قصتي مع السادات
الشيخ أحمد المحلاوي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: جاء الإسلام لإطلاق كافة الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تتعارض مع أصول الدين ونظام الشريعة، كما أنه تصدّى لكافة أنواع الظلم التي تُقيّد فكر الإنسان أو تقهره أو تجبره على اعتناق رأي أو فكرة ليست من صميم الدين أو قواعده. كذلك جاء الإسلام لإسقاط الفوارق العرقية والتمايزات القومية؛ ليُعزز قيمة الإنسان في النفوس عملاً وتطبيقاً.
فالإسلام مع كونه ديناً ونظاماً لمعالجة الحياة بكافة أشكالها، لم يُهمل احتياجات الإنسان العليا من حرية الفكر والرأي والتعبير، بالإضافة إلى احتياجاته إلى الأمن والاستقرار والغذاء. فلم يكن الإنسان أبداً رقماً عابراً، أو ورقةً مستنبتةً على أغصان شجرة جافة، وليس نسخةً متكررة يُطلب منها ملءُ فراغ ما، بل كل نَفْسٍ -في الإسلام -لها قيمتها في هذا الوجود، الأمر الذي عبّرت عنه الأحكام الفقهية بوضوح، وأشارت إليه نصوص الكتاب والسنة، كما أن لهذه النفس أثرها الإجمالي في نهضة الأمم وحضارتها وانتصاراتها، ولها أثرها التفصيلي إن كان أُمَّةً في قومه -مُصلحاً أو مُربياً أو زعيماً-.
ولذلك لا بُد لمن له عناية بأمور المسلمين، من أن يطرق أبواب الحياة والاجتماع، ليتعرف السُّبل التي يُعالج بها سلوك الناس، ويفهم بها أنظمة الحكم، ودهاليز السياسة، وشؤون العامة، ليُشارك هذه الجماهير في نضالها ضد الظلم والقهر والإذلال، فيلتحم مع الناس في سبيل تحقيق آمالهم وطرد آلامهم، لأن إيماننا بأمة حُرّة لا يقل أهميّةً عن إيماننا بكرامة الإنسان وعزّته، وحقّه في حياةٍ آمنة وطيّبة.
وإن أعظم ما نملكه اليوم هو الوعي، والذي نعني به (الوعي بمشكلاتنا)، وأسباب علاجها، وأصل العلة فيها، هذا الوعي الذي يجعلنا نخوض امعارك الإصلاح بأنفسنا، بعيداً عن تصوير الغوغاء والسّفلة، الذين يرتزقون من معاناة الأمم ويتغذون على دمائها ونكباتها، فإذا تمّ الوعي، كان المجال فسيحاً أمام الإصلاح والنهوض والارتقاء.
والتنظيمات الإسلامية مهما كبر صفُّها، وكثر أنصارها، لا يمكن أن تكون بديلاً للجماهير المسلمة، لأن الجماهير هي المرجع الأصيل الذي ينبغي أن يُحدد مسار تلك التنظيمات، التي شطّت في أفكارها، وانعكست على قواعدها، ولم تعد تُمثل إلا المتنفذين فيها. وحكاية بعض تلك التنظيمات أنها تريد ضمّ الجميع لتصل إلى 75 % من الشعب! ما هو إلا وهم تاريخي وخرافة عابرة.
ولم يحدث في تاريخ الدعوات الربانية أن انضمّت هذه النسبة لى تنظيم إسلامي أو غير إسلامي.. هذا إن كان التنظيم قد تبنّى الإسلام في أجندته .. فكيف لو كان التبنّي بالمظهر والصورة، وحدث عن تنظيمات اليوم ولا حرج!
أما قصة هذا الكتاب؛ فهو انتقاد الشيخ المحلاوي لدولة السادات، ورفض الاتفاقيات التي أبرمها مع الاحتلال الصهيوني وأبرزها (كامب ديفيد)، وقد تزعّم المحلاوي المظاهرات الشعبية ضد هذه الاتفاقية، وكان يُوظّف خطبه وندواته في مسجد "القائد إبراهيم" لأجل ذلك. ما جعل الجهات الرسمية تُصدر قراراً بنقله إلى مسجدٍ آخر "عمر بن الخطاب"، ثم قاد مظاهرات أثارت الفوضى والشغب، ما اضطر الجهات الرسمية إلى وقفه عن العمل، لكن المحلاوي استمر في عمله وتحريضه وتقليبه على نظام السادات.
ولم يكن الصدام بين السادات والشيخ المحلاوي صداماً سياسياً عابراً، بل كان مواجهة ممتدة لسنوات على منابر الإسكندرية؛ حيث تميز الشيخ المحلاوي بأسلوبه الشعبي الهجومي، وكان ينتقد السياسات الاقتصادية (المنفتحة)، والسياسات الاجتماعية للدولة بنفس القوة التي ينتقد بها معاهدة السلام.
وقد وصل الخلاف ذروته عندما خصّ السادات الشيخ المحلاوي بحديث هجومي عنيف في خطابه الشهير بالبرلمان في سبتمبر 1981م، مُعلناً اعتقاله بعبارته الغاضبة: "أهو مرمي في السجن زي الكلب"، وهو الوصف الذي أثار حفيظة الشارع وحوّل المحلاوي إلى رمز شعبي للمقاومة السياسية من فوق منبر المسجد. ثم قامت السلطات المصرية باعتقاله عدة أشهر، وخرج بعد اغتيال السادات في وذلك في مطلع العام 1982 م!
يترجم المحلاوي لنفسه في هذا الكتاب بأنه ولد في مصر في إحدى قرى كفر الشيخ، وأنه نشأ يتيماً، وحفظ القرآن مبكراً، وبكونه حمل أعباء أسرته وهو صغير، مع دراسته للغة العربية في جامعة الأزهر، وبأنه شارك في تأسيس جمعيات تعاونية للتضامن بين الفلاحين، ومساعدة الأُسر الفقيرة. وبأنه كان مهتماً بتعليم بنات وأبناء قريته العربية والدين. وكان في خُطبه ودعوته قد تبنى الإصلاح الديني الشامل للجانب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، كما دعا إلى إطلاق الحريات.
أما السادات -رحمه الله -فقد كانت له مواقف مُشرّفة تم طمسها من قبل بعض الإسلاميين، فقد كان ثاني رجلين وضعا خطةً للتخلص من الحكم البريطاني لمصر، وأسس مع عبد الناصر تنظيم الضباط الأحرار، وحاول الاتصال بالألمان أثناء الحرب العالمية الثانية ليدعموه ضد البريطان، لكن زُجّ به في السجن إبان ذلك.
وكان السادات أحد قادة الثورة المصرية ضد الاحتلال البريطاني يوليو/ 1952م، وقد أوكل إليه حمل وثيقة التنازل عن عرش مصر للملك فاروق، وبعدها صعد محمد نجيب، ثم عبد الناصر،ثم بعد عبد الناصر بسنوات تسلم السادات زمام الأمور في مصر، وهو الذي قاد حرب 6/ أكتوبر/ 1973م، وحقق انتصاراً كبيراً على دولة الكيان.
ولما وجد السادات نفسه محاصراً بـ "الشعارات العربية الرنانة" التي ترفض أي حل سياسي دون تقديم بديل عسكري واقعي في الميدان، وتيقن من عجز المنظومة العربية عن خوض حرب استنزاف طويلة أخرى ضد إسرائيل المدعومة أمريكياً بـ "جسر جوي" لا ينقطع، قرر بعد أربع سنوات من النصر العسكري.
لقد كان السادات ينظر إلى المشهد برؤية "السياسي الواقعي" الذي أدرك مبكراً أن أوراق اللعبة الدولية باتت بنسبة 99% في يد الولايات المتحدة الأمريكية، وأن استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" سينتهي بإنهاك الاقتصاد المصري وتدمير ما تبقى من مقدرات الدولة البنائية
ولما اكتشف السادات الخيانات العربية، والدعم الكبير الذي أولته دول الخليج لإسرائيل -سيما ببعد خذلانه من تلك الدول عندما شنَّ حربه على إسرائيل، قرر بعد أربع سنوات وف العام 1977م أعلن عزمه للذهاب إلى القدس لإحلال السلام، وبعدها بعام 1978 عقد اتفاقية كامب ديفيد في الولايات المتحدة الأمريكية، ونجح السادات من خلال هذه الاتفاقية في استعادة كافة الأراضي المصرية.
وسرعان ما انقلب العرب على السادات إرضاءً لشعوبهم! وقاموا بالتحريض عليه، ونقلوا قمة جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، وعرضوا عليه 11 مليون دولار مقابل التخلي عن اتفاقية السلام، لكنه رفض، لعلمه أن ذلك يضر بمصلحتهم (فبدلاً من أن تصبح فلسطين قضية مصرية فلسطينية، جعلها قضية كل المسلمين).
ومما تجدر الإشارة إليه في سياق هذه العلاقة المركبة، أن السادات نفسه هو من أطلق يد التيارات الإسلامية في الجامعات والمساجد بمصر في بداية السبعينيات (فيما عُرف تاريخياً بمواجهة المد اليساري والناصري وتصفية مراكز القوى)، وظنّ النظام آنذاك أنه قادر على توظيف العاطفة الدينية لكسب شرعية شعبية لخطواته. لكن هذه المعادلة سرعان ما خرجت عن السيطرة؛ إذ تحولت تلك الجماعات من حليف غير معلن، إلى معارض شرس يتهم الدولة بالتفريط بعد توقيع معاهدة السلام، لتنتهي العلاقة بانقلاب السحر على الساحر
قامت التنظيمات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي بسلسلة من التحريضات والدعوة إلى الفوضى والعنف في المجتمع المصري، مع حملات تكفير وتفسيق، ودعوات للخروج والقتل وسفك الدم، من خلال بعض الفتاوى المأجورة، فثارت مظاهرات عارمة قادتها تلك الجماعات، بدعم مباشر من دول الخليج العربي، ما اضطر السادات إلى القيام بحملة اعتقالات كبيرة ضدها، ووصل عدد المعتقلين 1500 معتقل. إلى أن قامت منظمة تُدعى بـ "الجهاد الإسلامي" بقتله عشية 6/ أكتوبر/ 1981م.
وتكشف قصة السادات والمحلاوي في نهاية المطاف عن معضلة أزلية في الفكر السياسي العربي المعاصر؛ وهي غياب "المجال العام الآمن" لتداول الرأي بمسؤولية. فبينما اندفعت الدولة نحو القبضة الأمنية وتكميم الأفواه عبر اعتقالات سبتمبر لمواجهة ما تراه فوضى وشغباً، اندفعت تنظيمات العنف الديني نحو خيار التكفير والاغتيال الجسدي مدفوعة بالعواطف والشعارات الشعبوية. وبذلك ضاعت القيمة الإنسانية وحرية التعبير العاقلة والناقدة بإنصاف -والتي جاء بها الإسلام وصانتها الشريعة- بين مطرقة الاستبداد السياسي وسندان التطرف الفكري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق