أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 31 مايو 2026

فلسطين في العهد العثماني - وصرخة السلطان عبد الحميد د. حسن أوزدمير بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

فلسطين في العهد العثماني - وصرخة السلطان عبد الحميد

د. حسن أوزدمير

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، سهلت القوى الماسونية اليهودية السرية انتصار مصطفى كمال على الجيش اليوناني، الذي تغلغل في الأناضول واحتل أزمیر. وانسحبت جيوش الحلفاء التي كانت تحتل تركيا أمام أتاتورك، لأنه هو الجواد الرابح الذي سينفذ أوامرهم، ويهدم الخلافة، متظاهراً بالتدين والإسلام؛ ليحشد القوى الشعبية التركية معه.

وقد استعان أتاتورك لتنفيذ خططه في هدم الإسلام بعدد من اليهود، وبرؤوس الفتنة من الماسون مثل: جاويد اليهودي، وعصمت إِينونو الماسوني، وضيا صفوت اليهودي أيضاً. وکان من أکبر مستشاریه «حاییم ناحوم» الذي ولد في أزمیر وتعلم في الجامعة العبرية في استانبول، وهو الذي وضع شروط معاهدة لوزان، التي اشترط رئيس الوفد البريطاني (كرزون) فيها أربعة شروط للاعتراف بتركيا والانسحاب منها، وهي:

١ - إِلغاء الخلافة الإسلامية إلغاء تاماً.

٢ - طرد اخلیفة خارج البلاد.

٣ - مصادرة أمواله وأملاکه.

٤ - إِعلان علمانية الدولة.

ولم تنسحب بريطانیا من تركیا حتى تحققت تلك الشروط، ثم طبق حکام ترکیا هذه الشروط بأمانة، ومایزال کابوس احكام أتاتورك نافذاً حتی اليوم، بقوة الجیش وجبروته.

• جاء في دائرة المعارف الماسونية:

أن الانقلاب التركي عام ١٩١٨م، الذي قام به الأخ العظيم مصطفى كمال، أفاد الأمة، فقد أبطل السلطنة وألغى الخلافة، وأبطل المحاكم الشرعية، وألغى دين الدولة الإسلام، وألغى وزارة الأوقاف .. أليس هذا الإصلاح، هو ما تبتغيه الماسونية في كل أمة ناهضة؟! فمن يماثل أتاتورك من رجالات الماسون سابقاً ولا حقاً؟!.

• وجاء خلفاء أتاتورك: عصمت إِینونو وآخرون، فأکملوا المسيرة الخبیثة، والأحكام الجائرة، وما تزال سارية حتى الآن. ولعله من أحسن ما کتب في تصویر انحرافات كمال أتاتورك وخبثه، مقال لمصطفی صادق الرافعي رحمه الله، بعنوان: (تاریخ یتکلم)، وقد جاء فیه:

(إن هذا الطاغية ملك حاكم، يستطيع أن يجعل حماقته شيئاً واقعاً، فيقتل علماء الدين بإِهلاكهم، ... ويقتل مدارس الدين بإخرابها .. ويبلغ من كفره أن يتبجح ويرى هذا قوة. ولا يعلم أنه لهوانه علی الله، قد جعله الذّبابة التي تصيب الناس بالمرض، والبعوضة التي تقتل بالحمى، والقملة التي تضرب بالطاعون. فلو فخرت ذبابة، وتبججت قملة، أو استطالت بعوضة، لجاز أن يطنّ طنينه في العالم، وهل فعل أكثر مما تفعل؟!).

وعندما انكشفت حقيقة أتاتورك، وتبين خداعه للمسلمين، بكى شوقي الخلافة التي أعلن الخبيثُ إلغاءها، وجعل تركيا دولة علمانية، وطرد آخر الخلفاء العثمانيين وارتفع صوت الباكين يعلنون موتها المفاجئ في صخب المحتفلین بعرسها، إِذ کفنوها في ثوب الزفاف بین جزع الجازعین، وذهول الذاهلين، هكذا صوَّرَ أمير الشعراء تلك المأساة بقوله:

عادت أغاني العُرس رجْعَ نُواح …ونعيت بين معالم الأفراح

وکفّنْتِ في لیل الزفاف بثوبه … ودفنت عند تبلج الإصباح

شُيعْت من هلع بعبرة ضاحك … في کل ناحية وسکرة صاح

فالناس ما بین ذاهل عن نفسه کالسكران، وثمل بنشوة الکمالیین قد استخفه الطرب، وآخرين قد فاضت عيونهم بالدموع قبل أن تتلاشى آثار الفرح بسبب الخداع اللئيم).

• ثم قال شوقي مخاطباً الخلافة ومدى حزن المسلمين عليها:

ضجت عليك مآذن ومنابر … وبكتْ عليك ممالك ونواح

الهند والهة ومصر حزينة … تبكي عليك بمدمع سحاح

والشام تسأل والعراق وفارس … أمحا من الأرض الخلافة ماح؟!

ويقول أحمد محرم حين يخاطب العاصمة استانبول بقوله:

أعن خطب الخلافة تسألینا؟! … أجيبي یا فروقُ فتی حزینا

مضی الخلفاء عنك فأین حلّوا … وکیف بقیت وحدك خبرینا

• حقاً كانت المأساة موجعة، والمؤامرة ضخمة، والتخطيط خبيئاً اشترك فیه اليهود والمسلمون، وأهل الصليب وخبائث النزعات القومية، طورانية وعربية، ﴿ولله الأمر من قبل ومن بعد﴾.

_______________________________________________

مكانة فلسطين التاريخية والدينية

فِلسطين بلدة يُقدسها اليهود والمسيحيون والمسلمون؛ لما تحمِله من معانٍ دينية، فضلًا عن طبيعتها الجغرافية المهمّة التي تجعلها چِسْرًا بين قارتي آسیا وإفریقیا.

بدأ بنو إسرائیل الهاربون من ظلم فرعون هجرة گُبری صوب الأرض الموعودة، وكان موسى عليه السلام -قائدهم، فسيطروا على قسم كبير من المنطقة، وبعـد تولى داود عليه السلام حُكم بني إسرائيل خَلَفًا لشاؤل (طالوت) أول ملوك بني اسرائیل، وفتح القُذس، وجعلها عاصمة للدولة، وحكم ثلاثة وثلاثین عامًا.

وقد غادر موسى عليه السلام -ومعه بنو اسرائيل سَيْناء لإقامة دولة في فلسطين، ولكنه تُوفِّي في الطريق، ويرى اليهود أن فِلسطين هي"الأرض الموعودة" لهم. بينما يراها المسيحيون أنها الأرض التي وُلِد فيها عيسى عليه السلام، ومنها رُفع إلى السماء، ودُفنت فيها أُمُّه السيدة مريم عليها السلام، كما أن للكنائس المنْشأَة فيها ودور العبادة المقَدسة الأخرى أهمیة کبری عندهم.

وكم أثنى القرآن الكريم على القدس؛ ففيها المسجد الأقصى أولى القبلتين، وهي ثالث الحرمين، ولا يخفى أن المسلمين يُكِنُّون الاحترام والحبّ لکثیر من الرسل الذین کان لهم فيها مقامات وذكرى؛ لذلك حظيت تلك المناطق باهتمام خاصّ أثناء انتشار الإسلام؛ وعقِب وفاة رسول صلى الله عليه وسلم وقعت عِدّة غزّوات لمحاولة فتح فلسطين؛ ففتحت وأُلحقت بالأراضي الإسلامية، وظلّت عصورًا طویلة تحت الحكم الإسلاميّ.

وفلشطين من الناحية الدينية والعِزقية، تمثّل لوحة من الفُسَيفساء، فكانت منذ أن فَتحّها عمرو بن العاص في عَهْد عُمّر بن الخطاب رضي الله عنه، تُمثِّل العدالة والتسامح الإسلاميّ علی أكمل وجه، وقد زارها الخليفة عُمَر شخصيًّا، ووقّع بنفسه اتفاقية السلام فيها، مُعْلِنًا في عَهْده العُمريّ المشهور أنه ستتمّ حماية غير المسلمين المُقيمين فيها، من كل أنواع الضرّر، وفْقا لأحكام الذِّمِيين، وأنهم سيقيمون أديانهم بحُرِّية تامة.

وأصبح عَهْد عُمَر رضي الله عنه لأهل القُدس، أُسوة لمن جاء بعده من الحُكّام المسلمين، وقد استطاع صلاح الدين الأيوبيُّ اسْتِزْداد القُدس من الصليبتين مرّة أخرى بعد معارك استمرّت حتى عام ١١٨٧م، وطبّق العدالة والتسامح الإسلاميّ بعينه، وأبدى كل أنواع التسهيلات للصليبين؛ خاصة النساء والأطفال ورجال الدين المسيحيّ في المدينة.

وقد تنامى التسامح الذي كان سائدًا في القُدس في عصر الدَّولة العثمانية تنامیًا أکثر من قبل، فدخل کل مجال من مجالات الحياة، وحكم السلاطين العثمانيون هذه المنطقة مُتعددة الأجناس والديانات في سلام وأمان/ التزاماً منهم بعَهْد عُمَر رضي الله عنه، وقد سُجّل هذا العَهْد العُمريّ في سِجلّ "كنيسة القيامة" في الأرشيف العثمانيّ، وكذلك في الخطّ الهُمايوني (أي خطّ الملك) وسِجْلاته.

وفي عام ١٤٥٨م وَفَد أتناسيوس (بَطْرِيَرْك الروم بالقُدْس) هو ورُهْبانه إلى إسطنبول ليُهنئوا السلطان الفاتح بفتحها، وطلبوا منه: استخدام المعابد المسيحية في القُدْس وإعفاءها من الضرائب، وأَرَوه كُتُب العهود الممنوحة لهم من الرسول صلة الله عليه وسلم، ثم من عُمّر عه ومن جاء بعده من السلاطين، وقام السلطان الفاتح أيضًا بمنْحهم تلك الامتیازات- بمرسوم همایوني -قال فیه: "ألا لعنة الله علی من یفسخون هذا الحكْم".

وابتداءً من السلطان ياووز سليم الأول طَبّق السلاطين العثمانيون ذلك القانون، ومنحوا بعض الامتيازات التي تجعل الجميع يُمارسون شعائر دينهم بكل حرية، غير أن هذه الامتيازات أدت إلى استغلالها وسوء استعمالها، وبدءًا من القرن التاسع عشر حاول اليهود والمسيحيون ذو المذاهب المتنوعة في القُدس إقامةً مؤسسات خاصة بهم بدعم من الدول الغربية؛ حتى يتسنى لهم تفتيت وحدة الدَّولة العثمانية.

وقد تحوّلت عقيدة العَودة إلى صهيون -الأرض الموعودة- بين بعض الیهود إلی حرکة صهیونية سیاسية، وبُذل جُهْد کبیر من أجل ذلك، وقد سژعت حرکة معاداة السامية التي تطورت في روسیا وأوروبا من الهجرة إلى الأراضي الفلسطينية، ولا سيما بعد عام ١٨٨٠م، حتى قام السلطان عبد الحميد الثاني -بعد أن رأى خطورة الموقف- باتخاذ التدابير التي تمنع هذه الهجرة؛ لئلا يتمَّ توطين أيّ يهودي على الإطلاق، غير أنه تعذّرت الحيلولة دون الهجرة اليهودية.

ومع إعلان المشروطية (الإعلان الدستوري) عام ١٩٠٨ م أراد اليهود الاستفادة من مناخ الحرية، فبدؤوا بتكوين مُستغمَرات جديدة في المنطقة بشكل مُنظّم وسريع؛ فقرّر الاتحاديون حظُر توطین اليهود بفلِسطين كما حدَث من قبل، غير أن اليهود واصلوا الاستيطان في هذه المنطقة بطُرُق مُتنوعة، ومن ثَمّ اتخذ الاتحاديون قرارات شديدة صارمة، ونفوا بعض اليهود خارج فلشطين قُبيل الحرب العالمية الأولى.

وفي الحرب العالمية الأولى واجهت دُوَل الحُلَفاء بقيادة إنجلترا الاتفاق العثمانيّ الألمانيّ، وسَعتْ علانيةُ أثناء الحرب من أجل إنشاء دولة للیهود في فلسطین، ومع بدء الاحتلال الإنجليزي لفلسطین عام ١٩١٧م، أُعلن في الخطاب -الذي كتبه وزير الخارجية البريطاني بلفور "المسمى وعد بلفور" إلى اللورد روتشيلد باسم اتحاد الجمعيات الصهيونية- أن إنجلترا تری إقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين، وقد صدَّقت على هذا الدُّوَل العُظمى الأخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع تکرار الهجوم من قبل الإنجلیز في أیلول/سبتمبر عام ١٩١٨م واحتلالهم لفلسطين تمامًا، أصبحت المنطقة التي كانت خاضعة للانتداب الإنجلیزي تحت سیطرة الیهود؛ لتکون وطنا لهم، ومع أن إنجلترا ساعدت الیهود من أجل توطینهم في فلسطین، إلا أن يهود ترکیا قدّموا اقتراحًا لمناقشته في المجلس أثناء إجراء مُحادثات الصلح في "لوزان"، ادَّعوا فیه أن مساعدة إنجلترا لهم کانت من أجل مصلحة مؤقّتة، وأنه یستحیل الوثوق بالإنجلیز على المدى البعيد.

وورد في الجلسة رقم (١٦١) من البرلمان الترکي الأول برئاسة علي فؤاد باشا: (یُلتمس -في رسالة میشون - وانتورا وصديقيهما من مُدرّسي دار الفنون السابقین- منح انتداب دولة یهود فلسطین إلی دولة ترکیا؛ وذلك نظرًا لأن اليهود لن يَنْسَوا أبدًا أنهم وجدوا الملجأ الحقيقيّ والمخلص لهم في ترکیا ،بینما کانوا یتعرّضون منذ خمسة قرون لأنواع التضييق في كل أنحاء العالم؛ ولذلك نقترح ونلتمس منح الانتداب في فلسطین إلی دولة ترکیا من أجل توفیر تناسب ووفاق بین اليهود والعرب كما كان الأمر في فلسطين أثناء الحُكْم التركي)!

وكان من الطبيعي أن عارض النُّواب مثل هذا الاقتراح بشدّة، يعني المُوافقة على توطين اليهود بفلسطين، والتصديق على الخطوات التي اتخذت في سبيل إقامة دولتهم فيها، ومن ثَمّ رُفض هذا الاقتراح في المجلس.

_____________________________________________

اليهود وجمعية الاتحاد والترقي

إنَّ عدم حصول اليهود على تنازلات من قبل السلطان عبد الحميد الثاني في مسألة توطين اليهود في فلشطين، جعلهم يُعلّقون آمالًا كبيرة على إعلان المشروطية الثانية؛ لأنَّ صعود جمعية الاتحاد والترقي إلى سُدّة الحکم بشعارات الحریة الجدیدة أوجد مناخا إیجابیًّا أکثر من ذي قبل، فقد قامت بإلغاء تصريح الدخول -وهو البطاقة الحمراء- الذي فرضه السلطان عبد الحميد على من يرغبون في زيارة القُدْس من اليهود (والذي كان يُحدده بثلاثة أشهر فقط)، كما أنَّها فتحت الباب على مِضْراعيه لشراء الأراضي في فلِسطين. 

إلا أنَّ هذا الوضع لم یستمرّ طویلا، وخاصةً بعد واقعة ٣١ آذار /مارس؛ إذ شعرت جماعة "ترکیا الفتاة" بالقَلق إزاء زيادة دعاوي الأقليات من أجل الاستقلال والحُكْم الذاتي، ووضعت قوانين وقيود جديدة صارمة، وكان أهمّ سبب لاتخاذ جماعة "تركيا الفتاة" هذا الموقف تجاه الصهيونية، هو أنَّها لمْ تكن تسمح بميلاد حركة انفصالية جديدة في الوقت الذي كانت النّعرات القومية تُهدّد الدولة العثمانيّة، إلا أنَ ما يخافون منه حدث في جبهة أخرى؛ فقد تطوّرت دعاوى القومية العربية في تلك الفترة على صورة جمعيات سِرِّية مُؤثّرة؛ من أجل الحصول على الاستقلال وخصوصًا في سوريا ولبنان.

إنّ المُطالبین بهذه الدعاوي کانوا لا یرغبون بالحكم الصهيوني اليهوديّ محلّ الحُكْم العثمانيّ في فلسطين، وعارضوا النظام العثماني الذي لم يتمكّن من إيقاف هجرة اليهود إلى فلسطين، وبذلوا كل ما في وُسْعهم لمَنْع اليهود من إنشاء المُستعُمَرات في فلِسطين في ذلك الوقت؛ ولهذا لم يكن وجود الفلسطينيين على رأس دُعاة القومية العربية ضدّ العثمانيين من قبيل المصادفة.

إنَّ من أبرز أسباب تطوّر ردود الفعل العربية ثمّ تحوّلها إلى حركة قومية مع الوقت، هو زيادة بيع الأراضي لليهود رَغْم كل القيود والقوانين، وأغدقت المُنظمات الصهيونية كثيرًا من الأموال في فِلِسطين لشراء الأراضي، مثل الصندوق القوميّ اليهوديّ الذي أنشئ في عام ١٩٠١م، وقام بعض أصحاب الأملاك من العرب الذين أغوتهم شهوة المال ببيع ما تحت أيديهم من أراضٍ، أمَّا الحكومة المركزية فقد انشغلت بالصِّراعات الداخلية والخارجية، ولم تتمكن من التصدي لهذه التطورات؛ ونتيجة لهذا فقد ناهضت القومية العربية الاستيطان اليهوديّ الصهيونيّ.

الدور البريطاني في تعزيز القومية العربية واحتلال فلسطين

إنَّ من أهم عناصر التنافس على فِلسطين والصراع بين القومية العربية والقومية اليهودية، هو تدخُل القُوى الأوروبية التي لها مصالح مختلفة في هذه المنطقة الحيوية؛ إذ إن بعض الدُّوّل الغربية - وعلى رأسها إنجلترا- لم تتوانَ عن دعم هذين التيارين دون التفكير في تعارُض الصهيونية مع القومية العربية في المُستقبل، واستغلّت الحرَكات القومية والانفصالية عن طريق الوسائل الدبلوماسية الخارجية؛ لتتمكن من احتلال منطقة الشرق الأوسط التابعة للدولة العثمانيّة، ووفّرت الحماية لهذه الحركات، وأقامت مناطق نفوذ داخل الدَّولة العثمانيّة عن طريق العناصر التي تتعاون معها، وهيّأت من خلالها مناخًا يُمكّنها من تقاسُم ميراث الدولة العثمانيّة فيما بينها بعد تقسيم الدَّولة العثمانيَة.

وفي أثناء الحرب العالمية الأولى قامت القُوى الأوروبية التي تُعارض التحالُف الألمانيّ العثمانيّ بتحريض العناصر غير التركية داخل الدّولة العثمانية، وعلى رأسها الصهاينة ضدّ نظام الحُكْم العثمانيّ، وفي النهاية نجحوا في اختراق الدَّولة عن طريق أنشطة الطابور الخامس وتمرّد الأتراك الذين لم يحقّقوا النصر على الجبهة البريطانية.

إنَّ تعهْدات هذه الدُّول للعرب أو لليهود حتى تحصل علی تأييدهم في الحرب جعلت الموقف الفلسطيني أكثر تعقيدًا، فقد قطعت إنجلترا في ١٩١٥م-١٩١٦م وعودًا كبيرة للعرب من أجل تحريضهم على الدَّولة العثمانيّة؛ إذ جاء في المراسلات بين الشريف حسين ومكماهون (McMahon)" أنَّه مُقابل تقديم العرب الدَّغم لقوات الحلفاء فإنَّها تتعَهْد باستقلال الأراضي العربية، إلا أنَّ عدم ذكر اسم فلِسطين صراحة قد أثار شيئًا من الغموض، ورَغْم هذا فإنَّ الشريف حسين لم يُدرك أن هذه التعهُّدات هي خداع ووعود زائفة، وقام بالثورة على العثمانيين من خلال مُساعدة دُوَل التحالف.

 وقامت إنجلترا وفرنسا رَغْم تعارض مصالحهما بإعداد مُعاهدة سرّية مُشتركة بينهما في أيار/مايو عام ١٩١٦م بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وطبقًا لهذا الاتفاق الذي عُرف بمعاهدة "سايكس بيكو (Sykes-Picot)" قسمت إنجلترا وفرنسا الأراضي العربية إلى منطقتي نفوذ إنجليزية وأخرى فرنسية، وحنثت بوعودها في إقامة دولة مستقلة للعرب، ووضعتْ الأراضي الفِلسطينية التي لم يتمّ الاتفاق عليها تحت إدارة دولية.

لقد استمرّ اليهود بالعمل المُمنهج والتخطيط خلال الحرب العالمية الأولى من أجل تحقيق أهدافهم، فقدّموا الدَّعم لدولة إنجلترا، وخاصة أن جهود الدبلوماسيّ اليهوديّ "حاييم وايزمان"، الذي کان في إنجلترا آنذاك قد أحدثت تقاربًا کبیرًا بین إنجلترا والیهود.

إنَّ من الأدلة على خِداع الإنجليز للعرب بالوعود الزائفة هو الخطاب الذي كتبه "بلفور" وزير الخارجية البريطاني إلى اللورد روتشيلد باسم (اتحاد الجمعيات الصهيونية) التي تهدف إلى إقامة وطن قوميّ لليهود في فلِسطين، وعُرف هذا الخطاب بـ"وعد بلفور"، فقد جاء فيه: أنَّ بريطانيا تتعَهْد بالدفاع عن إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فِلِسطين، وأنَّه لا مساس بحقوق غیر الیهود الدینیة والمدنیة هناك، وأنها ستبذل قُصاری جهدها من أجل تحقيق هذا الهدف.

وفي الوقت الذي وعدت فيه إنجلترا بإقامة وطن لليهود في منطقة لا تمتلك حق التصرف فیها، کان ٩٠٪ من سكان فلسطین من العرب، وامتلاك اليهود للأراضي لا يتعدّى ٢٪، ورَغْم هذا التعارض طمأنت إنجلترا العرب بأنَّ هذا الوعد لا يعني إقامة وطن لليهود، وأنَّها ستدعم إقامة دولة عربية مُستقلة مُوحّدة.

وفي ٣١ تشرين الأول/أكتوبر عام ١٩١٧م تمكَّن الجيش البريطاني بقيادة الجنرال/مشير "اللنبي (Allenby)" من احتلال منطقة "بئر السبع"، ولم يفلح الفيلق العسكري الجديد من الجبهة العثمانيّة في الدفاع عن القُدس، واحتلها الجنرال اللنبي في ١١ كانون الأول/ديسمبر، وعندما وَطِئت قدماه أرض القُدْس قال: "اليوم انتهت الحروب الصليبية"!

وبعد سقوط القُدْس على يد الإنجليز، احتلوا كافة الأراضي الفِلسطينية بحلول عام ١٩١٨م، وبهذا انتهى الحُكْم الفعليّ للدولة العثمانيّة، وطُويت صفحة الخلافة الإسلامية التي استمرّت لقرون صُبغت خلالها المنطقة بهوية عربية إسلامية.

________________________________________________

دور الدُّول العُظمى في حماية اليهود والنصارى

لقد كان المسيحيون بكل مذاهبهم تقريبًا يعيشون في الأراضي الفلسطينية، ومع تنامي تأثير القوّة الدبلوماسية في العلاقات الدُّولية بحیث صارت عنُصرًا مُؤثّرًا فيها، كانت الدُّول العُظمی تزغب بأن تكون صاحبة الكلمة بين المسيحيين الذين يعيشون في القُدس، وظهر هذا تماماً تزامنًا مع ضَغْف الدَّولة العثمانية.

١- فرنسا (France)

فرنسا أول دولة غربية منحتها الدولة العثمانية حق حمایة الکاثولیك في القُدس، وكانت فرنسا قد أقامت علاقات صداقة مع الدَّولة العثمانيّة منذ عصر السلطان سليمان القانونيّ؛ إذ بحثت عن سبيل للتدخّل في الخِلافات التي نشبت بین الکاثولیك والأرثوذکس، ودفَعها إلی ذلك اعتقادها بأن هذه المشکلات تحلّ لصالح الأرثوذکس علی حساب الکاثولیك.

وفي عام ١٥٣٥م وافقت الدَّولة العثمانية على قرار امتيازات للتجار الفرنسيين الذين يُقيمون داخل الأراضي العثمانیة، ومُنح رجال الدین الکاثولیك حقّ حماية الأماكن المُقَدسة في القُدْس، وكذلك مُنح الرعايا الفرنسيون حقّ الحرية الدينية.

وفي عام ١٧٤٠ م قامت فرنسا بتجديد الحقوق والامتيازات التي حصل عليها الكاثوليك من دار قضاء القُذس بين أعوام ١٥٦٤ و١٦٧٣م، وتنصّ المادة الخاصة بذلك من العَهْد المُؤرّخ بعام ١٧٤٠م: 

(على ألا يتعرّض السُّفراء والقناصل والمُترجمون والتجار وسائر الرعايا الفرنسيين وزوار القدس الشريف الفرنسيّون، وكذلك الرُّهبان المُقيمون في كنسیة القیامة لأيّ أذى، وتتمّ حمايتهم من قِبّل السُّلطات المعنية بذلك).

وهكذا مهّدت تلك المادة السبیل لتتدخّل فرنسا في الشؤون الداخلية للقدس مع مرور الوقت، وتلعب دور الحامي للمسیحتین هناك.

ومع مرور الزمان توسّعت الامتيازات الممنوحة لفرنسا، وفي عام ١٨٣٠م قرّرت الدَّولة العثمانيّة مَنح الامتیازات لرعایا إنجلترا وهولندا وروسيا وروسيا وأمريكا المُقيمين في الأراضي العثمانيّة، وبموجب القرار تمّ حماية الجماعات التي تعيش في داخل الدَّولة العثمانيّة، وكان هناك تنافس بين الدُّول الأوروبية في زيادة نفوذ كل منها، وحماية مصالحها في أراضي الدَّولة العثمانيَة؛ واشتدّ هذا السباق والتنافس منذ أواسط القرن التاسع عشر.

وكانت الدُّوّل الأوروبية تسعى جاهدة لفَتْح قُنصليات لها في الدَّولة العثمانيّة، وافتُتحت أول قُنصلية من قِبَل إنجلترا في منطقة فلسطين عام ١٨٣٩م، وقبل أن يمضي على افتتاحها كثير من الوقت توالى افتتاح قُنصليات الدول الأوروبية والغربية الأخرى في القُدس، إذ افتتحت بروسیا قنصلیتها هناك عام ١٨٤٢م، ولم یمض وقت حتى افتتحت قُنصليات في القُدْس لكل من سردينيا وفرنسا عام ١٨٤٣م، والنمسا عام ١٨٤٧ م، وإسبانیا عام ١٨٥٤ م، وأمریكا عام ١٨٥٦ م، وروسیا عام ١٨٥٧م.

وكان قناصل المنطقة يبذلون جهودًا كبيرة للحصول على الامتيازات اللازمة للتدخل في شؤون الدَّولة العثمانية الداخلیة، کما كانت قُنصليات الدُّوَل الأوروبية في القُدس تسعى بواسطة سفرائها في إسطنبول إلى حماية اليهود القادمين إلى فلسطين للحجّ أو الإقامة على حدّ سواء، رَغم أن هؤلاء اليهود ليسوا من رعايا الدولة العثمانيّة.

كان اليهود من رعايا الدُّوّل الأجنبية الممنوع توطينهم في الأراضي الفلسطینیة یُخرجون من قیل قنصلیاتهم التابعین لها حتی ذلك الحين ويُرحَّلون إلى حيث جاؤوا، في حين أعلن أنَّه لن يُنفّذ قرار الترحيل هذا بحق رعايا قنصليات إنجلترا والنمسا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وأمريكا، والقرار يُصرِّح بضرورة إعادة اليهود إلى بلادهم بواسطة سفارات الدُّوّل التابعين لها أو أن تقوم الدَّولة العثمانيّة بإعادتهم بالقوة إذا لزم الأمر!

وقد ورد في مراسلات إدارة القُدْس إلى وزارة الخارجية ١ أيار/مايو عام ١٨٨٨ م ترحيل جميع اليهود المحظور إقامتهم في القُذْس إلى بلادهم؛ وذلك من خلال القنصليات الأجنبية التي يتبعونها، وقد ذُكر في المراسلات عدم ترحيل اليهود التابعين لقُنصلیات إنجلترا ونمسا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وأمریكیا.

وورد في وثیقة أخری: (قررت الدّولة العثمانية في وقت سابق ألا تتعدى مدة إقامة اليهود الزائرین للقُدس شهرًا واحدًا إلا أن دول أمریکا والنمسا وإنجلترا وفرنسا وألمانیا طالبت بتمديد إقامة زوار اليهود ثلاثة أشهر، ولكن هذا العَرْض رُفض من قِبَل السلطات العثمانيّة؛ وذلك للحفاظ على التوازن السكانيّ في المدينة، وكذلك طُبق هذا الحُكْم على اليهود المقيمين داخل الأراضي العثمانيّة)!

وقد تدخلت إنجلترا في شؤون الدَّولة العثمانيّة بعد أن تحرّكت فرنسا وروسيا بالتدخل في شؤون الدولة العلية بحجة حماية مذاهب التابعين لهم هناك، وقامت بنشاطات وحمّلات دِعائية وتنصيرية؛ وذلك عن طريق إرسال الكثير من المُنصِّرين إلى الدَّولة العثمانيّة نظرًا لقلة عدد المسيحيين البروتستانت فيها، وافتتحت أول كنيسة بروتستانتية في القُذس عام ١٨٤٢م.

وقد استفادت روسيا من انتهاج فرنسا سياسة المبادئ العلمانية أثناء الثورة الفرنسية الكبرى فائدة لا بأس بها؛ فبدأ القياصرة الروس يتدخلون بدور الحامي للرعايا الأرثوذكس في الدَّولة العثمانيّة، وعلى هذا النحو حقّقت روسيا امتيازًا أعلى في مواجهة فرنسا، واستمرّ هذا الوضع حتى إعلان لويس نابليون نفسه إمبراطورًا عشية ثورة عام ١٨٤٨م، و کانت فرنسا ترید:

أ- وضع نجم جدید في کنیسة بيت لحم الکبری.

ب- تجديد مفروشات المغارة.

ج- حرية التحرك داخل الكنيسة التي ولد فيها عيسى عليه السلام.

د- الاعتراف بحقوق الکاثولیك في ضریح مريم وقبرها، والحجر المقدس، وقبر عیسی عليه السلام.

هـ- أحقّية الرهبان الفرنسيين في تعمير قبّة كنيسة القيامة.

و- ترمیم هذه الكنيسة بحيث ترجع إلى ما كانت عليه قبل الحريق الذي اندلع فیها عام ١٨٠٨م.

ودُعمت مطالب فرنسا في هذا الشأن من قِبّل سفراء النمسا وإسبانيا والبرتغال وسيجليا وتوسكانا في إسطنبول.

ورأى الباب العالي وجود مجموعة من المحاذير الحقيقية في أخذ أماکن الزیارة المُقدسة السالف ذکرها من أیدي الأرثوذکس وإعطائها للکاثولیك کما ترغب فرنسا؛ ودلك لأنه کان من المعروف أن روسیا سوف تتدخل في الأمر في حال حدوث شيء كهذا، ومن ثم وجدت الدَّولة العثمانيّة أن المصلحة في ظل تلك الظروف تُحتّم عليها تدخلها المباشر في القضية وإصدارها الأحكام بنفسها.

وبموجب المعاهدة التي أُبرمت مع فرنسا بعد حرب "القرم (Kirm)" اتُّفق على ضرورة عزقلة الصِراعات السياسية التي تنشب في الأراضي المُقَدسة بين المذاهب المسيحية، وحماية الوضع القائم في الأماكن المُقَدسة والحِفاظ عليه، غير أنه حدثت اضطرابات في أثناء وضع الروم صليبًا جديدًا على كنيسة القيامة في فلسطين؛ تذرّعت بها فرنسا مُدعية أن حاکم القدس لم یهتمّ بالأمر کما ینبغي، وبناء علی ذلك أرسلت خطابًا إلى الإدارة المركزية يحمل لهجة تحذيرية جاء فيه:

(إن مصلحة الحكومة الثنية، تُلزمها باتخاذ تدابير سريعة شديدة، لرعاية الوضع الراهن الذي يَضْمن السِّلم والأمن العام في فِلسطين)

وقد ورد في وثيقة أخرى:

(أن فرنسا کانت تتدخل في الخلافات التي تحدث بین المسیحیین، ومن ذلك أن خلافاً دام بضع سنوات بين الرهبان اللاتینیین والروم - بسبب مرور أسقف الروم بملابسه الروحانية من السُّلْم الشمالي في مغارة المهد بكنسية بيت لحم- حُلّ بالتفاهم والاتفاق بين أطرافه، وقد صدّقَت القنصلية الفرنسية العامة وإدارة القُدْس كلتاهما في ٢٦ آذار/مارس عام ١٩٠٠م على المعاهدة المُبزمة في هذا الشأن بين مدير عام الرهبان اللاتينيين وبطریرکية الروم). ووقع عليه:  ٢٦ آذار/مارس ١٩٠٠م، الصدر الأعظم رفعت.

وثمّة وثيقة أخرى ورد فيها:

(أنَّ حكومة فرنسا طلبت أرضًا لتكون مدرسة يهودية لإنشائها أمام حائط ساحة المسجد الأقصى بالقُدس الشريف، غير ان إدارة القُدس الشریف ردت علی هذا الطلب المُؤرخ في ٨ نیسان/أبریل ١٨٨٠ م باستحالة ذلك؛ إذ جاء في ردها: " ... يتجّه اليهود إلى هذا الجدار في وسط الشارع وخارج السُور من الجهة الغربية من ساحة المسجد الأقصى ويدعون، وقد أجیب بانه یستحیل تخصیص أرض بدون مُقابل، حتی ولو طلب تخصيصها بالمال لإنشاء المدرسة اليهودية هناك؛ وذلك لأن ثلاث جهات من مكان إقامة المدرسة اليهودية هي أبنية تابعة لأوقاف وزوايا حضرة أبي مّذين، بينما الجهة الأخرى منه هي حائط ساحة المسجد الأقصى).

وکان الفرنسیون يدعمون اليهود منذ سنة ١٨٨٠م، إذ زادت فيها هجرتهم إلى فلسطين تزامنًا مع النشاطات الصهیونیة، وتجلی دعمهم للیهود من خلال نشاطات مدارس "أليانز" بصفة خاصة؛ إذ كانت منظمة أليانز صاحبة الكلمة بين اليهود السفارد (Safared)، بينما كانت منظمة "هيلفس فيرين (Hilfsverein)" صاحبة النفوذ بين اليهود الأشكناز (Eskanaz)، وبدأت فرنسا تبذل قُصارى جُهْدها لدعم منظمة أليانز؛ إذ رأت أنها أنسب منظمة تتماشى مع مصالحها الشخصية وأنشطتها الاستعمارية.

وقد كان ثمة قانون في الدّولة العثمانية يحظر تسجيل المدارس باسم مؤسسات غير حكومية؛ لذلك قامت الدَّولة العثمانيّة پتغییره عندما سمحت بالتسجیل، وهو ما ترتب علیه تسجیل مدرسة روتشيلد في القُدس باسم الجمعية الإنجليزية- اليهودية؛ وبناء على ذلك قدمت فرنسا مُذكرة شفهية للحكومة العثمانية في عام ١٩٠٤ م طلبت فيها اعتبار مؤسسة "A/U" جمعية فرنسية.

وأوصت المفوضية الفرنسية العُليا بالسعي إلى التفاهم مع الصهاينة من خلال زيادة ساعات دروس اللغة العِبْرية المُقرّرة في مدارس أليانز؛ لمواجهة ثقل الصهاينة في إسطنبول ونفوذهم الذي بدا واضحًا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد استجابت المنظمة لهذه التوصية، وفي عام ١٩٢٠م وصل التقارب بين الحكومة الفرنسية ومُؤسّسة أليانز إلى أعلى مستوياته، وقدّمت الحكومة الفرنسية لتلك المنظمة مِنْحة سنوية قدرها ١,٥٠٠,٠٠٠ فرنك فرنسيّ.

٢- روسیا (Russia)

انتقلت القضايا التي تعني الكاثوليك والأرثوذكس في القُدس إلی الساحة الدُّولية؛ إذ تحوّلت إلی مجال للتنافس بین دولتین عظيمتین، ومن ثمّ ظهرت روسيا على أنها "حامي الأرثوذكس" في مواجهة فرنسا التي تُزْعُم أنها "حامي الكاثولیك".

وقرّرت روسيا استغلال الدين لتهدم الدولة العثمانيّة أو تتقاسمها مع الدُّول الأخرى، وكانت روسيا تتبع المذهب الأرثوذكسي، وكذلك كانت الغالبية العُظمى من رعايا الدولة العثمانيّة المسيحيين تابعة للكنيسة الأرثوذكسية، وفي تلك الفترة بلغ عدد الأرثوذكس من رعايا الدَّولة العثمانيّة حوالي ١٣,٥ مليون نسمة، كان منهم ما يقرب من مليون نسمة في اليونان فقط.

ولما كان قيصر روسيا يظنّ أن حقوق الأرثوذكس في الأراضي المُقَدسة أقدم بكثير من حقوق الكاثوليك؛ سعى إلى أن تكون روسیا هي حامي الأرثوذكس، وأقام من خلال اتفاقية "قاينرجه الصغرى (Kucuk Kaynarca)" المبرمة عام ١٧٧٤م كنيسة أرثوذكسية روسية، تخضع لحماية السفير الروسي في إسطنبول، وبذلك هيّأ المناخ ليقوم الحجّاج الروس بزيارة القُدس بحريّة.

وهاك المادة الثامنة من معاهدة  قاینرجه الصغری:

(یُسمح لکلّ واحد من طائفة الرهبان الروس أو من رعایا روسيا الآخرين بزيارة إلى الأماكن المُقَدسة في القُدْس وغيرها من الأماكن الواجبة الزيارة، ولا تُطلب من السُّياح والمسافرين في الطريق أو داخل القُدْس أو غير ذلك من الأماكن أيةُ رسوم أو ضرائب، ولا یُقترح عليهم شيء من هذا القبیل، کما يُمنح الرعایا الروس القرارات والتصاريح الممنوحة لرعايا الدُّوّل الأخرى، ولن یتعرّض إلیهم أبدا؛ نظرًا لوجودهم وإقامتهم بأراضي دولتنا السامية، ولا یُتدخل في شؤونهم، بل يخضعون للحماية والأمن بموجب قواعد الشريعة وصلاحيتها).

وقد ساندت القيصرية الروسية الصهاينة أيضًا بهدف التخلُّص من اليهود المقيمين في أراضيها وتمزيق الدَّولة العثمانيّة، وورد في الخطاب الذي أرسله وزير الخارجية الروسي "بلهيف (Plehve)" إلى دكتور هرتزل عام ١٩٠٣ ما يلي:

(إنَّنا نحن الحكومة الروسية نَدْعَم الحركة الصهيونية طالما أن هدفها هو إقامة دولة مُستقلة في فِلِسْطين)

٣- ألمانیا (Germen)

إن ألمانيا التي اتحدت في أعوام ١٨٧٠م، ودخلت في سباق التوسع الاستعماري، كانت تستغلّ كل فرصة لتحصل على نصيبها في هذا الشأن أيضًا؛ إذ لم تكن تقف صامتة غير مُكْترِثة بالأمر، وأبرز نموذج على هذا الأول/أكتوبر عام ١٨٩٨م مع عائلته إلى إسطنبول ثم إلى القُدس، وکانت تلك الرحلة التي قام بها الإمبراطور الألماني ويلهام الثاني في تشرين زيارته هذه تعني حمايته للمسيحيين عامة، وللبروتستانت منهم خاصة.

ومن خلال زيارة الإمبراطور الألماني للقدس أعطى مجموعة من الرسائل، حاول من خلالها الإيحاء بأنَّه إمبراطور الكاثوليك أيضًا لا البروتستانت فحسب، والتقى برؤساء الكاثوليك هناك، وأجزل لهم العطايا، حتى إنَّه سعى إلى تقديم رسائل طيبة للمسلمين أيضًا لا للمسيحيين فحسب؛ إذ قام بزيارة الأماكن المُقَدسة للمسلمين أيضًا. 

وقد کان ثمّة اعتقاد بأنَّ الیهود ینحدرون من عِزق دنيء ينتشر في ألمانيا أكثر من غيرها من الدُّوَل الأوروبية، إلا أنَّ هذا المُغتَقد حُورب في أواخر القرن التاسع عشر من أجل دغم الصهيونية، وكان دعم الألمان لهجرة اليهود إلى فلشطين للتخلص من اليهود الذين يرونهم سببًا في كثير من السلبيات التي تقع في بلادهم، وفي عام ١٨٩٨م قال السفير الألماني لدى فيينا لـ"هيرتزل" رئيس المنظمة الصهيونية:

(إنَّ الإمبراطور الألماني جاهز للتوسط لدى السلطان العثمانيّ وحماية جميع اليهود في الشرق).

وكان الإمبراطور الألماني يدعم أيضًا شراء المسيحيين أراضيّ بالقُدس وإنشاءهم كنائس علیها، وقد وردت رسالة إلى الحكومة المرکزیة من السفارة الألمانية في ٢٥ شباط/فبرابر عام ١٩٠٢م تحضّ على تسجيل الأراضي التي اشتراها الإمبراطور الألماني باسم الجمعية الروحانية الفلسطينية، والسماح بإنشاء كنيسة عليها، غير أنه رُفض هذا الطلب؛ لأن قبول هذا الطلب لا يتناسب مع قوانين الحكومة المركزية، ولأن قِطْعة الأرض المذكورة قريبة من مقام داود العنزي والزاوية الأدهمية، وكان من شروط بناء الأبنية المراد إنشاؤها أن تكون بعيدة عن الأماكن المُقَدسة بحيث لا تُخِلُّ بحُزمتها.

٤- إنجلترا (Britch)

مشكلة توطين اليهود الذين طُردوا من أوروبا نتيجة لحركاتهم القومية والعداء الذي تنامى نحوهم أواخر القرن التاسع عشر، هذه المشكلة جعلت إنجلترا أعظم دول العصر، ومن بعدها أمريكا التي تُدافع عن حقوق اليهود أيضًا لا عن حقوق المسيحيين فحسب، والحقيقة أن إنجلترا كانت تهتمّ في الدرجة الأولى بمصالحها الاقتصادية في المنطقة، وكانت القوة الاقتصادية والإعلامية التي يتمتع بها اليهود عالميًّا آنذاك لها تأثير واضح في هذا الشأن، علاوة على أن إنجلترا كانت ترغب في استخدام العنصر اليهوديّ ورقة رابحة من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية التي اتخذت موقفًا واضحًا من هذا الموضوع.

بدأ اهتمام إنجلترا باليهود المهجرين من روسيا في الثلاثينات من القرن الثامن عشر؛ إذ وجّهت لندن رسالة عام ١٨٣٩م إلى نائب القنصل الإنجليزي في القُذس مُؤدّاها أن حماية اليهود أصبحت من ضروريات وظائفهم ومَهامّهم هناك، وأعطت الحكومة الإنجليزية الیهود الروس الذین جاؤوا من روسیا واستوطنوا فلسطين في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام ١٨٤٨م حرية الدخول تحت الحماية الإنجليزية أو البقاء تحت إدارة الحكومة العثمانيّة.

وبناء على ذلك انتقل مُعظم اليهود إلى الحماية الإنجليزية، وعلى هذا النحو زاد عدد المستوطنين اليهود الذين يخضعون للحماية الإنجليزية في الأراضي المُقَدسة. وأعدت إنجلترا المعنية بموانئ شرق البحر الأبيض خرائط الموانئ الفلسطينية المهمة بالنسبة لليهود مثل ميناء عكّا وحيفا ويافا وغزة، وبدأت تتابع عن قُرب التحديثات الجارية في تلك الموانئ.

وعقب استيلاء إنجلترا على الهند في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وتحوّل الهند إلى أهمّ جزء في النظام الاقتصادي الإنجليزي أصبح الطريق البحريّ المؤدي إلى الهند ومحيطه يشكل أهمية استراتيجية بالنسبة لإنجلترا، ومن ثمّ هدفت السياسة الخارجية الإنجليزية إلى أن يكون هذا الطريق في أيدٍ أمينة، كما هدفت إلى توفير الأمن فيه، ولذلك كانت سياسة إنجلترا تدعم حماية وحدة أراضي الدولة العثمانيّة واستقلالها؛ إذ كانت الدولة تمتلك أراضي منطقة الشرق الأوسط التي يمرُّ بها الطريق المؤدي إلی الهند.

تخلّت إنجلترا عن حماية استقلال الدولة العثمانيّة والحِفاظ على وحدة أراضيها في أعقاب الحرب الروسية- العثمانية ١٨٧٧ -١٨٧٨م التي تعرف بـ"حرب ٩٣"، إذ كانت إنجلترا ترغب في الاستيلاء على منطقة الشرق الأوسط لحماية طريق الهند، ومنع توسُّع روسيا نحو الجنوب، وفي سبيل تحقيق أهدافها في المنطقة والسيطرة عليها، دعمت إنجلترا الدُّوَل الحديثة والصغيرة في المنطقة.

بدأت إنجلترا تستولي على الأراضي الإستراتيجية الخاضعة للدَّولة العثمانيّة بعد ظهور ألمانيا على الساحة بوصفها قوة مؤثرة، ووضوح ضعف الدًّولة العثمانیة إلی حد کبیر في نهایة حرب ٩٣، إذ کان استیلاؤها على جزيرة قبرص مُؤشرًا مُهمَّا يُظهر بداية هذه المرحلة، وقد طُرح على الساحة آنذاك مشروع توطين اليهود في فلسطين؛ إذ أبلغ "أوليفنت" النائب السابق في حزب المحافظين الإنجليزي آراءه في هذا الموضوع لـ "ديزرائيلي (Disraeli)" رئيس وزراء إنجلترا حينها، فطلب منه دیزرائيلي - الذي رأی المشروع مناسباً- أن یکتبه ویُقدّمه إلی وزير الخارجية "ساليسبوري (Salisbury)"، وقد بارك سالسبوري هذا الأمر؛ فكتب بنفسه رسالة إلى كل من يمكنه المساعدة من الدبلوماسيين الإنجليز في سبيل تنفيذ هذا المشروع؛ وبناء على هذا سافر أوليفنت إلى إسطنبول، وقدَّم المشروع الذي أعدّه للسلطان عبد الحمید الثاني في أیار /مایو أو نیسان/أبريل عام ١٨٧٩م، وفي تلك الفترة تولت السلطة في إنجلترا حكومة "غلادستون (Gladstone)" الذي كان يصرّح بعدائه للأتراك بشكل قاطع.

وتوترت العلاقات بين البلدين توترًا شديدًا، وفي عام ١٨٨٠ م التقى السفير الإنجليزي لدى إسطنبول ليارد بالسلطان عبد الحميد الثاني من أجل الحصول على ردّ بشأن مشروع أوليفنت، غير أن هذا المشروع لم يلقّ قبولًاً. وكان السفير عبد الحق حامد يعترض على توطين اليهود المهاجرين من روسيا في فلسطين تحت حماية إنجلترا على هذا النحو:

(لقد جاء اليوم في جريدة التايمز خطاب للسيد غلادستون عن المعاملة التي يلقاها اليهود في روسيا، وكذلك المنشورات والمحاولات الجاریة هنا بهذا الصدد، کما هو معلوم لدی الجناب العالي. وفي هذا الخطاب يأسف السيد غلادستون لذلك الوضع، وبعد أن بيّن أنه يتوقّع أن كلامه هذا لن يَلْقى ترحيبًا من قِبَل الحكومة الروسية قال:

"إنني أشاهد البهجة والسرور من اليهود من أجل مساندتهم للهجرة إلى فلسطين، وإذا تفضّل السلطان العثمانيّ بمساعدتنا في هذا الشأن وحمايته للمشروع فسأكون أكثر امتنانًا وسعادة". وإنَّ حديث جريدة التايمز عن هذا الخطاب، وطلب السيد غلادستون- وقد أساء إلى الأتراك وعاداهم منذ زمن- المدّد والمساعدة من السلطان العثمانيّ في توطين اليهود المطرودين من روسيا في فلسطين لَموقف غریب جدًّا.

وقد تكرّر لجوء المُبعدين عن بلادهم إلى الدَّولة العثمانيّة بسبب التعصُّب المسیحي؛ إذ كانت سلانيك وغيرها من البلاد العثمانيّة تكتظُ باليهود الذين نُفوا من إسبانيا من قِبّل حكومة ملوك الکاثولیك.

غير أن الشيء الجديد والعجيب الذي يدعو إلى الحيرة هو أن يأمل السيد غلادستون في نيْل عَطْف الدَّولة العثمانية ورحمتها بشأن الذين تعرّضوا لظُلم الإمبراطور الروسيّ، وهو ما جعله يتفوّه بكلمات على هذا النحو، ويُعتبر هذا دليلًا آخر على عظمة سلطاننا، أطال الله جلّ في علاه عُمر سلطاننا، اللهم آمين). (٢٩ أيار/مايو ١٨٩١ - عبد الحق حامد)

وقد کانت إنجلترا تدعم هجرة اليهود إلى فلسطين، كما أنها وجَّهت بعض التوصيات في هذا الموضوع إلى السلطان عبد الحميد، إلا أنها بعد فَشّل هرتزل في الحصول على أراض من فلسطين خلال زيارته إسطنبول، لم تقبل اقتراحًا بإنشاء وطن لليهود في العريش أقرب المناطق المصرية إلى فِلسطين، ورَغْم قبول هرتزل هذا الاقتراح؛ إلا أن مصر وإنجلترا رفضتا رفضًا قاطعًا، وكان رفْض إنجلترا التي تحتلّ مصر آنذاك لئلا تزجّ في مشكلة دولية من هذا القبيل في سياساتها الشرق أوسطية، وبدیلاً عن هذا اقترحت انجلترا على تيودور هرتزل عام ١٩٠٣م إنشاء وطن يهوديّ في أوغندا، غير أن هذا الاقتراح عورض بشدة بالغة في المؤتمر الصهيونيّ العالميّ السابع، وأعلن أنَّه لن يُقبل أبدًا أيّ مكان آخر غیر فلسطین لیکون وطنًا یهودیًّا.

وكانت إنجلترا تسعى أثناء الحرب العالمية الأولى لإقناع حلفائها بالتسوية التى تضمن مصالحها الخاصة فى منطقة الشرق الأوسط؛ وذلك لأن تحويل فلسطين إلى قضية دولية غقِب خروج المنطقة عن سيادة الدَّولة العثمانيّة يُعرّض مصالحها في الشرق الأوسط عامة وفي مصر خاصة إلی الخطر.

وراحت إنجلترا أثناء الحرب العالمية الأولى تسعى للاعتماد على العرب، ووقّعت على اتفاقية بين الشريف حسين والمُفوّض العالي الإنجليزي "هنري ماكمهون (Henry McMahon)" في مصر لإقامة مملكة عربية بالشرق الأوسط، غير أن حدود تلك المملكة لم تحدّد، وكانت إنجلترا تسعى من وراء مخططاتها هذه أن تُضعف حركة القومية العربية، التي تهدد وجودها في الشرق الأوسط، وتُضيق نطاق المطامع الصهيونية في هذه المنطقة أيضًا، وقدّم الإنجليز في وعد بلفور كل الرسائل التي من شأنها السيطرة على الإمكانيات السياسية في مواجهة العرب والیهود.

وبینما كانت إنجلترا تتظاهر للصهاینة بالصداقة من جانب، كانت تُعطى العرب من جانب آخر ضمانًا لحماية حقوقهم، وكان مصطلح "وطن" الوارد في وعد بلفور يُستخدم أحيانًا لخدمة الهدف الصهیونيّ، وهو الدَّولة اليهودية.

وفي عام ١٩١٧م كتبت صحيفة "جورنال دوجينيه (Jurnal Dujne):

(أن إنجلترا وافقت على إنشاء دولة يهودية في فلسطين، كما أعلنت أنها ستدعم أي تحرك في هذا الشأن، وأن صهاينة إنجلترا أبلغوا بهذا القرار الدكتور "مسيو فيليكس بنوس (Mosyo Flekis Peynos)" رئيس جمعية تيودور هرتزل. وكان أنور نائب القائد العام يذكر في ٦ آب/أغسطس ١٩١٧م أن الملحق العسکريّ لستوكهولم یرغب في تشكیل حکومة یهودیة بالقرب من القُدْس تكون تحت رقابته؛ وذلك رغبة من إنجلترا في تأمين شرق قناة الـسويس، وأن حكومات دول الحلفاء تدعم هذه الرغبة، وهو ما سمعه من کبير حاخامات ستوكهولم).

وكانت البابوية أيضًا تدعم سياسة إنجلترا وسياسة توطن اليهود بفلسطين، وكان مساعد البابا الجديد مونسيور كيدشيني صرّح لمراسل صحیفة إسبانیا في روما تصریحًا قال فیه:

(كثيرًا ما قيل إن السلام المسيحيّ سيُوصلنا إلى قوة كنا نتمتع بها من قبل، وإن السياسة الكائوليكية لن تسمح بترك فلسطين حرّة أخرى لتكون بيد أتباع محمد صلى الله عليه وسلم)!

وجاء في البرقية التي أرسلها فؤاد بك سفیر برلین أنّ البابا طلب: ألا تقوم النمسا بإمداد الدولة العثمانيّة بالجنود والمهمات العسكرية؛ كي تستردّ فلسطين التي صارت تحت سيادة إنجلترا الدَّوْلة المسیحیة. (٢٢ كانون الأول/ديسمبر ١٩١٧).

٥- أمريكا (Amirca)

وكانت السياسة الأمريكية في فلسطين تسير بالتوازي مع سياسة الإنجليزية، ففي برقية أرسلت من قِبل حلمي باشا سفير فيينا بتاريخ ١١ آب/أغسطس عام ١٩١٧ م يُبين فيها أن الرئيس الأمريكي نيلسون وعد الصهاينة بتخصيص الأراضي الفلسطينية لليهود، وأن الحكومة الإنجليزية آنذاك أيدت موافقته على هذا الرأي. وهكذا أعلن المؤتمر الأمريكي في قرار اتخذه عام ١٩٢٢م أنَّه من المناسب إقـامة وطن قومىّ لليهود فى فلسطين.

ونتیجة لمساعي الصهاینة فقد اعتُرف رسميًّا بوعد بلفور من قبل فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان في مؤتمر باريس المنعقد في كانون الثاني /يناير عام ١٩١٩م، وقد شارك وفد المنظمة الصهيونية العالمية في هذا المؤتمر، وقدّموا جمیعًا مقترحاتهم للاعتراف بحقوق تاريخية لليهود في فلسطين، وإعطائهم الفُرصة لإقامة وطن قوميّ لهم فيها، وإقامة انتداب في فلشطين يكون تحت الإدارة الإنجلیزية، وتنفیذ وعد بلفور، والسماح للیهود بالتوطُن في فلسطین.

وکان المؤتمر قد طالب بإنشاء دولة يهودية في فلسطین کما ورد في وعد بلفور. وفي أعقاب مؤتمر باريس للسلام عُقِد مؤتمر آخر في سان ريمو بتاريخ ٢٤ نيسان/أبريل عام ١٩٢٠م؛ لإجراء تعديلات خاصة بدول الشرق الأوسط، وقد تقرّر في هذا المؤتمر وضع سوریا ولبنان تحت الانتداب الفرنسيّ، بينما وُضع العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطانيّ، وفي ٢٩ أيلول/سبتمبر ١٩٢٣م تمّ التصديق على حكومة الانتداب في فلسطين، وبدأت بممارسة عملها بالفعل.

وجاء في مقدمة نصّ اتفاقية الانتداب: أن حكومة الانتداب مسؤولة عن وعد بلفور؛ لذلك عليها توفير وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلشطين، وكانت نسبة العرب ٩١٪ من إجمالي الشعب الفِلسطيني حين تمّت الموافقة على نص اتفاقية الانتداب، وکانوا يملكون ٩٧٪ من أراضي فلسطين.

وشُرع في تطبيق وعد بلفور عقِب إقامة الانتداب الإنجليزي في فلِسطين، وشُجّعت هجرة اليهود إلى فلسطين، كما أُتيح لهم تملُك الأراضي فيها، وسُمح بتشكيل جماعات عسكرية باسم المنظمات الثقافية الیهودیة، وکان تعبین الصهیوني المتطرّف هربرت صموئیل مُفوضًا ساميًا لإنجلترا في المنطقة تلك الفترة، يُمثل نموذجًا واضحًا لسيطرة الصهاينة علی حکومة الانتداب هناك، ثم نزل عدد السکان الیهود في فلسطین إلى ثلث العدد الإجمالي للسكان الأصليين هناك؛ نتيجة التعاون ما بين الحركة الاستعمارية الإنجليزية والحركة الصهيونية.

وعلى هذا النحو انتُزِعت دولُ الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية من الدَّولة العثمانية التي كانت تحكمها لأكثر من أربعة قرون، وبينما كانت مجتمعات المنطقة تنتظر الاستقلال إذا بها تدخل تحت سيطرة الدُّوَل الغربية من خلال نظام الانتداب الذي أقرّته عُصبة الأمم، وأدت الحدود المصطنعة التي رسمها الغربيّون في تلك المؤتمرات إلى حدوث انقسامات وصراعات لا تزال مُستمرّة حتى يومنا هذا.

__________________________________________________

خلاصة الكتاب

إن اسم "فِلسطين" مصطلح رُسّخ في اللغة الدبلوماسية للدولة العثمانيّة من جانب الدُّوّل الغربية أواخر القرن التاسع عشر، ولاسيما مع ظهور المنطقة على الساحة السياسية، بَيد أنه لم يكن ثمّة وحدة إدارية في الحكومة العثمانيّة تُسمى "فِلسطين".

وعندما صدّر قرار بعدم توطين الیهود المُهاجرین من روسیا في أرض فلسطین جری نقاش حول حدود هذا المكان، وناقش مجلس الوزراء هذا الموضوع في جلسته المنعقدة بتاریخ ١٢ نیسان/أبريل عام ١٨٩١م، وقرّروا:

"حدود فلسطين تضمّ ولايتي القُدْس وعكّا، ويحظر إسكان المهاجرین اليهود في تلك الأماکن".

وقد تحددت حدود الأرض الموعودة للیهود من التوراة كما یزعمون، وحدودها من البحر الأحمر في الجنوب حتى الفرات في الشمال، ومن البحر الأبيض في الغرب حتى البحر الميت في الشرق، وكانت منطقة فلسطين التي خضعت للسيادة العثمانيّة في القرن السادس عشر تابعة لولاية الشام، وكانت مُقسّمة إلى ثلاث مناطق إدارية، هي لواء القُدس وغزة، ولواء نابلُس صفد، ولواء صالت عجلون.

وفي عام ١٦١٤م تشکّلت ولاية جديدة باسم صفد - صيدا - بیروت، وضُمْت إليها ألوية نابلُس وجبل عجلون وتدمر وكرك شوبك داخل ولاية الشام، وبعد هذا التقسيم الجديد صارت الأراضي التي تُشكّل منطقة فلسطين واقعة في ولايتين مختلفتين.

وقد خضَعت المنطقة لسيادة أبناء محمد علي باشا ما بين ١٨٣١-١٨٤٠م، ثم عادت من جديد إلى سيادة الدَّولة العثمانيّة عام ١٨٤٠، وارتبطت تمامًا بولاية صيدا، وعندما تأسّست ولاية سوريا عام ١٨٦٥ انضمت مدن القُدس ونابلُس وعگًا إليها.

حازت منطقةُ فلسطين أهمية كبيرة من قبّل جميع الدُّوّل مع تطبيق قرارات التنظيمات والإصلاحات في المنطقة، وكذا "قضيةُ الأراضي المُقَدسة" التي ظهرت في أثناء حرب القرم، واكتسبت أهميةً كبيرة في القرن التاسع عشر نتيجة بذء هجرة اليهود إليها بشكل مُنظم، وأصبح لواء القُدْس تابعًا للعاصمة إسطنبول مباشرة بسبب هجرة اليهود التي بدأت من ثمانينات القرن التاسع عشر (١٨٨٠م)، فصار إدارة برأسه.

وتحمِل منطقة فلسطين ولاسيما القُدس أهمية كبيرة جدًّا بالنسبة للأديان السماوية الثلاثة، إن هذه المنطقة عند المسيحيين هي المكان الذي شَهِد ميلاد عيسى عليه السلام، ورَفْعه إلى السماء، ودُفنت فيه مريم عليها السلام.

أما أهمية القُذس عند المسلمين فإنها تأتي من كونها المكان الذي عرّج منه نبيّ الإسلام محمد -صلى الله عليه وسلم - إلى السموات العُلى، بالإضافة إلى أن كثيرًا من الأنبياء والصحابة دُفنوا هناك، كما تحوز دُور وأماكن العبادة التي أنشؤوها هناك أهمية كبيرة لدى المسلمين.

وكانت الإدارة العثمانيّة تُرسل إلى القُدس قَدْرًا كبيرًا من الأموال وبعض الأشياء الأخرى كل عام، كما كانت تُرسل إلى مكة والمدينة أموالًا وأشياء عن طريق قوافل "الصُّرَّة"، وكانت تدعم شعب تلك المنطقة اقتصاديًّا، وقد أَولى السلاطين العثمانيون هذه الأماكن المُقَدسة اهتمامًا خاصًا على مرّ العصور، ناهيك عن أن كثيرًا من أهل الخير ومُحبّيه قدّموا بواسطة الأوقاف كثيرًا من الخذمات المادية والمعنوية إلى تلك المناطق.

ويذكر أوليا جلبي الذي زار القُذس في القرن السابع عشر: أنه كان فيها سبعمائة وَقْف، ومسؤولو هذه الأوقاف كانوا يشرفون أيضًا على المحاكم، وقد ورد في تقرير مُراقبة وقْف حسكي سلطان، الذي تأسّس عام ١٥٥١-١٥٥٢م:

"فقراء هذه الديار كثيرون يا حضرة السلطان! وكان الطعام هنا يُقدّم مرّة واحدة فيما مضى، ثم صار يُقدّم مرّتين في اليوم، ومع ذلك لاحظتُ أن الطعام لم یکف لکل الناس، وکنت أتحيّر وأتعجّب من الضجيج والصُّراخ الذي يُطلقونه قائلين: إننا جائعون".

والحقيقة أن إطعام هذا القَدر الكبير من الفقراء، إلی جانب تعمير كثير من الأماكن الدينية والتاريخية وصيانتها، فضيلةٌ لا يمكن لها أن تتحقّق إلا بعطْف الدَّولة العثمانيّة وقوتها، كما أن إدارة من ينتسبون إلی الأدیان والعِزقيات بعدالة وتسامح منهج تتصف به هذه الدَّولة العالمية.

إن فلسطین عند الیهود -کما هو معروف- مرکز الکون، کما يدَّعون أن الله وعدها بني إسرائیل، وقد نجح اليهود -الذين جيء بهم من مصر مع موسى الكلي إلى "الأرض الموعودة" المذكورة في التوراة- في إقامة أول دولة لهم في فلِسطين في عَهْد يوشع بعد موسى عليهما السلام، غير أنَّ ممالك آشور وبابل هدمت تلك الدَّولة التي أسّسوها، وبدأت حياة "المنفى الأولى" بالنسبة لليهود بعد أن جُليوا إلى بابل (العراق حاليًّا)، وقد أقام اليهود دولتهم من جديد حين عادوا إلی دیارهم عام ٥٣٩ ق.م، غير أن إمبراطور روما طرّدهم من فِلِسطين وهجّرهم مرّة ثانية حين تمرّدوا عام ١٣٥م، وهو ما ورد في التاريخ على أنه حياة "المنفى الثانية" بالنسبة لليهود.

وقد حافظ اليهود بإصرار على هوياتهم وأفكارهم الدينية والقومية، وتمسكوا بها بشدة في البلاد والمدن التي هاجروا إليها، وعاشوا فيها، فهم يعدون أنفسهم "شعب الله المختار"، واعتقدوا أنهم سيجتمعون في الأراضي الموعودة يومًا ما تحت نجمة الملك داود السداسیة.

وقد أثّرت حركة العداء لليهود (مُعاداة السامية) التي ظهرت في أوروبا الغربية ما بين القرنين ١٣-١٥ في جاليات اليهود الذين يعيشون هناك تأثیرًا مُباشرا؛ فطرد الیهود من إنجلترا عام ١٢٩٠م، ومن فرنسا عام ١٣٩٢م، ومن إسبانيا عام ١٤٩٢م، ومن البرتغال عام ١٤٩٧م، وأُرسل اليهود المطرودون من هذه الدُّوّل إلى هولندا وبولندا والقُدس.

وقد زاد عدد اليهود في القُدس أكثر من قبل؛ وذلك بسبب هجرة اليهود الهاربين من قَمْع محاكم التفتيش في أوروبا خلال القرن السادس عشر، بعد أن دخلت فلسطين تحت السيادة العثمانية، وکان ظهور الحرکات القومية التي تسارعت وتيرتها في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد أشعل العداء ضدّ اليهود؛ وقد اضطرّ اليهود إلى الهجرة من أوروبا وروسيا، ونزحوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفلسطين وإنجلترا وكندا وجنوب إفريقيا.

وقد أنتجت حركة مُعاداة السامية التي ظهرت في القرن التاسع عشر حركة الصهيونية، وهي تعني القومية اليهودية، وهذه الحركة القومية قد شجّعت الهجرة اليهودية إلى القُدْس مُباشرة في الثمانينات من القرن الثامن عشر.

وقد اتخذ السلطان عبد الحميد خان الثاني مجموعة من التدابير والإجراءات كي يمنع هجرة اليهود إلى فلشطين وشراءهم الأراضي هناك، غير أنه لم يُحقّق النجاح في هذه القيود والقوانين نتيجة ضغوط الدُّول العظمی لما كانت تتمتع به من امتیازات.

ونتيجة بعض الأسباب الداخلية أيضًا، وبناءً على هذا سعتْ الحكومة العثمانيّة برئاسة السلطان عبد الحميد الثاني إلى تحويل وجهة هجرة اليهود إلى الأراضي العثمانيّة بعيدًا عن فلشطين؛ إذ اتبعت سياسة توطين اليهود ببعض المناطق، مثل إزمير وسلانيك وبورصة، وكان الهدف من ذلك هو الاستفادة من اليهود في سلانيك لمواجهة البلغار واليونانيين، واتخاذ التدابير المستقبلية في غرب الأناضول أيضًا لمواجهة اليونانيين الذين كانوا يتحرّكون للاستيلاء على إزمير.

ورَغْم اتخاذ عِدّة تدابير إلا أن ما يقرب من ١٢٠٠٠ يهوديّ استوطنوا فلسطين ما بين عامي ١٨٨٠-١٨٩٠م؛ نتيجة هجرة اليهود إلیها، وقد تكاثفت هجرتهم أثناء خلافة السلطان عبد الحميد للدولة العثمانيّة، وعرفت هذه الفترة باسم "غليا الأولى".

وفي عام ١٨٨٩-١٨٩٠م ظهرت مدينة عشوائية حول ميشكنوت شعانيم أول محلة يهودية خارج القُذس. ويحلول عام ١٨٩٧م الذي عُقد فيه المؤتمر الصهيوني، زاد اليهود بشكل خطير جدًّا إذ بلغ عدد الأحياء اليهودية في القُدْس ٤٦ حيًّا، وبحلول عام ١٩٠٨ بلغ عدد اليهود في فلشطين ٧٠٠٠٠ يهوديّ، بينما وصلوا إلى ٨٥٠٠٠ نسمة قبل الحرب العالمية الأولى. 

وأثناء الحرب العالمیة الأولی أُخرج من فلسطین بعض اليهود ممن لم يدخلوا تحت تبعية الدَّولة العثمانيّة، وكانوا موالين لأعدائها، وواصل جمال باشا والي سوريا وقائد الجيش الرابع نضاله ضدّ الصهاينة ما بين عامي ١٩١٥-١٩١٦م؛ لأن الوحدات العسكرية التي تشكلت من اليهود الأجانب شاركت في الحرب إلى جانب إنجلترا، وكانت منظمة التجسُّس "نيلي" الموالية للإنجليز مارست أنشطتها العدائية ضدّ العثمانتين في سوريا وفلسطين. 

وعندما وصل الإنجليز إلى غزّة أُرسل ما بین ٧٠٠٠-٩٠٠٠ پهوديّ من یافا إلی الشمال بتاریخ ٩ نیسان/أبريل عام ١٩١٧م، وانتقلت فلسطين إلى سيطرة إنجلترا حين وضعت الحرب أوزارها، كما زالت العراقيل التي كانت تقِف أمام هجرة اليهود إلى فلسطين تطبيقًا لوعد بلفور الذي أعلن عام ١٩١٧م.

ورَغْم كل هذه التدابير القانونية والعسكرية إلا أنه تعذّر مّنْع هجرة اليهود إلى فلشطين، وكان لهذا الأمر كثير من الأسباب الداخلية والخارجية، غير أن التاريخ شَهد أكثر من مرّة أن الخسائر الأخلاقية كانت دائمًا تقف وراء الخسائر المادية، لقد فَقَد أحفاد عُمَر وصلاح الدين الأيوبي وياووز سليم فاتحي القُدس أشياء كثيرة من قِيَمهم المُقَدسة والسامية، فحلَّتْ الخيانةُ محلَّ الصلابة، والجهل محلّ العلم، والكسل والسفاهة محلّ التديُّن، ولو لم يكن الأمر كذلك لطُبِّقت القوانين التي سُنّت.

ولَمَا طمع القَرّويون وباعوا الأرض التي روتها دماء أجدادهم الشهداء بثمن بخس، ولمًا ارتشى المُوظفون وساعدوا على إتمام هذا البيع، ولأدركوا تمام الإدراك أن الأراضي التي يعيشون عليها أراضٍ مُقَدسة.

وإذا ما أمعنًا النظر والتفكير في سبب حدوث هذا القذر من فَقْد الوَعي لاتَضح أنه لم يبقَ أيُّ أثَر من قِيم المحاكم الشرعية وأخلاقها التي كان غير المسلمين يفضّلون أن يحتكموا إليها ثقةً منهم بعدالتها، كما أنه لم یبق أُثّر من المدارس التي کانت بالقُدس، وکان عددها یفوق ١٠٠ مدرسة في زمن ما.

وتُشير لائحة فتحي بك والي نابلُس إلى تلك المعاني، یقول بإیجاز:

"يسعى اليهود إلى أهدافهم التي طَمِعوا في تحقيقها سرًّا وخُفية في الصوامع والمدارس، ودور الأيتام المقامة باسم الدين والإنسانية، وتُساعدهم مجموعة من الحكومات والجمعيات في هذا الشأن، إنهم لا يتورّعون من الاستفادة حتی من ظروف العجّزة الذين يلجؤون إلى المستشفيات، والأكثر من ذلك أنهم يسعون لكسب قلوب الشعب الجاهل الذي یعیش في القُری، وهو عاجز عن التفريق بين الحسّن والرديء، وكذا الأطفال المسلمون الملتحقون بالمدارس.

وبناء على تلك الملاحظات والبحوث قُمت بإنشاء مستشفى خلال خمسة عشر شهرًا من خلال ما جمعتُه من أموال عن طریق المساعدات وغیرها من الوسائل، وعملتُ لیل نهار في لواء نابلس للحفاظ على هذا اللواء، وهذا ما يقتضيه حُبّي وإخلاصي للوطن وضميري وأخلاقي التي ظلت طاهرة سليمة حتى بلغتُ هذه السنّ؛ وذلك لدفع الأهالي إلى طريق الحضارة والتقدم، وتأليف قلوبهم من أجل حكومتنا، وأقمت آثارًا مثل الحدائق الظريفة المفتوحة للعامة التي تلفت الانتباه، والمدارس الخاصة بالذكور وغیرها من المنشآت، وأکملتُ کل ما هو ضروريّ لأجل تعلیم الفتیات وتربيتهنّ.

ومن جهة أخرى وُفِّقْتُ إلى كَسْب ثقة الشعب، وبفضل هذا کشفتُ عن حقوق الشعب التي کانت تُغتصب حتی في الوقت الحالي، وتيسر لي أن أزيد دَخْل اللواء أربعة أضعاف، ويعلم الله تعالى ما العراقيل والصِّعاب التي واجهتُها، وكم عانيتُ من مشاقّ أثناء إجراءاتي المتواضعة هذه.

وبناءً على ذلك أقول: إن هذا الوضع والتردّي الذي سقطت فيه الدَّوْلة سوف يُصلّح، ويتحسّن إِذا ما عمِل زملائي ونُظَرائي، واجتهدوا في العمل بهذه الطريقة أيضًا.

وهكذا يتبين لنا أن الدُّوّل الأجنبية سوف تتدخّل بواسطة السياسة التي يتبعونها في الشؤون العثمانيّة الداخلية، وسوف يزيدون من نفوذهم داخل البلاد العثمانيّة.

ولقد لقیتُ کثیرًا من الشباب المسلم الذي تخرّج من مدارس يافا والقُدْس وبيروت، وهو لا يفهم كلمة من لغة الدَّولة الرسمية، إلا أنَّه يتحدث اللغة الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، وهناك من تعلم اللغة الإنجليزية من رجال نابلُس ونسائها المسيحيات اللائي لا زلن یستزنَّ في ثیابهن حتی الآن، وقد حدّث هذا في ظلّ مدرسة صغيرة أقيمت في زاوية إحدى الكنائس البروتستانتية الصغيرة.

ومنذ اللحظة الحالية نجد أن المبشرین البروتستانت والکاثولیك تسلّلوا إلى كرك وما حولها؛ تلك المنطقة التي استطعنا الحفاظ على الأمن والسلم فيها بواسطة الجنود.

وقد تقدَّم الإنجليز خُطَوات واسعة إلى الأمام في هذا التنافس في صمت وهدوء، إلا أنهم فعلوا ذلك بواسطة جهود كبيرة، وکان الهدف الحقيقيّ للإنجليز هو إقامة منطقة نفوذ إنجليزية تصل إلى مصر وساحل البحر الأبيض المتوسط، عن طريق الهند وإيران والبصرة ويغداد والجزيرة وفِلسطين، وليس ثمّة شكّ في أن حدودًا جديدة ستُرسم في وقت قريب، تمتدّ من الهند حتى مصر مُتعقبّة تلك الطُرُق السالفة الذكر.

وليس هناك ضرورة للخوف إلى هذا الحدّ من محاولات الإنجليز القومية الشوفينية الاقتصادية والسياسية البحتة إذا ما كانت هناك دولة مُتقدّمة وقوية، غير أنه ليس من المُستبعد أن نُواجه هنا أيضًا - والعياذ بالله- ما واجهناه من مُعاناة في مصر إذا ماحدث العکس،وخاصة أن عیون بعض الدّول الأوربية تطمع في بلادنا التي تمتلك كل أنواع الإمكانيات؛ إذ عجَزت تلك الدُّوّل عن أن تَجِد لها ساحة للتوسُع بقذر ما كانت تأمل بسبب صَخوة اليابانیین والصینیین في شرق آسیا.

وعندئذ لا يُمكننا الردّ على هذه الجیوش المُتسلّحة بالعلم والمعرفة والاقتصاد والسياسة إلا إذا كنا مُجهّزين بنفس الأسلحة التي تسلّحوا بها، فمن الصّغب أن نعیش ونبقى بخلاف ذلك، كفيا علينا أن نستفيق وننتبه إلى أنفسنا، ولنسعَ أن نَدعم بعضنا بدلاٍ من أن يسحّق بعضنا بعضًا، علينا ألا نخدم أغراضنا الشخصية وأطماعنا، بل نرعى المصلحة العامة أكثر مما نرعى المصلحة الشخصية.

لا بدّ أن نُوكل كل شيء لمن هو أهله، علينا أن تُؤثر التطبيق على النظرية في شؤون الحُكم، إن السياسات الواهية والمحاولات الاعتباطية لا تُحافظ على دولة ولا تُديم بقاءها.

ينبغي التفكير في مُستقبلنا لمئات السنين، لا ليوم أو يومين، وبناء على ذلك علينا أن نحدّد لنا منهجًا سياسيًّا، هكذا عرضتُ بعض الحقائق على الحکومة عبْر تقريري هذا، وبناء على ذلك أقْترح على حكومتنا إنعاش الخلايا التي أنشِئت خصّيصاً لطلاب العلم قديمًا في مُحيط المسجد الأقصى وقُبّة الصخرة لما لها من الفوائد السياسية والاجتماعية والمادية والمعنوية، وهي تُستخدم اليوم - للأسف- غُرَفًا وحوانيت، أو أن تُنشأ مدرسة في القُدس التي لها أهمية استراتيجية كبْرى، وهي نقطة تَقاطع بين مصر والحجاز وسوريا، وهذه المدرسة تُعادل الجامع الأزهر في مصر على أن يتمّ تعليم اللغة العثمانيّة فيها؛ وذلك عن طريق تأسيس جامعة مُستقلّة هناك".

وقد اقترح كثير من رجال الدَّولة وكبار علماء الدین- مثل فتحي بك والي نابلَس- على الإدارة العثمانيّة كثيرًا من الأمور للقضاء علی الجهل والفقر وتنشئة جیل مُؤمن ذي عزيمة وإرادة، وکافحوا کثیرًا في هذا السبيل.

وقد جاء أهمّ اقتراح لإصلاح المدارس من قبل صفوت باشا وزیر التعلیم العالي، إذ أشار في تذکرة أعدّها الباشا عام ١٨٨٠ م أن المواد الطبيعية قد ألغيت من المدارس نتيجة برامج نُظّمت قبل ٢٠٠ سنة، واقترح صفوت باشا من أجل هذا "أن يتم إصلاح المدارس؛ وذلك من خلال تدريس مواد حديثة، مثل الجغرافيا والفلك والحساب والجبر وعلم القانون"، غير أنه لم تَجْرِ في تلك الفترة أية دراسة لإصلاح المدارس وإحيائها قطّ، وعملت المدارس التي افتُتحت على النَّمط الغربيّ، نتيجة الانفتاح على الغَزب من أجل تنْشِئة "وكالات مُتطوّعة" للغرب في الأراضي العثمانيّة على حدٍّ تعبير جميل مريج، لا من أجل رِفْعَة الدَّولة العثمانيّة من جديد، وذلك لوجود غربيين في هيئات الإدارة في تلك المدارس.

وطالما لم تحيا من جديد وتنتعش خلايا العلم التي أُنشِئت سابقًا للطلاب الذین یُحصّلون العلم، وحوّلت فیما بعد إلی حوانیت ودکاکین، فإنه من المؤكّد أن الردّ على جيوش العلم والمعرفة والاقتصاد والسياسة الذين رآهم حاكم نابلُس أمر ليس سهلًا، وكان لا بدّ من البحث لم ينشأ جيل ينتصر لدينه ووطنه وقِيّمه المُقَدسة، فإنه يتعذّر أن يكون عن الخاتم حيث فُقِد كما جاء في حكاية نصر الدين جحا الماتعة، وطالما لأمة مُستقبل ما بواسطة المُناورات السياسية اليومية، مثلما قال المرحوم محمد عاکف:

"وطن بلا صاحب هالك يقینًا؛ فإن ننتصرْ للوطن فلن يَهْلِك ما بَقِينا"!.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق