الوصايا للإمام الرفاعي
جمعها د. محمد زينهم محمد العزب
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: الرفاعى: هو أبو العباس أحمد على بن أحمد بن يحيى بن حازم بن على بن رفاعة الشيخ الكبير الرفاعى البطائحى - والبطائح عدة قرى مجتمعة فى وسط الماء بين مدينتى واسط والبصرة - كان شافعى المذهب، فقيهاً. قال ابن قاضى شهبه فى طبقاته: وهو مغربى الأصل ولد فى المحرم سنة خمسمائة وتخرج بخاله الشيخ الزاهد منصور.
قال ابن خلكان: كان رجلاً صالحاً شافعياً فقيهاً انضم إليه خلق من الفقراء وأحسنوا فيه الأعتقاد، وهم الطائفة الرفاعية يقال لهم الأحمدية والبطائحية ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيات حية والنزول إلى التنانير وهى تضرم ناراً والدخول إلى الأفرنة، وينام الواحد منهم فى جانب الفرن والخباز يخبز فى الجانب الآخر وتوقد لهم النار العظيمة ويقام السماع، فيرقصون عليها إلى أن تنطفئ النار ويقال أنهم فى بلادهم يركبون الأسود ونخو ذلك وأشباهه إنتهى .
وعن الشيخ أحمد أنه قال سلكت كل الطرق الموصلة فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الأفتقار والذل والإنكسار. فقيل له يا سيدى فكيف يكون قال : تعظم أمر الله وتشفق على خلق الله وتقتدى بسنة سيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد صنفت الناس فى مناقب الشيخ أحمد رحمه الله تعالى وأفردوا ترجمته وذكروا من كراماته ومقاماته أشياء حسنة. وكان فقيهاً شافعياً قرأ التنبيه، وله شعر حسن توفى فى جمادى الأولى سنة ٥٧٨ هــ، قال ابن كثير: ولم يعقب وأنما المشيخة فى ابنى أخيه. إنتهى كلام ابن قاضى شهبه.
وقال فى "العبر": وقد كثر الزغل وأصحابه وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إنتهى. مات سنة ٥٧٨ هـ. وترك لنا جماعة لازال أثارها موجود فى وقتنا هذا.
وهذا الكتاب يضم جُملاً من المواعظ والنصائح والوصايا التي قدمها الشيخ الرفاعي لتلاميذه ومريديه ولأهل التصوف على وجه الخصوص، وبعض أمراء زمانه، والتي انتقاها جامعها من الكتب المنثورة التي اتعنت بجمع تراث الشيخ الصوفي، سواءً في أوراده أو طريقته أو سيرته أو كرامته، غير أن بها أخطاء ظاهرة وعبارات غير واضحة، لمزيد احتياجها إلى تحقيق وعناية.
وفي الجملة؛ فقد عبّرت هذه الوصايا عن ثلاثة أمور جيدة، الأول: الانكسار لله تعالى، والتواضع لعباد الله، الثاني: الإخلاص في العبودية والصدق في الطلب، والثالث: ملازمة الكتاب والسنة، ومع ذلك، فإن قراءة هذه الوصايا لا تخلو من ملاحظات تحتاج إلى التنبيه، ولا سيما أن بعضها يشتمل على عبارات صوفية ذات حمولة عقدية وفلسفية تحتاج إلى ضبط بميزان الكتاب والسنة؛ فمع التأكيد المتكرر على لزوم الشريعة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، تظهر في بعض المواضع تعبيرات عن الإرادة الأزلية، والقدر، والأغيار، والواردات، والمقامات، وأهل الله ورجال الله، وهي ألفاظ قد تحتمل معاني صحيحة، لكنها قد تُحمل كذلك على معانٍ صوفية مجملة لا يقرها الدليل إذا أُطلقت دون بيان. ومن ثم فالأولى التفريق بين المعاني الإيمانية التي يمكن حملها على التوكل والتسليم والرضا بقضاء الله، وبين الاصطلاحات الصوفية التي تحتاج إلى تفسير حتى لا تتحول الألفاظ المجملة إلى تصورات عقدية غير منضبطة.
ويلاحظ كذلك أن الكتاب يجمع بين المواعظ الشرعية والتجارب الروحية والعبارات الاصطلاحية، فلا يصح أن تُجعل جميعها في مرتبة واحدة من الاحتجاج؛ فالوصية التي تحض على التقوى والصدق والتواضع والإخلاص واتباع السنة مؤيدة بأصول الشريعة، أما ما يتصل بمقامات العارفين وأحوالهم، أو يجعل لبعض الأولياء خصائص أو مراتب غيبية، فيحتاج إلى دليل مستقل، ولا يكفي فيه مجرد اشتهار العبارة في كتب التصوف. وهذه قاعدة مهمة في قراءة كتب المناقب والوصايا الصوفية؛ إذ ينبغي التمييز بين التربية والسلوك من جهة، وبين الاعتقاد وإثبات الأمور الغيبية من جهة أخرى.
كما أن بعض العبارات الواردة في الوصايا تحمل نزعة قوية إلى التقليل من شأن الأسباب والالتفات عن الأغيار، وهو معنى يمكن أن يراد به تحرير القلب من التعلق بغير الله، وهو معنى صحيح في أصله، إلا أن إطلاقه قد يفضي إلى فهم غير سليم إذا فُهم منه ترك الأسباب أو إلغاء مسؤولية الإنسان في العمل والسعي. والإسلام لا يجعل التوكل نقيضًا للأخذ بالأسباب، ولا يجعل الرضا بالقدر ذريعة إلى ترك التكليف، بل يجمع بين عبودية القلب لله وبين العمل بما شرعه من الأسباب.
ومن جهة أخرى، فإن ما نُسب إلى الرفاعي من وصايا وعبارات يحتاج إلى عناية حديثية وتاريخية في التوثيق؛ فالكتاب الذي بين أيدينا جمعٌ وانتقاء من مصادر متفرقة، كما أن بعض عباراته مضطربة أو غامضة، ولذلك لا ينبغي نسبة كل ما فيه إلى الإمام الرفاعي نسبة جازمة إلا بعد الرجوع إلى أصول تلك النصوص ومقابلة الروايات والمصادر. وهذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة المواعظ النافعة التي اشتمل عليها الكتاب، وإنما تؤكد ضرورة التفريق بين صحة المعنى، وصحة النسبة، وصحة الاستدلال؛ فكم من عبارة حسنة المعنى لا تثبت عن قائلها، وكم من معنى صحيح أُدخل في اصطلاحات تحتاج إلى تحرير وبيان.
الوصية الأولى
أما الوصية الأولى؛ فكتبها إلى الخليفة المستنجد بالله يوسف بن المقتفي العباسي، المولود سنة ٥١٨ هـ.، كان موصوفاً بالعدل والرفق والفهم الثاقب والرأى الصائب والذكاء الغالب والفضل الباهر، مات سنة ٦٦٤ ه.
يقول الرفاعي في رسالته إليه:
[أما أنت يا أمير المؤمنين؛ فحافظ ثغور، وحارس دماء وأموال، اهتزت بكل مفازاتها سيوف الإسلام لا علماً بقدومك بعد حين ولا تمهيداً لك لتفعل برأيك، إنما كان ذاك لله ولرسوله.. فافزع فى كل أمورك إلى الله.. وعظّم فى كل شؤونك أمر رسول الله، وأنت حينئذ فى أمان الله وظل نبيه، ثم أن يا أمير المؤمنين كل ما يصل إلى خويصة نفسك فى هذه الدار من طعام تأكله وشراب تشربه، ورداء ترتديه، وظل تستظله وأجعل الشره على الدنيا بقدر ذلك.. وإياك وظلم العباد، وإذا استوزرك الشيطان ورام نزغك إلى الظلم فسل نفسك أن لو كنت مسجوناً أو مظلوماً أو مقهوراً أو مكذوباً عليك ما الذى تريده لنفسك من سلطانك، وعامل الناس بما تريده لنفسك؛ فإنك إن فعلت ذلك وفيت العدل والآدمية حقهما، واعلم إن ما أنت فيه من الملك والدولة شئ يسير من ملك الله تعالى، وأنت جزء صغير منه؛ فإن رأيت لك شيئاً ونسيته، وقمت تفعل فعل من يزعم مشاركته فى ملكه فأهملت حقه وغدرت خلفه يصرف عنك عونه! ..
يا أمير المؤمنين . ظلُّك ما أظلَّك، ورداؤك ما سترك، وطعامك ما أشبعك، وما لك مالك منه شئ، ﴿وليس لك من الأمر شئ﴾ إن ربى على ما يشاء قدير، ولتعلم أنك خاتم من خواتم القدر يطبع على أرواح الصور فيدفع الله به، ويضع ويصل به ويقطع، فإن أنت لزمت الأدب مع الفعال المطلق برعاية حق شرعه الذى شرع لعباده أثابك، وأدار محور الوهب بك، وإن أهملت أمره وهتكت ساتر خلقه دخلت فى عداد الظالمين ﴿وما للظالمين من أنصار﴾].
الوصية الثانية
أما الثانية؛ فوصيته لسبطه السيد إبراهيم الأعزب، يقول الرفاعي:
[أى إبراهيم لا تعمل بالهوى، وعليك بمتابعة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى الأقوال والأفعال، فإن كل طريقة خالفت الشريعة زندقة.. أى إبراهيم الفت وجهة قلبك عن غير ربك، فإن الأغيار لا يضرون ولا ينفعون، وقال: ﴿إن ولى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾، وحسبك من النعم الإيمان، ومن العطايا العافية، ومن التحف العقل، ومن الإلهام التقوى، وفى الكل ليس لك من الأمر شئ، إن ربى على ما يشاء قدير، لا تسقط بالتسليم حملة التكليف، ولا تنزع بالتكليف ثوب التسليم، ولا تركن إلى الذين ظلموا ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾، ولا تهرع فى مهمات أمورك إلا إلى الله تعالى، واتبع الوسيلة إليه بعد التقوى، وأشرف الوسائل- حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام، وخذ الدعاء درعاً، والاعتماد على الله حصناً، واتبع ولا تبتدع، وروح قلبك بالحسن من المباحات القولية والفعلية، وألزم الأدب مع الله وخالق الناس بخلق حسن، ولا تقطع حبلك برؤية نفسك؛ فإن من رأى نفسه شيئا ليس على شئ، ولا تنحرف عن مقام العبودية، فإنه يعلو ولا يُعلى عليه.. وأعلم أى إبراهيم، أن من النعم إبتلاء، ومن النقمة ابتلاء، وكلاهما ينزل بالأحباب والأعداء، وهما من الله تعالى، فإن أنعم على عبده وأهمل قدر النعمة بالغفلة عنه والألتفات إلى الأسباب وصرف النعمة لغير ما شرطت له، فذلك إبتلاء لتضر فيه الإرادة الأزلية، على وجه الحكمة الغامضة كما يريد لا كما يريد العبد، وإن وجه نقمة على هذه فخشع لها وخضع وصبر واضطر وذل واعتذر وتنبه وتاب وآب، فيلك النقمة ابتلاء لتنصرف به إلا رادة على الحكمة كما يرضى تعالى، لا كما يرضى العبد بطبعه إلى الرجوع إلى ربه غاضبا طرفه عن الأغيار استحقاراً لها وعلما بعجزها، ومقهوريتها تحت أحكام القضاء والقدر فى كل حال، فإذا انكشف له هذا الحجاب وتحقق ما تضمنه الكتاب، أفاض عليه بره وإحسانه وجوده وامتنانه وكفاه وصمة الإحتياج].
الوصية الثالثة
وصيته لابن اخته عبد الرحمن، يقول الرفاعي:
[عليك بالإخلاص فإنه نهج مسلك العارفين، وعليك بقلة العجلة وقلة الكلام ولينه، وإجابة دعوة الإخوان إلى مالهم فيه مسرة، وصلاح حال، وأحذر التعبيس والضجر، وعليك بالعقل لذى هو دليلى التقى والإصلاح وعليك بالإحتمال لقومك.. وعليك بالورع فهو سيد الأعمال، وبالصدق فى كل حال، وبقلة الدعوى، وكثرة التواضع، وكثرة العبادة، وكثرة الحزن والبكاء، ورقة القلب والصيام لله، بأداء حقوق القاصدين والواردين، والعفة عما حرم الله عز وجل، وإياك والنظر لغير الله تعالى، فإنه سهم من سهام إبليس، وأقمع النفس بكثرة الصوم وقلة النوم، والجهاد بخدمة الفقراء، وحفظ العهود والوفاء بها ويذل المجهود، والإلتجاء إلى الملك المعبود، وإياك أن تبيت وعندك لأحد من الخلق ضغينه أو حفظ أو غيظ، ولا تغضب إلا لله، وإذا حردت فأكظم غيظك، ولُم نفسك فإن الكريم إذا حرد لم يحقد ولم يعرف الحلم إلا عند الحرد والغيظ والضجر، وإياك والمداهنة، وإياك أن تدخر شيئاً وتتشاغل عما يعينك، ولا تقل أنا ولا عندى ولا تكثر من الدنيا ولا تدخر منها ولا تفتخر ولا تتباهى، ولا تجمع من الدنيا فوق الحاجة، وأزهد تأتيك صاغره، وآوِ الغريب، وأغث المحتاج والولهان، وتمسك بطريق العارفين وأحسن للفقراء وتواضع لهم وتذلل بين أيديهم، ولا تمل إلى أهل الدنيا ودنياهم فإن الدنيا وأهلها لا قيمة لها، ووسّع صدرك للخلق فإنك مكلف بذلك، وإذا تكلمت بكلمة فاعتبرها قبل أن تتكلم بها فإنك مالكها مالم نخرجها، فإذا أخرجتها ملكتك فتصير أسيراً لها. وزن نفسك بميزان العقل والاعتبار، وصفّها من كدر الغدر والخيانة ..].
الوصية الرابعة
وهي وصيةٌ كتبها إلى بعض إخوانه، يقول الرفاعي فيها:
[أي معشر الإخوان.. اعلموا.. أن العقل أنفس الذخائر وأحسن البضائع وأقرب الوسائل إلى الله وأوضح السبل إلى رسوله،.. لقيامه بالحجج المؤيدة بالدلالات القاطعة العقلية، .. قال تعالى فى شأن أوليائه: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.. لا خوف عليهم لبقائهم مع إختيار الله تعالى لهم، وهو سبحانه لا يختار كرماً منه ولطفاً لمن أسقط اختياره عنده إلا الأمن والوقاية وهو يتولى الصالحين فتقلب الواردات وترادف الحادثات ولا ينوطهم حزن الحجاب عنه سبحانه وتعالى إذا قدموا عليه ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾.. وهم القوم القائمون به المطموسون عن غيره، العقلاء الخلص، يعرفون كل حكم وحكمة ولا يشتغلون لزهدهم فيها، ويعلمون سر كل درجة أخروية ولا ينفكون طرباً بها عنها. وفى الحالين عملهم لله وقصدهم الله، ولذلك قبيل لهم أهل الله، رجال الله، فاستمسكوا بمناجهم واتبعوا بركة آثارهم وكونوا من حزبهم وأنصارهم ﴿أولئك حزب الله ألا أن حزب الله، هم المفلحون﴾].
الوصية الخامسة
ويُقال إنها آخر وصاياه، حيث كتبها سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، في أخريات مجالسه، يقول الرفاعي فيها:
[يسكب الله فى بعض الأزمنة قدرة المناسبات البشرية من هيكل الحسن المعنوى فى الخلق، فيشكو المظلوم ظالمة الفرد للجنس فتشهده الأعين، والقلوب مفقودة، الحضور بشأنه، فلا تتعطف له وكأنها جمادة صماء، وكذلك الجائع والمصاب والغريب فى مثل هذه الأزمنة، تقضى القدرة ببروز أسرار غيبية، لله فيها حكم يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وفى بعض الأزمنة يهب الله قدرة المناسبات البشرية فتنعطف قلوب النوع للنوع بالرأفة والتناصر والتوادد، ونتيجة هذا الوهب صلاح حال الزمان وأهله: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب﴾، بعنا الروح وقبل الأمر وأحل القدر، وسنعبر بعد يسير على الله. تقول همتى لنفسى فى مشهد روحى:
فان عبرت وأنت سليم قلب … من الدنيا فتهنيك السلامة]

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق