها تتصدع وتتشقق من هيبة كلام الله..

وتأمل كيف انبهر (نساء المشركين وأطفالهم) بسكينة القـرآن، ففي صحيح البخاري: (أن أبا بكر ابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصـلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقـرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش مـن المشـركين) [البخـاري: ٢٢٩٧]. والتقصف هو الازدحام والاكتظاظ..

وتأمل كيف انبهر (صناديد المشركين) بسكينة القـرآن، ففـي البخاري: أن جبير بن مطعم أتى الـنبي يريـد أن يفاوضـه في أسارى بدر، فلما وصل إلى النبي ﷺ وإذا بالمسلمين في صلاة المغـرب، وكان النبي ﷺ إمامهم، فسمع جبير قراءة النبي، ووصف كيف خلبت أحاسيسه سكينة القرآن، كما يقول جبير بن مطعم: (سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَم خلقُوا من غَيرِ شيءٍ أَم هم الْخالقُونَ، أَم خلَقُوا السماوات والْأَرض بلْ لَا يوقنونَ، أَم عندهم خزائن ربـك أَم هـم الْمصيطرونَ﴾ [الطور: ٣٧ - ٣٥]، كاد قلبي أن يطير) [البخاري: ٤٨٥٤].

الله در العرب ما أبلغ عباراتهم.. هكذا يصور جبير أحاسيسه حين سمع قوارع سورة الطور، حيث يقول: (كاد قلبي أن يطير)، هذا وهو مشرك، وفي لحظـة عـداوة تستعر إثر إعياء القتال، وقد جاء يريد تسليمه أسرى الحرب، ففي خضم هذه الحالة يبعد أن يتأثر المرء بكلام خصمه، لكن سـكينة القرآن هزته حتى كاد قلبه أن يطير..

وتأمل كيف انبهرت تلك المخلوقات الخفية (الجـن) بسـكينة القرآن، ذلك أنه لما كان النبي ﷺ في موضع يقال له (بطن نخلـة) وكان يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فهيأ الله له مجموعة من الجـن، يسمون (جن أهل نصيبين)، فاقتربوا من رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما سمعوا قراءة النبي ﷺ في الصلاة انبهروا بسكينة القـرآن، وأصـبحوا يوصون بعضهم بالإنصات، كما يقول تعالى: ﴿وإِذْ صرفْنا إِلَيـك نفَرا من الْجِن يستمعونَ الْقُرآنَ فَلَما حضروه قَـالُوا أَنصـتوا﴾ [الأحقاف: ٢٩].

وأخبر الله في موضع آخر عن ما استحوذ على هؤلاء الجن مـن التعجب فقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحي إِلَي أَنه استمع نفَر مـن الْجِـن فَقَالُوا إِنا سمعنا قُرآنا عجبا﴾ [الجن: ١].. 

وتأمل كيف انبهر (صالحوا البشر) بسكينة القرآن، فلم تقتصـر آثار الهيبة القرآنية على قلوم فقط، بل امتدت إلى الجلود فصارت تتقبض من آثار القرآن، كما قال تعالى: ﴿اللَّـه نـزلَ أَحسـن الْحديث كتابا متشابِها مثَانِي تقْشعر منه جلُود الَّذين يخشـونَ ربهم﴾ [الزمر: ٢٣].

وتأمل كيف انبهر (صالحوا أهل الكتاب) بسكينة القرآن، فكانوا إذا سمعوا تالياً للقرآن ابتدرم دموعهم يراها النـاظر تتلامـع في محاجرهم كما صورها القرآن في قوله تعالى: ﴿ولَتجِدنَّ أَقْـربهم مودةً للَّذين آمنوا الَّذين قَالُوا إِنا نصارى ذَلك بِأَنَّ منهم قسيسِين ورهبانا وأَنهم لَا يستكْبِرونَ، وإِذَا سمعوا ما أُنـزِلَ إِلَـى الرسولِ ترى أَعينهم تفيض من الدمعِ﴾ [المائدة: ٨٣-٨٢]..

وتأمل كيف انبهرت (الملائكة الكرام) بسكينة القرآن، فصارت تتهادى من السماء مقتربةً إلى الأرض حين سمعـت أحـد قـراء الصحابة يتغنى بالقرآن في جوف الليل، كما في صحيح البخـاري:

عن أسيد بن حضير قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقـرة، فرفعـت رأسـي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجـت حـتى لا أراها، قال رسول الله ﷺ "وتدري ما ذاك؟" قال: لا. قال رسول الله: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم " [البخاري: ٥٠١٨].

وتأمل كيف انبهر (الأنبياء) عليهم أزكـى الصـلاة والسـلام بسكينة الوحي، كما يصور القرآن تأثرهم بكلام الله، وخـرورهم إلى الأرض، وبكاءهم؛ كما في قوله تعالى ﴿أُولَئك الَّذين أَنعم اللَّه علَيهِم من النبِيين من ذُرية آدم وممن حملْنا مع نوحٍ ومن ذُريـة إِبراهيم وإِسرائيلَ وممن هدينا واجتبينا إِذَا تتلَى علَـيهِم آيـات الرحمنِ خروا سجدا وبكيا﴾ [مريم:٥٨].

وأخيراً.. تأمل كيف انبهر أشرف الخلق على الإطلاق، وسـيد ولد آدم (محمد)؛ بسكينة القرآن، ففي البخاري: عن عبـد الله بن مسعود أنه قال: (قال لي رسول الله: "اقرأ علي"، فقلت: أقرأ عليك يـا رسول الله ﷺ وعليك أنزل؟ فقال رسول الله: "إني أشتهي أن أسمعـه من غيري"، فقرأت النساء حتى إذا بلغت "فكيف إذا جئنا من كل  أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا"، قال لي رسـول الله: "كف، أو أمسك"، فرأيت عينيه تذرفان) [البخاري: ٥٠٥٥].

يا لأسرار القرآن.. ويا لعجائب هذه الهيبة القرآنية التي تتطامن على النفوس فتخبت لكلام الله، وتتسلل الدمعات والمرء يداريها ويتنحنح، ويشعر المسلم فعلاً أن نفسه ترفرف من بعد ما كانت تتثاقل إلى الأرض.. 

هكذا إذن.. الجمادات الرواسي تتصدع، ونسـاء المشـركين وأطفالهم يتهافتون سراً لسماع القرآن، وصنديد جاء يفـاوض في حالة حرب ومع ذلك "كاد قلبه يطير" مع سورة الطـور، والجـن استنصت بعضهم بعضاً وتعجبوا وولـوا إلى قـومهم منـذرين، والمؤمنون الذين يخشون رـم ظهـر الاقشـعرار في جلـودهم، والقساوسة الصادقون فاضت عيوم بالدمع، والملائكة الكرام دنت من السماء تتلألأ تقترب من قارئ في حرات الحجـاز يـتغنى في جوف الليل بالبقرة، والأنبياء من لدن آدم إذا سمعوا كلام الله خروا إلى الأرض ساجدين باكين، ورسول الله ﷺ حين سمع الآية تصور عرصات القيامة ولحظة الشهادة على الناس استوقف صاحبه ابـن مسعود من شدة ما غلبه من البكاء..

رباه.. ما أعظم كلامك.. وما أحسن كتابك..

كتاب هذا منزلته، وهذا أثره؛ هل يليق بنا يا أخـي الكـريم أن نهمله؟ وهل يليق بنا أن نتصفح يومياً عشرات التعليقات والأخبـار والإيميلات والمقالات، ومع ذلك ليس لـ (كتاب الله) نصيب مـن يومنا؟

فهل كتب الناس أعظم من كتاب الله؟

وهل كلام المخلوقين أعظم من كلام الخالق؟!

وهل روايات الساردين أعظم من قصص القرآن؟!!

لقد اشتكى رسول الله ﷺ من كفار قومه حين وقعوا في صـفة بشعة، فواحسرتاه إن شانا هؤلاء الكفار في هذه الصفة التي تذمر منها رسول الله، وجأر بالشكوى إلى الله منها، يقول رسول الله ﷺ في شكواه: ﴿وقَالَ الرسولُ يا رب إِنَّ قَومي اتخذُوا هذَا الْقُرآنَ مهجورا﴾ [الفرقان: ٣٠].

أي خسارة.. وأي حرمان.. أن يتجارى الكسل والخمول بالمرء حتى يتدهور في منحـدرات (هجر القرآن).. إذا كان رسول الله ﷺ وهو حبيبنا الذي نفديـه بأنفسنا وأهلينا وما نملك يشتكي إلى ربه الكفار بسـبب (هجـر القرآن)..

فهل نرضى لأنفسنا أن نخالف مراد حبيبنا رسول الله ﷺ ؟

هل نرضى لأنفسنا أن ننزل في المربع الذي يؤذي رسول الله ﷺ ؟

فأين توقير نبينا ؟.

أخي الذي أحب له ما أحب لنفسي.. القضية لن تكلفنا الكثير، إنما هي دقائق معدودة من يومنا نجعلها حقاً حصرياً لكتاب الله.. نتقلب بين مواعظه وأحكامه وأخباره، فنتزكى بما يسيل في آياته العظيمة من نبض إيماني، ومعدن أخلاقي، والتزامـات حقوقيـة، ورسالة عالمية إلى الناس كافة..

____________________________________________

-٣- منـازل الأشعـريين

حادثةٌ حكاها لي مرةً أحد الأقارب قبل زهاء خمس عشرة سـنة.. كان يتحدث لي بشكل عرضي لم يلقِ هو بالاً وهو يتحدث.. لكن قصته تلك لازالت تتناوب على ذهني بين فينة وأخرى.. قريبي هذا يسكن قرية حدودية في عالية نجد، ويروي لي أنـه في الأيام العليلة من السنة يغلق أجهزة التكييف وينام قريباً من النافذة..

ويعلم عن دخول الثلث الأخير من الليل عبر صوت أحد الكهول في القرية يدخل المسجد مع الهزيع الأخير مـن الليـل، وفي فنـاء المسجد يفترش طرفاً من السجادة الطويلة ويبدأ يرتـل القـرآن في صلاته بطريقة كبار السن المعهودة.. وهذه عادته كل ليلة..

منذ حكى لي قريبي تلك القصة وأنا أتحين ذلك الكهـل لأرى صلاته الروحانية.. يا ليتك تراه وهو يقبض لحيته بين حين وآخر.. ثم يسترسـل في قراءته.. لقد كاد يأخذ بأنحاء قلبي.. قراءته تلك ليست بتجويد مصقول..ولا حتى بصوت أنيق..

ولكنها - وعزة جلال الله - فيها صدق ويقين أحس أن حولـه هالة نور وهو يقرأ ويرتل.. صحيح أن القرآن بعامة يحمل طاقة تأثيرية تخلب لب المستمع.. ولكن هناك أمر إضافي صرت ألمسه أخيراً.. وهو أن القرآن إذا خيم سكون الليل يكون عالماً آخر..

ثمة قدر إضافي في جلال القرآن لحظة سكون الليل.. ذلك الكهل القرآني.. توفي قبل سنيات قلائل رحمه الله رحمـة واسعة.. ولكن ما الذي بعث قصته من مرقدها في ذهني؟

الحقيقة أن الذي أيقظ هذه القصة القديمة قصة مماثلة مـرت بي وأنا أتصفح صحيح البخاري.. وأنا واثق أنك منذ أن تقرأ هـذه القصة في البخاري فلن تخطئ عينك وجه العلاقة.. فقد روى البخاري عن النبي ﷺ أنه قال:

(إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار) [البخاري:٤٢٣٢].

لاحظ كيف لم ير النبي ﷺ منازلهم بالنهار.. ثم استطاع أن يحـدد موقعها لما خيم الليل بسبب ما بدأ يتسرب منها من حنين المرتلين.. إنها "منازل الأشعريين"..

يا أالله.. بالله عليك ألا تلمس في كلمات رسول الله ﷺ حرارة الإعجاب لذلك الترتيل الذي يتهادى من منازلهم بالليل ؟! واضح أن النبي ﷺ لم يكن يخبر عن مجرد سماعه مصادفة لتلاوم الليلية..

بل تكاد تتحسس كيف كان متأثراً بروعـة ذلـك الصـوت القرآني لدرجة تتبع مصدره وتعيين موقعه في الليل، ثم الإخبار بذلك نهاراً..

هكذا يكشف مشاعره: (وأعرف منازل الأشـعريين مـن أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منـازلهم حـين نزلـوا بالنهار).. هل تصدق أنني شعرت بحب جارف لأولئك الأشعريين الـذين كانت أصواتهم بالقرآن بالليل تستثير إعجاب رسول الله..

بل لقد دفعني ذلك الحب أن أبحث عن شيء من أخبـارهم في كتب التراجم والسير.. صحيح أنني وجدت لهم بعض الفضائل، لكنها لم تشف نفسـي إلى الآن عن خبرهم، وخبر ليلهم الذي كانوا يسهرونه مع كتـاب الله.. فاللهم ارض عن الأشعريين..

النبي ﷺ كان يسمع القرآن بالنهار قطعاً، فلماذا جذبته قـراءة الأشعريين وصار يتلفت إلى منازلهم إذن؟

لا أدري.. لكنني أميل إلى أنها أسرار القرآن بالليل.. فآيات القرآن إذا هبطت غيوم المساء صارت تتدفق بروحانيـة خاصة.. 

انبعاث صوت القارئ بالقرآن بين أمواج الليل السـاكن قصـة تنحني لها النفوس..

وقد مرت بي شواهد أخرى لاحظت فيها هذا الحـنين النبـوي لصوت القرآن بالليل.. ففي صحيح الإمام مسلم: أن النبي ﷺ قـال مرة لأبي موسى: (لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة) [مسلم: ١٨٨٧]..

ويبدو أن رسول الله ﷺ يشتد اهتمامه لمصدر الصوت حين يسمع قارئاً يقرأ القرآن وسط ظلام الليل.. حتى أنـه إذا أصـبح أخـبر أصحابه بتلك القراءات القرآنية الليلية.. وقوله "لو رأيتني وأنا أستمع" يدل على أن النبي ﷺ أعـار الأمـر اهتمامه.. وأخذ ينصت..

تذكر معي هاهنا أن رسول الله ﷺ يحفظ القرآن بإحفاظ الله لـه..ومع ذلك ينصت لمصدر الصوت بالقرآن مهتماً.. ثم يخبر أصحابه بعد ذلك.. لماذا؟

إتها أسرار روحانية القرآن حين تستحوذ على سـكون الليـل البهيم.. ليس البشر فقط.. بل حتى الملائكة خرجت عن استتارها يوماً حين انبعث صـوت الصحابي بالقرآن.. ففي صحيح البخاري عن أسيد بـن حضـير، قال:

"بينما هو يقرأ من الليل سورة البقـرة، فرفعـت رأسـي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجـت حـتى لا أراها، قال رسول الله ﷺ "وتدري ما ذاك؟" قال: لا. قال رسول الله:

"تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر النـاس إليها لا تتوارى منهم" [البخاري: ٥٠١٨].. كلما سمعت قارئاً يتلوا شيئاً من سورة البقرة.. ومرت بي بعض المواضع المثيرة للعقل البشري.. 

وفي البقرة مواضع تهز النفوس هـزاً أعظمها آية الكرسي التي كلها في أوصاف الجلال الإلهية، وقصـة تقلب وجه الرسول في السماء فو نفسه لتغيير القبلة، وقصة ابتلاء إبراهيم الخليل بالكلمات وإمامته في الدين، وقصة الملأ مـن بـني إسرائيل الذين طلبوا القتال ثم أخذوا يتساقطون علـى مراحـل، ومواضع عجيبة أخرى..

والمراد أنني كلما سمعت قارئاً يتلوا شيئاً من البقرة تذكرت تنزل الملائكة بأنوارهم حين أخذ أسيد بن الحضير يرتل البقرة وسط جنح الظلام..

لماذا تنزلت الملائكة كأا المصابيح تتلألأ وخرجت عن استتارها؟ إنها عجائب كتاب الله حين يهيمن فوق سكون الليل.. بل تأمل في خبر أعجب من ذلك كله، وهو أن النبي ﷺ كـان يحث أصحابه بشتى الطرق - المباشرة وغير المباشرة - على تـلاوة القرآن بالليل..

كان رسول الله ﷺ يبعث رسائل ضمنية أثناء تحدثه مع أصحابه، تغرس فيهم مركزية تلاوة القرآن إذا لف المساءُ المدينة.. ومن تلك القصص أنه ذُكر مرة في مجلس الـنبي الصـحابي الجليل "شريح الحضرمي" فأثنى النبي ﷺ عليه بطريقة لـيس مـن الصعب بتاتاً فهم الرسالة الضمنية فيها..

فقد روى النسائي وغيره بسند صحيح أن "شريحاً الحضرمي ذُكر عند رسول الله ﷺ فقـال رسول الله ﷺ " ذاك رجل لا يتوسد القرآن" [النسائي: ٢٥٦/٣].. دعني أعترف لك أولاً أنني حين قرأت هذا الحديث أول مرة لم يستبن لي وجهه؟

ما معنى " لا يتوسد القرآن"؟

وهل هناك أحد أصلاً يجعل القرآن وسادة لا سمح الله؟

وإذا بالمعنى أنه لا ينام بالليل ويترك حزبه من القـرآن، لكـن البلاغة النبوية العظيمة صورت من ينام عن القرآن كأنه اتخذ القرآن وسادة!

والنص له وجهان، إما أن يكون الرسول يمدح من لا يتوسد القرآن، أو يذم من يتوسد القرآن، ورجح ابن الجوزي في غريبـه والسندي في حاشيته الوجه الأول، وعلى كلا التقديرين فالحاصـل هو تنبيه الرسول بطريقة بلاغية مثيرة على مكانة تـلاوة القـرآن بالليل..

إذا كان النوم عن القرآن شبهه الرسول باتخاذه "وسـادة"، فيبدو أن وسائدنا تكت من كثرة النوم عليها! فاللهم ارحم الحال ولا تجعلنا ممن يتوسد محفوظاتنا من القرآن..

وفي كتاب الله إشارات إلى ذلك الجمال الأخاذ لقراءة الـوحي بالليل.. 

منها أن الله تعالى أثنى مرة على قوم بذلك.. فقـال تعـالى في وصفهم: ﴿أُمةٌ قَائمةٌ يتلُونَ آيـات اللَّـه آنـاءَ اللَّيـلِ﴾]آل عمران: ١١٣].. 

هل تستطيع أن تمنع الشجو حين تتخيل هؤلاء القوم الذين أحب الله فيهم التغني بآيات الوحي إذا أوى الناس إلى فرشهم؟

الله جل جلاله يثمن منهم هذا الموقف ويخلده في كتابه العظيم.. أخذت مرة أتأمل مثل هذه الأخبار القرآنية النبوية عن جـلال القرآن في الليل..

وأخذت أتساءل: ما سبب ذلك يا ترى؟

هل هناك تفسير علمي لذلك؟ لم أصل لنتيجة حاسمة، لكن بدت لي بعض الإشارات في كتاب الله.. فقد أشار القرآن في غير موضع إلى كون الليل موضعاً للسـكن كما قال تعالى: ﴿فَالق الْإِصباحِ وجعلَ اللَّيلَ سـكَنا﴾ [الأنعـام: ٩٦].

وقال تعالى: ﴿أَلَم يروا أَنـا جعلْنـا اللَّيـلَ ليسـكُنوا فيه﴾ [النمل: ٨٦]؛ ففي أصل التكوين البشري يحتاج الإنسان إلى السكينة بالليـل.. وتكون النفس مهيأة بما يعتريها من هذا الهدوء..

والوحي الإلهي من أعظم أسباب السكينة.. ومن هذا الباب كانت أحد الوجوه في تفسير ما في التـابوت في قوله تعالى: ﴿وقَالَ لَهم نبِيهم إِنَّ آيةَ ملْكه أَنْ يأْتيكُم التابوت فيه سكينةٌ من ربكُم﴾ [البقرة: ٢٤٨]..

ولذلك فإن المعرض عن القرآن يصاب بالآلام النفسية كما قال تعالى: ﴿ومـن أَعـرض عـن ذكْـرِي فَـإِنَّ لَـه معيشـةً ضنكًا﴾ [طه: ١٢٤].. فالحياة الطيبة الحقيقية لا تكون إلا لأهل الإيمان كما قال تعالى: ﴿من عملَ صالحا من ذَكَرٍ أَو أُنثَى وهو مؤمن فَلَنحيِينه حيـاةً طَيبةً﴾ [النحل: ٩٧]..

والمراد أن من تأمل اهتمام النبي ﷺ تجاه مصدر الصوت بالقرآن في الليل حين قال: (إني لأعرف منازل الأشعريين بالليل من أصواتهم بالقرآن).. وحين قال لأبي موسى (لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة).. ومدح النبي ﷺ لشريح الحضرمي بأنه (رجل لا يتوسد القـرآن)..

وتنزل الملائكة كأنها المصابيح حين أخذ أسيد بن حضير يرتـل سورة البقرة بالليل.. ومدح الله لأولئك القوم بأم ﴿أُمةٌ قَائمةٌ يتلُونَ آيات اللَّه آناءَ اللَّيلِ﴾ [آل عمران:١١٣] الخ

من تأمل ذلك كله.. فهل سيبقى ليله يتصرم في سهرات ترفيهية مع الأصـدقاء، أو يتصفح الترهات الفكرية ومقاطع اليوتيوب على شبكة الانترنت ؟!

هل سيرحل أكثر اليوم وليس فيه إلا اماك في تتبع تعليقات غـير نافعة على شبكات التواصل الاجتماعي؟ هاهو العمر يمضي والناس من حولنا لا يمضي أسبوع إلا ويقال "أحسن الله عزاءك في فـلان".. فهل يا ترى سيفنى العمر هكذا في الفضول والترفيـه ونحـن لم نتذوق حلاوة كتاب الله آناء الليل؟

_______________________________________________

-٤- مع القلوب الصخرية

الحديث عن قسوة القلب حديث ذو شجون، ومن رزايا هذا الزمن أن صرنا لا نستحي من المناصحة عن قسوة القلب بينما قلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة.. لكن دعنا يا أخي ندردش دردشة المحبوسين يتشاجون لبعضهم كيف يهربون من معتقلات خطاياهم..

لقد قرأت كثيراً كثيراً في كتب الرقائق والإيمانيات والمواعظ، وجربت كثيراً من الوسائل التي ذكروها، وأصدقك القول أنني رأيتها محدودة الجدوى، لا أنكر أن فيها فائدة، لكن ليست الفائدة الفعلية التي كنت أتوقعها، ووجدت العلاج الحقيقي الفعال الناجع المذهل في دواء واحد فقط، دواء واحد لا غير، وكلما استعملته رأيت الشفاء في نفسي، وكلما ابتعدت عنه عادت لي أسقامي، هذا العلاج هو بكل اختصار (تدبر القرآن).

دع عنك كل ما يذكره صيادلة الإيمان، ودع عنك كل عقاقير الرقائق التي يصفوا، واستعمل (تدبر القرآن) وسترى في نفسك وإيمانك وقوتك على الطاعات وتأبيك على المعاصي وراحة نفسك في صراعات المناهج والأفكار شيئاً لا ينقضي منه العجب.

كل تقصير يقع فيه الإنسان، سواء كان تقصيراً علمياً بالتأويل والتحريف للشريعة، أو كان تقصيراً سلوكياً بالرضوخ لدواعي الشهوة، فإنه فرع عن قسوة القلب.. 

وهل تعلم كيف تحدث قسوة القلب؟ قسوة القلب ناشئة عن البعد عن الوحي، ألا ترى الله تعالى يقول: ﴿أَلَم يأْن للَّذين آمنوا أَنْ تخشع قُلُوبهم لذكْرِ اللَّه وما نزلَ من الْحق ولَا يكُونوا كَالَّذين أُوتوا الْكتاب من قَبلُ فَطَالَ علَيهِم الْأَمد فَقَست قُلُوبهم﴾ [الحديد: ١٦].

أرأيت يا أخي؟ إنه طول الأمد.. !

لما طال عليهم الأمد قست قلوم.. ولو جددوا العهد مع الوحي لحيت قلوبهم.. فإذا قسا القلب تجرأ الإنسان على الميل بالشريعة مع هواه.. وإذا قسا القلب اون الإنسان في الطاعات واستثقلها.. وإذا قسا القلب عظمت الدنيا في عين المرء فأقبل عليها وأهمل حمل رسالة الإسلام للناس.. وإذا قسا القلب ضعفت الغيرة والحمية لدين الله..

وما العلاج إذاً ؟

العلاج لما يحيك في هذه الصدور هو مداواتها بتدبر القرآن.. بالله عليك تأمل في قوله تعالى: ﴿يا أَيها الناس قَد جاءَتكُم موعظَةٌ من ربكُم وشفَاءٌ لما في الصدورِ وهدى ورحمةٌ للْمؤمنِين﴾ [يونس:٥٧].. هكذا تقدم الآية المعنى بكل وضوح "وشفاء لما في الصدور"..

ولكن ما الذي في الصدور؟!

في الصدور شهوات تتشوف.. وفي الصدور شبهات تنبح.. وفي الصدور حجب غليظة.. وفي الصدور طبقات مطمورة من الرين ﴿كَلَّا بلْ رانَ علَىٰ قُلُوبِهِم ما كَانوا يكْسِبونَ﴾ [المطففين: ١٤].. وهذه الدوامات التي في الصدور دواؤها كما قال الله: ﴿قَد جاءَتكُم موعظَةٌ من ربكُم وشفَاءٌ لما في الصدورِ﴾ [يونس: ٥٧]..

فإذا شفيت الصدور وجدت خفة نفس في الطاعات.. وإذا شفيت الصدور انقادت للنصوص بكل سلاسة ونفرت من التأويل والتحريف.. وإذا شفيت الصدور تعلقت بالآخرة واستهانت بحطام الدنيا.. وإذا شفيت الصدور امتلأت بحمل هم إظهار الهدى ودين الحق على الدين كله..

وأعجب من ذلك أنه إذا شفيت الصدور استقزمت الأهداف الصغيرة.. تلك الأهداف التي تستعظمها النفوس الوضيعة.. الولع بالشهرة.. وحب الظهور.. وشغف الرياسة والجاه في عيون الناس.. وشهوة غلبة الأقران..

النفوس التي شفاها هذا القرآن.. ترى كل ذلك حطام إعلامي ظاهره لذيذ فإذا جرب الإنسان بعضه اكتشف تفاهته.. وأنه لا يستحق لحظة من العناء فضلاً عن اللهاث سنوات.. فضلاً عن تقبل أن يقوم المرء بتحريف الوحي ليقال فلان الوسطي الراقي الوطني التنموي الحضاري النهضوي التقدمي.. إلى غير ذلك من عصائب الأهواء التي تعشي العيون عن رؤية الحقائق..

هل تظن يا أخي أن تحريف معاني الشريعة لا صلة له بقسوة القلب؟! أفلا تقرأ معي يا أخي قوله تعالى ﴿وجعلْنا قُلُوبهم قَاسيةً يحرفُونَ الْكَلم عن مواضعه﴾ [المائدة: ١٣].. على أية حال..

دعنا نعد قراءة آية الشفاء ﴿يا أَيها الناس قَد جاءَتكُم موعظَةٌ من ربكُم وشفَاءٌ لما في الصدورِ وهدى ورحمةٌ للْمؤمنِين﴾ [يونس:٥٧].. يا الله..

هل قال الله "شفاء لما في الصدور".. نعم إنه شفاء لما في الصدور.. هكذا بكل وضوح..

هذا القرآن يا أخي له سحر عجيب في إحياء القلب وتحريك النفوس وعمارتها بالشوق لباريها جل وعلا.. وسر ذلك أن هذا القرآن له سطوة خفية مذهلة في صناعة الإخبات والخضوع في النفس البشرية- كما يقول تعالى ﴿وليعلَم الَّذين أُوتوا الْعلْم أَنه الْحق من ربك فَيؤمنوا بِه فَتخبِت لَه قُلُوبهم﴾ [الحج:٥٤]... 

فإذا أخبتت النفوس.. وانفعلت بالتأثر الإيماني.. انحلت قيود الجوارح.. ولهج اللسان بالذكر.. وخفقت الأطراف بالركوع والسجود والسعي لدين الله.. كما يصور الحق تبارك وتعالى ذلك بقوله: ﴿اللَّه نزلَ أَحسن الْحديث كتابا متشابِها مثَانِي تقْشعر منه جلُود الَّذين يخشونَ ربهم ثُم تلين جلُودهم وقُلُوبهم إِلَىٰ ذكْرِ اللَّه﴾ [الزمر:٢٣].

لاحظ كيف تقشعر.. ثم تلين.. إنها الرهبة التي تليها الاستجابة.. وتلك هي هيبة القرآن..

_______________________________________________

-٥- الشاردون

حالات الانحراف عن التدين حالات تذيب القلب مرارةً، وخصوصاً إذا كان المنحرف صديقاً قريباً عشت معه أيام العلم والإيمان..

وحالات الانحراف بينها تفاوت كبير.. فبعضهم مشكلته (علمية) بسبب رهبة عقول ثقافية كبيرة انهزم أمامها.. وبعضهم مشكلته (سلوكية) بسبب ضعفه أمام لذائذ اللهو والترفيه.. وإن كان الأمر دوماً يكون مركباً من هوى وشبهة لكنه يكون أغلب لأحدهما بحسب الحال، فإما تعتريه شبهة تقوده للتمرغ في الشهوات، وإما تغلبه شهوة فيتطلب لها الشبهات والمخارج والحيل.

وأنا إلى هذه الساعة على كثرة ما تعاملت مع هذه الحالات لا أعرف علاجاً أنفع من (تدبر القرآن) فإن القرآن يجمع نوعي العلاج (الإيماني والعلمي) وهذا لا يكاد يوجد في غير القرآن، فالقرآن له سر عجيب في صناعة الإخبات في النفس البشرية ﴿وليعلَم الَّذين أُوتوا الْعلْم أَنه الْحق من ربك فَيؤمنوا بِه فَتخبِت لَه قُلُوبهم﴾ [الحج: ٥٤]..

وإذا تهيأ المحل بالإيمان لان لقبول الحق والإذعان له كما قال تعالى ﴿اللَّه نزلَ أَحسن الْحديث كتابا متشابِها مثَانِي تقْشعر منه جلُود الَّذين يخشونَ ربهم ثُم تلين جلُودهم وقُلُوبهم إِلَى ذكْرِ اللَّه﴾ [الزمر: ٢٣].. وفي القرآن من بيان العلم والحق في مثل هذه القضايا المنهجية ما لايوجد في غيره، ومفتاح الهداية مقارنة هدي القرآن بسلوكيات التيارات الفكرية.

أعني أنه إذا رأى متدبر القرآن تفريق القرآن بين المعترف بتقصيره حيث جعله قريباً من العفو ﴿وآخرونَ اعترفُوا بِذُنوبِهِم خلَطُوا عملًا صالحا وآخر سيئًا عسى اللَّه أَنْ يتوب علَيهِم﴾ [التوبة: ١٠٢] وبين تغطية وتبرير التقصير بحيل التأويل الذي جعله الله سبباً للمسخ ﴿ولَقَد علمتم الَّذين اعتدوا منكُم في السبت فَقُلْنا لَهم كُونوا قردةً خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥]..

ومجرد المعصية بالصيد في اليوم المحرم لا تستحق المسخ فقد جرى من بني إسرائيل ما هو أكثر من ذلك ولم يمسخهم الله، ولكن الاحتيال على النص بالتأويل ضاعف شناعتها عند الله جل وعلا.

وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - تعظيم القرآن لمرجعية الصحابة في فهم الإسلام، وربطه فهم الإسلام بتجربة بشرية، كقوله تعالى:

﴿فَإِنْ آمنوا بِمثْلِ ما آمنتم بِه﴾ [البقرة: ١٣٧]. وقوله تعالى: ﴿والَّذين اتبعوهم بِإِحسان﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقوله تعالى: ﴿صراطَ الَّذين أَنعمت علَيهِم ﴾وقوله تعالى: ﴿وإِنا أَو إِياكُم  لَعلَى هدى أَو في ضلَالٍ مبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].. وقوله تعالى: ﴿أَفَتطْمعونَ أَنْ يؤمنوا لَكُم﴾ [البقرة: ٧٥]. وقوله تعالى: ﴿ولَو ردوه إِلَى الرسولِ وإِلَى أُولي الْأَمرِ منهم لَعلمه الَّذين يستنبِطُونه منهم﴾ [النساء: ٨٣].. 

ففي مثل هذه الآيات البينات يكشف تعالى أن الوحي ليس نصاً مفتوحاً، بل هو مرتبط بالاهتداء بتجربة بشرية سابقة، فيأمرنا صريحا أن نؤمن كما آمن الصحابة، وأن نتبع الصحابة بإحسان، ويأمرنا بكل وضوح أن نرد الأمر إلى أولي العلم الذين يستنبطونه، وهذا كله يبين أن الإسلام ليس فكرة مجردة مفتوحة الدلالات يذهب الناس في تفسيرها كل مذهب..

ويتاح الفهم لكل شخص كما يميل.. بل هناك (نموذج سابق) حاكم للتفسيرات اللاحقة للنص.

وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - بيان القرآن لتفاهة الدنيا، وكثرة ما ضرب الله لذلك من الأمثال كنهيه نبيه عن الالتفات إلى الدنيا ﴿ولَا تمدنَّ عينيك إِلَى ما متعنا بِه أَزواجا منهم زهرةَ الْحياة الدنيا لنفْتنهم فيه﴾ [طه: ١٣١]..

وقال سبحانه: ﴿يا أَيها النبي ﷺ قُلْ لأَزواجِك إِنْ كُنتن ترِدنَ الْحياةَ الدنيا وزِينتها فَتعالَين أُمتعكُن وأُسرحكُن سراحا جميلًا * وإِنْ كُنتن ترِدنَ اللَّه ورسولَه والدار الْآخرةَ فَإِنَّ اللَّه أَعد للْمحسِنات منكُن أَجراً عظيما﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]. 

فانظر منزلة الدنيا في معيار القرآن.

وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - ما في القرآن من بيان الله لحقارة الكافر وانحطاطه حيث جعله القرآن في مرتبة الأنعام والدواب والحمير والكلاب والنجاسة والرجس والجهل واللاعقل والعمى والصمم والبكم والضلال والحيرة.. وغيره من الأوصاف القرآنية المذهلة التي تملأ قلب قارئ القرآن بأقصى ما يمكن من معاني ومرادفات المهانة والحقارة، كقوله تعالى ﴿والَّذين كَفَروا يتمتعونَ ويأْكُلُونَ كَما تأْكُلُ الْأَنعام﴾ [محمد: ١٢].

وقوله: ﴿إِنْ هم إِلَّا كَالْأَنعامِ بلْ هم أَضلُّ سبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. وقوله: ﴿مثَلُ الَّذين حملُوا التوراةَ ثُم لَم يحملُوها كَمثَلِ الْحمارِ يحملُ أَسفَارا﴾ [الجمعة: ٥]. 

وقوله: ﴿فَمثَلُه كَمثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تحملْ علَيه يلْهثْ أَو تتركْه يلْهثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. وقوله: ﴿إِنَّ شر الدواب عند اللَّه الَّذين كَفَروا فَهم لَا يؤمنونَ﴾ [الأنفال: ٥٥]. 

وقوله: ﴿كَذَلك يجعلُ اللَّه الرجس علَى الَّذين لَا يؤمنونَ﴾ [الأنعام:١٢٥]. وقوله: ﴿يا أَيها الَّذين آمنوا إِنما الْمشرِكُونَ نجس﴾ [التوبة: ٢٨] وأمثالها كثير.

وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً- ما في القرآن من عناية شديدة بالتحفظ في العلاقة بين الجنسين، كوضع السواتر بين الجنسين كما في قوله ﴿وإِذَا سأَلْتموهن متاعا فَاسأَلُوهن من وراءِ حجابٍ ذَلكُم أَطْهر لقُلُوبِكُم وقُلُوبِهِن﴾ [الأحزاب: ٥٣].

وحثه المؤمنات على الجلوس في البيت ﴿وقَرنَ في بيوتكُن﴾ [الأحزاب: ٣٣] ونهيه عن تلطف المرأة في العبارة ﴿فَلَا تخضعن بِالْقَولِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ونهيه عن أي حركة ينبني عليها إحساس الرجل بشئ من زينة المرأة ﴿ولَا يضرِبن بِأَرجلهِن ليعلَم ما يخفين من زِينتهِن﴾ [النور: ٣١] ونحو ذلك.

وإذا رأى متدبر القرآن - أيضاً - عظمة تصوير القرآن للعبودية كتصويره المؤمنين في ذكرهم الله على كل الأحوال ﴿الَّذين يذْكُرونَ اللَّه قياما وقُعودا وعلَى جنوبِهِم﴾ [آل عمران: ١٩١].. وحينما أراد أن يصف الصحابة بأخص صفاتهم قال: ﴿محمد رسول الله ﷺ والَّذين معه أَشداءُ علَى الْكُفَّارِ رحماءُ بينهم تراهم ركَّعا سجدا﴾ [الفتح: ٢٩] وكيف وصف الله ليلهم الذي يذهب أغلبه في الصلاة ﴿إِنَّ ربك يعلَم أَنك تقُوم أَدنى من ثُلُثَيِ اللَّيلِ ونِصفَه وثُلُثَه وطَائفَةٌ من الَّذين معك﴾ [المزمل:٢٠].

والمراد أنه إذا رأى متدبر القرآن هدي القرآن في هذه القضايا وأمثالها، ثم قارا بأحوال التيارات الفكرية المعاصرة، ورأى ما في كلام هؤلاء من تأويلات للنصوص لتوافق الذوق الغربي، والإزراء باتباع السلف في فهم الإسلام، وملء القلوب بحب الدنيا، واللهج بتعظيم الكفار، وتهتيك الحواجز بين الجنسين، والارتخاء العبادي الظاهر...الخ. إذا قارن بين القرآن وبين أحوال هؤلاء انفتح له باب معرفة الحق.

_________________________________________________

-٦- تطويـل الطـريق

حين أسمع بعض المفكرين الإسلاميين يتكلمون عن ضرورة مقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ فلا أخفي أنني أحترم تماماً حرصهم على سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر..

لكنني أرتاب كثيراً في نجاعة هذه المبالغة في التعويل على الدراسات الفكرية.. عندي وجهة نظر لكني لا أبوح بها كثيراً.. لأني أرى بعض المفكرين الإسلاميين يتصور أنها نوع من التثبيط والتخذيل، فلذلك ألوذ بالصمت..

وجهة نظري هذه بكل اختصار هي أن أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير مما نتصور..

فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم - الباحث عن الحق - كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول "ختمة تدبر"..

بالله عليكم لو قرأ الشاب المسلم - الباحث عن الحق- آيات القرآن في حقارة الكافر.. وآيات القرآن في وسيلية الدنيا ومركزية الآخرة.. وآيات القرآن في التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين.. وآيات القرآن في إقصاء أي فكرة مخالفة للوحي.. وآيات القرآن في وجوب الوصاية على اتمع عبر شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

وآيات القرآن في تقييد الحريات الشخصية بالإنكار والاحتساب.. وآيات القرآن في أزلية الصراع بين الحق والباطل.. وآيات القرآن في وجوب هيمنة الشريعة على كل الشرائع.. وآيات القرآن في نفي النسبية وإثبات اليقين.. وآيات القرآن في مسخ أقوام قردة خاسئين لما تسلطوا على ألفاظ النصوص بالتأويل لتوافق رغبام وأهوائهم..

وآيات القرآن في ارتباط الكوارث الكونية بالمعاصي والذنوب.. وآيات القرآن في ترتيب جدول أولويات النهضة بين التوحيد والإيمان والفرائض والفضيلة وإعداد القوة المدنية.. الخ

فبالله عليكم قولوا لي ماذا سيتبقى - بعد ذلك - من أطلال الانحرافات الفكرية المعاصرة ؟!

حين يقرأ الشاب المسلم - الباحث عن الحق - مثل هذه الآيات فإنه ليس أمام "خطاب فكري" يستطيع التخلص منه عبر مخرج "الاختلاف في وجهة النظر"..

بل هو أمام "خطاب الله" مباشرة.. فإما الانصياع وإما النفاق الفكري.. ولا تسويات أو حلول وسط أمام أوامر ملك الملوك سبحانه وتعالى..

لنجتهد فقط في تحريض وتأليب العقل المسلم المعاصر على الإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، في تجرد معرفي صادق للبحث عن الحقيقة.. وصدقوني سنتفاجأ كثيراً بالنتائج..

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله.. تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كل المطولات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي..

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله.. كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأساً على عقب.. هذا القرآن حين يقرر المسلم أن يقرأه بـ"تجرد".. فإنه لا يمكن أن يخرج منه بمثل ما دخل عليه.. هذا القرآن يقلب شخصيتك ومعاييرك وموازينك وحميتك وغيرتك وصيغة علاقتك بالعالم والعلوم والمعارف والتاريخ..

وخصوصاً.. إذا وضع القارئ بين عينيه أن هذا القرآن ليس مجرد "معلومات" يتعامل معها ببرود فكري.. بل هو "رسالة" تحمل قضية ودوياً..

وإن من أكثر الأمور لفتاً للانتباه في هذا القرآن العظيم.. هي ماحكاه الله عن انفعال الأنبياء بالقرآن انفعالاً وجدانياً وعاطفياً عميقاً..

خذ مثلاً.. لما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى: ﴿أُولَئك الَّذين أَنعم اللَّه علَيهِم من النبِيين من ذُرية آدم وممن حملْنا مع نوحٍ ومن ذُرية إِبراهيم وإِسرائيلَ وممن هدينا واجتبينا إِذَا تتلَى علَيهِم آيات الرحمنِ خروا سجدا وبكيا﴾ [مريم: ٥٨].

يا أالله.. هذه الآية تصور "جنس الأنبياء" لا بعضهم.. فانظر بالله عليك كيف يبلغ اتصالهم بـ"كلام الله" مبلغ الخرور إلى الأرض ودموعهم تذرف بكاءً وتأثراً.. أي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟!

ويصف تعالى مشهداً آخر يأسر خيال القارئ، حين يصور أهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى: ﴿وإِذَا سمعواْ ما أُنزِلَ إلى الرسولِ ترى أَعينهم تفيض من الدمعِ﴾ [المائدة:٨٣].

ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعالى: ﴿اللَّه نزلَ أَحسن الْحديث كتابا متشابِها مثَانِي تقْشعر منه جلُود الَّذين يخشونَ ربهم ثُم تلين جلُودهم وقُلُوبهم إلى ذكْرِ اللَّه. ﴾.. على أية حال..

لو أفلحنا في إقناع الشاب المسلم بالإقبال على القرآن بالتدبر الصادق المتجرد للبحث عن الحق.. فاعتبروا أن "الدور المعرفي" تقريباً انتهى..

وبقيت مرحلة الإيمان.. فمن كان معه إيمان وخوف من الله فسيحمله على الانقياد والانصياع الله سبحانه.. ومن أرخى لهواه العنان.. فسيتخبط في شعب النفاق الفكري..

حيث سيبدأ في أن يعلن على الملأ - كما يعلن غيره - أنه "يحترم ضوابط الشريعة".. لكنه في دخيلة نفسه يدرك أن كل ما يقوله مخالف للقرآن..!

بقي الاستثناء الوحيد هاهنا.. وهو أنني أقول أن من كانت نفسيته المعرفية سوية.. أعني أنها تنظر في "جوهر البرهان" وليس في "شكليات الخطاب" فلن يحتاج إلا لقراءة القرآن بتجرد..

أما من كان يعاني من عاهات في شخصيته الفكرية.. بحيث أنه يقدم وهج الديكور اللغوي على جوهر البرهان.. فهذا النوع المريض من الناس قد يحتاج فعلاً بعض الكتابات الفكرية التي تخدعه ببعض الطلاء التسويقي.. 

كما قال الإمام ابن تيمية في حادثة مشاهدة في كتابه "الرد على المنطقيين":

(وبعض الناس: يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لم تفرح نفسه به..، فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم، أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات)

أخيراً.. أعطوني ختمة واحدة بتجرد.. أعطيكم مسلماً حنيفاً سنياً سلفياً.. ودعوا عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة.. ولنجعل القرآن " أصلاً " وغيره من الدراسات الفكرية مجرد " تبع".

___________________________________________

-٧- من مناطق التدبر

كثير من الناس يتساءل ويقول: ماذا أتدبر بالضبط في القرآن؟ 

والحقيقة أن القرآن فيه حقائق وإشارات كثيرة تحتاج إلى التدبر، ثمة مفاتيح كثيرة لفهم القرآن..

أعظم وجوه ومفاتيح الانتفاع بالقرآن تدبر ما عرضه القرآن من (حقائق العلم بالله) فما في القرآن من تصورات عن الملأ الأعلى هي من أعظم ما يزكي النفوس، وكثيراً من المنتسبين للفكر المعاصر يظن الأهم في القرآن هو التشريعات العملية، وأما باب العلم الإلهي فهو قضية ثانوية، ولا يعرف أن هذا هو المقصود الأجـل والأعظـم..

ولذلك قال الإمام ابن تيمية: "فإن الخطاب العلمـي في القـرآن أشرف من الخطاب العملـي قـدراً وصـفة" [درء التعـارض، ٣٥٨/٥]..

وأنا شخصياً إذا التقيت بشخصية غربية متميـزة في الفكـر أو القانون أو غيرها من العلوم أجاهد نفسي مجاهدة على احترام تميزه، لأنني كلما رأيتهم في غاية الجهل بالله سبحانه وتعـالى، امـتلأت نفسي إزراءً لهم، ما فائدة أن تعرف تفاصيل جزء معين من العلـوم وأنت جاهل بأعظم مطلوب للإنسان.. إنه لا يختلف عـن سـائق مركبة يتقن تفاصيل بعض الطرق الفرعية ويجهل الطرق الرئيسية في المدينة.. فهل مثل هذا يصل؟!

 أي تخلف وانحطاط معـرفي يعيشـه هؤلاء الجهلة بالعلم الإلهي.. ويؤلمني القول بأن كثيراً من المنتسبين للفكـر العـربي المعاصـر يجهلون دقائق العلم بالله التي عرضها القرآن.. وأما أئمة السـلف الذين ورثنا عنهم علوم الشريعة فقد كانوا في ذروة التبحر في دقائق القرآن..

فمن تأمل - مثلاً - رسالة الإمام أحمـد في الـرد علـى الزنادقة، أو رسالة الدارمي في النقض على المريسي، فستسـتحوذ عليه الدهشة من عمق علمهم بالقرآن وما فيه من أسـرار المعرفـة الإلهية، وشدة استحضار الآيات وربط ما بينها، ليست معرفة آحاد وأفراد الألفاظ فقط، بل معرفة السلف بالقرآن مركبة، فتجـدهم يلاحظون منظومة لوازم معاني القرآن، ويستخلصون قي تقريراتهم حصيلة توازنات هذه المعاني القرآنية..

ومن وجوه الانتفاع بالقرآن - أيضاً- تدبر أخبار الأنبياء الـتي ساقها القرآن وكررها في مواضع متعددة، وبدهي أن هذه الأخبار عن الأنبياء ليست قصصاً للتسلية، بل هي (نماذج) يريد القرآن أن يوصل من خلالها رسائل تضمينية، فيتدبر قارئ القرآن ماذا أراد الله هذه الأخبار؟ مثل التفطن لعبودية الأنبياء وطريقتهم في التعامل مع الله..

كما قال الإمام ابن تيمية:"والقرآن قد أخبر بأدعية الأنبيـاء، وتوباتهم، واستغفارهم" [تلخيص الاستغاثة: ١٦١/١].

وتلاحظ أن الله يثني ويعيد قصص القرآن في مـواطن متفرقـة، وليس هذا تكراراً محضاً، بل في كل موضع يريد الله تعالى أن يوصل رسالةً ما، وأحياناً أخرى يكون في كل موضع إشارة لجـزء مـن الأحداث لا يذكره الموضع الآخر، كما قال الإمام ابن تيمية مثلاً:

"وقد ذكر الله قصة قوم لوط في مواضع من القران في سورة هود والحجر والعنكبوت، وفي كل موضع يذكر نوعاً مما جرى" [الرد على المنطقيين:٤٩٤].

والمهم هاهنا أن تدبر أخبار الأنبياء، وأخبار الطغـاة، وأخبـار الصالحين، في القرآن، ومحاولة تفهم وتحليل الرسالة الضمنية فيهـا؛ من أعظم مفاتيح الانتفاع بالقرآن.

ومن أعظم وجوه الانتفاع بالقرآن - أيضاً - أن يضع الإنسـان أمامه على طاولة التدبر كل الخطابات الفكرية المعاصرة عن النهضة والحضارة والتقدم والرقي والإصلاح والاستنارة الخ.. ويضع كـل القضايا التي يرون أنها هي معيار التقدم والرقي..

ثم يتدبر قارئ القرآن أعمال الإيمان التي عرضها القرآن كمعيار للتقدم والرقي.. تأمل فقط بالله عليك كيف ذكر الله الانقياد والتوكل والـيقين والإخلاص والاستغفار والتسبيح والصبر والصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... الخ في عشرات المواضع..

بل بعض هذه الأعمال بعينها ذكرت في سبعين موضعاً.. ثم قارن حضور هذه القضايا في الخطابـات الفكريـة لتجـده حضوراً شاحباً خجولاً.. أي إفلاس فكري أن تكون الأعمال التي يحبها الله ويـثني عليهـا ويجعلها مقياس الرقي والتقدم والتنوير هي في ذيل القائمـة لـدى الخطابات الفكرية المعاصرة المخالفة لأهل السنة..

يا خيبة الأعمار..

حين يتدبر قارئ القرآن كيف وصف الله القرآن بأنـه هـدى وبينات ونور فإنه يستنتج من ذلك مباشرة بأن مراد الله من عبـاده في القرآن ليس لغزاً.. هل يمكن أن يكون الله تعالى يعظم ويمـنح الأولوية لتلك القضايا التي ترددها الخطابات الفكرية ثم يكـرر في القرآن غير ذلك؟! 

هل القرآن يضلل الناس عن مراد الله؟! شـرف الله القرآن عن ذلك، ولذلك كان الإمام ابن تيمية يقول: "ومـا قُصد به هدى عاماً كالقرآن، الذي أنزله الله بياناً للناس، يـذكر فيه من الأدلة ما ينتفع به الناس عامة". [الفتاوى: ٢١١/٩].

وهذا لا يعني أن الأئمة الربانيين لا يختصـهم الله بمزيـد فهـم للقرآن، وتتكشف لهم دلالات وأسرار لا تنكشف لغيرهـم مـن الناس، فالقلب المعمور بالتقوى يبصر ما لا يبصره مـن أغطشـت عينه النزوات، نسأل الله أن يسبل علينا ستر عفوه.

وقد أشار الإمام ابن تيمية لذلك في مواضع كثيرة من كتبه، كقوله:" ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلاً لا ينضبط لنا، والقرآن الذي يقرأه النـاس بالليـل والنهار يتفاضلون في فهمه تفاضلاً عظيماً، وقد رفع الله بعـض الناس على بعض درجات" [درء التعارض:٤٢٧/٧]..

ومن أعظم مفاتيح الانتفاع بالقرآن - أيضـاً - أن يستحضـر متدبر القرآن أن جمهور قرارات القرآن وأحكامه علـى الأعيـان والأشياء إنما هي (أمثال)، ومعنى كونها أمثال أي (يعتبر بها ما كان من جنسها)، بمعنى أن القرآن يقدم في الأصل نماذج لا خصوصيات أعيان..

وقد أشار القرآن لذلك كثيراً كقوله تعالى في سورة الحشر ﴿وتلْك الْأَمثَالُ نضرِبها للناسِ لَعلَّهم يتفَكَّرونَ﴾ [الحشـر: ٢١]، وقوله في سورة الروم ﴿ولَقَد ضربنا للناسِ في هذَا الْقُرآن من كُلِّ مثَلٍ﴾ [الروم:٥٨].. فماذا يريد الله في مطاوي هذه الأمثلة القرآنية؟ هذا أفق واسـع للتدبر..

لا شك أن تنبيهات القرآن على مركزية (تدبر القرآن) في صحة المنهج والطريق أنها دافع عظيم للتدبر.. لكن ثمة أمراً آخر علـى الوجه المقابل لهذه القضية.. معنى منذ أن يتأمله الإنسان يرتفع لديه منسوب القلق قطعاً.. وهو أن من أعرض عن تدبر القرآن فإن الله قدر عليه أصلاً ذلك الانصراف لأن الله تعالى سبق في علمه أن هذا الإنسان لا خير فيه، ولو كان في هذا المعرض خير لوفقه الله للتدبر والانتفاع بالقرآن..

وقد شرح القرآن هذا المعنى في قولـه تعـالى: ﴿ولَو علم اللَّه فيهِم خيرا لَأَسمعهم ولَو أَسمعهم لَتولَّـوا وهـم معرِضونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].. كلما رأى الإنسان نفسه معرضاً عن تدبر القرآن، أو معرضاً عن بعض معاني القرآن، ثم تذكر قوله تعالى: ﴿ولَو علم اللَّـه فـيهِم خيرا لَأَسمعهم ﴾ يجف ريقه من الهلع لا محالة..

على أية حال.. هذا القرآن ينبوع يتنافس الناس في الارتشاف منه بقدر منازلهم، كما قال الإمام ابن تيمية:"والقرآن مـورد يـرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسـم الله لـه" [درء التعارض: ٤٢٧/٧]..

_______________________________________________

-٨- كل المنهج في أم الكتاب

حين يقول لك نبي الله إن أعظم سورة في القرآن هـي سـورة الفاتحة، كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد المعلى أن الـنبي قال له: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، ﴿الْحمد للَّه رب الْعالَمين﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظـيم الـذي أوتيتـه [البخاري: ٤٤٧٤]..

فهل هذه المنزلة لسورة الفاتحة منزلة اعتباطية؟ هل الله جل وعلا يختار أن تكون سورة الفاتحة أعظم وحي أوحاه سـبحانه وتعـالى طوال تاريخ النبوات هكذا دون حيثيات موضوعية أعطت هـذه السورة العظيمة مرتبتها الأولوية؟ كم من الوقت منحناه لتدبر هذه السورة العظيمة والتساؤل عن مغزى هذا التعظيم الإلهي لها؟ 

حين يتدبر القارئ مضامين هذه السورة فإنه لا يستطيع أن يكف عن نفسه الذهول كيف تاهت التيارات الفكرية المخالفـة لأهـل السنة في قضايا وجزئيات ومسائل جعلوها أعظم مطالبهم، وزهدوا في مطالب أخرى جاءت هذه السورة العظيمة بتقريرها، 

تأمل كيف بدأت هذه السورة بثلاث آيات كلها ثناء على الله، تعظيمه جـل وعلا بربوبيته للعالمين، ثم تعظيمه جل وعلا بكمـال رحمتـه، ثم تعظيمه جل وعلا بملكه لليوم الآخر. 

القارئ يحمد الله بربوبيته للعالمين، ورب العالمين يجيبه فيقـول: (حمدني عبدي)، ثم يواصل القارئ فيثني على الله بكمال رحمتـه، ورب العالمين يقول: (أثنى علي عبدي)، فإذا بلغ القارئ الآية الثالثة فأثنى على الله بملكه لليوم الآخر قال الله: (مجدني عبدي) [صـحيح مسلم:٩٠٤].

كثيراً ما أتساءل هل نحن حين نقرأ الفاتحة ونمر ـذه الآيـات نستشعر أن رب الأرض والسماوات يقول لنـا ذلـك، إنـه الله، يتحدث عنا ونحن نقرأ الفاتحة.. هل تتصور؟!

فبالله عليك تأمل في هذه الآيات الثلاث التي ذكر الله تعـالى في الحديث القدسي في صحيح مسلم أنها نصف الفاتحة، حين قـال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين).. هذه الآيات الثلاث التي هي نصف الفاتحة، أي أنها نصف أعظم سورة في القرآن، كلها حمد الله وثناء على الله وتمجيد الله..

بالله عليك تأمل في هذه الآيات الثلاث، ثم انتقل بذهنك وتذكر جدل المذاهب الفكرية المعاصرة حول قضية (ترتيب الأولويات).. سألتك بالله هل رأيت واحداً منهم يتحدث عن الثناء علـى الله وتوقير الله وتعظيم الله باعتباره أولوية من أولويات الإصلاح؟ بـالله عليك هل رأيت أحداً منهم يتحدث عن عمارة النفوس بتمجيـد الباري باعتبارها أولوية من أولويات النهضة والتقدم؟

حين أتأمل في النصف الأول من الفاتحة وأقارن دعاة أهل السنة بكلام المذاهب الفكرية يدركني الرثاء الحزين لأحوال هذه المذاهب الفكرية، كيف تحيروا في أعظم المطالب، وبعضـهم فيـه ذكـاء واطلاع، ولكن هذه الأمور يهيها التوفيق الإلهي.

وكم تردت نفوس كثيرة حين تسرب إليها شيء من كبرياء الثقافة وزهو الذكاء.. فإذا تجاوزت هذه الآيات الثلاث وبلغت جوهرة السورة كلـها ﴿إِياك نعبد وإِياك نستعين..﴾فتقديم المعمول (إياك) على العامـل (نعبد) يفيد الحصر، فلا يعبد إلا الله، والعبادة لفظ شـامل، فـإذا نطقت هاته الجملة التي لا تتجاوز كلمتين ﴿إِياك نعبد..﴾ تهاوت أمام ناظريك كل المألوهات من دون الله..

تذكرت طوائف تنتسب للقبلة وتستغيث بالحسين، وهذه الآيـة تقول لا يستغاث بالحسين من دون الله.. تذكرت مذاهب تمنح حق التشريع للبرلمان، وهذه الآية تقول لا يملك حق التشريع إلا الله..

تذكرت من يطاوع هواه حتى كأنه إلهاً له كما قـال تعـالى: ﴿أَفَرأَيت منِ اتخذَ إِلَهه هواه﴾ [الجاثية: ٢٣]، وهذه الآية تقول: لا يؤله إلا الله.. تذكرت شخصيات تعبد المنصب والمال، كما قال: (تعس عبد الدينار)، وهذه الآية تقول لا يعبد إلا الله..

تذكرت من يذعن للشيطان حتى كأنه يعبده كما قال تعـالى: ﴿يا بنِي آدم أَنْ لَا تعبدوا الشيطَانَ﴾ [يس: ٦٠]، وكما قال الله عن الخليل: ﴿يا أَبت لَا تعبد الشيطَانَ﴾ [مريم: ٤٤]، وهذه الآية تقول لا يذعن إلا الله..

تذكرت حالات يلتفت فيها القلب إلى ثناء النـاس ومـديحهم، وهذه الآية تقول لك لا يراد بالعمل إلا وجه الله.. تذكرت نيات عزبت عن الله إلى دنيا تصيبها، وهذه الآية تقول: لا ينوى العمل إلا الله.. وتذكرت وتذكرت وتذكرت..

وهذه الآية العظيمة تسقط كل مطاع أو متبـوع أو مـألوه إلا الله..

﴿إِياك نعبد..﴾ هي جوهر مشروع الإصلاح، وهـي قاعـدة النهضة، وهي مختبر الحضارة، وهي معيار التقـدم، وهـي خطـة التنمية..

﴿إِياك نعبد..﴾ هي قلب سورة الفاتحة، قلب أعظم سـورة في كتاب الله، ومع ذلك، كم تاهت عن هذه السورة، بل عن هـاتين الكلمتين فقط؛ أمم من الخلق..

آية نكررها في اليوم عشرات المرات في كل ركعة من الفـرائض والنوافل.. لماذا؟

لأنها "منهج حياة". تأمل فقط في أحد تطبيقات هذه الآية كيف يحكّمها أئمة الدين في تفاصيل المسائل، يقول ابن تيمية: "والمقصـود أن صـاحب الزيارة الشرعية إذا قال ﴿إِياك نعبد وإِياك نستعين﴾كان صادقاً؛ لأنه لم يعبد إلا الله ولم يستعن إلا به، وأما صاحب الزيارة البدعية فإنه عبد غير الله واستعان بغيره، فهذا بعض ما يبين أن "الفاتحة" أم القرآن" [الفتاوى: ٢٦٤/٦].

وأما الاستعانة في قوله:﴿وإِياك نستعين﴾فهي عبادة مشـمولة بقوله: ﴿إِياك نعبد﴾ولكن الله أفردها بالذكر في هذا الموضع مـن فاتحة الكتاب ليكون تنبيهاً مستمراً يسمعه المـؤمن يـذكّره بـأن المطلوب الأكبر وهو (العبادة) لا يكون إلا بـ(الاستعانة)، وهـذا الموضع في تعقيب العبادة بالاستعانة موضع أسهب فيه أئمة التألـه والسلوك وفقهاء الطريق إلى الله في تأملام الإيمانية.

ثم تنتقل السورة إلى النصف الثاني الذي ذكره الله في الحـديث القدسي السابق، ويبدأ بعد الثناء والتوحيد، حالة الدعاء، فـإن الله قال: (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

حسناً.. ما الدعاء الذي اختاره الله لنا بأن ندعو به؟

مطلوبات كثيرة، وهانحن الآن في أعظم سورة، وقد بلغنا الموضع الذي اختار الله أن يكون موضع دعاء، والله سبحانه هـو الـذي اختار لنا هذا الدعاء.

أتدري ما الذي اختاره الله؟.. إنه (الدعاء بالهداية).. لو قيل لشخص: ادع الله كثيراً أن يهديك، لاستغرب، وشعر أن هذا أمر ثانوي، والله تعالى يختار لنا أن يكون دعاء الفاتحة هو سؤال الهداية!

إذا كان الله سبحانه اختار أن يكون دعاء أعظم سورة في القرآن هو "سؤال الهداية" فهذا يعني أن الضلال وشيك خطير مخوف، وإلا لم يفرد الله سؤال هذه الخصوصية، لو كان الضلال أمراً مستبعداً، أو مما يجب أن لا ننشغل بالخوف منه، أو يجب أن لا نكـون سوداويين، لما كان الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين والذي يريـد لنا الخير أكثر مما نريده لأنفسنا؛ يختار أن يكون دعاء الفاتحة هـو طلب الهداية..

ولاحظ المقام الذي يدعو فيه المرء بالهداية؟

إنه ليس مقام معصية.. ولا مقام ضلال.. بل يلح الإنسان على الله في طلب الهداية وهو في أجل لحظـات الهداية!.. قائم بين يدي الله ويسأله الهداية!.. فكيف بالسادر عن الله؟

فكيف بالغافل اللاهي؟.. ومع ذلك يستعظم أن يسأل الله الهداية!

في المواضع العظيمة، لا يختار من الدعاء إلا أعظمـه، وأعظـم الدعاء ما خاف الإنسان من ضده.. فإذا كان الله اختار لنا "تكرار طلب الهداية" في قلب أعظم سورة تكلم بها سبحانه وتعـالى، دل هذا على أن ضد الهداية وهو الضلال أمر أقرب إلى أحـدنا مـن عمامته التي تحيط برأسه..

دل هذا على أننا نسير في حقل ألغام من الانحرافات.. دل هذا على أن هذه الحياة الدنيا محفوفة بكلاليب الباطل تلتقط الناس يمنة ويسرة.. ولذلك اختار أرحم الراحمين لنا أن نسأله الهداية في كل ركعـة من صلاتنا..

إذا رأيت كيف خص الله الهداية هاهنا بطريقة تثير القلـق مـن الضلال، فقارنها بالبرود الفكري المعاصـر تجـاه قضـية الهدايـة والضلال، وتعاملنا معها بمنطق سيبيري جامد، ليس فيـه خـوف ووجل وحرص على الحق..

قال الإمام ابن تيمية: "وإنما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر بتكرر الصلوات، بل الركعات فرضها ونفلها، هو الدعاء الذي تتضمنه أم القرآن وهو قوله تعـالى: ﴿اهـدنا الصّـراط الْمستقيم﴾، لأن كل عبد فهو مضطر دائماً إلى مقصـود هـذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم" [الفتاوى: ٣٩٩/٢٢].

وما إن يتجاوز القارئ لفظ الهداية.. إلا وتبـدأ أولى محطـات الإشارة إلى "الصراع"..

ذكر الله بعد ذلك مباشرة الإشارة إلى محل الهداية وهو "الصراط" وهذا يعني أنه صراط واحد، وليس متعدداً.. هل اكتفى بذلك؟ لا.. بل وصفه بأنه "مستقيم" أيضاً..

فهو صراط لا يحتمل المنعطفات، فمن خرج عن هذا الصـراط فقد خرج عن الإسلام.. ومن دخل في هذا الصراط لكن لم يـراع استقامته فهو من منحرفي أهل القبلة.. فالصراط وصف للإسلام.. والمستقيم وصف للسير على السنة.. 

فالاستقامة وصف أضيق من الصراط.. حسناً.. وصف الله محل الهداية وصفاً نظرياً بأنه "صراط مستقيم".. هل اكتفى بهذا القدر؟ لا.. بل زاد بأن ربطه بتجربة بشرية معروفة فقال تعالى: ﴿صـراطَ الَّذين أَنعمت علَيهِم..﴾

قارن هذا الربط بأولئك الذين يقولون طريقة الصـحابة ومـن تبعهم لا تلزمنا! الله تعالى يوضح لنا الصراط بأنه صراط الذين أنعم عليهم، ومن أعظم من يدخل هذا الوصف أصـحاب الـنبي، وهؤلاء يقولون طريقة الصحابة لا تلزمنا!

ثم تختتم هذه السورة برسم أسباب الافتراق الكبرى وآثارهـا، حيث يقع الصراط المستقيم بين طريقين، طريق المغضوب علـيهم، وهم الذين حصلوا العلم وأهملوا العمل، وطريق الضـالين، وهـم الذين اجتهدوا في العمل بلا علم.. وأهل الصراط المستقيم جمعـوا العلم والعمل..

فانظر كيف تصوغ هذه الفاتحة العظيمة حيـاة المسـلم وهـو يكررها كل يوم..

_______________________________________________

-٩- دوي الليالي الرمضانية

من الذكريات التي تنتاب خاطري بشكل عشـوائي صـورة تتراءى لي كثيراً من أحد مساءات رمضان.. فمن المشاهد في ليالي رمضان، وخصوصـاً في هـذا العقـد الأخير، أن المساجد صارت تتفاوت كـثيراً في توقيـت صـلاتي التراويح والتهجد بحسب ما يرتاح له أهل كل حـي ويتوافقـون عليه.. ولذلك فكثيراً ما تكون في منزلك قد انتهيت من الصـلاة بينما تسمع بعض المساجد ااورة ما زالوا في جوف صلاتهم..

وهذا ما وقع لي ذات ليلة تكاد ذكراها تتهدج في نفسي.. كنت في غرفتي الخاصة أعد بعض الأوراق، وفي ثنايا انهماكي في هذه المهام.. تسرب من خلال النافذة صوت مسجد الشيخ القارئ خالد الشارخ، وهو مسجد تتلبد عليه وفود الشباب والفتيان مـن الأحياء المجاورة في شرق الرياض..

توقفت عن العمل.. وفتحت النافذة وكانت ليلة عليلة.. وكادت أذني أن تنخلع تجاه مصدر الصوت.. أظنها كانت آيات من سورة المائدة إن لم أكن واهماً.. والله إنني أكاد ألمس السكينة تتطامن فوق كل ذرة حولي..

شعرت أن الهواء ليس كالهواء.. وأن السماء ليست السماء.. هناك شيء ما أفلست قواميس الدنيا أن تمدني بعبارة أصف بها ذلك الإحساس..

رباه.. أي شيء يفعله القرآن يا إلهي في النفوس البشرية.. ومما يعبر في بحر هذه الذكرى أنني أتذكر وأنا صـغير أن أحـد قريباتي المسنات كانت إذا عادت من صلاة التـراويح اتجهـت إلى التلفاز تشاهد نقل صلاة التراويح من المسجد الحرام.. ولا أحصي كم شهدت دمعاتها تتلامع في محاجرها حين تتسمر أمـام تلـك الصفوف المهيبة المطرقة حول كعبة الله المشرفة والقرآن تتجاوب به منارات الحرم وسواريه..

وفي الأيام التي تسبق دخول شهر رمضان يكثر فيها تبادل التهاني والدعوات (بلغنا الله وإياك رمضان، وفقنا الله وإياك لصيام رمضان وقيامه، أحببت أن أبارك لك قدوم الشهر الكريم، الخ..).

حين رأيت بعض هذه التهاني دار في بالي أن أنظر كيف عـرض الله لنا (رمضان) ؟ في أي إطار وضع الله (شهر رمضان) ؟ أو بمعنى آخر: (ما هي هوية رمضان في القرآن) ؟

حين أخذت أتأمل الآيات القرآنية التي تعرضت لرمضان في القرآن، وجدته جاء في صيغتين، صيغة الشهر الكامل (رمضان)، وجـاء في صيغة جزئية أي بعض أيامه فقط، وهي (ليلة القدر). في الصيغة التي جاء فيها بذكر الشهر الكامل (رمضان)، قـال الله عنه ﴿شهر رمضانَ الَّذي أُنزِلَ فيه الْقُرآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فعرفه الله لنا بأنه الظرف الزماني للقرآن.

وفي الصيغة التي أشير فيها لرمضان بصورة جزئية، وهي أحـد لياليه، جاءت في موضعين، مرةً باسم (ليلة القدر)، ومرةً باسم (الليلة المباركة)، فأما باسم ليلة القدر؛ فيقول تعالى في مطلع سورة القـدر ﴿إِنا أَنزلْناه في لَيلَة الْقَدرِ﴾ [القدر:١]، وأما باسم الليلة المباركة فيقول تعالى في مطلع سورة الدخان ﴿إِنا أَنزلْناه في لَيلَة مباركَة إِنا كُنا منذرِين﴾ [الدخان: ٣]، وفي كلا الموضعين ذكر الله هذه الليلة عبر علاقتها بالقرآن!

يا لربنا العجب.. في المواضع التي ذكر الله فيها رمضان، بصيغة الشـهر الكامـل وبصيغة الليالي الجزئية، تم تقديمه في إطار علاقته بالقرآن.. أي إشارة لخصوصية القرآن في رمضان أكثر من ذلك.. استعرض كل شهور السنة الفاضلة.. شهور الحـج.. الأشـهر الحرم.. لن تجد كثافة في الإشارة للقرآن كما تجده في علاقة القرآن برمضان..

بل ثمة أمر قد يكون أشد لفتاً للانتباه من ذلك، أنه ليس فقـط إنزال القرآن اختار الله له رمضان، بل حتى (مراجعة القرآن) مـع النبي ﷺ اختار الله لها رمضان! فكان جبرائيل عليه السلام - وهـو أعظم الملائكة لأنه اختص بنقل كلام الله - يعقد مـع الـنبي مجالس مسائية في كل ليلة من رمضان لمراجعة القرآن، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: (كان جبريل يلقى النبي ﷺ في كـل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليـه رسـول الله القرآن) [البخاري: ٤٩٩٧].

لماذا اختار الله تحديداً هذا الشهر - أيضاً - لمراجعـة القـرآن؟

أليس في هذا إلماحاً إلى أن الساعات الرمضانية هي أشرف الأزمان وأليقها بالقرآن؟ هل هناك لفت للانتبـاه لخصوصـية القـرآن في رمضان أكثر من هذه الإشارات في اختيار توقيت نزول القـرآن، واختيار توقيت مراجعته؟

والحقيقة أن هذه المدارسة إذا أخذ يتخيلها الإنسان تستحوذ عليه المهابة.. من يتصور؟

مجلس ليلي رمضاني لمراجعة القرآن، طرفاه أعظم إنسان (محمـد بن عبدالله)، وأعظم ملَك (جبرائيل) وموضوع الدرس أعظم الكلام (كلام ملك الملوك)..

يا أالله.. أي هيبة تقبض على النفوس بمجرد تخيل ذلك..

ولذلك فإن النبي ﷺ نفسه يتأثر كثيراً ذه المدارسـة القرآنيـة الرمضانية مع جبرائيل، وكان الصحابة يرون أثرها أمـامهم علـى شخصية رسول الله ﷺ حتى كان يقـول ابـن عبـاس كمـا في البخاري: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجـود مـا يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله ﷺ حين يلقـاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) [البخاري: ٣٢٢٠].

انظر كيف كان جود رسول الله ﷺ يزداد بمدارسته القرآن مـع جبريل، إذا كان هذا رسول الله ﷺ الذي نزل عليه القرآن ومـع ذلك ينتفع بمدارسته، فكيف بالله عليكم ستكون حاجتنـا نحـن أصحاب القلوب التي أمرضتها الشهوات والشبهات..؟!

أي حرمان أوقع فيه بعض المتثيقفة أنفسهم حين أوهموا أنفسهم أم يعرفون القرآن وقرؤوه ولا حاجة لهم إلى اسـتمرار تلاوتـه وتدبره ومدارسته، فكل ما في القرآن سبق أن اطلعوا عليه!

أشهر فعالية اجتماعية في شهر رمضـان هـي طبعـاً (صـلاة التراويح).. هل سألت نفسك يوماً ما هي الحكمة من صلاة التروايح؟ دعني أكون شفافاً معك فالحقيقة أنـه لم يسـبق لي أصـلاً أن تساءلت هذا السؤال، ولكن كنت مرةً أطالع فتاوى محقق العلـوم أبو العباس ابن تيمية فرأيته يقول رحمه الله: "بل من أجلِّ مقصود التراويح قراءة القرآن فيها، ليسمع المسلمون كلام الله" [الفتاوى: ١٢٢/٢٣].

سبحان من فتح على ذلك العقـل الحـراني في فهـم أسـرار الشريعة..

وإذا تأمل المرء النسبة بين رمضان الذي هو وقت الصوم ووقت نزول القرآن، أدرك شيئاً من النسبة بين يوم الاثـنين واسـتحباب صيام النفل فيه، وهو ما أشار له النبي ﷺ كما في صحيح مسـلم (سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين قال "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه". [مسلم: ٢٨٠٤].

فلاحظ بالله عليك هذا الخيط الرفيع بين كون شـهر رمضـان الذي يجب صومه هو شهر نزول القرآن، ويـوم الاثـنين الـذي يستحب صومه هو يوم نزول القرآن.

هل من المعقول أن تكون هذه التوقيتات الزمنية لا تحمل دلالات شرعية ورسائل تضمينية؟

بل ومن الموافقات التاريخية العجيبة أن أشهر جهاد للسـلف في القرآن كان فتنة الإمام الأحمد المعروفة في مسألة القـرآن، وهـذه الحادثة العقدية القرآنية وقعت في رمضان كما ذكر المؤرخون! قال الذهبي: "وفي رمضان كانت محنة الإمام أحمد في القرآن، وضرب بالسياط حتى زال عقله" [أعلام النبلاء: ٢٩٢/١٠].

فسبحان من أنزل القرآن في رمضان، وابتلى أئمة السلف بالجهاد للقرآن في رمضان! وهذا مجرد توافق تاريخي لكن فيه شيء لطيـف مما تستطرفه النفوس..

وإذا حاول المرء أن يتأمل في سر العلاقة بين رمضان والقرآن، أو أزمان الصيام والقرآن، فإنه يمكن أن تكون العلاقة أن الصيام يهذب النفس البشرية فتتهيأ لاستقبال القرآن، ففي أيام الصـيام تكـون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام..

وهذا يعني أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن وفهمه التقلـل من الفضول.. مثل فضول الطعام، وفضول الخلطة مع الناس، وفضول النظـر، وفضول السماع، وفضول تصفح الانترنت..

فكلما زالت حواجز الفضول تهاوت الحجـب بـين القلـب والقرآن.. ولذلك كان رمضان الذي يتقلص فيه فضول الطعـام والشـراب والنكاح بالصيام، ويتقلص فيه فضول الخلطة والكلام بالاعتكاف؛ هو شهر القرآن.

_______________________________________________

-١٠-الحبل الناظم في كتاب الله

هذه ليست ورقة بحثية، ولا مقالة منظمة، ولا حتى خاطرة أدبية، كلا، ليست شيئاً من ذلك كله، وإنما هي (هم نفسي شخصـي)، قررت أن أبوح به لأحبائي وإخواني، فهذه التي بين يديك هي أشبه بورقة "اعتراف" تطوى في سجلات الحزانى..

هذا الإحباط النفسي الذي يجرفني ليس وليد هذه الأيام، وإنمـا استولى علي منذ سنوات، لكن نفوذه مازال يتعاظم في داخلي.. صحيح أنني أحياناً كثيرة أنسى في اكتظاظ مهام الحياة اليوميـة هذه القضية، لكن كلما خيم الليل، وحانت سـاعة الإخـلاد إلى الفراش، ووضعت رأسي على الوسادة، وأخذت أسترجع شـريط اليوم ينبعث لهيب الألم من جديد.. ويضطرم جمر الإحبـاط حيـاً جذعاً..

ثمة قضية كبرى وأولوية قصوى يجب أن أقوم بها ومـع ذلـك لازالت ساعات يومي تتصرم دون تنفيذ هذه المهمة.. لماذا تذهب السنون تلو السنون ولازلت أفشل في التنفيذ؟ لماذا تكون المهمة أمام عيني في غاية الوضوح ومع ذلك أفلس في القيام بها؟

ويزداد الألم حين أتأمل في كثير من الناس من حولي فـلا أرى فيهم إلا بعداً عن هذه القضية، إلا من رحم الله..

مجالس اجتماعية أحضرها تذهب كلها بعيداً عـن "الأولويـة القصوى".. وأتصفح منتديات إنترنتية وصفحات تواصل اجتماعي (فيسبوك، وتويتر) تمتلئ بآلاف التعليقات يومياً..

وكثير منهم منهمك في أمور بعيدة عن "الأولوية القصـوى" إلا من رحم الله..

وأطالع كتباً فكرية تقذف بها دور النشـر وتفرشـها أمامـك معارض الكتب وغالبها معصوب العينين عن "الأولوية القصوى"..

فإذا أعدت كل مساء استحضار واقعي اليومي، وواقع كثير من الناس من حولي؛ تنفست الحسرات وأخذت أتجرع مرارتها.. وأتساءل: لم؟ لم هذا كله؟ متى تنتهي هذه المأساة؟

دعني ألخص لك كل الحكاية.. في كل مرة أتأمل فيها القرآن أشعر أنني لازلت بعيداً عن جوهر مراد الله..

مركز القرآن الذي تدور حوله قضاياه لازلت أشـعر بالمسـافة الكبيرة بيني وبينه..

يذكر الله في القرآن أموراً كثيرة.. يذكر تعالى ذاته المقدسة بأوصاف الجلال الإلهية، ويذكر الله في القرآن مشاهد القيامة من جنة ونار ومحشر ونحوها، ويذكر أخبـار الأنبياء وأخبار الطغاة وأخبار الصالحين وأخبار الأمم ولا سيما بني إسرائيل وتصرفاتهم، ويـذكر تشـريعات عمليـة في العبـادات والمعاملات... الخ وفي كل هذه القضايا ثمة خيط ناظم يربط كـل هذه القضايا.. 

تتعدد الموضوعات في القرآن لكن هذا الخيط الناظم هو هو.. هذه القضية التي يدور حولها القرآن ويربط كل شيء بها هي "عمارة النفوس بالله"..

كنت أتأمل - مثلاً - في أوائل المصحف، في سـورة البقـرة، كيف حكى الله تعجب الملائكة ﴿أَتجعـلُ فيهـا مـن يفْسِـد فيها﴾ [البقرة: ٣٠[، ثم يربي الله فيهم تعظيم الله ورد العلـم إليـه ﴿قَالَ إِني أَعلَم ما لَا تعلَمونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وكنت أتأمل بعد ذلك في سورة البقرة نفسها كيف يعـدد الله نعمه على بني إسرائيل في ست آيات، فيها أنه فضلهم على العالمين، وأنه نجاهم من آل فرعون، وأنه فرق م البحر فأغرق آل فرعون، وأنه عفى عنهم بعد اتخاذهم العجل، ثم بعد هذا التعديد العجيـب لقائمة النعم، يختم بوظيفة ذلك كله ﴿لَعلَّكُم تشكُرونَ﴾ [البقـرة: ٥٢]..

كل هذا السياق يراد به عمارة النفوس بالله بأن تلهج الألسـنة والقلوب بتذكره وشكره تعالى..

بل يذكر الله تعالى في البقرة - وأعاده في مواضع أخرى أيضاً -كيف اقتلع تعالى جبلاً من الجبال ورفعه حتى صار فوق رؤوس بني إسرائيل، لماذا؟ ليربي فيهم شدة التدين والتعلق بالله، يقول تعالى في البقرة: ﴿ورفَعنا فَوقَكُم الطُّور خذُوا ما آتيناكُم بِقُوة﴾ [البقـرة: ٦٣].

وقال في الأعراف ﴿وإِذْ نتقْنا الْجبلَ فَوقَهم كَأَنه ظُلَّةٌ وظَنوا أَنه واقع بِهِم خذُوا ما آتيناكُم بِقُوة﴾ [الأعراف: ١٧١]، كل هذا لتعمر النفوس بالتشبث بكلام الله تعالى ﴿خـذُوا مـا آتيناكُم بِقُوة. ﴾

وكنت أتأمل كيف يصف القرآن حالة القلوب التي غارت ينابيع الإيمان فيها وأمحلت من التعلق بالله، حتى قارا الله بأكثر الجمادات يبوسة في موازنة لا تخفي الأسى والرثاء.. يقول تعالى: ﴿ثُم قَست قُلُوبكُم من بعد ذَلك فَهِي كَالْحجارة أَو أَشد قَسوةً﴾ [البقـرة: ٧٤].

ثم يكمل في تلك المقارنة المحرجة ﴿وإِنَّ من الْحجـارة لَمـا يتفَجر منه الْأَنهار﴾ حتى الحجارة تلين وتخضع وتتفجر وتتشـقق وتهبط.. وما المراد من هذا المثل؟ هو عمارة النفـوس بـالله ﴿وإِنَّ منها لَما يهبِطُ من خشية اللَّه.﴾.. 

وكنت أتأمل كيف ابتلى الله العباد بأمور توافق هواهم، وبأمور أخرى تعارضها، فآمن بعض الناس بما يوافق هواه وترك غيره، فلم يقل القرآن إن الله يشكر لهم ما آمنوا به ويتغاضى عما تركوا.. لا.. الله يريد أن تعمر النفوس بالله فتنقاد وتخضع وتنصاع الله في كل شيء.. 

يقول تعالى: ﴿أَفَتؤمنونَ بِـبعضِ الْكتـابِ وتكْفُـرونَ بِبعضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، ثم يقول بعدها بآيات معـدودة ﴿أفَكُلَّمـا جاءَكُم رسولٌ بِما لَا تهوى أَنفُسكُم استكْبرتم﴾ [البقرة: ٨٧]..

لماذا شنع عليهم ربنا جل وعلا؟

لأن المراد شيء آخر.. شيء آخر يختلف كثيراً عما يتصور كثير ممن تضررت عقـولهم بالثقافة الغربية المادية.. المراد عمارة النفوس بتعظيم الله والاستسلام المطلق له..

وكنت أتأمل كيف يذكر الله النسخ في القرآن، وهـو مسـألة مشتركة بين أصول الفقه وعلوم القرآن، ثم يختم ذلك ببيان دلالـة هذه الظاهرة التشريعية، وهي عمارة النفوس بتعظيم القدرة الإلهية: 

﴿ما ننسخ من آية أَو ننسِها نأْت بِخيرٍ منها أَو مثْلها أَلَم تعلَم أَنَّ اللَّه علَى كُلِّ شيءٍ قَدير﴾ [البقرة: ١٠٦].. يا سبحان الله..

مسألة أصولية بحتة وتربط فيها القلوب بتعظيم الله، وقدرة الله.. 

وكنت أتأمل كيف ذكر الله مسألة من مسائل شروط الصـلاة وهي (استقبال القبلة)، ثم تغييرها من بيت المقـدس إلى الكعبـة، وبرغم كوا مسألة فقهية بحتة، إلا أن القرآن ينبهنا أن وظيفة هذه الحادثة التاريخية كلها هي "اختبار" النفـوس في مـدى تعظيمهـا واستسلامها الله؟ هذا جوهر القضية! ﴿وما جعلْنا الْقبلَةَ الَّتي كُنت  علَيها إِلَّا لنعلَم من يتبِع الرسولَ ممن ينقَلب علَى عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣].

وآيات القصاص تختم بـ"تقوى الله" كما يقول تعالى: ﴿ولَكُم في الْقصاصِ حياةٌ يا أُولي الْأَلْبابِ لَعلَّكُم تتقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وآيات الصيام تلحق أيضاً بالتقوى في قوله تعالى: ﴿كُتب علَـيكُم الصيام كَما كُتب علَى الَّذين من قَبلكُم لَعلَّكُم تتقُونَ﴾ [البقـرة: ١٨٣]..

وآيات الوصية تختم كذلك بالتقوى في قوله تعـالى: ﴿إِنْ ترك خيرا الْوصيةُ للْوالدينِ والْأَقْربِين بِـالْمعروف حقـا علَـى الْمتقين﴾ [البقرة: ١٨٠]، ولما ذكر الله مناسك الحج وأعمالها وشعائرها.. ووصل للحظـة اختتام هذه المناسك وانقضائها، أعاد الأمر مجدداً لربط النفوس بالله وإحياء حضور الله في القلوب ﴿فَإِذَا قَضيتم مناسكَكُم فَـاذْكُروا اللَّه﴾ [البقرة: ٢٠٠]..

واعجباه.. تنقضي المناسك وما يعتري المرء فيها من النصب، لتربط النفوس مجدداً بالله.. برغم أن الحج أصلاً مبناه على ذكر الله بالتلبية والتكبير ونحوها، فالقلب في القرآن من الله.. وإلى الله.. سبحانه وتعالى..

وأخذت أتأمل لما ذكر الله تعالى حكم (الإيلاء) في القرآن، وذكـر الله للرجال خيارين: إما أن يتربصوا أربعة أشـهر، أو أن يعزمـوا الطلاق، وأدركني العجب كيف يختم كل خيار فقهي بأوصـاف العظمة الإلهية، يقول تعالى في آيتين متتابعتين: ﴿للَّذين يؤلُونَ مـن نِسائهِم تربص أَربعة أَشهرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّـه غَفُـور رحـيم * وإِنْ عزموا الطَّلَاق فَإِنَّ اللَّه سـميع علـيم﴾ [البقـرة: ٢٢٧-٢٢٦].

والله شيء عجيب أن تربط النفوس بالله بمثل هذه الكثافة في تفاصيل الأحكام الفقهية..

وكنت أتأمل كيف ذكر الله حالة "الخوف" من الأعداء ونحوها، فلم يسقط الصلاة، بل أمر الله بها حتى في تلك الأحـوال الصـعبة: ﴿حافظُوا علَى الصلَوات والصلَاة الْوسطَى وقُوموا للَّـه قَـانِتين* فَإِنْ خفْتم فَرِجالًا أَو ركْبانـا﴾ [البقـرة: ٢٣٩-٢٣٨]..

حسناً هذا في حال الخوف فماذا سيكون في حال الأمن؟ تكمـل الآية: ﴿فَإِذَا أَمنتم فَاذْكُروا اللَّه كَما علَّمكُم ما لَم تكُونـوا تعلَمونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩].. رجعت مرةً أخرى إلى بداية الآية وأخذت أتأمل المحصلة، وإذا بها في حال الأمن والخوف يجب أن يكون القلب معلقاً بالله..

بالله عليك أعد قراءة الآية متصلة ﴿فَإِنْ خفْتم فَرِجالًا أَو ركْبانا فَإِذَا أَمنتم فَاذْكُروا اللَّـه كَمـا علَّمكُـم مـا لَـم تكُونـوا تعلَمونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]..

القرآن يريد النفس البشرية مشدودة الارتباط بالله جل وعلا في جميع الأحوال..يريد من المسلم أن يكون الله حاضراً في كل سكنة وحركة.. 

وكنت أتأمل كيف يذكر الله النصر العسكري ليربط النفـوس بالله ﴿ولَقَد نصركُم اللَّه بِبدرٍ وأَنتم أَذلَّةٌ فَـاتقُوا اللَّـه لَعلَّكُـم تشكُرونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].. وحتى حين ذكر الله المعاصي والخطايا إذ يقارفها ابن آدم فـإن القرآن يفتح باب ذكر الله أيضاً ﴿والَّذين إِذَا فَعلُـوا فَاحشـةً أَو ظَلَموا أَنفُسهم ذَكَروا اللَّه﴾ [آل عمران: ١٣٥].

وذكر الله تبدلات موازين القوى عبر التاريخ، وربط الأمـر -أيضاً - بأن المراد اختبار عمق الإيمان والارتباط بالله ﴿وتلْك الْأَيام نداوِلُها بين الناسِ وليعلَم اللَّه الَّذين آمنوا ويتخذَ منكُم شهداءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]..

وقص الله في القرآن قصة قومٍ قاتلوا مع نبيهم.. وحكى القرآن ثباتهم.. ومن ألطف ما في ذلك السياق أنه أخبرنا بمقالتـهم الـتي قالوها في ثنايا معركتهم.. فإذا بها كلها مناجاة وتعلق بالله ﴿وكَأَين من نبِي قَاتلَ معه رِبيونَ كَثير فَما وهنوا لما أَصابهم في سبِيلِ اللَّه وما ضعفُوا وما استكَانوا واللَّه يحب الصابِرِين * وما كَانَ قَولَهم إِلَّا أَنْ قَالُوا ربنا اغْفر لَنا ذُنوبنا وإِسرافَنا في أَمرِنا وثَبـت أَقْدامنا وانصرنا علَى الْقَـومِ الْكَـافرِين﴾ [آل عمـران:١٤٦- ١٤٧].

شيء مدهش والله من حال ذلك القوم الـذين عرضـهم الله في سياق الثناء.. في قلب المعركة.. وتراهم يستغفرون الله من خطاياهم، ويبتـهلون إليه، ويظهرون الافتقار والتقصير وأم مسرفون..

يا لتلك القلوب الموصولة بالله.. ولما ذكر الله الجهاد شرح وظيفته وأنها اختبار ما في النفوس من تعلق بالله وإيمان به ﴿قُلْ لَو كُنتم في بيوتكُم لَبرز الَّذين كُتـب علَيهِم الْقَتلُ إِلَى مضاجِعهِم وليبتلي اللَّه مـا فـي صـدورِكُم وليمحص ما في قُلُوبِكُم﴾ [آل عمران: ١٥٤].

وقـال ﴿ومـا أَصابكُم يوم الْتقَى الْجمعان فَبِإِذْن اللَّه ولـيعلَم الْمـؤمنِين﴾ [آل عمران: ١٦٦]، ولما ذكر الله حب النفس البشرية للنصر على الأعـداء لفـت الانتباه إلى المصدر الرئيسي للنصر..

تأمل بالله عليك كيف يضخ القرآن في النفوس التعلق المسـتمر بالله ﴿إنْ ينصركُم اللَّه فَلَا غَالب لَكُم وإِنْ يخـذُلْكُم فَمـن ذَا الَّذي ينصركُم من بعده﴾ [آل عمران: ١٦٠].

ويقول تعالى: ﴿إِنْ تنصروا اللَّه ينصركُم ويثَبت أَقْدامكُم﴾ [محمد: ٧].

وكنت أنظر كيف يصور القرآن أوضـاع الجلـوس والقيـام والاسترخاء.. وكيف تكون النفس في كل هذه الأحوال لاهجـة بذكر الله ﴿الَّذين يذْكُرونَ اللَّه قياما وقُعودا وعلَى جنوبِهِم﴾ [آل عمران: ١٩١].

يذكر الله وهو واقف.. يذكر الله وهو جالس.. يذكر الله وهو مضطجع.. أي تعلق بالله.. وأي نفوس معمورة برا أكثر من هذه الصورة المشرقة..

سألتك بالله وأنت تقرأ هذه الآية ألا تتذكر بعـض العبـاد المخبتين من كبار السن الذين لا تكف ألسنتهم عن تسبيح وتحميد وتكبير..

هل ترى الله حكى لنا هذه الصورة عبثاً؟ أم أن الله تعالى يريـد منا أن نكون هكذا.. نفوساً مملوءة برا ومحبةً لمولاها لا تغفل عن استحضار عظمته وتألهه لحظة واحدة..

وحتى في المشاعر بين الزوجين إذا سارت الأمور في غير مجاريها؛ فإن القرآن يحرك في النفوس استحضار الغيبيات والأبعاد الإيمانيـة حيث يقول تعالى: ﴿فإِنْ كَرِهتموهن فَعسى أَنْ تكْرهـوا شـيئًا ويجعلَ اللَّه فيه خيرا كَثيرا﴾ [النساء:١٩].

فإن بلغت أمور الزوجين إلى الشقاق الزوجي؛ شـرع التحكـيم بينهما.. وحتى في هذا التحكيم الزوجي فإن القرآن يلفت انتبـاه المنخرطين في هذه العملية إلى أن مسارات التحكيم مرتبطة بما قـام في القلوب من العلاقة بالله ﴿وإِنْ خفْتم شقَاق بينِهِمـا فَـابعثُوا حكَما من أَهله وحكَما من أَهلها إِنْ يرِيدا إِصلَاحا يوفِّـقِ اللَّـه بينهما إِنَّ اللَّه كَانَ عليما خبِيرا﴾[النساء: ٣٥].

ولما ذكر الله البلد الذي لا يستطيع المؤمن فيها إظهار شـعائره وأمر بالهجرة إلى بلد آخر؛ لم يجعل الأمر مجرد هجرة مـن مكـان جغرافي إلى آخر، بل جعل القضية "هجرة إلى الله" ذاته، كما يقول تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجِرا إِلَى اللَّه ورسوله ثُم يدرِكْه الْموت فَقَد وقَع أَجره علَى اللَّه﴾ [النساء: ١٠٠]؛ فـالأمر في صيغته الحسية مجرد هجرة من بلد إلى بلد، لكنه في ميزان القـرآن "هجرة إلى الله ورسوله"..

ومن أعجب مواضع القرآن في ربط النفوس بالله وعمارتها بربها، ولا أظن أن ثمة دلالة أكثر من ذلك على هذا الأمر: (صلاة الخوف حال الحرب)، هذه الشعيرة تسكب عندها عبرات المتدبرين..

وقد تكفل القرآن ذاته بشرح صفتها، وجاءت في السنة علـى سبعة أوجه معروفة تفاصيلها في كتب الفقه.. بالله عليـك تخيـل المسلم وقد لبس لأمة الحرب، وصار على خط المواجهة، والعـدو يتربص، والنفوس مضطربة قلقة، والأزيز يمخر الأجواء، والدم تحت الأرجل.. 

ومع ذلك لم يقل الله دعوا الصلاة حتى تنتهوا، بل لم يقل دعوا "صلاة الجماعة" ! وإنما شرح لهم كيف يصلوا جماعة في هذه اللحظات العصيبة ﴿وإِذَا كُنت فيهِم فَأَقَمت لَهـم الصـلَاةَ فَلْتقُم طَائفَةٌ منهم معك ولْيأْخذُوا أَسـلحتهم فَـإِذَا سـجدوا فَلْيكُونوا من ورائكُم ولْتأْت طَائفَةٌ أُخرى لَم يصـلُّوا فَلْيصـلُّوا معك ولْيأْخذُوا حذْرهم وأَسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]..

هل تعرف في الدنيا كلها شاهد على حب وتعظيم الله جل وعلا للارتباط بالله واستمرار مناجاته أكثر من ذلك.. بل هل يوجد رجل فيه شيء من الورع وخوف الله يهمل صلاة الجماعة وهو في حال الأمن والرفاهية وعصر وسائل الراحة؛ وهـو يرى ربه تعالى يطلب من المقاتلين صلاة الجماعـة ويشـرح لهـم تفاصيل صفتها بدقة، وهم تحت احتمالات القصف والإغارة؟!

هل تستيقظ نفوس افترشت سجاداتها في غرفها ومكاتبها تصلي "آحاداً" لتتأمل كيف يطلب الله صلاة "الجماعة" بـين السـيوف والسهام والدروع والخنادق..؟!

أترى الله يأمر المقاتل الخائف المخاطر بصلاة الجماعة، ويشرح له صفتها في كتابه، ويعذر المضطجعين تحت الفضائيات، والمتـربعين فوق مكاتب الشركات؟! هل تأتي شريعة الله الموافقة للعقول بمثـل ذلك؟!

ومن اللطيف أن الآية التي أعقبت الآية السابقة تكلمت عن حال إتمام الصلاة، حسناً.. نحن عرفنا الآن من الآية السابقة صفة الصلاة لحظة احتدام الصفين، فما هو التوجيه الذي سيقدمه القرآن بعـد الانقضاء من الصلاة؟ 

يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَضيتم الصلَاةَ فَاذْكُروا اللَّه قياما وقُعودا وعلَى جنوبِكُم﴾ [النساء: ١٠٣].. يا سبحان ربي.. الآن انتهى المقاتل من صلاة الجماعة، فيرشده القرآن لاستمرار ذكر الله..

هل انتهى الأمر هاهنا؟

لا، لم ينته الأمر بعد، فقد واصلت الآية الحديث عن انتهاء حالة الخوف، وبدء حالة الاطمئنان، ويتصل الكلام مرةً أخـرى لـربط النفوس بالله ﴿فَإِذَا اطْمأْننتم فَأَقيموا الصلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، صارت القضية كلها الله..

بالله عليك أعد قراءة الآيتين متواصلتين ﴿وإِذَا كُنـت فـيهِم فَأَقَمت لَهم الصلَاةَ فَلْتقُم طَائفَةٌ منهم معك ولْيأْخذُوا أَسـلحتهم فَإِذَا سجدوا فَلْيكُونوا من ورائكُم ولْتأْت طَائفَةٌ أُخرى لَم يصلُّوا فَلْيصلُّوا معك ولْيأْخذُوا حذْرهم وأَسلحتهم ود الَّذين كَفَروا لَو تغفُلُونَ عن أَسلحتكُم وأَمتعتكُم فَيميلُونَ علَيكُم ميلَةً واحدةً ولَا جناح علَيكُم إِنْ كَانَ بِكُم أَذًى من مطَرٍ أَو كُنـتم مرضـى أَنْ تضعوا أَسلحتكُم وخذُوا حذْركُم إِنَّ اللَّه أَعد للْكَافرِين عـذَابا مهِينا * فَإِذَا قَضيتم الصلَاةَ فَاذْكُروا اللَّه قيامـا وقُعـودا وعلَى جنوبِكُم فَإِذَا اطْمأْننتم فَأَقيموا الصلَاةَ إِنَّ الصلَاةَ كَانـت علَى الْمؤمنِين كتابا موقُوتا﴾]النساء: ١٠٢- ١٠٣].

ولما ذكر الله الصلاة في سورة "طه" أشار إلى غاية تغيب عن بال كثير من المصلين فضلاً عمن دوم، ربما يتحدث الواحد منا عـن عظمة الصلاة في الإسلام، وأنها أعظم ركن بعد الشهادتين، وأنهـا الخط الفاصل بين الكفر والإيمان، ونحو هذا من معـاني مركزيـة الصلاة، ولكن لماذا شرع الله الصلاة وأحبها وعظمها سبحانه؟ 

إنها  بوابة استحضار الله وتذكره، يقول الله سبحانه: ﴿وأَقمِ الصـلَاةَ لذكْرِي﴾ [طه: ١٤]، هكذا بكل وضوح.. يقيم المسلمون الصـلاة ليتذكرون الله جل وعلا.. يكبروه ويسبحوه ويناجوه..

بل وحتى حين ذكر الله الجوارح المعلّمـة في الصـيد لم يـذكر تعليمها مغفلاً هكذا.. بل يربطه بالحقيقة العقدية الإيمانية ليسـتمر القلب موصولاً بعظمة الله.. تأمل كيف ينبه المسلم علـى ذلـك ﴿وما علَّمتم من الْجوارِحِ مكَلِّبِين تعلِّمـونهن ممـا علَّمكُـم اللَّه﴾ [المائدة: ٤].

حتى تعليم الجوارح وكلاب الصيد يجب أن يستحضر المؤمن أنها تعليم مما علم الله.. ما أشد كثافة حضور العلاقة بالله في القرآن..

وأخذ القرآن مرةً يستثير ذكريات للصحابة كاد الكفار فيها أن يفتكوا بهم، فينبش القرآن هذه الوقائع التاريخية ليرتفع بالقلوب إلى الله الذي نجاهم، يقول تعالى: ﴿يا أَيها الَّذين آمنوا اذْكُروا نِعمت اللَّه علَيكُم إِذْ هم قَوم أَنْ يبسطُوا إِلَيكُم أَيديهم فَكَف أَيـديهم عنكُم واتقُوا اللَّه وعلَى اللَّه فَلْيتوكَّلِ الْمؤمنونَ﴾ [المائدة: ١١].

وقد ذكر أهل التفسير فيها عدة وقائع تندرج في ذلك، كمحاولة الأعرابي غورث بن الحارث أن يقتل رسول الله، كما في البخاري.. ومثل مؤامرة اليهود لقتل رسول الله ﷺ وأصحابه فأوحى الله إليـه وانكشفت المؤامرة، ونحوها من الأحداث..

ليس المهم تعيين هذه الأحداث التي فشلت فيها مؤامرات الكفار ضد الرسول والصحابة.. الأهم والله حين يرى متدبر القرآن كيف يفاجئ القرآن الصحابة بذكر تلك القصص ليحيي علاقة القلـب بالله.. فينبههم أن الله سبحانه هو الذي كف أيدي الكفار عنكم، وأنه يجب أن تتوكل القلوب عليه سبحانه..

آيات تنبش في أذهان الصحابة ذكريات أحـداث وخطـوب سلموا فيها، لا تذكرها هذه الآيات إلا لتصعد بالقلوب إلى الخالق المتفضل سبحانه.. كأن هذه الآيات تقول: انتبهوا إن سلامتكم في تلك الأحداث ليست أمراً عابراً، بل هو فضل مـن الله ورحمـة،

فاذكروا هذا ولا تنسوه، وليكم منكم على بال، ولتعشه القلـوب، وتلهج بشكر الله الألسنة والجوارح.. 

انظر كيف تكـون وظيفـة (السير والمغازي) في كتاب الله، وقارنها بنمط تعاملنا معها.. وتذكير القرآن للصحابة بغزوام في سورة الأنفال يشبه قول الله في سورة إبراهيم عن موسى: ﴿ولَقَد أَرسلْنا موسـى بِآياتنـا أَنْ أَخرِج قَومك مـن الظُّلُمـات إِلَـى النـورِ وذَكِّـرهم بِأَيـامِ اللَّه﴾ [إبراهيم: ٥].

فقال موسى مستجيباً في الآية التي تليها: ﴿وإِذْ قَالَ موسى لقَومه اذْكُروا نِعمةَ اللَّه علَيكُم إِذْ أَنجاكُم مـن آلِ فرعونَ﴾ [إبراهيم: ٦].. ولما ذكر الله تعالى قصة موسى إذ أمر قومه بدخول (الأرض المقدسة) والتي ذكر بعض أهل التفسير أنها الطـور ومـا حولهـا، فتخاذل قوم موسى واعتذروا بأن فيهـا قومـاً جبـارين لـديهم إمكانيات لا نستطيع مقاومتها.

وفي هذه اللحظة وقف رجلان من قوم موسى موقف الشجاع مستجيبين لأمر موسى، ونبهوا قومهم أنهم بمجرد الدخول على الجبارين فسينهزمون بـإذن الله.. هـذان الرجلان البطلان لم يذكرهما الله في كتابه وينسب الفضل لهما، بل نبه تعالى أن موقفهم البطولي إنما له خلفيات أخرى. 

بالله عليك تتبع نمط القرآن في عرض ذلك، يقول الله حاكياً خطاب موسى: ﴿يـا قَومِ ادخلُوا الْأَرض الْمقَدسةَ الَّتي كَتب اللَّه لَكُم ولَا ترتدوا علَى أَدبارِكُم فَتنقَلبوا خاسرِين * قَالُوا يا موسى إِنَّ فيهـا قَومـا جبارِين وإِنا لَن ندخلَها حتى يخرجوا منها فَإِنْ يخرجوا منها فَإِنا داخلُونَ * قَالَ رجلَان من الَّذين يخافُونَ أَنعم اللَّه علَيهِمـا ادخلُوا علَيهِم الْباب فَإِذَا دخلْتموه فَإِنكُم غَالبونَ وعلَـى اللَّـه فَتوكَّلُوا إِنْ كُنتم مؤمنِين﴾ [المائدة: ٢٠- ٢٣].

لعلك لاحظت الأمر، وكيف يلح القرآن على إبراز خلفيـات العلاقة بالله، فهذا الرجلان لم يقفا هذا الموقف الصواب إلا لأنهمـا يخافا من الله، وقد أنعم الله عليهما بمقامات الإيمان والديانة.. وحتى وصيتهما لقومهما كانت ﴿وعلَى اللَّه فَتوكَّلُوا﴾ والتوكل من أدق مقامات تعلق القلب بالله، بل إن التوكل هو لحظة التعلـق بـالله فعلاً..

هذه الوقائع والحوارات بين موسى وقومه لا يمكن أن تخرج منها بمبدأ جوهري إلا مركزية التعلق بالله.. فموسى يذكرهم بالله لكي يدخلوا الأرض المقدسة، وبطلا المشهد إنما وقفا هذا الموقف لأن الله أنعم عليهما بمقامات الإيمان، ونصيحتهما الختامية هي (التوكل على الله).. 

القصة كلها إيمان في إيمان.. ثم يحدثك القرآن عن ظاهرة المصائب والأضرار الـتي تصـيب الإنسان في حياته الشخصية، وبالرغم من أن الله شرع لنـا اتخـاذ الأسباب، كالأدوية للشفاء من المرض، والتماس الرزق لرفع الفقر، إلا أن القرآن يكثف دائرة الضوء على أمرٍ آخر أهم وهو أن يرتبط الفؤاد بالله سبحانه وتعالى وهو يصارع هذه البلاءات..

تأمل كيف يصوغ القرآن هذا المعنى، يقول الله: ﴿وإِنْ يمسسك اللَّه بِضر فَلَا كَاشف لَه إِلَّا هو وإِنْ يمسسك بِخيرٍ فَهو علَـى كُـلِّ شـيءٍ قَدير﴾ [الأنعام: ١٧].. ويقول ربنا في موضعٍ آخر مشابه ﴿وإِنْ يمسسك اللَّه بِضر فَلَا كَاشف لَه إِلَّا هو وإِنْ يرِدك بِخيرٍ فَلَا راد لفَضله يصيب بِه مـن يشاءُ من عباده وهو الْغفُور الرحيم﴾ [يونس: ١٠٧]..

لعلك لمحت معنى آخر، وهو أن الآيتين كليهما لم يتحدثا فقـط عن أن كاشف الضر هو الله، بل المدهش أما أشارتا كـذلك إلى أن من مسك ذا الضر هو الله سبحانه أيضاً!

فحين يتعمق المؤمن في أسرار هذه الآيات فيمتلئ قلبه باليقين بأن من مسه بالفقر أو المرض هو الله، وأن من سيرفع هذا الضر، فيغنيه ويعافيه؛ هو الله أيضاً، فصار مبتدأ الأمر ومنتهاه مـن الله وإلى الله، فماذا بقي في القلب لغير الله!

الله وحده - جل جلاله - هو الذي أوقعه، والله وحده - جـل جلاله- هو الذي سيرفعه! هكذا يتبحر المؤمن في حقائق العلم بالله والإيمان به وعمارة النفوس بمهابته سبحانه..

ثم ينتقل القرآن إلى دائرة أوسع من دائـرة (الفـرد) وهمومـه الشخصية، إلى دائرة (المجتمع) وقضايا الشأن العام وما تكابده مـن أزمات، ماذا يريد الله جلّ وعلا بتقدير هذه الأزمـات الاجتماعية؟!

قطعاً هناك حكمة إلهية في تقدير هذه المصائب اتمعية، فما هي يا ترى؟ إنها ليست شيئاً آخر غير تلك الحقيقة الكبرى الناظمة للقرآن والتي رأيناها تسري في شرايين الشواهد والنماذج السابقة، بكـل وضوح ومباشرة يكشف الله سبحانه عن حكمته في تقدير هـذه الأزمات الاجتماعية؛ فيقول: ﴿ولَقَد أَرسلْنا إِلَى أُمـمٍ مـن قَبلـك فَأَخذْناهم بِالْبأْساءِ والضراءِ لَعلَّهم يتضـرعونَ* فَلَولَـا إِذْ جاءَهم بأْسنا تضرعوا ولَكن قَست قُلُوبهم﴾ [الأنعام: ٤٢-٤٣].

ويحدد ربنا في موضع آخر مشابه ذات الخلفية ﴿وما أَرسلْنا في قَرية من نبِي إِلَّا أَخـذْنا أَهلَهـا بِالْبأْسـاءِ والضـراءِ لَعلَّهـم يضرعونَ﴾ [الأعراف: ٩٤]، وتضيف آيةٌ أخرى مقاماً إيمانياً بديعاً مشـااً للتضـرع وهـو "الاستكانة الله" يقول الله: ﴿ولَقَد أَخذْناهم بِالْعذَابِ فَما استكَانوا لربهِم وما يتضرعونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]..

هذه التغيرات التي تطرأ على الفرد واتمع بشكل عام يريد  منهـا الله أن نعود إليه كما يقول الله: ﴿وبلَوناهم بِالْحسنات والسيئَات لَعلَّهم يرجِعونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].

هذا هو الدرس الأساسي في ظاهرة المصائب الجالبـة للـهموم الفردية واتمعية، كالفقر والمرض والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، يريد الله جل وعلا أن تكون جسراً إليه سبحانه، يريد الله منها أن توقظ قلوبنا فتستكين الله، وتتضرع له سبحانه، وتتعلق بـه جل وعلا، قارن هذا بنمط تعاملنا مع هذه الظواهر يسـتبِن لـك بعدنا عن الحقيقة الكبرى الناظمة للقرآن..

ومن التعابير الشمولية التي استعملها القرآن لتربية هذه الحقيقـة الكبرى في النفوس قول الله سبحانه في خواتيم سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب الْعالَمين﴾ [الأنعام: ١٦٢].. فانظر كيف شملت هذه الآية أصول العبادات، والحياة، والممات؛ وجعلت كل ذلك الله سبحانه.. 

قد يعرف الكثير من الناس اليـوم كيف يصلي الله، وكيف يحج الله.. لكن القليل من النـاس يـدرك كيف يحيا حياته الله، وكيف يموت الله؟! وهذه الآية العظيمة تزكي النفوس هذا المقام العظيم الذي هو لب القرآن..

ويحدثنا مطلع سورة الأنفال عن إرهاصات معركـة بـدر، ثم تفاعلاتها وتطوراتها بين الاستيلاء على قافلة قـريش أو المواجهـة العسكرية، حتى يصل السياق إلى النصر العظـيم الـذي حققـه المسلمون في قتالهم لجيش الكفار وسحقهم.. أتدري أين العجب في ذلك كله، أن القرآن بعد شرح هذه الأحداث المتلاحقـة يعقـب تعقيباً مدهشاً في تربية التعلق بالله ونسبة الفضل له سبحانه..

بـالله عليك تأمل هذا التعقيب القرآني على غزوة بدر: ﴿فَلَم تقْتلُـوهم ولَكن اللَّه قَتلَهم وما رميت إِذْ رميت ولَكن اللَّه رمى﴾ [الأنفال: ١٧].. يا الله العجب.. فالصحابة المجاهدون هم الذين قاتلوا، والنبي ﷺ هو الذي رمى التراب وقال "شاهت الوجوه"، ومع ذلـك يقـول القرآن: لا، لستم أنتم الذين قتلتموهم، ولا أنت يا رسول الله ﷺ الذي رميت، ولكنه الله سبحانه هو الذي قتلهم، وهو الذي رمى، والمعنى أن الله هو الذي أظفركم بهم، لكن من شدة نسبة الفضـل إلى الله نسب إليه الفعل ذاته! فانظر كيف تشرع القلـوب إلى السـماء وتتخلص من حبال التثاقل إلى الأرض..

وإذا تأمل متدبر القرآن هذه الآية ﴿وما رميت إِذْ رميت ولَكن اللَّه رمى﴾ لوجد فيها إثباتاً ونفياً، فأثبت لرسول الله ﷺ رمياً، ونفـى عنه رمياً آخر، فالمثبت هو الحذف والإلقاء، والمنفي هو الإيصـال والتبليغ، كما حرره أبو العباس ابن تيمية، وذكر - رحمه الله - في موضع آخر في الآية ثلاثة أوجه وناقشـها، وهـي في الفتـاوى (٣٩/١٥) لمن أراد التوسع.

ويشبه هذا المعنى المذكور في سورة الأنفال آية أخرى في سـورة التوبة يقول الله فيها: ﴿قَاتلُوهم يعذِّبهم اللَّه بِأَيديكُم﴾ [التوبـة: ١٤].. فانظر كيف نسب السبب لأيدي الصحابة، ونسـب الأثـر الله سبحانه وتعالى! فصحيح أنكم أنتم الذين تقاتلونهم لكن الله هـو الذي يعذبهم بذلك!

لا يتوقف مشهد تعليق القلوب بالله في المجتمع المسـلم، بـل إن القرآن يوجه قارئه إلى تربية التعلق بالله في نفوس (الأسرى).. إنهم الأسرى الذين هم مجموعة من الكفار المحاربين الذين تعذر علـيهم إتمام مهمتهم الخبيثة! ومع ذلك يحثنا كتاب الله على تفقـيههم في معاني (أعمال القلوب)..

يقول الله في سورة الأنفال: ﴿يا أَيها النبي ﷺ قُلْ لمن في أَيديكُم من الْأَسرى إِنْ يعلَمِ اللَّه في قُلُوبِكُم خيرا يؤتكُم خيرا مما أُخذَ منكُم ويغفر لَكُم واللَّه غَفُور رحيم﴾ [الأنفال: ٧٠].. يجب أن يدرك الأسرى أن الموضوع كله متعلق بما في القلوب!

ولما ذكر الله قصة الثلاثة الذين خلِّفوا وهم: كعب بـن مالـك وصاحبيه، وهي مرويةٌ بطولها في صحيح البخاري، شرحت الآيات حالة استغلاق الهم والغم الذي أصاب هؤلاء الثلاثة، ثم وصـلت الآية إلى جوهرها وهو "الحالة الإيمانية" التي يحبـها الله سـبحانه، وثمّنها منهم، وجعلتها الآية ختام المشهد، يقول الله سبحانه: ﴿وعلَى الثَّلَاثَة الَّذين خلِّفُوا حتى إِذَا ضاقَت علَيهِم الْأَرض بِما رحبت وضاقَت علَيهِم أَنفُسهم وظَنوا أَنْ لَا ملْجأَ من اللَّه إِلَّا إِلَيه ثُم تاب علَيهِم ليتوبوا إِنَّ اللَّه هو التواب الرحيم﴾ [التوبة: ١١٨]..

أرأيت؟! ما أبدع عرض الآية لهذا المقـام الإيمـاني في سـياق تفاعلات الهم والغم، فبعد أن ضاق عليهم الخـارج (الأرض بمـا رحبت) وضاق الداخل (وضاقت عليهم أنفسهم) تصل الآيـة إلى ذروة الإيمان ﴿وظَنوا أَنْ لَا ملْجأَ من اللَّه إِلَّا إِلَيه﴾..

ليس العجب فقط أنهم تعلقوا بالله.. بل العجب إشارة الآية إلى المبدأ والمنتهى، أعني إشارتها إلى أنه لا نجاة من الله إلا إلى الله! فالله هاهنا هو المخوف، والله نفسه هو الملاذ! هذه هي القلـوب الـتي يحبها الله..

ومما يدلك على أن الله يريد من العبد أن يبقى قلبـه متضـرعاً مستغيثاً في حال الأزمة، وبعد تجاوزها.. وأنه ليس مـن الأدب أن تدعوا الله أثناء الأزمة ثم تغفل عن التعلق بالله بعد تحسن الأحوال، يصف الله هذا المشهد بقوله في سورة يونس: ﴿وإِذَا مس الْإِنسانَ الضر دعانا لجنبِه أَو قَاعدا أَو قَائما فَلَما كَشفْنا عنه ضره مـرَّ كَأَنْ لَم يدعنا إِلَى ضر مسه كَذَلك زين للْمسرِفين مـا كَـانوا يعملُونَ﴾ [يونس: ١٢]..

تأمل كيف وصفت الآية الضجر الذي يصيب الإنسـان أثنـاء المصيبة فيدعوا الله في كل أحواله قائما وقاعـداً ومسـتلقياً، ثم إذا كشف الله مصيبته غفل ونسي تلك اللحظات التي كان يناجي فيها ربه.. عزبت عن باله ذكرى تلك الابتهالات إلى الله حال الكرب..

وهذا المشهد الأليم الذي ذكرته سورة يونس شـرحته آيـات أخرى لتؤكد أهمية الموضوع، يقول تعالى في سورة الزمـر: ﴿وإِذَا مس الْإِنسانَ ضر دعا ربه منِيبا إِلَيه ثُم إِذَا خولَه نِعمةً منه نسِي ما كَانَ يدعو إِلَيه من قَبلُ﴾ [الزمر: ٨].. 

ويقول الله في سورة فصلت: ﴿وإِذَا أَنعمنا علَى الْإِنسان أَعرض ونأَى بِجانِبِه وإِذَا مسه الشر فَذُو دعاءٍ عرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].. والله إنني أشعر بالخجل وأنا أعلق على هذه الآيات..

ما أكثر ما يلح المرء على ربه إذا عرضت له حاجة، فإذا تحققت حاجته وحصل غرضه طارت به الفرحة فأنسته التبتل بين يدي ربه شكراً وحمداً وثناءً..

أليس هذا هو المرور كأن لم يدع الله إلى ضر مسه؟!

أليس هذا هو نسيان ما كان يدعوا إليه من قبل؟!

أليس هذا هو الإعراض والنأي بعد ذلك "الدعاء العريض" ؟!

يا رب عفوك وسترك..

والمراد أنه إذا تأمل متدبر القرآن كيف كرر الله في تصـويرات متعددة ذم من يدعوا الله في حال الضر، ويغفل في حال العافية؛ علم أن الله يريد أن يكون القلب معلقاً بالله في كل حال..

سأسألك يا أخي الغالي قارئ هذه السطور سؤالاً تبوح به هذه الكلمات المكتوبة، ولكن اجعل جوابه في صدرك، اجعلها مناجـاة الأحبة بيني وبينك..

سؤالي هو: بالله عليك ألم يمر بك لحظة ركبت فيها (الطائرة) مسـافراً إلى سياحة أو تجارة أو غيرها، وكانت الأمور على ما يرام، ثم وأنت في جوف السماء ارتعدت الطائرة لظروف جوية، أو رأيـت طـاقم الطائرة يلهثون كأنما يخفون أمراً خطراً، فكيف كانت مشاعرك في تلك الحالة؟

ألم تدع الله وجِلاً بالسلامة، ألم يركض أمام عينيـك سـريعاً شريط الخطايا والمعاصي؟

ألم يستحوذ عليك إحساس بأنك إن سلمت سـتتوب بعـد أن رأيت الموت؟

مرت بك هذه اللحظة؟ إذن اقرأ كيف يصور الله ذات المشـهد لكـن علـى وسـيلة مواصلات أخرى مشاة، وتأمل كيف يعاتبنا على ذلك، يقول الله في سورة يونس: ﴿حتى إِذَا كُنتم في الْفُلْك وجرين بِهِم بِـرِيحٍ طَيبة وفَرِحوا بِها جاءَتها رِيح عاصف وجاءَهم الْموج من كُـلِّ مكَان وظَنوا أَنهم أُحيطَ بِهِم دعوا اللَّه مخلصين لَه الدين لَـئن أَنجيتنا من هذه لَنكُونن من الشاكرِين * فَلَما أَنجـاهم إِذَا هـم يبغونَ في الْأَرضِ بِغيرِ الْحق يا أَيها الناس إِنمـا بغـيكُم علَـى أَنفُسِكُم متاع الْحياة الدنيا ثُم إِلَينا مرجِعكُم فَننبئُكُم بِما كُنـتم تعملُونَ﴾ [يونس: ٢٢- ٢٣].

يا لبلاغة القرآن.. والله لا زال هذا المشهد يتكرر منذ أنزل الله هذه الآيات إلى يوم الناس هذا!

وهذا المشهد المذكور في سورة يونس شرحته آية أخرى مشابهة في سورة الإسراء، وكشفت آية الإسراء جهل العقـل البشـري، وكيف يغفل عن أخطار أخرى حتى لو سلم في رحلته التي نجا فيها، يقول الله مرةً أخرى عن وسائل النقل: ﴿وإِذَا مسكُم الضر فـي الْبحرِ ضلَّ من تدعونَ إِلَّا إِياه فَلَما نجاكُم إِلَى الْبـر أَعرضـتم وكَانَ الْإِنسانُ كَفُورا * أَفَأَمنتم أَنْ يخسِف بِكُم جانِب الْبر أَو يرسلَ علَيكُم حاصبا ثُم لَا تجِدوا لَكُم وكيلًا * أَم أَمنتم أَنْ يعيدكُم فيه تارةً أُخرى فَيرسلَ علَيكُم قَاصـفًا مـن الـريحِ فَيغرِقَكُم بِما كَفَرتم ثُم لَا تجِدوا لَكُم علَينا بِه تبِيعا﴾ [الإسـراء: ٦٧- ٦٩].

تأمل كيف تشير الآية إلى جهل الإنسان حيث يظن أنه إذا وصل البر أمن ولذلك يغفل! والقرآن ينبهه أنه حتى لو نزل علـى الأرض فقد يكون تحت خطر عقوبة أشد كالخسف بالأرض كما حصـل لقارون، أو الرمي بالحصباء كما حصل لقرية سدوم..

ثم ينبه القرآن تنبيهاً أعجب وهو أنه يا من نجوت هذه المرة مـن الخطر ووصلت البر، قد تعود مرةً أخرى إلى وسيلة النقـل ذاتها فتهلك هلاكاً أشد حين تقصم الريح مراكبك..

وتشير آية أخرى إلى تفاوت الناس بعد زوال لحظة الخطر علـى وسيلة النقل: ﴿وإِذَا غَشيهم موج كَالظُّلَلِ دعوا اللَّه مخلصين لَه الدين فَلَما نجاهم إِلَى الْبر فَمنهم مقْتصد وما يجحد بِآياتنا إِلَّـا كُلُّ ختارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].

هذه الصورة التي يكررها القرآن عن السفر بالسفن واليخـوت انقلها بحذافيرها إلى وسيلة نقل مشاة كالطائرة أو القطـارات أو السيارات وتأمل كيف يكون الإنسان فيها قلقاً، وخصوصاً إذا مرّ بظروف طبيعية، كرياح تثير الاضطراب، ثم إذا نزل علـى الأرض نسي استكانته وتضرعه وعزيمته على الاستقامة..

تذكر هذه الصورة التي نمر بها وأعد قراءة آية يونس وآية الإسراء السابقتين تنكشف لك من معاني الإيمان والتعلق بالله ما لم يخطـر ببالك..

والمقصود أن ينظر متدبر القرآن كيف يريد الله قلوبـاً تسـتديم التعلق به في حال الخطر والسلامة.. إنه الخيط الناظم والحقيقة الكبرى في القرآن، وهو اسـتمرار حركة القلب بالإيمان بالله والتعلق به سبحانه.. ربما لو جلست مجلساً وسألت من فيه ما هو تعريف "الصـحبة الصالحة"؟ 

لربما طافت بك التعريفات في صفات دنيوية، وخصوصاً بعد غلبة المنظور الغربي لمفهوم (تطوير الذات)، فصارت تسـري في مفاصل هذه الكتب المعايير المادية في النظرة للحياة والنجاح.. لكن متدبر القرآن يجد في سورة الكهف تعريفاً مدهشاً للصحبة الصالحة.

يقول الله - تبارك وتعالى - لنبيه: ﴿واصبِر نفْسك مـع الَّـذين يدعونَ ربهم بِالْغداة والْعشي﴾ [الكهف: ٢٨].. سألتك بالذي خلقك هل تجد اليـوم في خطاباتنـا الفكريـة والنهضوية من يعرف الشخصية المتميزة بهذا التعريف؟!

انظر كيف تحدد سورة الكهف "خاصية" الشخص المتميز..

إنه الذي "يدعوا ربه بالغداة والعشي".. واخجلاه من زمان صرنا نستحي فيه من حقائق القرآن!

ولما كلف الله موسى بالرسالة، طلب موسى من الله أن يجعل له وزيراً يعينه على مهمة الرسالة وهو أخوه هارون، لكن ما هـو المقصود الأبعد من هذا التعاون والتعاضد بين الأخـوين؟ شـاهد كيف يشرح موسى وظيفة الاستعانة بأخيه هارون في سورة طـه: ﴿واجعلْ لي وزِيرا من أَهلي * هارونَ أَخي * اشدد بِه أَزرِي * وأَشرِكْه في أَمرِي * كَي نسبحك كَثيرا * ونذْكُرك كَثيرا﴾ [طه: ٢٩- ٣٤].

أظنك لاحظت هذا الحضور العجيب لـ (ذكـر الله) في بنيـة الرسالة، موسى يقول لربه اجعل معي هـارون كـي نسـبحك ونذكرك كثيرا! من أجل التسبيح والذكر!

هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا، بل إن الله تعالى يرسل موسى وهارون إلى فرعون ويوصيهما مرةً أخرى بلهج اللسان بذكر الله، فيقول الله في نفس السورة، سورة طه، بعد الموضع السابق بآيـات معدودة: ﴿اذْهب أَنت وأَخوك بِآياتي ولَا تنِيا في ذكْرِي﴾ [طه: ٤٢].

موسى يريد توزير أخيه ليتعاونا على تسبيح الله وذكره، وربهما يرسلهما ويقول: لا تنيا أي لا تفترا ولا تضعفا ولا تكسـلا عـن ذكري..

لاحظ المهمة الجسيمة التي سيتحملاها وهي مواجهة أعتى نظـام مستبد في التاريخ بما يستفز كبرياءه، ومع ذلك يقول الله لهما "ولا تنيا في ذكري"..

لو قدم اليوم بعض الدعاة نصيحة للثوار على الحكومات العربية الفاسدة بأن يكثروا من (ذكر الله) لعد كثير من المستغربين ذلـك دروشة وسذاجة! برغم أن موسى يجعل ذكر الله مظلـةّ لمهمتـه الكبرى، والله جل جلاله يؤكد عليهما بأن لا يفترا عن الـذكر..

فما أكثر الشواهد المعاصرة على غُربة مفاهيم القرآن، وبعد كـثير من شباب المسلمين عنها إلا من وفق الله.. ثم يتحدث القرآن في سورة الحج عن طريقة تلقي المؤمن لآيات الوحي، وأنه ليس المطلوب فقط تنفيذ أحكام القرآن، بل لابـد أن يقوم في القلب معنى آخر يظهر به "ذل العبودية" الله سبحانه وتعالى، وهو طأطأة القلب ورقته فور تلقيه القرآن، يقول الله: ﴿ولـيعلَم الَّذين أُوتوا الْعلْم أَنه الْحق من ربك فَيؤمنوا بِـه فَتخبِـت لَـه قُلُوبهم﴾ [الحج: ٥٤].

وقد ذكر بعض أهل التفسير أن معنى الإخبات هاهنا "أي تـرق للقرآن قلوبهم".

ثم ينتقل بنا المسار إلى سورة (المؤمنون)، وفيها مشـهد بـديع لعمارة النفوس بالله، ذلك أن كثيراً من الناس يتصور أن المؤمن يجب أن يخاف من الله حال (المعصية)، أما حال (الطاعة)؛ فتذهل كثير من العقول عن مقام الوجل من الله، لكن ميزان القرآن يختلف، يختلف جذرياً، إنه يريد شعب الإيمان مستوفزة متلهفة في كافة الأحـوال،

مشدودةً إلى خالقها، تأمل كيف يصور القرآن المؤمن وهو في لحظة العمل الصالح: ﴿والَّذين يؤتونَ ما آتوا وقُلُوبهم وجِلَةٌ أَنهم إِلَـى ربهِم راجِعونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].. يمد يده بالصدقة وقلبه يرتجف من الله! بالله هل رأيت إقبالاً على الله وذهولاً عما سواه أشد من ذلك؟! 

فإذا كان هذا هو المطلـوب القرآني حال (الطاعة)، فكيف يكون حال (الخطيئة)؟!

وفي سورة النور لما ذكر الله الأنشطة التجارية لم يتحدث عـن أهميتها، أو فنونها، بل التحذير من أن تشغل القلب عن الانكبـاب على الله ﴿رِجالٌ لَا تلْهِيهِم تجارةٌ ولَا بيع عن ذكْرِ اللَّه﴾ [النور: ٣٧]..  فإذا كان هذا حالهم أثناء التجارة المنهكة فكيف يكون أثنـاء الفراغ؟!

ومن المعاني القرآنية التي نبهت إلى تعلق القلب بالله وانصرافه عما سواه مفهوم (إقامة الوجه للدين) (وإسلام الوجه لله).. وهي تعابير لها دلالاا القلبية العميقة..

تأمل هذه الطائفة من الآيات: يقول الله: ﴿وأَنْ أَقم وجهـك للدينِ حنِيفًا﴾ [يونس: ١٠٥].

وقال الله: ﴿فَأَقم وجهك للـدينِ حنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠].

ويقول سبحانه: ﴿فَأَقم وجهك للـدينِ الْقَيمِ من قَبلِ أَنْ يأْتي يوم لَا مرد لَه من اللَّـه﴾ [الـروم: ٤٣].. ويقول أيضاً: ﴿ومن يسلم وجهه إِلَى اللَّه وهو محسِـن فَقَـد استمسك بِالْعروة الْوثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢].

وقد قرأت لعدد من أهل العلم عن أكثر أمرٍ ردده القرآن بعـد التوحيد ما هو؟ ورأيتهم ذكروا أموراً لكني اختبرا فوجدا غـير دقيقة، وأما الذي رأيته شخصياً فلا أعرف مطلوبـاً عمليـاً ردده القرآن بعد التوحيد مثل موضوع (ذكر الله) سواءً كلام القرآن عن (جنس الذكر)؛ كحـديث القـرآن عـن الـذاكرين الله كـثيراً والذاكرات، والذكر قائماً وقاعداً ومضجعاً، وذكر الله آناء الليـل والنهار، وتحريم أمورٍ لأنها تصد عن ذكر الله، والتحذير من قسـوة القلوب من ذكر الله، وخشوع القلب لذكر الله، ونحو هذه المعاني التي تتحدث عن جنس الذكر، أو كلام القرآن عن (آحاد الذكر) مثل التسبيح والتحميد والتـهليل والتكـبير ونحوهـا، كتسـبيح الكائنات، واستفتاح السور بالحمد، ونحوها. 

هذا هو أكثر مطلوب عملي رأيته في كتاب الله، أما المطلوب الخبري بعد التوحيد فربمـا كان (المعاد) والله أعلم.

هذه الظاهرة في القرآن - أعني ظاهرة كثرة الحديث عن ذكر الله - لا أظنه سيخالف فيها من تأملها بإذن الله، ويسـتطيع متـدبر للقرآن ملاحظتها بسهولة، وإنما الشأن في تفسير هذا الموضوع، أو على الأقل محاولة إدراك العلاقة بين (ذكر الله) و (القلب البشري)..

فما العلاقة بين الذكر والقلب يا ترى؟ هناك آيتـان عظيمتـان في كتاب الله أشارتا إلى سر هذه العلاقة، يقول الله في سورة الأنفال: ﴿إنما الْمؤمنونَ الَّذين إِذَا ذُكر اللَّه وجِلَت قُلُوبهم﴾ [الأنفـال: ٢].. ويقول الله في سورة الحج: ﴿وبشرِ الْمخبِتين * الَّـذين إِذَا ذُكر اللَّه وجِلَت قُلُوبهم﴾ [الحج: ٣٤- ٣٥].

لا أظنه فاتك هذا السر الذي نبهت إليه الآيتان، انظـر كيـف يربط القرآن بين الذكر وحركة القلب "إذا ذكر الله وجلت قلوبهم".. بالله عليك ألا تدهشك هذه العلاقة؟

على أية حال.. تلاحظ أننا ابتدأنا هذه الخواطر بمشـاهد مـن السبع الطوال أول المصحف.. ثم انتقلنا إلى مشاهد أخـرى مـن أواسط المصحف.. دعنا نغادر الآن إلى مشاهد مماثلة من خـواتيم القرآن وقصار السور..

من النماذج الملفتة في أواخر القرآن سورة تحدث الله فيها عـن مشاعر المؤمن بعد أن يلقي عنه عناء الجهاد فيتحقق النصر.. لقـد كان القرآن طوال حياة النبي ﷺ يعلق القلوب بالله لتنتصر، فمـاذا بعد النصر؟ يقول الله:

﴿إِذَا جاءَ نصر اللَّه والْفَتح * ورأَيت الناس يدخلُونَ في دينِ اللَّه أَفْواجا* فَسبح بِحمـد ربـك واسـتغفره إِنـه كَـانَ توابا﴾ [النصر: ١- ٣].

ومن أساليب القرآن العجيبة في وصل النفوس بخالقها أن القرآن لا يكتفي بذكر التعلق بالله، بل ينوع أسماءه سـبحانه في الموضـع الواحد لتتعدد موارد التعلق!

انظر كيف يتقلب الفؤاد في مدارج العبودية وهو يسمع ﴿قـلْ أَعوذُ بِرب الناسِ * ملك الناسِ * إِلَه الناسِ﴾ [النـاس: ١ -٣].

يأمرنا الله أن نلجأ ونستعيذ به بموجب ربوبية الله للناس ﴿قُـلْ أَعوذُ بِرب الناس﴾، فإذا تشبع القلب بذلك، انفتح عليه مشـهد ملك الله العظيم للناس ﴿ملك الناسِ﴾، فيزداد تمسـك القلـب واستعاذته بمقتضى ملكية الله، ثم يكشف للقلب مورداً آخر وهـو ألوهية الله للناس ﴿إِلَه الناسِ﴾، فلا تزال حبال الاستعاذة تشد قلب متدبر القرآن إلى السماء، بمقتضيات وموارد وموجبات تتكشف له من معاني الأسماء الإلهية العظيمة..

وهكذا يريد القرآن - من مفتتحه إلى مختتمه - أن تكون قلوب العباد..

وهذه مجرد نماذج ومنتخبات التقطتها من أجزاء القرآن، وتركت أضعاف أضعافها لئلا يطول الحديث وينتشر الموضوع، ويسـتطيع متدبر القرآن أن يلاحظ هذه القضية وهي (عمارة النفوس بالله) في كل آية من كتاب الله، فما من آية من آيات القرآن إلا وفي جوفها معارج تسري بالقلوب إلى مقلب القلوب..

وقد انعكست هذه الهدايات القرآنية على تعاليم سيد ولـد آدم فنبهت أحاديث النبي ﷺ على انكباب القلوب على الله جـل وعلا، وأظن من أكثرها لفتاً للانتباه الحديث الشـهير الـذي رواه البخاري ومسلم عن السبعة اللذين يفوزون بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم "ورجل قلبه معلق في المساجد، إذا خرج منـه حتى يعود إليه" [البخاري: ٦٦٠، ومسلم: ١٠٣١].

شاهد كيف يربي النبي ﷺ في نفوس أصحابه التعلق بالمسـجد، وقارنه ببعض المنتسبين للدعوة الذي صاروا يعلقون الناس بما هـو خارج المسجد!

قارن الخطاب النبوي بمنتسبين للدعوة صاروا من الزاهـدين في سكينة المساجد، المولعين بصخب الدنيا.. وهذا المعنى الذي تواردت عليه معاني القرآن -كما رأينا نماذجه سابقاً- هو خاصة التوحيد الذي دارت عليه عبارات متألهي السلف وربانييهم.

وما أحسن قول أبي العباس ابـن تيميـة رحمـه الله: "والمقصود هنا أن الخليلين - محمد وإبراهيم - هما أكمل خاصة الخاصة توحيداً..، وكمال توحيدهما بتحقيق إفراد الألوهية، وهو أن لا يبقى في القلب شيء لغـير الله أصـلاً" [منـهاج السـنة: ٣٥٥/٥].

يا أالله.. ما أجمل هذا المعنى..

اللهم لا تجعل في قلبي وقلوب إخواني شيء لغيرك أصلاً.. لقد جبلت النفوس البشرية على التعلق بالدنيا، والغفلـة عـن الآخرة، لذلك جاءت آيات القرآن فجعلت الأصـل في الخطـاب الدعوي ربط الناس بالآخرة، والتبع هو التأكيد على أهمية إعـداد القوة، هذه نزعة ظاهرة في القرآن والسنة ووصايا السلف.. ولكن للأسف جاءتنا خطابات دعوية مادية أرهقتها مواجهـة التغريـب فانكسرت وتشربت ثقافة الخصم ذاته، وصارت منهمكة في تذكير الناس بالدنيا، وجعلت التبع هو الآخرة.. 

خطابات لم تعد تستحي  أن تقول مشكلة المسلمين في نقص دنياهم لا نقص دينهم! ولكـن لا يزال - ولله الحمد - من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهـدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا..

إن الدعاة إلى الله الذي يحاولون دوماً توظيف الأحداث للتذكير بالله هؤلاء أعلم الناس بحقائق كتاب الله، وإن أولئك المفتونين الذين يسخرون من ربط الأحداث بالله، ويسمون ذلك (المبالغة في تديين الحياة العامة) تشويهاً لهذا الدور النبيل؛ هؤلاء هم أجهل الناس بدين الله الذي وضحه في كتابه ببيان هو في غاية البيان..

وإذا تشبع قلب متدبر القرآن هذه الحقيقة الكبرى الناظمة للآلئ القرآن أثمرت له في نفسه عجائب الإيمان.. وأصبح لا يساكن قلبه غير الله جل جلاله.. وبرأ قلبه من الحول والقوة إلا بالله سبحانه..

وصار ينزل حاجاته بالله.. وأصبح يشعر برياح القـوة والإمـداد الإلهي كما نقل الإمام ابن تيمية "ولهذا قال بعض السـلف "مـن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكـل علـى الله" [الفتـاوى: ٣٣/١٠].

فلا يلتفت القلب للأسباب في طلب الرزق، أو البحـث عـن مسكن، أو البحث عن وظيفة، أو طلب العلم،أو طلب الإيمان، أو طلب الصحة والعافية، أو طلب الإفراج من اعتقال، أو طلب نجاح ثورة.. بل يصعد القلب إلى الله، ويجتهد في عمل القلب، ويقتصـد في الأسباب بالقدر الشرعي..

وهل يشك من قارن بين مطالب القرآن، والكتـب الفكريـة المعاصرة التي تتحدث عن النهضة والتقدم؛ أننا لا زلنا بعيدين عـن النهضة والحضارة بحجم بعد هذه الكتب الفكرية النهضـوية عـن أهداف وغايات ومطالب القرآن؟

بالله عليك هل رأيت كتاباً فكرياً ضـوياً ينطلـق في نظريتـه للنهضة من (آيات التمكين والاستخلاف)؟

هذا المعنى المنبث في تفاصيل آيات القرآن، وهو عمارة النفـوس بالله، هو الحبل الناظم حقاً في كتاب الله، وقد سمى الله كتابه حبلاً كما قال تعالى: ﴿واعتصموا بِحبلِ اللَّه جميعـا﴾ [آل عمـران: ١٠٣].

ونبه النبي ﷺ على أن هذا الحبل هو القرآن كما قال الـنبي: (كتاب الله عز وجل، هو حبل الله) [صحيح مسلم:٢٤٠٨].

وعمارة النفوس بالله مقصد شرعي عظيم، قال الإمام ابن تيمية: "فإن القلب بيت الإيمان بالله تعالى ومعرفته ومحبته" [الفتاوى:١٢٢/١٨].

وقال الإمام ابن القيم في النونية:

" فالقلب بيت الرب جـل جلالـه... حبـاً وإخلاصـاً مـع الإحسان" 

[النونية بتحقيق العمير:٣٦٦].

وليس المقصود طبعاً حلول الله - تعالى الله عن ذلك - في قلوب عباده على طريقة التصوف الفلسفي الزائغ، بل المقصود عمـارة القلوب بالأعمال التي يحبها الله سبحانه، وخلوصه مـن الالتفـات والانقياد لغير الله، على طريقة التأله السلفي المهتدي.

على أية حال.. لقد بين الله لنا مراده في القرآن غايـة البيـان، وأوضح لنا مطالبه الكبرى في كتابه بصنوف البينـات، والعمـر يركض على شفير القبر، فما أقرب الساعة التي سيسألنا الله جميعـاً عن تحقيق مراده، وسيكون السؤال حينها على (أسـاس القـرآن).

يقول الله: ﴿قَد كَانت آياتي تتلَى علَيكُم فَكُنتم علَى أَعقَـابِكُم تنكصونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦].

ويقول سبحانه: ﴿أَلَم تكُن آياتي تتلَى علَـيكُم فَكُنـتم بِهـا تكَذِّبونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥].

ويقول أيضاً: ﴿أَفَلَم تكُن آياتي تتلَى علَيكُم فَاستكْبرتم وكُنـتم قَوما مجرِمين﴾ [الجاثية: ٣١].

فتأمل كيف ستنظم الحياة المستقبلية على أساس القرآن.. ولينظر كلٌ منا ما هو أساس حياته؟!

______________________________________________

خاتمة

بعد هذه الجولات السريعة في عظمة كتاب الله، وأسرار التـدبر المهيبة؛ يتساءل كثير من الناس عن طريقة التدبر؟ وهل هناك وصايا مختصرة حول الموضوع؟

الحقيقة أنني رأيت كثيراً من المتخصصين في التفسير كتبوا رسائل رائعة في تدبر القرآن وتلاوته ووسائله، مثل: قواعد التدبر الأمثل للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني رحمه الله، تحزيب القرآن للشيخ د.عبد العزيز الحربي، تعليم تدبر القرآن الكريم للدكتور هاشم الأهدل، فن التدبر للشيخ د.عصام العويد، والمراحل الثمان لطالب فهم القرآن لنفس المؤلف، وغيرها من الكتب الطيبة في هذا المجال ولم أقصد الاستيعاب، بل مجرد ذكر نماذج.

ولكن دعنا نتذاكر عدداً من المعالم العامة في هذا الموضوع،فوجهة نظري أنه أولاً وقبل كل شيء يجب على الإنسان أن يتضرع إلى الله ويدعوه ويلح عليه أن يجعله من أهل القرآن، وأن يفتح عليه في فهم كتابه، والعمل به، وأن يجعله ممن قال عنهم:

﴿يتلُونه حق تلَاوته﴾ [البقرة: ١٢١]؛ فإن الإنسان لا يفتح عليه في العبودية بمجرد الجهود الشخصية والتخطيط للانجاز، وإنما فتوحات العبودية من بركات اللجأ إلى الله، وكل أبواب الخير من العلم والديانة إنما هي من باب الاستعانة ولذلك أعقب الله العبادة في سورة الفاتحة التي هي أعظم سورة في القرآن والتي أمرنا الله أن نكررها عشرات المرات يومياً (وهذا يعني أن مضامينها موضوعة بعناية وليست اتفاقاً)..

في هذه السورة العظيمة أعقب الله العبادة بالاستعانة، فالاستعانة بوابة العبادة، كما سبقت الإشارة إليه. 

وثانياً: يحتاج المسلم إلى وضع حزب يومي للتدبر، وهو ما يسمى بتحزيب القرآن، والأصل فيه أمر النبي ﷺ كما في البخاري أنه قال لعبد الله بن عمرو:" اقرأ القرآن في شهر " قلت: إني أجد قوة حتى قال: " فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" [البخاري:٥٠٥٤].

فجعل النبي ﷺ النطاق الزمن لتحزيب القرآن بين (شهر-أسبوع) فلا يكون أكثر من شهر ولا أقل من أسبوع، وكان الصحابة لهم أحزاب وأوراد قرآنية يومية، وكان جمهور الصحابة يحزب القرآن في سبعة أيام، اليوم الأول ثلاث سور وهي البقرة وآل عمران والنساء، وفي اليوم الثاني السور الخمس التي تليها وهكذا،كما في السنن أن أوس بن حذيفة قال: (سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده) [أبو داود: ١٣٩٥].

وتلاحظ في تحزيب الصحابة للقرآن أنهم يستعملون السور، وليس الأجزاء أو الصفحات، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية: "فالصحابة إنما كانوا يحزبونه سوراً تامة، لا يحزبون السورة الواحدة" [الفتاوى: ٤٠٨/١٣].

ومن الرائع أن لا يغلب الإنسان على ورده من التدبر مهما كانت الظروف، والورد اليومي من القرآن كما سمعت أحد الصالحين يقول: في اليوم الأول كالجبل وفي الثاني كنصف الجبل وفي الثالث كلا جبل وفي اليوم الرابع مثل الغذاء الذي تتألم لفقده.

وثالثاً: أن يكون الأصل هو التدبر الشخصي، والتفسير معين، لا العكس كما يفعل البعض، وخصوصاً لمن لديهم خلفية شرعية عامة تؤهلهم لفهم جماهير الآيات، والقرآن كما قسمه ابن عباس أربع مراتب (التفسير على أربعة أوجه: تفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله).. 

فأنت إذا استحضرت تقسيم ابن عباس العبقري عرفت أنه ليس كل القرآن يحتاج لتفسير.

فيقرأ الإنسان في المصاحف المهمشة بالتفاسير، ومنها: التفسير الميسر الصادر عن مجمع الملك فهد، أو تفسير الجلالين، أو تفسير ابن سعدي، أو غيرها، فإذا أشكلت اللفظة أو المعنى الإجمالي راجع الهامش، لكنه يحاول هو أن يستكشف الدلالات العظيمة في هذا القرآن العظيم، فإذا لم يكن متأكدا من سلامة تدبره راجع كتب التفسير الموسعة.

وهذا الإمام العلامة أضخم مرجعية فقهية سنية معاصرة ابن عثيمين رحمه الله حي سئل عن طريقة طلب العلم وأولى العلوم بالعناية والاهتمام قال:

"نقول: ابدأ بالتفسير قبل كل شيء، لكن هذا لا يعني ألا تقرأ غيره، لكن ركز أولاً على علم التفسير..، فعليك بالتفسير، احرص عليه ما استطعت، وطريقة ذلك: أن تفكر أنت أولاً في معنى الآية، قبل أن تراجع الكتب، فإذا تقرر عندك شيء فارجع إلى الكتب، وذلك لأجل أن تمرن نفسك على معرفة معاني كتاب الله بنفسك، ثم إن الإنسان قد يفتح الله عليه من المعاني ما لا يجده في كتب التفسير، خصوصاً إذا ترعرع في العلم وبلغ مرتبة فيه فإنه قد يفتح له من خزائن هذا القرآن الكريم ما لم يجده في غيره" [الباب المفتوح، سؤال: ٨٦].

فانظر إلى هذا الفقيه الإمام كيف يوصي طلابه بأن يقرؤوا الآيات ويستنبطوا منها ثم يراجعوا كتب التفسير، بل وكان يطبق ذلك عملياً فيعطيهم آيات ويطلب منهم أن يسهروا في الاستنباط منها ويأتون بها غداً.

ثم بعد ذلك يقرأ الإنسان في مطولات التفسير قراءة مستقلة، كتفسير الطبري وابن كثير وابن عطية ونحوها.

ورابعاً: من أجمل الأمور أن يضع الإنسان لأهل بيته برنامجا في التفسير فيقرأون ويتبارون في الاستنباط ثم يراجعون التفسيرات المختصرة، والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿واذْكُرنَ ما يتلَى في بيوتكُن من آيات اللَّه والْحكْمة﴾ [الأحزاب: ٣٤].

فالنبي ﷺ كان يتلو على نسائه القرآن، وهذا له أثر لا يتصوره الكثيرون في تحبيب الأهل في القرآن والإقبال على الاستنباط منه، بل وستجد أهلك يصبحون دائمي التساؤل حول بعض استنباطاتهم للقرآن وهدايات آياته، وأهم من ذلك كله ستجد في أهلك قوة على الطاعة ونظرة مختلفة للدنيا وزخرفها، فهذا القرآن عجيب عجيب في تصحيح المفاهيم وتزكية النظرات والتصورات.

وخامساً: لا أعلم درساً شرعيا في كل علوم الإسلام أسسه النبي ﷺ وأصله نظريا بنفسه إلا تدارس القرآن، فكل دروس الشريعة نوع من الاجتهاد في تنظيم العلم إلا تدارس القرآن فهو منصوص كما قال النبي ﷺ في مسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) [صحيح مسلم: ٢٦٩٩].

هذا هو أعظم الدروس الشرعية التي يحبها الله، ولذلك ما أجمل أن يضع الإخوان لبعضهم برنامجا أسبوعيا يحضر كل منهم من تفسير معين ثم يتدارسون معانيه، هذا البرنامج يزود المسلم بالطاقة الإيمانية والمنهجية التي تعينه على صعوبات الحياة.

والطرق متنوعة، والموضوع متشعب، والكتب المتخصصة كثيرة، والمقصر يخجل من مناصحة الآخرين، ولكنه التذاكر والتباحث في موضوع أخشى أننا لم نقدره قدره بعد. 

ولقد تأملت سيرة الصحابة في سير أعلام النبلاء، وبعض طبقات ابن سعد، وبعض حلية أبي نعيم؛ فهالني والله ما رأيت من إقبالهم وتكثيف جهودهم في القرآن، وعلمت حينها ما الذي منح أولئك تلك المزية، بل انظر في أخبار أبي العباس ابن تيمية الذي كتب في التفسير رسائل كثيرة، كتفسير آيات أشكلت، وتفسير سورة الإخلاص، وجمع مطولات في تفسير السلف نسقاً على الآيات (أكثرها مفقود)، وجلس سنة يفسر سورة نوح، ومع ذلك حين اعتقل المرة الأخيرة في قلعة دمشق وسحبت منه الكتب والأقلام أقبل على القرآن وقال:"قد فتح الله علي في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنوا وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن" [العقود الدرية: ٤٤].

هذا أبو العباس يندم على تضييع أكثر أوقاته في غير معاني القرآن، برغم أنه من أئمة التفسير أصلاً ! فماذا نقول نحن المقصرين مع كتاب الله.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم اجعل القرآن أنيسنا في ليلنا ونهارنا، اللهم شفع سورة تبارك فينا في قبورنا، اللهم اجعل البقرة وآل عمران غيايتان تحاجان لنا يوم القيامة، اللهم أحبنا بحبنا لسورة قل هو الله أحد، اللهم آمين، اللهم آمين..

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

______________________________________

المحتوى

مدخل..........................................٦

سطوة القرآن...................................١٠

تأمل.. كيف انبهروا...........................٢١

منازل الشعريين.................................٢٨

القلوب الصخرية...............................٣٧

الشاردون......................................٤٢

تطويل القرآن...................................٤٨

من منازل التدبر.................................٥٤

كل المنهج في أم الكتاب.........................٦٠

دوي الليالي الرمضانية..........................٧٦

خاتمة........................................١١٤



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق