أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

مشكلات الحضارة (مجالس دمشق) مالك بن نبي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مشكلات الحضارة (مجالس دمشق)

مالك بن نبي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: إذا أردنا الحديث عن الحضارة؛ فهي القدر النهائي للثقافة التاريخية. أو هي أسبوَب الحياة والنمط الثقافيّ، والعقائد السارية، والتراث الأدبي الذي يسير الإنسان وفقه، وما يتبعه من نهج سياسي واقتصادي وحربي وعوامل استقرار ونماء، والذي يتأثر ضرورةً بعوامل الجغرافيا والتاريخ والدين والعرق واللغة، ويرتبط بها مجموعة من الناس.

والذي ينبغي أن نفهمه أن كل حضارة نشأت أو وجدت؛ فإنما هي استمرار لحضارات أخرى سابقة لها، مع بعض التغيير الطفيف.. هذا من حيث المفهوم، أما الحضارة الحديثة؛ فهي مرادفة للعولمة تقريباً؛ والتي تعني الزج بهذا العالم في قرية سحابية صغيرة؛ تتبادل فيها الثقافات والأساليب والأفكار بشكل أكثر سلاسة وسهولة؛ بحيث تصير الثقافات ثقافة واحدة، والأنماط نمطأً واحداً.

وإذا نظرنا إلى ما يحدث في عالمنا اليوم من حروب وظلم وفساد؛ فإننا نجزم أن الحضارة لا معنى لها سوى الانغماس في الآثام والظلمة والخطيئة، وكل تصرفاتنا -للأسف هي ردات فعل عكسية هائجة وفوضوية- تعكس حجم التخبط والضلال الفكري إن صحّ التعبير، وغياب الرؤية الحقيقية لمستقبل البلاد والأمة.

وطالمنا نتصرف من هذا المنطلق فإن تغييراً منتظراً لن يحدث، إلا إذا تولدت شرارة الوعي بحقوقنا وواجباتنا، وانتفضنا على مكامن الفساد والظلم في البلاد، حيث نتحرر من نير العبودية لتلك الجماعة أو لذلك الحزب أو لهذا الزعيم أو ذاك، وبذلك نستطيع أن نحدد مصيرنا، بل وأن نُغيّر واقعنا ونبني مستقبلنا بشكل أفضل، لكن يبق القرار بأيدينا! وهنا تحديداً يقف بنا مالك بن نبي أمام مرآة الذات الصادمة، ليفجر في وجوهنا حقيقة داء «القابلية للاستعمار»؛ مؤكداً أن السقوط تحت وطأة القهر والظلم ليس إلا عَرَضاً لمرض باطني استوطن الأنفس؛ فالشعوب لا تُسلب إرادتها في الخارج إلا إذا تآكلت مناعتها الروحية والفكرية في الداخل، والتحرر الحقيقي لا يُنال بمجرد التخلص من المستبد، بل بتطهير النفوس من داء الخنوع والتبعية؛ لتستقيم موازين الأرض.

فإذا كنا ننتظر أن تستيقظ الضمائر أو يأتي المخلص من جبال تركيا او فنادق الدوحة أو صحراء سيناء؛ فقد يمضي على ذلك وقتٌ طويل، ونكون بذلك قد فقدنا كل شيء، أولها قرارنا الداخلي وثانيها وعينا وتفكيرنا، سيما ونحن في عالمٍ قد تلاشت فيه كل معاني القيم والمعاهدات بل والضمائر.. هذا، وفينا من يدّعي الإسلام، ويزعم انه ينافح عنه، ويناضل دونه، ولك أن تتخيل معي ماذا لو زال الإسلام وخلت الحياة منه، ماذا يبقى في الدنيا مما يفتك بالإنسان ويودي بالقيم ويخسفها ؟

ماذا يمكن أن يبقى بعد زوال الإيمان والعدل والعقلانية من هذا الوجود! فالحضارة ليست في العمارة فقط، ولا في التجارة فقط أيضاً، ولكن في إدراك الإنسان لإنسانيته. ولعل هذا هو الملمح الأعمق الذي ينبهنا إليه بن نبي في تشريحه لـ «مشكلات الحضارة»؛ إذ يرى أن هذه الأخيرة ليست بضاعة تُستورد أو تُقتنى، بل هي نتاج معادلة إنسانية وكونية بالغة الدقة، صاغها في قانونه الاجتماعي الشهير:

الوقت + التراب + الإنسان = الحضارة

وهذه العناصر الثلاثة تظل مجرد ركام هامد لا حياة فيه، ما لم تنفخ فيها «الفكرة الدينية» من روحها؛ فالدين عنده هو المركّب الذي يحول طاقة التراب والوقت والإنسان إلى حركة بناء أخلاقية واعية، وبدون هذا النفث الروحي تصبح الحضارة جسداً ماديةً بلا قلب. وانظر إلى التخلف والغباء والوحشية في دول تدّعي حضارة العمارة والبناء؛ لكنها تمارس حيوانيتها من خلال إلقاء قنبلة فتاكة على ملجأ لأيتام في العراق. أو تسوّي بناية في الأرض بسُكّانها في غزة، أو حينما تستبيح الفتيات في بورما، أو تذبح النساء في أرض السودان!

وأيُّ إنسانية هذه، التي تجعل من الإنسان الأوروبي يخترع الحاسوب أو الصاروخ أو الدواء، لكنه لا يعرف أبويه مثلاً.فأيُّ حضارة هذه؟ وترى الهندي وصل إلى جانب عالي في علوم الحاسوب والقنبلة النووية، ثم يسجد للبقرة -وهو في قمة التخلف جانب علاقته مع ربه سبحانه. وتنبهر عندما تنظر إلى العالم الياباني في معمله، والطبيب المبتكر في عيادته، ثم يدخل معبداً ليعبد فيه بوذا أو فأراً أو قرداً أو فرجاً؛ فأيّ حضارة هذه؟!

ويحكي هذا الكتاب بعض معالم الحضارة الإسلامية بدمشق الشامية، وهو قصة المجالس التي قضاها بصحبة الشبان المتعطش لفهم تاريخه وحضارته وقيمه العربية، كما أن هذا الكتاب يُقدم المسالك العملية لأسس النهضة الحضارية للمسلمين، الأمر الذي يدفعنا لأن نتساءل كيف ينبغي أن ندرك هذه الحضارة ونستعيدها في صورة برنامج تربوي عملي يصلح لتغيير الإنسان في ظروف نفسية وسياسية واقتصادية معقدة؟ والجواب يكمن في تأكيد بن نبي على بناء «شبكة العلاقات الاجتماعية»؛ فالنهوض لا يُقاس بمظاهر التكديس المادي و«شيئية الحضارة»، بل بمدى متانة الروابط الإنسانية وفاعليتها. لذا فإن مطلع الطريق يبدأ من برنامج تربوي يعيد صياغة الإنسان، ليرتقي به من رتابة «الكلام» والجدل العقيم إلى حيوية «العمل» الخلّاق والإنتاج الفاعل.

وهذا الكتاب هو امتداد عريق لكتابات بن نبي في هذا المضمار؛ ككتابه (شروط النهضة)، و(ميلاد مجتمع)، و(المسلم في عالم الاقتصاد)، و(بين الرشاد والتيه)، و(الصراع الفكري)، و(في مهب المعركة)، و(الفكرة الإفريقية الآسيوية)، و(مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي)؛ ففي كل كتاب من هذه الكتب منعطف جديد لمسيرة الجزائر والعالم العربي عموماً في التاريخ والحضارة يستعرض فيها قوانين التغيير، وفقه الإصلاح الحقيقي.

ولا يزال أدب بن نبي يضع نشيد المستقبل في روح الأجيال، وحبذا لو تصبح هذه القطع الأدبية جزءاً من الثقافة التربوية في مناهج التعليم في الجزائر. ولما سئل بن نبي عن رسالة الشباب في عالم أحاط بمصيره الهيمنة الإسرائيلية؛ فقال: فيكون ذلك بقوة الأداء وفاعلية العطاء، مع عالمية تبث الضياء والنور في العالم، ليرى الناس كلهم ويعرفوا عدل الإسلام وأفضليته وأخلاقه.

__________________________________________

مُقَدمة

إن يكن للمصادفات شأن في حياة الكتب، فهذا الكتاب ابن المصادفة. "إنني حججت هاته السنة مع صغرى بناتي؛ رحمة، لم يتجاوز عمرها الثمانية، ومع والدتها. ثم بعد الحج، ورحلة دامت شهراً ونصف شهر بالسعودية وصلنا إلى بيروت في طريق عودتنا.

ولكن الفرصة المتاحة كانت تراودني أن أطلع (رحمة) على بعض معالم الحضارة الإسلامية بدمشق، فقررت السفر إليها لأقضي فيها يومين أو ثلاثة. وإذا بدمشق تمسكني بكرم أهلها وحسن لقائهم، ثلاثة أشهر كاملة قضيتها في حوار مستمر مع شبابها المتعطش إلى الأفكار.

فهذا الكتاب زبدة تلك المجالس، وهو من ثمَّ منحة شباب دمشق المسلم إلى الفكر الإسلامي، لأن هؤلاء الشبان هم الذين سجلوها على مسجلاتهم، ثم نقلوها كتابة، ثم بيضوها وصيروها هذا الكتاب.

فالفضل كل الفضل أولاً لله الذي هيأ الفرصة، وكل أسباب تحقيقها، ثم الفضل لهؤلاء الأبناء الكرام، ولتلك البنات - بناتنا المتعففات - الذين هم يمثلون في اعتقادي نخبة الشباب المسلم، والذين حققوا بجهدهم السخي، ما لم يكن لبتحقز بالمصادفة وحدها.

وعليه، فكتاب (مجالس دمشق) هو في الحقيقة كتاب شبابها المؤمن المتنوِّر، ومن ثمَّ ليست هذه المقدمة الوجيزة سوى إهدائه لأصحابه.

بیروت في ١٩٧٢/٨/١٣. - مالك بن نبي

_________________________________________________

مقدمة - حول إصدار (مجالس دمشق) بمحتوياته الحاضرة

عمر مسقاوي

كتاب (مجالس دمشق) ورد في قائمة الكتب التي كتبها مالك بن نبي. فقد أصدرت جميع كتبه بناء على وصيته، لكن مخطوط: (مجالس دمشق) لم يصل إلى يدي، إذ كان بن نبي قد جمعه وهو في دمشق، ونقحه ثم تعاقد مع دار الشروق لكي تنشره کتاباً.

وأنا أعتمد في هذا كله على بعض الوثائق، لأن كتاب (مجالس دمشق) لم يصل إلى يدي من الأستاذ مالك.

أولاً: رسالة من الأستاذ مالك رحمه الله، وهي الرسالة الأخيرة التي وصلت إليَّ منه قبل وفاته.

نظرة في مجالس دمشق

وعنوان كتاب (مجالس دمشق) يستعيد ما كان لمجالس الفكر والأدب من دور في نمو التراث التاريخي للحضارة الإسلامية. فالمجالس تواصلٌ تنمو فيه شبكة العلاقات الاجتماعية، وتتفاعل فيه الأفكار، وسبل توظيفها حينما تربط بين الأفكار وحدة المشكلات.

والمجالس التي حثَّتْ عليها السيرة النبوية هي مجالس التفكر الدائم في آيات الله، وسبل توظيفها في السلوك واقتحام العقبة كما تشير الآية الكريمة ﴿وَهَدَيْنَهُ اٌلنَّجْدَيْنِ، فَلَا أُقْنَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١٠/٩٠-١١]. هذه الآية هي المحور الأساسي في تأسيس بن نبي لمعايير إدراك المشكلات من ناحية، ومواجهتها بقوة الواجب الذي يمثل الرصيد الاجتماعي للنمو في مسيرة التاريخ.

فاخديث عن الثقافة والحضارة يأتي توصيفاً لحركة المجتمع، حينما يقص التاريخ نبأ القوم في زمن من تداول الأيام. إنهما رؤية خارجية لحركة داخلية، وتبقى حركة التواصل الاجتماعي هي المدى الذي تنمو فيه الأفكار الجامعة في وحدة الرؤية، حين تمنحها قوة الضمير روح الإضار، والبيئة التي تنمو فيها مسالك التربية والتأثير في بناء الشخصية الجديدة.

لذا تبدو دائماً فكرة المجالس والتذكر مؤشر النمو في مسيرة الحضارة، لأنها تَواصُلٌ قلق دائماً؛ يطرح السؤال لينتج في إضار وحدة الأهداف والمعايير مطالع الآفاق الجدیدة.

كان ذلك كله في مسيرة الحضارة الإسلامية في عقود اندفاعها منذ العهد الأول إلى العهود التي تلت. يقابل هذا كله فكرة الصالون (Salon) التي نشأت على الصعيد الأدبي في فرنسة وأوروبة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد أسس ذلك لنموذج ثقافة أوروبة وتطورها مع عصر الأنوار.

كانت القاهرة في ظل الخمسينيات والمدّ الناصري ملتقى القادمين من بلاد الشام والمغرب ليتابعوا دروسهم الجامعية في القاهرة. فالدراسات التي قدمها بن نبي في هذه المرحلة هي الجواب عن تساؤل حول مفردات نظريته حين غدا مصطلح (القابلية للاستعمار) بمثابة قنبلة فجرت في مداركنا رتابة الحاضر وأوهام المستقبل. 

من هنا اعتبر بن نبي كتاب (مجالس دمشق) حصاد جهد مشترك من الأفكار بين السائل والمناقش والمجيب، فالمناقشة التي طرحت في نهاية كل حديث فتحت آفاق مشروع بن نبي لمحطات.

كانت دمشق تتلقى أفكار بن نبي، وقد بدأت تأخذ طريقها إلى مكتباتها، بإدراكٍ أكثرَ خبرةً ووعياً؛ هو طبيعة المرحلة التي تكونت فيها طلائع النهضة في نهاية العصر العثماني.

فرجال دمشق ومثقفوها منحوا فكر بن نبي اهتماماً وضيافةً تشير إلى تقاليد بلاد الشام في الاحتفاء بالقادمين إليها من المغرب منذ الأمير عبد القادر الجزائري في القرن التاسع عشر، إلى المحدِّث الشهير الشيخ الكتاني الذي غادر المغرب عام ١٩١٢م، بصورة نهائية، لأنه رفض الحماية والانتداب الفرنسي. ولا ننسى محيي الدين بن عربي الأندلسي الذي وجد إطاره المتصوف والفلسفي في قطاع الشرق في أجواء دمشق، في زمن غروب شمس الأندلس.

من هنا نستطيع أن نضع تحت عنوان (مجالس دمشق) سائر ما قدمه مالك بن نبي في دمشق من محاضرات ومجالس ومعارف شخصية، وثقت الصلات والأفكار معاً. ولئن فاتنا كتاب (مجالس دمشق) كما تصوره بن نبي في مقدمة هذا الكتاب في رحلته الأخيرة ١٩٧٢ مع زوجته وابنته رحمة، فإن لنا فسحة من تفويض بن نبي لتلميذه كي يختار ما هو أوفى بالهدف في النهاية. 

ومن هنا نستطيع أن نرى في مجالس دمشق؛ نموذجاً من مجالس بن نبي في القاهرة ثم دمشق، حين اتصل فكره عام ١٩٥٦ بالطلاب. 

ذلك أني مع زيارتي الأخيرة إلى الجزائر شعرت بأن وصية مالك بن نبي ما تزال تلقي على كاهلي مسؤولية تتصل بمجالس دمشق ومدى تأثير دمشق وبلاد الشام في تطوير ونشر أفكار بن نبي وانتشارها. ثم نشوء دراسات وأبحاث في دمشق وسورية؛ تستمد من منهج بن نبي طلائع مسيرة جديدة في تناول مشكلات الحضارة، ومطالع

رؤى فكرية في مسيرة التغيير الاجتماعي؛ أبرزها دراسات تلميذ مالك بن نبي الأستاذ جودت سعيد، والذي قدم له بن نبي لأول كتاب أصدره في زيارته لدمشق عام ١٩٧٢، وهو كتاب (حتى يغيِّروا ما بأنفسهم) وقد كتب مقدمته في طرابلس لبنان حين حمل معه أصول الكتاب من دمشق.

فالمحاضرات التي بقيت من مجالس دمشق في زيارة مالك بن نبي عامي ٧١ - ٧٢؛ .هي النموذج الذي اشتملت عليه مقاربات بن نبي في شرح مشروعه بمختلف الصيغ التي اقتضاها المقام. ذلك أنها جميعاً تحاول تقديم المسالك العملية لأسس النهضة كما شرحها في كتابه (شروط النهضة).

قشروط النهضة هي الشروط التأسيسية، والظاهرة القرآنية هي الضابط العقلاني للقيم الغيبية المحركة للبواعث في فعالية الأداء، ووجهة العالم الإسلامي هي بوصلة الاتجاه في مسيرة العصر الحديث. بعد أن نزيل من طريقها عقبات جمود عصر ما بعد الموحدين، أي مرحلة الخروج من الحضارة الإسلامية، ثم الفكرة الإفريقية الآسيوية هي العالمية في منازها الجديدة. والتي لا نبالي أن نقدم فيها قيمة من بلاغ ما كلفنا به من حضور وشهادة.

هذه الآفاق الثلاثة لا بد أن تلج البيئة العملية المعاشة. لا أن تكون خارجها رهن نمطية السلوك ومشاعر التبعية التي أرستها مشكلات القابلية للاستعمار؛ سواء في الإطار النفسي، أو في تعاطينا الفكري والاقتصادي، أبي في أوهام ضبابية لا تملك خيار الطريق.

لذا فالمطلوب كما يقول بن نبي في كتابه (ميلاد مجتمع): ((أن نفكر ملياً في هذه المصطلحات التي أرساها في عناصر الحضارة والثقافة؛ لا من طريق الاستعانة بقاموس تمسك به اليد، بل من طريق الاستعانة برأس مستقر بين اليدين، فليس الأمر إذن أن نقول: إن الثقافة تحتوي بصفة عامة عدداً من الفصول .. ولكن الأمر يقتضينا أن نتساءل كيف ينبغي أن ندركها في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد في ظروف نفسية زمنية معينة.

ففي المرحلة القاهرية وفي بلاد الشام، غرس مالك بن نبي بذور حمنها ليزرعها في حقل جديد لم يباشر تربته بأي محراث كما فعل في الجزائر مع بواكير النشاة لذلك؛ فمشكلة الأفكار في العالم الإسلامي هي حصاد هذا التلاقي المشرقي المغربي في محيط العالم الإسلامي. إذ خطط لهذا الكتاب عام ١٩٥٩ ثم توقف، رغم الإعلان عن قرب صدوره.

أما كتاب (المسلم في عالم الاقتصاد)، فهو البعد الراهن لموقع المسلم من مستقبله، حيث يتقرر في إطار إدراكه لحاجاته كما شرح في كتابه فكرة (كمنولث إسلامي)، وهو بكل حال لا يجد علاجه في مجتمع دافوس حيث لا يستطيع العالم الإسلامي أن يقدم للاقتصاد العالمي حقيقة يمكن التحاور حولها سوى الخضوع لمنطق العصر الإسرائيلي ولا بتسامات متبادلة مع بیریز.

فبناء الثقافة في هذا الإطار يتطلب منهجاً فاعلاً في السياسة والاقتصاد، وفي الحياة اليومية التي تنظم العامل والفلاح والمثقف بإطار من الوحدة النفسية والسلوك المشترك.

هذه الوحدة هي التي سوف تنشئ العلاقات الاقتصادية على أسس تتفق وميزاتها الخاصة. كما شرح في كتابه (آفاق جزائرية) الذي ضُمَّ في إصدار جديد تحت عنوان (القضايا الكبرى).

فالاقتصاد كما يقول بن نبي: «ليس سوى إسقاط البعد السياسي على نشاط إنسان معين، فبقدر ما تبقى السياسة مرتبطة بمبادئ أخلاقية يبقى الاقتصاد وفياً لهذه المبادئ».

وهكذا كان كتاب (بين الرشاد والتيه) وهو مجموعة مقالات اختارها من مقالاته في مجلة الثورة الإفريقية في مرحلة استقلال الجزائر؛ يؤسس لمنهج ضل عنه طريق السياسة خلال مرحلة الستينيات، في حين غدا الاستقلال متنفساً لتطلعات سلطوية مكبوتة بتأثير مناخ الاستعمار ومؤثراته النفسية، عبر مفهوم الصراع الفكري، فغاب النهج في بناء اقتصاد الواجب والحاجات كما أشار في کتبه.

لذا ومن أجل درء ابتسامات بيريز وتهديدات أمريكا، يظل كتاب (الصراع الفكري) أداة التحليل لفكر تعد به أعمال بن نبي ليواجه مخاطر الإمبراطورية في مؤثراتها الإعلامية، ويبقى دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين، المدى الفكري للمسلم؛ حين يخرج من غرفة نومه، وهو يحرك خموله في نظرة في الأفق الممكن، لكنه الصعب، وذلك ليتجنب خضوع ضعفه للمستحيل أمام سيطرة القوة العالمية.

ففي كل منعطف من مسيرة الجزائر والعالم العربي، كان أدب بن نبي يضع نشيد المستقبل في روح الأجيال، وحبثا لو تصبح هذه القطع الأدبية جزءاً من الثقافة التربوية في مناهج التعليم في الجزائر. حيث تنشر في كتب القراءة باللغة الفرنسية وباللغة العربية.

فمالك بن نبي افتتح كتابه (شروط النهضة) بأنشودته الرمزية، التي لخصت مراحل التاريخ الجزائري في مسيرته نحو النهضة. منذ عهد الأبطال مع الأمير عبد القادر الجزائري إلى عهد المرابطية، الوثنية في السياسة كما في الدين، ثم عهد الإصلاح مع بن باديس. كل ذلك باعتبارها مقدمات لتحديد شروط النهضة في مفهومها الكوني حين كسرت الأوثان مع الرسالة الإسلامية في الكعبة كما تشير أنشودته الرمزية.

هكذا دعا بن نبي لنشيد جامع ودائم عام ١٩٤٧، وقبل قيام الثورة عام ١٩٥٤، إلى بناء عالم نفسي جديد يؤسس لمعنى الثورة قبل قيامها، ومن خلال كتابه (في مهب المعركة) وهو مجموعة مقالات كتبها في جريدة الجمهورية، والشباب المسلم.

لذا يبدو لنا في ظل محاضرات بن نبي - موضوع هذ الكتاب- أن نشير إلى مقالته المختصرة، في مناسبة الاحتفال السنوي بعيد الثورة جزائرية في أول تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٦٧، والذي بعث به إلى الأجيال بهذه العبارت من الأدب البنَّابي: 

في مناسبة عيد الثورة الجزائرية كتب بن نبي في مجلة (La revolution africaine) -العدد ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) - ٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٦٧ كلمة لمناسبة تحت عنوان: (La flamme du souvenir) ما ترجمته للعربية:

«شعلة الذكرى يتجدد وَقدُها حين نحتفل بيومها في كل عام. 

فالنار والضوء كانا دائماً شعار رسالة في المنعطفات الكبرى للإنسانية.

موسى إذ آنس جذوة نار؛ اتخذ نحوها سبيله وحيداً في ليل الوثنية Paganisme مطلقاً صرخة .. ومن بعده بقرون وأجيال كان باسكال يردد أمام رفاقه: نار - نار - فرح - فرح - دموع الفرح.. وفي أعلى المشهد الإنساني، نرى ذلك المسافر الذي يسري في ليل الشتاء الجليدي، يصادف من بعيد ناراً فيستحثه المسير فرحاً إلى ضوء يجد عنده منزل ضيافة؛ منزلاً تحت سقفه إخوة في الإنسانية.

كذلك في الجزائر كان كل جزائري يسير منفرداً في بيدودة ليل الاستعمار يبحث في ظلمته عن ضياء.. فجأة: آنس من بعيد ناراً تمزق حجب الظلمة.. كان ذلك هو الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) عام ١٩٥٤.

هكذا نحن مرة أخرى في الذكرى السنوية لتلك اللحظة المباركة.. فالجزائريون في ظل سمائهم المضيئة سوف يتلاقون مع إخوة السلاح. لكن .. في فضاء ذلك الضياء تمر رسالة تحمل إلينا ذكرى الأموات، وفي الوقت نفسه نداء للأحياء.

ففي تلك اللحظة المهيبة دعوة لنأخذ من ذكرى الذين رحلوا أفقاً قد يتجه إليه الأحياء.. لقد تسلق جيل الثورة صعب المناكب قُدُماً إلى التحرير. وكان ذلك مسلكاً صعباً ومتعرجاً.

لكن ونحن في ذكرى أولئك الذين نحتفل بهم اليوم نجد فيهم مرتكزات إقلاع.. فأيديهم المجرحة والممسكة بقوة وتصميم في كل منعطف.. وأرجلهم المدماة قد انطبعت بوضوح على خرثٍ مرتقاهم نحو العلاء صعداً إلى قمم الأوراس والجرجورة حيث أطلقوا نداء الثورة.

هكذا وفَّر لهم الاستعمار سلماً لقمة اللحظة العليا في التضحية.. وهكذا فإن رهان جيل ما بعد الثورة نحو المستقبل رهان ذلول. لكن غالباً ما يكون الاستعمار قد سحب معه سلمه الشيطانية..

لذا فلكي نرتفع إلى مستوى الأعمال الكبيرة في ظل الاستقلال، فذلك يقتضينا مدارج إليها جديدة. مدارج من ذلك النشيد الكبير الذي صدح في روح الشعب الجزائري في ليلة الأول من نوفمبر، والذي وضع خطإه في طريق التحرير كيما يجد فيه جيل ما بعد الثورة البواعث التي سمحت له بالانتصار على تلك اللحظة الرهيبة في ثقلها والتي تحملها إلينا الأنباء. 

فإن الوفاء لذكرى أولئك الذين لم يعودوا بيننا أن نستلهم قوتهم الصاعدة، كيما نرتفع إلى مستوى الواجبات في مرحلة جديدة.. فالإرادة الحضارية تنمو في خصب الآفاق. وفي كلمات بن نبي الأخيرة في دمشق كان هنالك حديث عن رسالة المسلم. إذ سئل عن رسالتنا في عالم أحاط بمصيرنا في ظل العصر الإسرائيلي، فقد أعاد إلى الذاكرة مشرق الرسالة الإسلامية حين تحدَّث في قلة الزاد والهوان في مكة، عن طاقة الموقف إذ تتحدى إمبراطوريتي بيزنطة وفارس؛ إنما بقوة الأداء وفاعلية العطاء في قيم الحضارة الجديدة؛ التي عبَّر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو يطمئن عمار بن ياسر حين يتعذب في ساحة مكة خالي الوفاض. فيقول له ما معناه: ليُتمَّنَّ الله هذا الأمرَ حتى تسيرَ الراحلةُ من صنعاءَ إلى مكةَ لا تخافُ إلا الذِّئب.

فبن نبي كان يبشر بقرب الوصول إلى عالم واحد. إلى حضارة هي منذ الآن في مستوى الكرة الأرضية، وإلا فالكارثة إذا هي فشلت.. من هنا فإن دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين كما توقع بن نبي هو قدر الناس جميعاً في النهاية.

ففي مقال نشر في صحيفة الجمهورية الجزائرية في ٢٦ آذار ١٩٥٤ كتب بن نبي:

«أَوَ ليس الحلّ في تطور يضفي على الحضارة ضابع الأممية والقارية، أي طابع عالمية تفرض على الأوروبي عالم الآخرين. سيجد في رحابهم هنالك معنى الإنسان؟

فعالمية الحضارة سوف تكون الوسيلة الوحيدة لانقاذ العرب المتورط بشيطان الاستعمار؛ إذ في إطارها سيتعرف الأوروبي على الآخرين الذين لم يكن يرى فيهم غير طرائد صيد. إذ سوف يتحدث بكل تأكيد عن عالمية خارج مدورات السياسة  الراهنة، لتلك القوى التي تحاول أن تهيمن كمراقب وحيد على العادة؛ لتؤسس عالمية هي مرادفة لما تسمى (الأمريكانية).

ذلك كله يعتمد اليوم كما في كل يوم على دور له اسلام الذي يحتاج إليه مستقبل الإنسانية.

مشروع بن نبي متكامل كمنهج تربوي وفكري وعملي من هنا تبدو لنا (مجالس دمشق) هذه بما توافر منه وبالتعرف عن المسرى الأساس الذي بنيت عليه سائر المحاضرات والمداخلات التي جرت في زياراته الثلاث إلى دمشق ١٩٥٩ - ١٩٧١ - ١٩٧٢.

ذلك أنه مهما اختلفت المجالس والمناسابت فإن المحور واحد؛ إنه مشروع بن نبي في صياغة جديدة لدورة الحضارة الإسلامية؛ التي نتهت مع عصر الموحدين في آخر مسارها، لتستلم الحضارة الوليدة في عصر لأثور دورته المشحونة بطاقة روحانية التراث المسيحي اليهودي، الذي جمع اليوذية واللاتينية والوثنية الرومانية. وهاذا نهرها قد قارب الوصول إلى مصبه النهائي.

لذا كان القرن العشرون، وبروز وعد بنغور، ومع همة سايكس بيكو، بالإضافة إلى الاستعمار في الجزائر في القرن التاسع عشر. فكان هذا كلمة بن نبي وقاعة مختبره في صياغة مشروعه حول مشكلات الحضارة.

ويبدو هذا واضحاً من الكتاب الأول الذي أصدره بالفرنسية عام ١٩٤٧ (شروط النهضة الجزائرية) ومن قبله كانت مقالاته بالفرنسية تصب في الاتجاه نفسه. ذلك أن محور هذه المقالات يُؤسس لمفهومين أساسيين:

المفهوم الأول: الحضارة الغربية والاستعمار.

المفهوم الثاني: الحضارة الغربية والقابلية للاستعمار.

وضمن هذين المفهومين تختصر تلك الثنائية التي سميت الشرق - الغرب، فبن نبي يرى أن هذه ثنائية مصطنعة؛ الهدف منها الترويج لعقلانية الغرب والحضارة وغموض الشرق في سحره المبهم كما رآه الأوروبيون في ثنائية مصلحة الهيمنة الغربية.

فهناك وحدة المشكلات الإنسانية في كلا المفهومين.

فبن نبي يرى أن العالم يواجه مشكلة واحدة هي مشكلة العالم الغربي الذي طوى أعلام الحضارات في عولمة العصر الحديث فخرجت به الإنسانية عن مسارها. ففي جانب (الحضارة الغربية والاستعمار) كمفهوم متضامن، أظهر بن نبي المظهر السلطوي لسيطرة الحضارة الغربية، وفي جانب (الحضارة الغربية والقابلية للاستعمار في العالم الإسلامي) أبرز المدى التاريخي للمفهوم الأول حين غابت الإرادة الحضارية التي خرجت من دورة الحضارة الإسلامية.

فوحدة المشكلة تبرز في وجهيها:

الوجه الأول: أنها مشكلة قوة وسيطرة.

الوجه الثاني: أنها مشكلة قابلية استوعبتها هذه القوة فألغت دورها، وأورثت روح التبعية النفسية.

لذا يختلف فكر بن نبي عن سائر الحركات الإصلاحية التي غمست قلمها بمداد الحضارة الغربية الذي وصل إلينا كإنتاج جاهز، فأعلنت موقفها منه سلباً أو إيجاباً، فيما كان المطلوب أن نأخذ عناصر هذا المداد لنركب منه مقادير ملائمة اقتباساً تنطلق منه رؤيتنا لمشكلاتنا في قفزة تاريخية تختصر هوة التخلف.

لذا وجب في البداية طرح شروط هذا التركيب النوعي الذي كان مفتتح دراسات بن نبي عبر كتاب شروط النهضة.. وهكذا أعطى للحضور الاستعماري من ناحية صورته في تعطيل كل ارتباط بين دور الإنسان الجزائري والبيئة حوله التي يعبر عنها بالتراب في ميزان الزمن الضروري لمسيرة التنمية.

ومن ناحية أخرى أعطى لرؤيته الفكرية مكوناتها خارج الدائرة التي رسمها الاستعمار، حتى لا يكون الجزائري مكبلاً بعقدة التبعية للحضارة الاستعمارية.. وهكذا وجدنا في الفصول الأولى لكتابه (شروط النهضة الجزائرية) عملية تحديد وتوصيف لتاريخ الجزائر في ظل الاستعمار، تمثل عملية فصل الزؤان عن قمح الحصاد الذي هو العدة في بناء المستقبل.

هذا القمح هو الاطراد التاريخي لفاعلية الفكرة الإسلامية.. فحين نحلل الحضارة الإسلامية فإنه يدخل في اطرادها عاملان:

١- الفكرة الإسلامية التي هي أصل الاطراد.

٢- المسلم الذي هو السند المحسوس لهذه الفكرة، فتطور الحضارة صعوداً وهبوط يرتبط من حيث الأساس بفكرة الإسلام والفرد الذي يمثل سندها المحسوس.

وهكذا وضع لكل مرحلة معناها ودورها، والتي تبدأ في الذاكرة الجزائرية من حركة الأمير عبد القادر الجزائري، ثم التي تليها للوصول إلى جمعية علماء المسلمين بقيادة ابن باديس وفقاً للأدوار التالية:

١- دور الأبطال الذي تمثله هذه الحركة، وهي تمثل انتفاضة للدفاع عن العقيدة ومجد الأمة. لكن هذا العهد لا تلتفت فيه الشعوب. وحل المشاكل الاجتماعية التي مهدت للاستعمار وتغلغله. ومثل ذلك حدث في مواجهة تطور الحركة الصهيونية ببطولات مشهودة في فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين.

٢- دور السياسة والفكرة - حيث تبدأ الفكرة في صياغة المشكلات وحلولها وهي ترتبط بقوة من النقد الذاتي والإصلاح، وقد مثلتها حركة العلماء مع بن باديس.. لكن صفاء الرؤية الفكرية في السياسية يفقد أحياناً حصانته تجاه ما سمي الانتهازية السياسية.

٣- لذا استطاع الاستعمار أن يعطل فاعلية الأفكار عبر استدراج أفضى إلى فكرة الزعيم والقوالب السياسية، نظراً لأن القابلية للاستعمار ما تزال تربك موازين الرؤية، وهكذا استعادت الفكرة الوثنية دورها التي كانت تتجلى في المرابطات فأصبحت ترتبط بالزعيم.

لقد أورثت سائر هذه المصادر المنتجات الحضارية لعالم أوروبة في اتصاله بعالمنا الإسلامي فأورثت معها مشكلتين أساسيتين:

١- مشكلة تكديس الصيغ الفكرية المبنية على تداعي الأفكار، أي الصورة ونقيضها كحلّ لها في الإطار الكمي، كمشكلة الفقر والجهل والمرض وعلاجها الغنى والعلم، دون اعتبار لمظاهر ضعف وحدة الأداء الاجتماعي وتخلفها.

٢- مشكلة تكديس المنتجات الحضارية المستوردة من الغرب، بحيث أصبحنا سوقاً افتقد ثقافة الحاجات وترتيب أولوياتها، وهكذا غابت كل خطة مبنية على المسوغات التي تنتمي إلى ما يسمى الكفاءة الاجتماعية ومحورها الإنسان.

هذه المقدمات أوجبت في خطط بن نبي تحديد شروط النهضة التي تكون العناصر الأساسية لإعادة تركيب النهضة الحضارية.. ((فالعالم الإسلامي يريد أن يختار العمل النهضوي، إنه يريد إنجاز مهمة تركيب الحضارة في زمن معين، ولذا يجب أن يقتبس من الكيماوي طريقته؛ إذ إن كل ناتج حضارة تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية: إنسان + تراب (وطن) + وقت)).

هذا التحليل كما يقول بن نبي: إذا ثبت صدقه في التفاعل الكيماوي الحيوي؛ ثبت صلاحه في ديناميكية الواقع الاجتماعي، وكان لنا أن نخطط بطريقة ما مجال تطوره؛ كاطراد مادي نعرف قانونه، وفي الوقت نفسه يسمح لنا ذلك بالقضاء على بعض الأخطاء التي يشيعها ما يطلق عليه أدب الكفاح في العالم الإسلامي. حيث يزكي ضمناً الاتجاه نحو التكدیس.

من هنا يدخل بن نبي إلى آلية الدورة الحضارية كما مرت في إطار الحضارة الإسلامية.. فالمسلم يعيش في عام ١٣٦٧ هجرية، وهو العام الذي كتب فيه بن نبي كتابه (شروط النهضة) بالفرنسية؛ أي من نقطة دورة تنطلق منها الأحداث التي لا تزال في ضمير الغيب، لكنها في الوقت نفسه مادة مستقبله، ومن هنا لا بد من الانطلاق من النص القرآني أساساً، ذلك النص الإلهي المبدئي للتاريخ التكويني Biohistoire، والذي تمثِّله الآية الكريمة ﴿إِنّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّروا مَا بأَنفسِهمْ﴾ [الرعد: ١١/١٣].

لذا اعتمد بن نبي مفهوم الدورة الخالدة معتمداً في ذلك على نظرية بعض الفلاسفة الألمان أمثال كيسر لينج وسواه.. وتأسيساً على ذلك حدد بن نبي شروطاً ثلاثة للإقلاع.

الشرط الأول: إمكانية تطبيق المبدأ القرآني عند نقطة الإقلاع.

الشرط الثاني: مطابقة التاريخ منطلقاً للمبدأ القرآني، وهو تغيير النفس في تمحورها حول هدف عيني يمنح حركتها توتراً يتصل برصيد الواجب في معناه الاجتماعي.

الشرط الثالث: هو العدة الدائمة: التراب + الوقت.

فالمجتمع الإنساني يمكن له أن يستغني وقتاً عن مكتسبات حضارة. لكن لا يمكنه أن يتنازل في الوقت نفسه عن جوهر حياته الاجتماعية.

فحين نحلل الحضارة الإسلامية فإنه يدخل فيطردها عاملان: الفكرة الإسلامية التي هي أصل الاطراد، والإنسان المسلم الذي هو السند المحسوس لهذه الفكرة.. فتطور الحضارة الإسلامية صعوداً وهبوطاً يرتبط من حيث الأساس بالعلاقة العضوية التي تربط الفكرة بسندها.

من هنا يبدأ دور الإنسان في بناء عالم محيط حوله تتحدد في إطاره قيم الأخلاق ومدى ارتباطها بالمثل، والجمال ومدى التعبير عنه طبقاً لهذه المثل، والفاعلية ومدى ارتباطها بالمنطق العملي، والفن التطبيقي ومدى تمثيله للعناصر السابقة عليه في إطار من التكيف والتوجيه حول الأهداف العامة لرسالة الحضارة.

فالعناصر الأربعة: المبدأ الأخلاقي - المبدأ الجمالي - المنطق العملي - التقنية. هي التي من خلالها تتكون ثقافة المجتمع حينما تصبح تاريخاً. لذا فهذه العناصر هي الأساس التربوي الذي تحدده الشروط الثلاثة التي أشرنا إليها في مرحلة الإقلاع في كل إنتاج حضاري. فالحضارة هي القدر النهائي للثقافة التاريخية.

إذن هذا المنهج منفصل تماماً عن تطور الفكر الأوروبي، فهو يحمل في ذاته بذور نهضة تصادم منطق الهيمنة الشمولية لمفهوم الحضارة بوصفها مركزية غربية.. من هنا انطلق بن نبي في رؤيته للعالم الإسلامي حين وجد شبكة علاقاته الاجتماعية معطلة.

ولأن تجاربه في فرنسة حددت مفهوم النهضة والحضارة نتيجةً تاريخية لمسيرة أوروبة عصر الأنوار، وظهور مفهوم الاستعمار بعد اكتشاف أمريكا، فقد استطاع خلال هذه التجربة أن يستخرج مضامينها بعقل رياضي حساس قادر على وزن كبير الخطط الاستعمارية وصغيرها بميزان الصيدلي الذي يزن كل ما يقع في كفته.

من هنا كانت دقة ميزان بن نبي في وزن الأمور، إذ يحدد مشروعه في مستوى العالم كله حين يصبح حضورنا فيه جزءاً من مسيرته ونموذجاً يتبع في خلاص الإنسانية.. فبن نبي وضع العناصر الأولية لأية نهضة أخذت مسارها في التاريخ كسنة من سنن الله في أرضه.. 

ثم اعتمد التاريخ والتجربة اخضارية في مسيرة الخضارة الإسلامية لكي يتخلص من رواسب حالة الخروج من الحضارة الإسلامية ومرضها. واضعاً لهذا الطريق معالم مرتكزات أولية: الإنسان - التراب - الوقت. إذ تتفاعل هذه العناصر في كيمياء التاريخ عبر قوة ضوابط الثقافة في حيوية تمسك فيه مصيره.. تلك مسيرة كونية في قواعد الحركة التاريخية للحضارات. والحضارة الأوروبية ليست سوى حلقة في الدورة الحضارية صعوداً في بدايتها وهبوطً في مسارها الحاضر، حين تنهزم القيم الأخلاقية والجمالية أول ما تنهزم في عناصر ثقافتها.

وتبقى قوة دفع تاريخها وحده عبر التكنولوجيا والإنتاج الحضاري، في تكاثر ينمو في عالم الأشياء دون عالم الأفكار.. لذا يصح القول: إن عنوان كتب مالك بن نبي هو دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين. ففي زيارتي عام ٢٠٠٣ إلى مدينة وهران في الجزائر وفي أعقاب محاضرة حول فكر بن نبي سألني أحد الحاضرين: ماذا بقي من مالك بن نبي اليوم وبعد ثلاثين عاماً من وفاته؟ أجبته: بقي دور المسلم ورسالته التي لم تبدأ بعد.

فدور المسلم ورسالته هو النتيجة العملية لسائر ما أصدر بن نبي في النهاية. فالثقافة التي تحدث عنها بن نبي هي النسيج الذي ينشر رداءه عى مستقبل العالم الإسلامي والعربي معاً. فهو يمثل مجال دراسة واحدة كما قال بن نبي. لأنه نتيجة حبكة تاريخية واحدة على حدٌّ تعبيره، أورثت في بنائه النفسي والاجتمعي وقعا واحداً مع الاحتفاظ بالخصوصيات الجغرافية والبيئية وتأثرها في الإطار في فريقية وآسية وأوروبة.

لذا فحين نتحدث عن استعادة دورنا الحضاري. وجب أن ننظر إلى المشكلات نحن المسلمين كحقيبة من المشكلات تمثل واقعها النفسي والتاريخي، بكل مافيه من عناصر تلك الحبكة التاريخية التي أشار إليها في نهاية كتبه (فكرة كومنولث إسلامي) بقوله: 

((فنحن إذ نسلم للمسلم بمهمة تشمر معه لعامُ الإسلامي من حيث إطار مشكلاته المشتركة في البيئة المعاشة عملياً. نكوت قم زدنا في مستواه الشخصي أولاً وبالذات. فالحديث عن المسلم لا يغفل عوامل أخرى تتصل بغير المسلم، لكن التركيز على المسلم في إطار العقيدة يمكننا من معرفة مهمته ودوره إنساناً عقدياً ودوره مواطناً.

(فالإنسان) من المؤكد أنه قيد مشترك بين المسلم وغير المسلم، إذ الإنسان العقدي عموماً يحمل في داخله المشكلات التي يواجهها العالم كله.. وإذا ما خلصنا المسلم من عقده الخاصة به نكون قد خلصنا الآخر غير المسلم بهذه العملية ذاتها من جزء كبير من مشاكله هو أيضاً؛ لأن المسلم يتصرف حاملاً لردود فعل ليست متأتية من بلاده، ولكن من حبكة تاريخية متأتية من الحضارة الإسلامية ذاتها، فثلاثة عشر قرناً قد فَصَّلتْ نموذجاً اجتماعياً يتصرف ويفكر حسب كيفيات لا تغيب عنَّا ملاحظة سماتها المشتركة من طنجة إلى جاكرتا.

 فنحن إذا تناولنا مشكلة المسلم نكون قد التقينا بمشكلة المواطن في أي بلاد ربطها التاريخ بصلات تقليدية مع المجتمع الإسلامي. كما نكون قد التقينا بالإنسان في العالم أجمع)).

فنسيج بن نبي هو نسيج وحده له مقدماته ونتائجه، فقد قال لي يوماً: 

((أنا أكتب بوصفي صاحب قضية وليس باحثاً في التاريخ، ولو شئت في إطار الكتابة أن أختار لاخترت القصة إذ تستهويني)). 

فبن نبي لم يشأ أن يذكر لنا تاريخ نشوء كلمة (ثقافة) و(حضارة) كما تطورت في أوروبة إلا حين أخذ من مصطلح الثقافة في الغرب آليته الفنية في خلاصتها الموضوعية والتي ترتبط بحركة الإنسان في إطار مجتمع.. فتبسيط فكرة الثقافة في عناصرها الأربعة كما شرحها، هو خطاب لطاقة الإنسان المتخلف كيما يكتشف خصائص فاعليته كإنسان في إطار مؤسسي تربوي. 

لذا فالحديث عن دور المسلم ورسالته لا بد أن يرتكز على حديث عن (الثقافة والأزمة الثقافية) عند كل منعطف من الأزمات والكوارث.. إن وضع أزمة حزيران ١٩٦٧ تحت شعار أزمة ثقافية ليس سوى تصنيف ينطلق من قيمة الثقافة في السياسة بوصفها منظماً لفعالية الأداء الاجتماعي والسياسي والفكري في رؤية المشكلات. إذ يطرح بن نبي المشكلة مدخلاً لتحديد دور الثقافة في إقلاع جدید.

والثقافة كما أشار بن نبي لا تتعلق بالعلم والمعرفة، وهذا بالضبط ماتم الاتفاق عليه في مطلع التأسيس لمصطلح الثقافة في القرن التاسع عشر منذ عام ١٨٩٠ عن الصعيد التربوي في فرنسة.. فقد استقر تحديد الثقافة كما يقول مؤلف الكتاب:

((بأنها لا تتعلق بالمعرفة التي تنسى أو هي قابلة للنسيان والتبديد Perissable ولكنها تتصل ببناء كفاءات ثابتة لا تتغير .Invariable)).

حول هذه الأفكار تأسست في نهاية القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين تربية؛ لخصها تعريف إدوار هوريو فيما بين الحربين العالميتين حين يقول: 

((الثقافة هي ذلك الذي يبقى حينما ننسى كل شيء)) وعلى أساس هذه القاعدة نشأت وحدة الفكر، لأن الثقافة هي النموذج العام.. هكذا بدت عبارة إدوار هوريو في الثلاثينيات اخدود العميقة لمفهوه الثقافة تعبيراً مختصراً لآليتها في تكوين البناء الفكري للمجتمع. كما أشار بن نبي.

إذ يجعلنا نميز بين الثقافة نفسها والمعرفة التي أسست لاكتساب الثقفة. فالثقافة ليست في حقيقتها كمّاً من المعلومات، قليلة كانت أم كثيرة.. فالثقافة هي صعيد من الفكر لا صلة له بمستوى الدروس سقنة في نوعه أو في مداها أو في كميتها، إنها كفاءة التلقي والتعليم، إنه ربم ذلك متي يبقى حينما ننسى ما تعلمناه. 

إنها على الأخص ما يجب أن ثملكه أولاً قبل أن تتعلمه، كما يقول Fernand Robert في كتابه الإنسانيات.. هذا المدى الذي يختفي وراء عبارة هوريو يقودنا إلى عناصر الثقافة كما وصفها بن نبي من خلال مفهومي الموقف والتصرف Attitude والكفاءة Aptitude.

فمفهوم موقف في شخصية الفرد يرتبط بصورة أساسية بالباعث والمسوغات من ناحية. وشبكة العلاقات الاجتماعية من ناحية أخرى كما شرحها بن نبي في كتابه (ميلاد مجتمع)، وهنا يتدخل الدين كأساس للروابط في مفهومها الغيبي والذي يمنحه المسوغات من مسيرة المجتمع.

لذا نرى الأستاذ مالكاً يقودنا بصورة طبيعية إلى السيرة النبوية التي مثلت الخصائص الأولى لتكوين المجتمع الإسلامي معنىّ مضمراً كما يقول في تأسيس اتجاه الثقافة والحضارة ومشكلة التكيف كما شرحها في كتابه (شروط النهضة).

في إطار هذا البناء الذي يؤسس لوحدة المجتمع يصبح الإنسان هو المحور في وتيرة عطائه وتوتر إبداعه وصبره ومصابرته كما أوصى القرآن الكريم، ذلك كله يتفاعل حينما يرتبط الإبداع بالبيئة المحيطة به من التراب في مساحة الزمن، وهكذا تأخذ الحضارة دورها في التاريخ في فاعلية العناصر الثلاثة: الإنسان - التراب - الوقت

من هنا يصبح معيار الواجب مفتاح الفاعلية في الأداء. وبقدر ما يملك المجتمع من رصيد الواجب يملك طاقة القوة التي ينبغي أن تصرف في إنجازه الحضاري. فالحرية وحقوق إنفاق للطاقة بقدر ما يرتبط الإنفاق بالإنتاج.

لقد أفرد بن نبي هذه المشكلة كتابه (وجهة العالم الإسلامي) داعياً المسلم في حركة الإصلاح إلى تصفية لشكلات السلبية في إطاره الداخلي، أي أن يقف أمام أوروبة إنساناً وليس مستعمرْ، من هنا بدأت رؤية بن نبي مستقبل دور المسلم ورسالته.

فبن نبي في كتابه (ميلاد مجتمع) بطرح قضية ميلاد باعتباره خروجاً من رتابة الحضارة إلى عالم جديد من أجل قيم مسيرة جديدة، وذلك عبر تحديد شبكة العلاقات الاجتماعية بوصفه مؤسس لثقافة مجتمع نتيجة عاملين أساسيين:

١- فاعلية القلق والتوتر في إدراك المشكلات من ناحية.

٢- رصيد الواجب في مخزون الأداء الاجتماعي من ناحية أخرى.

وهذا يعني أن المجتمع لا يكتمل حضوره التاريخي إلا حين ينتقل من مجموعة بشرية يحيط بها عالم الأشياء وعالم الأشخاص إلى بنية أساسية هي عالم الأفكار. وهنا يبدأ مفهوم الثقافة في مسيرة التاريخ كما تشير إليه فكرة الثقافة مصطلحاً اعتمد عبر التجربة الغربية.

لذلك فالحقوق والواجبات التي نظمتها هذه المجالس تفتح الطريق لدور المسلم في إطار بناء ثقافة جامعة لمسيرة المجتمع، لذا لا بد أن نقف عند تأسيس بن نبي لمفهوم الحقوق والواجبات.

ففي حديثه عن الحقوق والواجبات إلى جمع من النساء في زيارته لدمشق عام ١٩٧١ يؤكد على أمرين أساسيين:

الأمر الأول: أسبقية الواجب على الحقوق، لأن الواجب طاقة في مساحة المجتمع.

والحق استهلاك في حدود الفرد، ولذا فالحق يستهلك من طاقة الواجب، فإذ انطفأت وجفت طاقة الواجب افتقد حق الفرد معناه في فوضى المجتمع، فالمطالبة بحقوق المرأة لا معنى لها؛ لأن المرأة والرجل كلاهما يمثلان وحدة متكاملة في الأداء الاجتماعي.

الأمر الثاني: أن آفاق الواجب ترتبط دائماً بالرسالة في رؤية العالم من أجل تغييره، لذا فالتغيير لا يمكن أن يتم إلا حين تصبح الرسالة نموذجاً مؤثراً في الأهداف ومتأثراً في الوسائل. حينئذٍ تصبح الرسالة قد تكاملت بنيتها نموذجاً اجتماعياً يساهم في مسيرة العالم ما دامت البيئة الثقافية تمسك بنسيج الأداء الاجتماعي.

هذا الأساسان هما الشرط الأولي لعملية التركيب التي تحدد دور المسلم ورسالته، لكن ذلك لا يعني انتظار هذا التكامل، بل البدء في تأسيسه عبر السلوك الفردي للمسلم.

فبن نبي خلال رحلته الأخيرة إلى دمشق أشار إلى مدى ارتباط التغيير في السلوك الفردي بالمناخ العام لوحدة المجتمع.. فكتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي لم يستطع منذ عصره حتى عصرنا الحاضر إلا أن يكون مرجعاً لعلم في تحديد استقامة السلوك؛ لأن المرحلة التي تمر بها الحضارة الإسلامية كانت تميل في دورتها التاريخية إلى الانهيار، والأمر نفسه بالنسبة إلى ابن تيمیة.

لذا تبدو فكرة الواجبات والحقوق توجز مقولات ذكرها بن نبي في كتبه: (الفكرة الإفريقية الآسيوية) (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) حينما تحدث عن أسطوانة الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة في فاعلية الحضارة، حتى إذا بدأت الحضارة تميل نحو الأفول تبدأ أسطوانة الأفكار المطبوعة يعتريها ما يعتري نشيد الأسطوانة من قدم حين يداخل صوتها اختلال وحشرجة قبل أن تصمت نهائياً.

وبن نبي يستنجد دائماً بالإرشاد القرآني في تحديد نظرية الثقافة في عناصرها الكونية التي هي سنة الله في تنظيم الاستقرار الكوني الذي يربط الإنسان بالتراب والوقت.. هذه العناصر الكونية تمثل الأساس لحركة التاريخ في مسيرة الحضارات على اختلاف اتجاهاتها، من هنا يتميز فكر بن نبي في تحديد الثقافة باعتبارها مكونات إقلاع ينطلق من أرضية المعطيات المضمرة في ثقافتنا وضرورات مسارنا الاجتماعي.

فالرسالات السماوية في قيمها الحضارية انطلقت من ذلك الربط الذي تأسس في أول بيت وضع للناس في مكة، إذ الكعبة المشرفة في بنائها المستقر في التراب هي طريق الاتصال بالسماء. وفي الوقت نفسه العروة الوثقى في الارتباط بالأرض والزمن، حتى إذا بدأت الرسالة السماوية تأخذ طريقها التاريخي كان لا بد لأول عمل يقوم به أبو الأنبياء أن يرفع القواعد من البيت هو أولاً، ثم مع ابنه إسماعيل للاستمرار في مسيرة الأجيال.

وهكذا يرتبط الإنسان بوصفه طاقةً من طاقات الإيمان شرطاً أولياً بالتراب في وادٍ غير ذي زرع، يرتكز على فاعلية الإنسان أولاً قيمةً سابقةً على الوسائل تؤسس لشبكة العلاقات الاجتماعية حين تهوي أفئدة الناس إلى وحدة المسار الإنساني التي تحرك البواعث.

لذا يحدد بن نبي معنى البناء الحضاري عبر مفهوم (العقبة) و(اقتحامها)، كما ورد في القرآن الكريم ﴿فَلَا أقْتحَمَ اٌلْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١/٩٠]، أي: الإرادة التي تخرج عن جاذبية الأنا وغريزتها من خلال شبكة السلوك التي ترتبط بالواجب يقول بن نبي:

((إذ ليس من المتيسر في أساس اقتحام العقبة سوى إرادة الإنسان.. من هنا فالثقافة تنطلق من هذا الاختيار.. فحين تختار جانب الواجب تتحدد الثقافة تلقائياً، إذ تصبح ثقافة جديدة في المسْتوى الحضاري، كما تتحدد تلقائياً سياسة جديدة.. فلو أن المسلمين منذ نصف قرن تشبئوا في جميع الأقطار الإسلامية بمبدأ اقتحام العقبة لما كانوا على ما هم عليه اليوم)).

فكلمة الواجبات تحدد اقتصاداً وكلمة الحقوق تحدد اقتصاداً آخر يستهلك من رصيد الاقتصاد الأول. وحين افتقد عالمنا العربي والإسلامي اقتصاد الواجب وقع رهينة اقتصاد الحقوق. حيث نشأت نقابات الحقوق: العمال. المرأة دون تحديد اقتصاد الواجب.

لذا فدور المسلم هو في البداية إعادة بناء جديد لرؤيته في الداخل عبر تأسيس اقتصاد الضرورات والحاجات في صياغة لحركة المجتمع في اتجاه ثقافة يستطيع عبرها تحديد دوره في صعيد العالم رسالةً. وهذا هو منطلق الحضارة. 

_______________________________________________

الحضارة في مسيرة التاريخ موعد مع الوظيفة الاجتماعية

يرى بن نبي أن الحضارة ليست كل شكل من أشكال التنظيم في الحياة البشرية، ولكنها شكل نوعي خاص بالمجتمعات النامية، حيث يجد هذا الشكل نوعيته في استعداد هذه المجتمعات لأداء وظيفة معينة لا يكون المجتمع المتخلف في حالة تكيف معها لا من حيث رغبته، ولا من حيث قدرته، أو بعبارة أخرى لا من حيث أفكاره، ولا من حيث وسائله.

هذه الأسس المقتبسة من كتب بن نبي ومحاضراته حين عودته إلى الجزائر عام ١٩٦٤ كانت خطاباً موجهاً إلى المجتمع الجزائري بعد الاستقلال. لذا يعود بن نبي ليؤكد على ما سماه علم اجتماع خاصاً بالبلاد التي نالت استقلالها، وهو علم يختلف عن ثوابت النظرة الغربية نحو العالم، فهو يقول: ((يجب أن نجابه مشاكل قصورنا قبل الاستقلال ومشاكل بلوغنا بعده. والمشاكل بعد الاستقلال لا تتضاعف فحسب، ولكنها تنعقد بمظاهر نفسية جديدة، تتعقد علاقاتها الوظيفية ببعض العقد الجديدة، وذلك على سبيل المثال عندما تصبح كلمة الاستقلال مبرراً لبعض ضروب الإهمال التي تثقل بعبئها الوازن سيرنا. إذ يتعين على المجتمع في الساعات الخطرة أن يقوم بقفزة يتخطى بها الهوة أو أن يخرج من التاريخ. فالعمل المشترك يتطلب إيقاعاً ووزناً يؤثران في الجهود الفردية، ويضعانها في الوقت نفسه داخل الجهد الجماعي».

هذه النظرة تجد معناها في المحاضرات الست التي تتضافر جميعها لتفعيل دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين. إذ إن بن نبي تطرق من منبر دمشق بعد أن اجتاز تجربة الجزائر في الستينيات إلى مشكلات ما بعد الاستقلال، إذ انتهت التجربة إلى تلك المرارة التي تملكت بن نبي من تجربة الجزائر التي تضمنت كتابين: الكتاب الأول (بين الرشاد والتيه) وهو مجموعة مقالاته في مجلة الثورة الإفريقية، وقد أضفنا ترجمة ونشر مقالاته التي لم يتضمنها الكتاب تحت عنوان (من أجل التغيير)، ثم كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) والذي کتبه بالفرنسية وسلمني أصوله حیث نشر بعد وفاته في الجزائر بناء على النسخة المسلمة إلي.

ذلك أن الصراع الفكري قد بدد معالم طريق بن نبي في وضع أفكاره في مجرى الفاعلية التي افتقدت معطياتها في بنية المجتمع المتخلف أساساً. لذا كان منذ الخمسينيات كما أشرنا يضع كتاباً حول الصراع الفكري في البلاد المستعمرة.. فبن نبي يشير في محاضرته عن الحقوق والواجبات إلى هذا الصراع فيقول:

((ففي كل نشاط فكري على العموم والنشاط الفكري المتصل بالإسلام على الخصوص يقع هذا النشاط مباشرة تحت مجاهر سميتها مراصد الصراع الفكري في العالم، وهذه المجاهر ليست بكل حال إسلامية، حتى لو سخرت بعض الشخصيات أو بعض الجهات الإسلامية لتضييق الخناق على هذا النشاط، إذ هذه اجهات هي في النهاية مسخَّرة، وليست صاحبة الأمر في القضية.. أصحاب الأمر ليسوا في بلادنا، بل خيوطهم، وأحياناً تتسرب من حيث لا ندري إلى عقولنا، بمعنى أننا ننساق وفق خططهم دون أن نشعر، وهذا كله يحدث في كل موقع)).

هذه الملاحظة تجد مداها في عالمنا الحاضر حين تؤسس مراصد الصراع الفكري منابرها المتبادلة حول مفهوم الإرهاب لتضع ستاراً كثيفاً حول المشكلات الحقيقية التي تواجه قضايانا الرئيسة في إعادة صياغة قوتنا الذاتية، كما تفعل اليوم الصين والهند.. لقد أراد بن نبي إزاء هذا الواقع الاستعماري الخفي والمتخفي في نفوسنا ضمن مفهوم القابلية للاستعمار تحقيق هدفين اثنين:

الهدف الأول: تحديد آلية الرصد الاستعماري لتطور الفكر في العالم العربي؛ بغية مراقبته في كيفية تأثيره في تعطيل الأفكار الهادفة لدفع البلاد نحو التطور.

الهدف الثاني: إبراز الغياب الكامل في منهجية الفكر العربي والإسلامي عن أي توصيف للمشكلات بما يمثل قصوراً في تحديدها، وذلك يترك مساحة واسعة لآلية الرصد الاستعماري والتأثير في تعطيل أية نتائج تعبر عن صحة المسار وفاعليته.

فالاستعمار بمختلف الوسائل التي شرحها الأستاذ مالك في كتابه يسدل ظلاماً شاملاً على بعض القطاعات من الوجهة الفكرية كي يعزلها عن ضمير الشعب المستعمر نفسه وعن الضمير العالمي.. وهكذا يصبح المشهد وكأنما القاعة غارقة في الضوء بينما المسرح ذاته غارق في الظلام.

هذه الصورة التي عرضها بن نبي في كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) ١٩٦٠ تكشف غياب الفكرة المجردة في رؤية المشكلات وتحديد الأهداف.. فالمنهجية الإسلامية أو العربية المقتبسة من الغرب لم تقدم حقيقة تتصل بقوة المجتمع الذاتية وإحساسه بالمخاطر.

فقد تكدست قوالب الحضارة الغربية في عالمنا في أُطر سياسية واقتصادية واجتماعية، بينما القضية الحيوية المتصلة ببناء الشخصية الجديدة لمجتمعنا فقد بقيت بعيدة عن كل حدّ، لأن الصراع الفكري في البلاد المستعمرة العربية والإسلامية قد بلغ مداه.

وينهي بن نبي تحليله بتوجيه المشكلة لإبطال مفعول الصراع الفكري في وجهین:

أولاً: كيف نعضي لأفكارنا أقصى ما يمكن من الفعالية.

ثانياً: أن ندرك الوسائل التي يستخدمها الاستعمار لينقص من فاعلينا.

فالسياسة تتطور تبعاً لأفكار مجردة تعانق بحكم الضرورة الضمير. وهنا تتحكم المبادئ والمقاييس وتحتكم في ضمير حي متوتر وفاعل، وعقل يدرك، وقلب يشعر، ما دامت الدوافع تتعلق بالأفكار.

أما إذا كانت الدوافع طبقاً لسياسة العالم الإسلامي ناشئة من جهاز هضم غريزي كما يقول بن نبي حينئذ تخون المواقف أفكارها..وهنا تقع الكارثة في النهاية كجسر ينهار حين تخونه أفكاره.

هذه المنطلقات هي أساس مشكلة الأزمة الثقافية عند كل هزيمة، لأنها إحدى مظاهرها، إذ بدأ بن نبي في عرضه لمشكلة الثقافة يحدد مدى بناء الكفاءة الفكرية في حيوية الثقافة ووحدة الفاعلية في تناول المشكلات.. هذه الأسس استعرضناها لنكمل من كتب بن نبي الصورة التي عرضها في المحاضرات الست، وكان لا بد من توضيحها لنمنح هذه المحاضرات قيمتها في مواجهة مشكلة الثقافة في مرحلتنا الخاضرة في ضل العولمة الأميركية الإسرائيلية،

فأفكار بن نبي مرت في الخمسين الماضية من السنين سحاباً في صيف التطورات التي انتهت بالفشل حينما افتقدت مرحلة ما بعد الاستعمر أية قدرة على مواجهة المخاطر.

فبن نبي يشير في محاضرته (الحقوق والواجبات) عام ١٩٧١ . وإلى مخاطر ما سوف ينتهي إليه القرن العشرون من تهديد لمفهوم الثقافة فيتحدث عن مفهوه القوميات التي ظهرت في القرن التاسع عشر والتي فشلت في أوروبة منذ الحرب العامية الأولى.

لكنها انتقلت إلينا ملتوية لأسباب نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر. لكن التجارب هذه كلها قد فشلت في بناء النهضة، ويجب علينا أن نصفّي في النهاية الحساب.. يقول بن نبي: هناك دراسة للمجتمع الإسلامي يمكن أن ينظر إليها من الوجهة النفسية وعلى الخصوص (رجل ما بعد دولة الموحدين) أي مرحلة انهيار الحضارة الإسلامية.

على ضوء هذه الدراسة يتبدى تناقض تام ودائم حَكّم كل تطور للمجتمع الإسلامي منذ تلك الفترة حتى المراحل الأخيرة. فرجل هذه المرحلة يتصور نفسه قادراً أن يمد يده بكل بساطة لكي يمسك القمر؛ إذ يبدو في نظره أمراً سهلاً، لكنه من ناحية أخرى لا يحرك أصبعه الصغير ليطرد بعوضة على رأس أنفه؛ فهذا في نظره مستحيل. 

ففي إطار هذا الذهان Psychose وجد قادة الدول العربية أنفسهم فجأة عام ١٩٤٨ أمام قضية فلسطين، فنظروا إليها بكل خفة وحبور باعتبارها قضية سهلة.. نحن نعلم ما جرى بعد ذلك حين عالجنا الأمر عبر شعار دون آخر مصحوباً بأعلى الاستهتار والفخر في التصدي للقضية.

لكن يجب أن نشير في النهاية أن هذا الضحك في مداه أعقبه فوراً جدية المشكلة في منتهاها وسوء تقديرها وضياع الجهود نحوها. فبدأ عبر جهد فكري ضائع يدرس أسباب الهزيمة المروعة في كتابات اقتصرت على الانتقاد والجدل فأرخت للمراحل التالية من الهزائم المتتابعة.

فالمشكلة من هذا الجانب مشكلة أزمة ثقافية. وإذا أخذنا معيار الثقافة باعتباره تكويناً تربوياً يؤسس لكفاءة فكرية في ظل مناخ حضاري شامل نرى بن نبي يؤسس في دراساته لجغرافية وحدة المشكلات في مداها الثقافي والاجتماعي الذي ينعكس على كفاءة الإنتاج الاجتماعي، وهذه الجغرافية تتجاوز جغرافية الأعراق القومية والافتراضية.

فهناك وحدة المشكلة في الإطار الثقافي في تناول ضرورات الحاضر، ومدى ارتباطها بالإنتاج لاجتماعي في العالم العربي، وليس وحدة الأصول القومية التاريخية، إذ الولوج إلى هذا الصعيد منذ بداية القرن العشرين كان نتيجة رد فعل الاستعمار، وهو في النتيجة من قبيل وضع العربة قبل الحصان، إذ كان ينبغي البحث عن حصان الكفاءة الضائعة من الوجهة النفسية، والتي تؤسس للفاعلية الثقافية التي تراجعت في المسيرة التاريخية التي جمعت سائر الأعراق. 

فمن خلال هذا الإطار القومي استطاعت إسرائيل العبور في مدعاها القومي، لكنْ، وهي محملة بسائر معطيات الفاعلية الثقافية الغربية التي كانت بمثابة حصان طروادة، فيما بقيت أحلام القوميات لا تزال تشبه اليد التي تسعى لتطال القمر كما قال بن نبي.. 

كانت المطالبة بالحقوق القومية باباً سهلاً للخروج من مواجهة المشكلات الجامعة للعالم العربي في مداها الإنمائي الذي بدا، للمرحلة النفسية التي أشرنا إليها، مدخلاً مستحيلاً في عمق مشاعر التخلف، فيما كان السهل ليس سهلاً والمستحيل ليس مستحیلاً..

__________________________________________________

بسم الله الرَّحمن الرَّحیم

والصلاة والسلام على خير المرسلين، أتوجه أولاً بجزيل الشكر للهيئة المشرفة على الجامعة: السيد مدير الجامعة وأخي عميد كلية الشريعة الدكتور عبد الرحمن الصابوني النذين أتاحا ني هذه اللحظات الثمينة حين أفسحا لي المجال لكي أتحدث عن مشكلة الثقافة.

إنني أذكر، ولعل بعض المستمعين يذكرون معي، أن مائدة مستديرة عقدت في دمشق بعد أحداث حزيران ١٩٦٧ لتدرس أسباب الأزمة التي واجهته لأمة العربية بأجمعها وعاشتها.

لقد ساهم في هذه المائدة صديق لي من فرنسة هو السيد جاك الذي نشر خلاصة مناقشات هذه المائدة في مجلة تصدر في باريس تحت عنوان (أزمة حزيران كانت أزمة ثقافية).. ولعلنا من خلال هذا العنوان نستطيع أن ندلف إلى موضوعنا (مشكلة الثقافة)..

فأزمة حزيران ١٩٦٧ هي ككل أزمة وليدة فكرة ذات تطبيق اجتماعي. والأزمة في هذا الإطار تنشأ من إحدى ناحيتين: إما من سوء إدراك للمفهوم، وإما من خلل في التطبیق.

ومن هذين الافتراضين سوف ندخل إلى موضوعنا.. فهل هناك خطأ في إدراك المفهوم؟ أم أنه خطأ في التطبيق؟ .. إن هذا ما يعنينا.

فالاجتماع الأول يدعونا لأن نطرح السؤال: ما الثقافة؟

ولقد عرض هذا السؤال نفسه على شخصية كبيرة هو (إدوار هوريو) وكان عميداً لكلية الآداب في (ليون) الجامعة الثانية في فرنسة، ورئيساً للبرلمان الفرنسي، وعمدة ليون ثاني مدن فرنسة كذلك، فكان جوابه غريباً إلى حدِّ ما، حين قال لسائله وأظن السائل صحفياً:

((الثقافة هي ما يبقى عالقاً بالأذهان عندما ننسى ما تعلَّمناه على مقاعد الدراسة والجامعات)). ربما كان هوريو يحاول التخلص من السؤال في جوابه هذا. فالسؤال على ما أظن طرح سنة ١٩٣٦، وفي ذلك العهد لم يكن قد أجريت بعد دراسات منهجية حول موضوع الثقافة كما تجرى اليوم ومنذ الأربعينيات تقريباً في المدرسة الأميركية على الخصوص. 

إذ أخضعت هذه المدرسة مفهوم الثقافة لدراسة موضوعية، بوصفها ظاهرةً اجتماعيةً كبرى عبر التحليل الاجتماعي وسائر طرق البحث العلمي.. فالسيد هوريو كما يبدو قد أراد التخلص من السؤال فأجاب عليه بما يشبه نكتة، إنما هو في الحقيقة أكثر من ذلك. فقد وضع بهذا الجواب الذي جاء عفوياً، فاصلاً كبيراً بين الثقافة وما نسميه العلم. (أي نتيجة التعليم على مقاعد المدارس والجامعات) کما أشار هوریو.

فالنكتة التي صدرت عن هوريو قد أعطتنا إذن مقياساً يجعلنا نميز مقدار الخطأ، إن كان ثمة خطأ، في تفهمنا لقضية الثقافة.. إن كلمة الثقافة نفسها وردت في مقدمة ابن خلدون مرتين أو ثلاثاً في فصول موزعة من المقدمة دون أن يكوّن لمدلول الكلمة ضبطاً يحمل إلينا معنى الثقافة كما نفهمه أو تحاول أن ندركه اليوم.

فكلمة الثقافة تبدو لي في مصطلح ابن خلدون هي مرادف لما يسميه في مصطلحه الخاص (الصناعة) صناعة النحو، صناعة الفقه، صناعة الطب .. إلخ. فكل فن أو تقنية كما نسميها اليوم يسميه ابن خلدون صناعة. وأحياناً يجمع مجموعة الصناعات (أي ما نسميه اليوم تكنولوجيا) بكلمة ثقافة، إنما مدلوها اليوم قد اتسع أكثر من ذلك بكثير.

لقد بقيت الكلمة في الحقيقة نادرة الاستعمال في اللغة العربية كما أعتقد. ولقد نعثر عليها في لسان العرب إنما مجرد فعل (ثقَّف - يثقْف: أي قوَّم - يقوِّم) وهي بهذا المعنى تقربنا فعلاً من فهم مدلول الثقافة بمعناه اليوم.. بيد أن الكلمة أو المصطلح قد أخذ نفساً في عصرنا اخاضر، وبدا كأنما تجدد في اللغة العربية. 

وأظن أن الأساتذة الكرام هم أعلم مني بمنشأ كلمة الثقافة وتداولها مصطلحاً عربياً في أدبياتنا، ولعله يعود إلى الربع الأول من القرن العشرين ليس أكثر من ذلك، فنحن مثلاً لا نجد لها أثراً في كتابات (محمد عبده) ولا كتابات (جمال الدين) على ما أعتقد.

وفي الربع الأول من القرن العشرين في مصر كما أخبرني الأستاذ محمود شاكر الذي هو أعلم مني باللغة العربية والآداب العربية أن أحد الأدباء المشهورين في تلك الفترة -سلامة موسى- هو الذي أعطى لكلمة ثقافة نفسها في التاريخ الثقافي العربي مصطلحاً.

وبالرغم من أن الكلمة قد استعادت نفسها الجديد في اللغة العربية فإننا لا نراها تدل دلالة واضحة على الشيء الذي يتعين علينا فهمه. ففي ضوء أزمة كالتي عالجتها المائدة المستديرة التي انعقدت في دمشق إثر أزمة سياسية، يجب علينا أن نسبر بقدر الإمكان غور هذا المفهوم المتورط اليوم من ناحيتين:

فهو متورط أولاً إلى حدِّ ما (حتى في المجتمعات المتقدمة)- لدرجة أنه مميع- في مفهوم تضييق حدوده الاجتماعية إلى مجال معين، هو مجال الترفيه والتسلية؛ فيسمى ثقافة كل ما يتعلق بذلك. وتتأسس وزارات هذ الغرض بحيث تعني كلمة ثقافة (خصوصاً في البلاد الشرقية - ونستثني الاختصاصيين - كالصين الشعبية والاتحاد السوفييتي مثلاً) مجال التسلية بكل وسائلها.

هكذا تورطت الكلمة بحيث ماع مدلولها في مجال لا يعني بالنسبة إلى ما تشير إليه -مثلاً كلمة (أزمة ثقافية) شيئاً. فالأزمة الثقافية لا اتصال بينها وبين المجال الترفيهي.. ومجال التسلية طبعاً. فنحن لم نواجه أزمة ثقافية، لأننا لم نحسن كيف نتسلى أو كيف نرفه، بل ربما لأننا لم نحسن العمل في نطاق ما أسميه (العمل المشترك) العمر الذي تتجمع في نطاقه وتتكاتف الأيدي والعقول والضمائر.

فالثقافة قد تعطينا فرصاً للتسلية، فمجال التسلية يدخل فعلاً في نطاق الثقافة. إذ في درجة معينة من درجات سلم القيم الثقافية تدخل أشياء الترفيه، أو أشياء التسلية، ولكن ليست الثقافة هي التي تعلمنا كيف ننشد مجتمعين نشيداً وطنياً مثلاً، أو أغنية ما، أو نعزف عزفاً بموسيقا معينة.

الثقافة: هي - كما تعبر عنها الأزمة - قبل كل شيء الجو الذي تتكتل فيه الجهود حين تجد في هذا الجو كل شروط تكتلها وتجمعها، وتجد المسوغات لذلك.. وإذا تركنا جانباً تورط الكلمة في استعمالها عند بعض البلاد المتقدمة اليوم بوصفها مجموعةً وسائل الترفيه، والتفتنا إلى اجانب الثاني من تورطها، والذي يهمنا أكثر، نراها أيضاً منذ بماية م نسميه عصر النهضة العربية، قد تورطت في شيء أفقدها نسبياً ثلاثة أربعاه أو ٧٥٪ من مجالها، لأننا وضعنا في كلمة ثقافة مدلول العلم، ومحتوى العلم، واعتقدنا أن العلم هو الثقافة، وأن الثقافة هي العلم.

وقد أحدث هذا التورط النتائج التي كانت متوقعة منه. يجب علي هنا أن أحدد فيما يخصني وأنا إنسان مسلم وعربي كيف اتجهت لمحاولة تفهم الثقافة، وما يحيط بها من مشكلات في المجتمع العربي والإسلامي، مما جعلني أختلف في وجهة نظري حول الثقافة إلى حدّ كبير مع أولئك الذين يدرسون الثقافة في الغرب.

لقد بدأت - كما أوضحت- منذ الأربعينيات - فيما أعتقد- الثقافة بوصفها ظاهرة اجتماعية حين صدرت دراسات في أميركا لرالف لمنتون وبورغ مثلاً ثم تتابعت هذه الدراسات. وظهرت أحياناً في نطاق كتب ذات طابع سياسي مثل كتاب ماوتسي تونغ (الديمقراضية الجديدة) حيث تناول في أحد فصوله مشكلة الثقافة.. وويادنوف الذي قدم تقريراً كبيراً عن الثقافة في المؤتمر الشيوعي الحادي والعشرين فيما أعتقد، وهذه كلها دراسات قيمة.

ولكن بماذا تختلف نحن مع هذه الدراسات، وخصوصاً الدراسات الأميركية؟ .. إننا نختلف في شيء جوهري، وليس لمجرد الاختلاف؛ فالاختلاف مفروض علينا جوهرياً أو بطريقة جوهرية.. فالدارس للقضية في أميركا أو إنكلترا أو فرنسة، يدرسها، كأنه يصف واقعاً اجتماعياً، يعني ظاهرة شاخصة أمام عينيه، فيقف منها إلى حدّ كبير موقفاً وصفياً؛ موقف الإنسان الذي يصف ظاهرة ويريد تقديم أوضح صورة عنها بما ينبغي عليه أن يحدد خطوطها العريضة والقصيرة.

لكننا حينما نتصدى نحن لدراسة كهذه، فنقطة انطلاقنا تختلف تماماً عن نقطة انطلاق الدارسين في البلاد المتقدمة. لأننا لا ندرس وقعاً اجتماعياً شاخصاً أمامنا، بل ندرس شيئاً خفياً لا تبصره أعيننا ماثلاً في واقعد لاجتماعي. وهو معدوم الوجود إلى حد ما في مجالنا الوطني أو القومي اخضاري.

ومن هنا فنحن نتحرك من نقطة نحاول بقدر إمكاناتنا أن نفرح خفظ الإندءء لا صور الوصف كما يفعل الغربيون.. وخطط الإنشاء تختلف عن صور الوصف كما يعلم إخواننا المهندسون. فالإنشاء يقتضي على الأقل أبعاداً ثلاثة (طول وعرض وارتفاع)، وأحياناً يتوجب بعض المقاطع بقدر تعقد الشيء المراد وضع المخطط الإنشائي له.

لكن الصورة الوصفية لوحة معلقة تعطينا فعلاً ملامح الشيء كما تراه العين التي صورته بقدر ما تكون صادقة في تصويره حقيقة، وليس على مذهب بيكاسو وليس بريشة بیكاسو.. وبهذا تكون الصورة واضحة إلى حدٍِّ ما، إنما لا تعطينا وسيلة لإعادة بناء الشيء المصور.

فالمنطلق في دراسة الغربيين يختلف إذن تمام الاختلاف عما نراه منطلقاً لدراسات في هذا الموضوع في البلاد العربية والإسلامية.. ولقد قامت وبدأت فعلاً دراسات متخصصة في البلاد العربية، لكننا نلاحظ مثلاً أن كلمة ثقافة ما زالت غير متورطة في عالم مصطلحاتنا الفنية، إلى درجة أن الدراسات المتخصصة في الموضوع تضع كلمة ثقافة وبجانبها بين قوسين كلمة (Culture) ومعنى هذا أن الكلمة في العربية لا تزال في نظر المتخصصين في هذه الدراسات غير وافية بدورها كمفهوم علمي يؤدي معنى محدداً إذا لم توضع لها ركيزة أجنبية تتوكأ عليها.

ولا نشير إلى هذه الملاحظة من قبيل النقد أو الانتقاص من أسلوب الدارسين الذين يضيفون إلى مصطلح (ثقافة) مفهومها الأجنبي؛ فدوام الاعتماد على المصطلح العربي لا بأس به لعشر سنوات أو لخمس عشرة سنة من بداية الاتجاه نحو هذه الدراسات في محيطنا العربي، لكن الاستمرار في ذلك يعني أنه حتى الآن لم يكتسب مصطلح الثقافة توطّنه الكامل في لغتنا، فندعمه بكلمة أجنبية يتوكأ عليها ليعرف بنفسه أنه قرين كلمة (Culture) أو رفيقها.

إذن فمنطلقنا يختلف تماماً عن منطلق الآخرين، ويجب أن يختلف للأسباب التي قدمته. فإن من المفيد في هذا اللقاء أن أحدد كيف تكوّن هذا المنطلق، وما الأسباب التي دعت نيه، أو التي دعت إلى تحديد موقفي هذا في دراسة الظاهرة التي نطلق عليها اسم ثقافة؟

هذا أمر يدخر في نطاق معاناة شخصية، وخبرة مبنية على تجربة ومحنة، ككل عربي ومسلم، يعيش القضية طبعاً، وهو يشعر بثقل التصرفات الفردية والاجتماعية في المجتمع العربي، أو بشيء من ذلك الثقل الذي نسميه أحياناً بالانحراف.. فلو نظرنا إلى الثقافة. وأن عملية التثقيف على أنها علم فقط، نكون إذن وكأنما فصلنا القضية عن جوهرها، لأن العلم لا يدعي، وليس من وظيفته أن يقدم المبررات.

فالعلم ليس للمبررات، وهو لا يقدم الكيفيات. إنه يجيب عن سؤال (كيف) فقط.. فمنذ أن تأسس العلم على المبادئ التي قررها (ديكارت) في القرن السابع عشر والتي استنتجها من معركته مع المدرسة (السكولاستية) إذ كان ديكارت يرى أن هذه المدرسة، قد عطلت سير الإنسانية، فأراد التخلص منها فتخلص في الوقت نفسه من اتجاه فكري عظيم. إنه اتجاه الفكر الذي يضمن للمجتمع جانب المبررات؛ أي الجواب: عن لماذا؟ 

فأضحى العلم بذلك لا يجيب إلا عن سؤال واحد هو: كيف؟.. وحينما جاء نيوتن مكتشف الجاذبية بعد قرنين من ديكارت، وجدناه يصوغ قانون الجاذبية صياغة تتجنب طبقاً لمنطق (ديكارت) أن تتورط في ناحية المبررات.. فجاءت صياغة قانون الجاذبية كما يعلم طلاب الجامعات بهذا النص:

((الأشياء تسير كأنما الأجرام تتجاذب طبقاً لشحنتها المادية على عكس مربع ابعادها).

(أنما) وليس (لأن)؛ إذ التعبير (كأن) يأتي وفق مبادئ ديكارت التي تقدم العلوم على أساسها والتي تتجنب (لأن). أي: تتجنب الجواب عن (لأن) فتعمد إلى استعمال (كأن) وهذا التعبير هو الذي يحمل طابع العلم الجديد واتجاهه الذي نشأ طبقاً للمنهج الذي قرره (دیکارت).

فلو أن العلم بقي في مفهومه كما كان قبل (ديكارت) لربم جاز لنا أن نقول: إن العلم يساوي الثقافة، ونقول ربما. لكن العلم اليوم لا يجيز لنا ذلك، لأن العلم في مفهومه الحديث لا يقدم المبررات، ولا يهتم بهذا الجانب، لأنه يهتم بالكيفيات: كيف نصنع؟ - كيف نفعل؟ - كيف تسير الأشياء؟.. هذا هو العلم بكل أسف، وأقول بكل أسف من دون استثناء أو استدراك ودون أن يبهرنا هذا العلم.

فنحن نعترف أولاً بما أنتجه هذا العلم الحديث الذي وصل إلى صنع الصاروخ السادس عشر الذي هو في طريقه اليوم حول القمر إلا أن هذا لا يبهرنا. فحياة البشر أفضل وأثمن بالنسبة إلينا من سير صاروخ في الفضاء. وحياة البشر اليوم معرضة بسبب فقدان المبررات إلى مورطات كبرى، نرى ملامحها اليوم في المجتمعات المتقدمة،

وأذكر الإحصائيات التي تدلنا مثلاً على أن بلداً كالسويد، وهو في المقدمة من المجتمعات الراقية، يتصدر إحصائية الانتحار في العالم، وهذا يعني أن هذا الوطن الغني الثري، والذي فيه العلم يستطيع أن يجيب عن كل سؤال يتضمن كيف؟..

هذا الوطن نفسه أصبح عاجزاً عن الإجابة عن سؤال لماذا؟ بل إنه لا يقدم لحياة الأفراد المبررات التي تضمن لهم شروط الحياة البشرية. إذ تبين أن الحياة البشرية في حاجة إلى أشياء أخرى فوق ما تضمن المؤسسات من توفير لقمة العيش والرفاهية، إنها تظل مع ذلك متطّلعة إلى أشياء أخرى.

قلت: إن كلمة (علم) تورطت، وربما كانت ورطتها ضرورية للتخلص من المواقف السحرية التي كان يقفها العلم والعلماء قبل ديكارت؛ حيث إن كثيراً من العقول الإنسانية كانت تقتنع بتفسير الظواهر، والطبيعية منها خاصة، بكلمات غريبة مثلاً، كما كان يجري في البلاد الإسلامية والعربية كان عصر التفسيرات السحرية للظواهر الاجتماعیة کالقول: 

((أراد سیدنا الشیخ فلان کذا)) أو ((أراد سیدنا الشيخ ذاك)). وهذا ما أراد ديكارت أن يخلص فعلاً الفكر الأوروبي والفكر الإنساني منه، ولقد نجح إذ أراد ذلك، لكنني أخشى أن يكون نجاحه أبعد من الشروط، ومن الحدّ الذي يضمن للإنسانية المبررات المشروطة الضرورية لحياتها.

كيف شعرنا وشعر الفرد المسلم العربي بأن العلم الذي نتعلمه، ونعلمه لأولادنا في المدارس والجامعات لا يؤدي وضيفة الثقافة، أو بعبارة أخرى لا يقدم المبررات الاجتماعية للأفراد ولا للمجتمع. كيف شعرنا بهذا في حياتنا؟

بصورة بسيطة؛ فأنا من هذا الجيل، وابن هذا القرن ومن مواليد ١٩٠٥، وقد واكبت وعايشت كل أحداث القرن الكبيرة تقریباً، والتطورات التي حدثت في بلدي  الجزائر (وهي بلد عربي وإسلامي مثل سورية الشقيقة) فلاحظت أشياء وتصرفات وأمواجاً تاريخية كبرى، ولاحظت معارك سياسية، فماذا كانت نتيجة ملاحظاتي؟

إن سلوك الفرد العربي المسلم (الجزائري طبعاً، لأن مجال ملاحظاتي كان الجزائر) مشروط بشيء من السلبية، أو لنعكس القضية فنقول: إنه كان فاقداً لشيء من الإيجابية، أعني لشيء أساسي من الفعالية، بينما كنت أرى في الوقت نفسه أن سلوك الآخرين ينطبع إلى حد كبير بالإيجابية والفعالية.

وهكذا أصبحت القضية واضحة في ذهني: هل العلم هو سبب هذا؟.. لا، فالعلم الذي تعلمه هذا الإنسان أو ذاك هو علم واحد. وأتورع ولا أجيز  لنفسي أن أثقل عليكم بذكر أشياء لا حاجة لت في ذكره. سوء حدثت في المراحل القريبة أم في المراحل التي تخللت العقود البعيدة عنا من هذا القرن. ويكفيني هد أن أذكر هذه القضية البسيطة:

طبيب مبرز، ناجح تمام النجاح في دراسته الطبية. أقول هذا وأنا ليس لي أي حق  أن أقدم علامات النجاح لطبيب، وإنما أقول هذا على لسان رئيس لجنة الدكتوراة؛ فعندما انتهى امتحان هذا الشاب الجزائري، الذي كان شاباً قبل أربعين عام، أما اليوم فهو شيخ كبير، قام رئيس لجنة الامتحان، وقال لهذا الشاب الطبيب الجزائري: ((إنني أنتظرك على عتبة هذه الجامعة لتعود إلينا زميلاً)).

وقد تخرج في الدفعة نفسها، وعلى أيدي الأساتذة أنفسهم، وعلى المقاعد نفسها في جامعة الجزائر طبيب من جالية أخرى، من طائفة أخرى هو الطبيب (أبو الخير) اليهودي، وكان أيضاً طالباً نجيباً ولكن دون درجة الآخر.

فإذا وضعنا الأمور بمقاييس الدرجات العلمية نرى أن الأول يسبق الثاني في الامتياز، ولكن من أجل ألا نتورط في مقاييس غير صحيحة في هذا المجال، فإن علينا أن نلاحظ بموضوعية سعي كل منهما في سبل الحياة، كل منهما في طريقه.

فالطبيب الجزائري المجلي في إطار العلم قد أصبح هو أيضاً شخصية مرموقة في المجال السياسي، والطبيب اليهودي، المحلي هو أيضاً لكن في درجة أقل من الطبيب الجزائري، قد أصبح هو أيضاً شخصية سياسية مرموقة في المجال اليهودي أي (بين صفوف الطائفة اليهودية).

ولقد أتيح لي أن أتتبع سلوك كل من الرجلين فرأيت المتناقضات.. فالمواقف السياسية التي وقفها أخونا العربي المسلم كانت كلها مواقف مطالبة، وإعلان الغضب أحياناً على الإدارة طبعاً، لكن إعلان الغضب هذا اقتصر على برقيات تنشرها الصحف. ترفع عبارة الاحتجاج ضد كذا .. إلخ كتلك العبارات التي لا تعني شيئاً.

لكن الطبيب اليهودي كان صامتاً سحابة ذلك الوقت الذي امتد عشرين عاماً أو خمسة عشر عاماً قبل الحرب العالمية الثانية، فيما الطبيب العربي المسلم كان يطالب بخقوق وبنشر العلم لذي كان في حدوده الضيقة طبقاً لسياسة المصالح الاستعمارية. وكان يجتج على سكوت الحكومة، وعدم اكتراثها، وعدم اهتمامها، ثم يشكو بأن أبناء العرب المسلمين عاطلون عن العمل .. إلخ. و

لقد كان له الحق في ذلك كله. وكان على صواب في كل ما يشكو منه، ولكن عند مقارنته بما فعل الطبيب اليهودي في ظروف مماثلة بعد حوادث تموز (يوليو) سنة ١٩٤٠ أو بعد حوادث حزيران (يونيو) - حزيران دائماً له رائحة غير طيبة في تاريخ الإنسانية -فقد انهارت فرنسة في ذلك الوقت. واستولى على الحكم الجنرال (بيتان) وأصبح تحت الضغط أو بإرادته واختياره تضبق قوانين (هابرغ) تجاه الأقلية اليهودية القاطنة في فرنسة وفي الجزائر.

كانت هذه القوانين تقضي بتحديد نسبة المتعلمين من أبناء اليهود المقبولين للدراسة، أي: نسبة معينة في المرحلة الابتدائية، وفي المرحلة الثانوية نسبة أقل، وفي المرحلة الجامعية تصبح النسبة مفقودة تقريباً.. لقد طبقت هذه القوانين بصرامة وخصوصاً في الجزائر، لأن فيها تياراً ضد اليهود بسببنا أو بسبب الأوروبيين، إذ إنه حتى الأوروبيين كانوا ضد اليهود في الحقيقة.

لم يرتفع صوت يهودي لمطالبة حكومة (بيتان) أبداً، ولكن نظمت حلقات في بيت كل يهودي، وأصبح كل يهودي يحمل أي درجة من التعليم أستاذاً في بيته حتى المستويات العليا (الجامعة).. وفي خلال سنتين لم تضع عيني طفل أو شاب يهودي ساعة واحدة من الدروس، وزيادة على ذلك فقد تقدم رئيسهم الدكتور (أبو الخير) ليتحادث مع قيادة الحلفاء باسم الجزائر يوم نزل الحلفاء في الشمال الإفريقي في ٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٤٢، بينما الزعيم العربي الجزائري (الزعيم الكبير) والذي كانت له نسبة ٩٠٪ تقريباً من أصوات الجزائريين لم يتقدم بشيء.

لأي ناحية نعزو هذه الفعالية في سلوك الدكتور اليهودي وقمة الفعالية أو السببية هذه في سلوك مثقفينا؟.. هنا تبرز لنا الأزمة الثقافية في صورتها الحقيقية، في صورتها التي لا توحي به ظروف أو أيام محنة، فالعرب لم يخسروا الحرب، وإنما خسروا معركة، وهم سوف یستعیدون إن شاء الله بلادنا ومقدساتنا.

إذن الأزمة التي تهمنا ليست الأزمة التي تدوم خمسة أيام، بل هي الأزمة التي تدوم لسنين والتي نخشى أن تدوم لعقود من السنين، وربما تدوم القرن إذا لم نلتفت إليها بكل جد وعناية.

وهنا نعود مرة أخرى لنتساءل: ما الثقافة التي تحدد لنا سلوك هذا الفرد، سواء كان عالماً أم غير عالم؟ وتحدد لنا - كما سنرى - أسلوب الحياة في المجتمع حيث يتحقق الانسجام بين سلوك الأفراد وأسلوب الحياة في المجتمع، وتنشأ رقابة بين الطرفين؛ رقابة طبيعية إذا اختلَّ شيء ما في سلوك الأفراد تنشأ ردود الأفعال في أسلوب الحياة لإيقاف الانحراف أو الخطأ في السلوك والعكس بالعكس.

فمثلاً (سقراط) الرجل الحكيم ومؤسس العقلانية، نستطيع أن نقول: إنه مات ضحية هذه الرقابة، لأن المجتمع الأثيني، والثقافة الأثينية أدانته وحكمت عليه بالإعدام حتى شرب بنفسه كأس السم. وهذا يكون عندما تحدث الرقابة من ناحية المجتمع على ناحية الفرد أو من جانب (نحن) على جانب (الأنا)، والثقافة هي التي تنشئ هذه الرقابة بين (الأنا) و(نحن) وتنشئها على أساس المبررات التي لا يقدمها العلم.

وأحياناً نرى أن الفرد هو الذي يثور على المجتمع مثلاً: ثورة سيدنا (عيسى) عليه السلام على المجتمع اليهودي كانت ثورة عنيفة، حين ناداهم في آخر أيام الفصح كما أظن، واتهمهم في كلمته الأخيرة ((يا أبناء الأفاعي)) وهذا الاتهام وردُّ الفعل كانا عنيفين. وهو اشد ما يكون من فرد إلى مجتمع.

فالثقافة هي التي تنشئ الرقابة المزدوجة، أحياناً من جانب (نحن) كرد فعل لانحراف معين، وأحياناً من طرف (أنا) معين ضد مجتمع، وهي توجد وتكوِّن وتنشئ هذه الرقبة من الفرفين حيث لا تسمح بحدوث نشوز.

وفي ضوء هذه الملاحظات نعود لنتأمل عبارة (أزمة ثقافية) - سواء نتجت عن أيام حزيران أم بعدها أم فيها- في حياتنا اليومية، وذلك طبقاً لما اكتسبناه من خبرة في الموضوع هي حصيلة مقارنات في مجال السياسة أو الاقتصاد أو سوى ذلك. وهنا لا بد أن تكون هذه القرارات قد قيست بمقياس الفعالية التي هي دوماً المعيار الذي نتخذه في تحديد مفهوم (الأزمة). 

فليس تطفلاً أننا نبحث عن الفعالية دوماً في مجتمعنا العربي والإسلامي، بل إنتا نعبر عن حجّة أساسية ندفع بها غائلة التخلف الذي يسم عالمنا. فنحن الآن أمام الملأ العني توصف بالعالم المتخلف، أو أننا جزء من العالم المتخلف، وهذا يتصل بلقمة العيش. وهو أمر ليس بالهين لنزهو فيه، أو نلتفت عنه.

فإذا قلَّت فعاليتنا بسبب سلوك بعض أفراد مجتمعنا المثقفين أو غير المثقفين، فنحن إذن أمام حاجة تطبع سلوكنا بالفعالية.. فإذا كان التعليم والعلم لا يكفيان لطبع سلوكنا بالفعالية فإن علينا أن نتجه إذن اتجاهاً آخر. لأننا قد ورطنا مفهومنا للثقافة عندما نظرنا إلى العلم على أنه يطبع سلوكنا بالفعالية، وأنه يمدنا بالمبررات، بينما العلم ليست هذه مهماته ولا وظيفته.

فالعلم شيء حيادي لا يريد الخير ولا الشر، وإنما يسعى للجواب عن (كيف) فقط.. أما الثقافة فهي تريد الخير، وإذا ما انحرفت المواقف الثقافية تصبح تريد الشر.. وإذا نحن في ضوء هذه الملاحظات وسَّعنا المقارنات في المجال الاقتصادي، والمجال الاقتصادي يبين لنا إذا ما تساءلنا: هل أموال العرب المكدسة اليوم في العالم العربي لها فعاليات أموال غير العرب؟ 

فالجواب بالنفي ضعاً: لأنكم تعلمون أن الأموال المكدسة في البنوك الأجنبية للعرب تمثل جزءاً كبيراً من رصيد الدول المستعمرة،. حيث إنه لو سحبت هذه الأموال لوقع خلل في ميزانية المصارف لكبرى. مثلاً (المصرف الوطني) في إنكلترا على وجه الخصوص.

إذن يجب أن نقول: إن السلوك الفعال، وأسلوب الحياة في امجتمع لا يتكون على أساس العلم، وإنما يتكونان على أساس الثقافة، مع الملاحظة بأن هذ التكوين ينشأ مع الطفل منذ اليوم الأول في المهد. وهذا التكوين يختلف عن الوعي الذي يتكون في سن الخامسة أو السادسة من العمر والذي يكتسب العلم عبره.

ولقد سألني أحد أقاربي، وقد ولدت له حفيدة فقال: ولدت لي ابنة ابني فلان فكيف تشير علي بتربيتها؟.. أدركت الموضوع فتعمدت استثارته مداعباً، لكن مداعبتي كانت تنبئ عن الحقيقة، فسألته: منذ كم ولدت؟ قال: منذ شهر - قلت: إذن لقد فات شهر من التربية أو التثقيف.

لقد تذوقها كنكتة كما أراكم تذوقتموها الآن، لكنها في الحقيقة ليست نكتة؛ فالطفل يبتدئ تكوينه النفسي في زمن مبكر أكثر مما نتصور عادة، إذ ملامح تكوينه النفسية تتكون قبل ما تتصوره الأسر التي نحن منها.

فالطفل لديه طريقة للإدراك، ليست كطريقة الكبار طبعاً؛ إذ الطفل لا يفكر، ولا يختار بين شيئين؛ هذا شيء محرق وهذا شيء غير محرق، لكنه يدرك هذا بشيء من لا شعور أو بشيء باطني وعبر امتصاص نفساني، فكما أنه منذ نشأته وخروجه من بطن أمه، يتنفس فيفتح فاه ومنافذه لاستنشاق الهواء الضروري لحياته منذ اللحظة الأولى، حتى أن الولید يضرب أحياناً ليفتح فمه كي ينطلق الهواء من منافسه کذلك، فإن الطفل له كيان نفسي منذ اللحظة الأولى لمجيئه. 

فهو يبدأ لا شعورياً ودون تدخل الإرادة بتمثل الأشياء والعناصر التي نسميها (العناصر الثقافية).. فماذا أسمي هذا وكيف أحدده؟

لو عدت الآن إلى السؤال الذي طرح على السيد (هوربو) سنة ١٩٣٦ ما الثقافة؟ أقول: هي الجو المتكون من ألوان وألحان ونغمات وروائح وسكنات وأضواء، ومن جوانب مظلمة، إنها هذا الجو كله الذي تتفتح فيه النفس، وتشعر بوجودها في إطار عام.

هده هي الثقافة .. ولأنا إذا قمنا بمراجعة بسيطة سريعة وتساءلنا: لماذا اختلف سلوك الطبيب الذي أخذناه مقيس المقارنة، عن سلوك الطبيب الآخر؟

فالجواب: لأن كلاً منهما وجد في جو ثقافي مختلف منذ المهد، أي منذ الأيام الأولى لحياته. ثم نسترسل في المقارنة، ونضع بعض الملاحظات عن كيفية النمو النفسي عند الطفل.

١- يولد المولود على الفطرة من الناحية النفسية، ولكنه يبدأ بامتصاص وتمثل الجو الخارجي، أي العناصر الثقفية التي حوله من ألوان وأصوات وسلوك، ومن أفكار (لا تعني شيئاً بالنسبة للفكر) ونكنها تحمل رسائل إلى لا شعور الطفل. فهذا الطفل سيجد منذ نشأته في المهد اختلاف سلوك ذويه عن ذوي غيره.

مثلاً: الأم وهي أقرب الناس للطفل. الأم الحنون التي يجرها إسراف في حنانها إلى إفراط في العطف يزيد عن درجة معقولة: يصرخ الطفل - وهذه فطرته - للمرة الأولى، وأظن أن هذا يقع في اليوم الثاني إذ في اليوم الأول لا يتغذى الطفل فيما أعتقد (على كل حال هذه الأشياء يعرفها الأطباء والأمهات) فالطفل إذن حين يشعر بالجوع يصرخ فتأتي الأم وتغذيه، فإذا تكرر هذا من دون قيد أو شرط، أي كلما صرخ الطفل أتت أمه لتغذيه، ينتج عن هذا خلال أسبوع واحد فقط أن الطفل يسجل في أعماقه واقعاً، وهو أن هذا العام (العالم هو بيته بالنسبة إليه) حين يصرخ یستجیب له.

أما من ناحية أخرى فإن الطفل حينما يكون الإرضاع منتظماً (مرة كل ثلاث أو أربع ساعات) ولا يقدم له ثدي أمه إلا في الحدود ونوقيت لمقررة وفقاً لتعليمات الطبيب، فإن الطفل إذا صرخ في المرة الأولى والثانية والثالية دون جدوى يعرف حينئذ أن العالم لا يستجيب للصراخ، وأن المشاكل لا تحل بالصراخ. فينشأ عنده منذ الأسبوع الأول سلوك يختلف عن السلوك الأول جوهرياً، إذ الطفل الأول يحل مشكلاته بالصراخ، والثاني يعرف أن الصراخ لا يحل مشاكله.

هل يكفي أن نحدد الثقافة بهذه الطريقة؟ أي بأنها الجو المتكون من ألوان وأخال المهرجانات التي تسمى مهرجان (الصوت والضوء)؟ لكن هذه اللوحة لا تعطيك (كما أشرت سابقاً) تركيباً للثقافة، بل تركيباً تربوياً؛ تركيباً ننشئ منه برنامجاً تربوياً.

ولكن بمراجعة المقارنات التي انطلقنا منها، أعني المقارنة بين سلوك فعال وسلوك غير فعال، بين أسلوب حياة يسوده النظام والانسجام وأسلوب حياة فوضوي (وهنا لا بد من الإشارة إلى أنني حينما أتكلم على الأسلوب، فإنني أتكلم على المجتمع؛ على الجانب الذي نسميه (نحن)، وحينما أتكلم على السلوك فإنني أتكلم على الفرد؛ على الـ (أنا) نرى أن سلوك الفرد وأسلوب الحياة في المجتمع، والتجارب والتفاعل بينهما كما ذكرنا يفرض رقابة من هذا على ذاك، ومن ذاك على هذا.

إذن لا بد أن تفرض الرقابة، وإذا انعدمت هذه الرقابة، اختل الأمر، وإذا اختلت الرقابة، فمعنى هذا أنه نشأت (أزمة ثقافية) أو هي في طريق النشوء. ونحن عندما نطرح سؤال: ما الثقافة؟ فإننا في الحقيقة نواجه ضرورات اجتماعية معينة.

فنحن إذن لا نطرح السؤال بطريقة أن الجواب لا يعنينا إلا من ناحية نظرية. كما هو الأمر بالنسبة إلى الدرس في أميركا مثلاً، أو في فرنسة وغيرها. فهذا الأخير يدرس المشكلة وإذا وفق فقد وفق، وإن لم يوفق فما أضرَّ شيئاً.

نحن نطرح السول لأند نبحث عن سفينة النجاة، ومن ثمَّ، فموقعنا مختلف؛ لأننا نبحث عن جواب في ضوء ضرورات شاهدناها، في ضوء أزمة عشناها، ومحن مررنا بها. إذن فموقفنا ليس كموقف الآخرين.

الحقيقة أن وجه فقمن المبررات في مجتمعنا، وقد بدأت الحديث عنها ربما قبل أوله لكن لا بأس، افلمبررات التي تخضع سلوك الفرد لمصلحة الجماعة، وللصالح العام أي: الإرادة (نحن). فإذا فقدت هذه المبررات فهذا معناه أن الصلات الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع إما ضعيفة أو مفقودة، لأن مجموعة أفراد، وإن كانت تتعايش في مدينة أو بلدة واحدة، لا يعني أنها تكون مجتمعاً. فالمجتمع تكونه وظيفة، وهو يؤدي وظيفة, والأفراد فيه ينسجمون مع وظيفة المجتمع، فإذا ما اختلت وظيفة مجتمع اختلت علاقة الأفراد في المجتمع، وهذا معناه أن المجتمع مفقود، أو أن مجتمع نفسه معطل عن القيام بوظيفة.

إذن مجموعة من بشر لا تكون مجتمعاً، ومن ثمَّ علينا إذن أن نقول: إن الشيء الذي نريده من الثقافة هو- بسط بين الأفراد شبكة علاقات اجتماعية معينة تضمن للفرد عناية ورعاية مجتمع من جانب، ومن جانب آخر تضمن المجتمع من انحراف الفرد ونشوزه .

فالشيء الأول الذي ننتظر من الثقافة أن تقدمه هو:

أولاً: أن تمنحنا الثقافة نسجام لأفراد مع المجتمع. وبذلك يتكون المجتمع إذا لم يكن موجوداً، ويقوى. وتنفك عنه أزمته إذا كان موجوداً. فالتماسك شرط كتماسك البنيان المرصوص، كل مواد البناء فيه على درجة واحدة من التمدد والانقباض في الحر والقر وإلا تعرض البناء للتفكك. والمجتمع كذلك بناءُ أفرادٍ، إذا كان فيه نشوز من جانب هؤلاء الأفراد فهذا معناه أن المجتمع معرض للتفكك.

وهذا الشرط؛ شرط انسجام الأفراد مع المجتمع، لا يمكن أن يقدمه العلم، ولكن تقدمه الأخلاق. وفي بلادنا يقدمه الإسلام، والإسلام وحدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّما بعثْتُ لأتِممَ مكارِمَ الأخلاقِ)) وهذا ليس كلاماً أدبياً. إنه ضرورة من ضرورات الحياة، ضرورات تشملها الرسالة، لأنه ضرورة كبرى، فلقد جاء الإسلام لتأسيس مجتمع، وكان لزاماً أن يضع هذا المجتمع على مكارم الأخلاق.

فالأخلاق وحدها تضمن وحدة المجتمع، وصيرورة المجتمع، ووظيفة المجتمع. أي ما يتكفله المجتمع لكل فرد يعيش فيه من ضمانات، وأمن، ورعاية، وتعليم، ورعاية صحية .. إلخ. ولا يمكن لمجتمع أن يقوم بهذا كله أبداً على أساس العلم فقط.

ولسنا هنا في معرض تقديم إحصائيات تدلنا على فشل العلم في وظيفته الاجتماعية. فالعلم فشل في وظيفته الاجتماعية، لكنه نجح في الناحية الأخرى نجاحاً نتقبله بكل إعجاب، ولكن يجب علينا أن ندرك نقصانه في الجوانب الاجتماعية الإنسانية البحتة.

فالدين هو وحده الذي يستطيع أن يؤسس مجتمعاً، والعلم لا يستطيع تأسيس مجتمع. وإذا قيل لنا: إن بعض المجتمعات تأسست على غير الدين، فهذا يعني أن المعترض يحمّل كلمة (دين) ما لم نحملها نحن، إذ إننا نضع لها معنى آخر. فبالنسبة إلينا نحن المسلمين نضع فيها معنى الهداية هداية الله لخلقه، ولكن بالمعنى الاجتماعي فكل عقيدة تقدم للفرد المبررات الأساسية التي تحدد سلوكه وتطبع وظيفة المجتمع نحوه، فهي عقيدة وهو دين. 

ولا يستغرب في أن الشيوعية أيضاً تدخل في نطاق الأديان الأخرى، فهي دين من الأدیان، وإنما نجیب علی هذا {لكم دينكم} [الكافرون: ٦/١٠٩]، وصدورنا مرتاحة ومنشرحة، ولا نستطيع أن نسير مع رفاقنا الشيوعيين في أمن وأمان لا يضرنا ما قدسوا من المادة لأننا نعتقد ونتمسك بما قالته الآية الكريمة: ﴿لَا يَضُركُم مَن ضَلَّ إِذَا اُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥/٥].

أما من الناحية الاجتماعية نعلم ونقر ونقول، حتى للشيوعيين، بل وقلنا هذا في كتب: إن الشيوعية دين من الأديان، دين لكنه أثبت قاعدة مادية، ولست أنا الذي أقول هذا وحدي، بل هنالك من قال ذلك أيضاً، مثلاً (سارح بيردان) صاحب كتاب (المصادر المسيحية للشيوعية)، وكتاب لفيلسوف ألماني (الروح الشرقية والغرب) أو (الغرب أمام الروح الشرقية) يكرر هذا، وكتاب (فولنير شوباز) أيضاً يقول هذا، ويشير إليه.

فالمهم إذن أن الشرط الأول الذي نطلبه من الثقافة ونفترضه؛ عليها أن تحقق الأساس الأخلاقي في المجتمع، لأن المجتمع لا يقوم على غير الأخلاق، لأن المعاملات الاجتماعية كلها، حتى معاملات الجوار العادي، لا تبنى إلا على الأخلاق.

ثانياً: أن تمنحنا الثقافة قيماً جمالية، إذ المجتمع الذي تأسس وتكونت وحدته على أساس أخلاقي. عى ما نسميه المبدأ الأخلاقي، يتطلب صورة ومظهراً. يتطلب تنظيمه الشكلي من حيث (؟) ومعاشه، وترتيب أشياء بيته. الأشياء التي تتصل بالقيم الجمالية، لذا لا بد لثقفة أن تمدنا بالذوق الجمالي، وتنمي فينا هذا الذوق. 

ويجب علينا ألا نعتقد أن لإسلام قد أهمل أو زهد في هذا الجانب، لأننا نرى أن القرآن الكريم عندما يذكر الجمال وللبغال يقول: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُريحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحر: ٦٠٦].

فكلمة الجمال ليست نفعية. أو الركوب المصلحي، فعندما نركب البغال والحمير نقضي مصالحنا، ولكن القرّآن يبرز قيمة أخرى غير المصلحة، القيمة الجمالية يظهرها للحياة.

إذن فنحن نطلب من الثقافة أن تكفل لنا هذا الجانب (الذوق الجمالي) لترتيب شؤون مجتمعنا، لأن النشوز إذا كان يحدث في المستوى الأخلاقي فهو يحدث أيضاً في المستوى الجمالي.

والشريعة الإسلامية قد تحدثت عن تشريع لهذا، فالطلاق والزواج مثلاً في كل منهما آداب، فهنالك حالات يكون عليها الرجل أو تكون عليها المرأة (حالات جمالية وليست أخلاقية) ينشأ فيها طلب الطلاق، سواء بطلب من الزوج أو من الأنثى، وهذه أمور معروفة في الشريعة.

إذن القيم الجمالية، قيم: غيرية في جدول ثقافي. وفي سلم القيم الثقافية.

ثالثاً: الفعالية. فالمجتمع الذي تحققت وحدته وتحقق شكله، له حاجات ضرورية ويومية تتحقق بنشأة ما سميته قبل هذا (الفعالية).

والفعالية إذا عبرنا عنها بتعبير أو مصطلح آخر نقول: (النطق العملي) وهذا مصطلح أعرف به منذ ربع قرن، المنطق العملي، هو ما يسمى في مجال الصناعة (تايلوريه).. فالمنطق العملي هو تركيب الحركات حسب نتيجتها، والوقت الذي تتخذه وتستغرقه هذه التايلوريه نسميها نحن المنطق العملي.

والشعوب لها مقاييسها، لكنها لا تفقد المنطق العملي؛ لأنها تعلم أنه إذا اختل المنطق العملي فهذا يؤدي إلى العبث، ويعرض المجتمع إلى تضييع مصالحه.

والشعوب على طريقتها تنقح الموضوع، وتأتي بملاحظاتها عبر المثل، كذلك المثل الشهير في الذي سئل عن أذنه فلفَّ يده اليسرى حول رأسه ليشير إلى أذنه اليمنى.

وهذا يعني أنه أضاع جهده، وأضاع وقته، وأتعب نفسه، عوضاً عن أن يقول: ((هاهي أذني)) قال: ((تلك هي)). معنى هذا طبعاً إضاعة الوقت.

رابعاً: التقنية أو الصناعة أو العلم، وهذا هو الشرط الأخير في بناء الثقافة. منذ أن قامت الإنسانية بما يسمى (بتقسيم العمل) أي منذ عشرة آلاف من السنوات أو أكثر أصبحت هناك تقنية موجودة، فهذا بنّاء، وذلك طبيب، أو أستاذ، والآخر خياط .. إلخ.

وتتكاتف هذه المجهودات في أداء وظيفة واحدة هي أن يقوم المجتمع الذي يتكون على الأساس الأخلاقي ويتمتع بذوق جمالي، ويسلك المسالك التي يهيمن عليها المنطق العملي؛ أي مسالكه لسد حاجاته اليومية بما يتعلمه في الجامعات.

إذن فنحن حين انطلقنا منذ ربع قرن تقريباً في العهد الذي نسميه (الحضارة العربية) أو الحضارة الإسلامية، وتشبئنا بالعلم، كأنه الشيء والألق الذي يحقق لنا كل ما نريده في حياتنا، فنحن كأننا استمسكنا بالربع من دورة تتضمن أربعة أجزاء.

إذن فيما أعتقد إن كانت قدّ نشأت (أزمة ثقافية) أو كانت الأمة العربية قد واجهت في ظرف ما أزمة سميت (أزمة ثقافية) فإذا كان هذا صحيحاً فالأزمة الثقافية قد تولدت لأننا تناولنا العلم على أنه تقافه.

__________________________________________

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

والصَّلاة والسَّلام على خير المرسلين؛

أيها السادة الكرام، الأبناء والطلبة الأعزاء؛ إنني لا أستطيع أن أقدر هذه اللحظة حق قدرها في سجل حياتي، مع أن اللحظات واللقاءات تتكرر. إنني أشعر بمزيد من السرور والفرح إذ أتحدث مع هذه الطائفة من الشباب المسلم في هذه الأصقاع من البلاد الشقيقة، سورية العزيزة، وفي معقل من معاقل الإسلام. المعقل العريق دمشق. ويجب علي أن أتوجه بالشكر لإخواننا الحقوقيين الذين أفسحوا لنا المجال، وقدموا لنا هذا المكان، لنعرض ما استطعنا دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرین.

في رأینا لو حاولنا تحديد دور المسلم عامة ما كان لنا أن نختار سوى ما اختاره الله له دوراً في التاريخ. يقول عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَةُ وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءً عَلى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا﴾ [البقرة: ١٤٣/٢]. هكذا يحدد الله دور المسلم بعامة.

وليس لنا أن نختار له دوراً أشرف وأفضل منه، وإنما نلفت النظر إلى خطورة هذا الدور وإلى مقتضياته التي هي من اختصاص الفقهاء ومن اختصاص الحقوقيين، لأنهم يعرفون شروط تزكية الشهادة والشاهد من الناحية العقلية، ومن الناحية الأخلاقية معاً.

لكن لماذا أفردنا وتعمدنا إفراد فترة معينة من هذا القرن؟

أولاً: لطبيعة القرن العشرين التي يتميز بها عن القرون الأخرى كلها، لأنه القرن الذي تحققت فيه تغيرات جذرية بدت كأنها ترسم للإنسانية نقطة عدم الرجوع على محور الزمن، فهو القرن الذي هبت فيه أكبر عواصف التاريخ على مصير الإنسانية.

ثانياً: لأنه القرن الذي سجل الأحداث الكبرى، سواء في مجال العلم، أو - كما سنرى - في المجال النفسي، أو في المجال الأخلاقي والديني. ففي كل هذه المجالات هبت عواصف كبرى يبدو أنها غيرت معالم الطريق. وعلى أية حال فهي قد غيرت ملامح الزمن والمجتمعات الإنسانية.

هذه التغيرات تحققت من خلال أحداث كبرى، وأخصُّ منها الحربين العالميتين اللتين هزتا العالم مرتين في غضون أربعين سنة، وشملتا للمرة الأولى في التاريخ سائر أنحائه. ولوقع هذه الأحداث نتائج لا مناص منها، بعضها دخل سجل التاريخ وتسجل في حافظة الإنسانية وفي كتبها، وبعضها دخل عالم النفوس، سواء استطعنا قراءته أو لم نستطع، وبعضها مازال توقعات في ضمير الغيب نرى من خلالها أحداثاً کبری مطلة علی زماننا.

فهذه الأسباب تجعلنا نرى في هذا الثلث الأخير من القرن العشرين كأنه النهر قرب شاطئ البحر، وقد بلغ المصب بعد أن تجمعت فيه جميع روافده من المياه التي انحدرت من أعالي الجبال في أقصى داخل البلاد. فالثلث الأخير يبدو هكذا؛ تلك الفترة من التاريخ التي تتجمع فيها كل روافد التاريخ؛ بكل نتائجها النفسية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وكل التغيرات المترتبة على هذه النتائج. 

وعليه فإن هذه المسوغات تكفي لتبرير اختيارنا له بوصفه حقبةً زمنيةً استثنائية في التاريخ، حيث يكون دور المسلم فيها شيئاً استثنائياً أيضاً، يجب إدراجه بطريقة خاصة في الدور العام الذي حدده له القرآن الكريم شاهداً، وذلك أمر يجب أن يدخل في اعتبارنا ويجب أن نقدره بقدر ما يمكننا من الواقعية حتى نقدم لشبابنا الصورة الموضوعية التي يرى من خلاها دوره هو ودور إخوانه الآخرين فيه، لأن رسالة الجيل الناشئ ستتحقق على أية حال إما سلبية أو إيجابية فيه. فهو ثلث تحقق رسالته.

ولكي نتبين طبيعة هذا الدور الذي يجب على الشاب المسلم أن يتصدى - منذ الآن - للضلوع به في هذه الحقبة المواجهة له، المنفتحة أمامه، يجب أن نراجع بعض السمات التي يتميز بها هذا الثلث الأخير في العالم المتحضر، لأن مركز الفكر العالمي اليوم يوجد على محور سبق أن سميناه - في كتاب سبق نشره - محور (واشنطن -موسكو)، محور القوة، محور العلم، محور الحضارة.

يجب إذن أن نلتفت إلى هذا المحور، مركز الثقل الذي تطبع عليه الأحداث كل أبعادها العالمية، ونتساءل ما الذي طرأ على هذا المحور؟ ماذا حدث فيه خلال القرن العشرين؟ ما التسجيلات الخاصة - وهذا ما يهمنا - في العالم الثقافي وفي العالم النفسي عليه؟

إن الأجيال في هذا المجتمع المتحضر عاشت على رصيد ثقافي ورثته من الأجيال السابقة، أعني أنها عاشت على رصيد المبررات التي دفعت عجلة التاريخ في القرون الماضية، وخصوصاً في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، والذي يبدو - خاصة إذا رجعنا إلى فترة ما بعد الحربين العالميتين - أن هذا الرصيد من المبررات الضرورية لتحمل أعباء الحياة بدأ ينفدُ، وبدأت الشعوب التي تعيش على محور (والشنطن -موسكو) الشعوب المتحضرة، بدأت تشعر جميعها بنفاد رصيدها الثقافي رصيد مبررات حياتها التقليدية الموروثة عن أجدادها، وبدأت فعلاً تجري عمليات تعويض في شتى الميادين، حتى في ميدان الأدب، حيث نرى لوناً جديد يظهر تحت اسم (الوجودية).

وإذا كان من حق أصحاب هذا اللون من الأدب أن يحيوا القضية من الناحية الأدبية، كما يفعل كيركجارد وهايدجر وسارتر في كل من الدانمارك أو ألمانية أو فرنسة فإن من حقنا نحن أن نحلله من ناحية أخرى. فنرى فيه ردّ فعل أدبي على شعور غامض لفقدان المبررات في المجال النفسي.

والسؤال الآن: كيف فقدت هذه المبررات التي تحركت ودارت عليها عجلة التاريخ طيلة القرون الماضية في أوروبة؟.. لنتصور کیف کان ینشأ الطفل في زمان (کیبلنج) مثلاً أو في زمان (أرنست رنان) مثلاً. كيف كان ينشأ في بيته؟ ثم كيف يتعلم في مدرسته؟ ثم كيف كان يتوجه في عمله بعد التخرج من الجامعة، أو عندما يبلغ أشده، ويتوجه إلى الحياة العملية جندياً في تلك الجيوش التي تفتح البلدان التي تسمى المستعمرات.

كان الطفل في ذلك الوقت ينشأ وحوله جو من الأفكار منبتها الاستعمار، أي: المناخ الاستعماري الذي تكون في أوروبة وفي أمريكا على حد سواء وفي الاتحاد السوفييتي قبل الثورة أيضاً. 

هذا المناخ الاستعماري هو الذي كان ينشأ فيه الطفل منذ ولادته، حيث لا يبدو غريباً في هذا المناخ الذي كان يسود العالم المتحضر أن يقوم من فرنسة كاتب قصصي كبير في أواخر القرن الماضي هو (جول فرن) ليكتب عن ملحمة لا تمت بصلة إلى بطولة الفرنسيين أو بطولة الجيش الفرنسي هي ملحمة عنوانها (ميشال ستروجوف) بل تتصل بفتح روسية للبلاد الإسلامية في بخارى.

وكانت قصة غريبة فعلاً، تدلُّ بالتأكيد على سيادة المناخ الاستعماري شرق البلاد وغربها، ذلك المناخ الذي سيتم فيه إبرام الميثاق الاستعماري في مؤتمر برلین ١٨٨١، حیث کان الضمير الأوروبي، الضمير المتحضر يعيش هذه الملحمة المتفقة مع روح ذلك الميثاق، حيث لا نستغرب استعمال تسمية الاكتشافات الاستعمارية والفتوحات الاستعمارية. لكن الشيء الذي يهمنا من جانب التحليل اليوم - كي نعود إلى موضوعنا - هو كيف فقدت المبررات؟

كان الطفل يشبع جانب تعطشه للأشياء الغريبة والقصص النادرة وقصص البطولات في جو الاستعمار، وفي ملحمة الفكرة الاستعمارية نفسها، حيث لا نستغرب أن نرى رجلاً مثل (ستانلي) في أواخر القرن الماضي، نشأ في هذا الجو، وتكونت عنده فكرة الاكتشافات وفكرة الفتوحات، نراه يغادر وطنه وينزل إلى إفريقية الوسطى فيحتل قطاعاً كبيراً منها. لقد كان يرى ما يراه على الخريطة قطعة بيضاء فراودته الفكرة أن يلونها بلون ما، وكان اللون الأحمر على الخرائط المستعملة في أواخر القرن الماضي [التاسع عشر] مخصصاً لتلوين المستعمرات الفرنسية، واللون الأخضر لتلوين المستعمرات الإنجليزية، واللون البني لتلوين المستعمرات البرتغالية، واللون الأصفر لتلوين المستعمرات الهولندية .. إلخ. 

فأراد ستانلي أن يلون قطعة ما من إفريقية بلون يحول هذه القطعة أن تكون هدية لأوروبة بوصفها مستعمرة، وقد أهداها فعلاً لما تم وضع اليد عليها - على الكونغو - إلى تاج بلجيكا، وكأنها ملك أجداده أو قطعة من تركتهم يقدمها إلى ملك أو ملكة بروكسل.

أما إذا كان هذا الأوروبي جندياً فإن نشأته في هذا الجو تصور له أن المجال لأداء واجباته الوطنية وواجباته العسكرية هو قطاع من قطاعات إفريقية وآسية.

هكذا كانت الأمور تسير، وهكذا كانت تتفتح نفوس الأطفال في أوروبة. يضاف إلى ذلك تدخل بعض الأشياء ذات الجانب الخفي، الجانب الذي يتصل بما نسميه الصراع الفكري، الأشياء التي تصور لهذا الطفل الناشئ، حتى قبل دخوله إلى المدرسة الابتدائية أو قبل خروجه منها - في مجلات متخصصة للأطفال - تصور له آيات البطولة في إفريقية على حساب أولئك البرابرة من السود، أو من الصفر. بحيث يعتقد عندما ينزل بلاداً مثل شنكهاي في أواخر القرن الماضي، أنه هو ربُّ الصين.

فيضع لافتة على باب الحديقة - رأيناها نحن عندما زرنا الصين، لأن الحكومة الصينية بركتها كما هي بعد خروج الاستعمار منها - كتب عليها (لا يدخل هذه الحديقة لا الكلاب ولا الصينيون)، بعض الكلاب طبعاً. لقد كان تركيب الكلمتين الكلاب أولاً والصينيون ثانياً.

هذا هو المناخ الذي كانت تتكون فيه نفوس الأطفال ونفوس الشبان ونفوس الرجال، وهذا هو المناخ الذي كانت تنطلق فيه الطاقات - طاقات لا نحتقرها فعلاً - كتلك الطاقة الجبارة التي نتصورها في شخص مثل الأب (دوفوكو) الذي تطوع أن يذهب في سنة ١٩٠٨ مشياً على الأقدام من مدينة في جنوب الجزائر لفتح القطاع الصحراوي حتى حدود ما يسمى بالسودان الغربي.

 فهذه الأشياء كانت تغمر الحياة الأوروبية بفيض من المبررات. وربما كانت هناك منابع أخرى لهذه المبررات فقدت، أو جفَّ نبعها بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، بسبب تطورات تتصل بما حدث مثلاً بشأن الروابط الخفية أو الظاهرة بين مجالي العلم والنفس.

فبقدر ما كانت تتحقق اكتشافات علمية كبرى في أوروبة بقدر ما كانت تترك صداها على المجال النفسي، وأثرها الكبير في التطور الروحي، حيث بدأت تفتر بعض المبررات الروحية لأسباب لا نطيل عندها الوقوف حتى لا نتعدى بعض الحدود من اللياقة.

هكذا فقدت المبررات الروحية، وفقدت حتى المبررات التي نسميها المبررات الاجتماعية، المبررات الموضوعية .. وإذا أردنا أن نعرف المبررات الموضوعية نذكر على سبيل المثال ما كان لهم من ثقة بكلمتي العلم والحضارة، فقد كانت هذه الثقة هي منطلق الأفكار الأوروبية في القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، خصوصاً قبل الحرب العالمية الأولى.

والصلة بين هذين الجانبين واضحة. فحينما تفقد حياة ما أو مجتمع ما مبرراته لا بد أن يقوم بعمليات تعويض: يستبدل مبررات قديمة أو تقادمت أو فقدت تأثيرها في الحياة الاجتماعية بوصفها دوافع قوية للحياة الفكرية والعلمية والعسكرية والاقتصادية، یعوضها بمبررات جدیدة.

فإذا لم تأت عملية التعويض كما ينتظر منها بالمبررات الجديدة فماذا يحدث عندئذ؟

تحدث الأزمة الخطيرة التي يعيشها العالم المتحضر اليوم.. فالعالم المتحضر اليوم يبدو أنه قد فشل في عملية التعويض، سواء من الجانب الأدبي كمحاولة الوجودية مثلاً، أو من الجانب السياسي كمحاولة الرجوع لأصله الأوروبي بحثاً عن منطئقات جديدة لأفكاره ولنشاطاته الاقتصادية، فكأنما تقطعت أنفاسه، ولم تعد في متداوله تلك الأشياء المتينة التي كان يرتكز عليها في القرن الماضي وبداية هذا القرن.

وعندها فإن من الطبيعي أن من لا يجد سنداً في مسيرته التاريخية أن يقع في حيرة وتيه وقلق. وهذا ما يفسر لنا ما نراه اليوم من حيرة قائمة فعلا في العقول والنفوس والأرواح. فإذا ما اجتمعت هذه الأشياء فعلاً في نفس البشرية فعندها يمكن أن نتصور ما تولده من دوافع سلبية. فإذا ما فقد مجتمع ما مبرراته ولم يستطع تعويضها بالطرق المشروعة في محاولات مبذولة، عندها يعتريه القلق ويعتريه التيه وتعتريه الحيرة .. فماذا يترتب على هذا من تصرفات؟

يترتب عليها التصرفات التي نراها في أوروبة وأمريكا اليوم.

يترتب على هذا مثلاً: أن نجد البلد الذي حقق الضمانات الاجتماعية إلى أقصى حد مثل السويد يتميز بشيء خطير، وهو أنه يتصدر رأس القائمة في (إحصائية الانتحار العالمية). فظاهرة الانتحار في العالم يشغل فيها المكان الأول البلد الأكثر تقدماً نسبياً من حيث الضمانات الاجتماعية.

وهذا يعني بالتأكيد أن البطون إذا امتلأت لا تغني النفوس ولا تشبعها.. إذا شبعت البطون قد تبقى الأرواح متعطشة، تبقى الأرواح متضعة. وحين لا تجد وجهة تتطلع إليها تفضل هذه الاستقالة من الحياة. هذا إذن ما يحدث. وقد يحدث في بلاد أخرى أكثر من هذا في صورة ما، ويبدو أن هدك صور خرى للاستقالة. من الحياة هي في الحقيقة أشنع من الناحية الأخلاقية. 

ولا أقول من الناحية الدينية. فهي أشنع لأن كل صور خيبة الأمل تتجى فيه. مع شيء من العجز حتى عن القيام بهذه المحاولة لإعدام النفس؛ وذلك أن هذه المحاولة تتطلب شيئاً من الشجاعة. ولأن الإنسان فقد مروءته إلى درجة الفشل حتى في التخلص من الحياة بالطرق غير المشروعة، فإنه يفر منها عن طريق الموبقات، عن طريق التدهور الأخلاقي، عن طريق الإدمان على المخدرات، بحيث يصبح المجتمع مهدداً بالخراب لأن قاعدته الاجتماعية تنهار أي شبابه ینهار.

إن بعض الإحصائيات الأخيرة التي وقعت بين يدي عن إدمان المخدرات في محافظة باريس، والتي نشرتها مصلحة الأمن في هذه المحافظة في تقرير رسمي صادر عن مجلة تصدرها تلك المصلحة، تفيد أن نسبة المدمنين بين الشباب للمخدرات تضاعف نسبة عشرين في المئة في السنتين الأخيرتين، فبإمكانكم إذن أن تتصوروا ماذا سيكون معدل ارتفاع النسبة خلال السنوات العشر المقبلة. 

ويمكن إن جرت المسائل كما تجري الآن أن يعم الإدمان الشباب كله في باريس. وأظن أن الأمور تجري على الوتيرة نفسها في أنحاء فرنسة جميعها.

يبدو أن الشباب الفرنسي سوف ينهار، وسوف يحاول الانفلات من حياة فقدت مبرراتها، عن طريق المخدرات. وهذا يدل مؤكداً على أن المجتمع يفقد الآن قاعدته الاجتماعية المتينة وهي شبابه، يضيعه إما في المتاهات، أو في الخمارات، أو في المخدرات، أو في المقابر - عندما ينتحر.

وهذا يدعونا بالطبع إلى أن نحلّل هذه الأشياء، ماذا تعني هذه الأشياء؟ ماذا تعني هذه اللوحة القاتمة التي قدمناها بخطوط سريعة، بعبارة فجة ملتقطة يميناً وشمالاً؟

إذا مضينا قليلاً في تحليل الأزمة، خصوصاً في أمريكا، يبدو لنا أن المجتمع الأمريكي يعاني ظاهرة تضخم من ناحية وتناقص من ناحية أخرى، تضخم الإمكان الحضاري وتضاؤل الإرادة الحضارية، أي؛ تناقض بين الإرادة الحضارية والإمكان الحضاري.

إذا أردنا توضيحاً أكثر، نقول: إن الهوة أصبحت تتسع بين الواقع الطبيعي الإنساني الذي ورثه وورث مبرراته التقليدية وواقعه الثقافي اليوم.

فالهوة بدأت تتسع والإنسان أصبح يتمزق - خصوصاً الشباب - بين فكرة لا يستطيع التخلص منها تماماً, لأه مسجلة في طينته البشرية، تلك الطينة التي كرمها انله، وبين وقع ثقافي لا يقدهله مبررات ولا يعطيه بديلاً عن مبرراته التقليدية المفقودة.

هذه هي الصورة التي نستطيع تقديمها في خطوط عريضة عن الحياة في المجتمع المتحضر، وعلى محور (واشنطن - موسكو). وإذا ما تساءلنا الآن هل ظاهرة التدهور، والانحلال .. هذه فاقدة المعنی بالنسبة إلى المورخ الذي یرید أن يفید حتی من التجارب الشاذة المؤلمة؟

نستطيع أن نقدم افتراضاً، احتمالياً، فنقول: لعل الله يريد شيئاً من وراء هذا كله. كأنما هذا استدراج، تسوق الأقدار فيه هذا المجتمع المتحضر إلى طريق حيث تنتهي فيه أخطاؤه ليفسح مجالاً لتجربة أخرى بعد فشل التجارب السابقة، ونحن نرى فعلاً أن التجارب الأساسية في التاريخ لن تبدأ حتى تفشل قبلها كل التجارب السابقة التي فقدت أسسها التاريخية.

يجب أن ينتهي التاريخ في نقطة ما كي يتجدد التاريخ من نقطة جديدة.

يجب أن يكون هذا مفهوماً، وخاصة لدى الشباب. يجب أن يفشل التاريخ، يجب أن يفلس التاريخ.وأحياناً يجب أن نعلن الإفلاس كي نشعر الناس- وخصوصاً الشباب- بأن هذا الإفلاس هو طريق البداية. فلعل هذا الذي نراه على ذلك المحور استدراج لشيء، ربما تعبر عنه الآية الكريمة: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاِلْهُدَى وَدِينِ الحقِّ ليُظْهِرَةُ عَلَى الذِينِ كُلِّه﴾ [الصف: ٩/٦١]. 

ربما هذا هو القطب الذي يتجه إليه مجرى التاريخ في هذا الثلث الأخير من القرن العشرين. وعلينا أن نتأكد بقدر إمكاننا من هذا وليس لنا أن نقرر ونبت في شيء قبل انقضائه، فلكم أنتم أيها الشباب بعد ثلاثين سنة أن تروا الحقيقة سافرة كما هي. أما نحن في جيلنا هذا فلا نرى إلا توقعات، ونحاول أن نرى من خلال هذه التوقعات جانباً من مصير الإنسانية.

يجب علينا أن نقوم بعمليتين: أن نرسم خريطة- الخريطة (الأيديولوجية) كما يقولون اليوم، أو خريطة الأديان كما نقول نحن- في العصر الذي تنزلت فيه هذه الآية، وهذه الآية فيما أظن آية مكية؛ أعني في البداية، أعني في نقطة الصفر.

لو كان لنا أن نرسم الخريطة فعلاً في وقت تنزلها - تنزيل الآية - لوضعنا على الخريطة نقطة من لون معين يعبر عن رقعة الإسلام في العالم وهي مكة، فنلونها بلون ما، هذا اللون الإسلامي لا يعدو أن يكون نقطة في الكون ..

بينما تتنزل هذه الآية كأنها تحد لهذا الواقع، كأنها تحد لا يتصوره العقل، حيث لو كنا نحن معشر العباد في القرن العشرين، بعقلانيتنا وعلميتنا نعيش في وقت التنزيل لقلنا هذه خرافة. ما هذه الخرافة؟ إن هذه الآية تتحدى .. ؟ !! تتحدى الإمبراطوريتين والحضارتين القديمتين الكبيرتين؛ إمبراطورية فارس وحضارتها من ناحية، وإمبراطورية بيزنطة وحضارتها والبحر الأبيض على العموم من ناحية أخرى، فهذا التحدي هو من أقسى معجزات القرآن في الحقيقة، وذلك عندما نتصوره في وقت التنزيل، لأننا إذا رسمنا الخريطة الأيديولوجية آنذاك فماذا نجد عليها؟

إننا نجد عليها لون المجوسية أو لون الديانة الفارسية، ولون البوذية، ولون البرهمية أو لون الهندوكية كما يقولون، ولون المسيحية، ولون اليهودية .. ونقطة مغمورة في الكون هي مكة نقطة الإسلام.

فلو أردنا ونحن في ذؤابة القرن العشرين (الثلث الأخير منه) رسم خريطة جديدة للأديان اليوم، في عام ١٩٧٢ فماذا نجد؟

نجد أن البوذية قد شطب عليها قلم السيد ماوتسي تونغ، فمحاها من الوجود. أما المجوسية فقد محاها عمر يوم القادسية . أما البرهمية فقد محتها ظروفها الخاصة ديناً لا ثقافة، فهي كتراث ثقافي ستبقى إلى أجل لا ندري مداه؛ نتجنب التكهنات، أما كدين فقد انتهت وانتهى دورها، لقد فشلت في أبسط مهماتها، خاصة بعد استقلال هند، فقد سجلت اخند في السطور الأولى من دستورها عام ١٩٤٨ أنها سوف تقضي على حالة المنبوذ. 

وكان من سجل هذا إنما سجله تحت إملاء الروح الكبير كما يقولون أي مهاتما غانمي، وقد سجل هذا البند في أحسن ظروف تطبيقه بعد الخلاص من محنة الاستعمر، وبعد فرج الاستقلال وفرحة الاستقلال.

واليوم إذا راجع الهندوكي أو راجعنا نحن القضية بعد عشرين سنة نراها فشلت فشلاً ذريعاً. وهي قضية لا تتصل بمصير عشرة آلاف مثلاً، بل تتصل بمصير ثمانين مليوناً من البشر تقريباً، وهذا ليس بالشيء الهين. لقد فشلت لأنها لم تستطع حل المشكلات الاجتماعية، وهذا يعني كأنما قد قدمت استقالتها من التاريخ.

أما المسيحية فقد حدثت لها أيضاً في الفترة الأخيرة تطورات غريبة عبر عنها ذلك المجمع المسكوني الأخير وقبله مجمع الفاتيكان الثاني. لقد أصبحت تعاني من مشكلات تعبر عن ظروف خطيرة جداً تواجهها المسيحية اليوم. فالمبررات المسيحية بدأت فعلاً تفقد تأثيرها في الحياة المسيحية، فقد بدأ بعض القسيسين - رغم تأديتهم يمين الدخول في سلك الرهبنة: أنهم يعيشون من أجن التله. وأنهم لا يتزوجون، ويلتزمون بجميع شروط الرهبانية- بدؤوا بعد هذا اليمين لقدس - عى شروطهم - يصرحون في الصحافة وفي مؤتمرات صحفية كبرى تدور أحيات مام عدسة المصورة ويعلنون أنهم ألقوا المسوح وتخلصوا من أعبائه وأنهم تزوجوا.

ونرى المعركة تدور في مستوى أعلى من مستوى الكردينالات في الفاتيكان؛ فيقدم كردينال هولندي استقالته، (الكردينال سانس)، من المجمع المسكوني مساندة للقساوسة من الشباب الذين تمردوا على المسوح وشروط لباسه، ثم احتجاجاً على سياسة الفاتيكان الاجتماعية.

ما معنى هذا بالنسبة إلينا نحن الذين نحلل هذه الظروف .. ؟

معناه أن المسيحية بدأت فعلاً تفقد المبررات التي يجب تقديمها للشباب القسيسين وللمرأة على حد سواء.. ولقد حدث الذي كان لا بد من أن يحدث على أثر فقدان المبررات. حدث أن بدأت دور التعليم العالي المسيحي في العالم، خاصة في أمريكا اللاتينية، تغلق أبوابها الواحدة بعد الأخرى، ثم تبعتها الأديرة. ذلك لأن فتيات المجتمع الإيطالي قد انصرفن لمجالات أخرى من النشاط الأخلاقي غير تلك التي تشرف عليها الهيئات الكهنوتية.

وهكذا رأينا من سنتين حادثة ربما بلغكم صداها: أن أحد الأديرة ذا التاريخ العريق الممتد إلى ستة أو سبعة قرون - كانت أبوابه خلالها مفتوحة دائماً -أصبح مهدداً بالإغلاق، لأنه فقد البنات المتطوعات لسلك الرهبنة ولبس المسوح، أبعاد الفضيحة، وذلك حينما اكتشفتها صحيفة إنكليزية. 

لقد ذهب هذا القس لتفادي الوضع في ديره - ونحن نعلم كم كان له من عطف وحنان على حياة هذا الدير - إلى الهند وإلى منطقة فقيرة (منطقة كارالا) فاشترى منها عدداً من البنات بالعملة الصعبة كي يعلمهن ارتداء لباس المسوح والقيام ببعض الطقوس البسيطة، وذلك لمدة شهرين قبل أن يزج بهن في الدير، كل هذا كي يبقى الدير ..

ولكن صحيفة إنكليزية قد أفشت هذا السر للأسف، ثم تناولته الصحافة العالمية، فأصبح فضيحة، وأصبح الفاتيكان يحاول التغطية بقدر الإمكان؛ لأنها فعلاً فضیحة.

فإذا رجعنا إذن إلى الخريطة المرسومة أمامنا نجد أن اللون المسيحي أيضاً يعاني ما يعاني، فهو كأنما بهت أو شحب.. ونرى عى الخريطة شيئاً غريباً: إن اللون الإسلامي ولوناً آخر جديداً - هو لون ديانة جديدة - يكتسحان العالم. فاللون الإسلامي اليوم يغطي مساحة من الدنيا تعادل نصفه تقريباً (مساحة الإفريقية والآسيوية تقدر بنصف الدنيا تقريباً)، وعدته البشرية تبنغ (٨٠٠ مليون) (حصَّلنا هذا الرقم من إحصائية أخيرة تحت إشراف الأمم المتحدة). 

ولكي نعطي هذا العدد الاعتبار الصحيح يجب أن تكون لدينا فكرة عن نموه في عدد من السنين. إنني حينما قرأت لأول مرة ما يسمى بالجغرافية البشرية وأنا في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. كان توزيع أتباع الأديان كما يلي: للمسيحية فيما أظن (٦٠٠ مليون) وللبوذية (٥٠٠ مليون) وللبرهمية (٤٠٠ مليون) وللإسلام (٢٥٠ مليون)، وفي أوائل الحرب العامية الأولى كان هذا كل عدد المسلمين في العالم، أي: إن عدة العالم الإسلامي البشرية كانت (٢٥٠ مليون). 

فها نحن في مدى نصف قرن مثلاً نرى أن العدد قد تصاعد إلى ما يقرب الآن من المليار.

إذن نحن نرى طرفين في القضية، وعلى خطين متوازيين: نرى أن سير التاريخ كأنما يستدرج العالم إلى فشل تجاربه وخيبة أمله في تجاربه العلمية والتكنولوجية .. إلخ من ناحية، ومن ناحية أخرى نمو العالم الإسلامي كماً وكيفاً. كمّاً؛ من حيث ازدياد السكان وكيفاً باكتساب تجارب جديدة حتى لو كانت سلبية. 

ونرى في الخط الموازي -كأنما الله يهئ القاعدة التاريخية الاجتماعية لتحقيق الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَنِيّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الذِينِ كُلِه﴾ [الصف: ٩/٦١].. فنحن نرى أن القضية تسير في اتجاه هذا القطب، إذ يبدو أن من يسير على الخط الحضاري كأنه يستدرج بأخطائه وباكتشافاته العلمية لتنهيأ لمن يسير على الخط الموازي ظروف ظهوره على مسرح التاريخ.

سبق أن أشرنا إلى اللون الجديد الذي ظهر على الخريطة سنة ١٩١٧ وهو لون أحمر لون الشيوعية، وهي أيضاً دين وأنا أتحدث هنا على هذا الأساس. فأنا لا أتناول الشيوعية هنا مذهباً سياسياً أو مذهباً اقتصادياً، وإنما أتناولها في حديثي هذا على أنها عقيدة ودين تقدم هي الأخرى مبرراتها، وهي في الطريق إحدى عمليات التعويض في العالم المتحضر للمبررات التي فقدها. 

فإذا فشلت محاولة الوجودية كما فشلت محاولة التعويض السياسي لتنظيم وبناء جديد لحياة أوروبية متحضرة بعد تصفية الاستعمار فيجب أن نضيف إلى هذا أن عمليات التعويض التي نجحت إنما نجحت على حساب المبررات الأساسية التقليدية التاريخية، أي على حساب المسيحية.

فالشيوعية ظهرت نتيجةً لعملية تعويض لمبررات مفقودة.

يتبين إذن أن خطي السير والأحداث التي تجري عليهما كأنما تقود مصير الإنسانية نحو قطب يتحقق فيه معنى الآية التي ذكرناها ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالَْهُدَى وَدِينِ الْحَِّق لُِيظْهِره عَلَى الدِينِ كُلِهِ﴾ [الصف: ٩/٦١].

إن هذا هو ما يجعلنا نعيد النظر في موقف المسلم في هذا الثلث الأخير، إذ الآن يبدأ دور المسلم أمام هذه الظاهرة حتى لكأنما أراد الله عز وجل تعطيل دور المسلم وتأجيله في هذا القرن حتى تنتهي كل تجارب الآخرين بالفشل، ويستطيع إصلاح أخطائهم، أو حتى تصل تجاربه إلى نهاية فشلها فتكون له الخبرة لتدارك أخطائه. 

ولكن كيف يتحدد هذا الدور؟

يتحدد طبعاً طبقاً هذه الظاهرة التي نرى جانبيها، جانبها الذي يتحقق على محور (واشنطن - موسكو) والجانب الآخر الذي يتحقق على محور ما سميناه محور (طنجة -جاكرتا) والذي نسميه الآن محور الإسلام.

فكيف نتصور دور المسلم؟

يجب أن يفكر المسلم كيف يسير في اتجاه التاريخ، كيف يستغل الظروف السانحة التي تتهيأ له على المحورين: المحور ألذي فقد المبررات التقليدية والذي ينتظر مبررات جديدة. والمحور الذي أشار الله عز وجل إليه في الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَه باْلُْهدَى وَدِينِ الحقْ ليُظهِرَهُ عَلَى اٌلذِّينِ كُلِّه﴾ [الصف: ٩/٦١].

كيف نتصور إذن دور المسلم؟

نتصوره طبقاً لضرورات داخلية وضرورات خارجية، ضرورات إنشاء وتشييد في الداخل وضرورات اتصال وإشعاع في الخارج، ولو ألقينا سؤالاً الآن فلا شك أننا سنتفق على جواب؛ فعندما نتساءل كيف يقوم المسلم بدوره في اتجاه تحقيق معنى الآية لكريمة التي وردناها؟ 

نجيب آلياً: إنَّ على المسلم أن يبلغ الإسلام، دون أن تحدد في إجابتنا شروط هذا التبليغ، وهذا هو المنطق السهل الذي يغرر بنا، إن الجواب صحيح شكلياً، ولكننا بكل أسف نقف عند الجواب ولا نرى مقتضياته الواقعية.

سأعطيكم صورة رمزية نطبقها بعد ذلك: هل ترون أرضاً عطشى تنتظر الري من الماء؟ هل نستطيع ريه بماء يجري تحت مستواها؟ إن الإجابة ستكون بالطبع: لا - باستثناء المجنون أو أصحاب الشطحات الصوفية إذ يعتقد أن الماء سوف يطلع إليها فيسقيها - لا، لن يسقي الماء الأرض بالصعود إليها، وإنما بالانحدار، وذلك بحكم السنن الإلهية عن طريق الجاذبية. 

سنة الله تقضي أن ينحدر إلى هذه الأرض إذا کان مستواه يخوله ذلك.

إذن إذا أراد المسلم أن يقوم بدور الري بالنسبة إلى الشعوب المتحضرة والمجتمع المتحضر، وأراد - بعبارة أوضح - أن يقدم المبررات الجديدة التي تنتظرها تلك الأرواح التي تتألم لفراغها وحيرتها وتيهها، إذا أراد المسلم ذلك فليرفع مستواه بحيث يستطيع فعلاً القيام بهذا الدور. إذ بمقدار ما يرتفع إلى مستوى الحضارة بمقدار ما يصبح قادراً على تعميم ذلك الفضل الذي أعطاه الله له (أعني دينه). 

إذ عندها فقط يصبح قادراً أيضاً على بلوغ قيم الحقيقة الإسلامية واكتشاف قيم الفضيلة الإسلامية، ومن ثم ينزل إلى هضاب الحضارة المتعضشة فيرويه بحقيقة إسلامية وبالهدى، وبذلك يضيف إليها بعداً جديداً. لأن الحضارة العالمية. حضارة الصاروخ، حضارة الإلكترون، اكتسبت هذه الأشياء وضيعت بعداً آخر تشعر بفقدانه وهو بعد السماء.

إن أوروبة حققت المعجزات في عالم الاكتشافات وعالم العلوم .. ولكنها فقدت في أعماق نفسها البعد الذي كان يروح عليها ويرفّه عنها، ويسندها في وقت المحن لأنه يربطها بوجود الله.

إذا أراد المسلم أن يسد هذا الفراغ في النفوس المتعطشة، النفوس المنتظرة للمبررات الجديدة .. فيجب أولاً أن يرفع مستواه إلى مستوى الحضارة أو أعلى منها، كي يرفع الحضارة بذلك إلى قداسة الوجود، إلى ربانية الوجود، ولا قداسة لهذا الوجود إلا بوجود الله. 

والمسلم إذا أتى بهذا لا بلسانه ولا بشطحاته الصوفية .. وإنما بوصفه إنساناً معاصراً للناس، شاهداً عليهم بالتقى والورع، بنزاهة الشاهد الصادق، الصادق الخبير، الواعي لقيمة شهادته .. إذا أتى المسلم هكذا في صورة الإنسان المتحضر الذي اكتملت حضارته بالبعد الذي يضيفه الإسلام إلى الحضارة (وهو بعد السماء)، عندئذ ترتفع الحضارة كلها إلى مستوى القداسة. أي إن الوجود الذي فقد القداسة في القرنين الأخيرين خصوصاً في هذا القرن تعود إليه قداسته، لأن القداسة من الله، ومن الله وحده ولا شيء يعطي القداسة لهذا وجود غير الله.

والسلام عليكم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق