السراج المنير في قصة مولد البشير النذير
محمد أحمد بن طه بن أحمد
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: هذا الكتاب من إصدار الطريقة الصوفية الركينية في السودان، وهي كما يقول صاحبها: "طريقة صوفية، سلفية، منهجها التجديد"! ومجددها الشيخ محمد أحمد الشهير بالرُّكين (ت 1964 م)، والمتمدح بقوله: "السالك على نهج السنة المرضية"، والذي يُوصّف طريقته بأن: "مشربها نبوي، وعلمها وهبي"، وقد أسسها "بإشارة محمدية" على حد زعمه، مع بشارة خاصة لمن انتسب إليها أن يكون من "الناجين يوم القيامة"!
ولا شك أن هذا الجمع بين 'الصوفية والسلفية' في آن واحد يحمل مفارقة منهجية واضحة؛ إذ كيف يستقيم ادّعاء السلفية والالتزام بالمنهج الأثري، مع ما تلا ذلك في الكتاب من ركائز صوفية غالية؟ مثل القول بتلقي العلم الوهبي، وتزكية المنتسبين للطائفة ببشائر النجاة الأخروية القطعية، وهو مسلك يباين تماماً منهج السلف القائم على تجريد الاتباع، والمحاكمة إلى النصوص الصحيحة، وعدم قطع الصكوك الإلهية بالنجاة لأحد."
ويبتدئ الكتاب بما ينبغي على القارئ تلاوته من الفاتحة مرة، والمعوذات ثلاث مرات، ثم خمس آيات من أوائل سورة الفتح، يلي ذلك آخر آية منها، وبينهما يُهلل عشرين مرة، ثم يتلو صيغة مُعيّنة في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، وبعد ذلك القراءة في المولد الموضوع.
وقد تضمن المولد جملة طيّبة من العقائد والأدعية وأخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم ونسبه وشمائله، وقد امتاز بحسن العبارة، وترتيب المقاصد، والسجع غير المتكلف، والفصل بين الفقرات المختلفة، وقد وضع لكل فقرة صيغة مُعيّنة من الصلاة والسلام على رسول الله، وهي (اللهم صلّ وسلم على الذات المحمدية، وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد).
ومما يُنتقد على هذا الجزء وسائر ما صُنّف على طريقته في الموالد بعض القضايا التي لا تثبت، منها: عقيدة النور المحمدي، وأولية هذا النور، وكونه مادة المخلوقات والأرواح العلوية، ومن جرأة المصنف تصحيحه إسناد حديث جابر (أول ما خلق الله نور نبيك) ولعل تصحيحه كشفي، وهو غير معتبر في الشرع، ولا عند أهل الفن، ولا يصح الاعتماد عليه!
وقد تتابع جهابذة المحدثين ونقاد الأثر على تفنيد هذا الحديث (حديث جابر في النور)؛ حيث نصّ الحفاظ (كالسيوطي، والصنعاني، والغماري) على أنه حديث موضوع ولا أصل له في دواوين السنة المعتبرة، بل إن مَنبتَه مأخوذ من الفلسفات الإشراقية والغنوصية القديمة. أما دعوى التصحيح عبر 'الكشف الصوفي'، فمسلك باطل عند أهل الفن؛ لأن الأحكام والسنن والعقائد لا تثبت إلا بالرواية والعدالة والضبط، والكشف ليس من مآخذ التشريع ولا تصحيح الآثار
ثم زعم المؤلف أن الشهادتين مكتوبة على شجر الجنة، ونحور الحور العين، وسقوف الجنة، وهذا غير مُمتنع عقلاً، ولكن يجب إثباته شرعاً، وكذلك زعمه أنه كان يُلبّي جهراً وهو في صُلب إلياس، وهي دعوى عارية عن الصِّحة، وأن آدم أتى آمنة في المنام وأمرها أن تُسميه مُحمّداً! وحضور مريم وآسية يوم ميلاده! كذلك كونه ولد مختوناً مقطوع السرة، ساجداً، وأن الملائكة أخذته وطافت به في جميع الأرض والعوالم العلوية؛ فهذا يحتاج لإثبات، على أن المؤلف ذكر ختان جده، وتسميته له محمداً.
وعلة هذه الأخبار والقصص العجيبة (كالتلبية في صلب إلياس، وحضور مريم وآسية، والولادة ساجداً ومختوناً) أنها مستقاة من كتب 'الموالد المتأخرة' وسير القصاصين الواهية، مثل كتاب 'الأنوار' للبكري المتهم بالوضع، ومثل هذه المرويات نبّه على بطلانها ومخالفتها للواقع المحقق أئمة السير كابن كثير والذهبي؛ حيث إن في المعجزات والدلائل الصحيحة الثابتة في السيرة النبوية غنية وكفاية عن هذه الواهيات التي تفتح باب الطعن في السير
ومن القضايا التي هي محل نظر: القيام في المولد والذي تتابع عليه عامة الصوفية المتأخرين، ويصحب هذا القيام إنشاد الشعر، وتلاوة المدائح التي تتناول بركة ميلاده، والآيات التي صاحبت مولده، وغير ذلك.
ولعل من نافلة القول أن أول تأليف في الكلام على هذه المسألة هو تأليف الإمام الحجوي- والذي طبع بفاس سنة ١٩١٨م، في كتاب سماه: (صفاء المورد في عدم القيام عند سماع المولد).
وقد عبر عن رأيه فقال بكراهية القيام وتبديع المحتفل، وقد تعرض من جراء ذلك لعدة انتقادات كثيرة حيث يقول:
(فقام زمرة ممن يدعي العلم وليسوا منه في شيء، وهم: عبد الله الفاسي، وأحمد بن المواز رئيس مجلس الاستيناف، ومحمد الرافعي ... وكل منهم ألف في الرد عليَّ، وكلهم بدَّل في كلامي وغيّر، سواء في الدلائل والبراهين التي تمسكتها ... واتفقوا جميعاً على الكذب والتقول عليّ بما لم أقله من غير حياء ولا احتشام، ولا سيما ثانيهم، وقد تداركتني العناية الإلَهية بكوني كنت طبعت (صفاء المورد) وكان ردهم بعد الطبع، فلولا أنه كان مطبوعاً، لربما دخل الناس شك في كذبهم .. كذبوا عليّ ونسبوا إليّ أقوالاً توجب الكفر، وخصوصاً ثانيهم ... ).
لذلك ألف الحجوي كتباً أخرى للرد عليهم من بينها: (الحق المبين والخبر اليقين بما في قراطيس حجة المنذرين بما يخالف الدين)، مخطوط بالخزانة العامة ح(٢٣٢) - وطبع بتونس -. و (سوط الإفهام والإفحام) طبع بالجزائر.
وتكشف هذه المعركة الفكرية الحامية التي خاضها الإمام الحجوي في المغرب عن مدى تغلغل التدين الشعبي المدعوم ببعض الفتاوى الرسمية آنذاك، حيث كان 'القيام في المولد' خطاً أحمر في العرف الاجتماعي. فكانت ردود الفقهاء التقليديين (مثل ابن المواز في كتابه 'حجة المنذرين') تعكس الصراع الأزلي بين فقهاء النصوص المحققين، وبين فقهاء الفروع والرسوم الذين يدافعون عن المألوف العادتي ولو خالف السُنّة المحضة، لتظل كتب الحجوي الثلاثة وثيقة تاريخية ناصعة في التجديد ومحاربة الجمود البدعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق