الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية
إيرينا بيتروسيان
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: كثيرًا ما يلقي مؤرخونا الوطنيون والأجانب في مؤلفاتهم ضوءًا على تاريخ الفيلق الإنكشاري وأثر ذلك الفيلق في تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتطورها. ولطالما کان الجيش الإنكشاري يجذب انتباه الكُتّاب والمؤرخين، وذلك لكونه جزءاً لا يتجزأ من تنظيم الدولة العثمانية، وعنصراً مميزًا لجهازها العسكري، وذلك في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي.
وهو الجيش الذي أنشأه السلطان أورخان، فاجتبى طريقةً يختار بها أفراد هذا الجيش من أبناء البلاد الأوروبية المفتوحة، وابتنى لذلك ثكنات عسكرية ضخمة ومغلقة، يتم فيها تلقينهم مبادىء الدين الإسلامي، وأخضعهم لمنهج عسكري متكامل، وتدريب صارم على فنون الحرب والقتال
ولقد أبلى الجيش الانكشاري بلاءًً حسناً في المعارك التي خاضها العثمانيون إبّان قوتهم؛ فكانوا يندفعون كالأسود في ساحات القتال (لأنهم قواتُ النُّخبة)، وكان لهم الفضل في ترجيح كفة النصر في المعركة الحاسمة يوم فتح القسطنطينية وغيرها من المعارك الشهيرة.
ثم مع مرور الزمن بدأ دمج القوات الإنكشارية في الجيش النظامي العثماني، وتسلَّموا لواء كتائب المُشاة، وكان دورهم مُكمّلاً لدور الجيش النظامي، وأدُّوا دوراً كبيراً في تطوير النظام الدولي العثماني. حيث اتخذ السلاطين والخلفاء من هذه القوات حرساً لقصور الرئاسة والملك، ونتيجة تحول الإنكشاريين إلى الحرس البريتوري، كان لهذا التطور تأثيره الكبير في تاریخ ترکیا؛ فإن دراسته تجذب انتباه المؤرخین؛ وکان ذلك مثيراً رئيسيًا للاضطرابات الاجتماعية فيما بعد.
وفي أي نظام عسكري فإنه لا بد من وجود تطلعات دكتاتورية في التنظيم الاجتماعي والسياسي، وبالفعل فقد أضحى النظام الانكشاري فيما بعد المخالف لصلاحيات السلطة السلطانية العليا. ونتيجةً لذلك فقد تسرّب حُب السلطنة والمال والمع إلى صفوف الانكشاريين- عندما عاشوا بين المدنيين بصبغتهم العسكرية، ونظرتهم الطبقية العليا، ما أدى إلى كثرت تعدياتهم؛ إذ أنه ما اختلط الجند بأهل المدن إلا وقد فسدت طبيعتهم وتغيرت أخلاقهم وتبدلت مهمتهم، وأصبح البلاء في وجه الحكم منهم، والعداء للسكان من أعمالهم، وصاروا يتدخلون في شؤون الدولة، وتعلقت أفئدتهم بشهوة السلطة، وانغمسوا في الملذات والمحرمات، وشق عليهم أن ينفروا في أوقات البرد الشديد، ونظروا إلى العطايا السلطانية ومالوا إلى النهب والسلب حين غزو البلاد.
وفي خضم بحث الانكشاريين عن السلطة والمال، ودورهم السلبي بعد اختلاطهم بأهل المدن؛ كان عملهم الجديد هو إثارة الاضطرابات داخل الدولة العثمانية، فكانوا يثيرون الحروب -ولو كان جحيمها يصب فوق رؤوسهم- ليواصلوا نهب البلاد المفتوحة، وبذلك نسوا الغاية التي وجدوا من أجلها.
لقد كانت فاتحة أعمال السلطان مراد الثالث عام ٩٨٢ هـ هي إصدار أمر يمنع شرب الخمور؛ فهاجوا وماجوا حتى اضطروه لإباحته ضمن شروط، لخوفه من نقمتهم، وهكذا فإن الجيوش لا تهزم إلا حينما تترك عقيدتها ولا تلتزم بمبادئها. وقد مهّد وثوب الانكشاريين إلى مركز القيادة في الدولة العثمانية إلى جعلها في حالة خطيرة من الفوضى؛ فصاروا هم الآمر والناهي والسلطان ألعوبة بأيديهم، فظهر الفساد وضاعت البلاد.
ثار الإنكشاريون في مناطق مختلفة من الدولة العثمانية، في إستانبول والقاهرة وبودا -يطالبون بإشعال الحروب حينما اقتضت المصلحة ألا تكون هناك حروباً وقد أشار سنان باشا عام ٩٩٧ هـ إلى أشغالهم بمحاربة المجريين تحت إلحاح شديد من قبلهم، وكانت النتيجة انهزام والي بودا العثماني، ومقتل حسن باشا والي الهرسك، وسقوط عدة قلاع عثمانية بأيدي النمسا!
وفي عام ١٠٢٧ هـ حاول السلطان عثمان الثاني إبادتهم بإعداد العدة لحشد جيوش جديدة في ولايات آسيا الصغرى وتدريبها وتنظيمها، ولما حاول ذلك خلعوه وقتلوه، وأعادوا مصطفى الأول الذي خلعوه عام ١٠٣٢ هـ أيضاً، وهذه هي نهاية كثير من المصلحين حينما يتاح للجيوش الفاسدة أن تكتب أقدار الأمم.
واستمر الانكشاريون في عهد السلطان مراد الرابع سنوات- عشر -سائرين في طريق الضلال، سادرين في غيهم وطغيانهم؛ فهم الذين نصبوه فالأمر والنهي يجب أن يكون لهم ما دام رأس الدولة بأيديهم. كما أنهم قاموا بقتل السلطان ابراهيم الأول خنقاً- حينما حاول التخلص منهم.
وهم الذين أربكوا الدولة إذ وضعوها في حالة من الفوضى بقتلهم السلاطين وتولية أولادهم الصغار السن من بعدهم كالسلطان محمد الرابع فقام الإفرنج باحتلال أجزاء من البلاد فاضطر الصدر الأعظم والعلماء إلى عزله.
ثم ثار الانكشارية في عهد السلطان سليمان الثاني، ودخلت جيوش الأعداء بعضا من أراضي الدولة واحتلتها، وخلع الانكشارية السلاطين: مصطفى الثاني، أحمد الثالث، مصطفى الرابع إلى أن قيض الله للسلطان محمود الثاني عام ١٢٤١ هـ التخلص منهم؛ فقد هيأ لذلك وسلط عليهم المدفعية سنة ١٨٢٦م؛ فقضى عليهم؛ وقتل في عشيّة واحدة منهم ٦ آلاف انكشاري.
وينظر المؤرخون إلى القضاء على الفيلق الإنكشاري سنة ١٨٢٦ على أنه فعل ناجع أخير من كفاح السلاطنة العثمانيين ضد ذلك الحرس التمردي الخطر، ويمكن أن نعدّ البحث حول دور الفيلق الإنكشاري في تاريخ الدولة العثمانية عاماً وتقریبیًا.
وفي المقابل كان للفيلق الإنكشاري أثر مهمٌ في عملية تشكيل تنظيم الدولة العثمانية لكونه عنصراً فاعلاً في تركيب النظام الحربي - السياسي والاجتماعي في الإمبراطورية العثمانية، وبعد أن كان في البداية بمنزلة الثقل الاجتماعي السياسي الموازن للقوة الحربية القبلية بغرض تعزيز السلطة العليا، صار مع تعزز نظام التيمار يكتسب أكثر فأكثر ملامح التنظيم العسكري البحت، مبتعدًا على الدوام عن تنظيم السلطة العليا.
إن عملية الابتعاد هذه (يعني عن التربية الرفيعة وحب الجهاد والتضحية) والجارية بالتوازي مع التطور المستقل في الفيلق الإنكشاري نفسه بوصفه بنية اجتماعية - سياسية أدى إلى الاصطدام السافر بين السلطة العليا وجيش البلاط المأجور، وبعد أن فقد الفيلق الإنكشاري في ذلك الوقت خصال القوة فوق الاجتماعية - وهذا ما كان يشدد عليه من مكانته الأولية - القوة التي باتت سلاحًا رئيسيًا بيد الحاكم العثماني في سير عملية تسوية المصالح الاجتماعية لدى مختلف فئات المجتمع، تحول إلى قوة اجتماعية مستقلة قادرة على أن تؤثر في تداول السلطة العليا نفسها.
ولأجل إدراك طبيعة هذه القوة، وكيف صارت في بداية القرن السابع عشر، لابد أن نأخذ العمليات السائرة في طيات الفيلق الإنكشاري نفسه، مثلها مثل عوامل التطور الاجتماعي الذي مرّ به المجتمع العثماني عامة. منذ البداية كان الإنكشاريون يمثلون قوة كثيرة العدد ومنظمة تنظيمًا جيدًا على ضوء واجباتها العسكرية، وتتمتع بمصالحها الطائفية الخاصة، والواقع أن الإنكشاريين كانوا جيشًا مأجوراً - بالإضافة إلى صور شاذة لأجوره-يفسر نفسية الإنكشاريين التي تشكلت قبل كل شيء تحت تأثير مصالحهم المادیة المیرکانتیلية وکفاحهم المبکر في سبیل ضمان مصالحهم الاقتصادیة.
بقي الجيش الانكشاري محافظًا على خصاله المحترفة، وغالبًا المنعزلة، حتى أواسط القرن السادس عشر أي عهد حكم سليم الثاني (١٥٦٦-١٥٧٤) ومنذ أواسط القرن السادس عشر ارتبط ذلك التنظيم - لعدة أسباب ستذكرها فيما بعد- بعلاقات كثيرة في المجتمع، فاكتسب كأي تنظيم مفتوح قوة واستقرارًاً.
ومع بداية القرن السابع عشر، فقد الفيلق الإنكشاري تمامًا خصاله المنعزلة التي ظهرت فيما سبق إثر نظام (ديوشيرمه) ومراعاة قواعد النظام الداخلي، وعلى وجه الخصوص حظر الزواج، ولكن هذا لا يعني عدم وجود استثناءات، ففي عهد سليم الثاني لما أصيب الكثير من الإنكشاريين إثر المعارك بمختلف العاهات، وفقدوا بذلك قدرتهم على تأدية الخدمة العسكرية، نالوا تصريحًا رسميًا يسمح لهم بالزواج.
ومن الطبيعي أن أبناءهم - طبقًا لعادات القرون الوسطى وهي توريث المهنة - صاروا من ضمن الراغبين في التسجيل في الفيلق الإنكشاري مشكلين من أنفسهم تنظيماً كثير العدد (كولوغو)، في مطلع القرن السابع عشر أصبح الزواج في الفيلق الإتکشاري حقاً للجمیع حتی الأغلان العجم، وبسبب ظھور عدد لا یاس به من (الكوغولو) أزيح التجنيد رويدًا رويدًا إلى الفيلق بطريقة (ديوشيرمه)، كان عدد (الكوغولو) كبيرا لدرجة أن الكثيرين منهم كانوا ينتظرون من أجل التحاقهم بالفيلق الإنكشاري سنوات، وذلك إبان اجتيازهم الخدمة في حاميات المحافظات.
وقد أدى حق الإنكشاريين الواقعي في الزواج وتسجيل أبنائهم في الفيلق الإنكشاري إلى توسع هائل للعلاقات الاجتماعية بين الإنكشاريين ومختلف طبقات المجتمع، خلقت إمكانية تسجيل أشخاص في الفيلق الإنكشاري غير مجندين بطريقة (ديوشيرمه) ظروفًا مواتية ليتسرب باستمرار إلى صفوف الإنكشاريين العناصر المنفصلة عن طبقتها التي فارقت نشاطاتها الاجتماعية السابقة لسببٍ أو لآخر، وقد نعت الإنكشاريون أنفسهم أولئك الأشخاص المتسربين إلى صفوفهم بصورة غير قانونیة بـ (صابلامه).
أدى تسرب هؤلاء الـ (الصابلامه)-أو كما كانوا يسمونهم كذلك (أجنبي) أو (الغرباء) - إلى انحلال النظام في الجيش الإنكشاري ومخالفة قواعد السلوك غیر المدونة، ومن الجدير بالاهتمام أنه عند ظهور التشويش الداخلي في الفيلق كان الإنكشاريون يتَّهمون في ذلك (الغرباء) لكونهم لا يحترمون عادات الحياة الداخلية في الفيلق.
ومن المعلوم أنه عند الانطلاق إلى الحملة في تموز عام ١٥٨٩م، كان الإنكشاريون يتذمرون على قادتهم (الغرباء) الذين لا يلتزمون القوانين القديمة، كما كان لهذه الظاهرة خطر على الجيش الإنكشاري؛ لأن جواز تسجيل الأشخاص هؤلاء خلافًا لنظام (ديو شيرمه) كان يفسد الضباط أخلاقيًا لكونهم مستعدين أن يدخلوا إلى عداد الإنكشاريين أي شخص يريد ذلك مقابل رشوة، ولأجل أن يكون ذلك ممكناً كان لا بد من وجود الوظائف الشاغرة على الأقل التي كانت متوافرة دوماً، بسبب كثرة الوفيات بين الأغلان العجم والإنكشاريين.
ومن جملة عواقب هذه الظاهرة التزايد المستمر لعدد الجيش الإنکشاري، وذلك لأن الکُتّاب الإنکشاریین وغيرهم من موظفي الفيلق غالباً ما كانوا يسجلون في الدفاتر أسماء الأشخاص الراغبين في الالتحاق بالجيش ويقبضون عنهم الأجور، وقد مهد ذلك سبيلاً لتغير البنية العرقية في الفيلق الإنكشاري الذي كان يتترك أكثر فأكثر؛ إذ إن السكان الأتراك هم الذين يسعون أكثر من غيرهم نحو الالتحاق بجيش البلاط، لأجل الحفاظ على الامتيازات والسمعة الاجتماعية العالية.
وكان ظهور ممثلي العرق السائد في صفوف الإنكشاريين يغير البيئة النفسية للجيش المكوّن في السابق من الأشخاص المعتنقين الإسلام الفاقدين أصولهم الجنسية والدينية والثقافية مما أسبغ طبيعة شاذة لهذه الطائفة العسكرية، وهذا ما كان يساعد في البداية على وجوده كقوة خاصة (غير اجتماعية)، وتجدر الإشارة إلى أن (الأتراك)-أو كما نعتتهم طبقة المثقفين من المجتمع العثماني (الفلاحون) - كانوا -برأي القمة البيروقراطية - غير صالحين لدور حرس العاصمة إذ إنهم يزرعون في نفس الجيش الروح الفلاحية التركية.
تميز النصف الثاني من القرن السادس عشر - بخصوص الفيلق الإنكشاري- بانتشار جذب الإنكشاريين إلى أعمال تتعارض مع واجباتهم العسكرية، فقد تدفق الإنكشاريون إلى مجال الصناعة والتجارة والمضاربة، ومع حلول القرن السابع عشر كان الكثير من الإنكشاريين يمارسون حرفة ما.
وفي إستنبول كان أغلب الإنكشاريين والسباهيين والجبجية والطويجية والعربجية يعملون بالتجارة الصغيرة، وفي المحافظات كان الإنكشاريون يعملون على نطاق واسع في الشراء وإعادة البیع، کما تشهد الوثائق الترکیة أن الإنکشاریین في مدن المحافظات۔حیث کانوا مرابطين -عملوا في بيع الأطمعة والجزارة، وصنع الخبز.
وإن أسباب انجذاب الإنكشاريين إلى الأعمال الاقتصادية في النصف الثاني من القرن السادس عشر هي: إما سوء الحالة المعيشية لدى أغلبية الإنكشاريين العاديين الذين كان عليهم إطعام عيالهم من أجورهم المنخفضة بسبب انخفاض سعر الآقجة، وارتفاع أسعار الأغذية في الربع الأخير من القرن السادس عشر، وإما الرغبة في استخدام المنزلة الاجتماعية ذات الامتيازات بغرض الاغتناء.
ومن المعلوم أنه ليس كل الإنكشاريين كانوا يعانون من فقر مدقع، ومن البديهي أن التفاوت الطبقي قد شمل المجتمع كله بما فيه الإنكشاریون الذین کانت من ضمنهم فئات یتمتع أفرادها بدخول عالیة نسبيًا. كان الكثير من الإنكشاريين لتعاملهم المستمر مع المال يدخرون مبالغ لا يستهان بها.
فقد عمل الكثير من الإنكشاريين الأثرياء بالمراباة، فيرابون بالأموال التي يحصلون عليها من الخدمة العسكرية، كذلك طال الارتشاء الفیلق الإنكشاري بأسره، طولاً وعرضاً، حتى الآغا الإنکشاري کان يأخذ رشوات عند ترقي الضباط في رتبهم، وعند إجراء التجنید دیوشیرمه، كان الآغا يسند ذلك العمل إلى الضباط ويأخذ منهم مبالغ هائلة من المال، أما الضباط فكانوا بدورهم يأخذون معهم إلى التجنيد الإنكشاريين ويأخذون من كلٌّ منهم ثلاثة أو أربعة آلاف آقجه، وکانت البیالغ المدفوعة یعوض عنها عند إجراء التجنید حين تظهر مجالات واسعة للاختلاسات.
كما كان هنالك مجال واسع لمختلف أنواع البلطجة لدى الخدمة الإنكشارية (يسقجي) التي تقوم بحراسة الأماكن العامة في استنبول والمحافظات، وكانت لدى الضباط الإنكشاريين مجالات واسعة للثراء، فقد کانوا يستغلون حقهم في رفع الأجور للإنكشاریين الجنود، والترقي في المناصب، وعند تسجيل الأغلان العجم والقوغولو الذين خدموا فترة معينة في الفيلق، وعند الإعفاء من المشاركة في الحملات، والتعيين في المناصب التي لا تشترط تأدية الخدمة العسكرية، كانت رشوة هيئة الضباط تؤثر بصورة مباشرة في انحلال النظام في الجيش الإنكشاري إذ كان أغلبية الإنكشاريين لا يرون في ضباطهم قادة محترمین یؤدون خدمتهم بلا عيب، بل يرونهم دُمی يحركها مرؤوسوهم كما يشاؤون.
إن هذه الاستهانة السافرة بالواجبات العسکریة غدت جدیرة بالإنکشاریین منذ النصف الأخير من القرن السادس عشر، فبسبب انشغال الجميع: إما بالكسب الإضافي، وإما بتحسین الحالة المعیشیة لعیالهم، کان الإنکشاریون یفقدون شیئًا فشيئًا خبرتهم القتالية لامتناعهم عن القيام بالتدريبات العسكرية المستمرة، لقد أثّر التلهي عن الواجبات الأساسية تأثيرا مهلكًا في إضعاف القدرة القتالية لدى الجيش الإنكشاري عامة، كما أدى إلى الاشمئزاز من اتخاذ الأعمال العسكرية حرفة.
وبما أن الإنكشاريين كانوا معنيين فقط برفع أجورهم ودخولهم، وبصفتهم قوة اجتماعية منظمة ومسلحة في المجتمع، كان بمقدورهم الكفاح بقوة في سبيل مصالحهم المادية، ولما مني الإنكشاريون بعواقب الأزمة المالية - التي حلت على البلاد في النصف الأخير من القرن السادس عشر - وعواقب تضخم العملة، تحولوا إلى أكثر العناصر الاجتماعية اضطرابًا وخطرا يلجؤون إلى التمرد في كل مرة كانت حقوقهم الاقتصادية يُعبَثُ بها.
إن تمرد الإنكشاريين وعدم انضباطهم في أثناء الحملات، وتحاشيهم الخدمة، وقلة فاعليتهم القتالية، وازدياد خطرهم بسبب عدم وجود التنظيم والمراقبة عند تسجيل الجدد في الفيلق من عداد الكوغولو أو الأغلان العجم، أو الدخلاء، وازدياد نفقات الحكومة على إعالة الفيلق، وكل هذا في ظل الهزائم الحربية - السياسية التي منيت بها الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر، أدت إلى إجراء محاولة الإصلاح العسکري الأولى التي قام بها السلطان عثمان الثاني.
وکما ورد آنفًا انتهت هذه المحاولة بالإخفاق، وأسفرت عن ازدياد الجيش المأجور قوة واستقلالاً عن السلطة العليا، وفي مطلع القرن السابع عشر تحولت الفئة الإنكشارية المرتشية والمتهمة فقط بيقائها وغير المتجانسة من الناحية المادية إلى قوة غير خاضعة للقيادة، قادرة على أن تفرض شروطها على الباب العالي والسلطان.
لقد تحول الجيش الإنكشاري من سلاح قوي بيد سلطة الحكام العثمانيين إلى قوة كان إسنادها عاملاً حاسمًا لوضع مختلف خطط السياسة الداخلية والخارجية، واستعمال هذه القوة كوسيلة في الصراع على السلطة من طائفة معينة ضمن الأسرة الحاكمة غدا منتشرا ونشيطا؛ أدی بصورة حتمية إلى إضعاف سلطة السلطان.
لقد تحول الفيلق الإنكشاري لفترة طويلة إلى عامل معوّق للتطور السياسي الداخلي في الدولة العثمانية والمحافظ على الأنظمة القديمة، وفي مطلع القرن السابع عشر لما أدرك الجيش قوته، صار بمقدوره أن يولّي على العرش السلطان الذي یرتضیه دون تعویق، إلی جانب ذلك کان ازدیاد جيش البلاط قوة مخلاً للتوازن الاجتماعي مزيحًا إلى الخلف الطبقة التيمارية ذات النفوذ السياسي الكبير في الماضي.
وكان تطور العمليات الاقتصادية في المجتمع يشير بوضوح إلى نمو طبقة الأغنياء وانتبلاء في عداد بيروقراطية الحاشية، وانخفاض الأهمية السياسية لدى الطبقة الإقطاعیة اخادمة، وبعد أن کان الفیلق الإنکشاري في البداية منظمة اجتماعية بيد السلطة العليا، صار مع بداية القرن السابع عشر أداة في النزاع على السلطة بين النخبة في البلاط، ثم بيد طبقة العلماء، نظراً لنزعتهم الرجعية التي كانت ترضي كثيرًا الفيلق الإنكشاري المعني بثبات مكانته في المجتمع واستقرارها.
___________________________________________________
خاتمة
الانكشارية كلمة عربية منحوتة من العبارة التركية (يني تشاري) والتي تعني "العسكر الجديد"، أو "الجيش الجديد"، والذين كانوا يتبعون للسطان مباشرةً، وتحت غمرته، وكان يُطلق عليهم (قابي قولاري) أو عبيد الباب -أي: باب السلطان-. كما أطلق عليهم لقب "البكتاشية" وهو اسم طريقة صوفية، وذلك لصلاتهم الوثيقة بها.
لقد مثّل النكشاريون عصب الجش النظامي العثماني، والتي ظهرت إبان القرن الرابع عشر الميلادي، في عهد السلطان أورخان الثاني سنة ١٣٢٤م واستمرت حتى ١٨٢٦، وهو تاريخ القضاء عليهم، وإحلال فرق أخرى حديثة محلهم. الأمر الذي تزامن مع مرحلة الشيخوخة والهرم وظهور عوامل الضعف والتدهور في الدولة العثمانية، وذلك مختلف مجالات الحياة العامة.
وكان الانكشاريون مجرد كتائب أغلبها مُشاة، وهي كانت تمثل قوات النُّخبة فيه، ويتراوح عددهم ما بين ٦ إلى ١٠ آلاف مقاتل، كانوا يستقدمونهم صغاراً من مختلف البلاد، ويُخضعونهم للتربية الدينية والعسكرية الشاقة، فمنهم من يرتقي عن الجندية إلى وظائف أعلى في الدولة، ومنهم من يبقى جندياً.
وكان للجيش الانكشاري دورٌ كبير في نجاح الدولة العثمانية في معاركها المختلفة حول العالم، لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة ضارّة، ورمزٍ للفوضى والتمرد، حيث خلعت أكثر من ١٢ اثني عشر سلطاناً من آل عثمان، وتآمرت على قتل آخرين، وتخلت عن القتال في معارك أضعفت الدولة العثمانية بعدها.
اتخذ الانكشاريون من المعارك والحروب مهنةً يتكسبون بها ويغنمون منها الأموال، حتى أنهم ثاروا ضد السلاطين لأجل افتعال الحروب وإرسالهم لنهب البلاد المفتوحة، ولما دخل الانكشاريون معترك الحياة السياسية، ومارسوا التجارات والأموال، واستقروا بالمدن بسبب الزواج والذرية؛ ظهر ضعف السلاطين العثمانيين وتسلط وزراء الدولة وقادة الجيش الانكشاري عليهم، فاستبدوا بأمور الدولة والتصرف في الشئون العامة.
لم يكن الانكشاريون يملكون أي خبرة سياسية أو إدارية تتعلق بالدولة، ولم يكن غايتهم أي إصلاح سياسي أو رعاية لمصلحة العامة، وإنما قصدوا بذلك السعي وراء شهوات النفس وحظوظها في دور الخلافة وسلاطين آل عثمان، وقد ظهر الترف والبذخ في حياة الكثيرين منهم.
ولم يعد لدى الانكشاريين وقت لحماية الدولة، ورعاية شئون الخلافة؛ مما أتاح للولاة في الأقاليم التصرف المطلق في إدارة جميع الأمور في أقاليمهم؛ فساءت الإدارة وتفشى الظلم وضاقت موارد الرزق وأهمل التعليم، وتفشى الجهل وصار أكبر هم الولاة جمع الأموال وأخذ الأتاوات واحتكار الأقوات، وانكمشت الزراعة والتجارة واندثرت كثير من الصناعات والحرف، وتفشى السلب والنهب وقطع الطريق.
ولما كثر تمرّد الانكشاريين عن الخدمة العسكرية، وتمادوا في ظلمهم للعامة ونهبهم لأموال الناس، وخلعهم ربقة الإمام وطاعته من اعناقهم، وسيطروا على مفاصل الحياة بالقوة العسكرية، قام السلطان محمود الثاني بفتوى من شيخ الإسلام العثماني بحصدهم جميعاً عن طريق خطةٍ أعدَّها بقصفهم بواسطة القوة المدفعية في الجيش النظامي العثماني، قُتل فيها أكثر من ٦ آلاف انكشاري، وتم إلغاء الفرقة الانكشارية. والقضاء عليها بعد وجودها أكثر من ٤٦٥ سنة.
_________________________________________________
فهرست الموضوعات
الفصل الأول - تاريخ تأسيس الفيلق الإنكشاري .. ٧
الفصل الثاني - نظام التكميل وتركيب الفيلق الإنكشاري .. ٢٥
الفصل الثالث - الفيلق الإنكشاري وأهميته العربية والسیاسية في مرحلة توطد تنظيم الدولة العثمانية من القرن الخامس عشر وحتى النصف الأول من القرن السادس عشر .. ٤٩
الفصل الرابع - السلطة العليا وحروب القرنين الخامس عشر والسادس عشر .. ١٠٥
الفصل الخامس - الفيلق الإنكشاري وأزمة السلطة العليا .. ١٧٣
خاتمة .. ٢١٧
المصادر .. ٢٢٧
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق