أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 18 أكتوبر 2026

الأدلة الراجحة على فرضية قراءة الفاتحة لأبي الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الأدلة الراجحة على فرضية قراءة الفاتحة

لأبي الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الفقه أحد أشرف العلوم الشرعية وأعظمها قدرًا، إذ به تُعرف أحكام الشريعة، وتُفهم نصوص الكتاب والسنة، وتُميَّز الأقوال الراجحة من المرجوحة، ولا سيما في المسائل التي تعددت فيها أقوال العلماء واختلفت فيها أنظارهم واجتهاداتهم. وقد كان اختلاف العلماء في كثير من المسائل الفقهية اختلافًا قائمًا على أدلة شرعية واعتبارات علمية، مما يستدعي النظر في أقوالهم، وفهم مأخذ كل قول، وموازنة الأدلة وفق أصول الاستدلال وقواعد الترجيح.

وفي هذا الكتاب الذي وضعه العلامة الغُماري -رحمه الله- بيان جملة من المسائل الفقهية، والتي أبرزها وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وذكر أقوال العلماء فيها، وأدلتهم، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، وصولًا إلى الترجيح بين الأقوال بحسب قوة الدليل ووضوح وجه الاستدلال، مع مراعاة أدب الخلاف، 

ومن خلال الكتاب؛ جزم المؤلف رحمه الله بوجوب قراءة سورة الفاتحة في الصلاة الجهرية والسرية، للإمام والمنفرد والمأموم، استنادًا إلى الأحاديث الواردة في ذلك، ولا سيما قوله ﷺ: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، لما يدل عليه من ركنية الفاتحة وشرطيتها لصحة الصلاة. 

ويرى أن الأدلة المثبتة لقراءتها أقوى من الأدلة المخالفة لذلك، وأنه يمكن الجمع بينها بحمل الأحاديث العامة على الأحاديث الخاصة، وفق قواعد الترجيح الأصولية. وبناءً على ذلك، فإن من أدرك الإمام راكعًا لا تُحسب له الركعة ما لم يقرأ الفاتحة، وعليه أن يأتي بركعة بدلًا منها؛ لأن الإمام لا يتحمل عنه هذا الركن.

كما يرجّح المؤلف -رحمه الله- وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؛ لأنها صلاة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وقد وردت آثار وأحاديث تدل على قراءتها، ومنها فعل ابن عباس وقوله إنها من السنة.  ولم ينس رحمه الله -مناقشة أدلة القائلين بعدم قراءتها، ويرى أنها لا تنفي وجوب الفاتحة، بل تؤكد أهمية الدعاء للميت دون أن تتعارض معه. ويخلص إلى أن الفاتحة ركن في صلاة الجنازة، وأن تركها يوجب إعادة الصلاة، ولو على القبر عند تعذر إخراج الميت، والله تعالى أعلم.

__________________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعد، فقد طلب مني بعض أهل العلم أن أكتب بحثًا في قراءة الفاتحة خلف الإمام، يكون وافيًا في بابه، فلبيت طلبهم، وحررت هذا البحث. عرضت فيه الأقوال وأدلتها، وبينت الراجح منها، بمقتضى القواعد الحديثية والأصولية، غير متحيز لرأي ولا متأثر بمذهب، مستمدًا من الله العون والتوفيق.

ونبدأ بذكر الأقوال، وهي ثلاثة:

١- قول الحنفية:

لا يقرأ المأموم خلف الإمام شيئًا من القرآن، لا الفاتحة ولا غيرها، في الصلاة الجهرية والسرية.

٢- قول المالكية:

لا يقرأ المأموم خلف الإمام في الجهرية، ويقرأ في السرية. وهو قول الإمام أحمد أيضًا.

٣- قول الشافعية:

يقرأ المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية والسرية. وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد وابن حزم.

استدل الحنفية بأحاديث:

١- روى أبو بكر الرازي في «شرح مختصر الطحاوي» من طريق الحجاج بن أرطاة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين: «أن النبي ﷺ نهى عن القراءة خلف الإمام».

لكن الحجاج لا تعرف له رواية عن قتادة ولا سماع منه. ثم هو مدلس. وصفه بالتدليس عبد الله بن المبارك وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي ومحمد بن نصر المروزي والبزار والساجي والعجلي وإسماعيل القاضي وابن عدي والذهبي. وصرح أبو حاتم بأنه كان يدلس عن الضعفاء. فهذا الحديث لا يحتج به لانقطاع سنده وتدليس راويه، ولا يبعد أن يكون الحجاج دلسه عن بعض الضعفاء ليؤيد مذهب الكوفيين، أهل بلده.

ورواه الدارقطني من هذا الطريق مطولًا، ولفظه: عن عمران بن حصين، قال: «كان النبي ﷺ يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه. فلما فرغ، قال: من ذا الذي يخالجني سورتي؟» فنهاهم عن القراءة خلف الإمام.

قال الدارقطني: ولم يقل هكذا غير حجاج، وخالفه أصحاب قتادة، منهم شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا أنه نهاهم عن القراءة، وحجاج لا يحتج به.

٢- روى الطحاوي من طريق يحيى بن سلام، ثنا مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام». رفعه غلط، والصواب أنه موقوف.

كذلك رواه الطحاوي من طريق ابن وهب، عن مالك، بالإسناد السابق، عن جابر قوله. ورواه الترمذي من طريق معن، عن مالك، موقوفًا أيضًا، وهو كذلك في «الموطأ».

ورواه الطحاوي من طريق إسماعيل بن موسى ابن بنت السدي، ثنا مالك، فذكر بإسناده عن جابر قوله. قال إسماعيل: فقلت لمالك: أرفعه؟ فقال: خذوا برجله.

قلت: والغلط في رفعه من يحيى بن سلام، وهو البصري، ضعفه الدارقطني وابن عدي. وقد وصف بالصلاح، إلا أنه يروي مناكير ويغلط، ومن غلطه: ما رواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وسأريكم دار الفاسقين﴾، قال: مصر. رواه أبو زرعة الرازي واستقبحه، وقال: هو في تفسير سعيد عن قتادة: مصيرهم.

٣- روى الطحاوي من طريق جابر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».

جابر هو الجعفي، كذاب. روى أبو يحيى الحماني عن أبي حنيفة قال: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلا جاءني فيه بأثر.

وقال مسعر: كنت عند جابر، فجاءه رسول أبي حنيفة: ما تقول في كذا وكذا؟ قال: القاسم بن محمد وفلانًا وفلانًا، حتى عد سبعة، فلما مضى الرسول، قال: إن كانوا قالوا.

قيل لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه بعد هذا؟ فقال: هذا شديد، واستقبحه.

ورواه الدارقطني في «السنن» من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». قال الدارقطني: محمد بن الفضل متروك.

ورواه الطبراني في «الأوسط» من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ به. أبو هارون متروك. قال ابن حبان: كان يروي عن أبي سعيد الخدري ما ليس من حديثه.

ورواه الدارقطني من طريق محمد بن عباد الرازي، ثنا أبو يحيى التيمي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ به. قال الدارقطني: أبو يحيى التيمي ومحمد بن عباد ضعيفان.

وروى الدارقطني من طريق عاصم بن عبد العزيز، عن أبي سهيل، عن عون، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: «يكفيك قراءة الإمام خافت أو جهر». عاصم بن عبد العزيز ضعيف، ونقل الدارقطني عن الإمام أحمد قال: هذا حديث منكر.

وروى ابن حبان في «الضعفاء» من طريق يغنم بن سالم، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». يغنم بن سالم كذاب.

وروى الطبراني في «الأوسط» من طريق أحمد بن عبد الله بن ربيعة بن العجلان، عن سفيان الثوري، عن مغيرة، عن علقمة، عن عبد الله مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم فليصمت خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة وصلاته له صلاة».

قال الخطيب: أحمد بن عبد الله شيخ مجهول، وقال الذهبي في «الميزان»: هذا حديث منكر بهذا السياق، ووافقه الحافظ في «اللسان».

وروى الدارقطني من طريق محمد بن سالم، عن الله الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا قراءة خلف الإمام».

قال الدارقطني: هذا مرسل.

قلت: ومحمد بن سالم ضعيف متروك.

وروى الدارقطني من طريق غسان بن الربيع، عن قيس بن الربيع، عن محمد بن سالم، عن الشعبي، عن الحارث الأعور، عن علي، قال: قال رجل للنبي ﷺ: أقرأ خلف الإمام أو أنصت؟ قال: «بل أنصت، فإنه يكفيك».

قال الدارقطني: تفرد به غسان وهو ضعيف، وقيس ومحمد بن سالم ضعيفان.

وروى الطحاوي والدارقطني من طريق أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».

قال الدارقطني: لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان (١).

ورواه الطحاوي من طريق جابر وليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ به. جابر هو الجعفي، كذاب.

وليث هو ابن أبي سليم، ضعيف مختلط، رفاع للموقوفات.

قال الدارقطني في «السنن»: وروى هذا الحديث سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدلائي وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي ﷺ مرسلًا.

وقال البيهقي في «المعرفة»: وقد روى السفيانان هذا الحديث وأبو عوانة وشعبة وجماعة من الحفاظ، عن موسى بن أبي عائشة، فلم يسندوه عن جابر. ورواه عبد الله بن المبارك أيضًا عن أبي حنيفة مرسلًا. وقد رواه جابر الجعفي وهو متروك، وليث بن أبي سليم وهو ضعيف، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا، ولم يتابعهما عليه إلا من هو أضعف منهما.

لكن قال أحمد بن منيع في «مسنده»:

أخبرنا إسحاق الأزرق، ثنا سفيان وشريك، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر، مرفوعًا: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».

ورواه محمد بن الحسن في «الموطأ» عن أبي حنيفة موصولًا بذكر جابر، ومحمد بن الحسن ضعيف. ووصله أيضًا الحسن بن عمارة، وهو متروك.

ومن التهور القبيح قول ابن الهمام في طريق محمد بن الحسن: هذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين. وأقبح منه احتجاج الحافظ الطحاوي في «معاني الآثار» بهذا الحديث، وهو يعلم ما فيه من العلل القاضية بسقوطه.

قال البيهقي في «المعرفة»: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، يعني الحاكم، قال: سمعت سلمة بن محمد الفقيه يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، فقال: لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء، إنما اعتمد مشايخنا، يعني الحنفية، فيه على الروايات عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة.

قال الحاكم: أعجبني هذا لما سمعته، فإن أبا موسى أحفظ من رأينا من أصحاب الرأي على أديم الأرض.

ثم إن الحديث مع ضعفه شاذ مخالف للقواعد؛ فإن من المقرر المعلوم أن الإمام لا يحمل عن المأموم شيئًا من فرائض.

قالوا: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه». رجال إسناده ثقات، وصححه ابن حبان (١).

وروى الطبراني في «الكبير» من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن الزهري، عن عبد الله بن جهر، عن أبيه جهر، قال: قرأت خلف النبي ﷺ، فلما انصرف قال: «يا جهر، أسمع ربك ولا تسمعني».

فهذان الحديثان يفيدان طلب الإسرار بالقراءة خلف الإمام؛ لأن الجهر بها يشوش على الإمام ويخلط عليه قراءته، كما هو مشاهد.

واستدل المالكية بما يأتي:

١- قوله تعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

وفي الاستدلال بها نظر:

أما أولًا: فإن ابن حزم عارض المستدلين بها معارضة قوية، حيث قال: تمام الآية حجة عليهم؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، فإن كان أول الآية في الصلاة فآخرها في الصلاة، وإن كان آخرها ليس في الصلاة فأولها ليس في الصلاة. وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًّا وترك الجهر فقط، وهكذا نقول.

وأما ثانيًا: فإن الآية ليست نصًّا ولا ظاهرًا في القراءة خلف الإمام، بل سياق الآية يأبى ذلك، وإن قال به كثير من المفسرين والفقهاء. وأطال أبو بكر الرازي في تقرير الاستدلال بها لمذهب الحنفية، كما جعلها ابن العربي حجة قاطعة تؤيد المالكية، وغفلوا جميعًا عن مراعاة سياق الآية ومناسبتها لما قبلها، وما كان ينبغي لهم ذلك.

قال الإمام الرازي في «تفسيره» عند سرد الأقوال:

وفي الآية قول خامس، وهو أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ. وهذا قول حسن مناسب، وتقريره: أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقوامًا من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة. فإذا كان النبي ﷺ لم يأتهم بها قالوا: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾. فأمره الله أن يقول جوابًا لهم: إنه ليس لي اقتراح على ربي، وليس لي إلا انتظار الوحي. ثم بين تعالى أنه ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها؛ لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة.

وعبّر تعالى عن هذا المعنى بقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فلو قلنا إن المراد من الآية إنصات المأموم خلف الإمام، لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه، وانقطع النظم، وحصل فساد الترتيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى.

فوجب أن يكون المراد شيئًا سوى هذا الوجه. وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة، من حيث إنه معجزة دالة على صدق النبي ﷺ، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط، وهو أن النبي ﷺ إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار، استمعوا له وأنصتوا، حتى يقفوا على فصاحته، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزًا دالًّا على صدق محمد ﷺ، فيستغنوا به عن طلب سائر المعجزات.

فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه، استقام النظم، وحصل الترتيب الحسن المفيد، وسقط الاستدلال بها من كل الوجوه على منع المأموم من القراءة.

ويدل لذلك أيضًا أن الله تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، فناسب أن يأمرهم بالاستماع والإنصات حتى يمكنهم الوقوف على ما فيه من الوجوه الكثيرة جدًّا لإعجازه. اهـ كلامه، وهو نفيس للغاية.

وقال عبد الجبار بن أحمد في كتاب «فوائد القرآن»:

إن المشركين كانوا يكثرون اللغط والشغب تعنتًا وعنادًا، على ما حكى الله عنهم، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، فأمر الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة وأن يستمعوا، ومدح الجن على ذلك فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾... الآية.

وهذا وجه مقبول لا بأس به، وعليه تكون العلاقة بين هذه الآية والتي قبلها هي التضاد.

وأما ثالثًا: فإن ابن جزي حكى في الآية ثلاثة أقوال:

١- أن الإنصات المأمور به هو لقراءة الإمام في الصلاة.

٢- أنه الإنصات للخطبة.

٣- أنه الإنصات لقراءة القرآن على الإطلاق.

ثم قال: وهو الراجح لوجهين: أحدهما أن اللفظ عام، ولا دليل على تخصيصه، والثاني أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة. اهـ.

وإذا كان لفظ الآية عامًا، فمن الذي خصصه بالقراءة في الصلاة؟ وقول ابن عباس في تفسيرها: «المؤمن في سعة من الاستماع إليه إلا في صلاة مفروضة أو يوم جمعة أو فطر أو أضحى»، لا يصلح مخصصًا لعموم لفظها، ولكنه اجتهاد منه، يفتقر إلى دليل.

وحكاية النقاش المفسر الإجماع من أهل التفسير على أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة غير صحيح، بل الخلاف موجود بين المفسرين وغيرهم.

ثم بعد تسليم صحة الاستدلال بالآية للقراءة في الصلاة، يخص منها قراءة الفاتحة سرًّا، لما سيأتي.

٢- روى مالك وأحمد والأربعة من طريق ابن شهاب الزهري، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم. قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟» قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ حين سمعوا ذلك عن رسول الله ﷺ.

حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وضعفه الحميدي والبيهقي وابن حزم والنووي.

وهو لا يدل على منع قراءة المأموم سرًّا، إنما يدل على كراهة الجهر بها مع الإمام؛ لأن هذه هي المنازعة.

ثم زيادة: «فانتهى الناس...» مدرجة باتفاق الحفاظ.

قال أبو داود في «السنن»: سمعت محمد بن يحيى بن فارس يقول: قوله: «فانتهى الناس» من كلام الزهري.

وقال البخاري في «جزء القراءة»: وقوله: «فانتهى الناس» من كلام الزهري.

وقال البيهقي في «المعرفة»: قوله: «فانتهى الناس عن القراءة» من كلام الزهري. قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب «الزهريات»، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو داود.

واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي، حيث ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري.

وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة، وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به، وفيما خافت؟ انتهى.

وكذا قال الترمذي في «السنن».

وقال الحافظ السيوطي في «المدرج إلى المدرج»: قوله: «فانتهى الناس...» مدرج من كلام الزهري، بينه ابن عيينة.

قلت: لأن ابن ماجه روى الحديث من طريق ابن عيينة، عن الزهري، فاقتصر على الحديث المرفوع، وهو: «ما لي أنازع القرآن؟»، ثم رواه من طريق معمر، عن الزهري، وقال في آخره: وزاد فيه أبو داود من طريق ابن عيينة بدون تلك الزيادة.

ونقل عن عبد الله بن محمد الزهري، عن سفيان، قال: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر: إنه قال: «فانتهى الناس».

قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: «ما لي أنازع القرآن».

وقال أبو داود أيضًا: قال مسدد في حديثه: قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة.

وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر، عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس.

قلت: جعل بعض المعاصرين هذه الزيادة ناسخة للقراءة كلها في الصلاة الجهرية. وهذا جهل كبير بعلم الأصول وقواعد الشريعة؛ لأن النسخ لا يثبت بزيادة مدرجة من الراوي، ولو صحابيًّا. إنما يثبت النسخ بدليل شرعي، كآية أو حديث قولي أو فعلي، ولا يثبت بقول الصحابي: هذا ناسخ أو هذا منسوخ؛ لأنه قد يقوله عن اجتهاد منه، والحجة في روايته، لا في رأيه.

٣- روى أحمد والبزار في مسنديهما من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن بحينة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ صلى صلاة يجهر فيها، فلما انصرف قال: «أتقرأون خلفي؟» فقال بعضهم: إنا لنفعل. قال: «لا تفعلوا، إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟» قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ.

وهذا لفظ رواية البزار، وقال: أخطأ فيه ابن أخي ابن شهاب حيث قال: عن ابن بحينة. ورواه معمر وابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة.

قلت: وابن أخي ابن شهاب كثير الوهم رديء الحفظ، كما قال ابن حبان.

وقال الساجي: صدوق، تفرد عن عمه بأحاديث لم يتابع عليها، وجعله محمد بن يحيى الذهلي في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري، وهم أهل ضعف واضطراب.

ولو صح الحديث، لم يفد منع القراءة سرًّا.

٤- قال العقيلي في «الضعفاء»: حدثنا زكريا بن يحيى الحلواني، ثنا أبو يحيى الوقار، بتخفيف القاف، ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا أسررت بقراءتي فاقرؤوا معي، وإذا جهرت فلا يقرأن معي أحد».

قلت: أبو يحيى الوقار المصري، فقيه مالكي. قال ابن عدي: كان يضع الحديث.

وقال الحلواني: لما بلغ هذا الحديث أبا الطاهر بن السرح تغيظ، وأخرج كتاب بشر بن بكر، فإذا هو عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير: أن رسول الله ﷺ، أو عن الأوزاعي أن رسول الله ﷺ. اهـ الحلواني.

قلت: يعني أن الحديث عند راويه معضل، ووصله الوقار ليؤيد مذهبه، لكن فاته أن الحديث، معضلًا أو موصولًا، لا يفيد منع القراءة سرًّا.

٥- روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا...» الحديث.

وهو لا يفيد المطلوب؛ لأن جملة «إذا قرأ فأنصتوا» تحتمل ثلاثة معان لا رابع لها:

(أ) فأنصتوا عن الكلام، وهذا معنى صحيح يوافق الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ويكون ناسخًا للكلام في الصلاة كالآية.

(ب) فأنصتوا عن القراءة مطلقًا، وهذا معنى باطل؛ لأن القراءة مشروعة في الصلاة بالنص والإجماع، فكيف ينهى عنها؟

(ج) فأنصتوا عن الجهر بالقراءة، وهذا معنى صحيح لا يمنع القراءة سرًّا.

٦- روى الشيخان عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فلما انصرف قال: «أيكم قرأ؟» أو «أيكم القارئ؟» فقال الرجل: أنا. فقال: «لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها».

ليس في هذا الحديث دليل على المطلوب لوجوه:

١- أنه لم ينه عن القراءة. قال أبو داود بعد روايته:

قال ابن كثير: قلت لقتادة: كأنه كرهه؟ قال: لو كرهه لنهى عنه.

٢- أنه في الجهر، ولا يمنع القراءة في السر.

٣- أنه في قراءة السورة، وهي غير واجبة، فكيف يستدل به على منع قراءة الفاتحة وهي فرض؟

٧- عمل أهل المدينة.

ففي «الموطأ» قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: الأمر عندنا أن يقرأ الرجل وراء الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة، ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة. اهـ.

ولا يخفى أن عمل أهل المدينة ليس بإجماع، ولذلك لا يعتبره أهل الأصول دليلًا، إنما الدليل عندهم هو الإجماع، ولا إجماع هنا.

واستدل الشافعية بأحاديث:

١- روى الشيخان عن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».

ورواه الإسماعيلي بإسناد صحيح بلفظ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب». وبهذا اللفظ رواه الدارقطني في «السنن» وصححه، كما صححه ابن القطان أيضًا.

وهذه الرواية تبين أن النفي في رواية الصحيحين معناه: نفي الصحة، وأن الصلاة بدون فاتحة الكتاب باطلة.

٢- روى مسلم والأربعة من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تمام».

قال أبو السائب: فقلت: يا أبا هريرة، إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال: فغمز ذراعي وقال: «اقرأ بها يا فارسي في نفسك».

خداج: ناقصة.

ورواه ابن خزيمة في «صحيحه»: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب». قلت: وإن كنت خلف الإمام؟ قال: «اقرأ بها في نفسك».

ورواه ابن حبان في «صحيحه»، قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، فذكره.

٣- روى أحمد وابن ماجه وغيرهما عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج».

٤- روى ابن ماجه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج».

قال الحافظ البوصيري في «الزوائد»: إسناده حسن. ورواه البخاري في «جزء القراءة» بلفظ: «كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي مخدجة».

٥- قال ابن حبان في «صحيحه»: أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان، حدثنا فرج بن رواحة، ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته، أقبل عليهم بوجهه فقال: «أتقرأون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟» فسكتوا، قالها ثلاث مرات. فقال قائل: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه».

ورواه أبو يعلى والطبراني في «الأوسط»، وقال الحافظ الهيثمي: رجاله ثقات.

٦- روى أحمد عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «تقرؤون خلفي؟» قالوا: نعم. قال: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن».

٧- روى أحمد بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟» قالها ثلاثًا. قالوا: إنا لنفعل ذلك. قال: «فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه».

٨- روى البيهقي في «السنن» عن علي عليه السلام أن النبي ﷺ قال: «كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج».

٩- روى أحمد من طريق رجل من أهل البادية، عن أبيه، وكان أسيرًا عند رسول الله ﷺ، قال: سمعت محمدًا يقول: «لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب».

١٠- روى الطبراني وابن السكن من طريق عبد الرحمن بن سوار الهلالي، قال: كنت جالسًا عند عمرو بن ميمون، فقال له رجل من أهل الكوفة: يا أبا عبد الله، بلغني أنك تقول: من لم يقرأ بأم الكتاب فصلاته خداج؟ فقال: نعم، حدثني أبي ميمون، عن أبيه مهران، عن النبي ﷺ بهذا.

قلت: ومهران صحابي.

هذا وقد بقيت أحاديث أخرى بهذا المعنى، اكتفينا عنها بما أوردناه.

الترجيح

سردنا أدلة المذاهب الثلاثة في القراءة خلف الإمام، استوفيناه بقدر ما يقتضيه المقام. والذي نرجحه منها أدلة قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية والسرية، للمنفرد والمأموم والإمام. وذلك لأسباب:

أحدها: أن البخاري قال في «جزء القراءة»: تواتر الخبر عن رسول الله ﷺ: «لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن». وقد أوردنا من طرقه عشرة مروية في الكتب الستة وغيرها. والحديث المتواتر مقدم على خبر الآحاد باتفاق المحدثين والأصوليين. والأحاديث التي استدل بها المالكية والحنفية ليس فيها حديث متواتر البتة.

ثانيها: أن حديث الفاتحة نص في معناه، والأحاديث المخالفة له ظاهرة في معناها، قابلة للتأويل، والنص مقدم؛ لأنه لا يقبله.

ثالثها: أنه أفاد ركنية الفاتحة للصلاة بجملة «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذه صيغة حصر، وهي أعلى أنواعه عند علماء البلاغة، ومعناها: انتفاء الصلاة الشرعية بانتفاء الفاتحة. وهذا مفهوم الركنية، كما أفاد شرطية الفاتحة بعبارة «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن»، لأن الإجزاء يرادف الصحة، وعدمه يقتضي عدمها، وهو معنى الشرطية. وهذان حكمان زائدان لم تفدهما الأحاديث المخالفة له، والأخذ بالحكم الزائد واجب عند الأصوليين والفقهاء.

رابعها: أنه خاص، وتلك الأحاديث عمومات، ولا تعارض بين عام وخاص، كما قرره الأصوليون؛ لإمكان الجمع بينهما بحمل العام على الخاص. وبذلك تتفق الأدلة، وتأْتلف معانيها، وقد تولى النبي ﷺ عملية التخصيص بيانًا لنا وتعلمًا.

فروى أبو داود والترمذي عن عبادة قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إني أراكم تقرأون وراء إمامكم؟» قلنا: يا رسول الله، إي والله. قال: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». صححه ابن حبان والحاكم.

وفي رواية لأبي داود والنسائي: «فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن».

وعن عبادة أيضًا أن النبي ﷺ قال: «لا يقرأن أحدكم شيئًا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن». رواه الدارقطني، وقال: رواته كلهم ثقات.

وتقدم حديث أنس، بلفظ: «فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه»، وهو حديث صحيح.

هذا بيان رسول الله ﷺ، وليس بعد بيانه بيان، وإذا جاء كلامه بطل قول فلان ورأي فلان.

يؤخذ منه: أن من أدرك الإمام راكعًا لا يعتد بتلك الركعة، ويجب عليه أن يأتي بركعة يقرأ فيها فاتحة الكتاب؛ لأنها ركن في الصلاة، فلا يتحملها الإمام، كما لا يتحمل تكبيرة الإحرام والسلام.

فصل: والفاتحة فرض في صلاة الجنازة أيضًا؛ لأنها صلاة في عرف الشرع

قال البخاري في صحيحه:

باب سنة الصلاة على الجنازة، وقال النبي ﷺ: «من صلى على الجنازة»، وقال: «صلوا على صاحبكم»، وقال: «صلوا على النجاشي». سماها صلاة، ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يتكلم فيها، وفيها تكبير وتسليم. اهـ.

وفي القرآن الكريم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، فهي صلاة بالكتاب والسنة والإجماع.

قال ابن المرابط: وإنما لم يكن فيها ركوع ولا سجود؛ لئلا يتوهم بعض الجهلة أنها عبادة للميت، فيضلوا بذلك. اهـ.

وحيث كانت صلاة، فقراءة الفاتحة فيها فرض لحديث: «لا تجزئ صلاة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب».

ولما رواه البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس: أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنه من السنة.

ورواه أبو داود والترمذي وصححه، والمراد بالسنة الطريقة.

وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. في إسناده إبراهيم بن عثمان أبو شيبة، ضعيف جدًا، لكن حديث البخاري يؤيده، كما قال الحافظ، ويؤيده أيضًا حديث جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يكبر على جنائزنا أربعًا، ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى. رواه الشافعي في «الأم» بإسناد ضعيف.

ورواه الحاكم من طريقه، وقال: هو شاهد مقوٍّ لحديث ابن عباس، يعني قوله: إنه من السنة، فيكون معناه: سنة النبي ﷺ، وهو المقرر في علم الأصول.

وروى الشافعي في «مسنده» عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا، ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًّا.

إسناده ضعيف، لكن رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، وأبو أمامة صحابي صغير.

وروى ابن ماجه عن أم شريك قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.

قال الحافظ: في إسناده ضعف يسير.

والأمر للوجوب حقيقة.

وروى الطبراني عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا صليتم على الجنازة فاقرؤوا بفاتحة الكتاب».

قال الحافظ الهيثمي: فيه معلى بن حمران، لم أجد من ذكره، وبقية رجاله موثقون، وفي بعضهم كلام.

وروى الطبراني عن أم عفيف قالت: بايعنا رسول الله ﷺ حين بايع النساء، فأخذ علينا ألا نحدثن الرجل إلا محرمًا، وأمرنا أن نقرأ على جنائزنا بفاتحة الكتاب.

وفي رواية ذكرها ابن عبد البر: فأخذ علينا ألا نحدث غير ذي محرم خاليًا به، وأمرنا أن نقرأ فاتحة الكتاب على ميتنا.

وصح عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي الدرداء وأنس بن مالك أنهم كانوا يقرأون فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، ويدعون ويستغفرون للميت. وعن المسور والضحاك بن قيس نحو ذلك أيضًا.

وهو قول مجاهد وسعيد بن المسيب والزهري والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وداود الظاهري وغيرهم، وهو الصحيح.

وذهب الحنفية والمالكية إلى ترك قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء». رواه أبو داود وابن ماجه.

وهو استدلال غلط لوجوه:

أحدها: أن الحديث يدل على وجوب الدعاء للميت، زائدًا على ما علم من فرائض الصلاة وشروطها؛ فلهذا لم يصرح بالفاتحة ولا بالتكبير ولا بالتسليم ولا بالتطهر لها.

ثانيها: لو كان الحديث يدل على عدم وجوب الفاتحة، لدل أيضًا على عدم وجوب التكبير والتسليم والطهارة، واللازم باطل.

ثالثها: أن إخلاص الدعاء لا ينافي قراءة الفاتحة ولا ينفيها، بل يجتمعان؛ فتكون الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، ويكون إخلاص الدعاء في التكبيرات بعدها.

وبما ورد عن فضالة بن عبيد أنه سئل: أيقرأ في الجنازة بشيء من القرآن؟ قال: لا.

وعن ابن عمر أنه كان لا يقرأ في صلاة الجنازة.

فالجواب: أن معنى هذين الأثرين أن صلاة الجنازة يقرأ فيها بشيء من القرآن غير أم الكتاب، أما فرضيتها فمعلومة للصحابة، لا يختلفون فيها.

وسر ذلك وحكمته: أنهم يصرحون بما يخص الميت، وهو الدعاء والاستشفاع له، ويتركون الفاتحة وغيرها استنادًا إلى أنها معلومة من فرائض الصلاة وشروطها؛ لأن صلاة الجنازة من أفراد الصلاة.

وعلى هذا، إذا خلت صلاة الجنازة من قراءة الفاتحة، فإنها تكون باطلة، وتجب إعادتها، ولو على القبر، إذا لم يكن إخراج الميت.

وبالله التوفيق.


التحميل: اكتمل تحميل 4309729 من 4309729 بايت.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق