العبر الإخوانية
الشيخ عبد الغني العمري
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: لقد استبشرت الأمة خيرا لدى وصول الإسلاميين إلى الحكم في بلدانهم، وظنت أن باب الفرج قد انفتح لها بعد طول قهر واستبداد؛ وكان صعود الإخوان المسلمين في مصر العنوان الأكبر لِما استجد. ولما كان الإسلاميون يُكثرون من الوعود بما لا يملكون، فقد عسر عليهم الوفاء منذ الشهور الأولى؛ ووجدوا أنفسهم في مواجهة ما لم يكن في حسبانهم من الصعوبات والعوائق، كمن يصحو على واقع مرير بعد طول تنعم في فسيح الخيال.
إن ظاهرة الإخوان (الإسلام السياسي)، كما أنها نشأت في ظروف استثنائية تاريخيا، فقد ساعد على استمرارها وتأكدها ما أحاط بها من العناصر الفاعلة فكرا وسياسة. ومن أهم هذه العناصر الحكم الذي كان أول خصومها ردا على وجودها، وأشدهم "محاورة" لها معرفيا وأمنيا؛ مما جعل هذه العلاقة تتعرض على مدى عقود لجدل تاريخي طبع مراحلها بتفاوتات في الصعود والنزول، توترا وارتخاء.
إن الإسلاميين إن أرادوا أن يُعتبر قولهم ورأيهم، فعليهم أن يشهدوا على أنفسهم أولا بأنهم على تدين سطحي، تطغى عليه الأيديولوجيا، ويرجعون فيه إلى أئمة جهال لا نور لهم ولا بصيرة، ويخالفون فيه من يُخالفون لأهوائهم وأهواء رؤسائهم، لا إرضاء لله ورسوله.
إن شهدوا بهذا على أنفسهم أو على شطر منهم، سمعنا لهم فيما بعده؛ وإلا فإن الدين نفسه يمنعنا أن ننساق وراء أي مدّع. ولا دخل لإطالة اللحى أو تقصير الثياب أو إسباغ الخمار في معايير الصدق هنا، وإلا كنا نعين إخواننا على النفاق، بتيسير أسبابه لهم.
إن الانحرافات التي ذكرنا أمهاتها في الجزء السابق، أدت إلى تشوهات في شخصية الفرد الخاضع لتربية الجماعة، صاغت مع تعددها نمطية الإخوان التي تميزهم عن سواهم من الناس؛ وأضرت بصورة الإسلام في الأذهان، إلى درجة النفور منه عند توهم كون الإسلام هو ما يظهر به الإخوان، لا غيره. ولا يكون ذلك إلا بسبب القصور العلمي لدى الناظر، حيث يعجز عن النقد والمقارنة. وسنعرض في هذا الجزء لمواطن هذه التشوهات، لعل مهتما يُوفّق للتصدي لها حيث هو من جماعته، إن كان منها، أو يصحح نظرته في نفسه إلى ما سنذكره من تفاصيل، إن كان من عموم المراقبین.
ولعل جماع هذا التيه كله يكمن في ذلك «الفصام النكد» الذي أحدثته الحركية الإخوانية بين «فقه الأوراق» و«فقه الأذواق»؛ إذ انحصر همّ التنظيم في حشد الأحكام الظاهرة واللوائح الإدارية، غافلاً عن أن الشريعة بلا حقيقة جسد بلا روح، وأن تجميع الأجسام في محاضن التنظيم دون تزكية الأرواح في محاريب الخشية والشهود، لا يثمر إلا كائنات آلية، تحفظ نصوص الوحي باللسان، وتناقض روحانيته بالوجدان.
١. التحول إلى العمل الحزبي:
إن العمل الديني ينبغي أن لا يتقيد إلا بقيود الشرع؛ وإن المعايير التي يُعمل عليها، لا يمكن أن تكون غير المعايير الربانية الواردة في القرآن والسنة، بالفهم الصحيح عن الله.
ا. عدم ضبط معنى البيعة:
إن البيعة التي يعرفها الإخوان، ومن سار على دربهم، هي بيعة تنظيمية لا بيعة شرعية. والسبب واضح: لأن البيعة الشرعية تكون عامة لا خاصة. وهنا يجب أن نميز بين صنفين من ب. العمل للجماعة لا للأمة:
إن التمييز بين العمل للجماعة والعمل للأمة قد لا يشعر به أي أحد؛ بسبب حلول الجماعة محل الأمة في نظر القلب (العقل)، وإن حافظ اللسان على اختلاف اللفظ. وقد يجعل المرء الأمة فرعا فى تصوره عن الجماعة، فيراها كالجنين فى بطنها (مشروع الأمة)؛ وبهذا لا يجد حرجا في تقديم اعتبار الجماعة على الأمة، ويرى هذا من مراعاة الشرع لديه وإحكام الضوابط العقلية. وكل هذا تشوه في الإدراك عنده وهو لا يشعر.
ج. حلول الهرمية التنظيمية محل الهرمية الشرعية:
نعني بالهرمية الشرعية، اعتبار العلم والتقوى؛ وهذه الهرمية ضرورية في الاعتبار حتى تحافظ الأمة على تراتبية الصفوف لديها، بما يعطي هدايتها وتماسكها ووحدتها. وأما الهرمية التنظيمية، فهي ما يُعطيه التراتب بحسب الأسبقية في التنظيم وفي العمل له؛ وقد يُقدم بهذا الاعتبار من لا يُقدمه الشرع؛ ومن هنا تنشأ الضلالات. وهذه الآفة أنتجت لدى الجماعات الحركية أتباعا منغلقين عما يحدث خارج الجماعة؛ بحيث لا يسمعون لمن كان من خارجها، وإن كان أَولى من رؤساء التنظيم بالتقديم. وهنا يقع الانفصال بين الخط العام الذي تسير عليه الأمة، وبين الخط الخاص الذي تكون عليه الجماعة؛ بل لقد يتعارض الخطان، ولا يشعر بذلك أغلب المنتسبين إلى الجماعة، بسبب غلبة الخطاب الديماغوجي الذي يستثمر الجاهلية الشخصية للفرد، من عصبية ومركزية ذاتية، وغير ذلك ...
د. رد الحق الذي لا يصدر عن الجماعة:
وهذه الآفة ناتجة عن السابقة. وعندما يغلب التعصب للجماعة وتُقوّيه المركزية الشخصية (النفس)، فإن الحق يصير تابعا للجهة التي يصدر عنها؛ وبهذا، إن كان المصدر خارجا عن الجماعة، فإنه لا يُلتفت إليه. وهكذا تضيع المعايير، وقد تدخل الجماعة بذلك في مخالفة الشرع وإن حافظت على مظاهره داخلها. وإن هذا الفعل من "الإخوانيين" ينزل بالمرء من درجات الكمال التي يدل عليها الدين ولو احتمالا، إلى دركات الآلية والتسخير البهيمي. وهذا لا يرتضيه من لا دين له، فكيف بمن يزعم لنفسه الخصوصية في الدين؟!
هـ. تقديم الحق السياسي على الحق الشرعي:
عندما ينزل "الإخواني" إلى هذا الدرك، فإنه يصير لديه اعتبار الحق بالمعنى السياسي، وبحسب ما يعطيه التنظيم، أَولى من الحق بالمعنى الشرعي العام. ومن هنا قد يوالي الإخواني أعداء الله ورسوله في سبيل تحقيق الحق السياسي بحسب رأي الجماعة، وقد يعادي المؤمنين ويخذلهم، بما يجعله عاصيا لربه، ولا يشعر أنه فعل منكرا.
بل إنه قد ينغمس في المخالفات الشرعية الصريحة، وهو يزعم عند نفسه أنه يتلطف بالناس حتى لا ينفرهم عن الدين؛ في حين يكون خائنا للمؤمنين من جهة أخرى مقابلة، كانت أَولى بالاعتبار لديه، لو أنه بقي على وحدة نفسه، قبل الانزلاق في درب الازدواجية الناتجة عن ثنائية الأمة والجماعة. ومن هنا ينفتح على الإخواني ما يسمى ازدواجية المعايير، وتصبح عنده عادةً يلجأ إليها كلما تصادم في نظره التوجُّهان. وهذا باب عريض يفضي إلى النفاق، يهوي فيه الفرد إلى أسفل سافلين وهو لا يدري؛ إن لم يتداركه الله بألطافه.
١. الجهل بالربانية:
كثيرا ما نسمع الناس يتكلمون عن "العالم الرباني" فلان، دون تحديد لمعنى الربانية حتى يضمنوا عدم استعمال اللفظ في غير محله. ونجد في مقابل ذلك "فلانا" يستلذ من الناس وصفهم له بهذه الصفة، دون أن يُبيّن وجه نسبته إليها دون غيره من الأقران. ولا يخفى أن في هذا الإطلاق تدليسا، لا يخدم الدين ولا الأمة بوجه.
ب. اتخاذ الأئمة الجهال:
عند غياب الربانيين، وما نعني بالغياب إلا جهل الناس بهم مع وجودهم، يتخذ الناس أئمة جهالا يضلونهم. والضلال هنا هو العودة إلى الظلمة مع تمسك فيما يبدو بالدين. بل لقد أصبحت الإمامة في الجماعة بالانتخاب البشري، بدل أن تكون بالتزكية الربانية. كل هذا يدل على أن الدين منقطع عن أصله، لا يفيد المتدين شيئا من القرب إلى ربه.
ج. حلول الترقي في التنظيم محل الترقي في الدين:
لما انسدت أبواب الترقي على المتدينين داخل الجماعة، ابتدعوا لأنفسهم ترقيا يعزون به أنفسهم ويتوهمون أنهم على الأصل باقون. وهذا الترقي هو الترقي في مراتب التنظيم من المقرّب إلى المنتسب إلى العامل إلى النقيب ثم الركن والداعية والأستاذ. لم يكن هذا الترقي التنظيمي ليضر، لو كان الترقي في الدين متاحا؛ ولكنه حيث بقي وحده قبلةً للهمم، أصبح حالاً محل الترقي الأصلي، ومُنسيا لذكره لدى الأعضاء.
ب. خطورة مبدأ السمع والطاعة:
إن مبدأ السمع والطاعة المعتمد من قبل الإخوان بحسب المنطق التنظيمي، وحلوله محل السمع والطاعة بالمنطق الشرعي، يجعل الأمور تسير وفق هوى القيادات. وهذا أمر مخالف للشرع الذي يجعل السمع والطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر الذين هم الربانيون إن وجدوا.
________________________________________
آثار الإخوان على الأمة
١. احتكار الإصلاح الديني:
إن الإصلاح الديني لدى الأمة لا يمكن أن يحتكره طرف دون آخر، بل على الأمة كلها أن تتضافر جهودها لتحقيقه، إن هي أرادت الفلاح. وإن عدم انخراط جميع الأطراف في الإصلاح، يجعل الأمر طائفيا ولو بالمعنى السياسي. وكلما كان الأمر طائفيا، كان مآله الانعزال والانحسار.
وإن عمل جماعة الإخوان أو كل جماعات ما يسمى "الإسلام السياسي"، قد صار يضيق مجاله مع مرور الزمن شيئا فشيئا. وإن اعتداد الإخوان بأعدادهم الكبيرة، قد أنساهم أنهم كانوا في البداية ينشدون إصلاحا يعم الأمة؛ وصاروا يعملون -خلافا لما انطلقوا منه-
من منطلق حزبي ضيق، لعلهم لا يدرون متى وكيف انقلبوا إليه. لقد سقط القوم في فخ «صنم الأغلبية ووهم التمكين الكمّي»؛ فظنوا أن الحق يُعرف بكثرة السواد خلف صناديق الاقتراع أو في الساحات، وذهلوا عن السنن الإلهية التي تجعل ميزان القبول عند الله قائماً على الكيف لا الكم، وعلى صفاء النية لا ضخامة التعبئة. فاستعاضوا بـ «صناعة الجماهير» عن «تربية الرجال»، حتى إذا جهرت الغلبة العددية بزهوها، انقشعت سحابة الوهم عن هشاشة البناء الخاوي من المدد الغيبي. وإن كان الإخوان يظنون أنهم حققوا مكاسب بالمعنى الحزبي الطارئ
وإن كان الإخوان يظنون أنهم حققوا مكاسب بالمعنى الحزبي الطارئ، فإنهم في المقابل قد فشلوا فشلا ذريعا في تحقيق ما نذروا أنفسهم له عند التأسیس.
لا شك أن الإخوان قد أخذهم الزهو، وراحوا يطمعون في قيادة الأمة بما يُرضي غرورهم، غافلين عن أمر لا يمكن تجاوزه، وهو أن الأمة أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هو هاديها ومربيها من بداية بعثته، إلى أن تقوم الساعة. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَِكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ﴾ [الجمعة: ٢-٣].
فنحن الآخرون الذين نلحق بالأولين جيلا بعد جيل. وكل ما ذكره الله من فضل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأولين، لنا منه نصيب؛ والحمد لله. ولسنا نعني هنا الهداية الخبرية التي تتحقق عن طريق الاطلاع على الموروث، وإنما نعني الهداية المددية الوراثية التي بها تستمر النبوة في الأمة استمرارا فعليا، يغنيها عن بعث رسل جدد فيها.
بل إن الوراثة لدى أمتنا هي في مقابل الرسالات المتعاقبة في الأمم السابقة. ذلك لأن الرسالة المحمدية كاملة، لا يمكن أن تعقبها رسالة بالمعنى التشريعي المعروف؛ فلم يبق إلا أن يبعث الله في هذه الأمة من يجدد لها رسالتها، بحسب كل زمن. وقد ورد في الحديث: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسٍ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجُدِّدُ لَهَا دِينَهَا».
والتجديد لا يكون إلا بالرجوع إلى الأصل، في صورة جديدة؛ وإلا فليس هو. كأن يُتمسك بصورة سابقة، أو أن یُستعاض عن الأصل بمحدثات الأمور.
وإذا كان المدد التربوي يأتي إلى الأمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا شك أنه هو من يختار من يكون نائبا عنه في هذا الشأن العظيم. وإن إغفال الإخوان ومن نحا نحوهم هذا الأصل، يجعلهم في سوء أدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جهة، ويجعلهم مدعين لما ليس لهم من جهة أخرى، وإن حسُنت نيتهم. ومثل هذه الأمور لا تغني فيها النية عن العلم، لكونها حاكمة على مصير أمة.
والسّر في هذا الادعاء أن الإخوان خلطوا بين «وراثة الوظيفة» و«وراثة الحال»؛ فتوهموا أن الوراثة النبوية هي مجرد تولي مهام الوعظ، والخطابة، وإدارة المؤسسات، وإقامة الدويلات، بينما الوراثة الحقيقية عند الربانيين هي وراثة «الحال النبوي الشريف» في رحمته، ونوره، ووصله بالله، واتصاله بمدده الأقدس. وحين حُرِم التنظيم من ذوق هذا الحال، انبرى يقيم وراثة شكلية دستورية، تقطع الخلق عن الخالق وهي تدعو إليه، وتجمد عند الرسوم وتفرط في الحقائق.
ولقد تأثر الإخوان في هذا بمذهب الفقهاء السائد، الذي قيّد غالبية المسلمين بدين تاريخي، هم أعلى سلطة فيه؛ فقطعوا الأمة عن نبيها. وهو ما أدى إلى وصول الأمة في العصور المتأخرة إلى أدنى مستوى إيماني ممكن، لا يكاد يجاوز إيمان أهل الكتاب المعاصرين.
إن التدين الذي أسس له الفقهاء من دون أن يعلموا، جعل غيرهم من أهل الاجتهادات المختلفة (والإخوان أبرزهم) يترامون على مركز القيادة بحسب إدراكهم، لما رأوا الفقهاء أنفسهم قد عجزوا عما كان يقوم به أسلافهم من نُصح للعامة وحراسة لحدود الشریعة.
عندما انشغل الفقهاء بدنياهم، وواطأوا الحكام منذ القرون الأولى على أهوائهم، نشأ في الأمة من يريد أن يعود بها إلى قوة الإيمان من سبيل غير سبيلهم، فوقعوا فيما وقعوا فيه من جهل بحقيقة الأمر وانقطاع عن المدد النبوي. ولو أن الطائفتين (طائفة الفقهاء وطائفة الحركيين) تنبهوا إلى الخواء الإيماني الذي يصحبهم في أعمالهم، والذي حاولوا أن يستعيضوا عنه ضدا على السنة الإلهية بحسب وهمهم، بفكر صار هو كل رأس مالهم، لعرفوا أن منهجهم قاصر وأن العمل علیه بائر.
ولما كان إصرار الإخوان على ما هم عليه رغم دلالات الانحراف لديهم أنفسهم، ولدی غيرهم من المسلمين تجاههم، فإنهم صاروا محتاجين إلى قهر إلهي يردهم عن غيهم. وهذا هو ما حدث لهم في كل مرة منذ نشوئهم؛ وكان آخره، ما أصابهم من تقتيل على يد الجيش المصري. وكل من يتناول ما حدث من جهة معرفة الظالم من المظلوم فيما جرى، دون أن يعلم الحكمة منه، فإنه بعيد عن الحق الذي نبهنا إليه هنا.
٢. تنفير الناس من الدين:
إن عمل الإخوان، أدى إلى عكس ما من أجله أُنشئت جماعتهم. فهي قد أنشئت لتعيد الناس إلى الدين، في بيئة استعمارية وغزو غربي ثقافي وفكري؛ غير أن ما انتهت إليه هو تنفير المسلمين من الدين، بسبب قطعه عن أصله المتسم بالرحمة والسعة، وبسبب عرضه في صورة أيديولوجيا شمولية، لا يجد لها المسلم طعما في دنياه. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيَمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِاللّهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً».
إن عوام المسلمين، ليس لهم من العلم ما يواجهون به الإخوان، وهم المتمرسون في عرض أيديولوجيتهم والمنافحة عنها، بما يوافقها ظاهرا من القرآن والسنة؛ لذلك فهم يجارونهم، مخافة أن يكونوا عند الله من المعادين لدين، تنكره قلوبهم بفطرتها. فتوهم الإخوان أن الأمة منقادة لهم، لا ينقصهم إلا الإمساك بزمام الحكم فيها، ليتم لهم التمكين الذي طالما رجوه. غير أن قوة الارتطام عند السقوط، سرعان ما أفاقتهم من غيبوبتهم. وما أشدها من صدمة !..
إن الله تعالى جعل الدين موافقا للفطرة، سهلا ميسرا، يفتح للعباد أبواب السماء ليعرجوا فيها إليه؛ فإذا وجدوه مخالفا لما تعرفه قلوبهم، ابتعدوا عنه وإن لم يعلموا السبب من جهة الظاهر. وهذه الحيرة التي تعتري الناس إزاء التدين الإخواني، صارت من الأسباب التي تزيد من ضعف الإيمان لديهم، لكونهم يجهلون الصورة الأصلية للدين. فهم لا يرون إلا أنهم يفرون مما هم مأمورون من قِبل الله بالإقبال عليه. من هنا يتبيّن أن التدين (لا الدين) الإخواني زاد الأمة رهقا، وبلاء على بلاء.
وإن ما يُضعف الأمة، حتما هو يصب في مصلحة أعدائها، بغضّ النظر عن قصد ذلك أو عدمه. ولهذه العلة لا تجد القوى المعادية للإسلام حرجا من بقاء الجماعات الحركية، عاملة في الاتجاه المعاكس للتوجه العام للأمة، وإن أظهرت من باب الخداع أنها لا تطيقهم.
٣. الإخوان أداة لضرب الإسلام:
يقول الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَهُ إِلَا أَنْ يُنُمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. إن أعداء الإسلام من شياطين الإنس والجن، يعملون على النيل منه بكل ما يستطيعون؛ وليس لهم إلا أفواههم ينشرون بها افتراءات تتجدد صورها في كل مرة، عسى أن تنطلي على أجيال الخلف، بعد أن مجّتها أجيال السلف. والإسلام لا سبيل للنيل منه، لكونه ربانيا، محفوظا (حقيقته) بحفظ الله؛ لكن صوره في الأذهان هي التي يُمكن أن تهتز لسهام الأعداء.
وإن تعثُّر الإخوان في العمل التربوي والسياسي، وفشلهم في إدارة الحكم بما يحقق أدنى المطالب الشعبية، صار ذريعة لأعداء الإسلام، يسوقونها دليلا علی عدم جدوی هذا الدین، على الأقل في زمن الإنترنت المعاصر. هم يقدمون فشل الإخوان على أنه فشل للإسلام، عسى أن يفت هذا اللبس من عضد من بقي ثابتا على دينه من المسلمين. والإخوان من شدة انكفائهم على أنفسهم، وانشغالهم بأنانياتهم، لم يحسبوا حساب هذا الاستنتاج المغرض، ولا لهم رد عليه تقبله العقول.
نحن نعلم علم اليقين أن الإخوان لا يقبلون على أنفسهم أن يكونوا أداة يُضرب بها الدين، لكن الأمر - كما ذكرنا سابقا- لا يتعلق بالنيات وحدها؛ وإنما هو عائد إلى العلم. والجنود إذا انهزموا في ساحة المعركة، لا يشفع لهم أنهم كانوا يقصدون الانتصار. ولا أحد يقول بهذا من العالَمين !..
٤. أمة تهزم نفسها:
إن الله عصم هذه الأمة أن يستأصلها أعداؤها، ولم يعصمها من تسلط بعضها على بعض. وقد جاء في الحديث: «إِنِّيّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ؛ سَأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لِأُمَّتِي ثَلَاثاً فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَرَدَّ عَلَيَّ وَاحِدَةً. سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا؛ وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ غَرَقاً فَأَعْطَانِيهَا؛ وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَرَدَّهَا عَلَيَّ».
والبأس الذي يكون بين المسلمين، لا يكون دائما بالاقتتال، وإن كانت نهاية كل بأس إليه؛ وإنما يكون بدايةً، بالاختلاف في العقائد التفصيلية وفي طرائق العمل. قد تتفق الأمة على الأصول والثوابت، ولكنها حتما تختلف في الفروع وترتيب الأولويات. وإصرار كل طائفة على إلزام الأمة بما تراه، هو منشأ الصراع الذي هو من البأس المذكور في الحديث.
وإن الإخوان ومن سار على دربهم، قد عملوا على إذكاء الصراع الداخلي للأمة، علموا ذلك وقصدوه، أو لم يعلموا. ولو أنهم أعطوا لغيرهم من الحق ما أعطوه لأنفسهم في الاجتهاد والعمل، لظهر لهم استئثارهم بما ليس لهم وحدهم. ولكن أين الإنصاف؟ !..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق