النجم الثاقب في أشرف المناقب
(يتضمن خلاصة ما ورد في كتب السيرة من شمائل ومناقب ومعجزات النبي)
تأليف: الشيخ العلامة أديب حلب
بدر الدين الحسن بن حبيب الشافعي، المتوفى ٧٧٩ هـ
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُعَدُّ كتاب «النجم الثاقب في أشرف المناقب» من المصنفات التي أفردت عنايتها لبيان شمائل النبي المصطفى ﷺ، واستجلاء وجوه فضله ومناقبه، واستقصاء ما أكرمه الله تعالى به من الخصائص والمعجزات والدلائل.
وقد اختار مؤلفه العلامة بدر الدين أبو محمد وأبو طاهر الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي الشافعي، المتوفى سنة 779 هـ، أن يكون مختصرًا لكتاب «الشفا في حقوق المصطفى» للقاضي عياض، فاختصر مادته، وانتخب من أبوابه ما يجمع أصول الفضائل ومجامع المناقب، ثم أعاد صياغتها في أسلوب أدبي يجمع جزالة العبارة وحسن السبك، ولم يكتفِ بالنثر، بل أتبع كثيرًا من معانيه بأبيات شعرية تلخص المقاصد وتزيدها رونقًا وتأثيرًا.
وتتجلى قيمة الكتاب في أنه لا يقف عند تعداد الفضائل والمآثر، وإنما يرسم صورة متكاملة لمقام النبي ﷺ في عقيدة المسلمين ووجدانهم؛ فيبدأ ببيان علو منزلته وفضله على سائر البشر، وما خصه الله تعالى به من الكرامة والاصطفاء، ثم ينتقل إلى وجوه الثناء الإلهي عليه في القرآن الكريم، وإلى نسبه الشريف ومولده المبارك، وما أحاط بنشأته من دلائل وعلامات، ثم يعرض أوصافه الخَلقية والخُلقية، حتى جمع بين جمال الصورة وكمال السيرة، وبين الفصاحة والحلم، والجود والشجاعة، والحياء والتواضع، والزهد والقناعة.
ثم يمضي المصنف في عرض جملة من أعظم دلائل النبوة ومعجزاتها، فيقف عند الإسراء والمعراج وما انطوى عليه من تكريم ورفع لمقام النبي ﷺ، وما شهده من آيات ربه الكبرى، ثم يعرّج على معجزة القرآن الكريم، بما اشتمل عليه من الإعجاز والبيان والهداية والتشريع، ويتبع ذلك بذكر طائفة واسعة من المعجزات الحسية والخوارق، كانشقاق القمر، وتكثير الماء والطعام، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وشهادة بعض الجمادات والحيوانات بنبوته، وإبراء المرضى وذوي العاهات، إلى جانب ما ظهر من بركة دعائه ﷺ واستجابة الله تعالى له.
ولا يقتصر الكتاب على الحديث عن حياة النبي ﷺ ومعجزاته ومناقبه، بل يتجاوز ذلك إلى بيان منزلته يوم القيامة، وما أعده الله له من المقام المحمود والشفاعة العظمى، والوسيلة، ولواء الحمد، والحوض المورود، ثم يفرد الحديث لأسمائه وكناه وألقابه الشريفة، وما تحمله من معانٍ دالة على علو قدره وكمال صفاته.
كما يتناول ما يجب للأمة تجاهه ﷺ من المحبة والتوقير والصلاة والسلام عليه، وما يتصل بذلك من توقير آله وأصحابه، وتعظيم حرمته ومواطنه، وزيارة مسجده وقبره الشريف وفق ما قرره المصنف في كتابه، لتتحول دراسة المناقب من مجرد معرفة تاريخية إلى بيان لحقوق المصطفى ﷺ ومقتضيات محبته وتعظيمه. ثم ختم المؤلف كتابه بما يليق بمقام المحبة من الصلاة على النبي ﷺ والابتهال إلى الله تعالى بنيل شفاعته.
ولذلك جاء الكتاب في بنائه مشتملًا على مقدمة، وثلاثين فصلًا، وقصيدة في المدح، وخاتمة، مؤرخًا فراغ مؤلفه منه سنة 763 هـ؛ ليبقى شاهدًا على عناية العلماء بتراث الشمائل والمناقب، وعلى حضور السيرة النبوية بوصفها بابًا من أبواب المعرفة والمحبة والتعظيم في الثقافة الإسلامية.
ترجمة المصنِّف
هو الشيخ العلامة، الفقيه، المحدِّث، المؤرِّخ، المتفنِّن، أديب حلب، بدر الدين أبو محمد وأبو طاهر الحسن بن زين الدين عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب بن عمر، الدمشقي الأصل، الحلبي الشافعي.
وُلد بحلب في شعبان سنة عشر وسبعمائة.
كان أبوه محتسبًا، وله عناية كبيرة بالحديث؛ لذلك اهتم بتسميعه منذ نعومة أظفاره، فأحضر في الشهر العاشر من عمره على إبراهيم وإسماعيل وعبد الرحمن وعبد الرحيم، أولاد صالح بن العجمي، «عشرة الحداد»، بسماعهم على يوسف بن خليل.
وحضر في الرابعة على بيبرس العديمي كتاب «المصافحة للبرقاني»، و«جزء هلال الحفار»، و«جزء البانياسي»، وغير ذلك. وعلى أبي بكر بن العجمي «جزء محمد بن الفرج الأزرق»، وعلى تاج الدين أبي المكارم بن النصيبي «عوالي سعيد بن منصور».
ولما استوى عوده، رحل إلى مصر؛ فسمع بالقاهرة والإسكندرية من: إبراهيم بن صالح، ومن والده عمر، ومن فخر الدين ابن خطيب جبرين، والكمال ابن النحاس، ونجوة بنت النصيبي، ومن إسحاق النحاس، ومحمد بن معضاد، ومحمد بن غالي، وعبد المحسن ابن الصابوني، ويحيى بن المصري، وغيرهم.
وقد أجاز له غير واحد من محدِّثي زمانه؛ فأُجيز من الديار المصرية من قِبل الحسن الكردي، والرشيد بن القيّم المعلّم، ومحمد بن علي بن ساعد، وموسى بن علي الحسيني، في آخرين. وأجازته من بيت المقدس زينب بنت شكر. كما أخذ الفقه عن فخر الدين بن خطيب جبرين.
نشأ محبًّا للأدب، وأخذ عن ابن نباتة وغيره، واشتغل وبرع حتى صار رأسًا فيه، وإمام عصره في صناعتي الإنشاء والشروط. وشغل عدة وظائف؛ فكان يوقّع عن القضاة، وباشر نيابة القضاء، ونيابة كتابة السر، ووقّع في الإنشاء.
وكان فاضلًا كيّسًا، دمث الأخلاق، صحيح النقل، حسن المحاضرة، حميد المذاكرة.
حدث عنه ابن عشائر، وابن ظهيرة، وسبط ابن العجمي، ومحب الدين ابن الشحنة، وعلاء الدين ابن خطيب الناصرية، وأجاز له، وللجمال محمد بن أحمد بن محمد الكازروني.
انتقى وخرّج وأرّخ، وتعانى في تأليفه السجع، ونظم ونثر، وجمع مجاميع مفيدة. وكان في آخر عمره قد لزم بيته، وتفرغ للتصنيف دون سواه من الوظائف؛ فكان ثمرة ذلك كتبًا قيّمة، منها:
الكوكب الوقاد من كتاب الاعتقاد.
إرشاد السامع والقاري المنتقى من صحيح البخاري.
التوشيح على التوضيح.
أخبار الدول وتذكار الأول.
درة الأسلاك في دولة الأتراك.
تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه.
معاني أهل البيان من وفيات ابن خلكان.
جهينة الأخبار.
النجم الثاقب في أشرف المناقب، وهو كتابنا هذا.
المقتفى في ذكر فضائل المصطفى.
المنتقى من ديوان إبراهيم النحوي المسمى بقواعد إبراهيم.
تحية المسلم المنتقى من شعر ابن المعلم.
مقياس النبراس.
نسيم الصبا.
مقامة الوحوش.
مقامة الخيل والإبل.
المقامة الطردية.
دليل المجتاز بأرض الحجاز.
كشف المروط عن محاسن الشروط.
لقي ربَّه تعالى ضحى يوم الجمعة، حادي عشر ربيع الآخر، بحلب سنة تسع وسبعين وسبعمائة، عن تسع وستين سنة. تغمّده الله برحمته.
منهج المصنِّف
اختصر المؤلف كتاب «الشفا في حقوق المصطفى» للقاضي عياض اختصارًا جيدًا، واعتصره اعتصارًا مفيدًا؛ فأتى على مقاصده بعبارة موجزة. وطريقته أن يسبك الآثار والأخبار سبكًا أدبيًّا راقيًا منثورًا، ثم يلخّص ما يذكره في أبيات.
وقسَّم كتابه إلى مقدمة، وثلاثين فصلًا، وقصيدة في مدحه، وخاتمة. ويمكن حصر المحاور التي دارت عليها الفصول في خمسة:
المحور الأول: في بيان ثناء الله عليه وتعظيمه لقدره.
المحور الثاني: في بيان شمائله.
المحور الثالث: في بيان دلائل نبوته.
المحور الرابع: في بيان خصائصه.
المحور الخامس: في بيان حقوقه على أمته.
مكث المصنِّف قريبًا من أربعة أشهر لينجز تحفته هذه، وله كتاب آخر بعنوان «المقتفى من سيرة المصطفى»، وثمة جملة من العبارات المشتركة بين الكتابين. وقد جعل المصنِّف هذين الكتابين كجناحي الطائر، لا يُستغنى بأحدهما عن الآخر.
_________________________________________________
وهو حسبي وكفى
الحمد لله الولي الحميد، المبدي المعيد، الفتاح العليم، رب العرش العظيم، الذي يخص من يشاء بمناجاته، ويعلم حيث يجعل رسالاته.
والصلاة والسلام على رافع قواعد الإسلام، المرسل بالرأفة والرحمة، والمبعوث لكشف الظلم والظلمة، الذي عمَّ بفضله المقترب والمغترب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلى آله الأبرار، وأصحابه الأخيار، ما جرت الأنهار، وتعاقب الليل والنهار.
وبعد:
فهذه أوراق، أينع ثمر أغصانها وراق، تشتمل على ثلاثين فصلًا، محرزةً في ميدان الإيمان للسبق خصلًا، حاملةً ألوية الشرف، رافلةً في مطارف الطرف، مفصحةً بتعريف أحوال المصطفى، منجحةً قصد من اتبع آثاره واقتفى.
نحوتُ بها نحو القاضي عياض في «شفائه»، مهتديًا بالناشطات السابحات في فلك سمائه، وسميتها: «النجم الثاقب في أشرف المناقب».
وعلى الله أتوكل في الحركة والسكون، وبرسوله أتشفع يوم لا ينفع مال ولا بنون.
يا خير مبعوثٍ له طلعةٌ … نور الهدى منها أقرَّ العيون
جئتُ إلى ناديك أرجو الندى … من غيث كفيك المغيث الهتون
كن لي شفيعًا فارتكاب الهوى … أوقعني بين الشجى والشجون
1- فصل: في فضله وعظيم قدره عند ربه
اعلم ـ وفقنا الله وإياك، وأتحفك بهدية الهداية وحباك ـ أنَّ النبي ﷺ أفضل البشر على الإطلاق، وأنَّ لسيادته على ولد آدم أدلةً ظاهرة الإشراف والإشراق، وأنه أرفع الناس درجةً وأقربهم زلفى، وأكرمهم منزلةً عند من يعلم السر وأخفى.
وأنَّ الله تعالى خصَّه بمناقب عديدة، وفضائل مفيدة مديدة، ومحامد كثيرة، ومآثر أثيرة، ومنحه بكرائم الكرامة، وأعلى في الدارين مقاله ومقامه، وأظهر على يديه الآيات، وأقام له الألوية والرايات، وكمل فيه جميع المحاسن، وأفاض عليه من عين العناية ماءً غير آسن.
وفضَّله على خاصته وأحبابه، وأثنى عليه في مواضع من كتابه، ونصره بالرعب مسيرة شهر، وأبقى معجزته ما بقي الدهر، وجعل له الأرض مسجدًا وطهورًا، ولقى من نظر إلى وجهه الكريم نضرةً وسرورًا، وأحلَّ له الغنائم، ودفع به العظائم، وبعثه إلى الناس كافة، وكلاه بحفظة لم تزل من حوله حافة، ونوَّله الشفاعة، وأرسله بين يدي الساعة، وصرف عنه الأذى، وأنزل عليه من المِنَّة، وكتب اسمه على العرش، وعلى مواضع من الجنة، وأطال في وصفه وأطنب، وأعطاه أن لا تجزع أمته ولا تُغلب، وأيده بالبراعة واللَّسَن، وركَّب فيه كلَّ خُلُقٍ حسن.
تبارك من حماه ومن حباه … بحسن الخلق والخُلُق العظيم
وسدَّد قوله وبه هدانا … جميعًا للصراط الستقيم
وصيَّره لمن يرجوه كهفًا …وعرَّفه بأصحاب الرقيم
وأغنى أهل ملته بدر … أتى من بحر منطقه نظيم
وآتاه جوامع الكلم وخواتمه، وملَّكه خوافي الفضل وقوادمه، وألبسه خلع الجلال والجمال، وأجلسه على ذروة الشرف والكمال، وحضَّ على الاقتداء بهديه، وأمر بامتثال أمره ونهيه، وألزم بريَّته الدخول في طاعته، وحثَّ على اتباع سنته وجماعته، ونبَّه على علو شأنه لديه، وفرض الإيمان به والصلاة عليه، وأمدَّه بالملائكة، وأبرز الخيرات على يديه المباركة.
وقرَّبه وأدناه، وأوحى إليه وناجاه، وأراه من آياته الكبرى، وكرَّمه وعظَّمه في الدنيا والأخرى، ونصب منصبه على بقاع الشرف، ورفع رتبته إلى أعلى الغرف، وأعزَّه بالطاعة، وأغناه بالقناعة، وقلَّب له الأعيان، وأظهر دينه على سائر الأديان، وأطلعه على سائر المعارف، وأسبغ عليه من القبول أحسن المطارف، وأولاه كثيرًا من الخصائص، وحماه من العيوب والنقائص.
وسوّاه، فعدل تركيبه، وأدّبه فأحسن تأديبه، وعلّمه ما لم يكن يعلم، وأرشده إلى حلِّ كلِّ مُشكلٍ ومُبهم، واتخذه حبيبًا وخليلًا، وأحلّه من دار السعادة محلًّا جليلًا، وأناله من حاصل حبِّ الحبِّ غاية المطلوب، وغفر له الماضي والمستقبل؛ إذ المحبوب لا يؤاخذ بالذنوب.
هو الحبيب الذي أنوار طلعته … تخفى إذا عاينتها الشمس والقمر
هو الإمام الذي مذ أمَّ طالعه … سرُّ الزمان به واستبشر البشر
قد خُصَّ بالخُلَّة المأنوس معهدها … وبالمحبة ممن أمره قدر
لا غرو أن عاد بالغفران مغتبطًا … إن الذنوب من المحبوب تُغتفر
ونصَّ على وجوب توقيره وبرّه، وحكم بلزوم نُصحه وتعظيم قدره، وجبله على الصيانة والعفاف، وعدّل به ميزان العدل والإنصاف، وزيّن به الوجود، وقلّده بعقود العهود، وأفرده بإيداع سرّه المصون، وعضده بقرآن كريم في كتاب مكنون، وسماه بجملة من أسمائه، وختم بمسكه رحيق أنبيائه.
ونوّه برفعة مكانته وشرف محتده، وأنزله منزلًا فاق الأفق وعلا على فَرَق فرقده، ومنح جانبه العزيز لينًا، وذاته الكريمة لطفًا، وفتح به عيونًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا. ورقّى به أمته إلى أرفع الدرج، ولم يجعل عليه ولا عليهم في الدين من حرج، وعرّفه بما أخرج لعباده من رتبته، وأوجب له النبوة وآدم متجدّد في طينته، ولم يبعث نبيًّا إلا ذكر له نعته ومسلكه، وأخذ عليه الميثاق بالإيمان به ونصره إن أدركه.
ولم يُعطِ أحدًا من الأنبياء فضيلةً مستفادةً إلا وقد أعطاه مثلها وزيادة، وأجرى عليه من مواد الفضل ما توقّف عند مجازاته الغيثُ وتجمّد. قال جبريل: «قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أرَ رجلًا مثل محمد».
يا راغبًا في حصر فضل محمدٍ … خفض عليك، ففضله لا يُحصرُ
إن قلت مثل الرمل أو مثل الحصى … أو مثل قطر الغيث، قلنا: أكثرُ
أكرم به مولًى عليًّا قدره … متقدّمًا، كلٌّ له يتأخّرُ
ذا رتبةٍ عند الإله عظيمةٍ … معروفها بين الورى لا يُنكرُ
صلّى عليه الله ما هبّ الصبا … من نحو روضته الخطيرة يخطرُ
تفضل، نسّقت النص مع الحفاظ على ألفاظه ومعانيه، وضبطت علامات الترقيم، وفصلت الآيات والأبيات الشعرية بما يوضح بنية النص:
٢ - فصل: في ثناء الله عليه في كتابه العزيز
أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أنه بعث إليهم رسولًا من أنفسهم، عليَّ القدر لديهم، يعرفون فضله ومكانته، ويتحقَّقون صدقه وأمانته، عزيزًا عليه ما يهوي بهم من الهوان، حريصًا على دخولهم إلى دار أمان الإيمان، شريف النسب فيهم، رؤوفًا رحيمًا بمؤمنيهم.
وأناله من نيل الكرامة غاية السُّؤل، وقرن طاعته بطاعته، فقال: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ﴾.
وأطلع في أفق التوفيق نجمه، ورحم العالمين به، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فمن أصابه شيء من رحمته فاز، ووصل إلى كعبة النجاة من غير قطع حجاز، وحصنه من سور كتابه المبين بأمنع سور، وسماه فيه نورًا بقوله: ﴿جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ﴾.
وأرسله: ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾.
وشرح بالرسالة صدره، ووضع عنه وزره الذي أنقض ظهره، ورفع بذكره معه في الشهادتين ذكره، وأظهر دينه على الدين كله وعظَّم أمره، ورمى المشركين منه بالمقعد المقيم، ونعته في أم الكتاب بالصراط المستقيم، وآتاه سبعًا من المثاني، وأكرمه بمنزلةٍ محكمة المباني.
آتاه سبعًا شمس آياتها … أضحت بآفاق الهدى واضحة
لها معانٍ سرُّها غامض … يعرفها ذو الصفقة الرابحة
شور كتاب الله ما حلَّه … أعظم منها سورة صالحة
تختم بالخير لقرائها … وهي لأبواب الرضى فاتحة
وبعثه حرزًا للأمتين، ووضع كتاب الأبرار به في عليين، ورفعه إلى المحل الأسنى، وقرَّبه منه، فكان قاب قوسين أو أدنى، ونزَّه لسانه عن النطق بهواه، وفؤاده عن الكذب فيما رآه، وبصره عن الزيغ والالتفات، وزكَّى جملته الجميلة وعصمها من الآفات.
كم آية فيها اسمه تُتلى … أخرى بها أوصافه وجلاله
وكم، والله، أقسم صادقًا بحياته … في محكم شرح الصدور مقاله
سبحان من أولاه أنواع الولا … وأناله ما لا يُرام مناله
وخصَّص بالتحية آله أبدًا … أزكى الصلاة عليه من رب العلا
وأقسم أنه ما ودَّعه وما قلاه، ولم يُقسم بحياة أحد من الخلق سواه في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾
وزوى له أرض الخيرات طولًا وعرضًا، حيث أنزل عليه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
وأيَّده بأظهر البراهين وأبهر المعجزات، وأراده في ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ بقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾.
ودرأ العذاب عن أهل مكة لكونه بواديهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.
وأمر الذين هم في حلبة الإيمان به مُجِلُّون أن يصلُّوا ويسلِّموا عليه، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾.
وأعطاه الحوض المعروف بالكوثر، وردَّ على عدوِّه بقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
وطهَّره من الأقذار والأدناس، وبيَّن عصمته في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
وحماه ممن كان يقصد ضرَّه بيدٍ مغلولة ولسان، ورعاه من نظر العيون لعينه، وكفاه شرَّ طوارق الحدثان، وأمدَّه بحراسة وعناية محفوفة باللطف والإحسان، وهو الجدير بأن يعظُم قدره عند القدير مدير الأكوان.
وأحسن مخاطبته في سورة ﴿ن﴾، ووعده فيها بأجر غير ممنوع ولا ممنون، وأثنى عليه ثناءً يجلُّ أن يحمله رسول النسيم، وبالغ في التمجيد والتأكيد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
وأتحفه تبارك اسمه في سورة الفتح بجزيل الصلات الواصلات والمنح، من ظهوره وغلبته، وعلو شراع شريعته وكلمته، وخضوع من ترفع من أعدائه وتكبر، وغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإتمام النعمة عليه، وإرسال الهداية إليه، ونصره النصر العزيز، ونصب حال من حوله على التمييز، وإنزال السكينة على قلب من تابعه، ورضاه عمن تحت الشجرة من أصحابه بايعه، إلى غير ذلك مما تضمنته آيات السور المشهورة، وكم له من معارف معروفة، ومآثر مأثورة.
شهد الكتاب بأن أحمد مرسل … من صاحب الملكوت جل جلاله
فصل: في مولده وشرف نسبه
وأن النبي ﷺ ولد بمكة، أشرف البلاد، وأكرمها على الله سبحانه وعلى العباد، ومن بحر بحرتها ظهرت دُرَّتُه اليتيمة، وفي أفق سمائها طلعت شمس طلعته الوسيمة.
يا لها بلدةً بركاتُها نامية، وموارد فضائلها طامية، وأركان بيتها بالأمن مأهولة، وأدعية الطائف بكعبتها مقبولة، وحظ القائم بمقامها من السعادة وافٍ، وعيش الساعي بين صفاها ومروتها صافٍ.
طوبى لمن أقبل على حجرها وقبّل حجرها، وبلغت نفسه منى مُناها، وقضت من عرف عرفة وطرها.
وهو صفوة أبيه إبراهيم، وبشارة عيسى عليهما الصلاة والتسليم، وصفوة سلالة قريش وصميمها، ونخبة بني هاشم راحلها ومقيمها، وأشرف العرب بدوًا وحضرًا، وأفضلهم بيتًا وأعزهم نفرًا، من قبل أبيه ذي النسب الزكي نور نضرته، وجهة أمه ذات الحسب الزاهر ضوء زهرته.
إذا افتخرت قريش بالمعالي … عبارة مجدها بين الأنام
وسر صميمها من لا يسامى … وبالشرف الرفيع لدى الكرام
فهاشمها خلاصتها ومعنى … رسول الله مصباح الظلام
بعثه الله من خير القرون والقبائل، واختاره من أرفع البيوت والمنازل؛ لأنه اصطفى من ولد إبراهيم الخليل، رافع قواعد البيت معه إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، ومن بني كنانة قريشًا المعروف بالشرف والمكانة، واصطفى من قريش بني هاشم، ومن بني هاشم سرَّ السراة أبا القاسم، ولم يزل ينقله من الأصلاب المأهولة بأهلة الصلاح، حتى أخرجه من بين أبويه، لم يلتقيا قط على سفاح.
تنقلت في أصلاب أرباب سؤدد …بحمل عليه في الأمور المعول
وسرت سريًّا في بطون تشرفت … كذا الشمس في أبراجها تتنقل
هنيئًا لقوم أنت منهم وفيهم …سعيد على أهل الوجود ومقبل
والله وقت جئت فيه وطالع … بدا منك بدر بالجمال مسربل
ولا يخفى ما جرى عند مولده وانتشر، وما وافى حين مقدمه المبارك واشتهر، من ظهور النور الباهر، وتدلّي النجوم الزواهر، وارتجاج إيوان ملك الفرس كسرى، وسقوط شُرَّافاته التي كادت تُعقد بالشعرى، وخمود نارهم الألفية، وغيض الماء من بحيرة طبرية، وحراسة السماء بالكواكب، وإضاءة ما بين المشارق والمغارب.
وأنه عليه الصلاة والسلام أقبل مختونًا مسرورًا، وتجلى في حُلل النبوة محبوبًا محبورًا، واسترضع في بني سعد بن بكر، وبرئ من أقوال أهل المين والمكر.
وشُقَّ قلبه الحي المتقي، وغُسل بثلج الإرادة حتى نقي، وخُتم بخاتم من نور، تخفي بهجته الشموس والبدور، ومُلئ إيمانًا وحكمة، وحُشي بالرأفة والرحمة، ووُزن بمائة من أمته فرجح، ولو وُزن بجميعهم لتبيّن ترجيحه واتضح.
نبي طمى بحر تشريفه … وميزان تعظيمه قد رجح
بمقدمه زال عنا العنا … وأن الندى والمُنى والفرح
لقد رفع الله من قدره … كثيرًا وللصدر منه شرح
وأورثه حكمة حكمها … به الحق بعد الخفاء الضح
ألا إن من يقتفي نهجه … أصاب ومقصده قد نجح
وما رُفع به عن حليمة ظئره من الضير، وما حصل لها ولقومها ببركته من أنواع الخير، وما نشأ عليه من بغض الأصنام، والعفة عن أمور الجاهلية قبل الإسلام، وما ترادفت به الأخبار عن علماء الملل والأحبار، وما عُرف به الأساقف، وطرق الأسماع من الهواتف.
وما أنذر بها الكهان، ونُقل عن القسوس والرهبان، من أنبائه وصفاته، وأسمائه وعلاماته، ونبوته وملته، وبعثته ونعت أمته، وما وجد من ذلك في أشعار الموحدين، وذُكر من كلام من مضى من المتقدمين، وما أُلفي في التوراة والإنجيل، وبيّنه من أسلم من أهل الكتب والتنزيل، وما برز على ألسنة الأصنام وظهر، وسمع من ذبائح النصب وأجواف الصور، وما رُئي مكتوبًا على الحجارة بالخط القديم، من ذكر اسمه والشهادة له بالرسالة والتعظيم.
ولقد خصه الله بمزايا الرتب، وأعرب عن تفضيله على العجم والعرب، ونظر إلى قلوب عباده فانتقى منها قلبه، وسبر أحوال خلقه للتقريب منه فلم يختر إلا قربه، وقسم الناس قسمين، فجعله في خيرهم قسمًا، وزكاه أبًا وأمًّا وأصلًا وفرعًا وروحًا وجسمًا.
لمولد خير الرسل أحمد أصبحت … وجوه الهدى وضّاحة متبلجة
وأشرقت الدنيا بأنوار بدره … وعادت به أرجاؤها متأرجة
وإيوان كسرى أسقطت شُرُفاتُه … وحُلّت عرى أبراجه المتبرجة
ونيران بيت الفرس باخ لهيبها … وكانت لديهم ألف عام مؤججة
وكم آية جاءت قرين قدومه … تنير من الحق المطهر منهجه
٤ - فصل: في أوصافه ونعوته
كان النبي ﷺ عظيم الهامة، معتدل القامة، أزهر اللون أدعج، أهدب الأشفار أبلج، كث اللحية، واضح الجبين، مفلج الأسنان، أقنى العرنين، متماسك البدن، أزج الحواجب من غير قرن، أسيل الخدين، طويل الزندين، عبل العضدين، بعيد ما بين المنكبين، رحب الكفين، القدمين.
مسيح أشم، ضليع الفم، أشنب، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، ليس بمطهم، ولا قصير الذقن مكلم، رجل الشعر، لجيني الجيد، أحلى الناس من قريب، وأجملهم من بعيد، دقيق المسربة، واسع الصدر، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر الشكل، ظاهر بعينيه، لا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا نطق أتى من جوامع الكلم بالعجب.
جميل الصفات جزيل الصلات … عديم المثال عظيم الحسب
بديع الجمال رفيع المنال … عزيز الهبات كثير الأدب
مليح الشمائل بادي السنا … بسيط الأنامل عالي الرتب
به أرشد الله أهل النهى … به شرف الله جيل العرب
وكان طيب الريح والاسم، نظيف البدن والجسم، أطيب ريحًا من العنبر، وألذ عرفًا من المسك الأذفر، يتضوع طيبًا، ويهتز غصنًا رطيبًا، تختفي من شذاه جونة العطار، وتتأرجح بنثره الأرجاء والأقطار.
الصبي يصافح الرجل فيظل يومه يجد في كفه نشرًا، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان عطرًا، ما مشى في طريق فمشى فيه أحد من بعده، إلا عرف أنه سلكه من ريحه الذي لا ند كنده.
وجه الوجود بنور أحمد مشرق … وبعرفه أرجاء تتأرج
الطيب يطوى عند فائح نشره … والروض يخفى زهره المتأرج
وكان دمث الأخلاق، عزيز الإرفاد والإرفاق، خافض الطرف، سابل الأطراف، جميل المحاسن، جميل الأوصاف، ثابت الأساس، قوي الحواس، يرى الشياطين ويرى الملائكة، وكما يبصر في الضوء يبصر في الظلمة الحالكة، وينظر من ورائه كما ينظر من بين يديه، ويرى في كف الثريا أحد عشر نجمًا إذا نظر إليه.
ضحكه التبسم، وشيمته التكرم، يفتر عن مثل حب الغمام، ويبدأ من يلاقيه بالسلام، يخرج النور من بين ثناياه، ويغار النسيم من لطف سجاياه، الملاحظة جل نظره، والمناصحة غاية وطره، يمشي هونًا لا سريعًا، وإذا التفت التفت جميعًا.
أكرم به ذا وقار … يمشي على الأرض هونًا
عند المهمات ذخرًا … ساد النبيين طرًّا
وفي الملمات عونًا … علمًا وفضلًا وصونًا
لأنه بين عُلاهم … وبين علياه بونًا
وكان طويل السكوت، مواظبًا على القنوت، دائم الفكرة، ملازم العبرة، متواصل الأحزان، متحليًا بالعدل والإحسان، لا يعجبه من مال إلى المال فلهَا، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، يعظم النعمة وإن دقت، ويصبر على المحنة وإن شقت، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه ولزم بابه، لم ير أحسن منه منظرًا، ولا أطيب خبرًا ومخبرًا، يبادر إلى قضاء حاجة من يبتغي فضله، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
من أين يوجد قبله أو بعده … مثل له وهو الحبيب المصطفى
الله فضله وحسن خلقه … وبه الأذى عنا نُفي
طوبى لمن بجميل سيرته اقتدى … وطريق سنته المعظمة اقتفى
صلى عليه منير بدر صفاته … ما لاح في الآفاق نجم أو خفي
فصل: في فصاحته وأدبه وحلمه
كان النبي ﷺ يعرف ألسنة العرب، ويعلم لغة من بَعُدَ منهم أو اقترب، ويخاطب كل طائفة منهم بلسانها، ويجري مع كل فرقة في ميدان بيانها، فصاحته إليها المنتهى، وبلاغته حيرت ألباب أرباب النهى، وجوامع كلمه مأثورة، وبدائع حكمه مشهورة، وعيون معانيه منسجمة، ودُرَر ألفاظه منتظمة، وإيجاز مقاطعه يطرب الأسماع، وحسن منازعه لا شك فيه ولا نزاع، وطلاوة قوله تجل عن الصفة، وحلاوة منطقه لا يذوقها إلا أهل المعرفة، أنزل القرآن الكريم بلسانه، تعظيمًا لأمره ورفعة لشأنه.
ما أعذب لفظه، وأنفع وعظه، وأجزل فوائده وأجمل فرائده، وأبلغ خطابه وخُطبه، وأبدع رسائله وكتبه. نشأ في بني سعد، ورتبته في قريش عالية، فجمع من الكلام رونق الحاضرة وجزالة البادية، وأيّد ببراعة خصّه بها من حكم بتوفير قسمه، ولسان مدده الوحي الذي لا يدركه البشر ولا يحيطون بشيء من علمه.
وكان ذا آداب شريفة، ومعارف منيفة، ونظر ثاقب، ورأي صائب، وظن صادق، وحدس موافق، وسياسة شاملة، وحماية كاملة، وفضائل مقصودة، وأخلاق محمودة، ودينه الإيمان، وخلقه القرآن، يسخط بسخطه، ويرضى برضاه، ويحذو حذوه، ويهتدي بهداه.
محمد أبلغ العرب الذي نضرا … نعم وأفصح من بالضاد قد نطقا
لله ألفاظه اللاتي لنا نشرت … جوامع الكلم المأثور طيبها
آتاه من أوجد الإصباح والغسقا … جواهر العلم من تبيانها نسقا
من قال أن رسول الله ليس له … كفو من الناس في الدارين قد صدقا
بعث ليتم مكارم الأخلاق، ويرحض شُقّة الأرض من دنس النفاق، مقررًا للشرائع، حافظًا للودائع، مجتهدًا في المصالح، رائضًا للجوانح، ناظرًا في المهمات، رافعًا أثقال الملمات.
آداب خير الرسل قد قارنت … أخلاقه الحسنى وتهذيبه
لا يحضر الخاطر أوصافها .. ولو أثار الفكر تلهيبه
وكيف لا والله ذو العرش إذ … أدبه فأحسن تأديبه
وكان عزيز الحلم والاحتمال، كثير الفضل والإفضال، يصل من قطعه، ويعطي من منعه، ويبذل لمن حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويغضي طرفه على القذى، ويحبس نفسه عند الأذى، ولا ينتقم مع القدرة، ويصبر على ما يشق ويكره، ولا يزيد مع أذى الجاهل وإسرافه إلا صبرًا وحلمًا، وما خُيّر في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
ولم يؤاخذ الذين كسروا رباعيته وشجوا محياه، وقصدوا خفض المرفوع من عرفه ورياه، بل دعا لهم واعتذر عن جهلهم، وعفا عنهم، وكم عفا عن مثلهم، وتجاوز عما بدا من المنافقين في حقه قولًا وفعلًا، ولم يقابل من شتمه ولا من أراده بسوء طولًا وفضلًا، وكم أعرض عن جاهل ومعاند، وما ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد، وصبر على مقاساة الجاهلية، وعلى ما لقي منهم من الشدة والبلية، إلى أن سلطه الله عليهم، وحكمه فيهم، وأظفره الله بما لديهم.
كان النبي الذي راقت شمائله … بالحلم مؤتزرًا والصبر مشتملًا
يعفو ويصفح فضلًا بعد مقدرة … ويحبس النفس عند الشر محتملًا
وما يقابل من يأتي بمظلمة … في حقه معرضًا عن قول من جهلا
وكم غدا آمرًا بالعرف مجتهدًا … وكم أنال وكم أعطى وكم بذلا
تفضيل تفضيله لا ينقضي أبدًا … يا ذا الولا فخذ أوصافه جُمَلًا
مني عليه سلام نشره عطر … ما سار بدر الدجى في الأفق منتقلًا
فصل: في جوده وكرمه وشجاعته
كان النبي ﷺ عالي الهمم، وافر الفضل والكرم، طويل الباع، مديد الذراع، بسيط الأنامل، كريم الشمائل، جميل العواطف، جليل المعارف، محبًّا للحياء، مطبوعًا على السخاء، سهل الإنفاق، جزل الإرفاق، مهتمًّا بصلة الأرزاق، أين منه الغيث المغيث والبحر الغيداق.
يحقق الوسائل، ولا يخيب أمل الآمل، يبذل الرغائب، ويعين على النوائب، يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويجري سيل السيب على السائل والمحروم، ويمد أطناب الرفد وأرواقه، ويعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وينيل من أخلد إليه ما لم يكن في خلده، ولا يدخر شيئًا من يومه لغده.
أسخى من الغمائم المثقلة، وأجرى بالخير من الريح المرسلة، ظلال عطاياه مديدة، وحلل مكارمه لا تبرح جديدة، تمتار السحائب من يم أياديه، وتهرع الركائب إلى ندى ناديه، ما سُئل عن شيء فقال لا، ولا أعرض عن طالب عرض ولا قلى.
أعطى رجلًا غنمًا بين جبلين، ولم يزل معروفه معروفًا عند الثقلين، وقسم في مجلس واحد تسعين ألف درهم، وكم أنجد بعطائه من أنجد ومن أتهم، وأعطى مائة من الإبل غير واحد من العرب، وجاد للعباس بما لم يطق حمله من الذهب، ورد سبايا هوازن، وكانوا ستة آلاف، وخبر ما منح به صفوان وغيره عن علم الرواة غير خاف.
لقد كان المقفّي سيل سيب … وبحر تكرم وسحاب وبل
بسيط الكف ذا جود وفضل … وينجز وعده من غير مطل
طويل الباع منشرح العطايا … يفوح أنا بها في كل حفل
شريف المنتمى جزل الأيادي … حليف تقى وإحسان وعدل
له شيم وأوصاف حسان … يجود على العفاة بلا سؤال
يجل من البرية عن نظير … وعن كفؤ يقاس به ومثل
وكان ذا شجاعة ونجدة وبسالة وشدة، وبأس وشهامة، وحماية وصرامة، وصولة وإقدام، وإرغام للضرغام، يشتت شمل الكماة، وينهك وجوه الحماة، ويبطل حيلة الأبطال، ويفرق جمع الأقيال، غزواته معدودة، ومشاهده مشهودة، وحروبه لا تنكر، ومواقفه أشهر من أن تذكر.
حضر الوقائع الحامي وطيسها، وشهد الملاحم العرمرم خميسها، وتولى الكماة عنه وهو مستقر غير مرة، وفر المسلمون من حوله يوم حنين فرة مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، قائلًا:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب.
ما قرب منه أحد إذا التقى الجمعان، إلا وعد من أسد الكماة والشجعان، وما لقي كتيبة إلا وكان أول ضارب، ولا تواثب القوم لوقع صوت إلا وكان أسرع واثب.
ولم ير أثبت جأشًا منه في الجهاد، ولا أقرب إلى جهة المشركين وقت الجلاد، قال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد، ولا أرصن من رسول الله ﷺ، ولا أجود، وقال علي: كنا نتقي برسول الله ﷺ إذا اشتد البأس واحمرت الحدق، وفي هذا الحديث الحسن ما فيه مما يخطب كاعب السرور ويجلب الحدق الأنق.
بأس وشدة نجدة وحماسة
ذاك النبي المصطفى الهادي الذي
كم شتت شمل المشركين بسيفه … كم ألبوا وتجمعوا للقائه
من قال إن محمدًا أوفى الورى … صلى عليه المالك القدوس ما
ركبن في من وجهه يجلو الغسق … سبق النبيين الكرام بما سبق
وأحلهم سجن الحفيظة والحنق … فتفرقوا لما رأوه من الفرق
يوم الوغى عزمًا وإقدامًا صدق … هتف الحمام الورق ما بين الورق
فصل: في حيائه وأنسه ولطفه وشفقته
كان النبي ﷺ أكثر الناس حياءً، وأوقرهم عن العورات إغضاءً، وأوسعهم صدرًا، وأنورهم بدرًا، وأجملهم وصفًا، وأجزلهم لطفًا، وأعطفهم نائلًا، وألطفهم شمائل، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، وأحسنهم أدبًا، وأبهجهم نضرة، وأدومهم بشرًا وأنسًا، وأبسطهم خُلقًا، وأطيبهم نفسًا. أشد حياءً من العذراء في خدرها، وألطف من نسمات الأسحار عند هبوبها وممرها، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب، ولا فحاش ولا مداح ولا عياب.
يؤلف الناس ويحسن إليهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ولا يطوي عن بشر بشره، ولا يشافه أحدًا بما يكره، ولا يثبت بصره في وجه أحد من حيائه، ولم يُرَ قط مادًّا رجليه بين جلسائه، ويتفقد أصحابه، ولا يغلق عن الوفد أبوابه، ولا يقطع عن أحد حديثه، ولا يمنع عن الملهوف سُحبه المغيثة، ولا يعدل عمن جالسه لحاجة ولا ينحرف، ولا ينصرف عنه حتى يكون هو المنصرف، وما التقم أحد أذنه فنحى رأسه حتى يتنحى الملتقم، ولا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم منه عليه، لما يرى من إحسانه المرتكم.
وأُنس يرى الإنسان منه مسرة … وبشر لمن يلقاه لاحت بشائره
وبسطة أُنس للنزيل نفيسة… وفيه رجاء طار في الحي طائره
له سيرة مأثورة سار ذكرها … وغيث مجيب الغوث عمت مواطره
أيا من يروم الخصر من نعت أحمد … أفق فهو بحر لا تُعد جواهره
وكان يقبل الهدية ويكافئ عليها، ويثابر على المعونة ويسارع إليها، ويجيب دعوة المسكين والمسكينة، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويخفف الصلاة بسبب طالب الحاجة، ويكثر إلى التغافل معاده ومعاجه، ويقبل عذر المعتذر بالقبول، ويطلع لزائره نجوم إكرام ليس لها أفول، ويؤثر من يدخل عليه بوسادته، ولا يخرج في مكارم الأخلاق عن عادته.
ويدعو أصحابه بكناهم وأحب أسمائهم، ويميل إلى مخاطبتهم ومحادثتهم ومداعبة أبنائهم، ولا يجيب أحدًا منهم ومن أهل بيته إلا بالتلبية، ويعد كلًّا من جلسائه من مودته بالتسوية، ويجزي على من أمَّه وأمَّله نيل النوال، ولا يرد ذا الحاجة إلا بها أو بميسور من المقال. قال أنس: خدمته عشر سنين، فما قال لشيء صنعتُه: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟
رسول حلم ورحمة ورضى
مقدس الخبر طيب الخبر
كهف طريد وعون مفتقر
ويلتقيهم بأحسن الصور
في حقه وهو سيد البشر
أُنس وحيد وغيث منتجع
يكرم أصحابه وزمرته
ماذا يقول البليغ مجتهدًا
وكان ذا شفقة تامة، ورأفة عامة، ورحمة شاملة، وحُنَّة سحائبها هاملة، يحب الرفق ولا يعدل عن جهاته، وإذا سمع بكاء الصبي تجوز في صلاته، ويأمر بالحسنة ويدني أهلها، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح، ويتجاوز عن المسيء ويسمح، ويدفع بالتي هي أحسن، ويأتي من المعروف بما أمكن، ويصل الرحم ويقري الضيف، ويقطع أسباب الجنف والحيف، ويحرص على دخول المسلمين إلى دار السلامة.
قال ابن مسعود: كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة. خفف عن أمته وسهل، وتوقف فيما يشق عليهم وتمهل، وبالغ في إسداء الإحسان إليهم، وكره أشياء مخافة أن تُفرض عليهم، وأطلع لهم شفقًا من الإيمان لا يغيب، وخصهم من مناهل خبره وموارد خيره بأوفر نصيب.
يا أمة المختار بشراكموا … بالفوز من قرب الحسيب النسيب
المحسن الهادي البشير الذي …خفف عنكم كل أمر عصيب
وكثر الخير عليكم ومن … بحر القرى جاءكم بالعجيب
صلى عليه الله ما غردت … حمامة من فوق غصن رطيب
٨ - فصل: في وفائه وتواضعه وعدله ووقاره
كان النبي ﷺ أجمل الناس ودًّا، وأحسنهم وفاءً وعهدًا، وأعدلهم حكمًا، وأسعدهم نجمًا، وأعلاهم منارًا ومنالًا، وأوفاهم سكينة ووقارًا، وأوفرهم للحقوق ذكرًا، وأكثرهم تواضعًا وأقلهم كبرًا. يركب الحمار ويُردف خلفه، ويبدي للفقير والمسكين لطفه، ويأكل مع الخادم، ويبادر إلى خدمة القادم، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويقم بيته، ويخدم أهله، ويحلب الشاة ويعقل البعير، ويجيب إذا دُعي حتى إلى خبز الشعير، ويتوكأ على العصا، ويضطجع على الرمل والحصى، ويحمل بضاعته من السوق، ويقوم بما يتعين عليه من الحقوق.
ويرى أن حسن العهد من الإيمان، ويعامل من أكرم أصحابه بأتم الإحسان، وينظر في حال المديون والمفلس، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ويكره أن يُقام له إذا أتى، وينصف المظلوم ممن تعدى عليه وعتا، ويسكن من ريح العز والكبرياء عجاجتها، وينطلق مع الأمة حيث شاءت حتى يقضي لها حاجتها.
حج على رحل، رث الهيئة والصورة، وأهدى مائة بدنة في تلك الحجة المبرورة، وأدار في سماء السعادة لنجوم أصحابه فلكًا، واختار أن يكون نبيًّا عبدًا لا نبيًّا ملكًا، على أنه سيد البشر بلا شك ولا ريب، وأكرم الخلق على عالم الشهادة والغيب.
كان الرسول المصطفى … أوفى الأنام بعهده
وأجلهم قدرًا وأكرمهم … بخالص وده
وأنجزهم لصادق وعده … متواضعًا في مجده
ويرى السماح برفده … في حله أو عقده
متلطفًا متعطفًا … يسعى لخدمة ضيفه
وكان أكثر الناس أمانة، وأجزلهم عفة وصيانة، وأنضرهم بهجة، وأصدقهم لهجة، وأجملهم سرًّا وإعلانًا، وأغزرهم عدلًا وإحسانًا، صادقًا بالكلام، صادعًا في الحق بالأحكام، أمينًا في السماء والأرض، مكينًا عند من إليه النشور والعرض، وعده مقرون بالإنجاز، ولفظه مشتمل على الإيجاز، لا يأخذ أحدًا بقذف أحد، ولا يقبل من مال إلى العناد وعند، يحكم عدلًا، وينطق فضلًا، ويشفع فرض الصلاة بنفلها، ويؤدي الأمانات إلى أهلها.
تعرف الجاهلية فضله قبل الإسلام، وكانوا يتحاكمون إليه في النقض والإبرام، يشهد وليه وعدوه بعلمه وعدله، والفضل ما شهدت به الأعداء لأهله.
ويكفيه أن الله أظهر فضله … وقد عاينوا منه الأمانة والعدلا
نعم يعرفون الفضل منه وكيف لا… وفي محكم القرآن أوصافه تتلى
وكان ذا مروءة وافرة، وتؤدة عن وجه السداد سافرة، جزيل الصمت والوقار، جميل المآثر والإيثار، يرعى حق الصحبة القديمة، ويجود بجود نعمه العميمة، ويتعطف على ذوي رحمه برحمته وصلاته، ويتلطف بالصغار من أولاد أولاده حتى في صلاته، ويأمر باستعمال خصال الفطرة، ويسكت على الحلم والحذر والتقدير والفكرة.
ويسكن إلى قلة الكلام ويميل، ويعرض عمن تكلم بغير جميل، مجلسه مجلس هدى وعلم، ومحل خير وحلم، لا تُرفع فيه الأصوات، ولا تُذكر فيه العورات، ولا تُؤبَّن في حرمه الحُرَم، ولا تُخفر في أرجائه الذمم. إن تكلم أطرق جلساؤه، وإن صمت زاد وقاره وبهاؤه، لا يكاد يخرج في مجلسه شيئًا من أطرافه، ولا يعدل عن طريق عدله وأدبه وإنصافه.
٩ - فصل: في زهده وقناعته وعبادته
كان النبي ﷺ زاهدًا في الدنيا، نازلًا في تركها بالمنزلة العليا، متنزهًا عنها، متقللًا منها، معرضًا عن زهرتها، غير ناظر إلى نضرتها، متحليًا بالطاعة، متلفعًا بمروط القناعة، مزينًا بالعفاف والكفاف أحواله وأموره، مقتصرًا من نفقته وملبسه على ما تدعو إليه الضرورة.
يلبس البرد الغليظ والكساء والشملة، ويقسم حُلَل الديباج على أصحابه حلة بعد حلة، عيشه طفيف، ومأكله طفيف، وملبسه خسيف، وفراشه من أَدَم حشوه ليف.
يقل المنام، ولا يستكثر من الطعام، يبيت جائعًا طاويًا، ويصبح صائمًا خاوِيًا، لا يسأل أهله طعامًا، ولا يُظهر لهم غَرَثًا ولا أُوامًا، إن أطعموه أكل، وإن سقوه قنع بالنَّهَل.
زهد عظيم، واقتصاد زائد، وعفة يتبعها صبر، وفرط إعراض عن الدنيا وما فيها.
ويا سيد الرسل، ويا أعلى الورى،
في مأكل ومشرب وملبس،
صوم النهار وقيام الحندس،
تلهي به من وشيها المدلس،
منزلة تفديك كل الأنفس.
ما أكل قط على خوان، ولا خُبز له المُرقَّق حينًا من الأحيان، ولا شبع من خبز شعير يومين متواليين، ولا من خبز بر ثلاثة أيام تباعًا حتى أدركه الحين، ولا رأى أبدًا لحم شاة سميط، ولقد نام أحيانًا على سرير مرمل بشريط، وما خلَّف دينارًا ولا درهمًا ولا نفقة، ولم يترك إلا سلاحه وبغلته وأرضًا جعلها صدقة.
هذا، وقد أوتي خزائن الأرض ومفاتيح الكنوز، وأُبرز له من الإبريز كل محجوب ومحجوز، وأظلته غمائم الغنائم، وجاءته هدايا أهل التيجان والعمائم، وحُملت إليه الجِزَى والصدقات، وانثالت عليه الأموال والنفقات، وسيقت إليه الدنيا بحذافيرها، وترادفت عليه الفتوحات بجماهيرها، فقابل الإيراد من ذلك بالإصدار، وما استأثر منه بدرهم ولا دينار، بل قصد به الخير، وأغنى به فاقة الغير، وفرقه في مصالح المسلمين، وكف به أكف المشركين، وبذله لطالبي رفده وقاصدي نواله، حتى إنه توفي ودرعه مرهونة في نفقة عياله.
نبي وافت الدنيا إليه،
وجاءته مفاتيح الكنوز،
ومالت نحوه فأبى عليها،
وقابلها بإفراط النشوز،
تجنبها وأعرض عن جناها،
ولاذ بجانب الملك العزيز،
رعاه الله مختارًا، هدانا
إلى المنهاج باللفظ الوجيز.
وكان شديد الخوف والعبادة، وافر الطاعة والمحبة والإرادة، طاعته نظير حبه، وخوفه على قدر علمه بربه. عمله ديمة، وطريقته مستقيمة، يصلي طويلًا، ويقوم الليل إلا قليلًا، ينام على شقه الأيمن بغير مهاد، ليستظهر على قلة النوم والرقاد، يراقب من يحاسب على الدرة والذرة، ويستغفر الله تعالى في اليوم مائة مرة.
قام حتى انتفخت قدماه، وهجر الطعام في الهواجر طاعةً لمولاه. المحبة أساسه، والصبر لباسه، والزهد حرفته، والصدق سجيته، واليقين قوته، والرضى مطيته، والمعرفة رأس ماله، والطاعة منتهى آماله، والشوق مركبه، والفكر أنيسه، والثقة كنزه، والحزن جليسه، والفقر فخره، والعقل مصباحه، والجهاد خلقه، والعلم سلاحه، وقرة عينه في الصلاة، وثمرة فؤاده ذكر من لا إله سواه.
الخوف مألفه، والصبر مطرفه،
والعلم مرهفه، والشوق مركبه،
عبادة الخالق الجبار همته،
وطاعة الواحد القهار مطلبه،
وديمة العمل المبرور شرعته،
ومذهب الحق والإيمان مذهبه.
أزكى التحيات مني لا تفارقه،
ما طاب من سلسل الأمطار مشربه.
١٠ - فصل: في الإسراء به وعروجه إلى السماوات
صلى الله على من سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا، وسحب له على سحب المعالي ذيلًا، ونقله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأتحفه من نعمه الظاهرة والباطنة بما لا يُحصر ولا يُحصى.
أُتي بالبراق، فركبه ليخترق به السبع الطباق، وهو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه الكحيل. فلما وصل بيت المقدس، صلى في مسجده امتثالًا للأمر، وأصاب الفطرة باختياره اللبن دون الخمر.
ثم عرج مع جبريل إلى السماوات، ومُنح في العالم العلوي أعلى الدرجات، ورأى آدم في السماء الدنيا، وفي السماء الثانية عيسى ويحيى، وفي السماء الثالثة يوسف الصديق، وفي الرابعة إدريس الحقيق بأسرار التحقيق، ولقي هارون في السماء الخامسة، وأخاه موسى في السماء السادسة، وفي السابعة إبراهيم المشهود فضله المشهور، وإذا هو مُسند ظهره إلى البيت المعمور؛ يا له بيتًا يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه إلا بمشيئة من أدار الفلك.
واستأنس بالأبوين والإخوة وابني الخالة، وكلٌّ منهم أشار إلى صلاحه، ورحَّب به ودعا له. وعند كل سماء يستفتح جبريل، فيُفتح له الباب، ويُسأل عن بعثة من معه، فيرد على سائله الجواب.
ثم ذهب به جبريل إلى سدرة المنتهى، ذات الأغصان الوريقة والثمر المشتهى، وهي شجرة تخرج أنهار الجنة من أصلها، ويسير الراكب سبعين عامًا في ظلها، وإليها ينتهي ما من الأرض يعرج، وما يهبط من فوقها عندها يقف، ومنها يخرج.
فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت، فما أحد يستطيع نعت حسنها، الذي لو أدركته الأبصار لتحيرت. فأوحى الله تعالى ما أوحى إليه، وفرض ما فرض من الصلوات عليه، ثم تصدق برحمته وخفف، وزاد الأجر مع التخفيف وضعف، بعد أن كلمه في ذلك موسى، شكر الله علو همته، وأشار عليه بسؤال الله تعالى في التخفيف عن أمته.
ورفعه حتى بلغ مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وملأ في الملأ الأعلى أذنيه من ترجيع الكلام، وأنزله في روضة القرب والرضا، وأكرمه بالمنزل الأفضل الأسنى؛ دنا فتدلى، وهو خير مقرَّب، فكان اقترابًا قاب قوسين أو أدنى.
وعظَّمه بإمامة أهل السماء، وقدَّمه للصلاة بالملائكة والأنبياء، وأحضره لمشاهدة حضرته، وكشف له حُجُب غيبه وقدرته، وأعانه على معاينة النور الأعظم، وأعلم المقربين إليه بأنه أفضل خلقه وأعلم، وأسمعه الأذان من لفظ ملك الحجاب، واستخرج لرؤيته من بحر قدرته ما يقضي له بالعجب العجاب.
وأكرم له المثوى، وأدخله جنة المأوى، وأوضح له الطرائق، وأظهره على الحقائق، وأودعه الأسرار المكنونة، وأطلعه على الغرائب المخزونة، وأشهده عجائب سلطانه وملكوته، وأفرده بالنظر إلى عظيم كبريائه وجبروته.
وشمله بعنايته الوافرة وألطافه الخفية، وأدناه دنوًّا تنقطع عنه الكيفية، ومهَّد له بساط التلطف والتأنيس، وأعلاه على المقربين من أهل التسبيح والتقديس، وأراه ما أراه من آياته الكبرى، وذكره فيمن عنده: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾.
١١ - فصل: في تعظيمه وتكريمه يوم القيامة
النبي ﷺ أول الناس خروجًا إذا نُشروا، وقائدهم إذا حُشروا، ومبشّرهم إذا يئسوا، وشفيعهم إذا حُبسوا، وخطيبهم إذا أنصتوا، ومنجدهم إذا ذهلوا في ذلك اليوم وبهتوا. لواء الحمد بيده المعيرة للغيث وأنوائه، وما من نبي، آدم فمن سواه، إلا تحت لوائه.
وهو أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة بمن معه يوم العرض، وأفضل السابقين، وأكرم عباد الله الصادقين، وخير أصحاب اليمين، وأبرك من نزل عليه الروح الأمين.
وهو صاحب الحوض الشهير بالكوثر، الذي ريحه أطيب من المسك الأذفر، وحافاته قباب اللؤلؤ المتسق، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الورق، طوله ما بين أيلة إلى عُمان، يشخب فيه من الجنة ميزابان، أحدهما من اللجين، والآخر من خالص العين، كيزانه كنجوم السماء بهجةً وعددًا، من شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا.
وهو أول شافع وأول مشفَّع، وهو أول من يقوم فيُنصت لقوله ويُسمع، وهو أعظم الأنبياء أجرًا، وأرفعهم ذكرًا، وأبهرهم آيةً، وأبعدهم غايةً، وأبدعهم تبيانًا، وأقطعهم برهانًا، وأجلهم مقدارًا، وأعزهم أنصارًا، وأجزلهم حمدًا وشكرًا، وأوفاهم توكلًا وصبرًا، وأعلمهم بالله وصفاته وأسمائه، وأسخنهم قلبًا بعظمته وجلاله وكبريائه، وأعرفهم بشريعته وأحكامه، وأفهمهم لمعاني وحيه وكلامه، وأغزرهم إحاطةً بالمدارك العقلية، وأقربهم مجلسًا من الحضرة المقدسة الإلهية، وأظهرهم سمةً وعلامةً، وأكثرهم تبعًا يوم القيامة؛ يوم يؤتى الوسيلة المحفوفة بأصناف المِنَن. قال أبو هريرة: «هي أعلى درجة في الجنة». يوم يُعطى ألف قصر من اللؤلؤ، ترابها المسك السحيق، وفيها من الأزواج والخدم ما يصلح لمثله وبه يليق.
يوم يقوم الناس أفواجًا إلى بارئهم ذي العزة والتنزيه، يوم المآب والحساب واللقاء، يوم يفر المرء من أخيه، يوم يصير الناس فيه حيارى، ويُرَون سُكارى وما هم بسكارى. يوم يلجؤون إليه في أمر الشفاعة، حيث يرون تأخر غيره عنها وانقطاعه، يوم يقوم على يمين عرش الرحمن، ويُكسى حُلّةً خضراء مُعلَّمة ببلوغ المُنى والأمان، ويُؤذن له فيقول ما شاء الله أن يقول، ويُفتح عليه من الحمد والثناء ما وردت به النقول. يا له موقفًا يقصر عن الوصول إليه المقربون، ومقامًا محمودًا يغبطه فيه الأولون والآخرون.
يشفع لأكثر مما في الأرض من شجر، ولأزيد مما حملت على ظهرها من حجر، ويشفع في تعجيل من لا حساب عليه إلى دار القرار، وفيمن وجب عليه العذاب وأُدخل إلى النار، وفيمن تلفظ بالشهادة المعظمة، وهذه المنزلة الجليلة لا تصلح لغير ذاته المكرمة.
وكم حوى فضيلةً ليس له فيها من الخلق مشارك، على أنه لم يفتخر بشيء من ذلك. شكر الله جميل سعيه وأبيل همته، وجزاه أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته.
١٢ - فصل: في أسمائه وكناه وألقابه
أسماءُ رسول الله وألقابه كثيره، وأوصافُه حَوَت دُرَرَ المحاسِن ولم تُغادر منها صغيرةً ولا كبيره، فمِن أسمائه محمَّد وأحمد، وهذان اسمان مخصُوصان بالطَّالع الأسعد، منع الله تعالى أن يُسمَّى بهما قبل زمانه أحد من النَّاس، لئلا يدخل على القلوب الضَّعيفة شكٌّ والتباس، وهو أحمد الحامدين وأكثر النَّاس حمداً، وهو حاملُ لواء الحمد يوم يحشر الله المثَّقين إليه وفداً.
ومنها الماحي والحاشر، والمقدَّس والطَّاهر، فالماحي الذي يُمحى الكفرُ بكلِمِه، والحاشر الذي يحُشر النَّاس على قدَمِه، والنَّجم الثَّاقب، والمُصلح العاقِب، وهو الذي لا نبيَّ بعده، ولا يعقُب جَزرُ ذي رسالة مدَّه، والشَّاهد والمُبشِّر والنَّذير، والدَّاعي إلى الله بإذنه والسِّراج المنير، والمقفِّي والقُثم، والقُتموم، وهذا الاسم الآخر في آل بيته مَعلوم.
يا سيِّداً أسماؤه قد سمَت … وفي معانيه تَحار الحلُوم
ومن حوت أزهارُ ألقابه … نَشرَ شَذَّى تُطوي عليه الرُّقُوم
ومن له فضلٌ أياديه لا … تحصی وهل تحصی دراري النُّجُوم
أنت الذي أنوار أعلامه … تهدي إلى الحكمة أهلَ العلوم
ومن أسمائه وَّليه: المدَثِّر والمزمِل، والمختار والمتوكِّل، والرؤوف الرَّحيم، والضِّراط المستقيم، والحقُّ المبين، والصَّادق الأمين، فالحقُّ هو المحقَّق صدقُه وأمرُه، والمُبین الذي بیَّنَ ما بعثه به من جلَّ ذکرُه.
و﴿طه﴾ و﴿يس﴾، ورحمة للعالمين، وسيِّد المرسلين، وخاتم النبتِين، وإمام المتَّقين، وقائد الغر المحجَّلين، ونعمة الله على الخلائق، وعبد الله المُعبِّد للطَّرائق، ونبي الرحمة والمرحمة، ورسول التوبة والملحمة، وهي إشارة إلى ما بُعث به من القتال، وما أُمر به من ردع المشركين بجدِّ التِّضال وحدِّ النِّصال.
وخليلُ الرحمن، وحبيبُ الملك الديَّان، ومقيمُ السُّنَّة ورُوح الحقِّ، والشَّفيع المشفَّع في الخلق، وصاحبُ الوسيله، والدَّرجة الرفيعة والفضيله، والحوض المورود، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والهراوة والتّاج، وما المراد به تاجُ مُلكٍ مُوِّه بالذَّهب، بل العمامة لأنَّ العمائم تيجان العرب.
بك يا رسول الله يا علم الهدى … تتشرَّفُ الألقاب والأسماء
وبيُمن طالعك السَّعيد قدُومُهُ … ذهب الظلامُ وآبت الأضواء
وبنّصر فضلك سُرَّ كُلُّ مُوجِّد … وبعزِّ عزمك ذلَّت الأعداء
سُقياً لأمتك التي طابت لهم … ينبؤِهم بين الورى الأنباء
وهو ذو الحجَّة والشُّلطان، والعلاَمة والبُرهان، وربُّ اللّواء والقضيب، وراكب النَّاقة والنَّجيب، وسيِّد ولد آدَم، والمُهيمِن والفاتح والخاتَم، والمصطفى والمجتبى والكريم، وأبو القاسم وأبو إبراهيم، والنبي الأمي والهادي والنُّور، والعروة الوثقى التي من تمسَّك بها نال الغِبطة والسُّرور، والبَارَقَلِيط، وهو الذي يفرُقُ بين الحقِّ والباطل، وحِمطاما، ومعناه حامي الحُرم بالمُرهِفات والذَّوابل.
ولعمري إنَّها أسماء على مُسمَّى جليل، وألقاب عَلَت بذي فضل أثير وقدر أَثيل، فمنها ما ورد في حديثه الصَّحيح، ومنها ما ذكر في القرآن الكريم باللَّفظ الضَّريح، ومنها ما جاء في الثَّوراة والإنجيل، ومنها ما عُرف من الكتب البعيدة عهدها من التَّنزيل، ومنها ما سمَّاه الله تعالى به من أسمائه الحسنى، وفي ذلك ما فيه من التعظيم الأسمى والتَّشريف الأسنى.
أسماؤه وسماتُه معلُومة … عند الرُّواة وعُرقُهُ معروف
وخلالُه مأثُورة وخصالُه … مسطُورة وجَلالُه موصُوف
أكرِم به خِرقا عِطاف نواله … أبداً على قُصَّاده معطوف
برا أمينا صادقا صدقاته … المن عنها والأذى مصروفُ
مني عليه تحيَّةٌ مِسكِيَّةٌ … بفناء طَيْبَة طِيبها معكوف
١٣ - فصل: في معجزة القرآن الکريم
اعلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم -له معجزاتٌ أدلَّتُها قاطعه، وكراماتٌ لأنواع الغرائب جامعه، وكلماتٌ صادعة صادقه، وآياتٌ للعادات خارقه، رآها في محافل المسلمين الجم الغفير، ورواها الثِّقاتُ عن العدد الكثير، لا تزداد مع تقادُم العهد إلاَّ ظُهُوراً، ولا يُبدي سراجُها مع اجتهاد الملحد على إطفائه إلاَّ نُوراً.
فمن مُعجزٍاتِه: ما جاء به من القرآن المجيد، المنزَّل عليه بالحقِّ من حكيم حميد، الذي عَقَلَ بحُسن تأليفه العقُول، وأناف بالتئام كَلِمِهِ علی كُلِّ مَقُول، وأخرس بإيجازه فُصحاء العرب، ورمى بلغائهم من إعجازه بجِراب الحَرَب، وخرق عاداتهم بأسنَّة بلاغته، وأوقعهم في الحصر بسعة فصاحته، على أنَّهُم كانوا فرسان الكلام، وزعماء أرباب النِّثَار والنِظام، لا يشكُّون أن البيان طَوعُ مُرادهم، وأنَّ الحكمة جاريةٌ في ملك سَعدهم وسعادهم، كانوا ذوي فصاحة ومِقْوَلٍ، مُستملَح الأوصاف والنُّعوت، لكن أتاهم بالضَّواب ناطقٌ ألقاهم في علَّة الشُّكوت.
يا له كتاباً أحكمت آياتُه، وفُصِّلت كلماتُه، وبهرت مطالعه، وزهرت مقاطعه، وقهرت جوامعه، وظهرت بدائعه، وأنارت زُجاجة براعته، وأضاءت دیباجة عبارته، ورَست قواعد إيجازه وإعجازه، ورَقَت وطائد حقیقته ومجازه، واعتدل حسن نظمه، وزها ثمَرُ حِكمِه وحُكمه، واتَّسَقت عقُود فرائده، واطَّردت أنهارُ فوائده، وحسُن ترصيعُه وترصيفُه، وخُصَّ بالبيان والبديع تأليفُه. وجمع بين نضَاعة الألفاظ وقُوَّة الجزالة، وأقام من بلاغته على وجُوه العجز عنه أوضح الدَّلالة، وأدهش النَّواظر بطلاوته، وحرَّك الألسُن بوصف حلاوته، وحيَّر الأفكار فَنُّه العجيب، وسَلبَ الألباب أسلوبُه الغريب.
واشتمل على العلوم والمعارف، وذكر الشّرائع القديمة وأخبار القرون السوالف، وأنباء الأمم الخالية، وسَرد القصص الماضية، وشرح أحوال الدَّار الآخره، ونشر ما انطوت عليه الكُتب الغابرة، وبدء الخلق وإعادتهم، وأسباب شقاوتهم وسعادتهم، والتَّبيه على طُرق الحجج العقلية، والرد على الفرق بالبراهين البيّنة والأدلة القطعيَّه، وكشف أسرار المنافقين وأهل الكتاب، وتوبيخهم على الكذب والعدول عن الضّواب، إلى غير ذلك من النواهي والأوامر، والموانع والزَّواجر، والسِّير والأمثال والتَّحريض على القتال، والمواعظ والحكم، ومحاسن الأداب والشِّيم، والوعد والوعيد والتَّنزيه والتَّوحيد، والتقريب والترتيب، والترغيب والترهيب، والرّوعة التي تعتري القلوب عند سماع قراءته، والهيبة التي تطرق الأسماع لدى تلاوته.
كتاب يخص المؤمنين بوعظه … ويُحيي قلوب العارفين بوعظه
ويُهدي سنا هَدي لتالي حروفه … ورامِقَها بين الرقوق بلحظه
لقد حارت الأفكارُ في حسن نظمه … فسقياً لمن يقفو مناهج حقه
وما وسرِّ معانيه وجوهر لفظه … ورَعياً لعبدٍ عاد من أهل حِفظه
وكم حوى مجموعه وحاز، نوعاً من أنواع الإعجاز، قصرت العرب عنها، وعجزت عن الإتيان بواحد منها، إذ كانت خارجة عن قُدرتهم، مُباينة لكلامهم وفصاحة ألسنتهم، وما منهم إلاَّ من بذل جُهده، واستنفذ جميع ما عنده، وقصد إطفاء نُوره، واجتهد في إخفاء ظُهوره، فما جَلَوا خبيئةً من بَنَان شفاههم، ولا برزوا بقطرة من معين مياههم، مع طول المدَّة وكثرة العدد، وتظافُر الوالد ولد، بل أُبلسُوا فما نَبسُوا، وجلسُوا صاغرين لما أيسُوا.
ثم إنَّه لا يُعدُّ من سعى من المعطِّلة في تعطيله، ولا يحصى من ثابر من المُلحِدة على تغيير مُحكَمه وتبديله، وأجمعوا كيدهم وقولهم، واستفرغوا قُوَّتهم وخيلهم، فما قدِرُوا على تحويل كلمة من تأليفه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حرُوفه، لأنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظه، ومنع من التعرُّض إلى شيء من لفظه.
وبالجُملة؛ فلم يوجد قبله ولا بعده له نظير، ولا استطاع أحدٌ مماثلة فصل منه طويل ولا قصير، بل حارت فيه العقول وتدلَّهت فيه الأحلام، وجفَّت عند معارضته [الصّحف]، ورُفعت الأقلام، وهو من باب الخوارق الممتنعة عن البدو علوم هذا الشان، وأرْهَفَ خَاطِرَه الخطَّار أدبُ صناعة اللسان.
تبّا لآراء ذي عِناد… لا يهتدي خاسرِ التِجاره
يريدُ إطفاءَ نورِ ذكرِ … اللهِ ربُّ العلى أناره
قد خاب من رام أن يُغشِّي … حلاوةَ الحقِّ بالمزارَه
يا ويله من لهيب نار … وَقُودُها النَّاس والحجاره
وهو الذِّكرُ الحكيم، والقرآن الكريم، والفوزُ المبين، وحبل الله المتين، والرَّبيع للقلوب، والماحي للذُّنوب، والنَّافع الشَّافي، والكافل الكافي، والنَّجاة لمن تبعه، والهدى لمن قرأه أو سمعه، ينفِرُ عنه الذين أذهب الشرك لُبَهُم، وتقشعرُّ منه جلود الذين يخشون ربَّهم، يُؤتى تاليه طلاقةً وبشاشه، ويُكسِب قارئه ارتياحاً وهشاشه. لا يَمَلُّهُ القارئ ولا المستمع، ولا تحصي الألسُن ثناءً على فضله المجتمع.
حجَّتُه قاهرة ودرجتُه عليا، وآيتُه البيّنة باقية ما بقيت الدنيا، لا يزال غضًّا طريًّا، ولا يبرح عذباً شهيًّا، تكريرُه يزيدُه حلاوةً ظاهره، وترديدُه يُوجبُ له المحبَّة الوافرة، يُستأنسُ به في الخلوات، ويستلذُّ بترتيله في الصَّلوات. لا تفنى عجاتبه، ولا تنطوي غراتبُه، ولا تنقضي عبرُه، ولا تضمحلُّ دُررُه، ولا يبلى على كثرة الردِّ جدیدُ وصفه، ولا يأتیه الباطل من بین يدیه ولا من خلفه، من قال به ضدق، ومن رمی به حَرَق، ومن حكم به عَدَل، ومن قَسَم به برِئ من العَذَل، ومن عمل به حصل على الأجر العظيم، ومن تمسَّك به هُدي إلى الضِّراط المستقيم.
تمسَّك بحبل الله أعني كتابه … وقِف عنده فهو المجيد المعظَّمُ
يُبشِّر أهل الصالحات بنعمة … وفضل ويهدي للتي هي أَقوَمُ
ويُنذِر أقواماً عن الحقِّ أعرضُوا … وبالعدل والإنصاف يقضي ويحكُمُ
به نزل الرُّوح الأمين مُنجَّماً … على خير مبعوث يَرقُّ ويرحمُ
محمَّد الهادي الذي بجنابه … يلوذ فصيحٌ في المعاد وأعجمُ
عليه سلامٌ من سلامٍ مُهيمن … مدى الدَّهر لا يفنى ولا يتصوَّمُ
١٤ - فصل: في انشقاق القمر وحبس الشمس وتكثير الماء
ومن معجزات رسُول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أهل مكة سألوه أن يُريهم آيه، وذلك لقلَّة اليقين وكثرة الغِوَايه، فأراهم انشقاق القمر فِرقَتين، حتى رأَوا حِرَاء بينهما عَلَّماً بين شُعلتين، وقال اشهدُوا وهم حينئذ بمُنى، فانصب على أعدائه الأذى كما حصل أصحابه على المُنى؛ فجعلها أبو جهل من حُمقه سحراً، وقال ابعثوا إلى أهل الآفاق طُرا، فأخبر أهلُ الآفاق أنَّ معجزته كانت حقًّا، وأنهم عاينُوا القمر تلك الليلة مُنشقًّا.
ومنها أنَّ الشمس رُدَّت لعلي بدُعائه، وكلاهما زهرة من أرضه وقطرة من سمائه، طلعت بعدما غَرَبت، وشَبَّت نار ذهابها بعد أن ذهبت، ووقفت على الأرض وَقفَةَ ممتثل لما يُؤمر، وذلك بالصَّهباء في خيبر، وحُبست بدعائه الشَّمس ساعة وقريش ينظرون، وزِيد له في النَّهار بعد أن اكتحلت بالقار منه الجفون.
وجرت هذه الكرامة التي ليس لها نظيرّ، في واقعة الرُفقة والعلامة التي في العیر، وکان الغمام يُظلُّه حیث سار، وفيء الشّمس یدور معه کیف ما دار.
سبحان من أيد خير الورى … بمعجزات خارقات غِزّار
وأمسك الشَّمس له ساعة … وردَّها طوعاً وزاد النهار
وشقَّ بين الناس بدرَ الدجى … شقًّا أولوا الألباب فيه تحار
هذا عطاءٌ لمن اختاره … من هاشم من مُضر من نِزَار
ومنها أنَّ النَّاس التمَسُوا الماء فلم يصِلوا إليه، فطلب فضل ماء وصبَّه في إناء وُضع بين يديه، ثم إنه عليه السَّلام وضع فيه كفَّه الميمون، فجعل الماء يفُور من بين أصابعه كأمثال العيُون، فتوضَّأ الناس عن آخرهم وكانوا ألفاً وخمس مِئين، ولو كانوا مائة ألف لكفاهم ببركة يمين من لا يَمين.
وأقبل النَّاس في غزوة تبوك إلى العين، وهي تَبضُ بشيء من الماء دون عُشر القُلَّتين، فغسل منه وجهه ويديه، ثم أمر بإعادة الغُسالة إليه، فجرت بماء كثير ارتوى منه الجيش، وزال ببركته الظّمأ وطاب العيش.
وورد النَّاس بئر الحُدَيبيَّة، وهم إذ ذاك أربع عشر مايه، فلم يتركوا منها قطرة، وأذهبوا قُلَّ مائها وكُثرَه، فقعد على حَبَاها، ودعا لها واستدعاها، فجاشت كبحر طما أو غيث هتَن، فرُوي الناس حتى ضربوا بعَطَن.
مِن کَفِّ مختارِ الكَفَاف محمَّد … خير الورى نَبَعَ الزُّلالُ الطَّاهر
رؤى من الماء القليلِ جيُوشَه … حيث الأوام له دليل ظاهر
ومن العيُون النَّاضِبات سَالَ ما … هو للعيُون من العساكر باهر
لا غرو أن يجري لدیه معِینُه … ومُعينُه الملك العزيز القاهر
وشكا النَّاس إليه العطش في بعض الأسفار، فدعا بالميضأة وجعلها من ضِبنِه في محلّ الإزار، ثم التقم فَمَها فحلَّت عليها البركة والشَّعاده، فشرِب منها الناس وملؤوا آنيتهم وكانوا سبعين رجلاً وزياده. وأمَّا الحديث المروي عن عِمران بن حُصين، في قضية المرأة والبعير والمَزَادَتَين، وما شرب الناس من مائها عند الظَّمأ في السَّفر، فهو حديثٌ يعرفه الثِقات من أهل العلم والأثر.
ولقد أصاب الناس شدَّةً من العطش في جيش العُسره، حتى إن الرجل لينحَرُ بعيره فيشرَبُ عصير فَرثه من فرط الحَرَّه، فرَغِب أبو بكر رضي الله عنه في الدُّعاء إليه، فرفع - زاده الله شرفاً لديه - يديه، فلم يرجعا حتى أتت السَّماء من دِيَبها بما لا يُحصر، فملؤوا ما معهم من الآنية ولم يجاوز العسكر. وعَطِشَ أبو طالب وهو رديفُه بذي المجاز، وليس هناك ما يُملَكُ ولا يحَاز، فنزل وضرب الأرض بقدميه، فخرج الماء يفُور ببركته صلى الله عليه.
قِف سائلاً أرض المجاز وما … جرى منها وسال بجانب المنهاج
وسَلِ الحُديبية النَّزوحةِ بئرُها … وتبوكَ عند تلاطُم الأمواج
وبقاعٍ جيش العُسرة اللأَّتي هَمَت … بركاتُ ماء سمائها الثجاج
تخبرك عن آيات أشرف مُرسَلٍ … ركب البراق وسار للمعراج
صلى عليه الله ما ذهب الدُّجى … وأتى الضُّحى بسِراجه الوهَّاج
١٥ - فصل: في تكثير الطعام بیرکته صلى الله عليه وسلم
ومن معجزاته [أنه] أطعم سبعين رجلاً من أقراص شعير، كان أنس قد جاء منها تحت إبطه باليسير وهو يسير، بعد أن تقبَّلها بالقبول، وقال فيها ما شاء الله أن يقول. وأطعم يوم الخندق باتِّفاق الحُذَّاق ألف رجل من صاع شعير وعَناق، بعد أن بصق وبارك في العجين والبرمه، والقصّة معروفة من حديث جابر تغمَّده الله بالرحمة. وصنع أبو أيوب له عليه السَّلام، ولأبي بكر معه زُهاء ما يكفيهما من الطَّعام، قال: فأجبت أمره ودعوت الأنصار مُمتثِلاً، فأكل من طعامي يومئذ مائة وثمانون رجلاً، وأتي بقصعة فيها لحم فتعاقبها الصَّادرون والواردون، ولم يبرَحوا من الغداة إلى العَشِيٍّ يقوم قوم ويقعد آخرون.
وصُنعت شاة فشُوِي سواد بطنها لديه، وكان معه ثلاثون ومائة من أصحابه صلى الله عليه، قال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما في حديثه المشهُور: وأيم الله ما منهم إلاَّ وقد جَزَّ له جَزَّةً من السَّواد المذكور.
يا مُطعم المسكين والأسير … وجابز اليتيم والكسير
ويا جواداً زَادَ زَادَ ضَحبه … ومن قليل جاء بالكثير
من ذا الذي يُنكر ما تأتي به … يا رحمة المهيمن القدير
كم آية جئت بها بيِنة …ليس لها في الخلق من نظير
وأصابت الناسَ مخمصةٌ في بعض مغازيه، فجمع من الأزواد ما رَبضَة العَنز تُوازيه، ثم دعا النَّاس بأوعيتهم الخليَّه، فلم يبق في الجيش وعاء إلاَّ مُلئ وفَضَلَت بَقيَّه. وأمر أبا هريرة أن يدعو له أهل الصُفه، فتَتَبَّعهم حتى جمعهم ووُضعت بين أيديهم صحفه، يا لها ضَحفة تخجل من جفناته الغرُّ في الضُّحى لمعت، أكلُوا منها ما شاؤوا وفرَغُوا وهي مثلُها حين وُضعت، وسقى جميعهم في وقت من قدح لبن، فرووا منه حتى كادوا أن يضربوا بعطن.
وجمع بني عبد المطلب وكانوا أربعين، فصنع لهم مُدًّا من طعام فأكلوا وشربوا أجمعين، ودعا بعُِسّ فشرِبوا حتى بلغوا من ريِّهم المَطلَب، وبقي الطَّعام والشَّراب كأنه لم يؤكل ولم يُشرب. وأمر مرَّةً عمر بن الخطاب، أن يُزَوِّد أربع مائة من الرِّكاب، وعَيَّن له تمرأ قدر الفَصِيل الرّابض، فأعطى منه كُلاًّ منهم ما سار وهو به راض وعليه قابض.
أفاد صِحابه خَيراً ومَيْراً … وقد جاؤوا بأوعية خليّه
وأطعمهُم كثيراً من قليل … وأرشدهم إلى الطُّرق الجليَّه
وأتحف من دنا منه ووقَّى … إليه من الهداية بالهديَّه
وكم للمصطفى من مَكرماتٍ … تفيد ومن كرامات عَلِيَّه
وحديث مِزود أبي هريرة معروف، وما حصل فيه من بركة يده الكريمة موضوف، أطعم منه الجيش وجماعة من صحبه، وحمل من ثمره كذا وكذا وَسَقاً من سبيل ربِّه، وآثرَ الناس منه مُدَّةً من الزَّمان، واستمرَّ على ذلك إلى أن ذهب منه في قتل عثمان. وخبر جابر مع غرماء أبيه مذكور، وتكثير التَّمر عند وفاء ديُونهم بدعائه مسطُور.
وقصَّة قِدر فاطمة سيَّدة نساء العالمين، وفَيضه بعد أكل الجمع الكثير منه لا يخفى عند أئمَّة المحدثين، وكذا حديث وليمتها بالأمداد والجَزُور، وما فضُل من بعد أكل النَّاس كافة مأثُور.
ولمَّا ابتنى بزينبَ أمر بأن يُدعى له النَّاس، ويُقدَّم إليهم مُدَّ من تمر بعد أن يُحاس، فجعلوا يأكلود، ويخرجون زُمَراً زُمَراً، قال أنس: وكان القوم أكثر من سبعين نفراً، بل كانوا زُهاء ثلاثمائة في رواية أخرى، وهذا سهل لديه، صلى الله عليه، ولو كانوا عدد جیش كسرى.
أنس ونجل عَتيقِ العدل الرِّضى … وأبو هريرة وابن خطاب وعُمّر
وكذا أبو أيوب يَتبَع جابراً … كلٌّ روى ما قد رواه من الخبر
ذكروا الطعام وما تزايد فيه من … بركات من بدعائه نزل المطر
هو أحمد رب القراة والقرى … صلى عليه الله ما طلع القمر
١٦ - فصل: في كلام الشجر والحجر وطاعتها له
ومن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ المسجد كان على جُذوع نخل مسقُوفاً، وكان إذا خطب يلازم في قيامه جذعاً منها معرُوفاً، فلما صُنع منبرُه العليُّ الدَّرَج الرّفيع المنار، سَمِع الناس لذلك الجِذع صوتاً كصوت العِشار، حتى ارتجَّ المسجد بخُواره، وكثُر البكاء لتصدُّعه وانكساره، فوضع يده الكريمة عليه فسكت، والتزمه لمَّا علم حنينه إليه فصمت، ولو لم يلتزمه أعلى الله مقامه، لبقي كذلك إلى يوم القیامه.
وفي رواية: أنه دعاه فجاء يخرِق الأرض طائعاً، فالتزمه ثم أمره فعاد إلى مكانه راجعاً، وفي أخرى: قال له: إن شئت أن أرُدَّك إلى ما كنت فيه مع الشَّجر، تُنبت عرُوقك ويكمُل خلقُك ويجدَّد لك خوص وثمر، وإن شئت أغرسك في الجنَّه، فقال: بل تغرسني فيها ولك المنَّة، رغِب لسعادته في دار البقاء، واختارها لخيرها على دار الفناء. وفي رواية: فأُمر به فدُفِن تحت منبره ليصلي إليه، فلمًّا هدم المسجد أخذه أبي فکان عنده رحمة الله علیه.
الجذع حنَّ إلى الرسول المصطفى … بالله أُقسِم أنَّه مَعذُور
قد كان حالَ القُرب من أنواره … في نعمة إقبالها مأثور
فغدا لفُرقة بدره مُتصدِّّعاً … يُبدي الأنين وقلبه مكشور
من ذا الذي يقوّى على هجران … من بين البريَّة فضلُه مشهُور
وخرج إلى نواحي مكة في بعض الأيام، فما استقبله شجر ولا حجر إلاَّ شافهه بالسَّلام، ولما أتى جبريل بالرِّسالة المُعظَّمة إليه، جعل لا يمرُّ بحجر ولا شجر إلاَّ سلَّم عليه.
وأمَّنت الأبواب والجُدران على دُعائه، وكان كُلُّ من الحجر والشَّجر يسجُد له إذا مرَّ بإزائه، وعرض الإسلام على بعض الأعراب، فقال من يشهد لك على ما تقول بالصَّواب، فأشار إلى سَمُرَة بشاطئ الوادي، فأقبلت تَخُدُّ الأرض بحضرة الحاضر والبادي، حتى قامت بين يديه فشهدت، ثم صدرت إلى مكانها بعدما وردت.
وسأله أعرابي آية تكون له سبباً للهداية فأمره بدعوة بعض الشَّجر، فأقبلت الشَّجرة مُمتثِلة لما أمر، فسلَّمَت عليه، ووقفت بين يديه، ثم رجعت بإشارته إلى منزلتِها، وكم له من آية منقُولة عن مُثبتها. وذهب يقضي حاجته في بعض الأحيان، فلم ير شيئاً يَستتر به عن العَيَان، فلحقت بصاحبتها إحدى شجرتين، وعادتا على شخصه الكريم مُلتثمتين، ثم افترقتا بعد الاتِفاق، وقامت كُلُّ واحدة منهم على ساق.
إذا جاء الجمادُ إليه طوعاً … وخاطبه فلا تعجب لذَاكا
أتى يبغي التَّدَاني من نبي … علا مقداره وسما السِّماكا
رسولَ الله أفلح من ترامى … عليك وفاز من وافى حماكا
وفي ناديك من حُلَّت حُباه … تلَفَّع بالملابس من حباكا
وذهب لحاجته في بعض مغازيه، وأسامة بن زيد صحبَته يُناجيه، فأمره أن يدعو له نخلات وحجاره، ليكنَّ له بمنزلة الوقاية والسِّتارة، فتقاربت النَّخلات حتى عُدن لِزاماً، وتعاقدَت الحجارة حتى صِرن خلفهنَّ رُكاماً، فلمَّا قضى حاجته من منافعِهنَّ، رجعن بإشارته إلی مواضعهن.
وجاءت للسَّلام عليه طَلحةٌ أو سمُرَةٌ من قبل نفسها، فأطافت مُلِمَّة به ثم رجعت إلى مَنبت غرسها. ومن حديث ابن مسعود رضي الله عنه إن الجنَّ قالوا: من يشهد لك بما عنه تدافع؟ قال: هذه الشَّجرة! فجاءت تجرُّ عزوقها لها قعاقع.
وسار في غزوة الطَّائف ليلاً، وقد أسبل الوَسن من جفنيه ذيلاً، فاعترضته سدرةٌ فانفجرت له نصفين، واستمرَّت باقية راقيةً قائمةً على ساقين. ودعا ببعض الأودية غصناً من شجره، فجاء يخطُّ الأرض مُطيعاً لأمره، فحبسه بمشيئة من أعطى ومنع، ثم قال له: ارجع كما جئت فرجع.
وقصد هداية أعرابي إلى السبيل، فدعا بحضرته عَذقا من النخيل، فجعل يَبقَر حتى أتاه، ثم رجع بأمره إلى مكانه ومثواه.
١٧ - فصل: في كلام الحيوان والجماد وطاعتها له
ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّ الضبَّ كلَّمه في محفل من أصحابه، وقال له: لبَّيك وسَعدَيك يا زينَ من وافى القيامةَ حالَ خطابه، ونطق بربوبية إله الأؤَّلين والآخرين، وشهد أنه رسول ربِّ العالمين وخاتم النبتِين.
وأخبر الذِّئب راعي الغنم بنُبوَّته وعظمته، وقتاله للمشركین حینئذ وعلوِّ کلمته، فحكَّمه الراعي في غنمه، ومضى لتحقيق صدق كلمه، فوجده في القتال كما قال فأسلم، وعاد واجداً غنمه على أكمل الأحوال. وسبَّح المأكل بين يديه بلُغةٍ فصيحه، قال ابن مسعود: كُنَّا نأكل معه ونحن نسمع تسبيحه، وأخذ كفًّا من الحصى فسبَّح في يده، وهو حديث رواه الثقات عن أنس بسنده. ومرض فجاءه جبريل بطبق فيه عنب ورُمَّان، فلما أكل منه سبَّح للملك الديَّان.
يا خاتِماً خاطبه ضَبُّ الفَلا … وأخبر الذِّئب به راعي الغنم
لولاك ما غاب العدا لولاك … ما آبَ الهُدى كَلاَّ ولا أمّ الأمم
أقسم يا رب القُسام المجتلى … إنَّك خير النَّس عُرب وعجم
وكان حول البيت ثلثمائة وستُون صنماً، أرجُلُها مُثبتةٌ بالرَّصاص إثباتاً مُحكماً، فلمَّا دخل عام الفتح إلى المسجد الحرام، جعل يسير بقضيب في يده إلى تلك الأصنام، فوقعت لظهورها ووجوهها حسب إشارته، وكم له من آية بيّنة تدل على كثرة فضله وغزارته. وكلام ضِمار صنم عبَّاس بن مِرداس، وإنشاده للشِّعر الذي ذكره لا شكَّ فيه ولا التباس، وكذا كلام الذي عند ضِمار سقط، وشهادته برسالته غير خاف عمَّن روى وضبط.
وسجدت له الشَّجر في حائط بعض الأنصار، والبعير برك بین يدیه ومن الذبح به استجار.
أشار إلى الأصنام في فتح مكة … فخرَّت وعاد البيت منها مُطهَّرا
وأخبر عن إرساله الطَّائرُ الَّذي … أفاد ضِماراً ما أسرَّ وأضمرا
كمالاتِ معروفٍ المكارم عَارفٍ … يفوق الورى فضلاً وخُبراً ومخبرا
وحديث ناقته العضباء وكلامها له مشهور، ومبادرة العشب إليها وتجنب الوحوش عنها في الكتب مسطور، على أنها بعد وفاته ما اقتاتت، ولم تأكل ولم تشرب حتى ماتت. وأظلَّته حمام مكة يوم فتحها، وازدلفت إليه البُدنُ في بعض الأعياد لذبحها، ونبتت بأمر الله تجاهه شجرة ليلة الغار، ونسجت العنكبوت ووقفت الحمامتان ستراً له من الكفار.
واستجارت به الظَّبية المُوثقة في الحبالة، وخصَّته بياء النِّداء في البَيداء شاهدةٌ له بالرِّسالة، وسألته إطلاقها لتُرضع خِشْفَيْها، ثم تعود، فعاهدها وأطلقها فغابت ثم أتت مُوفِيةً بالعهود، فلما عادت أوثقها نظراً في حال الصيَّاد، ثم أعتقها بإذنه لما استيقظ من الوقاد.
حام الحَمَام عليه إجلالاً له … وبه استجارت ظبية القنَّاص
شهدت بمبعثه وأبدت … شَجْوَها بلسان لاَ هَذِرٍ ولاخَرَاص
آياتُ حَقٍّ حار كُلُّ مُؤرِّخ … في حصرها ومحدِّث قصّاص
وتنحَّى الأسد عن طريق مولاه سفينه، حين عَلِم أنه مُجهَّزٌ من حضرته العالية المكينة، وقصّة الحمار الذي كلَّمه حين أصابه بخيبر، وذكر أن اسمه يزيد بن شهاب معروفةٌ لا تنکر.
وشهدت النَّاقة عنده على مُدَّعيها بإفكه، واعترفت أن صاحبها لم يسرقها وأنها جارية في مِلكه، وأتت إليه عَنزّ في عسكره المنصور، وذيل الماء على منزلهم غير مجرور، وهم زُهاء ثلثمائة بالعطش محصورون، فحلبها ورؤَاهم ثم انطلقت وهم لا يشعرون.
وأمر فرسه وقد قام للصَّلاة بالوقوف، فما حرَّك عُضواً حتى فرغ من صلاته وتفرَّقت الصُّفوف، وكان الدَّاجن في بيته يَقِرُّ ويثبت إذا دخل إليه، ويجيء ویذهب إذا خرج منه صلی الله علیه.
١٨ - فصل: في كلام الموتى والأطفال وإبراء ذوي العاهات
ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الشَّاة المَصليَّه، التي بخيبر أهدتها له اليهودیَّه، أخبرته بأنَّها مسمومة، وأنَّ عاقبة الأكل منها مذمُومة، فمات بشر بن البراء، وهو أحد من أكل منها، وفي رواية: أنَّ ذراعها أو فخذها تكلَّم عنها. ثم إن اليهوديَّة اعترفت بما عملت، فأمر بها فقُتلت.
وأتني بغلام يوم ولادته، فنطق بين يديه شاهداً برسالته، ولم يتكلم الغلام بعدها حتى شبَّ، وليس ذلك بمُستَنكَرٍ بعد كلام الظَّبية والضَّب. وانطلق مع الرَّجل الذي طرح ابنته بالوادي، فناداها باسمها فخرجت وهي بتلبيته تنادي، فقال إن أحببت أن أردك على أبويك فقد أسلما، قالت: لا حاجة لي بهما، وجدت الله خيراً لي منهما.
وأمَّا حياة الشاب الأنصاري الذي مات، وما دعت به أمُّه العجوز العمياء من الدَّعوات، وما ذكرته من هجرته إلى الله ورسوله، فعن أنس نقل حديثها من لا يُرتاب في نقوله.
وتكلَّم ثابت بن قيس حين أدخل في قبره فشهد له بالرسالة، وذكر اسمه السَّامي نجمُ قدره وكان قد قُتِل باليمامه، تغمَّده الله بالرّحمة والكرامة.
وتكلَّم أيضاً زيد بن خارجة بعد وفاته، فذكر اسمه الكريم ورسالته المعظّمة وبعض صفاته، وسلّم علیه بأفصح لسان، ثم عاد ميتاً كما كان.
تكلمت الموتى بحضرة أحمد … وخاطبه في يوم مولده الطِّفلُ
وما ذاك بذعاً بعد تكليم بعضهم … لعيسى كما وافى إلينا به النقلُ
وقد أخبر الرحمن أن محمَّداً … على سائر الوُّسل الكرام له الفضلُ
هو المُصطفى المختار والشَّاهد الرضى … هو المُنعمُ الوهَّاب والحكمُ العدلُ
وكان قتادة أسكنه الله بحبوحة جنّته، قد أصيبت عينه يوم أحد حتى وقعت على وَجنَته، فردَّها صلى الله وسلم عليه، فكانت بعدُ أحسنُ عَينَيه. وأصيب وجه أبي قتادة بقدح من القِداح، فبصق على جرحه فما ضرب ولا قاح، وتشفَّع به إلى الله بعض العميان، [فرد الله عليه بصره وعاد أحسن ما كان].
وابن مُلاعب الأسنة نهكه استسقاء طرأ عليه، فشُفي بحثوة من الأرض تفل عليها وجهَّزها إليه، ولما ابيضَّت عينا فُويكِ وذهب نظره، نفث في عينيه صلى الله وسلم عليه، فارتَدَّ إليه بصرُه، حتى يُدخلُ الخيط في الإبره، والقوم يرفعون إلى ثمانين حِجَّه.
ورُمي كلثُوم بن الحُصين يوم أحدٍ في نحره، فبصق فيه فبرأ بأمر من لا رَادَّ لأمره، ولم تَمِدَّ شَجَّة عبد الله بن أُنيس، حيث تَفَل عليها من شَهِد بنبُوَّته أُوَيس، وفي عيني علي نفث يوم خبير، فأصبح رَمَدُه [كأن] لم يكن شيئاً یُذکر.
كَفُّ رشول الله كم أبرَأَت … عيناً وأجرت في الفلا من عيون
وكم سَقيم مُدنِفٍ صيَّرت … تحريك ما أسقمه في شكون
واسأل فُديكاً إن تشأ أو فسَل … قتادة تظفر بسزٍ مضون
واعلم بأنَّ الصَّادق المجتبى … أصعب مِن هذا عليه يهُون
ونفث على ساق سلمة بن الأكوع، فبرأت من ضربة أصابتها في يوم هو سمَّاه يوم الوُضَّع. وأصاب رِجل زيد بن معاذ السَّيف، فبرأت بنفث مَن ببركته يذهب الجَنَف والحَيف.
وانكسرت يوم الخندق ساق ابن الحكم، فنفث عليها فبرأ مكانه ولم يحصل له ألم.
واشتكى علي فدعا له ثم ضربه برجله، فلم يعد إليه ذلك الوجع من أجله.
وقطع أبو جهل يد مُعوِّذ بن عفراء يوم بدر، فبصق عليها وألصقها بإذن من شرح له الصَّدر، وضُرب خُبيب على عاتقه فتهدَّل شِقَّه ومال، فنفث علیه، وردَّه إلى ما كان عليه قبل القتال.
وبرأ صبي الخثعميَّة بغُسالة يديه، وعَقَل عقلاً كثيراً ببركته صلى الله عليه.
وانكفأت القدر على ذراع أبن حاطِبٍ وهو صغير، فمسح عليه ودعا له فبرأ لوقته بإذن اللّطيف الخبير.
وكان في كفّ شُرَحبيل سَلعَةٌ منعته القبضة على السَّيف وضيَّقت ذرعه فما زال يَطحنُها بكفه حتى ذهبت، وزال أثرها ببركة يده التي كم أبرأت وكم وَهَبت.
وأبرأ غير واحد من ذي جِنّة وذي وَصَب، ولم يُؤت بأحد به مَسِّ فصكَّ في صدره إلاَّ ذهب.
يا من له الرُّتب العليَّة والحسب … يا من حوى شرف المغارس والنسب
دعواتك اللاتي نمت بركاتها … كم أذهبت ما كان يفضي للعطب
من ضربةٍ عند النزال وطعنة … تأتي ومن مسٍّ يصيب ومن وصب
أنت الذي بلغ المنى من عُدَّ من … خُدَّام سُنَّتك الشَّريفة والأدب
صلى عليك مُدبِر الأكوان ما … ظهر الضِياء من الغزالة واحتجب
١٩ - فصل: في دعائه المستجاب
ومِن معجزات النبي صلى الله عليه [وسلَّم] سلاماً لا تفنى مَوادُّ مَدَدِه، أنَّه كان إذا دعا لرجل أدركت الدَّعوة ولده وولد ولده، دعا لأنس بالبركة وتكثير الولد والمال، فلم يُعلم أحدٌ نال من كثرة الولد ورخاء العيش ما نال، تمتَّع بالمال الکثیر في سلمه و[في] حربه، ودفن بیدیه مائة ولد من صلبه.
ودعا بالبركة لعبد الرحمن بن عوف، فطافت الأموال حول بيته أجزل طَوف، حتى تصدَّق مَرَّة بعِيرٍ، فيها سبع مائة بعير، وأطلق جَزلاً وأنجز وعداً، وأعتق في يوم ثلاثين عبداً، وظهر في تركته من الذَّهب ما ثَقُل حِملاً وعزَّ وصفاً، حتى أخذت كُلُّ زوجة من أزواجه الأربع ثمانين ألفاً.
ودعا لمعاوية بالتَّمكين في البلاد، فنال الخلافة وحكم في الطَّريف والثِلاد، ودعا لسعد بن أبي وقاص بإجابة دعوته، فما دعا لأحد بعد إلاَّ استجيب له ببركته، واستجيب له في عمر، وعَزَّ الإسلام به من ربِّ البشر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: مازلنا أعزَّةً منذ أسلم عمر رضي الله عنه.
وقال للنَّابغة: لا يفضُض الله فاك، فأدرك بدعائه غايةً تعلو على الأفلاك، وعُمِّر وكان أحسن النَّاس ثغرا، كُلَّما سقطت سِنٌّ أنبت الله له أخرى.
ودعا لابن عبَّاس بالتفقُّه وتعليم التأويل، فكان بعدُ يُسمَّى حبر الأمة وتُرجُمان التَّنزيل، ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه، فكان يربح في جميع ما يشتريه بنفسه ونائبه وأمينه. ودعا بالبركة للمقداد أيضاً، ففاضت عليه عيون المال فيضاً، ودعا بمثل ذلك لغروة بن الجَعد، فدار بنجوم ربحه الجزيل فلك السَّعد، وكُفي علي كرم الله وجهه الحَرَّ والقَرَّ بدعائه، فكان يلبس في الشِّتاء ثياب صيفه وفي الصّيف ثياب شتائه، وأعطى طفيل بن عمرو آية بدعوته عليه السَّلام، وهي نور يضيء بطرف سوطه في جُنح الظّلام.
هذا ابن عباس به قد غدا … من أحمد بيتِ قصيد الكرام
وعروة بن الجعد من ربحه … في المال فاز بأعلى السهام
والحر والقر علي رأى … حَربهما سِلماً عليه السلام
وأي خير لم يكن أصله … في الفقه والتأويل نعم الإمام
ودعا على مُضر فقُحِطوا ولم يَصفُ لهم عَيش، ثم دعا لهم فسُقوا حين استعطفته قُرَيش، ودعا على كسرى بتمزيق مُلكِه فتَمزَّق، وتشئَّت شَملُ ذِريُّته بل شَمل الفُرس قَاطبةً وتفرَّق. وقطع بعض الصِبيان عليه الصَّلاه، فدعا عليه فأقعد إلى أن أدركته الوفاه، وقال لرجل كُلْ بيمينك فقال لا أستطيع، فلم يرفعها إلى فيه إذ لم یکن لأمره بمطیع.
وأكل عُتبةَ بنَ أبي لهب أسدٌ سيق إليه، حيث دعا بتسليط كَلبٍ من كلاب الله عليه، وقابلته جماعة من قريش بإساءة الأدب، فانقلبوا بعد القتل بدعائه إلى أسوأ مُنقلَب، وكان الحكم بن أبي العاص يغمِز عنده، ويختلج بوجهه حيث يبلغ رشده، فدعا عليه باستمراره على هيئته، فلم يزل يختلج إلى أن نزل بحفرته، ومات ابن جثامة بعد سبع من دعائه عليه، فلمَّا دفن لفظته الأرض مرات ولم تركن إليه. وكم له من دعاء مستجاب في الاستسقاء وغيره، ومن كرامة ظاهرة تدلَّ على تُبُوَّته وعظمته وخیره.
٢٠ - فصل: في انقلاب الأعيان له وتأثير بركته
ومن مُعجزات النبي ، أنه ركب لأبي طلحة فرساً قَطوفاً غير لاحق، فرجع ببركته بحراً لا تجري معه السَّوابق، ونخس لجابر جملاً أفسد اللُّغُوبُ نظامَه، فنَشَط حتى كان لا يقدر أن يملك زِمَامه. وبرّك على فرس جُعَيل فحسنت وصفاً، وباع من بطنها باثني عشر ألفاً، وركب لسعد بن عبادة حماراً به قِطاف، فردَّه هِملاجاً لا يُسايره ذو إِكاف. وكانت في قُلنسوة خالد بن الوليد شعرات من شعره، فلم يشهَد بها قِتالاً إلاَّ أيَّده الله تعالى فيه بنصره.
وكانت المرضى تستشفي بغُسالة ما يلبسه من الثِّياب، وتُعافى بما يُوضع في الآنية المُعدَّة له من الشَّراب، وسكب من فضل وَضُوئه في بئر، فلم يُتحدَّث بعدُ بالنَّزح عنها، وبصق في بثر دار أنس، فلم يكن بالمدينة أعذب منها.
ومرَّ على ماءٍ مِلِحٍ فسمَّاه طَيِبًا فطاب، ومجَّ في بئر زمزم وغيرها ففاح منها ريح الإناب، وكان يتفُل في أفواه صبيان المراضع، فيُجزيهم ريقه إلى أن یجمعهم واللیل جامع.
رسول كم حديث عنه يُروى …جواهرُه شُنُوفٌ للمسامع
نمت بركاتُه وسما سَنَاها … يشير بلامح في الكون لامع
بها الحيوان أضحى ذا نشاط … وزالت عن ذوي السِّقَمِ الموانع
بها عَذُبت مِياة كُنَّ مِلحاً … وصار لها شَدِى كالمسك ضائع
وحديث عُكَّة أم مالك وأمرهٍ لها أن لا تُعصر، وما كانت تجد فيها من السَّمن حتى عصرتها لا تُنكر، وغرس لسلمان عند مكاتبته ثلاثمائة وَدِيَّة، فأطعمت من عامها ببركة يده النديَّه، وأعطاه ذهباً وزن منه لمواليه أربعين أوقيَّه، على أنه كان مثل بيضة الدجاجه وبقيت منه بقيّه.
وسقى رجلاً من سؤره الذي به الأرواح تنتعش، فلم يزل يجد شِبع شَرِبَته إذا جاع وريِّها إذا عطش، وأعطى قتادة عرجُونا في ليلة مُظلمة، فلم يبرح العرجون يضيء له حتى أتى مخيمه، وانكسر سيف عكاشة يوم بدر فأعطاه جذل حطب، فعاد في يده سيفاً صارماً يدني من قاربه إلى العطب، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف، وكان يعرف بالعون بين تلك الطَّوائف.
وذهب سيف عبد الله بن جحش فدفع له عسيباً، وكان يوم أحد فرجع في يده سيفاً خشيباً.
وبركته على الشِّياه الحوامل مأثُورة، ودُرُورُها باللبن الكثير في صحف المحدثين مسطُورة، كغنم حَليمةَ السَّعديَّه، وشاة أمّ مَعبَد الخُزاعيَّه، وأعنُز معاوية بن نَور وشاتي أنس والمقداد، وشاة عبد الله بن مسعود وغيرهم ممَّن لا یحصره التعداد.
لخير البرايا معدن الجود والندى … فضائل آيات وسل أم مالك
وسلم على سلمان واقصد نخيله … تجد حُسن آيات النبي المبارك
وعكاشة اسمع قوله وحديثه … عن الجذل بل عن مرهف الحد فاتك
ولُذ بجناب المصطفی وامش خلفه … تنل جنة محفوفةً بالأرائك
وزؤَد أصحابه سقاء ماء أوكاه ودعا فيه، فلمَّا حلُّوه وجدُوه لبناً طيِّباً ذا زُبدَةٍ في فيه، وبرَّك على رأس عُمير بن سعد، فمات ابن ثمانين ولم يَشِب من بعد.
ومسح على بطن عُتبَة بن فَرقد وظهرِه، فكان يغلب طِيبَ نسائه طِيبُ نشره، وجُرح عائذ بن عمرو يوم حنين، فسَلَتَ الدَّم عن وجهه، فعاد ذا غُرّةٍ كاللُّجَين.
ومسح رأس قيس بن زيد وأشار بالدُّعاء إليه، فعمَّر وابيضَ رأسه خلا ما مرت يده عليه، ومسح وجُوهاً كان عليها نور وجمال، وكثير من العاهات مرَّ ببركته وزال. ورمى يوم حنين في وجوه الكفار قبضة من التُّراب، فانصرفوا مكشورين مأزُورين مُقطِّعة بهم الأسباب، وكان جرير بن عبد الله لا يثبت على الأفراس، فضرب في صدره ودعا له فكان أفرس النَّاس. وشكا أبو هريرة النِّسيان إليه، فأمره ببسط ثوبه وضمه بعد أن غرف فيه بيديه، فما نسي شيئاً مما حفظه بعد ذلك، وكم له من معجزة ليس له فيها من الأنبياء مُشارك.
٢١- فصل: في إخباره صلى الله عليه وسلم بالكائنات
ومِن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم- ما أَطلَعه الله تعالى عليه من الغُيُوب، وما عرَّفه به سبحانه مما ذهب ومما يؤوب، وما أخبر بوقُوعه فوَقَع، وأنه سيكون فَلاَحَ ضوءُ ضُبحِه ولمع.
فمنها: ما ذكر من الظَّهور على أعدائه، وإعلاء أعلام أنصاره وأوليائه، والأمن الموجودُ يُمنُه في الرِّحلة والمُقام، وفتح مكة وخيبر واليمن والعراق والشَّام، ودُنُو أمَّته من الدُّنيا وزهرتها، وتقلَّبُهم في جزيل نُضارها ونضارتها ونضرتها، وقِسمتُهم كنُوز كسرى وقيصر، وأخذهم من الاختلاف بالمكيال الأوفر. وافتراقُهم على ثلاث وسبعين فِرقة، الناجية منها واحدة ليس بينها وبين الحق فُرقة، وأنَّ أحدهم يغدو في حُلَّةٍ ويروح في أخرى، وتوضع الصَّحاف بين يديه تنعُماً وفخراً، وتكون لهم عُدَّة أنماط رحبه، ويسترون بيوتهم كما تُستر الكعبه، وأن ملكهم
يبلغ ما زُوي له من الغرب والشَّرق، وأنه لا تزال طائفة منهم ظاهرين على الحق.
نبيُّ أمانةٍ ورسول صدقٍ … جدير بالنُّبوة والرساله
إذا ما قال قولاً فانتظره… فسوف يكون حتماً لا محاله
إله العرش بالأنوار منه … هدى من شاء من ظُلَم الضَّلاله
وعلم أمة من بعد جهل به … وعلى الورى أعلى مقاله
وما أشار إليه من قِتال الخَزَروالتُّرك، وزوال مُلك فارس والروم بأمر مَالِك المُلك، وقبض العلم وظهور الهَرْجِ والفتن، وذهاب الأمثل فالأمثل وتقارُب الزَّمَن، وملك بني أمية واتخاذهم المال دُوَلاً، وخروج بني العبَّاس لا يبغون عن الملك حوَلاً.
وقتلٍ عليٍّ بعد قتل عثمان، وخروج المهدي في آخر الزَّمان، وما ينالُ أهلَ بيته الأطهار، وما يُلقُونه من القتل والتَّشريد في الأقطار، وأنَّ الزبير يحارب عليًّا، وأنَّ الفتن لا تظهر ما دام عمر حيًّا، وتنبح على بعض أزواجه كلاب الحَوأَب، ويُقتَل حولها كثيرٌ بعدما كادت تذهب، وأنَّ عمَّاراً تقتله الفئة الباغيه، وأنَّ الأمر في قريش ما أقاموا للدِّين أعلاماً عاليه، وأن يكُونَ في ثَقيفِ كذابٌ ومُبير، وأنّ مُسَيلمة يَعقِرُه من هو على كل شيء قدير.
بعض الذي قاله خير الأنام جرى … والبعض يأتي كما قد نصَّ في الخبر
أما الضحاب وأهل البیت منه وما … قد نالهم فهو أمرّ غير مُستتر
وسوف تظهر تصدیقاً له فِتنٌ … كقِطع لَيلٍ خلا من غُرَّة القمر
وما أخبر به من سحر لبيد بن الأعصم حليف الشَّيطان، وأنه في جُفّ طلع نخلة ذكرٍ، مُلقى في بئر ذروان، وأكلِ الأَرَضَة ما كتبته قريش في الصَّحيفه، وأنها أبقت فيها كُلَّ اسم لله تنزيهاً لأسمائه الشَّريفه.
وأنَّ العرب سوف يرتدُّون، وأن الخلافة بعده ثلاثون، وأنَّ الأمر بدأ تُبُوَّةً ثم يكون خلافةً ورحمة، ثم مُلكاً عَضُوضاً ثم عُتُوًّا وفساداً في الأمَّة، وكثرة العجم في أمَّته، وضربهم رقاب الرِّجال، وأنَّ الكذَّابين ثلاثون آخرهم الدَّجَّال. وشأن الأمراء الذين يؤخّرُون الصَّلاة، والرّجُل الذي يخرج من قَحطان يسوق النَّاس بعصاه، وأمر أُوَيسِ القَرَني وما قال عنه، وأنه لا يأتي زمانٌ إلاَّ والذي بعده شرِّ منه، ووقوع آخر هذه الأمَّة بسبِ أؤلها في الآثام، وقلَّة الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطَّعام.
وخروج الخوارج وأنَّ سِيمَاهم التَّحليق، وظهور القدريَّة والرَّافضة وعدُولهم عن الطَّريق.
تبًّا لقوم رفضُوا عُصبَة .. محمَّدٍ شَانِتَهُم يرفُضُ
عُصبةُ خيرٍ صحِبوا المصطفى … واللهَ قرضاً حسناً أقرضُ
وجه الذي يكرههم أسود … ووجه كُلّ منهم أبيضُ
طوبى لمن كان حليفاً لهم … وويلُ مطرودٍ لهم مُتبغّض
وما حدَّث به من أمر فاطمة الزَّهراء نجله، وأنَّها أول من يلحق به من أهله، وأنَّ أرض الطَّفّ بها يُقتل الحسين، وأن الله تعالى يصلح بالحسن بين فئتين، وأنَّ رُعاء الغنم يُرَون رُؤساء عليهم التِيجان، وأن الحفاة العُراة يتطاولون في البنيان، وولادة الإماء الربَّات، وموت النجاشي یوم مات.
وكتاب حاطب وقصّة عُميرٍ مع صفوان، وما يكون بعد فتح بيت المقدس من المَوَتان، ومن غَلَّ الشَّملَة لتفريق شمله، ومن أخذ خَرَز يهودٍ فؤجِدت في رحله، وقتل أهل مُؤتَةً يوم قُتِلوا، ومصارع أهل بدر ومَقاتلهم بما فعلوا، وبناء مدينة بين دجلة ودُجَيلٍ يعني بغداد، وعِدَته من سكن البصرة ولم يُخلِف عليه السلام الميعاد.
إلى غير ذلك من الحوادث ونزُولها، وأشراط الشّاعة وحلُولها، وذكر البعث والنَّشر، وآيات الموقف والحشر، وأحوال الفُجَّار والأبرار، وأهوال القيامة ووصف الجَنَّة والنَّار، والجُمَل يُستغنى بها عن التَّفصيل، والأقلام ما تحصر ما له -صلى الله عليه وسلم- من التّفضیل.
٢٢ - فصل: في عصمته من الناس
ومن معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم: أنَّه جلس في بعض منازله تحت شجره، فاخترط أعرابي سيفه عليه يريدُ ما عظَّم الله خَطَرَه، فأرعدت يده وسقط منه السَّيف، وضرب الشجرة برأسه كمن ألَمَّ به من الشَّيطان طَيف، فعفا عنه وأقامه بعد الإبلاس، فرجع إلى قومه قائلاً: جئتكم من عند خير الناس.
وانفرد يوم بدر لقضاء الحاجة من أصحابه، فتبعَه رجل من المنافقين مُصلِتاً سيفه من قرابه، فعصمه الله من شرّه، وردَّ كيده في نحره. وقصده دعثُور بن الحارث، وفي يده عضب مُرهفُ الحد فارث، وذلك في غزوة غطفان، فوقع لظهره ثم دعي بعدها للإيمان.
وكانت حمَّالة الحطب تضع على طريقه الغَضا وهو جَمر، فكأنما يطأه كثيباً مَهيلاً بقُدرة صاحب الأمر، وتواعده المشركون مرَّاتٍ عديده، وأتوا للفَتكِ به بكُلّ حِيلَة ومكيده، فمنهم من هرب وفَرَ، ومنهم من مَرَّ عَيشه بعد أن مَرّ، ومنهم من وقع مَغشِيًّا عليه، ومنهم من ضرب الله على عينيه، ومنهم من أصابته زُلَّخةٌ، وسقط بين يديه، ومنهم من صدَّته الملائكة فلم یصِل إلیه.
رامُوه بالسُّوء والجبَّارُ يحفظُه … مِن كُلِّ ذي حسدٍ للشَّرِّ مُتَصِب
وأقبلُوا نحوه للكيد فانقلبُوا … بجهلهم وعَمَاهم شَرَّ مُنقَلب
وأجمعت قريش على قتله وبيَّتوه لعكوسهم، فخرج عليهم من بيته وذَرَّ التُّراب على رؤوسهم، وخَلَص منهم وهم له ينظرون، صمَّ بكمّ فهم لا يُبصِرون. وأتبعه شراقة حين الهجرة اتّباع قاتل، وقد جعلت قريش فيه وفي أبي بكر الجَعَائل، فلمًّا قَرُب منه دعا عليه سيِّدُ الثقلين، فخرَّ عن فرسه بعد أن ساخت قوائمها مرَّتين، فناداه بالأمان، فأمَّنه وقابله بالإحسان، وعرف بعضُ الرُعاة حقيقة خبرهما، فخرج يشتَدُّ ليُعلم قُريشاً بأمرهما، فلمَّا ورد مكة ضُرب على جَنانه، وأنسي ما خرج له حتى رجع إلی مکانه.
وجاءه أبو جهل بصخرة ليطرحها عليه، وكان إذ ذاك ساجداً وقريش تنظر إليه، فيبست يداه إلى عنقه، ولم ينفعه هُبل، ثم سأله أن يطلق يديه بدعائه ففعل. وأتاه مرَّةً أخرى وهو يصلي صلى الله عليه، فلمَّا قَرُب منه وَلَّى ناكصاً على عَقِبَيه، أشرف على خندق نار كاد يَهوي فيه، وأبصر من الهول العظيم ما يُحزنه ويُخزیه.
وجاءه عازماً على قتله رجلٌ من بني المغيره، فطمس الله بصره على أنه كان أعمى البصيرة، وأدركه يوم حنين رجل من خلفه، ورفع سيفه عليه جازماً بحتفه، فلمَّا دنا ارتفع إليه شُواظٌ من نار، فولئَّ ثم أقبل فأسلم وقاتل في صفّ الأبرار.
وخبر عامر بن الطَّفَيل حين قصد قتله مذكُور، وما اتَّفَق عليه مع أربَد بن قيس من الكيد المردُود علیهما مشهُور. وكثير من اليهود والكُهَّان أنذرُوا به وعيَّنُوه لأصحاب الأوثان، وأخبروهم بنبئه وحضُّوهم على قتله، فعصمه الله تعالى منهم بنصره وفضله، وحرسه بعينه التي لا تنام، وكلأه بعنايته في الرِّحلة والمُقام، وجعل في أعناقهم أغلالاً، وألبسهم من العكس والطَّرد سِربالاً، وكفَّ أيديهم عنه إذ هَمُّوا ببَسطها، وقابل عزائمهم السَّيِئة بطَّيٍ نَشرها وحَلِّ ربطها، ورَدَّ كُلاَّ منهم خاسئاً وأطال بُعده، وحمى رسوله صلى الله عليه وسلم وكفاه ﴿ أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.
سبحان من عصم الرسول من الأذى … وله أَذَلَّ عصابة الأوثان
وحمى حِماه وكفَّ عنه أكفَّهم … ورماهم في هُؤة الخسران
وأعزَّه وكفاه ما يخشاه من … شَرِّ اليهود البهت والكُهَّان
وأقام دولته وأعلى دينه … فضلاً وإحساناً على الأديان
صلى عليه الله ربُّ العرش ما … عَطفَ النَّسيم معاطف الأغصان
٢٣ - فصل: فيما جمع له من المعارف والعلوم
ومن معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما جمعه الله تعالى له من المعارف الوافرة، والعلوم التي لم تزل عن وجُوه الهداية سَافِرة، وما خصَّه به من ورُود عين اليقين، والاطِّلاع على جميع مصالح الدُّنيا والدِّين. وعرَّفه من قوانين شريعته، وحفظ أسرار وديعته، وسياسة عباده، ورعاية ساكني بلاده، وقصص الأنبياء والرّسل والجبابرة، وما كان في الأمم قبل بعثته الزَّاهره، وأحاديث القرون الماضيه، وإظهار شرائعهم النَّائية، ووعي سيرهم، وسَرد أنبائهم، وأيَّام الله فيهم، واختلاف آرائهم، والمعرفة بمُدَدِهم وأعمارهم، وحِكَم حُكمائِهم وأخبار أحبارهم، ومُحاجَّة كُلِّّ أمَّة من الكفرة، ومُعارضة الكتابِيِّين بما في كُتبهم المُسطَّرة، وإعلامهم بمخبَّآتها وأسرارها، والمكتوم والمُغيَّر والمُبدَّل من أسفارها. وما أحاط به من لغة العرب وغريب ألفاظها، وضروب فصاحة خطبائها وبلاغة وُعَاظها، وما خُصَّ به من جوامع كَلِمِها، وحِفظ أيَّامها وأمثالها وحِكمِها، ومعرفة معاني أشعارها، وبيان مُشكِل نظامها ونثارها.
وبيان أركان العلوم … ورفع ذِكرِ منارها
وشفاءِ صدُور مُريدِها … الظَّامِئ إلى أنهارها
وبلُوغُ ما يُدني إلى … استخراج دُرِّ بحارها
وسُلُوك أوضح طُرقها … في النُّور من أقمارها
وتفهيم الغامض الذي لا يَظهر، وتمهيد قواعد الشَّرع المُطهَّر، المُشتمِل على محاسن الأخلاق، ونفائس الأعلاق، ومحامِد الآداب، وطرائف طرائق الضَّواب، وتسكين حركة العابث والعائث، وتحليل الطيِّبات وتحريم الخبائث، وصَون الأعراض والأموال بالحُدود، وحماية الأنفُس بالوعيد لا بالوعود.
وما علِمه بما كان وما يكون، وما حواه من سائر الفنون، كالفرائض والحساب، والتَّعبير والأنساب، والطِّب المُحقِّق شفاؤُه، والعلاج المُجرَّب دواؤُه، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديثه المعروف عند أصحاب الأثر (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)، وقوله صلى الله عليه وسلم صلاة متصلة بيوم العرض (إن الزَّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض).
وقوله عليه السلام في خبر رواه من شَنَّف به مَسمَعه (إن سبأ رجلٌ ولد عشرة تيامن منهم ستة وتشاءم أربعه، وقوله عليه أفضل الصلاة والسَّلام، في الحبَّة السَّوداء (شفاء من كُلِّ داء إلاَّ السام)، وقولُه سَلَّم عليه ربُّ العِزَّة والسُّلطان، (الرؤية الصَّادقة من الله والحلم من الشَّيطان)،
إلى غير ذلك من لغات الأمم، وتصوير حروف الخط بالقلم، وما لا يعلم بعضه، ولا يدري إبرامه ونقضه، إلاَّ من مارس الدُّروس واقتفى سُبُلها، وعكف على مطالعة الكتب وجالس أهلَها، وما اتَّخذ أهل هذه المعارف كلامه فيه قُدوَة، وجعلوه أصلاً في علومهم ليُفرِّعوا عليه ويَحذُو حَذوَه.
على أنَّه كان أُقِيًّا لا يقرأ ولا يكتُب، ولا عُرف بصحبة من يَعلم الكتابة أو يحسُب، ولا نشأ بين قوم لهم مُدارسه، ولا قراءة لشيء من هذه الأمور ولا مُمارسه، ولا اختلف إلى حَبر من الأحبار، ولا اجتمع بمُنجِّم ولا كاهن ولا صاحب أخبار، إنما كانت غاية معارف العرب الشِّعر والبيان، وأخبار من سلف من أوائلها وبَان، وذلك نقطةٌ من بحر علمه، وقَطرةٌ من غَيث حِكمه وحُكمه. وبالجُملة فقد كانوا يسألونه عمَّا اضطروا من ذلك إليه، وعمَّا اختلفوا فيه منه صلى الله عليه.
٢٤ - فصل: في خبره مع الملائكة والجن
ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم: إمدادُ الله له بملائكته، وإدخالُ طائفة الجن في طاعته، وصرفهم إليه لاستماع القرآن، ورؤية عدَّة لهم من أصحابه في كثيرٍ من الأحيان. وخبر مُحادثته مع الملائكة في العالم العلوي مأثور، وما شاهده من كثرتهم وعظم صوَرهم ليلة الإسراء مشهور، رأى جبريل في صورةٍ له ستِمائة جناح، وتكلَّم مع إسرافيل وغيره في مكان تصعد إليه الأرواح وعاينهم جماعة من أصحابه في مواطن بحضرته، ورأى ابن عباس وغيره جبريل في صورة دِحيَة وهيئته، ورُئي النَّاموس الأعظم في مجلسه العلي الأركان، وهو في صورة رجل يسأله عن الإسلام والإيمان.
وجلس على يمينه المعروفة باليُمن جبرائيل، وعن يساره المشهورة باليُسر إسرافيل، وكانا في صورة رجلين أبيضي الأثواب، فرآهما سعد وغير واحد من الأصحاب. وأخبر بعض من شَهِد يوم بدر، أنَّه سمع أصوات الملائكة على خيلها بالحثِّ والزَّجر، ورأى نظائر الرُؤوس من الكُفَّار، ولم يشاهد ضارباً بعَضبٍ ولا بَتَّار، ورأى بعضهم رجالاً بيضاً بُلقَ الأفراس، يجولون بين السَّماء والأرض على رؤوس النَّاس، وكانت الملائكة تصافح ابنَ الحصين ببركة مَن صَحِبَه وانتمى إليه.
وحين رأى حمزة جبريل في الكعبة خرَّ مغشيًّا عليه. ولمَّا قُتل يوم أُحُدٍ مُصعَب بن عُمَير، أخذ الرّاية مَلك على صورته مُساعدةً لأهل الخير. وأمَّا ابن مسعود أتحفه الله بالكرامة، فإنَّه ليلة الجن رأى من حضر منهم وسمع كلامه.
وأقبل شيخ بيده عصا في بعض الأيَام، فسلَّم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لاُ فرد عليه السَّلام، ثم ذكر اسمه ونسبه إلى إبليس اللَّعين، وأخبره أنه لَقِي نوحاً ومن بعده إلى ذلك الحين، قال عمر بن الخطاب، فأسلم وعلّمه شوَراً من الكتاب.
وتفلَّت شيطان ليقطع صلاته في تهجده، فأخذه وأراد ربطه في بعض سواري مسجده، ثم أطلقه لدعوة أخيه سليمان، ورده الله خاسئاً بالخزي والخذلان. ولما هدَم خالدٌ مكان الغُزَّى وحطم جدرانه، خرجت له سوداء ناشرة شعرها عُريانة، فجزَلها بمُهنَّدِه، واستمرَّ على ما هو بصدده، وكرامات أصحابه من بعض معجزاته الواضحة، وفِلذَةٌ من أنوار آياته اللأَّئحة، وبِضعةٌ من علامات تُبُؤَّته الهادية، وقطعةٌ من سحائب كراماته الرائحة والغادية، مقتصر من جزيلها على اليسير، ومُقتنعٌ من طويلها بقليل من كثير، إذ لو حصل الاستقصاء لكانت ديواناً، بل دواوين تطير أوراقها إلى طالبها زرافات ووُحدانا، وبالجملة فالأدلَّة على فضله لا تُعدُّ ولا تحصر، واختصارُ القول في أهل الشَّرف والطَّول أولی وأجدر.
٢٥-فصل: في وجوب الإيمان به وطاعته واتباعه
الإيمان بالنبي -صلى الله عليه وسلم- واجب، وشهاب التَّصديق برسالته في سماء الهداية ثاقب، وهو أمرٌ مُتعيِّنٌ لا يصحُّ إلاَّ معه الإسلام، وكلُّ إيمان خلا عن الإيمان به فهو غير تمَام. والإيمان به هو الشَّهادة له بالرسالة، وتصديقه في جميع ما جاء به وما قاله، فمن آمن به عَصَمَ دمَه ومالَه، وأحرز ما يُصلح عاقبته ومآله.
والإيمان مُحتاجٌ إلى العَقد بالجَنان، كما أنَّ الإسلام مُضطَوَّ إلى النُّطق باللِّسان، فإذا اجتمع التَّصديق بالقلب والنُّطق بالمِذْوَدِ، تم الإيمان وفاز صاحبه بالجَدِّ الأسعد.
وطاعته أيضاً واجِبّه، لأنها لطاعة الله مُصَاحِبه، فمن أطاعه هُدِي إلى سواء الطَّريق، ومن مَدَّ باعه إلى أقُقِه ظَفِر بالتَّوفيق، ومن امتثَل أمرَه رَفَل في أثواب الثَّوَاب، ومن خالفه سُلِكَ به إلى عُقَاب العِقَاب. وطاعتُه هي الالتزام بسُنَّته، والتَّسليم لما جاء به ورفع كلِمَته، فاتَّبِعُوه وأطِيعُوه، وانقُلوا خبر أمره وأذيعُوه، وإذا نهاکم عن شيءٍ فانبذُوه، وما آتاکم الرسول فخذُوه.
خذُوا ما آتاكم به المصطفى … وأقواله صدِّقُوا تغنَمُوا
ووالوه وامتثَلوا أمرَه … وطرق هُداه الزَمُوا تُلزَمُوا
وسُنَتُه تابعوا واسمَحوا … ببذل النَّدى وارحموا تُرحموا
ولا تعوَجُوا عن مناهج الحقِّ وسُبله، وآمِنُوا بالله وملائكته وکتبه ورسله، واجتهدُوا في تصميم الاعتقاد وحضُور الجَنَان، واجمَعوا بين التَّصديق بالقلب والشَّهادة باللِسان، والشَّهادة دون التَّصديق بالقلب نِفاقٌ، ومن نَطق بها وهو غير مُعتقِدها فما له في الآخرة من خلاق، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، ولا تلبسُوا الحق بالباطل وتكتمُوا الحق وأنتم تعلمون.
ويجبُ اتِّباعه وامتثال سُنَّته السَّنيَّه، واقتفاءُ طريق هديه وسيرته الزكيَّة، والاقتداء به في الأخلاق والأفعال، والانقياد لأوامره في جميع الأعمال، والتأسِي به في حَربه وسِلمِه، والأخذُ بقوله والرِّضى بحُكمِه، فخير الهَدي هداه، ومن اتَّبعه أحبَّه الله، فعليكم بإحياء سُنَّته لتُعَدُّوا من صالحي أمَّته، أفلح من عضَّ عليها بالتَّواجذ، وفاز من رُئي بجَنابها وهو لائذ، ومن انتصر بها فهو منصُور، ومن اقتدى بها وُفّق في سائر الأمور.
ومن اعتصم بها نجا من النار، ومن حفظ بُرّ بَرِّهَا حُشر مع الأبرار، ومن رَضِي بقول صاحبها رضي بالقرآن المجيد، ومن تمسَّك بها عند فساد الأمَّة فله أجر مائة شهيد. ومن رغِب عنها فليس من سيِّد البشر، ومن أمَّرَها على نفسه نال غاية الآمال ونهاية الوَطَر، ومن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين، وَلأَّهُ الله ما تَولَّى وأصلاه مثوی الکافرین.
فتلقُّوا ما صَدَرَ عن صَدرِ المصطفى بالقَبول، وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، ولازِمُوا طريقته واتَّبعُوا سُنَنه، لقد كان لكم في رسول الله إسوةٌ حسنة، ولا يغُرَّنَّكُم بالله الغَرُور، وإيَّاكُم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وأيقظوا قلوبكم بمعرفة السنَّة من سنة الجهالة، ولا تتعرَّضُوا إلى مخالفته والاعتراض على طريقه المستقيم، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
لا يكمل الإيمان في قلب امرئ … إلا بتصديق النبي المرسل
ذاك الذي في الخلق طاعة أمره … وجبت بإخبار الكتاب المنزَّل
يافَوزَ نَاجٍ مَورَ سنته اقتفى … وبه اقتدى في كل أمر مشكل
صلى عليه الله ما أحيا الحيا … مَيْتَ النَّبَات بعارض مُتهَلِّل
٢٦ - فصل: في لزوم محبته
مَحبَّة رسُول الله ل لازمَه، والآية الكريمة بوجُوبها وعِظَمِ خطرها جازمَه، ولن يؤمن أحد حتى يكون أحبَّ إليه من نفسه، ومن ولده ووالده وسائر أبناء جنسه، ومن أحبَّه وجد حلاوة الإيمان، ودخل في زمرته إلى محلِّّ الرَّوح والزيحان، وفاز بمرافقة الذين أنعم عليهم الربُّ، وكان معه في درجته والمرء مع من أحب.
ولقد كان أصحابُه رضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنَّة الخُلد مَسكنُهم ومثواهم، يحبُّونه أشدَّ المحبَّه، ويختارون لقاءه وقُربه، ويعظِّمُونه أشدَّ التعظيم، ويكثرُون من الصَّلاة عليه والتَّسليم.
أمَّا أبو بكر فمحبَتُه له مشهورة، وهجرتُه إلى الله ورسوله معروفة مذكورة، وحلف عمر له صلى الله عليه، أنه أحبَّ إليه من نفسه التي بين جنبيه، وعن علي كان والله أحبَّ إلينا من الأموال والأولاد، ومن الآباء والأمَّهات والماء البارد على ظما الأكباد.
وقال عمرو بن العاص: ما كان أحد أحب إلينا من النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان خالد بن مَعدان يتمنَّى لقاءه وبشوقه إليه يتكلَّم، وقيل لابن عمر اذكر أحبَّ الناس إليك فصاح يا محمَّداه.
ولما احتُضِر بلال ذكر لقاءه ورؤية صحبه وقال واطرباه، ومنهم من فارق أهله ودياره في موالاته، ومنهم من قتل صاحبه وقاتل أباه وابنه طلباً لمرضاته.
ومِن علامات محبَّته توقيرُه وتعظيمُ قَدره، وإظهارُ الخضُوع والخشوع عند سماع ذكره، والشَّفقةُ على أمَّته وبرّ صالحهم، والنُّصحُ لهم والسَّعي في مَصَالحهم. فطُوبى لمن عُدَّ من جملة محتِيه، وامتثل جميع أوامره واجتنب سائر نواهيه، وبذل الجهد في مؤازرته ونَصره، وتأدَّب بآدابه في عُسره ويُسره، وآثر ما شرعه على هواه، وأسخط العباد في رضى الله ورضاه، وثابر على العمل بسُنَّته، ووافق ما حضَّ عليه مخالفاً لشَهوته، وتفقَّه في دِينِه وشريعته، وتخلَّق بخلقه وتطبَّع بطبیعته، وأحبَّ من أحبَّه، وعظَّم آل بيته وصَحبَه، وجانب كُلَّ أمر يخالف شرعه، وأعرض عمَّن تعرَّض لمحدَثَة فيه أو بدعه، ونهض للوقُوف عند حدُوده، ورفض أقوال شَامتهِ وحسودِه، وبذل النفس والمال دونه، ومال إلى الذين يحبُّهم ويحبُّونه.
فأيُّ كرم أجزلُ من كرمه، وأُّ نعم أكرمُ من نعمه، وأُّ إفضال أعمُّم من إفضاله، وأيُّ نوال أتمُّ من نَوَاله، جاء بالرَّأفة والرحمة، وعلم الكتاب والحكمة، وبشِّر وأنذر، ونهى عن التعسير ويَسّر، وبالغ في النَّصيحة، وسلك الطَّريق الصَّحيحة، واجتهد على الهداية، وأنقذ من العِمَايَة، ودعا إلى الفلاح، وبيّن سبيل النَّجاح، وأوجب البقاء الدَّائم والنَّعيم السَّرمد، صلى الله عليه صلاة مُتَّصلةً لا تنقطع ولا تنفَد.
٢٧ - فصل: في تعظيمه وتوقیره
أوجب الله تعالى تعظيمه وتوقيره، وفرض إعانته ونَصره وإجلاله وتعزيره، ونهى المؤمنين عن التقدُّم بالقول بين يديه، وعن سبقه بالكلام وإساءة الأدب عليه، وأمرهم أن يستمعوا لما يخرج من فِيه، ولا يتعجَّلُوا بقضاء أمر قبل قضائه فِيه، ولا يَفتَاتُوا فيما يتعلَّق بدينهم إلاَّ بأمره، وحذَّرهم مخالفت) في قُلِّ الأمر وكُثره، وأن لا يرفعُوا أصواتهم فوق صوته، وأن يحترمُوه ويُعظِّمُوه في حیاته وموته، ولا يَدعُوه كدعاء بعضهم بعضا، ويتركوا من لا يرعى حقَّه مقتاً ورفضاً وبغضاً، وأن يُنادوه بأشرف ما يحبُّ من أسمائه، وإن أحداً منهم لا يجهر عليه بالقول في ندائه، وأثنى على الذين يغضُّون أصواتهم عنده، ووعدهم بالمغفرة والأجر العظيم وسینجز لهم وعده.
فقد كان أصحابُه يُعظِّمُونه كثيراً، ولا يملؤون عيونهم منه إجلالاً وتوقيراً، وإذا خرج عليهم لا يُحدُّون إليه النظر، ولا يرفع أحد منهم إليه بصره إلاَّ أبا بكر وعمر، ويجلسون حوله كأنما الطَّير على رؤوسهم، ويسمحون في الذَّب عنه بأموالهم
ونفوسهم، وإذا توضأ ابتدروا وَضُوءه وأسرعوا إليه، وكادوا حرصاً على التبرك به يقتتلُون عليه، ويَتَلَقَّون بُصاقه عليه الصَّلاة والسَّلام، فيمسحون به الوجوه ويَدلِكُون به الأجسام، وإذا سقط منه شعرة تزاحموا على التقاطها، ويبادرون إلى امتثال أوامره والتلفُّع برِياطها، ويقرعون بالأظفار بابه، ويؤخِّرُون سؤاله عن الأمر حیاءً ومهابه.
وإذا تكلَّم أنصتُوا [لكلامه] … وإذا تلا عليهم الذِّكر أخبتُوا
وإذا أرادهم لأمر بادروا … لجواب ذاك الأمر لم يتبئتوا
وإذا نهاهم أعرضوا عما نهى … ولغير ما يختار لم يتلفَّتُوا
وإذا أشار بصمتهم لم ينطقوا … وإذا دعا أقوالهم لم يسكتوا
أَكرِم بهم قَوماً أقامُو دِينه … وبعزمهم شَملَ الأعادي شَتَتُوا
فعَلَيهِمُوا رضوان ربٍّ صانهم … أن يعبدوا من دونه أو يفتنوا
ويجب أن يُحترم بعد مماته، كما كان يحترم عليه الصلاة والسلام حال حياته، وذلك عند ذكره وحديثه وسُنَته، ولدى سماع اسمه الشريف وسيرته، فقد كان السَّلف يُعظِّمُون حديثه الصَّحيح، ويتلقَّون الصَّادر والوارد من سُنَّته الشَّريفة بكل صدر فسيح، وينصتُون إلى سماع أقواله، ويتأدَّبُون عند ذكر أوصافه وأفعاله؛ فمنهم من یُسگّن من حرکته، ومنهم من یشرئب لوقع برکته، ومنهم من يرتدي بالخضوع والخشوع، ومنهم من تجري من عينيه شآبيب الدُّمُوع، ومنهم من يغيب ويتحيَّر، ومنهم من يَصفَرُّ لونه ويتغيَّر، ومنهم من لا يكتب الحديث إلاَّ وهو طاهر، ومنهم من يكره أن يحدث وهو مضطجع أو قائم أو سائر، ومنهم من إذا طُلب منه تسميعُ حديثه المُفيد، بادر إلى الغسل والتَّطييب ولُبس الجديد.
فخذ في برّه وتوقيره والاستجابة إليه، بما كنت تأخذ به نفسك لو كنت بين يديه، واجتهد في تبجيله وتعظيمه، وبالغ في إجلاله وتكريمه، واعرف حقَّ قدره، وتأذَّب عند ذكره، واستشفع به في غَفْرِ ذنُوبك وستر عيوبك إلى من لا يحول ولا يزُول، واستمسك بقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهمْ إِذ ظَلَمُوْاْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.
٢٨ - فصل: في محبةآله وأصحابه رضي الله عنهم
من تَعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيمُ آله الأطهار، وعترَيِّه الأبرار، وذُريَّته الأخيار، وسائر المهاجرين والأنصار، وإكرام أمهات المؤمنين أزواجِه، والسُّلوك في بَرِّ حُبِّهم في أوضح منهاجه، وتوقيرُ من سَلَف من أصحابه، ومن لازمه منهم في ذهابه وإیابه، ومعرفةُ الواجب من حقوقهم، وشَيمُ الوَامِض من برُوقهم، والاقتداء بأفعالهم الصَّالحه، والاقتباس من أنوار معارفهم الواضحة.
فعَظِم أهل بيته كما عظَّمهُم العلماء من الناس، وهم آل علي وجعفر وعُقَيل والعبَّاس، ووال من والاهم، وعاد من أبغضَهم وعادَاهم، وتمسَّك بحبل حُبِّهم فهو دليلٌ على الإيمان، واجتهد في تقديم قريش وعاملهم بالإحسان، فمعرفة مكان آله براءة من النار، والولاية لهم أمانٌ من البوار، وحبهم جوازٌ على الصراط، وبابٌ إلى منزلة الحظِّ والاغتباط.
ومن أحبَّ الحسن والحسين، وأُمَّهما الزهراء ذات النورين، وأباهما المعروف بالبسالة والشّهامة، كان مع المصطفى في درجته يوم القيامة.
لا تَعْدُ عن سَنَن الرَّسول محمَّد … والزم محبَّة آله الأطهار
وَقِر وعَظِّم قَدرَ عِترتِه ومَن … يُنمى إلى الذُّريَّة الأخيار
واسلُك سبيل كرامات الزَّوجات … والأولاد والأعوان والأنصار
وارفع لأهل البيت رَايَات الولا … تجد الوقاية من عذاب النار
وقد حضَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على حُبِّهم، ونَبَّه على رَفعِ شأنهم عند ربِّهم، فقال آتاه الله الفضيلة وأناله غاية سوله: (لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ورسوله)، وعظَّمهُم إذْ قدَّمهم بكتاب الله أين كانوا وحيث حَلُّوا، في قوله: (إني تارك فيكم ما إن أخذتم لن تضلُّوا)، وقال في علي: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)، وقال في عمِّه العباس: (من آذى عمِّي فقد آذاني)، وقال: (أنشدكم الله في أهل بيتي)، ولعمري إنها إشارةٌ لطيفةُ المعاني، ويكفيهم قولُ من خلق كُلَّ شيء فقدره تقديراً، (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).
إن خفت من سَبع الذُّنوب وبطشه … فالزم ولاء الخمسة الأشباح
أهل الكساء الطَّاهرين ذوي الثُّقى … شفُن النجاة وراحة الأرواح
وبهم توسَّل حين يعتكر الدُّجى … تلقى الرِّضى من فالق الإصباح
واستغفر لأصحاب رسُول الله على كُلِّّ الأحوال، وأمسك عمَّا شجر بينهم من الأقوال والأفعال، وأظهر سيرتهم الحميدة، وبيّن فضائلهم العديده، واهتد بأعلام علومهم المرتفعة، وارفض من عاداهم من ضُلاَّل الشيعة والمبتدعة، وانظر إلى قول من خلق الإنسان من صلصال كالفخار، محمَّد رسول الله والذين معه أشدَّاء على الكفَّار، وإلى قول من أبطل بآية كلِمه ما جاء به السَّحرة، لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجره، وإلى قول من يرجع الأمر كلُّه إليه، رجالٌ صدقُوا ما عاهدوا الله عليه.
وقد قال أشرفُ الخلق وسيِّد البشر، (اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وقال عليه الصلاة والسلام، ومثلهم كمثل الملح في الطعام، وقال في حديث يتشنَّفُ به السَّمع وتتشرَّف به الصَّحيفة، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه.
تمسَّك بالأوامر من رسول … عليهم حائزاً أجر الصحابة
ولازم حُبَّهم واستوص خيراً … بكُلٍّ منهُم وارفع جَنَابه
وأكثر من ثنائك كُلَّ وقت … كريم ناشر فضل الصحابة
فمن أحسن الثّناءَ عليهم برئ من النفاق، ومن أحبَّهم أحرز في ميدان الإيمان خضل السباق، ومن تبعهم أدرك ما يروقُ مما يزوم، ومن اقتدى بهم اهتدى لأنهم كما قال عليه السَّلام كالنجوم، ومن قابلهم بالعزِّ حَظِي في دار البقاء بالملابس الفاخرة، ومن حَفِظَ رسُولَ الله فيهم حَفظَه الله في الدنيا والآخرة، فَضَّلهُم الله بصُحبة سَيِّد المحسنين والمُجمَلين، واختارهم في العالمين سوى الأنبياء والمرسلین.
أصحابُ هادي الوَرَى قومٌ لهم … شَرَفٌ بالقُرب منه خُصُوصاً أوَّلُ العَشَرهِ
جاؤوه واستمعوا ما قال … واتَّبعُوا وبايعُوا تحت أغصانٍ مِنَ الشِّجَره
يكفيهم أنَّ خير الرسل أكرمهم … وأنَّهُم أفضلُ الأخيار والبَرَره
مِنِّي عليهم سلامٌ طَيِّب أُرِجٌ … ما أظهر البحر من قاموسه دُرَرَه
٢٩ - فصل: في زيارة قبره وتعظيم مواطنه
[و] زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم- سُنَّةٌ جميلة، أجمع المسلمون عليها، ورغِبُوا فيما له بها من الفضيلة، فمن زاره بعد وفاته، فكأنما زاره في حال حياته، ومن زار قبره دخل في جواره المنيع، وكان في شفاعته يوم لا حميم يطاع ولا شفيع. ومن أقام بمدينته حَظِي بطيب ثراها، ومن مات بها ظفر بشفاعة من به ضيفُها وقِرَاهَا.
فاقصد مسجده الذي تشدُّ الرحال إليه، وفُز بزيارته والسَّلام عليه وعلى صاحبيه، ولا ترفع صوتك في مسجده، وكن ممَّن ظهر في الأدب حُسن مَقصّدِه، واتَّبع السَّلف الصَّالح في تعظيمه، وبالغ كما بالغوا في إجلاله وتكريمه، وتبرَّك بروضته ومنبره ومواطئ قدميه، وشرِّف نظرك بمكان كان جبريل عليه السلام ينزل فيه بالوحي عليه.
يا له مسجداً أُتِس على التقوى، ومُتعبَّداً أفلح من تمسك بسببه الأقوى، فيه روضةٌ من رياض الجنَّه، ومنه انتشرت أعلام الكتاب والسُّنَّه، وفيه بقعة هي أفضلُ بقاع الأرض، وكيف لا وقد ضمَّت أعضاء الشَّفيع المشفَّع يوم العرض، وأكثِر من الصَّلاة في نواحيه تحظَ بالنَّعيم والإنعام، فصلاةً فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، لأنه مسجدٌ وافرُ المآثر زاهرُ المشَاعر، صالحُ المناسك، واضحُ المسالك، عَمِيمُ النِّعمَة عظيمُ الحُرمَة، شريفُ المواقف، مُطهِّرٌ للطَّائف والعاكف، مرفُوعُ القواعد ثابتُ الأساس، جعله الله تعالى أمناً ومثابةً للناس، نَامِي البركات وافي التعظيم، فيه آياتٌ بيِّناتٌ مقامُ إبراهيم، ومن دخله كان آمنا نصُّ العزيز الجبَّار، ومن حَجَّهُ ثلاث حِجَج حَرَّمه الله على النار.
واجتهد في تقديس مشاهده، وإقامة شعائر مساجده، وتعهُّد معالمه ومعاهده، وتطهير مَوَاقِفِه ومَعائدِه، وتشريف أماكنه المكينَة، وتمجيد مواطنِه من مكَّة والمدينة.
حُثَّ المسير إلى نحو الحجاز ولا … تقف وسلِّم على عُرب بذي سَلَم
وانزل بمكة خير الأرض مُقتفياً … آثار أقدامٍ سرّ الكون في القِدَمِ
واجنح لكعبتها والمَروتين بها … والعَرف من عرفات موقف الأمم
والحِجر والحَجر السَّامي وخَيف مِنى … وكُلِّ موضعِ نُسُكٍ حَلَّ في الحَرَم
أكرم بها مواطن عَمُرت بالوحي والتَّنزيل، وزَهَرت ربُوعُها بتَرداد جبريل وميكائيل، وعَلَت بهُبوط الملائكة وعرُوجها، وسَمَت بقمرها الطَّالع في أفلاك برُوجها، وتنسَّمت بالتِلاوة نفحاتُ أسحارها، وتبسَّمت بالذِّكر ثغُورُ زُهور أشجارها، وأشرقت بالتّكبير والتَّهليل سماؤُها، وتأرَّجت بالتَّسبيح والتَّقديس أرجاؤُها، وضَمَّ رُغامُها أعضاء سيِّد البشر، وانتشر عنها من دين الله ورسُوله ما انتشر.
ویا لها مدارس آیات، ومراکز رايات، ومساجد صلوات، ومشاهد خَلَوات، ومنازل البركات الوافرة، ومحاطُ المعجزات الباهرة، ومنشأ السِّراج المنير، ودار هجرة البشير النذير، ومَهيأ غَيث الرِّسالة، وموطن مُوضح الدِّلالة، ومطلع فجر التُّبوَّة، ومعدن الفتوى والفُتُوَّة، ومناسك الحُجَّاج والمُعتمِرين، ومَحطً رِحال الآمرين المؤتمّرِين.
فجديرٌ بها أن تُحترم جُدراتُها، وتُستلم أركانُها، ويُرفع مقامُها، وتُنشر أعلامُها، ويحمى حماها، ويُرعى ماؤها ومرعَاها، ويُشتاف عَرف روضتها، وتُعَفِّرُ الوَجنَاتُ في جَنَّاتِ تُربَتِها.
٣٠ - فصل: في الصلاة عليه ووجوبها وفضيلتها
الصَّلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجبة في الجملة، فليأت بها من آمن به واتخذه للهداية قِبلَه، وليُكثر في غالب أوقاته منها، وليُواظب عليها ولا يغفل عنها، خصُوصاً يوم الجمعة من كُلِّّ أسبوع، فقد ورد الأمر به عن أوس في حديثه المرفوع، ومن العلماء من أوجبها في الضَّلاه، ومنهم من استحبَّها فيها على ما رآه.
ومن سأل الله شيئاً فليبدأ بحمده والثَّناء عليه، ثم ليصلي على من تحرَّك الشَّاكن ونطق الضَّامت بين يديه، فهو أجدر بنُجح المقَال، وأحرى بالإجابة للسُّؤال، والدُّعاء بين الصَّلاتين عليه لا يُرد، ولا يُطرد عن باب القبُول ولا يُصد، وما من دعاء إلاَّ وهو دون الشّماء محجوب، فإذا اقترن بالصَّلاة عليه صعَد وسعِد بالمطلوب.
ومواطن الصَّلاة عليه عند ذكره، وحين سماع اسمه وحديثه النَّامي دُرّ بحره، وفي الأواخر من الكتب بعد الأوائل، وكذا الأذان ودخول المسجد وفي الرَّسائل، وفي تشهُّد الصَّلوات وعلى الجنائز، والمُكثِر من الصلاة عليه بالقِدْحِ المُعَلَّى فائز، فرَغِم أنفُ امرئ لم يصلّ عليه إذا ذُكِر عنده، وحَسْبُ المُصلِّي عليه أنَّ الملائكة تَستَغفرُ له وتَشكُر قَصدَه.
صلُّوا على خير الورى تُفلحُوا … في هذه الدُّنيا وفي الآخره
واستكثرُوا منها تَنَالُوا البقا … في جنَّة روضَاتُها ناضره
ربُّ العلى صلَّى عليه كما … قد جاء في آياته الباهره
والأمر معروفٌ بها ظاهرٌ … والعَرف منها ريحُه عَاطِره
ومن صلَّى عليه صلاةً صلَّى الله [عليه] عشر صلوات، وحطَّ عنه عشر خطيئات، ورفعٍ له عشر درجات، وكتب له عشر حسنات، وصلَّت عليه الملائكة الكرام، ومن سلَّم عليه حَيَّاه السَّلام بالسَّلام. ومن أكثر من الصَّلاة عليه كفي وغُفر ذنبه، ونجا يوم الآزفة وكَوَّ عنه كربُه، ومن صَلَّى عليه في كتاب، فَازَ بجزيل الثَّواب، ولم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي اسمُه في ذلك الكتاب.
ومن سلَّم عليه عشراً فكأنَّما أعتق رقبة، والصَّلاة عليه تمحو ما أسلفه المصلي من الذُّنوب واكتسبه، والمُكثِر من الصَّلاة عليه أولى النَّاس به يوم القيامة، وما من أحد يسلم عليه إلاَّ ردَّ الله رُوحَه حتى يَرُدَّ سَلامَه. ومن صلَّى عليه عند قبره الكريم سمِعه، والسَّلام عليه يُؤتى به في كُلّ جُمعه، ولله ملائكة سيَّاحُون تُبلِّغُه السّلام عن أُمَته، واليومُ الأزهر وليلتُه الزّهراء يُؤدِيان إليه صلاة [وسلام] أهل مِلَّتِه، فأكثر من الصَّلاة عليه فإنَّها عليك مفروضة، وصلّ عليه حيثُما كنت فإنَّ صلاتَك عليه معرُوضة، والبخيل من ذكر عنده فلم يُصلّ عليه صلى الله عليه، وأنزله المَنزِل المُقَرَّب لدیه.
إذا أنت أكثرت الصّلاة على الَّذي … هَداك إلى الإسلام فُزت بقُربه
وكُنتَ به أولى من النَّاس كُلِّهِم … ونِلتَ ثواباً وافراً عند ربِّه
فصلّ عليه ثُمَّ ثَنٍّ بآله … أولي الفضل والتَّقوى وثَلِّث بصحبه
وسَلِّم عليهم والسَّلامُ من الفتى … يُؤدِّي إلى غُفران سائر ذنبه
اللَّهم أفضل صلواتك وأكمل تحيَّاتك وبركاتك على محمَّد أمينك المأمون، وشادِن علمك المخزون، وشهيدك يوم المحشر، ورسولك إلى الأسود والأحمر، الصَّادق فيما نطق، والخاتم لما سبق، والهادي من الأضاليل، والدَّامغ رؤس الأباطيل، الذي كان حافظاً لعهودك، واقفاً عند حدُودك، قاضياً بأحكام وحيك، ماضياً على إنفاذ أمرك ونهيك، حتى أورى القَبس، ومحا آية الغَلَس، وأوضح الأعلام، ومهَّد قواعد الإسلام.
اللَّهُمَّ آته الوسيلة والفضيلة، وأَنِلهُ الدَّرجة العالية الجليلة، وابعثه المقام المحمود، وأنجز في القيامة له الموعود، وأكرم مثواه ونُزُله، وحقِّق من فضلك العظيم أمَلَه، وصَرِّفه في المعادن من عدلك، وضاعف له الخير بمنِّك ويُمنِك، وتقبل شفاعَته الكبرى، وبلّغه بنظرك إليه غاية البُشرى، وفجّر له عُيُون عِنايتك تفجيراً، واجعل له من لدُنك سُلطانا نصيراً.
اللَّهُمَّ صلّ على محمَّد المختار، وعلى أهل بيته الأطهار، وعلى آله وأولاده وأصحابه، وعلى أزواجه وخاصّته وأحبابه، وعلى الأنصار والأعوان، وعلى التَّابعين لهم بإحسان، صلاةً مقرونةً بالتَّسليم والتَّفضيل، مُشتمِلةً على التَكريم والتَّشريف والتَّعظيم والتَّبجيل.
مديح في شريف صفته صلى الله عليه وسلم
يا خاتِمَ الؤسل ويا من له … ظِلٌّ على من يرتجيه ظَليل
يا مَعدِنَ الجُود وبحرَ النَّدى … يا صاحب القَدرِ النَّبيه النبيل
يا من إذا ما أَمَهُ قَاصِدٌ … يَلقاه بالوجه الجليِّ الجليل
كن لي شفيعاً في ذُنُوبي فقد … أُلقيتُ منها تحت حِملٍ ثقيل
وانظر لحالي واسقِني شربةً … من حوضك الحالي تروي الغليل
إني تَطَفَّلتُ على مادحي … وصف معاليك الأَثيرِ الأثيل
إذا قلتُ في مدحك ما قلتُه … وهو قليلٌ من كثيرٍ جزيل
فاقبَله منِّي وأنِلني به … جائزةً حائزة للجميل
فضلُك لا يحصره واصف … إن الدَّراري حصرُها مُستَحيل
صلَّى عليك الله ربُّ العُلى … والعرشِ ما هَبَّ النَّسيمُ العليل
والحمد لله على فضله
نجز إملاءُ قلمِ الكاتب، وانتهى مسيرُ النَّجم الثَّاقب، بتيسير من أرشد إلى المعرفة وألهم، وتوفيق من علَّم الإنسان ما لم يعلم. عليه توكَّلت وإليه أنيب، وهو المسؤول في بلوغ المأمول إنه قریب مجیب. قال مؤلِّفُه - عفا الله عنه -: بدأت في إنشائه يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وفرغت منه في يوم الأحد، مستهل شوال من السنة المذكورة.
وكان الفراغ من تعليقه في يوم الجمعة سابع عشر [شهر ذي] الحجة الحرام، ختام شهور سنة خمس وألف بثغر دمياط، على يد أفقر عباد ربِّه الوفي، محمد بن غرس الدين الحنفي - عفا الله عنهما بمنه وكرمه - . آمين. والحمد لله رب العالمين.
وحسبنا الله ونعم الوكيل
* تم *

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق