أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

تحفة الحواشي في مناقب سيدي علي لمعاشي سعيد بن عمر المعاشي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تحفة الحواشي في مناقب سيدي علي لمعاشي

سعيد بن عمر المعاشي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: هذا كتاب في مناقب وسيرة الشيخ الصوفي سيدي علي المعاشي وأبنائه، وما نُسب إليهم من الولاية والشأن والكرامات، مع ذكر البلاد التي سكنوها وعمّروها، وأولادهم، وأتباعهم، وما اشتهر عنهم من الأحوال والمقامات. ولا يقف الكتاب عند ترجمة الشيخ وسرد أخباره، بل يتسع للحديث عن التصوف ومقامات الأولياء، وعن القطب والغوث والأئمة والأوتاد، وما يتصل بذلك من تصورات صوفية حول مراتب أهل الولاية وأدوارهم في حفظ العالم وإمداده.

ويولي المؤلف عناية ظاهرة لمسألة النسب الشريف، فيجعل حفظ الأنساب وضبطها من الأمور المتعينة، ويحذر من الدعاوى الباطلة في الانتساب إلى أهل البيت، ويربط صحة النسب بما يترتب عليه من أحكام وحقوق وواجبات. ويذكر في نهايات الكتاب، وقبل الخاتمة، أن نسب المعاشي السباعي الحسني ثابت، وينسب ذكره إلى البكري وابن خلدون، ثم يختم كلامه ببيان فضل النسب الشريف وضرورة صيانته وحفظه، وتعظيم أهله ومودتهم.

كما يتحدث الكتاب عن مقام القطب والغوث، ويعرض للمراتب الصوفية المتصلة به من الأقطاب والأئمة والأوتاد، ويرى أن هذه المقامات من المنازل العلية لأهل الولاية، وأن سيدي علي المعاشي قد بلغ منها منزلة رفيعة، حتى وصفه المؤلف بأوصاف القطب والغوث وسراج المغرب، وأفاض في ذكر منزلته بين أهل السلوك والتصوف. ثم يسوق جملة من كراماته وأخباره، وما شاع عنه في حياته وبعد وفاته، ومن ذلك ما يذكره المؤلف من ظهور الماء عند ضريحه عند قراءة القرآن، وشرب الناس منه، وما ارتبط بقبره من حكايات الكرامة والزيارة والصدقة.

ويكشف الكتاب، في مجموعه، عن صورة من صور التدين الصوفي في بلاد المغرب، حيث تتداخل السيرة الشخصية بالكرامة، والنسب الشريف بالولاية، والشيخ بالمريدين، والمقام بالزيارة، وتنتقل مكانة الشيخ من حياته إلى ذريته وأتباعه. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب؛ فهو لا يقدم ترجمة لشخصية صوفية فحسب، وإنما يضيء جانبًا من ثقافة المناقب والأنساب والولاية، ويصور المكانة التي احتلها النسب الشريف والشيخ الصوفي وذريته في الوعي الديني والاجتماعي للمؤلف والبيئة التي كتب فيها.

ومع ما يحمله الكتاب من مادة تاريخية واجتماعية تكشف عن مكانة الشيخ وذريته في الوعي الثقافي للمؤلف، فإن الفكر الصوفي فيه يحتاج إلى قراءة نقدية متأنية؛ إذ يقوم جانب من تصوره للولاية على مفاهيم القطب والغوث والأوتاد والأئمة، وعلى إسناد أدوار غيبية إلى بعض الأولياء في حفظ العالم وتدبير شؤونه، كما يربط بين بلوغ مراتب الولاية وبين النسب الشريف، ويورد من الكرامات ما يتجاوز حدود الخبر التاريخي المجرّد. 

وهذه التصورات لا ينبغي أن تُسلَّم لمجرد ورودها في كتب المناقب، بل تُعرض على أصول الاعتقاد وموازين الشريعة، مع التفريق بين الكرامة التي يثبتها أهل السنة للأولياء من حيث الأصل، وبين الغلو في مقاماتهم أو نسبة خصائص من علم الغيب والتصرف الكوني إليهم. ومن هنا تبرز أهمية قراءة الكتاب بوصفه وثيقة تعبّر عن تصور مؤلفه للولاية والصلاح والنسب، لا بوصف كل ما أورده من مقامات وكرامات وأدوار غيبية حقائق تاريخية أو عقدية مسلَّمة.

______________________________________________

المقدمة

الحمد لله الذي رفع قدر أهل البيت وطهرهم تطهيرا، وننشر اعلام شهرتهم فى الآفاق سراجا وهاجا وقمرا منيرا، خلقهم من طين بمزاج الوحي الهطالة، وغرست فيه شجرة النبوة، وسقي بماء الرسالة، فأزهر من المعالي بكل مرتقى؛ وفاح منه مسك الهدى والتقى، وحمى حماهم المنيع وفلك مجدهم الرفيع أن يرتقى، الحمد لله الذي شرف ذرية عين الرحمة، بما يتلى في بيوتهم من آيات الله والحكمة، ورفع ذكرهم العطر الزاهى، واكرمهم بالنسب الطيب الطاهر وفضلهم على سائر المخلوقات عجماً وعربا، وحث على حبهم وودهم بقوله (قل لا أسألكم عليه اجرا الا المودة فى القربى)، ونور بهم الاكوان تنويراً، وانزل فى شأنهم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، وأوضح لعظيم مجدهم بياناً اذ زين بهم الارض كما زين السماء الدنيا بزينة الكواكب، وجعلهم اماناً، وعقد لهم بسابق العناية فى الأزل عهداً، أن يشفعهم بفضله فيمن اتخذ عندهم وداً، نحمده تعالى ونشكره أن أهلهم للاستقامة والطاعة، وخلق فيهم لقبول وارادة المواهب اللدنية الاستطاعة.

ونشهد أن لا اله الا الله العلي الاعلى، شهادة تكون بها للدخول في حرمتهم أهلها، وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، قطب دائرة الوجود، وبحر الكرم والجود، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الغر المطهرين من الرجس، السالكين لجميع الفضائل سُبُلَها، وكان المصطفى المختار هو والدهم وجدهم، ودار نسبهم على قطب تلك الجادة الكبرى، وريحانتا الرسول الحسن والحسين، اللذين تفتقت أكمامهما من الروضة الزهراء، أفضل آلٍ في الأوائل والأواخر، وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنوار الأعصار وأقمار الأمصار، وأزواجه الباهرات، النجوم الزاهرات، الحور الطاهرات، صلاةً وسلامًا نرقى بهما مراقي سامية، ونحل بسببهما في جنة عالية، قطوفها دانية، ما استنشقت الأرواح نسيمًا، وأفاض المولى على خلقه نعيمًا.

وبعد: فلا يخفى على أولي الألباب تأكد المحافظة على الأنساب، خصوصًا النسب الذي توصل به الأرحام، فإنه من متعين الأحكام. وقد كان من أجل علوم العرب، ولهم فيه غاية الاطلاع، وقد استحال اليوم إلى التلاشي والضياع، ونشأ عن ذلك من المفاسد الشرعية وخرق الضوابط المرعية، مما تكل عنه الأسماع وتمجه الطباع، خصوصًا النسبة الطيبة الطاهرة، ذات المحاسن والمزايا الظاهرة، والأسرار الباهرة، والأزهار العاطرة.

فلقد كثر فيها الأدعياء، وتولاها يدُ كثير من العوام الأغبياء، ممن لم يراقب الله في قول ولا عمل، وتفاحش الأمر في هذه الأعصار، وعم سائر البوادي والأمصار.

وكان الواجب لهذه النسبة الغراء أن تصان، ويبالغ في نكال منتهك حرمتها ويهان، ومن لم يقدر على تغيير هذا المنكر باليد فحسبه اللسان. وكان هذا الأمر مما يتعين على علماء الزمان، قولًا باللسان أو كتابةً بالبنان.

وبعد، فيقول أفقر الورى إلى رحمة مولاه، سعيد بن عمر لمعاشي الحسني، أحسن الله عاقبته وعامله بألطافه، وجعل السعي فيما يقرب إلى رضا الله خاتمة مطافه.

إنني تشرفت بالاطلاع على ظبائر ملوكية، وتقاييد لبحر العوارف والمعارف، وعنصر المجد التالد والطارف، ومنبع العلم النافع، ومطلع أنوار الهداية الساطع، ومجمع الخصال الإنسانية، ومهب المواهب الإحسانية، زمامُ الله تعالى على الجيل، وقدوة أهل العلم والتحصيل، نجم الهداية والإرشاد، وكعبة القاصدين والرواد، وهو نجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخديمه ومحبه، المقتدى به في أقواله وأفعاله، وسليل أئمة الدين والهدى، وقدوة أهل السلوك والاقتداء، ومن إذا عُدَّ الأخيار وجب به الابتداء.

سيدنا وسندنا وقدوتنا وعمدتنا، الذي فاق أسرته ورهطه أبا المحامد والمكارم، سيدنا ومولانا علي المكنى بـ[المعاشي]، لا زال قاصده بكل خير يتحف ويعطي، ولا أخذنا الله تعالى إن ضيعنا من حقه واجبًا أو شرطًا.

فذا هممنا، بحمد الله، على ما يحصل للأريب غاية الأرب، ويكمل للمتعشق في هذا النسب الكريم نهاية الطرب، ويروي المتعطش من زلال هذا النسب الشريف، ويقضي مطالعه العجب من أسلوبهم الظريف، يسحر الأذهان بيانًا، ويستوقف النواظر استحسانًا، ليستنشق منهم رائحة المسك والعنبر، ويقف الناظر فيهم من مناقب أهل هذا النسب الكريم على كل آية هي أكبر.

وما أقدمني على هذا الفن، ولا أنا من رجاله، إلا أني وقفت على كلام الشيخ القصار: «ينبغي أن يكون لأهل البيت النبوي، بل وجميع الأمة، غيرة على هذا النسب الشريف وضبطه، حتى لا ينتسب إليه أحد إلا بحق، كما جرى عليه السلف القديم، ليتعين توقيرهم بالإجلال والإعظام، ومن انتسب لغير آبائه فهو ملعون».

ففي البخاري: «من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

ورُوي عن الإمام مالك أنه قال: «من انتسب إلى نسب النبي صلى الله عليه وسلم يُضرب ضربًا وجيعًا، ويُشهَّر ويُحبس طويلًا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخفاف بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم». والأحاديث في ذلك كثيرة.

ومن المعلوم المقرر، والمرقوم المحرر، أن صحة النسب إلى دُرَّة الأكوان، التي لم توجد لها ضِرَّة ولا توجد على ممر الزمان، عِلْمِ لُبِّ الوجود، وقطب دائرة كل مكوَّن موجود، سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وشَرَّف وكرَّم، ومجَّد وعظَّم، هي من أعظم الذخائر وأفضلها، وأفخم المظاهر وأكملها، بحيث لا يصف فضلها واصف ببيان، ولا تطيق حصر مزيتها فصاحة إنسان.

كيف لا، والفرع ما للأصل من المزية والحرمة؟ رُوي في الحديث أن الله يرفع للمؤمن ذريته في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: ما نقصنا الآباء ما أعطينا البنين. ومثل الذرية الزوجة والوالدان، وهذا عام في الإسلام.

وأما عِترة ولد عدنان، دوحة الشرف الزكي الأفنان، من رُفعت به الأنساب، وشُرِّفت به الأصهار والأحساب، وساد به أهل البدو والحضر، لا خصوص مضر، فقد أنزل الله تبارك وتعالى في حقهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

وأخرج الحاكم وصححه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «وعدني ربي في أهل بيتي، من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ، أن لا يعذبهم».

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾: «رضى محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار».

وفضائل هذا النسب لا تُحد ولا تُستقصى، ولو تتبعنا الأحاديث الواردة في فضائلهم لملأنا منها حواشي الدواوين، وزيَّنا بصدورهم صدور الأواوين. بيد أني، وإن أطنبت في الثناء عليهم، ما أديت حق فرد من أفرادهم؛ فرأيت الاقتصار على ركوب مطية الاختصار أولى بأولي الأبصار.

ثم إن صاحب الترجمة رضي الله عنه، هو عمدة القاصي والداني، قد علا في السماء لبنُ قدره، وسرى في المشرقين والمغربين ذكره، وتواترت كراماته، واشتهرت في البسيطة أعلامه وعلاماته، بدت أسراره للعيان، بشهادة الأئمة الأعيان، وسعدت بطلعة محياه خلق كثير، وانتفع به الجم الغفير، واشتهر ذكره في الغبراء غاية الاشتهار، وجرى هذا السر في الوجود جريان الأنهار، وقصده وفود الزوار من سائر الجهات والأقطار.

كان رضي الله عنه سالكًا سبيل المهتدين، عاملًا بسنة جده سيد المرسلين، عارفًا بأسرار جلال ربه، عاملًا بما يدنيه من حضرته وقربه، فبرز رفعه، وعظم نفعه، وظهر شره، وشاع ذكره، فهو القطب الأكبر، والطود الأشهر، والبدر الواضح البرهان، الغني عن التعريف والبيان، المشتهر في الدنيا قدره، الطالع في ذلك الزمان بدرًا، لا يختلف في قطبانيته اثنان، على تعاقب الأعصار والأحيان.

ضريحه ترياق شافٍ لأدواء العباد، وذكره رحمة نافعة نازلة في كل نادٍ، سرى سره في الآفاق، وطارت بمناقبه الركاب والرفاق. قطع عمره في العبادة، وقصده للانتفاع به أهل السعادة.

كان رضي الله عنه من العلم في النهاية، ومن الزهد في الغاية، جمع الله له بين الشرفين: الطين والدين، وكان من أهل المقامات والعرفان، المشار إليهم في هذا الشأن، ومن شجعان هذا الميدان، فهو أعجوبة دهره، وياقوتة عصره، عارف كبير، ذو مقام خطير، وفتوحات ربانية، وفيوضات عرفانية.

وكان مدرسًا بمسجده الذي بناه ببلاد الرحيم بسوس، بقبيلة الشياظمة. ولقد اجتمع عليه هناك خلق كثير من المريدين، كلهم نال منه خيرًا جزيلًا على قدر مراتبهم وقربهم منه، وله أتباع في سائر الجهات والبقاع، وانتفع به خلق كثير، وجمع كثير، وله أنظام في الحقيقة، ومذاكرات في الطريقة، شهيرة شهرة شمس الظهيرة، الجامع بين الشريعة والحقيقة، صاحب الخوارق العظام، والكرامات الجسام، سيدنا ومولانا علي الكانوني رضي الله عنه، وغير ذلك من الفحول، حتى قال بعضهم: إن الغالب في هذا السر الساري في هذه الأقطار إنما هو من ذلك البحر الزخار.

وقد جمع الناس في مناقبه وعدِّ محاسنه المجلدات، وطارت الأنباء عليه بالثناء من سائر الجهات، ويشهد لهذا ما أظهره الله في بنيه من الأسرار والبركات، فكانوا عقودًا فاخرة في هذه الأوطان، لم يزالوا محافظين على نسبتهم، دابين عن بيضة شعبتهم، لم يطمع في رَونق بابها طامع، ولم يطرق اللعن فيها سمع سامع، وكم فيهم من صلحاء كرام، وعلماء عظام، وسادات نِحام، قد سلكوا سبيل السنة والفرض، ذرية بعضها من بعض، جَمَعَتْ عادت عليهم بركة أسلافهم الكرام، فهم فيما بين الأنام في اعتزاز وإعظام، وإكرام واحترام.

ثم اعلم: أن صاحب الترجمة رضي الله عنه انتقل من مسجده الذي بناه بالحيدر، واستقر بوادي الرحمة، بمقام القطب الرباني، سيدنا ومولانا محمد بن سليمان الجزولي، صاحب دلائل الخيرات، رضي الله عنه ونفعنا به، آمين. أقامه الله تعالى في ذلك المقام رحمة للعباد، وبركة ونورًا في البلاد، حتى صار قطبًا جامعًا، وغوثًا نافعًا مانعًا، ووارثًا رحمانيًا، وإمامًا ربانيًا.

وكان رضي الله عنه يُسمى بسراج المغرب، وهو رضي الله عنه ملجأ كل غريب، يفزع إليه أهل الأمراض، ويُقضى بأمر الله كل الأغراض، وله رضي الله عنه تصاريف عديدة، وخوارق جسيمة، بهر إليها الناس، ويستغيثون به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة لحجاب العادات، له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال شاردة للقلوب، باهرة. تُوفِّي هذا الولي الصالح، ودُفن بمقام القطب الرباني، سيدي محمد بن سليمان الجزولي، فظهرت كرامته على تُربته، وتشَبَّثت هذه الكلمة بلحده، وانسجبت على مكانه عادة حياته، ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى، وتخطَّى الناس مباشرة قبره بالصدقة، التي يبعثها له من أماكنهم على بُعد المدى وانقطاع المكان الأقصى، يحملونها أجنحة نيتهم، فتهوي إليه بمقاصدهم من كل فج عميق، فيبصرون الكرامة المشهورة.

ورحم الله من قال:

هذا الذي كان يُكثر الصلاة على … نَبِيُّنا المصطفى، ففاز بالفخر،
هذا الحبيب الذي من أمَّ جانبه… لا يُرى في الدهر نكبة من البشر،
يا زائرًا لعلي المعاش وكان موقنًا … بنيل ما تهوى، والأمن من الكدر.

ثم اعلم، يا أخي، أن كرامة الأولياء لا تنقطع بالموت، ولقد قال العارف الأكبر، سيدي الحاج أحمد بن عاشر الجوري السلوى: إن كرامة الأولياء لا تنقطع بالموت، وكان يحيل على ما هو مُعايَن في ضريح ولي الله أبي العباس السبتي رضي الله عنه، وكذلك ما هو مُعايَن في ذرية صاحب الترجمة رضي الله عنه.

_________________________________________

فضل النسب الشريف وضرورة حفظه وصيانته

- ختم الله لنا بالحسنى وزيادة- ثم نختم هذا النسب النبوي بالأحاديث الواردة في فضله وحفظه وصيانته، والذبِّ عليه، وردِّ كلام المبطلين المارقين؛ حمدًا لمن أكرم آل البيت الشريف، الطيب الطاهر المنيف، وجعل أصلهم في ذروة الكمال ثابتًا، وفرعهم من دوحة النبوءة نابتًا، ففلك العباءة ضرب عليهم سرادقًا، وتعريف آل البيت لم يزل عليهم سابقًا؛ وصلاةً وسلامًا على عنصر الشرف، ومنبع كل مجد وخلق كريم، وعلى آله وأصحابه الحائزين قصب السبق في الدنيا وفي دار النعيم.

أما بعد: فإن حفظ الأنساب من الأمر المتعين، لا سيما النسبة الطاهرة الزاكية، إذ حفظها من الكليات التي أجمع أهل الملل عليها، وخصوصًا نسب آله عليه السلام، ونسب ذرية ابنته البتول، رضوان الله عليها، إذ ينبني على ذلك كثير من الأحكام، كما بيَّنته الشريعة المطهرة والأئمة الأعلام، مما لهم أو عليهم، خصوصًا من بين الأنام.

فمنها: وجوب تعظيمهم واحترامهم وتوقيرهم ومراعاتهم، ومودتهم وإكرامهم، ومحاشاتهم عما لا يليق بقدرهم، رعايةً لنسبتهم الطاهرة؛ لأن محبتهم هي روح الإيمان، وبمعرفتهم وضبطهم يحصل الأمان، وودُّهم فرضٌ، فرضه الله في أزله. أحبوا الله بما يغدوكم به من نعمه، وإيذاؤهم توجب اللعنة من الله؛ قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾.

وحِمى حريمهم يجب حفظه عن الأغيار؛ إذ الكذب في النسبة من الكذب على الرسول، الشامل لحديث: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، وحديث: «من انتسب لغير أبيه فعليه لعنة الله».

فيا سعادة من رزقه الله محبتهم، وعرف قدرهم، وأدَّى حقهم، ويا شقاوة من نقصهم أو سبَّهم، أو حسدهم على ما آتاهم الله من فضله، فرام لحوقهم وحاول منازلهم، كلا: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ الآية.

قال القاضي عياض: «سب آل محمد وتنقيصهم حرام، ملعون فاعله»؛ والمشهور في مذهب مالك في هذا الاجتهاد والأدب الموجع. وقال الزرقاني: «وشدِّد عليه في شيء قبيح من قول أو فعل لأحد ذريته عليه السلام مع العلم به»، ونحوه للشبرخيتي.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق