أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 31 مايو 2026

أكذوبة الخيانة العربية لنا =يعني العثمانيين (قضية الشريف حسين) Kadir Çandarlıoğlu بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أكذوبة الخيانة العربية لنا =يعني العثمانيين

(قضية الشريف حسين)

Kadir Çandarlıoğlu

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يحمل العرب والمسلمون مشاعر الوفاء العميقة للخلافة العثمانية كحصن تاريخي مشترك، وما يُشاع عن خيانة شعبية شاملة لها ليس سوى تشويهٍ متعمّد؛ إذ أثبتت اعترافات الأسرى العرب في الحرب العالمية الأولى أن انخراط بعضهم في القتال جاء نتيجة خداع سياسي، حيث ظنوا أن الإنكليز يحاربون جمعية الاتحاد والترقي اللادينية لفك أسر الخليفة المحجور عليه وإنقاذه، وليس تقويضاً لكيان الدولة الإسلامية.

وفي هذا السياق، جاء تحرك الشريف حسين بن علي، وقد أعلن أن التمرد لم يكن ضد مقام الخليفة بالذات، وإنما كان انتفاضة ضد قادة "الاتحاد والترقي" وصيحاتهم الطورانية المتطرفة التي بلغت حد تمجيد الأساطير الوثنية كـ "الذئب الرمادي"، ورداً مباشراً على سياساتهم الماسونية التوجه التي تجرأت على خلع السلطان عبد الحميد الثاني وتمرير سياسة "التتريك" الإقصائية، مما يفوّت الفرصة على المزاعم الأتاتوركية التي تروج لفرية الخيانة العربية بهدف بث الشقاق وقطع الجسور بين شعوب الأمة.

وفي المقابل، يكشف التاريخ الوجه الحقيقي لمصطفى كمال أتاتورك الذي استولى على 125 ألف ليرة إنكليزية قدمها مسلمو الهند كمعونات لإنقاذ دولة الخلافة من الانهيار، وبدلاً من توظيفها في خدمة الأمة، استغلها لتأسيس بنك ربوي تجاري في البلاد لتثبيت أركان نظامه الجديد، مما يثبت أن تقويض الخلافة وتغريبها كان صناعة داخلية قادتها التيارات العَلمانية، وليس طعنة من أشقائهم العرب الذين ظلوا متمسكين بهويتهم المشتركة.

وتكتمل فصول هذه المكيدة التاريخية برؤية المآلات التي آلت إليها المنطقة بعد سقوط مظلة الخلافة؛ حيث قُسِّمت البلاد العربية وتوزعت غنائمها بين الدول الاستعمارية بموجب الاتفاقيات السرية التي صاغها الحلفاء، والذين لم يوفوا بوعودهم للشريف حسين بل نكثوا عهودهم معه ونفوه بعد أن استنفدوا غرضهم منه. 

هذا المصير التراجيدي يبرهن على أن غياب الوعي السياسي وتصديق وعود القوى الأجنبية كان الثغرة التي نفذ منها الأعداء لتمزيق وحدة الأمة، لتدفع المنطقة بأسرها ثمن هذا التشرذم الممتد، والذي حوّل شعوبها من أمة واحدة تجمعها راية مشتركة إلى كيانات مجزأة تبحث عن هويتها الضائعة وسط ركام التبعية والتغريب. 

احتضان بريطانيا للحركة العربية

في عامي (١٩١٥م و١٩١٦م) أفلحت بريطانيا بمساعي ممثليها في مصر، والسودان في اكتساب ثقة الحركة العربية بقيادة شريف مكة: الحسين بن علي، إلا أنها لم تكتسب تلك الثقة بمعاهدات تلتزم فيها بوعود يمكن إِنكارها أو سيرها بما يتفق ومصالحها، وهذا ما لم يفطن إِليه قادة الحركة العربية آنذاك، لأنـهم كانوا يثقون بشرف بريطانيا من ناحية، وكانوا يخوضون معركة ضارية من ناحية أخرى، وهم عزّل ضد جمال باشا، قائد الجيش الرابع في سوريا.

• ومن ثم ساعدت سياسة جمال باشا، وفتكه بقيادة الحركة العربية على دفع العرب دفعاً إِلى الوقوع في فخ الوعود التي كانت بريطانيا تنثرها ذات اليمين وذات الشمال بين عامي ١٩١٤ - ١٩١٨م.

أما بداية اتصال الإنجليز بالعرب: أو بداية التغرير والخديعة؛ فلم يكن الإنجليز بعيدين عن أحداث العرب وعلاقتهم بالترك فقد كان الأمير عبد الله بن الحسين يتردد كثيراً على القاهرة والاسكندرية في روحاته العديدة بين مكة واستانبول، وتقابل مراراً مع بعض موظفي دار المعتمد البريطاني بالقاهرة، الذين زاروه حين نزل ضيفاً على الخديوي، وأحجم عن مبادلتهم الود، وأخبر الممثل العثماني بذلك، ثم تطور هذا الإحجام إِلى لقاء أكثر تجاوباً، وحدث أثناء مقابلة تمت في القاهرة في (٥ / فبراير شباط / ١٩١٤م) مع اللورد كتشنر (المعتمد البريطاني في مصر) أن أفاض الأمير عبد الله في شرح أسباب الجفاء بين والده الشريف حسين والأتراك، وسخط العرب عامة عليهم بسبب الاتجاهات الطورانية الجديدة.

وأشار عبد الله أنه من المحتمل إِذا عزل الترك والده عن إِمارة مكة، أن تندلع الثورة قوية في إقليم الحجاز لنصرة الشريف حسين ... وأن زعماء العرب يريدون التحرر من الحكم المركزي العثماني الجدید.

• وقد شهد هذه المقابلة (رونالد ستورز) السكرتير الشرقي في دار المعتمد البریطاني. وقد وجد هذا التلميح العربي استجابة لدى الإنجليز، ومن ثم بدأت بريطانيا الخطوة الأولى لتحطيم العرب والترك على السواء، فسلم (رونالد ستورز) بالسفارة البريطانية كتاباً من حكومة بلاده إِلى الشريف حسین في مكة، كان ملخصه: (أن بريطانيا تشكر الشريف على خدمته للأماكن المقدسة، وسهره على راحة الحجاج؟!) ثم دسّتْ عبارة مثيرة هامة أنهت بها الرسالة: (وإِنها لا تعارض في إرجاع الخلافة إِلى العرب).

ولا ريب أن هذه العبارة بقیت تختمر في ذهن الشریف، وتزیدها الأحداث أهمية منذ تاريخ إِرسالها في الشهر الثامن من عام ١٩١٤م إلى اليوم الثاني من يونيو حزيران ١٩١٦م، حيث بدأت ثورة مسلحة قوية حطم فيها العرب المسلمون مراكز الأتراك المسلمين وحصونهم.

تلهُّف بريطانيا على الاتفاق مع الحسين

لقد استغلت بريطانيا موضوع جمال باشا السفاح، ومحاولات الحسين لصرفه عن إِعدام أحرار العرب الذین اعدموا بین ٢٢ آب ١٩١٥ و ٦ أيار ١٩١٦ م. فاستغلت بريطانيا تلك الفترة لإغراء الشريف وإِعداده نفسياً للثورة، وهي تمنّيه بمجد باذخ وملك شامخ ... وهي تدرك محاولات الحسين لإصدار عفو شامل عن أولئك الثوار، وأن الترك رفضوا هذه الوساطة بصلفٍ وكبرياء.

• وكانت بريطانيا قد أوفدت قبل ذلك مندوباً لا شبهة عليه هو (علي أفندي أصغر) من القاهرة، فحمل رسالة إلی الأمیر عبد الله من (رونالد ستورز) السكرتير الشرقي لدار الحماية البريطانية، وكانت الرسالة الأولى التي يتساءل فيها (رونالد) هذا باسم وزير الحربية البريطاني (کتشنر) عمّا إِذا كان عبد الله ووالده لا يزالان على رأيهما الأول، الخاص بالدفاع عن حقوق العرب، ویعد بأن بريطانيا عازمة على تقديم كل مساعدة للعرب ضد الأتراك، الذين يدخلون الحرب في زمرة الأعداء.

وعاد المندوب دون جواب، فلم تطق بريطانيا صبراً، وهي المتحرقة على فتح جبهة جديدة هامة ضد الأتراك، ومن مكان كانوا يأمنونه، فلم يمض أسبوعان، حتى عاد المندوب من جديد ومعه رسالة موجزة ملحة تصور مبلغ القلق البريطاني، والتلهف على رد الشريف حسين، وكان نصها: (إِنّ الفرصة سانحة لكم لتحقيق مطالب العرب، فأنا آسف لترككم كتابي بلا جواب، وآمل الإسراع في إِرسال الرد على سؤالي).

ولكن المندوب لم ينل جواباً، وللمرة الثانية عاد من جدید برسالة ثالثة، كان ذلك في تشرين الثاني من عام ١٩١٤م، ومعه رسالة بالمقولة السابقة: (إِننا على استعداد لمساعدة شريف مكة في قضيته، وتقديم كل ما يريده من مساعدة).

• وهنا جاء الرد الاول من الشریف حسین، وفیه: (ليس في استطاعتي أن أعمل شيئاً قبل أن أستشير العرب وأسألهم رأیهم).

● وكان الشريف حسين آنذاك يمر بأزمة نفسية حادة، أزمة الإقدام على قرار خطير، يحارب به دولة ارتبط بها العرب أربعة قرون ... فهو ينتظر ویتربص علی حذر وبقلق. ومضت فترة طويلة لم يحفظ فيها التاريخ مراسلات جديدة، ولا ريب أنها الفترة التي حاول فيها الحسين أن يتفاهم مع جمال باشا، ومع الاتحاديين في استانبول، وهي الفترة التي قام فيها باتصالاته بإيفاد ولده فیصل، يطلب العفو عن المعتقلين ... والظاهر أنه تأكدت لديه نية جمال باشا المتجه إِلى القمع والإعدام، ورمی الحسین حینئذ بآخر سهم لدیه کان یشده إِلى الامل .. فأرسل أول مذكرة إِلى (ماكماهون) نائب ملك بريطانيا في مصر في ١٤ / تموز / ١٩١٥م.

وبدأت المراسلات الشهرة بين الطرفين (مراسلات الحسین - مکماهون)!

بدأ الشریف حسین رسالته الأولی إلی (السير مكماهون) نائب ملك بریطانیا في مصر في ١٤ تموزه١٩١م، ثم تبعتها رسائل اخرى، وکلها خمس رسائل، رد عليها ماكماهون برسائل مماثلة انتهت الأخيرة في ١٠ آذار ١٩١٦م.

• ويلاحظ على تلك الرسائل:

١ - لغة التبجيل والمبالغة في التعظيم للشريف حسين، فقد كان الإنجليز يداهنون الحسين، ويجارونه في مطامعه وأحلامه، ولكنهم لا يبذلون له وعوداً صريحة ولا يجيبونه إجابة واضحة، ويكتفون بالإحالة إِلى رسائل شفوية، يبلغها حامل الرسالة فیما لا يريدون أن يتقیدوا فیه بوعد مکتوب.

٢ - وأن إِدراك الملك حسين للمسألة العربية كان من وجهة نظر إِسلامية خالصة (خلافاً لأبنائه عبد الله وفيصل). مما جعل الإنجليز ينصرفون عنه إِلى ابنه فيصل، واعتمادهم عليه في زعامة الثورة، حتى أن لورنس سماه (نبيّ الوطنية)؛ فقد كان فيصل يبشر بهذه الوطنية العربية في کل مکان، مذکراً البدو بامجاد اجدادهم الذین فتحوا الدنیا، وینثر عليهم الذهب الإنجليزي مع خطبه النارية.

٣ - تمت جميع المراسلات باللغة العربية وبأسلوب غامض معقد، وكانت المراسلات من الطرفين تترجم إلى لغة الطرف الآخر، وقد أخذ زعماء الحركة الوطنية على الحسين بساطة معالجته للقضية واستئثاره بالموضوع، وعدم تنظيم علاقاته مع الإنجلیز بمعاهدة صریحة.

• وذكر محب الدين الخطيب في مقابلة خاصة (أن الحسين كتم المراسلات عن مستشاريه، ولما علموا بها طلبوا منه تصديق الاتفاقية في البرلمان البريطاني، فقال: إِن الذين اتفقوا معي هي الحكومة نفسها، وكان يشير إِلی جيبه ويقول: وعودهم هنا).

ورفضت بريطانيا أن تنشر نسخة معتمدة رسمية للنصوص كاملة باللغة الإنجليزية، بحجة أن نشرها يضر بالمصلحة العامة، رغم أن أجزاء منها قد عرف في الكتب والصحف العربية، ونشرت عام ١٩٣٩م في لندن، وأصبحت قضية هذه المراسلات من أهم الخلاف بين العرب والإنجلیز، وخاصة حول فلسطين، إِذ لم يثبت أن فلسطين قد نص عليها (صراحة أو ضمناً) في تحفظات مكماهون، رغم أن بريطانيا كانت ترى أن فلسطين من ضمن المناطق المستثناه من سوريا، (أي تحکم مباشرة من قبل بریطانیا).

٤ - لقد نصَّب الشريف حسين نفسه ممثلاً للعرب في آسيا، وهو لا يملك أصلاً ذلك التخويل، وخاصة أن البلاد كانت تحت الحكم العثماني، كما تعهدت بريطانيا للحسين بخلافة إِسلامية، يكون الحسين هو ملكها، فكان الحكومة البريطانية أصبحت هي صاحبة الحل والعقد في قضية الخلافة وأمور المسلمین؟!

٥ ۔ تنازل الحسین عن عدد من القضایا دون ضمانات كافية لوعود بریطانيا، ومن ذلك:

- أنه تنازل عن ولایتي اسكندرونة ومرسین والمناطق الشمالیة من سوریا.

- الموافقة على مصالح فرنسا في ولاية بيروت مؤقتاً لمابعد الحرب؟! وعلى مصالح بريطانيا في (بغداد والبصرة) على أن تدفع تعويضات مناسبة خلال هیمنة بریطانیا علیها.

- قبول الشریف حسین بكوادر إِدارية ومستشارین من دول الحلفاء لتشكیل هيئة إِدارية قومية، يكونون من رجالات الإنجليز خاصة.

- قبول المساعدات المالية والعسكرية والتموينية، مقابل الثورة على الترك. وكانت هذه التفاهمات فرصة ذهبية للإنجليز، أن يسخّروا العرب في بلاد الشام وقبائل الحجاز، ليقاتلوا عنهم المسلمين من الدولة العثمانية، ثم یکون الغدر بدلاً من الوفاء، حیث کانوا قد اتفقوا مع فرنسا وروسیا علی اقتسام الولايات العربية، وإِعطاء فلسطین هبة للیهود، فیما سمي باتفاقیة (سایکس - بیکو)، تم ذلك بسرية تامة عن الشريف حسين والحركة القومية العربية.

موقف القومیین العرب من مراسلات (الحسین - مکماهون) ولماذا کتمها الحسين والإنجليز؟!

رغم أن تلك المراسلات جرت قبل إِعلان الثورة بأكثر من نصف عام، ولم تبدأ أخبارها بالانتشار بين القوميين إلا بعد اشتعال الثورة. ذلك أنها أحيطت بستار كثيف من الكتمان، وكانت معلومات زعماء الحركة الوطنية عنها لا تتعدى الخطوط العريضة فيها، دون معرفة تفاصيلها، وكتمها الحسين والإنجليز عن كل الناس. حتی عن أبنائه أیضاً. أو هكذا قال أبناؤه.

• وكان فيصل يمثل أباه في مؤتمر الصلح في باريس عام ١٩١٩ - ١٩٢٠م، ويشكو من أنه لم يطلع على تلك المراسلات إِطلاعاً مباشراً، وقال: (بأنه أرسل إِلى والده يطلب منه تلك المراسلات أو نسخاً عنها، ولكن طلبه رفض أکثر من مرة).

· ومات الحسین قبل أن ینشر تلك المکاتبات، وحجته أنه أرفع من أن یفضح الذین خدعوه، وظل نص المراسلات مجهولاً إِلى مارس ١٩٣٩م، حينما نشرت الحكومة البريطانية مجموعتها في (كتاب أبيض)، بمناسبة انعقاد المائدة المستديرة في لندن لبحث مستقبل فلسطین.

- وكانت جريدة (الطان) في باريس، قد نشرت ترجمة فرنسية لتلك الرسائل في ١٨ / سبتمبر ١٩١٩م، ثم نشرها جورج أنطونیوس في کتابه: (يقظة العرب) بالأصل الإنجليزي.

• ونشر لفیصل مقابلة في جريدة (المفید) مع رئیس تحریرها، ضمّنه نداء لأبيه يناشده أن يرسل له نسخاً عن تلك المراسلات، التي قال عنها: (ما رأيتها، وقد طلبت منه مراراً أن يجعلها سلاحاً لي، إِذا كانت موجودة، ولا أعلم ما سبب تأخیر إِرسالها إلي). ونحن كذلك ما زلنا نستغرب من الحسين عدم كشفها للملأ أو لأنصاره وأبنائه من قادة الحرکة الثوریة، رغم غدر الإنجلیز واستغنائهم عن خدماته؟!

وقد أثارت هذه السرية ربية الكثير من أحرار العرب، وأخذوا يتسقطون أخبار المراسلات وتفاصيلها بالتدريج، وصاروا يفقدون الأمل بالحسين مع کل خبر جدید یصل إلیهم.

١ - أخذوا على الحسين، بساطة معالجته للقضية ... فحصر الأمور بنفسه، وأصر على الاستئثار بكل شيء ... وكانت ثقته بالإنجليز مطلقة، وبوعودهم كذلك، لمجرد أن وعدوه بالملك والخلافة، وأعطوه مالاً وسلاحاً.

٢ - وأخذوا عليه: تحديداته المطاطة للدولة العربية ولا بد أنه فهم من مكاتبات مكماهون، أن فلسطين وسورية جزء أساسي من تلك الدولة ... لکن الإنجليز صاغوا تلك الرسائل بمنتهى الخبث، إلا أن سكوته على ذلك الأسلوب المبطن أعطى الإنجليز حجة للتملص من وعودهم، كما زعم ذلك فيما بعد تشرشل أيضاً ١٩٢٢م، ومكماهون في رسالته لجريدة التايمز ١٩٣٧م.

٣ - وأخذ العرب على الحسين بعد هذا: أنه تنازل عن مناطق عربية كبيرة، تنازل عن عدن في أول رسالة له، وتنازل عن ولاية مرسین كلها في رسالته الثالثة، بعد أن كان يطالب بتحرير جميع الأنحاء السورية، وتنازل في رسالته الرابعة عن جبل لبنان مؤقتاً، وترك مصير العراق لعدل بريطانيا وحكمتها.

• لقد خاض الحسين الحرب إِلى جانب بريطانيا، قبل أن يأخذ وعداً صريحاً بأن تكون سوريا والعراق بحدودهما المعروفة جزأين من الدولة العتيدة.

لقد خدعت بريطانيا العرب خديعة كبيرة، فأبرمت اتفاقات معاكسة لاتفاقاتها مع العرب، مع حكومات تطمع بأراضي العرب كطمع بريطانيا نفسها ... فلم يطمع الإنجليز والفرنسيون بجزء من الوطن العربي، بل طمعوا به كله، ومن ثم تقاسموه كله، وقرروا أن يمارسوا درجات مختلفة من السلطة السياسية فوق البلاد العربية الآسيوية كلها باستثناء الحجاز.

الحركة العربية بقيادة الشريف الحسين بن علي

كان قد تم الاتفاق رسمياً بين جمعيتي العهد والفتاة في دمشق أوائل ١٩١٥م، حيث تعاونتا على ضم القوميين العرب على أهداف واحدة. وتم تعزیز قوتهما بأعضاء یمتازون بسلطة قبلية فعالة کالشیخ نوري الشعلان، زعيم قبيلة (الرّولا) الكبيرة في بادية سوريا، والشيخ فواز الفایز، شيخ قبيلة بني صخر، ونسيب الأطرش، أحد زعماء الدروز في الجبل، كما ضموا الفريق المتقاعد علي رضا باشا الركابي.

• وبذلك انتقل العمل القومي من المرحلة الثانية النظرية إِلى المرحلة الواقعية والسياسية، وبذلك خسر هذا الاتجاه القومي نقاءه المثالي، كي يتلقى كثيراً من شوائب السياسة الواقعية، كالتعاون مع المتلوّن (نوري الشّعلان) الذي سلّم بعض القادة العرب إِلى جمال باشا حيث أعدمهم، أو التعامل مع الإنجليز والفرنسيين، أو الرضوخ إِلى اتجاهاتهم السياسية الاستعمارية.

وزاد من قوة القوميين أن معظم الفرق العثمانية التي کانت في سوریا، کانت تتألف من جنود عرب وضباط عرب، وكثير منهم كان ينتسب إلى جمعية العهد، وکان بإمکانهم إِحداث ثورة ضد الاتراك، وتسلم الحکم في سوریا، وهذا ما خططوا له بالفعل، وأرادوا استغلال الإنزال البريطاني في اسكندرون کي ينفذوا الخطة.

لكن الخطة لم تُنَفّذ؛ لأن فرنسا رفضت ذلك، حتى لا تضع بريطانيا يدها وحدها على سوريا، ولأن معظم هؤلاء الضباط كانوا من الضباط الصغار، وتنقصهم القيادة العسكرية والسياسية، ولذا كانوا يفتشون على زعامة عربية قومية تستطيع أن تقف في وجه الأتراك، والحلفاء الذين شاعت أخبار تآمرهم لاستعمار سوريا والبلاد العربية، لكن ذلك لم يمنعهم من التعاون العسكري مع بريطانيا کي يصلوا لأهدافهم، وتم هذا في شباط عام ١٩١٥م.

● وكانت قيادة الفتاة والعهد تعملان على الاتصال بالزعامات المحلية في سوريا والعراق وغيرهما، وتبحثان عن قائد سياسي معروف يستطيع دعم الحركة العربية بشكل قوي، وكان الحسين في تلك الفترة، يعتبر من أهم وأكبر الزعماء العرب.

فاستغل الوطنيون العرب في سوريا فرصة سفر أحد أعضاء جمعية الفتاة وهو (فوزي البكرى) من دمشق إِلى مكة المكرمة، وجرى التنسيق مع الشريف حسين. 

• هذا ولا شك أن لمواقف الفتاة من الحسين أكبر الأثر في دفع الحسين حتى النهاية ضد الاتحادیین.

وبعد أن تأکد للحسین نیات الاتحادیین السیئة ضده- عندما عثر رجاله علی أوراق تخص الوالي وهيب باشا، وفيها أوراق سرية ضد الحسین، عندها قرر الاتصال بالقوميین في دمشق وأوفد ابنه فيصلاً لذلك الأمر.

فيصل بن الحسين في دمشق

وصل فیصل إِلی دمشق في ٢٦ / آذار/١٩١٥م، ومکث فیها شهراً ونزل ضيفاً عند آل البكري في القابون قرب دمشق، وكان يستقبل رجال الحركة (العربية الفتاة) (وجمعية العهد) العسكرية، وكان مسروراً من أن القوات الوطنية آخر الليل، بعدما تنتهي زيارة الناس العاديين، ثم دخل فيصل في جمعية العسكرية العثمانية في سورية كانت في غالبها من العرب ضباطاً وجنوداً .. وإنْ كانت هذه الحركة ما تزال تميل إِلى التعاون مع الاتراك.

· ثم سافر فیصل إِلی استانبول، وعرض شکوی والده على کبار المسؤولین: سعيد حليم (الصدر الأعظم) وطلعت وزير الداخلية، وأنور وزير الحربية، حیث استقبلوه بحفاوة بالغة، وطمأنوه علی وضع والده. وعاد إِلى دمشق، فاستقبله جمال (باشا) بحافوة أيضاً، وبقي في ضيافته عدة أيام في القدس، حيث كان يحمل لأبيه الأماني الطيبة، وخمسة آلاف ليرة ذهبية من الحكومة التركية لينفقها على متطوعي الحجاز في حملة السويس الثانية.

· موافقة الحسين على ميثاق جمعيتي الفتاة والعهد:

عاد فيصل إلي دمشق ليجد أن قيادتي (الفتاة والعهد)، قد اتخذتا قراراً سیاسیاً هاماً خلال غیابه، وفیه:

- قطع العلاقات ما بين العرب والترك، مع وجوب استقلال البلاد العربية.

- وفيه شروطهم لعقد اتفاق مع بريطانيا للدخول معها في الحرب، وطلبوا منه أن یقدم المیثاق إِلی والده، لیعمل بموجبه في اتفاقاته مع بریطانیا.

• ومن بنود هذا المیثاق:

١ - اعتراف بريطانيا العظمى باستقلال البلاد العربية الواقعة ضمن الحدود التالية:

۔ شمالاً: خطر مرسین - اضنة ... إِلی حدود إیران.

- شرقاً: حدود إيران إلى خليج العرب.

- جنوباً: المحيط الهندي باستثناء مدينة عدن؟!.

- غرباً: امتداد البحر الأحمر، ثم الأبيض المتوسط إلى مرسين.

٢ - إلغاء جميع الامتيازات الأجنبية.

٣ - عقد معاهدة دفاعية بين بريطانيا والدولة العربية المستقلة.

٤ - تقديم بريطانيا وتفضيلها على غيرها من الدول في المشروعات الاقتصادية.

لقد کان هذا المیثاق أساساً لمفاوضات الحسین مع الإنجلیز، وکان ذا أهمية خاصة، لأنه بني على إيجاد دولة عربية كبيرة في آسيا، وليس دولة سورية فقط، وهذا ما سوف يصبح مصدر نزاع ثم تنازلات عن هذا الحلم العربي.

ولم يغادر فيصل دمشق إلا وقد دخل عن طريقه في جمعية الفتاة كثير من زعماء الدروز وحوران والبدو. وفعلاً فإن فیصلاً قد أخصب تلك الحرکة القومیة، ودفع بها إِلی میدان الحركة والثورة، وتبرع بألف ليرة ذهبية، مما أتى به من استانبول لجمعية الفتاة، ثم سافر ليقابل والده في مكة، وشرح له موافقته على ميثاق دمشق لإشعال الثورة العربية.

مظالم وإرهاب جمال باشا يؤججان نيران الثورة

وقد فوجيء فیصل عند عودته إِلی دمشق بانقلاب الأمور رأساً على عقب خلال غیابه عن سوریا.

• وأرسل نسيب البکري من المدينة في ٩ / آذار / ١٩١٦م رسالة إلى الحسين يشرح له فيها أهمية فيصل بالنسبة للحركة القومية، ووجوب بقائه على رأسها في دمشق، ويقول نسيب أيضاً: (بأنه تذاكر مع علي بن الحسين عن وجوب إِنزال قوة بريطانية في الساحل السوري، لقطع خط الرجعة في ساحل إسكندرون على أن يتم ذلك قبل بدء الثورة بشهر واحد على الأقل).

وأرسل الحسين بن علي برقيات عدة للصدر الأعظم -يطلب فيها:

- إعلان عفو عام عن المتهمين السياسيين في سوريا.

- إِعطاء حكم لا مركزي لسوريا والعراق.

- جعل إِمارة مكة وراثية في أحفاده.

- واعتقل معظم قادة الفتاة والعهد ثم أعدمهم.

- كما ملأ السجون بأعداد أخرى من أولئك القادة، ونفى من سورية معظم الشخصیات التي لها تأثير في سوریة، حتی يمنع أي تحرك او ثورة ضد ترکیا.

• وبدأ فیصل یرسل إلى والده رسائل يقول فيها: (إِن أهل الشام في ضيق ويأس عظيم من الحالة الحاضرة).

- فقد نقل جمال باشا كل الفرق العربية من سورية، كما نقل معظم الضباط؛ فإِذا تم ذلك أرسل المجاهدين العرب إِلى جبهات القتال البعيدة، للحرب في فلسطين والعراق مع الدولة العثمانية، وإلا فسوف يكتفي لها بالدعاء والنصر؛ وأجابه الصدر الأعظم وأنور باشا بالرفض، وأن المتهمين سينالون عقابهم.

• ثم أرسل جمال باشا للحسين برقية فيها تهديد ووعيد، ومن ثم يجب أن يقف مع الدولة في الحرب، واستدعى ابنه فيصلاً، وأطلعه على ما يدور بينه وبین والده.

• كما كرر الحسين طلبه إِلى (مكماهون) بسرعة التدخل إلا أن الإنجليز لم یکونوا جادین بإنزال عسکري في سوريا حتى لا يدخلوا في صراع مع الفرنسیين، وحتى لا تنشأ دولة عربية قوية، ستكون مصدر خطر عليهم وعلى حلفائهم، وهم أطراف اتفاقیة سایکس - بيکو.

وكانت غاية الإنجليز من ثورة الحسين، هي تعطيل الجهاد الإسلامي الذي أعلنه الأتراك باسم السلطان في استانبول .. کما علل مکماهون للحسین صعوبة الإنزال العسكري في سوریا؛ لأن ذلك خاضع لقرارات مجلس الحلفاء الأعلى.

• وكان شهر أيار ١٩١٦م موعداً حاسماً رهيباً تجاه الدفعة الثانية من المعتقلين لدى جمال باشا .. إِذ رفض فيه السفاح جميع التماسات الحسين وابنه فیصل.

• وعندما بلغ الفيصل إِعدام هذه الدفعة قفز واقفاً وألقى (كوفيته) من على رأسه، وقذف بها على الأرض، وداسها بعنف وصاح: (طاب الموت یا عرب) ! ثم سافر إِلى المدينة، وهنالك تسلم من المحافظ التركي (١٨ ألف) بندقیة، وعشرين ألف ليرة ذهبية، بعد أن تأكد المحافظ من أن كتائب المجاهدين ستسافر إلی درعا في سوریة خلال یومین.

وتغير الأمر، وأعطى الحسين الأوامر للكتائب بالتوجه إلى مكة المكرمة لبدء الثورة، وأبرق فیصل لجمال باشا يعلمه بذلك. وبذلك فإن الحسين رغم اللقب (الشريف) وما يعنيه من الناحية الدينية، ورغم خلفية الشريف العثمانية، ومفاهيمه (الرجعية) التي ظل يتشبث بها حتى منفاه إلى قبرص، إلا أن الرجل نُصّب - رغم أنفه - (قائداً للقومية العربية)، وكان رمزاً للحركة التي أرادت فصل الدين عن تلك القومية، وهو الذي قاد ثورة العرب المتعاونين مع الغرب النصراني ضد الخلافة العثمانية المسلحة.

إعلان الثورة على الدولة العثمانية - ضمن التحالف (العربي البريطاني)

عندما انتهت مکاتبات مکماهون کان الشریف حسین یحلم بملك عریض، وامبراطورية عربية، وخلافة إِسلامية، وفي صباح الثاني من حزيران ١٩١٦م، أطلق الرصاص على القلعة التركية بمكة، وكان ذلك إِيذاناً ببدء صراع مرير، لم تنته آثارە حتی الآن.

لقد استطاعت حيلة بريطانيا (التي فاوضت الشريف حسين) أن تجعله وأبناءه محاربين في صف الإنجليز والفرنسين، وأن تدفعه ليقاتل جنود الدولة الكبرى، التي كان العرب يسعون للإِصلاح فيها، ولا يهدفون إِلى تحطيمها.

• وعندها أعلن الشريف حسين بياناً ألقته الطائرات الإنجليزية على الجيش العثماني، وتحمل توقيع شريف مكة وملك البلاد العربية؟ ومن هذا البيان: (سمعنا بمزيد الأسف أنكم تحاربوننا، نحن الذين نجاهد في سبيل المحافظة على أحكام الدين الإسلامي من التغيير، ولتحرير العرب قاطبة من حكم الأتراك. نحن نعتقد أن الحقيقة الخالصة لم تصل إليكم، لذلك أرسلنا لكم هذا الإشعار ممهوراً بمهرنا، نؤكد لكم أننا نحارب لأجل: حفظ الدين وحرية العرب عامة).

ولقد عدد الحسين في بيانه الأسباب التي قادته للثورة ضد الاتحاديين - (كالظلم، ومحاربتهم للإِسلام والعروبة، وإِعدامهم لقادة العرب ومحاربة الإسلام واللغة العربية).

• والتحق ضابط المخابرات العسكرية (لورانس) بالثورة في تشرين الثاني ١٩١٦م، وعمل كمستشار لفيصل الذي تولى قيادة أحد جيوش الثورة الثلاثة إِلى جانب أخويه عبد الله وعلي، وعرف جيشه باسم الجيش الشمالي، وكان أكثر جيوش الثورة فعالية.

• ثم تكاتب فيصل ولورانس مع شيوخ قبائل البدو في الشام، فلباهما: الشيخ نوري الشعلان شيخ قبيلة الرولة، والشيخ عودة أبو تايه شيخ قبيلة الحویطات، ودفع لورانس لکل منهما (ستة آلاف جنیه إِنجلیزي ذهباً) کسلفة، ثم بلغت (٢٥ ألف دينار) وذلك مما جعل تلك القبائل البدوية بيد لورانس.

وأخذ الأصفر الرّنان يُبهر ضعاف النفوس، وخاصة رجال البدو الذين لم يألفوا هذا الذهب من قبل، فراحوا يلتفون حول لورانس الذي أدخل بعضهم في فصائل جيش الحجاز، وصار ينقد كل واحد جنيهين ذهباً كل شهر.

ثم أخذ الضباط العرب ممن كانوا أسرى، أو كانوا في خدمة الجيش التركي ينضمون إِلى جيش الحجاز، وكان لجمعية العهد اليد الطولى في التحاق ضباط العرب بالجيش العربي .. وهذا الجیش هو الذي قاتل العثمانیین في الشام وساعده، وکان ینهال علیه من أموال الإنجليز، التي استمال فيها ملكُ الحجاز والقادةُ الأربعة أولاد الحسين العربان في الشام والحجاز، وقدر بعضهم عدد مَنْ انضم من البدو إِلى الجيش العربي ما يناهز المائة ألف، والعسكر النظامي لا يتجاوز الخمسة آلاف.

• وکان رجال البدو الذین انضموا إلی هذا الجیش کثیري التردد علی أهلهم، يحاولون في ذهابهم وإِيابهم أن يخدموا الطرفين؟!! حيث يقبضون العطايا التي یقدمها لهم جمال باشا علی أمل بقائهم علی الطاعة، ثم یعودون ویأخذون رواتبهم من الإنجلیز أيضاً.

• أما بعض المتشردين من الموارنة اللبنانيين الذي خدموا في بعض الكتائب الفرنسية، فقد كانت لهم وظائف خاصة كالتجسس والترجمة، وغير ذلك من الخدمات، رغم أنهم کانوا قلة کما ان بعض النصاری المهاجرین، کانوا قد خدموا تحت راية الجيش الأمريكي طمعاً في المال.

• إِن الثورة العربية قد غيّرت مجرى الحرب ضد الأتراك؛ فعندما أعلن الشريف حسين ثورته (وحربه) ضد الأتراك، كانت الريح والدولة مع جيش الخلافة، وكان الحلفاء في وضع سيء من الناحية العسكرية، وكانت جيوش الحلفاء تستسلم للأتراك عند كوت العمارة في ٢٦ / نیسان / ١٩١٦م، وکان الحلفاء غير قادرين على مواجهة قوات العثمانيين عند قناة السويس واليمن، وذلك ما حدا بالإنجليز للضغط على الشريف حسين لإعلان الثورة حتى يحدث تخفيفاً على القوت الإنجليزية في جبهة القتال، وفعلاً أدى إِعلان الثورة إِلى رحجان کفة الحلفاء وبدأت الحامیات الترکية في الاستسلام بعد أن حوصرت، واستعمل رجال الجيش معها حرب العصابات.

استنكار إِسلامي لما فعله الشريف حسین

• وقد كتب شكيب أرسلان إِلى الحسين بن علي ينهاه عن الإغارة مع الإنجلیز علی سوريا فقال:

(أتقاتل العرب بالعرب أيها الأمير؟! حتى تكون ثمرة دماء قاتلهم ومقتولهم، استيلاء إِنجلترا على جزيرة العرب، وفرنسا على سورية واليهود على فلسطین).

• وقال محمد أسد في كتابه: (الطریق إِلى مكة):

(وكان الرأيُ العام الإسلامي غير راضٍ عن الدور الذي لعبه الأشراف في الثورة التي قام بها الشريف حسين بوحي من الإنجليز ضد الأتراك، واعتبروها خيانة من قبل المسلمين لإخوانهم في الدين. أما العرب في أفريقيا والمحميات، فكانوا مع الاتراك بعواطفهم نكاية في محتليهم الإنجليز والفرنسيين .. فقد رأوا في موقف الحسين عمالةً للمستعمرين ... ومسلمو مصر والسودان، لم تكن لديهم عُقَد خاصة تجعلهم يفضلون الاستعمار البريطاني أو الفرنسي على الاتراك).

وكان من المستحيل على هؤلاء العرب الانضمام لثورة يقودها الإنجليز والفرنسيون، وتنفق عليه بريطانيا أكثر من مليوني جنيه لتحرير العرب !! 

فصائل الجيش العربي تنطلق نحو دمشق

قاد أبناء الحسين فصائل الجيش العربي، ليحاربوا الاتراك، بدءاً من مكة والطائف والمدينة النبوية.

فهاجم الأمير علي مع ستة آلاف مقاتل محطة (المحيط) ثم (الحسا)، واشتبك مع فخري باشا (قائد حامية المدينة) في صراع دامٍ استمر طويلاً.

واختص فيصل بطريق المدينة فتولاه بجيشه العربي متجهاً نحو العقبة والوجه!

أما عبد الله بن الحسين، فقد كان يقيم قرب الطائف التي يوجد بها الوالي الترکي - غالب باشا - وكان الجدل عنيفاً بين هذا الوالي وحاشيته التي كانت تصر على اعتقال عبد الله.

• وفي یوم الجمعة ٩ / حزیران ١٩١٦م، أعلن عبد الله أنه سیذهب بعد صلاة الجمعة لتأديب إِحدى القبائل (العاصية)، وطبقاً للتقاليد آنذاك ذهب إِلى لقاء الوالي ووداعه، واخترق المعسكر التركي، فاصطف الجنود والضباط الأتراك لتحية الأمیر الهاشمي، ثم خرج الوالي لوداعه أمام ضباطه وجنوده، وتذکر الوالي ما كان يسمع من أن عبد الله ينوي مهاجمة الجيش التركي، وظن أنه من ینوي المهاجمة لا يمکن ان یأتي للوداع، ويغادر بروحٍ کلها ود واستئذان، تذکر الوالي كل هذا فعانق الأمير عبد الله أمام الجنود والضباط، وتفاعلت في أحاسیسه روح الأخوة الإسلامية فبكى بكاءً مراً -وهو مازال يعانق الأمير العربي، وكان مشهداً مؤثراً.

● وحين وصل الأمير خارج الطائف، بادر مسرعاً بتقطيع الأسلاك البرقية والتليفونية، ثم هاجم الاتراك في نفس الثكنة (القشلاق) الذي ودع فيها الوالي، وتبادل معه التحية والعناق.. واستمر مسلسل المآسي الدامية، بالقتل والنهب والتخريب، منذ أن انطلقت الشرارة الأولى بجوار بيت الله، ومطاردة الجيش العثماني في الصحراء العربية حتى أراضي الاناضول .. وكان الغدر، وکانت المكيدة ضد الترك وضد العرب أنفسهم .. وضد المسلمين جميعاً .

• كان الأمير فيصل (وينظر إِليه) كقائد عربي، يتلقى الأوامر من الجنرال اللنبي، وقد لقبه بقائد الجيوش الشمالية. وجاء في نشرة وزارة الحربية البريطانية في آب ١٩١٧م، أنّ خطة العرب في بدء نهضتهم خطة حسنة، تحوي حذقاً وحزماً ودهاء (؟!)، فقد خرّبوا قسماً من السکة الحدیدیة، واستولوا علی مراکز الاتراك ... خرّبوا من أول شهر أیار إلى التاسع عشر منه، خمسة وعشرین جسراً!.

• لقد كان الإنجليز يستخدمون الثورة العربية وجيش الشمال خاصة، لخدمة أهدافهم العسكرية في محاربة الأتراك، وقطع السكك الحديدية ... وكان في جيش فيصل بعض ضباط الإنجليز منهم: كلوب ولورنس ومغرزة من الجيش الفرنسي.

• وكان لورنس ضابط مخابرات بريطاني، ولإلمامه باللغة العربية أوفدته بريطانيا إلى الحجاز في تشرين الأول ١٩١٦م وانضم إلى جيش فيصل كضابط مخابرات ومفرقعات ... وأظهر نفسه بمظهر البطل الذي يحرك العرب، وکتب كتابيه: (ثورة الصحراء) و (أعمدة الحكمة السبعة)، ويظهر أن لورانس كان بهلوانیاً كذاباً مدعياً من طراز فريد.

• وكان مستشار الأمير العربي متعاطفاً مع الحركة الصهيونية، آزرها ما بين (١٩١٨م - ١٩٢٢م) منذ أن اجتمع بوایزمن لاول مرة ١٩١٨م، وحمل فيصلاً على الاجتماع بوايزمن في العقبة، وبارك مساعي التفاهم بينهما، وحجته أن وعد بلفور لا یناقض عهود مکماهون للجیش.

كما لعب لورنس دوراً خاصاً في اجتماعات فيصل والصهاينة في لندن وباريس، وكان قد قال للصحفيين بأنه يعتبر اليهود النقلة الطبيعيين للخميرة العربية الضرورية لدول الشرق الأدنى.

وكان وايزمان قد قال عن لورنس: (لقد وجدت عنده تفهماً عاطفياً لمطالبة اليهود بفلسطين)، وخرجت الحملة التي شكلها فيصل لاحتلال العقبة في ٩ آيار ١٩١٧م، وعيّن عمه الشريف (ناصر) لقيادتها، ثم احتل العقبة، وما بعدها إلى عمان ... وقد أصبح هذا الجيش تحت إِمرة قوات الحلفاء، وقائدها الأعلی الجنرال اللنبي.

وفي جنوب فلسطين، استعان الإنجليز بنفوذ الحسين وفيصل على العرب في فلسطين، كي لا يحاربوا في صف الاتراك. وباقتراب صيف ١٩١٨م، أصبحت معظم القوات الموجودة في جيش فيصل من السورييين، الذين صاروا يحاربون في بلادهم.

وأخذت القوات البريطانية القادمة من جبال الجليل بفلسطين، والقوات العربية الزاحفة نحو الشمال، تزحف كلها في خطين متوازيين في عملية سباق نحو دمشق.

• وخلال فترة الحرب هذه، ظهرت فضائح الاتفاقیات السرية، سایكس - بیکو، ووعد بلفور.

وقع أنباء سايكس بيكو على الجيش العربي

• لقد ظهرت أنباء سايكس بيكو الغادرة بتقسيم البلاد العربية بين الحلفاء عن طريق الحكومة الشيوعية في روسيا في ٨ تشرين الثاني ١٩١٧م. 

وعن طریق جمال باشا الذي أرسل رسالتین إِلى الأميرين: عبد الله، وفیصل، وثالثة إِلي القائد العسكري الكبير في جيش فيصل بن الحسين (جعفر العسكري)؛ فقد ذكره ببطولاته القديمة، وحربه ضد الإنجليز بمصر .. وأعلم فيصل والده بتلك الأنباء، فانکر ذلك، ورفض أن یغیر موقفه.

· أما جعفر العسكري، فقد أدت الرسالة إِليه إلى محاولة لتمرد الجيش العربي على قيادته، بعد أن نشرت أنباء الاتفاقية الغادرة ووعد بلفور في أسبوع واحد من شهر تشرين الثاني ١٩١٧م.

كما رفض الضابط: ياسين الهاشمي، قائد الفرقة (٢٠) بفلسطين، أن يترك واجبه العسكري مع الجيش العثماني في تلك الظروف الصعبة، وقال: (إن الإنجلیز غیر مخلصین لفیصل ولا لوالده، وذکر اتفاقیة ( سایکس-بیکو، ووعد بلفور) ... ورغم ذلك کله:

فقد نقلت العربية الفتاة مركز قيادتها إِلى معسكر فيصل في الأردن، ليزحفوا جميعاً نحو دمشق .. كما رفض الضباط العرب الاستمرار في الحرب إِلى جانب الإنجليز؛ لأنهم أحسوا بأنهم لم يحاربوا ليستبدلوا الأتراك بالإنجلیز والفرنسيين لاقتسام بلادهم، وخرجوا على أوامر فيصل، الذي أرسل إِلى والده يطلب منه أن تقدم بريطانيا تأكيدات بأنها ستنفذ عهودها الاساسية له.

فأجابه أبوه في ١٩١٨/١/١١م، يعلمه بثقته بالحلفاء وأنهم لن يُخلّوا بحرف من مقرراتهم معه، وليس بينه وبين الترك إِلا السيف.

• وتكرر العصيان عند بعض الضباط العرب ضد قيادة الحلفاء، واشتد هياجهم قبل الوصول إِلى دمشق، مما اضطر الميجر (يونغ) أن يعتذر لهم ويطيب خاطرهم وذلك في أيلول ١٩١٨م وسَوَّى الأمر معهم، وانتهت الانتفاضة كذلك.

واستمر فيصل وجيشه في الإعداد لدخول دمشق، فاتصل بقيادة العربية الفتاة في سوريا، وقادة عشائر الشام، وأرسل الکتب إلى قيادات الدروز وضباط جمعية العهد في الجيش العثماني للانضمام إِليه .. وكانت العشائر المسيطرة على البادية مهمة بالنسبة للعمل العسكري، وكانت بريطانيا قد خصصت لمفوضها بمصر مبلغ (٢٨ ألف ليرة إِنجليزية) توزع على نوري الشعلان وبني شاكر والدروز في حوران وبقية مشايخ القبائل.

•· وبذلك أكمل الإنجليز حلقات التآمر، والوعود الكاذبة والاتفاقيات الغادرة، والأموال الطائلة، وإِراقة الدماء المسلمة البريئة، لقد غاب عن القوميين العرب قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىْ عَنَكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].

غدر الإنجليز بحليفهم الشريف حسين وعزله

رفض الشريف الحسين توقيع معاهدة تتعلق بمصير فلسطين:

بعد نهاية الحرب وانتهاء خدمات الشريف حسين، أرسلت بريطانيا (لورانس)، عسى أن يقنع الحسين بقبول مصير فلسطين. قال راندال باكر مؤلف كتاب (الحسين ومملكة الحجاز): (نقلت الشؤون العربية من إِشراف (كيرزون) في الخارجية إلى (تشرشل) في وزارة المستعمرات).

فعقد تشرشل مؤتمراً في القاهرة في مارس ١٩٢١م، لمداواة الجراح التي أصابت العرب وبیت شریف مکة، وفي یولیو من نفس العام أُرسل (لورانس = ضابط المخابرات البريطانية) إلى الحسين ليعقد المعاهدة بين بريطانيا والحجاز. 

وقال للملك حسین: (إِن قضية عروبة فلسطين لا جدوى منها، ولا مجال للنقاش حولها، فهي غير مقبولة، أما وعود الحرب فقد سقطت بفعل الأحداث، وعلى الملك أن يقبل بالأمر الواقع)، ولكن الملك رفض المساومة تماماً، رغم نصيحة فؤاد الخطيب وزير خارجيته ورغم إِلحاح أولاده بأن يقبل ما يعرض عليه.

• قال لورنس للملك حسین: (إِن أهالي فلسطين لا يريدونك)؛ فرد الملك: (هذا لا یغیر من الأمر شیئاً، نحن لا نرید فلسطین لي ولا لاولادي، ولکن أرید أن تحفظ بريطانيا وعودها للعرب، فإِنْ فعلت فأنا وأولادي على استعداد لمغادرة البلاد العربية).

• ویقول ( راندال باکر) أیضاً: واستمر لورنس يغريه بأنه لو وقّع المعاهدة، فسوف يحمي نفسه من الإخوان، كما أن الدعم المالي سيقطع إِذا لم یوقعها، ومن المؤکد أن قوات نجد لن تغزو بلداً تربطه معاهدة مع بریطانیا، فقال الملك بتأثر، وهو يعرف أنه بدون معاهدة لن يسطيع الاستمرار: (أنا لا أستحق القيادة، دع الأمراء يتفقون على قائد، وأنا أتنحی).

عندها أمر لورنس بأن يذهب إلى الأردن ليحصل على توقيع الأمير عبد الله، ولعل ذلك يلين موقف الشيخ، وفعلاً وقع عبد الله في ٢١ أكتوبر ١٩٢١، وأرسل خطاباً إِلى والده يشرح له الأسباب، فأعيد الخطاب إِليه دون أن يُقرأ واستمرت المفاوضات دون طائل حتى عام ١٩٢٣م.

• ويشير حافظ وهبة إِلى زيارة وفد فلسطيني إلى مكة في خريف ١٩٢٢م، فألهب حماسة الحجاج وفتحت جريدة القبلة له صفحاتها، فاستاءت بريطانيا من ذلك، وبعثت برسالة إلى الملك حسين تنتقد فيها حكومة الحجاز وهيئة تحرير القبلة! 

ويعتقد حافظ وهبة: (أن الملك اتخذ ذلك الموقف المتصلب بشأن قضية فلسطين تحت تأثير الأحزاب العربية). لقد رفض الحسین کل توسلات أبنائه (علي ۔ فیصل - عبد الله).

بل یروي (سلیمان موسی): أن الملك صعد إلی سطح قصره، وأقسم برب الكعبة: أن لا يوقع على معاهدة لا تحقق الوعود القديمة، فغضب لورنس وغادر الحجاز إلی عمان دون أن يودع الملك.

الشعور بالمرارة والندم

وقد اعتذر الأمير علي بن الحسين - الذي أصبح ملكاً على الحجاز بعد أبيه - بقوله: (لم نكن سوى بدو بسطاء، لم يسبق لنا قبل الثورة أن دخلنا في الحیاة الدولیة، أو عاملنا الأجانب او اتصلنا بهم من قریب او بعید، وقد جاءنا الإنجليز إِلى الحجاز، ولم نذهب إِليهم، جاءونا بورقة بيضاء في ذيلها ختم الامبراطورية، وقالوا لنا: هذه ورقة رسمية فاكتبوا فيها ما تشاءون، ونحن مستعدون للتنفیذ والتلبیة، فصدقناهم ووثقنا بهم، وقاتلنا في جانبهم، ولکنهم ما لبثوا أن خانوا وغدروا بنا).

• وقال راندال باکر: (وفي اعتقادي أنه إذا كان الملك حسين مذنباً في شيء، فهو أنه كان ساذجاً لا يفهم سياسات القرن العشرين)، وقال: (وأعتقد أنه كان يتلقی نصائح ضارة من ابنه الثاني (عبد الله) الذي کان خلف الشطحات التي تنسب لأبيه، أما الملك فكان يتصرف بعقلية القرون الوسطى التي عرفها في البلاط العثماني في استانبول، وكان يؤمن بشرف الكلمة، ثم واجه بهذه الأساليب أوربا، التي كانت تخوض حرباً لا تعترف باتفاقیات، ولا حیاد ولا ما شابه ذلك).

•• وقد وصف أمين الريحاني مآدب- الملك فيصل- ملك العراق: (في أحد البساتين)، بأنها مآدب الغم، كان ذلك وهو محاط بحاشيته من الإنجليز وأضرابهم في العراق.

• قال الريحاني: (قال الملك: تراني اليوم محاطاً بالأعداء، ولا صديق لي غير الإنجليز، فمن أين لي الحليف لو شئت المخالفة؟! في سوريا الفرنسيون وهم أعدائي، وفي الشمال الأتراك وهم يكرهونني، وفي الشرق العجم يدسون الدسائس بواسطة الشيعة على حكومتي، ومن الجنوب ابن سعود يهددنا دائماً بالإخوان من جيشه، من إِذاً غير الإنجليز؟!). (وكان جلالة الملك أثناء المادبة، صورة من صور اليأس المحزنة، وقد رأيته غير مرة يتثاءب، وما سمعته والمندوب السامي يتحدثان ولو عن الطفس ... )، (وجلس الملك في خيمة يلعب بسبحة، ويدخن السيجارة تلو السيجارة فياله من غم !! ).

•• وهذه نتيجة طبيعية لمن يوالي أعداء الله، من اليهود والنصارى، ولمن يثق بأحفاد القردة والخنازير، فإِن خلاف المواعيد ديدنهم، والغدر واللؤم من أنبل أخلاقهم. وها هو التاریخ یعید نفسه، فهل من متعظ؟!

إبعاد الحسين إلى قبرص ونهاية المأساة الأليمة

• عندما انتهى دور الشريف حسين وأراد الإنجليز استرضاء العالم الإسلامي، أوحوا لأبنائه بالتقدم بعريضة يوقع عليها عدد من الأشراف، يطلبون فيها عزل الشريف حسين (خليفة المسلمين) عن إمارة مكة، وتعیین ابنه بدلاً منه .

• فوقّع الأمیر عبد الله هذه الوثیقة، وقدم الشریف حسین استقالته للمعتمد البریطاني الذي اندهش من ذلك. وتبدلت لهجة بريطانيا مع الحسين، بعد الألقاب التي دبّجَها مكماهون باسم بريطانيا: (إلى السيد الحبيب النسيب، سلالة الأشراف، وتاج الفخار، وفرع الشجرة المحمدية والدوحة القرشية، صاحب المقام الرفيع .. قبلة العالمين، الذي عمت برکته الناس أجمعین).

ضاعت هذه الألقاب كلها للحسين، ثم وُجِّهَ إِليه خطاباً موحشاً وإِنذاراً لا يقبل نقاشاً ولا رأياً، تبدلت لهجة الخطاب مع الحسين، ضاعت مع أرواح قتلى العرب في سبيل الإنجليز، وجاء في الإنذار: (إِلى جلالة الملك حسین، من وکیل خارجية بريطانيا، بُلُّغت حكومة جلالة ملك بريطانيا أن عظمة سلطان نجد هيأ قوة لمهاجمة العقبة، والباعث هو جلالتكم وحكومة الحجاز) إلى أن يقول:

(وفي هذه المناسبة نُصرُّ بإلحاح بوجوب مغادرتكم العقبة، ولا يمكنها أن تسمح لکم بالبقاء أکثر من ثلاثة اسابیع)، ورست بارجتان بریطانیتان في العقبة، ورفضت بریطانیا السماح له بالسکن في يافا أو حيفا العربيتين.

• خرج الشريف ليلاً على البارجة (دلهي) من ممتلكات التاج البريطاني منفیاً إِلی قبرص، وصحب معه حفيده الأمير طلال، وكان قد طلب التأخر يومين فرفضوا، وقال أذهب إِلى حيفا بدلاً من قبرص فقالوا: لا، وأراد أن يستقل یخته الخاص به، ولکنهم لم یوافقوه.

وأنزلوه بمنزل متواضع لا يليق بأمير، وألحقوا حفيده بوظيفة (نائب حاكم قبرص)، وكان المرتب الذي يتقاضاه كل شهر لا يكفي ثمن الغذاء والدواء، كما روى الملك طلال في مذكراته عن تلك الفترة. وهكذا تحول الثوار الذين ضربوا الإسلام بالعروبة إلى موظفين في وزارة الخارجية البريطانية!

• وعندما مرَّ الحسين عبر قناة السويس، مأخوذاً إِلى قبرص صَحبَهُ بعض کبار العرب من السویس إلي بورسعید، وسمعوه يُحدثهم في أسى وألم قال:

(إنه کان مخطئاً، وأنه ماکان یعرف أخلاق الاوربیین، وما تنطوي علیه)، وقال:(إنه یشهد أنه فعل ما فعله عن حسن نية).

• وفي ٢٢ حزيران ١٩٢٢م، نزل الحسين في (فاماجوستا) بقبرص منفياً شريداً بعيداً عن الأصدقاء، فاقداً الملك والوطن، مُرْهَباً بحلفائه وخادعيه .. وأصبح الحسيب النسيب ضيف حلفائه وسط المنفى في جزيرة قبرص. وبذلك تتضح الصورة من جديد، في تحالف الصهيونية العالمية مع الصليبية الاستعمارية.

• نزل الحسين في قبرص ضيفاً مبعداً، ولكن حاكم قبرص البریطاني كان هو (رونالد) السكرتير الشرقي في دار المندوب السامي بالقاهرة أثناء الحرب العظمى، فكثيراً ما جاء مندوباً إِلى الحسين من حکومته، فأجزل له العطايا وأثقله بالهدايا، وظن الحسين أنه سوف يلقى الخير من صديقه ذاك، وسوف يحيا في منفاه معزّزاً مكرّماً، ولكن هيهات: أفي قومه الوفاء، أم آباؤه الصِّیدُ؟!

لقد كان ما رآه الحسين من ذاك الصديق قاسياً رهيباً، أرادت بريطانيا أن ترهب العرب وترعبهم آنذاك، فليكنْ الحسين أمثولة للجمیع، وتكالبت الآلالم والإحباطات على الشريف حسين، وهاجم الشلل ملك العرب، واستراحت بريطانيا، فقد انشغل عنها الملك المبعد بأمراضه ومتاعبه وهمومه، وعاد إلى عمّان مريضاً، ليدفنَ في جنبات المسجد الاقصى بعد أن قال لأصحابه ناصحاً: (إِياكم وتصديق الإنجليز، فكم ذقت مراً من صداقتهم التي هدمتني، وهدمت العرب والإسلام).

• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَولَّهُم مِنِكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقيل: أن الحسين كان يطوف في أرجاء قصره، بعد أنْ خُلعَ من الملك وهو يهتف: (هذا جزاء من يثق بالإنجلیز).

وعندما زالت المرارة ضد الترك بزوال دولتهم، انتبه العرب على المصير الذي سقطوا فیه، بعد سقوط الخلافة، فحملوا مسؤولیة ذلك کله للحسین وأبنائه، وخاصة أنهم أصبحوا هم المنتفعین الوحیدین بما نزل بالعرب من كوارث ومصائب.

فعُيّن فيصل ملكاً على العراق، بعد قبوله بالانتداب البريطاني، وعُيّن الأمير عبد الله أميراً على شرقي الأردن، بعد قبوله بانتداب بريطاني على العراق والأردن وفلسطین. وذهل العرب من توزيع الإنجليز تلك العروش على أفراد الأسرة الهاشمية، بينما كانت علاقة الملك حسین بالإنجلیز في تدهور مستمر.

لقد كانت المأساة أليمة، وثمار الثورة تحولت إلى أشواك مريرة، عبّر عنها الشاعر أحمد محرم وهو يخاطب فيصل بن الحسين حينما مرّ بمصر مطارداً من فرنسا عام ١٩٢٠م فقال:

نزيل النيل أین تركتَ ملكاً … ألمّ ببابك العالي نزيلا

وأین التاج یرفع في دمشق … فيصدع هامة الجوزاء طولا

وأین الجند حولك تزدهیه … مواكب تحمل الخطر الوبيلا

• وأشار الشاعر أحمد شوقي إِلى غدر الحلفاء وهو يرثى الشريف حسيناً بقوله:

قمْ تحدثْ أبا عَليِّ إِلینا … کیف غامرت في جوار الأراقم

قد رجونا من الغنائم حظاً …  ووردنا الوغى فكنا الغنائم

• علاقة الشریف حسین بأبنائه آخر أيامه:

• تفيد تقارير القنصلية البريطانية، أن الامير عبد الله قدَّم للقنصلية بواسطة عمدة جدة (سلیمان قابیل) عریضة تتضمن توقیع عبد الله وستین شريفاً يطلب السماح لهم بخلع الملك حسين والده، ولكن المعتمد البريطاني رفض التدخل، كما أنّه كان للحزب الوطني الحجازي الدور المباشر في خلع الشريف حسين.

• وبعد عبد الله جاء أخوه علي، فقال المعتمد البريطاني (جراني سميث) عنه: (أبلغني فؤاد الخطيب أن الأمير علياً تحدث معه بجدية في السنة الأخيرة، عن قيادة انقلاب ضد أبيه، والذي يعتبره أولاده عقبة في طريق القضية العربية).

ولم يكن رأي الحسين في أولاده بأفضل من هذا العقوق ... فقد كان يسخر منهم، ويقلل من شأنهم أمام الأجانب. قال للريحاني عن أولاده بأنهم: (فتحوا الباب لفرنسا في سوريا وقتلوا الحركة العربية). ویقول راندال باکر: (إِن الملك ( حسین) کان مقتنعاً بأن فیصلاً غدر به في فرساي، وساوم على حقوق العرب بقبول عرش بريطاني الصنع، أما عبد الله فهو مرتبط بالبريطانيين تمام الارتباط).

·• وفعلاً خدم الأمير عبد الله الإنجلیز طوال ثلاثين عاماً، كما أنه سهّل السبل لمصالح اليهود، وقامر على فلسطين خلال حكمه الطويل.

• وقد اشتکی الملك حسین للریحاني، مما سماه: عقوق أولاده له؛ فقال:

( ... ما جئتك شاكياً أيها النجيب! فأقرب الناس إِليّ يخونون ويخطئون ... لكنها العهود وحقوق الأب على بنيه، إِن أحقر البدو لا يخونون عهداًً یعاهدون به، ولو اتبعوا نصيحتي، لو امتثلوا أمري، لما كان ذلك التساهل والتذبذب في المؤتمرات .. فتحوا باب سوريا لفرنسا، وكادت سياستهم تقضي على القضية العربية).

وهكذا ابتعد عن صاحب الثورة العربیة، أقرب الناس إلیه، أبناؤه وحلفاؤه وشعبه ..شعر بالمرارة ولكن بعد فوات الاوان، جنى أشواكاً دامية في حياته، وترك آثاراً خطيرة، وجراحاً عميقة في كيان الامة بعد مماته. وكان آخرها إسقاط الخليفة العثماني، وتمزق الامبراطورية التي رفرف علمها على بلاد العرب أربعة قرون.. اشترك في تلك المؤامرة الخطيرة: الحركات القومية: الطورانية والعربية، بشعارات جاهلية، وعصبيات خبيثة علمانية، وأشعل النيران فيها: عصابات يهود، ومجرمو السياسة الدولية، والخائنون للعهود من الحلفاء الصليبيين. 

لقد حزن الناس على سقوط الخلافة، وامتلات قلوب المسلمين حزناً لمصير دار الخلافة - الآستانة - وقد احتلتها جيوش الأعداء، وتقاسمها الإنجليز والفرنسيون والطليان حتى أصبح الخليفة سجيناً أو كالسجين، وقد عبّر الشاعر حافظ إبراهيم عن هذا المصير المؤلم خير تعبير حينما قال:

أیا صوفیا حان التفرق فاذکري …عهود کرام فيك صلّوا وسَلموا

 إِذا عدت يوماً للصليب وأهله … وحلّى نواصيك المسيحُ ومريمُ

ودقّت نواقیسٌ وقام مزّمرٌ … من الروم في محرابه یترنّمُ










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق