أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 18 أكتوبر 2026

التخويف من النار لابن رجب الحنبلي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

التخويف من النار

لابن رجب الحنبلي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يكمن الإيمان الحق في اجتماع الخوف والرجاء في قلب المؤمن؛ فيخاف عاقبة معصيته ومخالفة أمره، ويرجو رحمة ربه وثوابه إذا أطاعه وسلك سبيله. وهذان الأصلان من أعظم الدوافع التي تحرّك الإنسان نحو رضوان الله تعالى، ومن أهم الحصون التي تحميه من الانحراف؛ فالخوف يردعه عن المعاصي ويمنعه من الاغترار بالأماني الكاذبة، والرجاء يحول بينه وبين اليأس من رحمة الله، فلا يستسلم للذنوب ولا يخلد إليها.

وقد حذّر الله سبحانه وتعالى عباده من عذابه، وجعل عذاب النار من أشد ما توعّد به العصاة والمخالفين، وتكرر ذكرها في آيات القرآن الكريم، وتنوعت مشاهدها وأوصافها؛ ترسيخًا للخوف من الله في القلوب، وزجرًا عن المعاصي، وحثًّا على الطاعات والاستقامة على أمره. ومن هنا اعتنى العلماء قديمًا وحديثًا بالتصنيف في أبواب الترغيب فيما أعدّه الله لعباده من الثواب والنعيم، والترهيب من عذابه الأليم، رجاءَ أن تحيا القلوب بالطمع في رحمته، وتستيقظ من غفلتها بالخوف من عقابه.

ومن أجود ما أُلّف في هذا الباب كتاب «التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار» للحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي البغدادي ثم الدمشقي؛ إذ جمع فيه طائفة واسعة من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار، وأقوال السلف، وحكايات الصالحين، في عرض يرقق القلوب، ويوقظ الغافلين، ويحذّر العصاة من مغبّة التمادي في الذنوب واتباع خطوات الشيطان. ولا يقتصر أثر الكتاب على تخويف العاصين، بل يتجاوز ذلك إلى تحذير الناس عامةً من سبل الغواية والضلال، ودعوتهم إلى التوبة والإنابة، والاستعداد للقاء الله تعالى قبل فوات الأوان.

يقول المؤلف -رحمه الله: [وقد استخرت الله تعالى في جمع كتاب أذكر فيه صفة النار، وما أعد الله فيها لأعدائه من الخزي والنكال والبوار، ليكون بمشيئة الله قامعاً للنفوس عن غيها وفسادها، وباعثاً لها على المسارعة الى فلاحها ورشادها، فإن النفوس ولا سيما في هذه الأزمان قد غلب عليها الكسل والتواني، واسترسلت في شهواتها وأهوائها وتمنت على الله الأماني، والشهوات لا يذهبها من القلوب إلا أحد أمرين، إما خوف مزعج محرق، أو شوق مبهج مقلق، وسميته ((كتاب التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار))، وقسمته ثلاثين باباً، والله المسؤول أن يجيرنا من النار، وأن يجعل بيننا وبينها حجاباً بمنه وکرمه].

ترجمة المؤلف

هو الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي، ثم الدمشقي، الثقة الحجة. وُلِد في بغداد في ربيع الأول سنة (736 هـ).

قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة (744هـ)، وسمع من محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخبّاز، وإبراهيم بن داود العطّار وغيرهما. وسمع بمصر من صدر الدين أبي الفتح الميدومي، وأبي الحرم القلانسي وغيرهما.

وأكثر من السماع والاشتغال بالعلم، حتى أتقن فنون الحديث: أسماءً، ورجالًا، وعللًا، وطرقًا، واطّلاعًا على معانيه، حتى صار واحدًا من العلماء الزهاد والأئمة العُبّاد، وبه تخرّج غالب الحنابلة بدمشق.

وصنّف في مختلف العلوم، فشرح الترمذي، وقطعةً من البخاري، وسماها «فتح الباري بشرح البخاري»، ووصل فيها إلى كتاب الجنائز ولم يتمّه. وذيّل طبقات الحنابلة، وله كتب كثيرة، منها: «لطائف المعارف فيما لمواسم السنة من الوظائف»، و«القواعد الفقهية»، و«جامع العلوم والحكم»، و«استخراج الأحكام من الخراج»، وكثير من الرسائل.

وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة، وللناس عامةً مباركةً نافعة، اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه.

وكان لا يعرف شيئًا من أمور الناس، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصاعين.

ويُقال: إنه جاء إلى شخص حفّار، فقال له: «احفر لي هنا لحدًا»، وأشار إلى بقعة. قال الحفّار: فحفرت له، فنزل فيه فأعجبه، واضطجع وقال: «هذا جيد». فمات بعد أيام، فدُفن فيه، رحمه الله.

وكانت وفاته بدمشق في شهر رجب سنة (795 هـ).

قطوف من كتاب (التخويف من النار)

[في القدر الواجب من الخوف] والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فان زاد على ذلك بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلاً محموداً، فان تزايد على ذلك بأن أورث مرضاً أو موتاً أو هماً لازماً بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عزّ وجلّ لم يكن ذلك محموداً، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرآن وصار صاحب فراش، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصوداً لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن.

وقال سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا. أخرجه أبو نعيم. 

والمقصود الأصلي هو طاعة الله عزّ وجلّ وفعل مراضيه ومحبوباته وترك مناهیه ومکروهاته.

ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور واجلاله مقصود أيضاً، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عوناً على التقرب الى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعاً من ذلك وقاطعاً عنه فقد انعكس المقصود منه، ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة كان صاحبه معذوراً، وقد كان في السلف من حصل له من خوف النار أحوال شتى لغلبة حال شهادة قلوبهم للنار، فمنهم من كان يلازمه القلق والبكاء، وربما اضطرب أو غشي علیه اذا سمع ذکر النار.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيء من ذلك إلا أن اسناده ضعيف، فروى حمزة الزيات عن حمران بن أعين، قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قارئاً يقرأ ﴿إنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيماً * وَطَعَامَاً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣] فصعق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي رواية فبكى حتى غشي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا مرسل وحمران ضعيف، ورواه بعضهم عن حمران عن أبي حرب بن الأسود مرسلا أيضاً، وقيل: إنه روي عن حمران عن ابن عمر ولا يصح.

وقال الجوزجاني في ((كتاب النواحين)): حدّثنا صاحب لنا عن جعفر بن سليمان عن لقمان الحنفي، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على شاب ينادي في جوف الليل: واغوثاه من النار، فلما أصبح قال: يَا شَابُ لَقَدْ أَبْكَيْتَ البَارِحَةَ أَعْيُنَ ملإٍ مِنَ المَلَائِكَةِ كَثِيرُ.

وقال سليمان بن سحيم: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل، وذلك لذكر النار، إذا مر بقوله تعالى: ﴿وإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكانَاً طَيِّقَاً مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان: ١٣] أو نحو ذلك. خرجه أبو عبيد.

وفي ((كتاب الزهد)) للإِمام احمد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف، قال: وما مسألتك عنه، قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا  عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يوعدني أن يسجنني الا في الحمام لكنت حرياً أن لا تجف لي عين، قلت له: فهكذا أنت في صلاتك، قال: وما مسألتك عنه، قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله حتى تبكي امرأتي وتبكي صبياننا ما يدرون ما أبكانا، وربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها ما خصه من طول الحزن معك في الحياة الدنيا ما يقر لي معك عين. 

وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.

وروى ضمرة عن حفص بن عمر، قال: بكى الحسن، فقيل: ما يبكيك، قال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي. 

[أحوال بعض الخائفين] خرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثيراً)) قالوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قال: ((رَأَيْتُ الجَنَّةَ والنَّارَ)). 

وفي ((الصحيحين)) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((لَمَّا كُسِفَتِ الشَّمْسُ رَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَراً كَالَيْومٍ قَطُّ أَفْطَعَ مِنْهَا)).

وروى الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعاً ((لَوْ أُبْرِزَتِ النَّارُ لِلْنَّاسِ مَا رَآها أَحَدٌ إلَّّا مَاتَ)). وروي موقوفاً.

وخرج أبو يعلى الموصلي في ((مسنده)) وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه خطب فقال: ((لَا تَنْسَوا العَظِيمَتيْنِ: الجَنَّةَ والنَّارَ)) ثُمَّ بَكَى حَتَّى جَرَىْ وبلّت دُمُوعهُ جَانِبَيْ لِحْيَتِهِ ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ لَمَشَيْتُمْ إلى الصَّعدَاتِ وَلَحَثَيْتُمْ عَلَىْ رَوّْوسِكُمُ التُّرَابُ)).

وقد استفاض عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن هاروت وماروت كانا ملكين، وانهما خُيِّرا بعد الوقوع في المعصية بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بانقضائه، وقد روي في ذلك حديث مرفوع من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرجه الإِمام احمد وابن حبان في ((صحيحه))، ولكن قد قيل: إن الصحيح انه موقوف علی كعب.

وخرج الإِمام أحمد من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام، فقال له: مَا لِي لَا أَرَى مِيكَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَضْحَكُ، فقال جبريل: مَا ضَحِكَ مِيكائِيل مُنْذُ خُلِقتِ النَّارُ.

وروى أبو نعيم باسناده عن طاووس، قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلق بنو آدم سكنت [أفئدتهم].

فأما البهائم والوحوش والطير، فقد روي ما يدل على خوفها أيضاً. قال عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نَّوْحِ داود عليه السلام تأتي الوحوش من البراري، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطيور من الأوكار، وتجتمع الناس لذلك اليوم، ويأتي داود عليه السلام حتى يرقى على المنبر، فيأخذ في الثناء على ربه، فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فيموت طائفة من الناس وطائفة من السباع وطائفة من الهوام وطائفة من الوحوش وطائفة من الرهبان والعذارى المتعبدات، ثم يأخذ في ذكر الموت وأهوال القيامة ويأخذ في النياحة على نفسه، فيموت طائفة من هؤلاء، وطائفة من هؤلاء ومن كل صنف طائفة. خرجه ابن أبي الدنيا.

وأما غير الحيوان من الجمادات وغيرها فقد أخبر الله سبحانه أنها تخشاه قال تعالى: ﴿وَإِنَّ منَ الحجَارَة لَمَا يَتَفَجَرُّ مِنْهُ الأَنْهارُ وإنَّ منْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وإنَّ مِنْها لَمَا يَهْبِطُ من خَشْيَةِ الله﴾ [البقرة: ٧٤] قال أبي نجيح عن مجاهد: كل حجر يتفجر منه الماء ويتشقق عن ماء أو يتردى عن رأس جبل فهو من خشية الله عزّ وجَلّ نزل بذلك القرآن.

ومن السلف مَن منعه الخوف من النوم، ومنهم من منعه من الضحك، ومنهم من إذا رأى ناراً غُشي عليه، ومنهم من أداه الخوف إلى المرض، ومنهم من فاضت روحه عن قلة احتمال، ثم وضع فصلاً في أن البحار تُسجّر يوم القيامة.

[النار في الدنيا تخاف من نار جهنم] وهذه النار التي في الدنيا تخاف من نار جهنم، روى نفيع أبو داود عن ((فئام)): الجماعة الكثيرة. لا واحد من لفظه أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ نَاركُمْ هذِهِ لَجِزءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَوْلَا أَنَّها أُطْفِئَتْ بِالمَاءِ مَرَّتَيْنِ مَا اَنْتَفَعْتُمْ بِهَا، وَإِنَّهَا لَتَدْعُو اللَهَ أَنْ لَا يُعيدَهَا فِيهَا)). خرجه ابن ماجه، ونفيع فيه ضعف، وقد روي موقوفاً على أنس.

وخرج الحاكم من حديث جسر بن فرقد عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((نَارُكُمُ هَذِهِ جِزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِن نَارٍ جَهَنَّمَ، وَلَوْلا أَنَّهَا غُمِسَتْ في البَحْر مَرَّتَيْنِ مَا انْتَفَعْتُمْ بِها أَبَدأً، وَأَيْمُ الله إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، وَإنَّهَا لَتَدْعو الله وَتَسْتَجِيرُ الله أَنْ لَا يُعِيدُها فِي النَّارِ أبداً)). وقال: صحيح الاسناد، وفي ذلك نظر، فإن جسر بن فرقد ضعيف.

وروى ابن أبي الدنيا باسناده عن أبي رجاء، قال: لما ألقي ابراهيم عليه السلام في النار أوحى الله إليها لأن ضريتيه أو آذيتيه لأردّكَ الى النار الكبرى، فخرت مغشياً عليها ثلاثة أيام لا ينتفع الناس منها بشيء.

وعن أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن عبد الله بن عمرو سمع صوت النار، فقال وأنا، فقيل له: ما هذا؟ فقال: والذي نفسي بيده إنها تستجير من النار الكبرى أن تعاد إليها.

وعن الأعمش عن مجاهد، قال: ناركم هذه تستعيذ من نار جهنم.

[في ذكر مكان جهنَّم] روى عطية عن ابن عباس، قال: الجنة في السماء السابعة، ويجعلها الله حيث يشاء يوم القيامة، وجهنم في الأرض السابعة. خرجه أبو نعيم. 

وخرج ابن مندة من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: أين الجنة ؟ قال: فوق سبع سموات، قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبع أبحر مطبقة.

وروى البيهقي باسناد فيه ضعف عن أبي الزعراء عن ابن مسعود، قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى، ثم قرأ ﴿إنَّ كتَابَ الأَبرَارِ لَفي علِّيينَ﴾ [المطففين: ١٨] و﴿إنَّ كَتَابَ الفُجَّارِ لَفي سجِين﴾ [المطففين: ٧] وخرجه ابن مندة وعنده ((فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء)).

وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشربن شغاف، عن عبد الله بن سلام، قال: إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض. خرجه ابن خزيمة وابن أبي الدنيا.

وروى ابن أبي الدنيا باسناده عن قتادة: قال: كانوا يقولون: إن الجنة في السموات السبع، وإن جهنم لفي الأرضين السبع.

وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَفي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذرايات: ٢٢] قال: الجنة في السماء، وقد استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدواً وعشياً - يعني في مدة البزرخ - وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل على أن النار في الأرض. وقال تعالى: ﴿كَلَّاَّ إنَّ كتابَ الفُجَّار لَفِي سجِينٍ﴾[المطففين: ٧].

وفي حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفة قبض الروح، قال في روح الكافر: ((حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إلى السَّماءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ)) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابَ السَّماء وَلَاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلَجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخَياط﴾ [الأعراف: ٤٠] قال: ((يَقُولُ الله تَعَالَى: اكْتُبُوا كِتَابهُ فِي سِجّينٍ، فِي الأَرْضِ السُّفْلَى)) قال: ((فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحَاً)) خرجه الامام أحمد وغيره.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفة قبض الروح وقال في روح الكافر: ((فَتَخْرُجُ كَأنْتَنِ رِيحِ جِيفةٍ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إلى بَاب الأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هُذِهِ الرِّيحُ كُلَّمَا أَتُوا عَلَى أَرْضٍ قَالُوا ذلِكَ، حَتَّى يَأْتُوا بِهِ إلى أَرْوَاحِ الكُفَّار)) خرجه ابن حبان والحاكم وغيرهما.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أرواح الكفار في الأرض السابعة.

[البحار تسجر يوم القيامة] روى الإِمام أحمد باسناد فيه نظر عن يعلى بن أمية، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((البَحْرُ هُوَ جَهَنَّمَ)) فقالوا ليعلى، قال: ألا ترون أن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿نَاراً أَحَاطَ بهم سُرادقُها﴾[الكهف: ٢٩] لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله عزّ وجلّ ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله عز وجل.

وهذا إن ثبت فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحراً واحداً، ثم تسجر ويوقد عليها فتصير ناراً وتزاد في نار جهنم. 

وقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى: ﴿وَإذَا البِحَارُ سُجَّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] بنحو هذا.

وروى المبارك بن فضالة عن كثير أبي محمد عن ابن عباس، قال: تسجر حتی تصير ناراً.

[في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها] قال الله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ المُنَافقين في الدَّرْك الأَسْفَلِ منَ النَّارِ﴾[النساء: ١٤٥] وقد قرىء الدرْك بسكون الراء وتحريكها وهي لغتان، قال الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض، وقال غيره: الجنة درجات والنار دركات. وقد تسمى النار درجات أيضاً كما قال تعالى بعد أن ذكر أهل الجنة وأهل النار ﴿وَلكلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَملُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] وقال: ﴿أَفَمَنْ اتَبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَط مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وبئسَ المَصيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات الجنة تذهب علواً ودرجات النار تذهب سفولاً.

وروى ابن أبي الدنيا باسناده عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قال: لها سبعة أطباق. 

وعن قتادة ﴿لكُل بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] قال: هي والله منازل بأعمالهم.

وعن يزيد بن أبي مالك الهمداني قال: لجهنم سبعة نيران تأتلق ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تأكلها.

وعن ابن جريج في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية وفيها أبو جهل. 

وروى سلام المدائني - وهو ضعيف - عن الحسن عن أبي سنان عن الضحاك، قال: للنار سبعة أبواب وهي سبعة أدراك بعضها على بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثم يخرجون منها، وفي الثاني اليهود، وفي الثالث النصارى، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس والسادس فيه مشركو العرب، وفي السابع المنافقون وهو قوله: ﴿إنَّ المُنافقينَ في الدَّرْك الأسْفَل من النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].

وروى العلاء بن المسيب عن أبيه وخيثمة بن عبد الرحمن قالا: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذاباً ؟ قالوا: اليهود والنصارى والمجوس، قال: لا ولكن المنافقين في الدرك الأسفل من النار في توابيت من نار مطبقة عليهم ليس لها أبواب.

وروى عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إنَّ المُنَافقينَ في الدَّرْك الأسْفل من النَّارِ﴾ قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فيوقد من فوقهم ومن تحتهم قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].

قال ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي يسار قال: الظلة من جهنم فيها سبعون زاوية، في كل زاوية صنف من العذاب ليس في الأخرى.

[في ذكر قعرها وعمقها]  عن خالد بن عمير، قال: خطبنا عتبة بن غزوان فقال: إنَّهُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَاماً مَا يُدرِكُ لَهَا قَعْراً، ووالله لَتُمْلَانَّ، أَفَعَجِبْتُمْ؟ خرجه هكذا مسلم موقوفاً، وخرجه الإِمام أحمد موقوفاً ومرفوعاً والموقوف أصح.

وخرج الترمذي ٣٧ من حديث الحسن، قال: قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا - يعني منبر البصرة - عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ الصَّخْرَةَ العظِيمة لتُلْقَى مَنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَاماً وَمَا تُفْضي إلَى قَعْرِهَا )) قال: وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَكْثِرُوا ذِكْرِ النَّارِ، فَإنَّ حَرَّهَا شَدِيدٌ، وَإنَّ قَعْرَهَا بَعِيدٌ، وَإنَّ مَقَامِعَهَا حَدِيدٌ، ثم قال: لا يعرف للحسن سماع من عتبة بن غزوان.

وفي ((موعظة الأوزاعي)) للمنصور قال: أخبرني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن ابن أبي عمرة الأنصاري أن أبا ذر وسلمان قالا لعمر: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول، فذكراه بمعناه، وقال: ((هَوَی بِهِ فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً)).

وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبيِّنُ فِيها يَزِّلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ)).

وخرج الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَاَ يَرَىْ بِهَا بَأْسَاً يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً)). وخرج البزار نحوه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

[سعة جهنم طولاً وعرضاً] وأما سعة جهنم طولاً وعرضاً، فروى مجاهد عن ابن عباس، قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: أجل والله ما تدرون أن ما بين شحمة أذن أحدهم وأنفه مسيرة سبعين خريفاً تجري فيه أودية القيح والدم، قلنا: أنهار؟ قال: لا، بل أودية، ثم قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله تعالى: ﴿والأرْضُ جَميعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَة والسَّمَواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين الناس يومئذ؟ قال: ((عَلَى جِسْرٍ جَهَنُّمَ)) خرجه الامام أحمد، وخرج النسائي والترمذي منه المرفوع وصححه الترمذي، وخرجه الحاكم وقال: صحيح الاسناد.

[أبواب جهنم مغلقة على أهلها] وقد وصف الله أبوابها بأنها مغلقة على أهلها فقال: ﴿إنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةً﴾ [الهمزة: ٨] وقال تعالى: ﴿عليْهِمْ نَارٌ مؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠] قال مجاهد: هي بلغة قريش: أصد الباب أغلقه يعني قوله: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، وقال مقاتل: يعني أبوابها مطبقة عليهم فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.

وقد ورد في ذلك حديث مرفوع خرجه ابن مردويه من طريق شجاع بن أشرس، حدّثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((﴿إنَّهَا عَلَيْهم مُؤْصَدَةٌ﴾ قال: مطبقة))، ولكن رفعه لا يصحِ، وقد خرجه آدم بن أبي اياس في ((تفسيره)) عن شريك بهذا الاسناد موقوفاً على أبي هريرة، ورواه اسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح من قوله ولم يذكر فيه أبا هريرة، وكذا قال عطاء الخراساني وغيره في المؤصدة أنها المطبقة.

وعن الضحاك قال: حائط لا باب له، ومراده - والله أعلم - ان الأبواب أطبقت فصار الجدار كأنه لا باب له، وقوله تعالى: ﴿إنَّها عليهم مُؤْصَدَة * في عَمَدٍ مُمُدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨ -٩] معناه أطبقت عليهم بعمد، قال قتادة: وكذلك هو في قراءة عبد الله بعمد بالباء، قال عطية: هي عمد من حديد في النار، وقال مقاتل: أطبقت الأبواب علیهم ثم شدت بأوتاد من حدید حتی یرجع علیهم غمها وحرها.

وعلى هذا فقوله: ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ صفة للعمد يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممددة مطولة، والممدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير.

[في ذكر ظلمتها وشدة سوادها] روى شريك عن عاصم عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفُ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقد عَلَيْهَا أَلْفُ سَنَةٍ حَتَّى احْمَّرَتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفُ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ)) خرجه ابن ماجه والترمذي. وقال: حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحداً رفعه غير يحيى بن أبي كثير عن شريك.

وروى معن عن مالك عن أبي سهيل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أَتَرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذهِ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَاداً مِنَ القَّارِ)) خرجه البيهقي، وخرجه البزار ولفظه ((لَهِيَ أَشدُّ مِنْ دُخَانِ نَارِكُمْ هَذْهِ سَبْعِينَ ضِعْفاً)) وروي موقوفاً على أبي هريرة وهو أصح، قاله الدارقطني.

[في ذكر شدة حرّها وزمهريرها] قال الله تعالى: ﴿وَقالُوا لَاَ تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١].

وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إلَى رَبَّهَا فَقالَتْ: يَا رَبّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً فَنَفِّسْنِي، فَأَذَنَ لَهَا فِي نَفَسَيْنِ نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ مِنْ سُمُومِهَا وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا)).

وفي ((الصحيحين)) أيضاً عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((نَارُكُمْ هذِهِ الَّتِي يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً  مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ)) قَالُوا: وَاللَهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ: ((إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءاً كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)) وخرجه الإِمام أحمد وزاد فيه (( ضُرِبَتْ پِالبَحْرِ مَرَّتَيْنٍ، وَلَوْلا ذُلِكَ مَا جَعَل الله فِيهَا مَنْفَعَةً لِأِحَدٍ )) وقد سبق من حديث أنس نحوه.

وعن عطية العوفي عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((نَارُكُمْ هَذْهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّم، لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مِثْل حرها )) خرجه الترمذي.

[جهنم تسجر] وجهنم تسجر كل يوم نصف النهار، وفي ((صحيح مسلم)) عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ فَإِنَّها تَطْلَعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطانٍ، وَحِينَيَِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ [مَحْضُورَةً] حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظُّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ حِينئِذٍ تُسْجَرَ جَهَنَّمَ، فَإذَا أَقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ)) وذكر بقية الحديث. وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير وجه من حديث أبي أمامة وغيره.

[تسجر جهنم بخطايا بني آدم] وتسجر أيضاً يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَإذَا الجَحِيمُ سُعِّرتْ * وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٢ -١٤] وقرىء ﴿سُعِّرَتْ﴾ و﴿سُعِرِتْ﴾ بالتشديد والتخفيف. 

قال الزجاج: المعنى واحد إلا أن معنى المشدد أوقدت مرة بعد مرة.

قال قتادة: ﴿وإذَا الجَحيمُ سُعِّرَتْ﴾ أوقدت، وقال السدي: أحميت،وقال سعيد بن بشير عن قتادة: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. خرجه ابن أبي حاتم.

وهذا يقتضي أن تسعير جهنم حيث سعرت إنما سَعرت بخطايا بني آدم التي تقتضي غضب الله عليهم، فتزداد جهنم حينئذ تلهباً وتسعراً، وهذا كما أن بناء دور الجنة غرس الأشجار يحصل بأعمال بني آدم الصالحة من الذكر وغيره، وكذلك حسن ما فيها من الزوجات وغيرهن يتزايد بتحسين الأعمال الصالحة،فكذلك جهنم تسعر وتزداد آلات العذاب فيها بكثرة ذنوب بني آدم وخطاياهم وغضب الرب تعالى عليهم.

نعوذ بالله من غضب الله ومن النار وما قرب إليها من قول وعمل بمنه وكرمه.

وقد سبق في الباب الخامس صفة تسعر النار يوم القيامة ومزيدها بإيقاد البحر وإضافته إليها.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿سَأرْهِقُهُ صُعُوداً﴾] وروى دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر: ١٧] قال: ((جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَإذَا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإذَا رَفَعَهَا عَادَتْ يَصْعَدُ سَبْعِينَ خَرِيفاً، ثُمَّ يهوى مِثْلَها كَذَلكَ)) وهذا الحديث خرجه الامام أحمد وغيره بمعناه، وخرجه الترمذي مختصراً ولفظه ((الصَّعُودُ عقبة في نارٍ يتصعَّدُ فِيهِ الكَافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفاً ويَهْوِي فِيهِ كذَلكَ أبداً)) وقال: حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، ولكن رواه أيضاً عمروبن الحازث عن دراج به خرجه من طريقه الحاكم، وقال: صحيح الاسناد.

وروى هذا الحديث أيضاً شريك عن عمار الدهني عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. خرجه من طريقه البزار، وقال: تفرد برفعه شريك، ووقفه سفيان على عمار - يعني أنه وقفه على أبي سعيد - ولم يرفعه، ورواه أيضاً عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيد﴾] وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامعُ من حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرِجُوا مِنْهَا مِنْ غَمَّ أُعيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢] قال جويبر عن الضحاك: ﴿مَقَامِعُ منْ حَدِيدٍ﴾ أي مطارق.

وروى ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لَوْ أنَّ مَقْمَعاً مِنْ حَدِيدٍ وُضِعَ في الأَرْضِ فاجْتَمَعَ لَهُ الثَّقلانَ لَما أَقَلُّوهُ مِنَ الأرْض)) خرجه الإِمام أحمد.

وخرج أيضاً بهذا الإِسناد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((لَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عَادَ)). 

قال الإِمام أحمد في ((كتاب الزهد)): حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر، سمعت مالك بن دينار قال: ((إذا أحس أهل النار في النار بضرب المقامع انغمسوا في حياض الحميم فيذهبون سفالاً، كما يغرق الرجل في الماء في الدنيا، ويذهب سفالاً سفالاً)).

قال سعيد عن قتادة قال عمر بن الخطاب: ذكروهم النار لعلهم يفرقون فإن حرها شديد، وقعرها بعيد، وشرابها الصديد، ومقامعها الحديد.

[في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها] قال الله تعالى: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالمُهْلِ يَغْلِي فِي البُطُونِ * كَغَلْي الحَميمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦].

وقال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرُ نُزُلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ * إنَّا جَعَلْنَاهَا فتْنَةً للَّظالِمِينَ * إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجَحِيم * طَلْعُهَا كَأَنُّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فإنّهُم لاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالئُونَ مِنْهَا البُطُونَ * ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُم لإِلَى الجَحِيم﴾ [الصافات: ٦٢ -٦٨]٠

وقال: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ أَيّهَا الضَّالُونَ المُكَذبونَ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالؤُونَ مِنْهَا البُطُونَ * فَشَاربُونَ عَلْيهِ مِنَ الحَمِيمِ * فَشَاربُونَ شُرْبَ الهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ* نَحْنُ خَلَقْنَاكُم فَلوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٧].

وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتي أَرَيْنَاكَ إلَّا فِتْنَةً لِلْنَّاس وَالشَّجَرَةَ المَلْعونَةَ في القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَمَا يزيدُهُم إلَّا طُغْياناً كبيراً﴾ [الاسراء: ٦٠].

وخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية ﴿اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتهِ وَلَاَ تَموتُنَّ إلََّّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُومِ قَطَرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَىْ أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَكُونُ طَعَامَهُ؟)) وقال الترمذي: صحيح، وروي موقوفاً على ابن عباس.

وقال ابن اسحاق: حدّثني حكيم بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شجرة الزقوم: يخوفنا بها محمد، يا معشر قريش أتدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد، قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقماً، فأنزل الله فيه ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُوم * طَعَامُ الأثيم﴾ الآية [الدخان: ٤٣ - ٤٤]، أي ليس كما تقول: وأنزل الله ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفهُم فَمَا يَزِيدُهُم إلاَّ طُغْياناً كَبيراً﴾ [الاسراء: ٦٠].

وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿فِتنة للظالِمين﴾ [الصافات: ٦٣] قال: زادتهم تكذيباً حين أخبرهم أن في النار شجرة، قال: يخبرهم أن في النار شجرة والنار تحرق الشجر، فأخبرهم أن غذاءها من النار.

وقد تقدم عن ابن عباس أن شجرة الزقوم نابتة في أصل سقر.

وروي عن الحسن أن أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع الى دركاتها.

وقال سلام بن مسكين: سمعت الحسن تلا هذه الآية ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقومِ * طَعَامُ الأثِيمِ * كَالمُهُلِ يَغْلِي فِي البُطُونِ * كَغَلي الحَمِيم﴾ قال: إنها هناك قد حميت عليها جهنم.

وقال مغيرة عن ابراهيم وأبي رزين ﴿كَالمُهْلِ يَغْلي فِي البُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] قال: الشجر يغلي.

قال جعفر بن سليمان: سمعت أبا عمران الجوني يقول: بلغنا أنه لا ينهش منها نهشة إلا نهشت منه مثلها. 

وقد دل القرآن على أنهم يأكلون منها حتى تمتلىء منها بطونهم فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم، وهو الماء الذي قد انتهى حره، ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم شرب الهيم.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾] وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إنَّ لَدَيْنَا أَنَكَالا وَجَحيماً * وَطَعَامَاً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أليماً﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣] وقال ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ -٧].

روى الإِمام أحمد باسناده عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿طَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج.

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال: شجر في جهنم.

وقال مجاهد: الضريع: الشبرق اليابس.

وروى أيضاً عن عكرمة وقتادة، ورواه العوفي عن ابن عباس الشبرق: نبت ذو شوك لاطىء بالأرض فاذا هاج سمي ضريعاً. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه.

وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿من ضريع﴾ قال: من حجارة، وعنه قال: الزقوم. وعن أبي الجوزاء قال: الضريع: السلي شوك النخل، وكيف يسمن شوك النخل.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾]

قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِم غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].

قال محمد بن كعب والضحاك والسدي وغيرهم: المهاد: الفراش، والغواش: اللحف.

وقال الحسن في قوله: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ للكَافرينَ حَصيراً﴾ [الاسراء: ٨] قال: فراشاً ومهاداً.

وقال قتادة: محبساً حصروا فيها. 

وروى مسكين عن حوشب عن الحسن أنه كان إذا ذكر أهل النار قال في وصفهم: قد حذيت لهم نعال من نار وسرابيل من قطران، وطعامهم من نار وشرابهم من نار وفرش من نار ولحف من نار ومساكن من نار، في شر دار وأسوء عذاب في الأجساد أكلاً أكلاً، وصهراً صهراً، وحطماً حطماً.

وروى داود بن المحبر عن الحسن بن واصل، وعبد الواحد بن زيد عن الحسن، قال: إن رجلا من صدر هذه الأمة كان إذا دخل المقابر نادى: يا أهل القبور بعد الرفاهية والنعيم معالجة الاغلال في النار، وبعد القطن والكتان لباس القطران ومقطعات النيران، وبعد تلطف الخدم والحشم، ومعانقة الأزواج، مقارنة الشيطان في نار جهنم مقرنين في الأصفاد.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالحُونَ﴾]

قال الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وَجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُم فِيهَا كَالِحونُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤].

روى دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ﴿وَهُم فيهَا كَالحُونَ﴾ [المؤمنونُ: ١٠٤] قال: ((تَشْوِيِهِ النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتَهُ العُلْيا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفلى حَتَّى تَضْربَ سُرَتَهُ)) خرجه الإِمام أحمد والترمذي والحاكم وقالا: صحيح. 

وعن ابن مسعود أنه قال في قوله: ﴿وَهُم فِيهَا كَالِحون﴾ قال: ككلوح الرأس النضيج، وعنه ككلوح الرأس المشيط بالنار قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم، وعنه قال: ألم تر الى الرأس المشيط بالنار وقد تقلصت شفتاه وبدت أسنانه.

وخرج الخلال في ((كتاب السنة)) من حديث الحكم بن الأعرج عن أبي هريرة قال: يَعْظُمُ الرَّجُلَ فِي النَّارِ حَتَّى يَكُونَ مَسِيرَةً سَبْعٍ لَيَالٍ، ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ، شِفَا هُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مَقْبُوحِينَ، يَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾]

قال الله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِم نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقوا العذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].

روى نافع مولى يوسف السلمي عن نافع، عن ابن عمر، قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرِها﴾ فقال عمر: أعد عليَّ فأعادها عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها تبدل في الساعة الواحدة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. خرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه.

وخرجه ابن مردويه أيضاً من طريق نافع أبي هرمز أنبأنا نافع، عن ابن عمر، قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذَابَ﴾ فقال عمر: أعده عليَّ، وثم كعب فقال: يا أمير المؤمنين ! أنا عندي تفسير هذه الآية قرأتها قبل الإِسلام، قال: فقال: هاتها يا كعب، فان جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم صدقناك، وإلا لم ننظر إليها، قال: إني قرأتها قبل الإِسلام ﴿كُلَّمَا نَضِجَتِ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

نافع أبو هرمز ضعيف جداً، وهو نافع مولى يوسف السلمي أيضاً عند طائفة من الحفاظ منهم ابن عدي، ومنهم من قال: هما اثنان وكلاهما ضعيف. 

وخرج أيضاً باسناده عن يحيى بن يزيد الحضرمي أنه بلغه في هذه الآية قال: يجعل الله للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب.

وروى الربيع بن برة عن الفضل الرقاشي أن عمر سأل كعباً عن هذه الآية فقال: إن جلده يحرق ويجدد في ساعة أو في مقدار ساعة مائة ألف مرة، قال عمر: صدقت، وهذا منقطع.

وروى ثوير بن أبي فاختة - وهو ضعيف - عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية: إذا أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً بيضاء أمثال القراطيس. خرجه ابن أبي حاتم.

[فيمن تمسخ صورهم الى صورة قبيحة] ومنهم من تمسخ صورته على صورة قبيحة.

وفي (الصحيح)) أَنَّ إبْرَاهيم عليه السلام إذَا شَفِعَ فِي أَبِيهِ، قِيلَ لَهُ: یا أبْرَاهِيمُ! انْظُرْ مَا وَرَاءكَ، فَإذا هُوَ بِذيخٍ مُلَطَّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ وَيُلْقَى فِي النَّارِ)). والذيخ: الضبع الذكر.

وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَرَدْنَاهُ أَسْفَلَ سافلينَ﴾ [التين: ٥] قال: في النار في صورة خنزير، خرجه ابن أبي حاتم.

قال ابن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منها أحداً غير صورهم وألوانهم فلا يعرف منهم أحد. وسنذكر كلامه بتمامه فيما بعد إن شاء الله تعالی.

[في نتن ريح أهل النار] قال الأوزاعي في موعظته للمنصور: بلغني أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: لَوْ أَنَّ رَجُلا أُدْخِلَ النَّارَ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا لَمَاتَ أَهْلُ الأرْضِ مِنْ نَْنِ رِيحِهِ وَتَشْوِيهِ خَلْقِهِ.

وقد رواه أيضاً بكر بن خنيس عن عبد الملك الجسري، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلاً. 

وروى ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، وقال: لَوْ أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ النَّارِ أُخْرِجَ إلى الدُّنْيَا لَمَاتَ أَهْلُ الدُّنْيَا مِنْ وَحْشِةِ مَنْظَرِهِ وَنَتْنَ رِيحِهِ، قال: ثم بكى عبد الله بكاء شديداً، خرجه ابن أبي الدنيا. 

وخرج أيضاً من طريق النضر بن اسماعيل قال: مَرّ الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة فجلس يحمد الله ويبكي، فمر به رجل، فقال: ما يبكيك رحمك الله ؟، قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية، وأهل البلاء بأهل النار، فذلك الذي أبكاني.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّتي تَطَّلعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾] قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لُيْنَبذَنَّ في الحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ * نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلعُ عَلَى الأفْئِدَة﴾ [الهمزة: ٤ -٧].

قال محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ قال: تأكله النار إلى فؤاده، فإذا بلغت فؤاده أنشىء خلقه.

عن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية ثم قال: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء لقد بلغ منهم العذاب: ثم يبكي.

وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَاَ تَذَرُ * لَوَاحَّةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٧ - ٢٩] قال صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله ﴿لَاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك. 

وقال السدي: لا تبقي من جلودهم شيئاً ولا تذرهم من العذاب.

وقال أبو سنان: لا تذرهم إذا بدلوا خلقاً جديداً.

وقال أبو رزين في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح وجهه لفحة تدعه أشد سواداً من الليل.

قال قتادة ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. حراقة للجلد؛ خرجه كله ابن حاتم وغيره.

وقال الله تعالى: ﴿كَلَّاّ إنَّها لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٦] قال: تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده يصيح.

وعن ابن زيد قال: تقطع عظامهم ثم يجدد خلقهم وتبدل جلودهم.

وروى ابن مهاجر عن مجاهد في قوله: ﴿نَزَّاعَةً لِلْشَّوَى﴾ تنزع الجلد، وعنه قال: تنزع اللحم ما دون العظم.

[في جهنم سبعون داء] وربما يبتلى أهل النار بأنواع من الأمراض الحادثة عليهم، وقد سبق عن شفي بن ماتع أن في جهنم لسبعين داء، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم.

وقال الأعمش عن مجاهد: يلقى الجرب على أهل النار فيحتكون حتى تبدو العظام، فيقولون بما أصابنا هذا؟ فيقال: بأذاكم المؤمنين، ورواه شعبة عن منصور، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة، فذكره بمعناه.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهُ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾] قال الله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهُ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِميِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظُ﴾ [ابراهيم: ١٧].

وقال ابراهيم في قوله: ﴿وَيَأْتِيهُ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ حتى من تحت كل شعرة في جسده. وقال الضحاك: حتى من ابهام رجليه.

والمعنى أنه يأتيه مثل شدة الموت وألمه من كلِّ جزء من أجزاء بدنه حتى شعره وظفره، وهو مع هذا لا تخرج نفسه فيستريح.

قال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيستريح، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، وتأول جماعة من المفسرين على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلا يحْبىَ﴾[الأعلى: ١٣] قال الأوزاعي عن بلال بن سعد: تنادي النار يوم القيامة: يا نار أحرقي، يا نار اشتفِّي، يا نار انضجي، كلي ولا تقتلي.

[فيما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها - أجارنا الله منها] 

قال الله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُون المُكَذِّبونَ * لأكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا البُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَميمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُم يَوْمَ الدِّين﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٦].

والنزل هو ما يعد للضيف عند قدومه.

فدلت هذه الآيات على أن أهل النار يتحفون عند دخولها بالأكل من شجرة الزقوم والشرب من الحميم، وهم إنما يساقون إلى جهنم عطاشاً كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرمينَ الى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: ٨٦].

قال أبو عمران الجوني: بلغنا أن أهل النار يبعثون عطاشاً ثم يقفون مشاهد القيامة عطاشاً، ثم قرأ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرمِينَ الَى جَهَنَّم وِرْداً﴾ قال مجاهد في تفسير هذه الآية: متقطعة أعناقهم عطشاً، وقال مطر الوراق: عطاشاً: ظماءً.

وفي ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الشفاعة الطويل ((إنَّهُ يُقالُ لِلْيَهُودِ والنَّصَارى: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا ربنا فَاسقِنَا، فَيُشَارُ إليهِمْ ألا تَرِدُونَ، فَيُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ كَأَنَّها سَرَابٌ يُحَطِّم بَعْضُهَا بَعْضاً، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ)).

وقال أيوب عن الحسن: ما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى انقطعت أعناقهم عطشاً واحترقت أجوافهم جوعاً، ثم انصرف بهم الى النار فيسقون من عين آنية قد آن حرها واشتد نضجها.

وروى ابن المبارك باسناده عن كعب، قال: إن الله ينظر الى عبده يوم القيامة وهو غضبان، فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك أو يزيدون، فيجمعون بين ناصيته وقدميه غضباً لغضب الله، فيسحبونه على وجهه الى النار، قال: فالنار أشد عليه غضباً من غضبهم سبعين ضعفاً، قال: فيستغيث بشربة، فيسقى شربة يسقط منها لحمه وعصبه، ثم يركس أو یدکس في النار، فویل له من النار.

قال ابن المبارك: حدّثت عن بعض أهل المدينة أنه يتفتت في أيديهم إذا أخذوه فيقول: ألا ترحموني فيقولون: كيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين.

وروى الأعمش عن مالك بن الحارث، قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى الى بعض أبوابها قيل: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، فيتميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة، خرجه ابن أبي حاتم.


[في ذكر بكائهم وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم، ودعائهم الذي لا يُستجاب] 

قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَاَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق﴾ [هود: ١٠٦].

قال الربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر.

وقال معمر عن قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار أوله زفير وآخره شهیق.

وقال تعالى: ﴿وَهُم يَصْطَرخُون فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٧].

وفي حديث حارثة ((وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوُوْنَ فِيها))، وقد سبق.

وروى معاوية بن صالح عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((رَأَيْتُ رُؤُيا)) فذكر حديثاً طويلا وفيه قال: ((ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإذَا نَحْنُ نَرَى دُخَاناً وَنَسْمَعُ عِوَاءً، قُلْتُ: مَا هَذا؟ قَالَ: هَذِهِ جَهَنَّم)) خرجه الطبراني وغيره.

وروى الأعمش عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((يلقى البُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يَصِيرُ في وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأخْدُودِ، وَلَوْ أُرْسِلَتْ فِيهِ السُّفُنُ لَجَرَتْ)) خرجه ابن ماجه، وروي عن الأعمش عن عمرو بن مرة ويزيد الرقاشي عن أنس موقوفاً من قوله، ورواه سعيد بن سلمة عن يزيد الرقاشي قال: بلغنا هذا الكلام ولم يسنده ولم يرفعه.

وروى سلام بن مسكين عن قتادة عن أبي بردة ابن أبي موسى عن أبيه، قال: إنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَبْكُونَ الدُّمُوعَ فِي النَّارِ حَتَّى لَوْ أُجْرِيَتْ السُّفُنُ فِي دَمُوعِهِمْ لَجَرَتْ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَيَبْكُونَ بِالدَّمِ بَعْدَ الدُّمُوعِ، ولِمِثْلِ مَا هُمْ فِيهِ فَلْيَبكِ.

[في طلب أهل النار الخروج منها]

قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوتُنَا وَكُنَّا قَوْمَاً ضَالِينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخحْسَتُوا فِيهَا وَلَاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨]. ﴿اخسؤوا﴾: أي انزجروا وابعدوا، كالكلاب.

وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمَاً منَ العَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تأْتِيكُم رُسُلُكُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى فَادْعُوا وَمَا دُعاءُ الكَافِرِينَ إلَا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٤٩ - ٥٠].

وقال تعالى: ﴿وَهَم يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنا نَعْمَل صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ أَو لَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرَ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِير فَذُوقوا فَمَا لِلظَّالِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].

[أهل النار لا يزالون في رجاء حتى يذبح الموت] ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج الى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإِياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن.

وفي ((الصحيحين)) عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يُجَاءُ بِالمَوْتِ يَوْمِ القِيَامَةِ كَأنَّهُ كَبْش أَمْلَحْ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا، فَيَشْرَئِبُونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذا المَوْتُ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَيِبُونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمُرُ بِهِ فَيذْبَحُ، ثُمّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضَيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُم لَاَ يُؤمنونَ﴾ [مريم: ٣٩].

وخرجه الترمذي بمعناه وزاد: ((فَلْولا أَنَّ الله قَضَى لِأهْل الجنّة بِالحَيَاة والبَقَاء لَمَاتُوا فَرَحاً، وَلَوْلا أَنَّ الله قَضَىْ لِأِهْلِ النَّارِ بِالحَيَاةِ وَالبَقَاءِ لَمَاتُوا تَرَحاً)).

وخرج الامام أحمد والترمذي وابن ماجه معناه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال فيه: ((إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَطْلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَإنَّ أَهْلَ النَّارِ يَطْلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِجِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ))، وفي رواية الترمذي: ((مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشَّفَاعَةَ)).

[عصاة الموحدين ينفعهم الدعاء في النار] 

وأما عصاة الموحدين ربما ينفعهم الدعاء في النار.

خرج الامام أحمد من حديث أبي ظلال عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((إنَّ عَبْداً فِي جَهَنَّمَ لَيُنَادِي أَلْفَ سَبَنَةٍ: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ، فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اذْهَبْ فَأُتِني بَعْبدِي هَذا، فَيَذْهَبُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنْكَبِّينَ يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إلَى الله عَزَّ وَجَلّ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ: أتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَانٍ كَذَا وَكَذَا، فَيَجِيءُ بِهِ، وَيُوقَفِهُ عَلَى رَبِّهِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبّ شَرُّ مَكَانٍ وَشَرُّ مَقِيلٍ، فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا كُنْتُ أَرْجُو إذَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي، فَيَقُولُ: دَعُوا عَبْدِي)) أبو ظلال اسمه هلال ضعفوه.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَاَئِكَةٌ غِلاظُ شِدَادٌ﴾]

وقد وصف الله الملائكة الذين على النار بالغلظ والشدة قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائكةٌ غِلَاظ شِدَادٌ لا يَعْصُون الله مَا أَمَرَهُمْ وَيفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾. 

وروى أبو نعيم باسناده عن كعب، قال: إن الخازن من خزان جهنم مسيرة ما بين منكبيه سنة، وإن مع كل واحد منهم لعمود له شعبتان من حديد، يدفع به الدفعة فيكب به في النار سبعمائة ألف.

وروى عبد الله بن الامام أحمد باسناده عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن الملك من خزنة جهنم ما بين منكبيه مسيرة خريف، فيضرب الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحيناً من لدن قرنه الى قدمه، وفي رواية أخرى له قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكبي أحدهم مسيرة خريف، وليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب.

وروى الجوزجاني باسناده عن صالح أبي الخليل قال: ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث الله إليه نفراً من الرسل فتلقوه بالفرح والبشر، وفي ناحية المسجد مصل يصلي لا يلتفت إليه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا قَدْ رَأَيْتُ مِنْهُ البُشْرَ والفَرَحَ غَيْر صَاحِبِ هَذِهِ الزَّاوية))، فقالوا: أما أنه قد فرح بك كما فرحنا، ولکنه خازن من خزان جهنم.

وروى بكر بن خنيس عن عبد الملك الجسري عن الحسن أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لَوْ أَنَّ خَازِناً مِنْ خُزَّانِ جَهَنَّمَ أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ لَمَاتَ أَهْلُ الأَرْضِ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ تَشْوِيهِ خَلْقِهِ)) مرسل ضعيف.

[في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادُوا يَا مَالِكُ]

قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] ومالك هو خازن جهنم، وهو كبير الخزنة ورئيسهم، وقد رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الاسراء. وبدأه مالك بالسلام، خرجه مسلم من حديث أنس، ورآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه وهو كريه المرآة أي كريه المنظر كأكره ما أنت راءٍ من الرجال، وقد سبق هذا من حديث سمرة بن جندب.

[تفسير قوله تعالى ﴿فليدع ناديه * سندع الزبانية﴾]

قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ -١٨] قال أبو هريرة: الزبانية: الملائكة. وقال عطاء: هم الملائكة الغلاظ الشداد. وقال مقاتل: هم خزنة جهنم. 

وقال قتادة: الزبانية في كلام العرب: الشرط، وقال عبد الله بن الحارث: الزبانية رؤوسهم في الأرض وأرجلهم في السماء، خرجه ابن أبي حاتم.

وخرج أيضاً باسناده عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ابتدره سبعون ألف ملك، وإن الملك منهم ليقول هكذا - يعني يفتح يديه - فيلقي سبعين ألفاً في النار.

[إذا وقف العبد بین يدي الله تستقبله النار]

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن العبد إذا وقف بين يدي ربه للحساب فإنه تستقبله النار تلقاء وجهه، وأخبر أن الصدقة تقي صاحبها من النار.

ففي ((الصحيحين)) عن عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ سَيُكَلَّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَىْ إلَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَاَ يَرَىْ إلَّّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إلَّ النَّارَ تِلْقاء وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تمْرَةٍ)).

وفي ((صحيح مسلم)) عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ)).

وفي ((صحيح البخاري)) عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ الله عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَاَ تَرْجُمانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالاً، فَلَيَقُولَنَّ: بَلَىْ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلَ إلَيْكَ رَسُولاً، فَلَيَقُولَنَّ: بَلَىْ، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلا يَرَىْ إلَّّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَلَى شِمَالِهِ فَلَاَ يَرَىْ إلَّا النَّارَ، فَلْيَتَقِينَ أَحَدُكُمْ النَّارَ وَلَوْ بِشَقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمةٍ طَيِّيةٍ)).

[حسن الظن بالله تعالى]

قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: لئن طالبني بذنوبي لأطالبنه بعفوه، ولئن طالبني ببخلي لأطالبنه بجوده، ولئن أدخلني النار لأخبرن أهل النار أني كنت أحبه. 

وروی ابن أبي الدنيا في ((كتاب حسن الظن بالله تعالى)) بإسناده عن علي بن بكار أنه سئل عن حسن الظن بالله، قال: أن لا يجمعك والفجار في دار واحدة.

عن سلمان بن الحكم بن عوانة أن رجلاً دعا بعرفات فقال: لا تعذبنا بالنار بعد أن أسكنت توحيدك قلوبنا، قال: ثم بكى، وقال: ما أخالك تفعل بعفوك، ثم بكى، وقال: ولئن فعلت فبذنوبنا لا تجمعن بيننا وبين قوم ظالمین عادیناهم فیك.

وعن حكيم بن جابر، قال: قال إبراهيم عليه السلام: اللهم لا تشرك من كان يشرك وبمن كان لا يشرك بك.

[في ذكر أكثر أهل النار] 

أهل النار الذين هم أهلها على الحقيقة هم الذين يخلدون فيها ولهم أعدت، كما قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ﴾ [البقرة: ٢٤].

وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَلا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ))، وهؤلاء أهلها الخالدون فيها هم أكثر ممن يدخلها من عصاة الموحدين الذين يخرجون منها بعد أن يهذبوا وينقوا.

ويدل على ذلك ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبّيْكَ وَسَعَدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍِ إنَّ اللَّه يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ ذُرِّيَتِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ وَما بَعْثُ النَّارِ، قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةُ وَتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَامِلُ وَيَشِيبُ الوَلِيدُ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُم بِسُكَارى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢].

فَشَقَّ ذَلِْكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّىْ تَغَيّرَتْ وُجُوهُهُمْ، فَقَالَ النَبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: ((مِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تسع مئة وتسعة وتسعون ومِنْكُمْ وَاحْدٍ)) ثُمَّ قَال: ((أَنْتُمْ في النَّاسِ، كَالشَّعرْةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأبْيَضِ - أَوْ كَالشَّعْرَةِ البَّيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأسْودِ، إنِّي لََّرْجْوُ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنا)) ثُمَّ قَالَ: ((ثُلُث أَهْلِ الجَنَّةِ)).

فَكَبَّرنا فقال: ((شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا)) خرجاه في ((الصحيحين)) ولفظه للبخاري.

روى هلال بن خباب عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى، وفي حديثه ((إنَّمَا أَنْتُمْ جِزْءٌ مِنْ أَلفِ جِزْءٍ)) خرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه.

وخرج الإِمام أحمد والترمذي من حديث الحسن عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى أيضاً، وفي حديثه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((قَارِبوا وَسَدِّدُوا، فإنَّها لَمْ تَكُنْ نَبوَة قَطُ إلَّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِليَّةٌ، فَيُؤْخَذُ العَدَدُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وَإلّاّ كَمُلَتْ مِنَ المُنَافِقِينَ، وَمَا مَثلُكُمْ وَمَثَلُ الْأُمَمِ إلَّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَةِ أَوْ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ)).

وفي رواية قال: ((اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، فَوالَّذي نَفْسُ مُحَمدٍ بِيَدِهِ إنَكُمْ لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانّتَا فِي شَيْءٍ إلََّّا كَثْرَتَاهُ يأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إبْليسَ)).

[في ذكر أهل النار الذين هم أهلها]

وأما أهل النار فقد قسمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحدیث خمسة أصناف:

الصنف الأول - الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح. 

وخرج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعاً ((إنَّ الله يَبْغَضُ المُؤمِنَ الَّذِي لَاَ زَبَرَ لَهُ))  قال بعض رواة الحديث: يعني الشدة في الحق ولما حدث مطرف ابن عبد الله بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله: ((الضَّعِيفُ الَّذِي لا زَبَرَ لَهُ)) فقيل له: أو يكون هذا؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ماله إلا وليدتهم يطؤها.

وقال ابن شوذب يقال: إن عامة أهل النار كل ضعيف لا زبر له، الذين هم فيكم اليوم تبع لا يبغون أهلا ولا مالاً؛ خرجه عبد الله بن الإِمام أحمد في ((الزهد))، وهذا القسم شر أقسام الناس ونفوسهم ساقطة لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة؛ وإنما همة شهوة بطنه وفرجه كيف اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم.

والصنف الثاني - الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان، وكذلك الخيانة في الامانات القليلة کالودائع وأموال الیتامی وغیرذلك، وهو خصلة من خصال النفاق، وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله فى ارتكاب المحارم سراً مع إظهار اجتنابها.

قال بعض السلف: كنا نتحدث أن صاحب النار من لا تمنعه خشية الله من شيء خفي له.

الصنف الثالث - المخادع الذي دأبه صباحاً ومساءً مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع من أوصاف المنافقين كما وصفهم الله تعالى بذلك، والخداع معناه إظهار الخير واضمار الشر لقصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة، وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار)).

الصنف الرابع - الكذب والبخل ولم يحفظ الراوي ما قال النبي صلى  الله عليه وآله وسلم في هذا حفظاً جيداً، والكذب والبخل خصلتان. وفي ((مسند الامام احمد)) في هذا الحديث الكذب أو البخل بالشك، وقد قيل: إنه عدهما واحداً، كذا قاله مطر الوراق وهو أحد رواة هذا الحديث.

والكذب والبخل كلاهما ينشأ عن الشح كما جاء ذلك في الأحاديث، والشح هو شدة حرص الإِنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل، وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الذي سبق ذكره هو الشحيح، وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخَذَّ المال بغير حقه، والبخيل منعه من حقه، كذلك روى تفسير الشح والبخل عن ابن مسعود وطاووس وغيرهما من السلف.

وفي الأثر ((إن الشيطان قال: مهما غلبني ابن آدم فلن يغلبني بثلاث: یأخذ المال من غیر حله، أو ینفقه في غیر وجهه، أو یمنعه من حقه )).

وينشأ عن الشح أيضاً الكذب والمخادعة والتحيل على ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة. وفي ((الصحيح)) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وَإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ)).

الصنف الخامس - الشنظير وقد فسر بالسيء الخلق؛ والفحاش هو الفاحش المتفحش.

وفي ((الصحيحين)) عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتْقَاءَ فُحْشِهِ )).

وفي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إنَّ الله يَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ)) والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام.

وفي ((المسند)) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((بِحَسَبِ امْرِى؛ٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَكُونَ فَاحِشاً بَذِيئاً بَخِيلاً جَبَاناً)) فالفاحش هو الذي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في کلامه بالسخف وما یفحش ذكره.

أبواب الكتاب

الباب الأول في ذكر الإِنذار بالنار والتحذير منها.

الباب الثاني في الخوف من النار وأحوال الخائفين.

الباب الثالث في ذكر تخويف جميع أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها.

الباب الرابع في أن البكاء من خشية النار ينجي منها، وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإِعاذة منها.

الباب الخامس في ذكر جهنم.

الباب السادس في ذكر طبقاتها وادراكها وصفتها.

الباب السابع في ذكر قعرها وعمقها.

الباب الثامن في ذكر سرادقها.

الباب التاسع في ذكر ظلمتها وشدة سوادها.

الباب العاشر في ذکر شدة حرها وزمهريرها.

الباب الحادي عشر في ذكر سجر جهنم وتسعرها.

الباب الثاني عشر في ذكر تغيظها وزفيرها.

الباب الثالث عشر في ذكر دخانها وشررها ولهبها.

الباب الرابع عشر في ذكر أوديتها وجبالها وآبارها وجبابها وعيونها وأنهارها.

الباب الخامس عشر في ذكر سلاسلها وأغلالها وأنكالها.

الباب السادس عشر في ذكر حجارتها.

الباب السابع عشر في ذكر حياتها وعقاربها.

الباب الثامن عشر في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها.

الباب التاسع عشر في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم.

الباب العشرون في ذكر عظم خلق أهل النار فيها وقبح صورهم وهیآتهم.

الباب الحادي والعشرون في ذكر أنواع عذاب أهل النار، وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم.

الباب الثاني والعشرون في ذكر بكائهم، وزفيرهم وشهيقهم، وصراخهم، ودعائهم الذي لا یستجاب لهم.

الباب الثالث والعشرون في ذكر نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وكلام بعضهم بعضاً.

الباب الرابع والعشرون في ذكر خزنة جهنم وزبانيتها.

الباب الخامس والعشرون في ذكر مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم.

الباب السادس والعشرون في ضرب الصراط على متن جهنم ومرور الموحدين عليه.

الباب السابع والعشرون في ذكر ورود النار.

الباب الثامن والعشرون في ذكر حال الموحدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين.

الباب التاسع والعشرون في ذكر أكثر أهل النار.

الباب الثلاثون في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم.

منهج ابن رجب في كتابه

أولاً: يغلب على الكتاب الطابع الحديثي؛ فابن رجب يبني مادته أساسًا على القرآن الكريم، والسنة النبوية، وآثار الصحابة والتابعين وأقوال السلف. ويظهر ذلك في كثرة عبارات مثل: «روى»، و«خرج»، و«في الصحيحين»، و«خرجه الإمام أحمد» مثلاً، مع ذكر الصحابي أو التابعي الذي ورد عنه الأثر. وهذا يتفق مع تكوينه العلمي الذي أتقن فيه علوم الحديث وأسماء الرجال والعلل والطرق ومعاني الأحاديث.

ثانياً: العناية بجمع النصوص في الموضوع الواحد، فهو يجمع أكبر قدر من الأدلة والنقول المتعلقة بالمسألة، ثم يرتبها تحت عنوان محدد؛ فلا يكتفي بدليل واحد في بيان صفة من صفات النار، بل يجمع الآيات، والأحاديث، وأقوال الصحابة، والتفسير المأثور، وأقوال التابعين.

ويتضح ذلك مثلًا في حديثه عن مكان جهنم، حيث أورد أقوال ابن عباس، ومجاهد، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، وقتادة، ثم أورد الأحاديث المرفوعة المتعلقة بصفة قبض روح الكافر. 

ثالثاً: يعتمد ابن رجب في تفسير الآيات على التفسير بالمأثور، فيورد الآية ثم يتبعها بأقوال الصحابة والتابعين في معناها، وقد يضم إليها الحديث المرفوع. ففي قوله تعالى: ﴿طَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ و﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾، نقل تفسير ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وسعيد بن جبير وأبي الجوزاء وغيرهم. 

رابعاً: الجمع بين الرواي والدراية؛ فابن رجب لا يقتصر على سرد الروايات، بل يعقب عليها بالتحليل والتفسير والترجيح، ومن ذلك قوله في حديث «البحر هو جهنم»: «فإن ثبت فالمراد به...»، ثم يربطه بالآية وتفسير السلف. ومن ذلك أيضًا تفسيره لتسعير جهنم، حيث لا يكتفي بنقل قول قتادة، بل يستنبط منه معنى تسعير النار بخطايا بني آدم وغضب الله عليهم، ويقيس ذلك على زيادة نعيم الجنة بالأعمال الصالحة. 

خامساً: عناية بالنقد الحديثي وتمييز درجات الروايات: من أهم معالم منهجه أنه لا يسوي بين الروايات، بل يبين الصحيح والضعيف والموقوف والمرسل، وينبه على أحوال الرواة. ومن أمثلة ذلك: وصفه بعض الأسانيد بأنها ضعيفة. وبيانه للانقطاع والإرسال في بعض الروايات، وترجيحه بين المرفوع والموقوف، وهذا يدل على أن منهجه ليس مجرد جمع وعظي للروايات، وإنما جمع إلى ذلك النقد الحديثي.

سادساً: الاستفادة من اختلاف الروايات في الترجيح، فإن ابن رجب رحمه الله- يوازن بين الروايات عند اختلافها، ولا يكتفي بإيرادها، بل يحدد ما يراه أصح. ومن أوضح أمثلة ذلك قوله في حديث إيقاد النار: إن رواية الوقف على أبي هريرة أصح، وأنه لا يعرف رفع الحديث إلا من طريق معينة. 

سابعاً: ربط النصوص بالعمل والسلوك، فالغاية من الكتاب ليست مجرد المعرفة بأوصاف النار، وإنما تحقيق أثر إيماني وتربوي. فقد صرح ابن رجب بأن مقصوده من الكتاب قمع النفوس عن الغي والفساد وحملها على المسارعة إلى الفلاح، وأن الخوف وسيلة لحمل النفس على الطاعة. نكما أنه يقرر بوضوح أن الخوف النافع هو الذي يحمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، وأن الخوف إذا أدى إلى تعطيل الطاعات المطلوبة انقلب عن مقصوده. 

ثامناً: التدرج الموضوعي وترتيب الأبواب؛ فقد رتب الإمام ابن رجب الكتاب في ثلاثين بابًا، يبدأ بالإنذار بالنار والخوف منها، ثم ينتقل إلى وصف جهنم وأحوالها، ثم أحوال أهلها وعذابهم، وينتهي ببيان صفات أهل النار وأصنافهم. وهذا الترتيب يكشف عن منهج مقصود: إثارة الخوف أولًا، ثم تعريف القارئ بالنار تفصيلًا، ثم بيان آثار الذنوب، ثم الانتقال إلى أحوال الداخلين فيها وأسباب دخولهم.

أبرز مصادر ابن رجب في كتابه

يمكن تصنيف مصادره في الكتاب إلى ستة أقسام رئيسة:

1. القرآن الكريم

وهو المصدر الأول والأساس؛ إذ يستشهد بالآيات في إثبات أوصاف النار وأحوال أهلها، ثم يفسرها بأقوال السلف. ومن أمثلة ذلك استدلاله بآيات: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، و﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾، و﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ وغيرها. 

2. السنة النبوية

وهي المصدر الأكثر حضورًا بعد القرآن، وهو ينقل من كتب كثيرة في السنة النبوية، أبرزها: الصحيحين. ومسند الإمام أحمد. وسنن الترمذي. وسنن ابن ماجه. والنسائي. والبزار. والحاكم. وابن حبان. وأبي يعلى. والطبراني، وغيرهم. كما أنه يحرص على عزو الحديث إلى مصدره، وبيان درجته عند الحاجة.

3. آثار الصحابة

ويكثر من الاستدلال بأقوال الصحابة في تفسير الروايات والآيات ونحو ذلك، من أمثال: ابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعمر بن الخطاب وغيرهم. وهذه الآثار عنده ليست مجرد شواهد وعظية، بل يستفيد منها في تفسير القرآن وبيان مسائل الغيب وتوضيح معاني الأحاديث.

4. أقوال التابعين والسلف

وهو مصدر بارز جدًا في الكتاب، ومن الأسماء التي قد تتكرر في الكتاب، الأئمة مجاهد، قتادة، الحسن البصري، سعيد بن جبير، عكرمة، الضحاك، السدي، ابن زيد، طاووس، الأوزاعي وغيرهم. وفي كثير من المواضع يجمع عدة أقوال للسلف في تفسير الآية الواحدة، كما فعل في تفسير «الضريع» و«المهاد والغواشي».

5. كتب الحديث والزهد والرقائق

لا يقتصر على دواوين الحديث، بل يستفيد من كتب الزهد والرقائق والمواعظ، ومن أبرزها كتاب الزهد للإمام أحمد. وكتاب الزهد لابن أبي الدنيا. بالإضافة إلى كتب أبي نعيم. والخلال. وغيرها مما يظهر في عزوه للروايات.

6. كتب التفسير والوعظ

وقد استفاد الإمام ابن رجب من كتب التفسير ونقول العلماء في تفسير ألفاظ القرآن، كما يظهر في نقله عن الزجاج وغيره في القراءات والمعاني اللغوية، وفي استيعابه لأقوال المفسرين في الآيات المتعلقة بالنار. 

طرق استدلال ابن رجب الحنبلي في كتابه

يمكن تلخيص طرق استدلال الحافظ ابن رجب فيما يلي:

طريقة الاستدلال

صورتها في الكتاب

الاستدلال بالقرآن

إثبات صفات النار وأحوال أهلها بالآيات الصريحة

تفسير القرآن بالقرآن

جمع الآيات ذات الموضوع الواحد وربط بعضها ببعض

تفسير القرآن بالسنة

إيراد الحديث المرفوع مفسرًا للآية

تفسير القرآن بأقوال السلف

نقل أقوال الصحابة والتابعين في معاني الآيات

الاستدلال بالحديث

الاعتماد على الأحاديث في مسائل الغيب وأحوال النار

الجمع بين الروايات

إيراد الطرق المختلفة للحديث الواحد

الترجيح الحديثي

تفضيل الموقوف على المرفوع أو الصحيح على الضعيف عند التعارض

نقد الأسانيد

بيان ضعف الراوي أو الإرسال أو الانقطاع

الاستدلال بالقرائن

تقوية معنى الرواية أو تفسيرها بالسياق والنصوص الأخرى

الاستنباط

الانتقال من النص إلى معنى أو حكم تربوي وعقدي

الاستشهاد بأقوال السلف

تقوية المعنى وتوضيحه وتفسير المجمل

الاستدلال العقلي التبعي

استعمال التعليل والقياس لإيضاح معنى ثبت بالنص

طريقة الإمام ابن رجب الحنبلي في الترجيح

يمكن القول إن ابن رجب محدِّثٌ ناقد قبل أن يكون مجرد جامع للروايات؛ فهو حين يعرض الأدلة يعتني بأمور أربعة:

  1. ثبوت الرواية: فيميز الصحيح من الضعيف.

  2. نوع الرواية: فيفرق بين المرفوع والموقوف والمرسل.

  3. جمع الطرق: إذ قد يعرض الحديث من أكثر من طريق لمعرفة ما يثبت منه.

  4. الاستناد إلى كلام أئمة الحديث: كاستفادته من أحكام الترمذي والحاكم والبزار وغيرهم، ثم قد يناقش تلك الأحكام كما في قوله عن بعض تصحيحات الحاكم: «وفي ذلك نظر». 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق