قلوبهم معنا وقنابلهم علينا
أحلام مستغانمي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: الحروب هي أكثر الظواهر الإنسانية قساوةً وتدميراً، لما تخلّفه من مآسٍ تتجاوز حدود الخسائر المادية والبشرية، لتطال كرامة الإنسان وأمنه واستقراره وهويته. وتزداد هذه المأساة حدةً حين تُشنّ الحروب تحت شعارات التحرير والديمقراطية وإحلال السلام، بينما تكشف الممارسات على أرض الواقع عن وجوه أخرى من الهيمنة والاستغلال والقتل والتدمير.
والحرب ليست إلا الوجه الأكثر بشاعة للظلم حين يتزيّن بالقوة، وهي الجريمة التي يدفع الأبرياء والمساكين ثمنها من دمائهم وأموالهم وأمنهم ووجودهم. فما أبشع أن تُرفع رايات الحرية والديمقراطية فوق أنقاض البيوت، وأن يُبشَّر الشعوب بالخلاص عبر القصف والتدمير، وأن تُقاس الانجازات بعدد القتلى وحجم الخراب!
وفي مختلف مناطق العالم؛ خلّفت الحروب جراحاً لا تندمل، وأيتاماً لا تعوّضهم الخطب، وأوطاناً تحتاج عقوداً لتنهض من ركامها. وما من قضية عادلة يمكن أن تبرّر قتل الأطفال والنساء وتشريد الآمنين، ولا من قوة عسكرية تستطيع أن تمنح القاتل والمتسبب صكّ البراءة.
وبعبارة أخصر: [إن العدل أقل تكلفة من الحرب، ومحاربة الفقر أجدى من محاربة الإرهاب.. وإن إهانة الإنسان العربي، وإذلاله بذريعة تحريره، هما إعلان احتقار و كراهية له. وفي تفقيره، بحجة "تطويره"، نهب لا غيرة على مصيره. وإن الانتصار المبني على فضيحة أخلاقية هو هزيمة، حتى إن كان المنتصر أعظم قوةً في العالم].
وفي هذا الكتاب تتناول أحلام مستغانمي في كتابها «قلوبهم معنا وقنابلهم علينا» لتتناول تداعيات الحرب الأميركية على العراق، مسلطةً الضوء على التناقض بين الخطاب السياسي الأميركي وممارساته العسكرية، وما صاحب ذلك من استهداف للمدنيين، وإسكات للشهود، وترويع للشعوب، فضلاً عن المفارقات التي أفرزتها الحرب في الحياة الاجتماعية والنفسية للإنسان.
وقد اعتمدت الكاتبة في عرض أفكارها على السخرية السياسية والمفارقة الأدبية، مستحضرةً نماذج وأحداثاً من الواقع العربي والأميركي، لتعرية الخطاب الذي يبرر العدوان باسم الإنسانية، ويصور القصف والدمار وسيلةً لتحقيق الحرية والتقدم.
ولم تغفل مستغانمي عن الإشارة إلى مسؤولية الأنظمة العربية عن واقع شعوبها، وما تعانيه من استبداد وتهميش، في ظل صمت دولي وتخاذل عربي يزيدان من عمق المأساة. ومن أبرز الأفكار التي تؤكدها الكاتبة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تمنح أصحابها الحق في انتهاك كرامة الشعوب، وأن الانتصار الذي يقوم على الظلم والفضائح الأخلاقية لا يمكن اعتباره انتصاراً حقيقياً.
ويُبرز الكتاب القيمة الفكرية والإنسانية للمواطن العربي، ودور الكُتّاب والمفكرين في كشف ازدواجية المعايير السياسية والدولية، والتنبيه إلى خطورة توظيف الشعارات الإنسانية لتبرير الحروب ومشروعات الهيمنة، والتأكيد على أن العدل والتنمية وصون كرامة الإنسان أجدى من الحروب وسياسات الإخضاع.
ويمكن تلخيص أبرز الأفكار التي تناولتها مستغانمي؛ فيما يلي:
ازدواجية الخطاب السياسي: التناقض بين ادعاء تحرير الشعوب وممارسة القتل والتدمير بحقها.
السخرية من القوة العسكرية: توظيف الكاتبة للمفارقات الساخرة في وصف الأسلحة الذكية والحروب التي توصف بالنظيفة.
استهداف الحقيقة والإعلام: إبراز خطورة استهداف الصحفيين والمراسلين، باعتبارهم شهوداً على الجرائم والانتهاكات.
مسؤولية الأنظمة العربية: نقد الاستبداد السياسي وتوظيف معاناة العراق لتوجيه رسائل تحذيرية إلى بقية الأنظمة.
البعد الإنساني للحرب: تصوير آثار الخوف والدمار في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات.
المفارقة بين الشعارات والواقع: إبراز التناقض بين الحديث عن الديمقراطية والحرية وبين انتهاك حقوق الإنسان وكرامته.
_________________________________________________
فياغرا.. أم المعارك
قد لا يكون الوقت مناسبًا، ونحن نعيش على أهبة حرب والكرة الأرضية تقف على قرن الثور الأميركي، متوجسة الكارثة المواصلة الحديث عن صعوبة الانضباط العاطفي بالنسبة إلى الرجل، وعن تاريخ الرجال الحافل بالخيانات عبر العصور.
غير أن الأجواء السياسية المشحونة، التي تعيشها البشرية هذه الأيام، والكوارث والحروب التي عرفتها بعض البلدان، تركت آثارها في سلوك الرجل من منطلق نظرته الجديدة إلى نفسه وإلى العالم، في محاولة إمساكه بحياة أصبحت تبدو سريعة العطب، قد تفلت من بين أصابعه في أية لحظة .
لأن المرء في أوقات الخوف والحذر يبالغ في ردود الفعل، فقد شاهدنا تطرفا رجاليا هذه الأيام، في الالتزام بالقيم الأسرية في نيويورك، إذ غدت مصائب البرجين المنهارين فوائد على الزوجات، بعد أن صار رجال نيويورك أكثر وفاء لزوجاتهم بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر). وأعلن بعضهم لمجلة «لوبوان» الفرنسية أنه يفضّل الاستمرار في علاقة مع امرأة واحدة، ولا يرغب في خيانة شريكة حياته، بعد أن صار يشعر بأهمية الإخلاص.
الخوف الذي أطاح ببورصة شركات الطيران، والمنتجعات السياحية، هو نفسه الذي حجز الأزواج في البيوت، ورفع أسهم شركات الأدوية، وأسهم المؤسسة الزوجية، في عالم صنع الخوف وعلبه للبشرية، ثم ما عاد قادرًا على صنع الطمأنينة، بعد أن أصبح رجاله لا يجدون سكينتهم إلا في العودة باكرا إلى البيت، لتناول جرعة الحب الزوجي، ولو على مضض.
أميركا التي ابتكرت لنا الأمن الوقائي» و«الضربة الوقائية واستراتيجية الحرب الاستباقية، استبق رجالها الكارثة متحصنين بالحبّ الوقائي، مُفضّلين على الإرهاب البيولوجي الإرهاب الزوجي واجدين في رئيسهم نموذجا للزوج الصالح ولفاعل الخير المثالي، الذي من حسن حظ البشرية أن يكون انتصر على آل غور بفارق حفنة من الأصوات، فبعث به الله لهداية من ضل منا سواء السبيل.
لأن الكوارث تقود الناس إلى إعادة تقييم أولوياتهم، واتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بمصيرهم، فقد جاء في استطلاع أجرته مجلة «نيويورك ماغازين تحت عنوان «الحب بعد 11 أيلول»، أن ٣٦ في المئة من العازبين في نيويورك باتوا يسعون إلى الزواج والاستقرار الأسري. وهم بالمناسبة لا يختلفون كثيرا عن ضحاياهم الأفغانيين، الذين قرأنا أنهم كانوا يحتفلون بالزواج تحت القصف الأميركي، بينما كانت الخاطبات، حسب أحد العناوين، يبحثن عن العرسان بين الأنقاض!
فالبعض، في مواجهة القصف العشوائي للحياة، يفضل أن يفتك به الحب على أن تفتك به الطائرات الحربية، وأن يحترق بجمر الأشواق بدل الاحتراق بالقنابل الانشطارية، والموت بنيران الحب بدل الموت متفحما تحت أنقاض برج التهمته النيران .
كل هذا يشرح النتائج التي توصلت إليها مؤخرا باحثة أميركية، إذ توقعت أن تشهد نيويورك إقبالاً على الزواج وعلى الإنجاب، وعودة إلى القيم الأسرية، كما يحدث دائما في المدن التي تعرف الحروب والكوارث.
استوقفني هذا الخبر، إذ وجدت فيه بشرى لأمتنا، المقبلة حتما على أكثر من كارثة، فلا أرى خارج الحرب وسيلة ردع تعيد الزوج العربي إلى صوابه، فيتعلم الاكتفاء بامرأة واحدة، والإخلاص لها . كما أننا نحتاج إلى كارثة قومية شاملة قدر الإمكان، كي تنهار إثرها، بمعجزة بورصة المهر التعجيزي وترتفع أسهم الزواج لدى شبابنا، عسى أن يفتحها الله في وجوه ملايين العوانس من بناتنا في العالم العربي.
عند تأملنا الحرب القادمة من هذه الزاوية، ندرك أنها ستحسم في الأسرة وليس في أروقة الأمم المتحدة، أو في مكاتب البنتاغون، ولا بأس أن نخسر فيها وطننا .. إن كنا سنفوز به سرير.
وهنا تكمن حكمة العراقيين الذين فاجأونا بانهماكهم، منذ سنوات في أبحاث متطورة لإنتاج فياغرا أم المعارك»، أثناء اعتقاد الأميركيين عن غباء، أنهم منشغلون بتطوير سلاحهم النووي لا المنوي !
العراق الذي يصنع دائما الحدث فاجأ العالم في عزّ الاستعداد للحرب، بإعلانه بعناوين كبرى في الصحف العراقية، عن إنتاج فياغرا أم المعارك بخبرات محلية في مختبرات عراقية. وكان في الضجة التي صحبت هذا الاختراع تصرف لا يخلو من التهور، بعد أن بدت الفياغرا جزءا من أسلحة الدمار الشامل التي ينوي العراق إشهارها في وجه أميركا، ما قد يستدعي عودة فريق المفتشين مجددا لتفتيش، هذه المرة، غرف نوم العراقيين
ليس في وسعنا، والحرب آتية لا ريب فيها، إلا أن نصلي كي تمهلنا قليلاً، حتى يستطيع إخواننا في العراق استهلاك ما أنتجوا من تلك الحبة الزرقاء اللعينة، تحسبا لأم المعارك .. أو بالأحرى لأم أمها !
٢٠٠٣/٣/٧
__________________________________________________
اضرب القطوسة.. تفهم العروسة
أصبح التلفزيون عدة الألم الضرورية، التي تلزمنا لمتابعة الفيلم الأميركي الطويل، الذي لا ندري متى ينتهي .. وأين؟
بل لفرط إدمانه، ما عدنا ندري أين نسكن بعدما أصبحنا نقيم في مدن العراق جميعها ، ونركض لاهثين مع المراسلين من موقع إلى آخر، ومن قناة فضائية إلى أخرى .
المراسلون غدوا أهلنا الذين يقيمون في بيوتنا، وعيوننا التي بعيون القلب تنقل لنا أخبار العراق، والملامح التي تشي كل صباح بمزاج الحرب، والصوت الذي نحتضنه ونعتذر له كل مساء قبل النوم، ونبدأ نهارنا بالاطمئنان عليه.
ولذا، الدبابة الأميركية التي صوّبت نارها نحوهم ما كانت تقصد سوانا، نحن ملايين المشاهدين العرب الذين رأينا دمنا يتدفق في كل مكان في فندق فلسطين. والنار التي استهدفتهم،
بذريعة الخطأ، ما انهالت عليهم سوى لتشرع الحرب المعلنة على الحقيقة، حيث سقوط المدن يعني سقوط الشهود العيان.
وحيث، في خندق الحقيقة المحاصرة، لا مكان إلا للشاهد الشهيد، الذي بموته تموت الجرائم الموثقة.
أجل .. يحدث للأسلحة الأميركية أن تكون ذكية !
حتما، كان ثمة استخفاف بذكاء سكان الكرة الأرضية، عندما صرح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، بما عُرف عنه من عنجهية، وهو يُبشِّر العالم ببدء الحرب على العراق، أنها ستكون حربا قصيرة ونظيفة، تتم بأسلحة دمار رحيمة»، بحكم الذكاء المتقد لقنابلها، والفطنة غير العادية للعقل الإلكتروني، الذي يوجه ترسانتها .
كلام جاء ليؤكد آنذاك تصريح رئيس الأركان المشتركة، الذي سبقه إلى إثارة فضولنا عندما قال: إنها أسلحة لم يكن يحلم بها أحد نظرا لدقتها .. أسلحة تثير الإعجاب .. ثمة إنسانية في اختيار أهدافها، حتى كاد بعضنا في لحظة انبهار تكنولوجي أن يتمنى لو كان له شرف اختبار هذه القنابل بنفسه، كي يكون شاهدًا على ميلاد عصر الحروب النظيفة والجيوش الطاهرة، وتكذيب قول أندريه مالرو ثمة حروب عادلة، ولا وجود الجيوش بريئة .
هو قول لا يُصدق الأميركيون إلا نصفه، لا لكرههم الفرنسيين وما يأتي منهم، بل لاعتقادهم الراسخ بعدالة كل حرب يخوضونها، حتى إن لا حاجة بهم إلى أي قرار أممي، يأذن لهم باجتياح أي بلد في العالم، بل فقط إلى بركات الرب وصلوات ملايين الأميركيين الخيرين الطيبين .
اليوم، ما عاد أحد منا يشك في الذكاء المتقد لهذه القنابل، المصابة بزهو يعمي عن الرؤية. حتى إنها في مداهمة ودية»، وفي لحظة انجراف عاطفي، قد تطلق وابل نيرانها على حلفائها ، ما جعل صحيفة إنكليزية تعلق متهكمة، أمام تزايد كثافة النيران الصديقة»: لا ندري لماذا اختار بوش العراق ليحارب فيه بريطانيا ؟! .
في الواقع، اختار بوش العراق للعبرة، ليُحارب فيه جميع الأنظمة العربية على طريقة المثل التونسي القائل اضرب القطوسة .. تفهم العروسة». وفي انتظار أن يكون السادة العرسان، الذين تزوجوا شعوبهم القاصرة عنوة، وزفت إليهم مكرهة في أعراس الدم والسطو قد فهموا الدرس جيدا، وبدأوا في إخفاء الجماجم التي صنعوا منها كراسيهم، في إمكان أميركا أن تواصل ضرب القطط العراقية البائسة والجائعة، والهائمة على وجهها في رحاب العراق. فالمعروف في الأعراس أن العريس وحده يدلل ويُبجل، وأن العريس يعرس والمشوم يتهرس، وهو مثل تونسي آخر .
صدام الذي نجا من أكثر من محاولة اغتيال، سبق له أن قال، مدعيا استخفافه بحياته، إنه يعيش بالعمر الفائض. وكان يعني بـ «الفائض فائض الدم العراقي، فلم يحدث له أن استخف إلا بحياة الآخرين. ولذا، لم يكن في هذه الحرب معنيا بذكاء أو غباء الأسلحة الأميركية، التي كانت في جميع الحالات تخدم لعبة حاكم يحتاج إلى مزيد من الموتى، لاستدراج مزيد من التضامن ؛ فقد اعتاد ألا يرى اسمه مكتوبا إلا بدم الآخرين .
٢٠٠٣/٤/١٩
________________________________________________
(عواطف ثورية) لبقرة مجنونة
لكأن تلك البقرة التي بدت عليها أعراض الجنون، وقد تتسبب للاقتصاد الأميركي، بخسارة تفوق الأربعين مليار دولار، كانت هدية صدام إلى بوش في أعياد الميلاد. وربما تكشف تحقيقات وكالة الاستخبارات الأميركية مستقبلاً، أنها منخرطة في جيش فدائيي صدام، وكانت تنتظر الوقت المناسب لتباشر مهمتها التاريخية، في إلحاق أكبر الخسائر بـ معسكر الشر»، انتقاما للقائد الراعي، الذي كان يسوق القطيع إلى المراعي، حين ساقه جنونه إلى تلك الحفرة. ونظرًا إلى كون الرجل من برج الثور، أتوقع أن يأتي من البيطريين الأميركيين، من يقول إن البقرة جنت بصدام .. أو جنت بسببه. فلولا جنون البشر، ما كان لجنون البقر أن يوجد بعد أن أراد البعض معاكسة الطبيعة وإجبار المواشي على أكل اللحوم، تماشيا مع نزعاته الافتراسية.
وليس عجبا أن تقع البقرة في حب الرجل. وقد قرأت مرة أن مزارعا من جنوب أفريقيا عانى الغيرة الشديدة، التي تتملك إحدى بقرات مزرعته ما كاد يؤدي إلى انهيار حياته الزوجية بسبب إعجاب البقرة به منذ أعوام، وتتبعها له كظله أينما ذهب .
وعندما تزوج المسكين قبل عامين، ظلت البقرة مصرة على إعجابها وتعلقها به وكانت تستشيط غيظًا، كلما رأته يداعب زوجته أو يمسك بيدها. وقد حاولت البقرة مرارا قتل الزوجة بأن تطاردها وتحاول نطحها، لتوقعها في بئر المزرعة. ومنذ سنتين والرجل حائر بين بقرته وزوجته، لا يطاوعه قلبه على بيع الأولى، ولا على تطليق الثانية، ولسان حاله مع البقرة المخدوعة أخونك آه .. أبيعك لا».
ووقوع بقرة في حب رجل ليس أعجب من وقوع ملكة في حب ثور. ففي الجنون ما فيش حد أحسن من حد.. ولا بقرة أجن من مرا»، كما جاء في فن الهوى» لـ «أوفيد»، الذي يحكي لنا أسطورة الملكة باسيفاي، التي وقعت في حب ثور، وراحت المسكينة تتجمل له كل يوم، وتأتيه في كل زينتها وهو غير آبه لها، مشغول عنها بمعاشرة البقرات، حتى تمنت لو نبت لها قرنان فوق جبينها، عساها تلفت انتباهه
ويبدو أن باسيفاي»، كانت أول كائن أصيب بجنون البقر . فما لبثت أن هجرت قصرها إلى الغابات والوديان، لتحملق في كل بقرة، تقع عليها عيناها ، مُشتبهة في كل بقرة حلوب لعوب، تتمرغ على العشب الناعم، تحت بصر حبيبها الثور، عساها تسرق لبه. وذهبت الغيرة بالملكة حد الفتك بغريماتها من الأبقار، بإرسالها إلى الحقول لإنهاكها بجر المحراث، أو إلى المذبح بذريعة نحرها قربانا للآلهة.
لذا، أنصح النساء بأن يأخذن، بعد الآن، مأخذ الجد وجود البقرة كغريمة للمرأة، ومنافسة يُحسب لها ألف حساب، خاصة من نزلت الأبقار إلى ساحة الجمال وإعلان جائزة أفضل تسريحة شعر للبقر في ألمانيا، واستعانة أصحاب الأبقار المتسابقة، بكل عدة التجميل النسائي من سيشوارات وبودرة وجلاتين ومثبتات شعر. وإن كنت لا أذكر اسم البقرة الفائزة، فأتوقع أن تكون بقرة رأسمالية شبعانة كسولاً ومغناجا ، لا تشبه في شيء بقرة حاحا النطاحة»، التي وصفها لنا أحمد فؤاد نجم، في إحدى قصائده الشهيرة، بعد حرب ٦٧ وأودع بسببها السجن.
الأمر على ما هو عليه من العجب، لربما أصبح لزاما على المرأة أن تطالب زوجها بأن يناديها بعد الآن يا بقرة» لا يا قمر»، خاصة بعدما كشف لنا رجال الفضاء الوجه البشع للقمر، وبعد إعلان النجم راسل كرو أنه انفصل عن صديقته الفاتنة، ليستطيع تمضية وقت أكبر مع الأبقار في مزرعته. لم نتوقع أن يأتي يوم تسرق فيه الأبقار منا الرجال الأكثر وسامة، وتصبح خطرا على الأنوثة والسياسة الكونية. وإن كان اعتراف الرئيس بوش، في بداية حكمه بالتواصل مع الأبقار، اعترافًا يشهد بأخلاقيات الرجل الذي يفضّل على معاشرة المتدربات في البيت الأبيض، عشرة الأبقار. فعندما لا يكون رئيس الولايات مع زوجته، أو مع والدته بربارا، يكون مأخوذا المتحدة بالاستماع إلى كونداليزا رايس، أو إلى الأبقار. فقد قال في تصريح، ما زلت أحتفظ به : أتطلع إلى مشاهدة الأبقار، التي تتحدث معي، لأنني مستمع جيد.
ماذا لو كان جنون بوش الذي يحكم به العالم، قد انتقل إليه من إحدى الأبقار التي يستمع إليها (كاوبوي أميركا) في الويك أند؟
___________________________________________________
انزل يا جميل ع الساحة
داخلي كم من المرارة، يجعلني أمام خيارين : إما أن لا أكتب بعد اليوم إلا عن العراق، فعندي من الخيبات والقصص ما يملأ هذه الصفحة لسنوات، وإما أن أكتب لكم عن أي شيء، عدا هذه الحرب التي لن تكون عاقرا، وستنجب لنا بعد أم المعارك» و«أم المهالك» و«أم الحواسم».. حروبا ننقرض بعدها عن بكرة أمنا وأبينا، بعد أن يتم التطهير القومي للجنس العربي.
وكنت حسمت أمري بمناسبة عيد ميلادي، وقررت رفقا بما بقي من صحتي وأعصابي، أن أقلع عن مشاهدة التلفزيون، وأقاطع نشرات الأخبار، وذهبت حتى إلقاء ما جمعت من أرشيف عن حرب العراق، بعدما أصبح منظر الملفات يُسبب لي دوارا حقيقيا، وغدا مكتبي، لأسابيع، مغلقا في وجه الشغالة، بسبب الجرائد التي يأتيني بها زوجي يوميا أكواما، فتفرش المكتب وتفيض حتى الشرفة .
حدث أن خفت أن أفقد عقلي، أو أفقد قدرتي على صياغة فكرة، بعدما وجدتني كلما ازددت مطالعة للصحف أزداد عجزاً عن الكتابة، حتى إنني أصبحت لا أرسل هذا المقال إلى رئيس التحرير، إلا في اللحظة الأخيرة.
زوجي الذي لاحظ علي بوادر اكتئاب، لعدم مغادرتي مكتبي لأيام، نصحني بمزاولة الرياضة، وزيارة النادي المجاور تماما لبيتي، وهو ناد يقع ضمن مشروع سياحي، ضخم وفخم وباذخ، إلى حد لم أجرؤ يوما على ارتياده، واجتياز بوابته الحديدية المذهبة، والمرور بمحاذاة تماثيله الإيطالية، ونوافيره الإسبانية. فبطبعي أهرب من البذاخة، حتى عندما تكون في متناول جيبي، لاعتقادي أنها تصيب النفس البشرية بتشوهات وتؤذي شيئًا نقيا فينا، إن هي تجاوزت حدها .
لكنني تجرأت، مستعينة بفضول سلفتي وسيارتها الفخمة، على اجتياز ذلك الباب، الذي أصبحت لاحقا أعبره مشيا كل يوم.
تصوروا، منذ ۱۳ نيسان (أبريل)، وأنا طالعة من بيت أبوها رايحة بيت الجيران، ما سأل عني زوجي إلا ووجدني في النادي، الذي كثيرا ما أجدني فيه وحدي لساعات، إذ لا أحد يأتي ظهرا .. عندما يبدأ نهاري .
وهكذا اكتشفت أن الفردوس يقع إلى جانب الرصيف المقابل لبيتي، ورحت أترحم على حماي، الذي يوم اشترى، منذ أكثر من ثلاثين سنة البناية التي نسكنها من ثري عراقي (يوم كان العراقيون هم أثرياء الخليج ! ما توقع أن تصبح برمانا أهم منتجع صيفي في لبنان. فقد كانت مجرد جبل خلاب بهوائه وأشجاره، لم يهجم عليه، بعد، الإسمنت المسلح ليلتهم غاباته، ولا غزاه الدولار، والزوار الذين صاروا يأتونه في مواكب الرولز رويس .
ولأنني لا أحب اقتسام الجنّة مع أناس لا يشبهونني، فقد أصبحت أكتفي بشتاء برمانا القارس، سعيدة بانفرادي بثلجها وعواصفها، ثم أتركها لهم كل صيف، هربا إلى جنوب فرنسا، حيث يوجد بيتي الصغير في منطقة لم يصلها «العلوج» بعد.
أعترف بأنني مدينة لـ تحرير العراق»، بتحريري من عقدة الرياضة، التي كنت أعاديها، مقتنعة بقول ساخر لبرنارد شو: لقد قضيت حياتي أشيع أصدقائي الذين يمارسون الرياضة»!
غير أن هذا النادي لم يشفني من عُقدي الأخرى، وأولاها التلفزيون، فقد وجدتني أنا الهاربة منه، محجوزة مع أربع شاشات تلفزيون في قاعة الآلات الرياضية، وبين ما وجد أصلاً للاسترخاء وليمارس الزائر رياضته على إيقاع القنوات الموسيقية التي يختارها أصبحت ما أكاد أنفرد به، حتى أشرع بمطاردة الأخبار على كل القنوات السياسية، فأمارس ركوب الدراجة وأنا أشاهد على «المنار» بنا حيا من كربلاء»، وأمشي على السجاد الكهربائي، وأنا أتابع نقاشا حاميا على «الجزيرة»،
وأتوقف عند العربية لمتابعة مأساة المتطوعين العرب وموتهم العبثي في معركة تحرير العراق. لكأن نحس العراق يطاردني أينما حللت، أو كما تقول حماتي المنحوس منحوس ولو علقولو في ... (قفاه) فانوس»!
أما المصيبة الثانية، فتصادف وجودي في النادي مع إقامة المتنافسات على لقب ملكة جمال لبنان، في الفندق نفسه.
و انزل يا جميل ع الساحة، وقومي يا أحلام، إن كنت فحلة وانزلي ع المسبح.. فهنا، أيتها الحمقاء التي لا تسبح إلا في مستنقع الخيبات العربية، لا تنزل الملكات إلى المسبح، قبل أن يكن قد استعددن للحدث طوال سنتين ... في ناد آخر !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق