القرآن في مواجهة المادية
الدكتور محمد البهي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: المادية في السلوك البشري ملازمة للأنانية وحب الذات، والرغبة في الزعامة والسيطرة، والخضوع لأهواء النفس وشهواتها، والسعي إلى امتلاك عناصر القوة ومفاتيح النفوذ والتسلط، بما يحقق للمرء مصالحه الخاصة، دون اكتراث بمصلحة المجتمع أو القيم المشتركة التي تحفظ تماسكه.
ولا تقتصر هذه النزعة على الأفراد، بل قد تتجسد في الجماعات والطوائف التي تجعل مصالحها وأهواءها معيارًا لمواقفها وأحكامها. فالماديون يقيسون النجاح بما يملكه الإنسان من مال ومتاع، ويرون التفوق في امتلاك أفخم السيارات، وأجمل القصور، وأوسع الأراضي، وأكثر الشركات، وقد تتخذ المادية صورة التفاخر بالألقاب والمناصب، كالزعامة والرئاسة والإدارة والنيابة والاستشارة، حتى يصبح المظهر المادي ومكانة صاحبه معيارًا للحكم عليه.
وتنعكس هذه النظرة في طريقة تفكير أصحابها ومواقفهم من الإيمان والحق؛ إذ لا يطمئنون إلا إلى ما تدركه الحواس وتراه الأعين، ويجعلون المال والثروة والجاه أساسًا لقبول الآخرين أو ردهم، بدل الاحتكام إلى الحق والخير والقيم والمبادئ. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المنطق المادي في مواقف المشركين الذين طالبوا النبي ﷺ بأمور محسوسة توافق تصوراتهم، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، إلى آخر الآيات التي تكشف عن ربطهم الإيمان بالمطالب المادية.
ومنها أن يكون للنبي ﷺ بيت من زخرف، أو أن يرقى في السماء، ثم لا يؤمنوا حتى ينزل عليهم كتاب يقرؤونه. كما تتجلى المادية في التعويل على القوة والعصبية القبلية والقومية، واعتبارهما وسيلة للحماية من الأخطار ودفع العذاب، وهو ما تكشف عنه مواقف المغترين بقوتهم، كقولهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، وقولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.
وقد يقود تمجيد القوة والمال إلى احتقار الضعفاء والاستعلاء على أصحاب المكانة المتواضعة، كما ظهر في اعتراض بعض المكذبين على اتباع الفقراء للنبي ﷺ، وقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، وقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
وفي كتابه القرآن في مواجهة المادية، يتناول الدكتور محمد البهي هذه النزعة بوصفها قضية اجتماعية ونفسية تتصل بتمركز الإنسان حول ذاته، وارتباط تفكيره بالمادة والمحسوس، ورفضه التقيد بالقيم والمبادئ التي تتجاوز مصلحته الفردية.
ويمكن النظر إلى هذه الحالة في إطار ما يسميه المؤلف قضايا الطفولة الممتدة؛ إذ تظل بعض مظاهر التفكير الطفولي حاضرة في الإنسان عندما ينحصر اهتمامه في رغباته المباشرة ومطالبه المادية، ويعجز عن تجاوز ذاته إلى مراعاة الآخرين ومصالحهم. وإذا استحكمت هذه النزعة في أفراد المجتمع، امتد أثرها إلى المجتمع بأسره، فأصبح أقرب إلى الأنانية والفردية، وفقد أفراده روح المشاركة والتعاون، وضعفت لديهم المرجعية المشتركة من القيم والمبادئ التي ينتظم بها أمر الحياة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم المجتمع الجاهلي بوصفه مجتمعًا تهيمن عليه النزعة الفردية والمادية، وتغلب فيه المصالح الخاصة والأهواء على مقتضيات الحق والعدل والتكافل؛ فلا تكون العلاقات فيه محكومة بمنظومة أخلاقية راسخة، وإنما تتأثر بما يملكه الإنسان من قوة أو مال أو نفوذ.
والمادية، بهذا المعنى، ليست مجرد حب للمال أو اقتناء للممتلكات، بل هي طريقة في التفكير والحكم والسلوك، تجعل الأهواء والرغبات والشهوات مرجعًا للإنسان، وتزاحم القيم التي ينبغي أن تضبط حياته وعلاقاته بالآخرين. ومن هنا تبرز أهمية المواجهة القرآنية لهذه النزعة، من خلال رد الإنسان إلى ميزان الحق، وإخضاع الأهواء لمبادئ الوحي، والاحتكام إلى ما أنزل الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، فاتباع الهوى في مقابل الهداية يكشف جوهر الأزمة التي تعالجها الرؤية القرآنية للمادية.
الوحي المكي .. فى مواجهة المادية
إنَّ مواجهةَ القرآنِ للجاهلية، وهي المواجهة التي تصوّرها رسالةُ الله لتحدّي المادية في أيّ وقت، يحكيها الوحيُ المكّي؛ فسورُ الوحي المكّي جميعُها تتعرّض للماديين أو الجاهليين:
في تحديد صفاتهم كما جاء بها القرآن الكريم.
في موقفهم من القرآن.
في موقفهم من الرسول عليه السلام.
في موقف الرسول عليه السلام منهم.
أولًا: في تحديد صفات الماديين
١- الأنانية
يذكر القرآن من صفات الماديين الأنانيةَ وحبَّ الذات، وهما من خصائص الطفولة البشرية التي تعتمد على المحسوس وحده.
ويذكر القرآن ذلك في جانب بعض المؤمنين الذين تراجعوا في غزوة أُحُد، وكان تراجعهم سببًا في هزيمة المؤمنين ككل في هذه الغزوة، فيقول تعالى:
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
فبعض المؤمنين لم يفكّروا في غير ذواتهم في هذه الغزوة، بل فكّروا فقط في النجاة بأنفسهم، وتصوروا أن نجاتهم تكون في ابتعادهم عن ميدان القتال. ويقول تعالى حاكيًا قولهم:
﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
ثم يأمر الله نبيَّه أن يردّ عليهم بقوله:
﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
ويكشف ما يخفونه في أنفسهم، فيقول تعالى:
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.
ثم يردّ القرآن على تصورهم ربطَ الحياة بالابتعاد عن ميدان القتال، مبينًا أن الموت والحياة أمران مقدّران من الله، ولا يرتبط الموت بمكان معين، فيقول تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
فتفكير هذا النفر من المؤمنين، وقت الشدة في غزوة أُحُد، في أنفسهم ومصالحهم الخاصة، بقيةٌ من صفات الجاهليين؛ والحق أن شأن المؤمنين الذين انتقلوا بالإيمان إلى القيم الإنسانية أن يفكروا في غيرهم كما يفكرون في أنفسهم.
٢- التطاول بالشرف
ومن صفاتهم أيضًا التطاول بالشرف؛ فيقول الله في شأن ترفّع الوجهاء من قوم نوح عن أن يكونوا مع أتباعه في إطار واحد، وفي دائرة من المبادئ لا تميّز بينهم:
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
فالمَلَأ، أو أصحاب الوجاهة في قوم نوح، أعلنوا أن من أسباب امتناعهم عن الإيمان بدعوته إيمانَ فريق من الضعفاء والأتباع برسالته. وهم يأنفون، بسبب وجاهتهم، أن يكونوا مع هؤلاء في مجموعة واحدة.
كما يحكي القرآن على لسان الجاهليين والماديين في شبه الجزيرة العربية أن من أسباب رفضهم لرسالة القرآن أن الله لم يبعث به عظيمًا من عظمائهم في مكة أو الطائف؛ أي لم يرسل به واحدًا من زعمائهم، عندما يقول سبحانه:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
فعنجهية الجاهلية أو المادية لا تجعل غير الأثرياء والزعماء في القبيلة أو المجتمع أصحابَ صلاحية للصدارة والقيادة. والرسول عليه السلام ليس واحدًا من الأثرياء، ولا واحدًا من الزعماء؛ وبالتالي، فليس في نظرهم ذا أهلية لأن يُرسَل من ربّه ويتصدّر دعوته إلى الماديين.
٣- الاعتزاز بالمال والقوة المادية
ومن الطبيعي أن يكون من مظاهر طغيانهم الاعتزازُ بالمال والقوة المادية. ويحكي القرآن ذلك في جواب الملأ والنخبة في قوم سبأ لملكتهم، عندما طلبت منهم الرأي في مواجهة رسالة سليمان عليه السلام، فيقول تعالى:
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣].
فهم لا يقدّرون سوى القوة المادية في مواجهة أعدائهم.
كما يحكي القرآن ذلك على لسان المترفين في كل مجتمع، عندما يُدعى هؤلاء إلى اتباع رسالة الله التي تطلب العدل بين الناس جميعًا، فيقول تعالى:
﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٢-٥٣].
كما يحكي القرآن ما كان يواجه به الماديون والجاهليون في مكة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من السخرية والاستهزاء، فيقول تعالى:
﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦].
ويوضح القرآن ما كان عند هؤلاء الزعماء من تصوّر، وهو أن الداعي إذا لم يتميّز بالزعامة أو المال، وكان إنسانًا عاديًّا، فليس هناك ما يدعو إلى اتباعه، بل إن اتباعه يحقّق الخسارة المادية لمن يتبعه.
فهو غير متميّز عن الآخرين، ومن ثم لا ينبغي أن تُسمع دعوته، كما يقول تعالى:
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣-٣٤].
ويقول تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٤-٣٥].
وقد سجّل القرآن ذلك كذلك على لسان عاد في ردّهم على رسالة هود، في قول الله تعالى:
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
فالمال والقوة المادية مما يسند المادية أو الجاهلية في حياة الإنسان أو المجتمع المادي.
٤- الاستخفاف بالفقراء من أصحاب الدعوة إلى القيم الإنسانية
ويتبع الطغيان بالمال والقوة المادية الاستخفافُ بالفقراء إذا باشروا الدعوة إلى القيم الإنسانية. فالمعتز بماله أو قوته لا يصغي، في الغالب، إلى دعوة فقير يدعوه إلى العدل والرحمة، بل قد يعتبره صاحب جرأة غير عادية، وخارجًا عن اللياقة والذوق، فيسخر منه ويتهكّم عليه.
والقرآن يحكي تهكّم الحاكم في مصر من موسى عليه السلام، ومن جرأته في الدعوة التي دعاه إليها، فيقول الله تعالى:
﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١].
وكقاعدة عامة في هذا المجال، يذكر القرآن أن الماديين يقعون تحت تأثير أمرين في حياتهم: الإغراء بالمتع المادية من جانب، والسخرية من المؤمنين، لأنهم عادة لا يملكون منها إلا قليلًا، من جانب آخر. ويحكي الله تعالى عنهم قوله:
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢].
٥- الاستكبار والطغيان
الاستكبار مقدمة للطغيان؛ فهو الانصراف عن النظر في الحق لذاته، والعلوّ عنه، والحطّ من قيمته. والمستكبر يملأ نفسه بالخيلاء والإعجاب بذاته وبما هو فيه من جاه ومال وعصبية، في الوقت الذي يستصغر فيه غيره ويزدريه ويحتقره.
والمستكبر جريء في مواجهة الحق، وفي مناصرته للباطل. ويقول الله تعالى في وصف الماديين بهذه الصفة:
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
فهم لا يسعون إلى الاقتناع بالحق، وإنما يكونون مصمّمين على الرفض منذ البداية، ولا يتخذون سبيل الرشد سبيلًا؛ لأنه لا يتفق مع أهوائهم ومصالحهم، بينما يتخذون سبيل الغيّ لما يحقق لهم ما يريدون.
وإذا طغى المستكبر، ظهر إيثاره الحياة الدنيا، وإيثاره لذّاتها ومتعها المادية وأموالها وعصبيتها وقوتها، كما يقول تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٣٧-٣٩].
٦- الشُّحّ
ومن كانت الأنانية من صفاته، فإن الشحّ يكون من أبرز صفاته الأخرى؛ إذ يمسك بماله، ولا ينفقه على أصحاب الحاجة في مجتمعه.
ويحكي القرآن عن الماديين أو الجاهليين في حديثهم عن أنفسهم وقومهم، فيقول تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧].
فهم يتهكّمون في جوابهم على مطالبة المؤمنين لهم بالإنفاق على أصحاب الحاجة، ويجعلون مشيئة الله حجةً لترك إطعام الفقراء. ويكشف هذا الموقف عن حرصهم على منافعهم الخاصة، حتى يصبح الحرص على المال سببًا في الإعراض عن الهداية وتأييد الباطل كلما تعارضت المنفعة الشخصية مع الحق.
ويقول تعالى في وصف جدالهم:
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦].
٧- الجدل بالباطل
ويصف القرآن الماديين كذلك بأنهم إذا دخلوا في الجدل والحوار مع أصحاب الحق، جادلوا بالباطل؛ لأنهم يستندون إلى منافع خاصة بهم، وقد لا يوافق الحق في ذاته مصالحهم.
ويحكي القرآن اعترافهم بأسباب استحقاقهم للعقاب، فيقول تعالى:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٦].
فقد تركوا الصلاة، وامتنعوا عن إطعام المسكين، وخاضوا مع الخائضين في الباطل، وكذّبوا بيوم الدين. وهذه الصفات تتصل بالأنانية، وتجاهل المسؤولية تجاه الآخرين، والحرص على المصالح الدنيوية، والإعراض عن الحساب والجزاء.
٨- إنكار البعث
ومن صفاتهم إنكار البعث واليوم الآخر؛ إذ إن استغراقهم في الحياة الدنيا وافتتانهم بزخارفها ومتعها يجعلهم يتعاملون معها كما لو كانت الغاية النهائية للحياة، فلا يستحضرون ما وراءها من حساب وجزاء.
وقد قرن القرآن وصفهم بالشحّ ومنع الخير والاعتداء والشرك بالله، فقال تعالى:
﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: ٢٤-٢٦].
ويرى الماديون أن جزاء الإنسان يقتصر على هذه الدنيا، بالحصول على المتع أو الحرمان منها، ولا يؤمنون بجزاء آخر في دار أو مرحلة أخرى. والناس جميعًا في هذه الحياة معرّضون لإغراء الشهوات، كما يشير إلى ذلك قول الله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].
فالماديون يستسلمون لإغراء هذه الشهوات، حتى تنال من نفوسهم وتسيطر عليها، فيصبح سلوكهم محكومًا بها وحدها.
ويقول تعالى في وصف إعراضهم عن الإيمان:
﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩].
ويحكي القرآن مطالبتهم بالدليل المادي المحسوس، فيقول تعالى:
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠-٩٣].
ويقول تعالى:
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤].
ثم يوضح القرآن أن إرسال الرسل من جنس البشر يتناسب مع طبيعة المخاطَبين، فيقول تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥].
ويختم هذا السياق بقوله تعالى:
﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦].
ثم يسوق القرآن طلب الدليل المادي بوصفه ظاهرة عامة لدى الماديين والجاهليين في عهود الرسالات، حين يُدعون إلى الإيمان، فيقول تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩].
ويقول الله تعالى في إنكارهم للبعث:
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٥-٣٧].
ويجعل القرآن موقفهم من البعث نتيجةً لأمرين: الأول وقوعهم تحت إغراء الحياة الدنيا، والثاني تجاهلهم لهداية الله ورسالته للإنسان، فيقول تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧].
٩- المطالبة بالدليل المادي المحسوس
إذا كان من أبرز صفات الماديين تجاهلُ القيم الإنسانية والركونُ إلى المحسوس والمشاهد وحده، فإنهم في مجال الاقتناع والتصديق بالحجة لا يعرفون، بحسب هذا التصور، إلا الأمر المشاهد والملموس دون سواه.
ويحكي القرآن عن هؤلاء الماديين والجاهليين قولهم، مطالبين بالدليل المحسوس في مقام التصديق برسالة الرسول عليه السلام، وهي رسالة القيم الإنسانية. ويقول تعالى في وصف هذا الاتجاه:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨].
فطلب الدليل المحسوس من بعض أهل الكتاب لتصديق رسالة محمد عليه السلام ليس أمرًا غريبًا أو غير معهود في تاريخ البشرية، بل هو ظاهرة تكررت في عهود الرسالات السابقة؛ إذ تتشابه القلوب حين تتشابه المواقف القائمة على الإعراض عن الهداية، والارتهان للمحسوس، ورفض الحق ما لم يأتِ على وفق الأهواء والرغبات.
١٠- احتضانهم للشرك
يقوم الشرك على تعظيم أشياء متعددة، يصل الأمر ببعض عابديها إلى عبادتها وتأليهها. ومغريات الحياة الدنيا كثيرة، تجذب أنظار الماديين وتخدعهم بمتعها ومظاهرها؛ إذ إن الموجودات الدنيوية غير ثابتة ولا باقية، وليس من بينها ما يصلح للعبادة الدائمة، أو يستحق أن يُفرد بالألوهية.
وإذا كان الشرك قائمًا على عبادة تعدد الموجودات التي يتنقل العابدون بينها، فإن موقف الماديين من القرآن يدل على مدى جراءتهم على الحق، وعلى تعلقهم بما ألفوه من مظاهر الشرك والوثنية.
ويذكر القرآن أن نفوس هؤلاء الماديين أو الجاهليين كانت تهشّ وتستبشر إذا ذُكرت أوثانهم وشركاؤهم في الألوهية، وعلى العكس من ذلك، كانت تنقبض صدورهم إذا ذُكر الله وحده، فيقول تعالى:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].
١١- السخرية من المؤمنين
تنبع سخرية الماديين أو الجاهليين من المؤمنين، في المقام الأول، من عدم مبالغة المؤمنين في تقدير المتع المادية، على النحو الذي يبالغ فيه الماديون أنفسهم. ولذلك جاء ذكر سخرية الماديين من المؤمنين في قول الله تعالى:
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢].
وقد ورد ذلك عقب قوله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]؛ أي إن انشغالهم بالحياة الدنيا وافتتانهم بمتعها ومظاهرها يحملهم على السخرية من المؤمنين الذين لا يجعلون تلك المتع معيارًا وحيدًا لتقييم الإنسان ومكانته.
ويرتبط بالشرك كذلك النفاق، وهو ظاهرة السعي إلى تحصيل المنفعة أو دفع الضرر، والانتقال في هذا السعي من موجود إلى آخر، بحسب ما يحققه من مصالح وما يدفعه من أخطار.
ثانيًا: في موقف الماديين من القرآن
إذا كانت هذه صفات الماديين، فمن الطبيعي أن يكون موقفهم من القرآن منسجمًا مع ما اتصفوا به من صفات مذمومة. وبالفعل، فإن ما يحكيه القرآن عنهم يكشف عن تمسكهم بالباطل، ولجاجتهم في معارضته، ومحاولاتهم تشويه مصدره ومضمونه. وقد تجسدت الوثنية في اعتقادهم في صورتين متلازمتين: تعدد الآلهة، وتجسيم هذه الآلهة في صور محسوسة.
١- وصفهم القرآن بأنه أضغاث أحلام
يحكي القرآن وصفهم له بأنه أخلاط من الرؤى والأحلام، فيقول تعالى:
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥].
فهم ينتقلون من وصف القرآن بأنه أضغاث أحلام، إلى اتهام الرسول ﷺ بافترائه، ثم إلى وصفه بالشعر، ويطالبون بآية مادية محسوسة كما جاء بها الرسل السابقون، في محاولة منهم لردّ الرسالة وصرف الناس عنها.
٢- وصفهم القرآن بأنه كذب
ومن اتهاماتهم للرسول عليه السلام أنه افترى على الله الكذب، وأنهم لذلك لا يؤمنون به، كما يقول تعالى:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨].
وهذا الاتهام يعكس إصرارهم على رفض الرسالة، بدل النظر في حججها وما تدعو إليه من الحق.
٣- زعمهم أن القرآن من تأليف الرسول عليه السلام
زعم الماديون أن القرآن من تأليف الرسول عليه السلام، واستدلوا على ذلك، بحسب تصورهم، بأنه لم ينزل جملة واحدة. ولو كان من عند الله، لكان قد أُوحي به دفعة واحدة. ويرد القرآن على هذا التصور بقوله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
فتثبيت فؤاد الرسول عليه السلام بالقرآن يعني تمكينه وتمكين المؤمنين معه من استيعابه وتطبيقه في حياتهم. فالإيمان به ليس مجرد إعلان يُتلى، وإنما هو انتقال من وضع نفسي واجتماعي واقتصادي إلى وضع آخر مغاير، وتكوين عادات جديدة بدلًا من عادات أخرى كانت متمكنة وسائدة. وهذا الانتقال يحتاج إلى زمن وتدرّج.
ويشير المؤلف إلى كتابه منهج القرآن في تطوير المجتمع، الذي يوضح فيه لماذا كان نزول القرآن مفرّقًا لا جملة واحدة، وكيف تحقق الإيمان به في جيل واحد خلال ثلاث وعشرين سنة.
كما يرد القرآن على تحدّيهم للرسول عليه السلام، حين طلبوا منه أن يأتي بقرآن آخر غير هذا القرآن، زاعمين أنه هو الذي وضعه، فيقول تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥].
فالرسول عليه السلام يعلن أنه لا يستطيع تغيير القرآن أو تبديله من تلقاء نفسه، لأنه وحي من الله، وأن مهمته هي اتباع ما يوحى إليه، لا تأليف الكلام أو التصرف فيه بحسب إرادته.
وقد اعتنى القرآن بدفع هذا الاتهام، فبيّن أن الرسول عليه السلام عاش بين المكيين زمنًا طويلًا قبل الرسالة، ولم يكن يتلو عليهم قرآنًا، ثم بدأ يتلوه بعد أن كُلّف بالرسالة. وفي ذلك يقول تعالى:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦].
فقد لبث الرسول عليه السلام في قومه عمرًا من الزمن قبل نزول القرآن، ولم يسمعوا منه ما يسمعونه بعد الرسالة. وكان من الممكن ألا يتلوه عليهم لو لم يأمره الله بذلك، كما كان من الممكن ألا يعلموا به لولا أن الله أرسله إليهم. ووجود القرآن بهذه الصورة دليل على أنه من عند الله، لا من عند الرسول نفسه.
كما يذكر القرآن أن ما جاء به يتضمن تصديقًا للكتاب الإلهي السابق عليه، وتفصيلًا لمبادئه، وهو ما يستدل به المؤلف على وحدة المصدر الإلهي للرسالات. يقول تعالى:
﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧].
فكون القرآن مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، ومفصّلًا لما جاء فيه من الهداية، يدعم الحجة التي يعرضها المؤلف في الرد على دعوى أن الرسول عليه السلام ألّفه من عند نفسه ثم نسبه إلى الله.
وإذا لم يقبل الماديون هذه الحجج، فإن القرآن يتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، وأن يستعينوا بمن يستطيعون، فإن عجزوا ظهرت حجة القرآن وبطلان دعوى افترائه. يقول تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].
ثم يبين القرآن أن تكذيبهم لم ينشأ عن إحاطة بعلم القرآن وفهم حقائقه، فيقول تعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩].
ويقرر القرآن أن الناس سيختلفون في موقفهم من الرسالة، فمنهم من يؤمن بها ومنهم من لا يؤمن، وأن الله أعلم بالمفسدين، فيقول تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٤٠].
ويكرر القرآن تحدّيه لهم، ويبيّن أن اتهامهم الرسول عليه السلام باختلاق القرآن ناشئ عن عدم إيمانهم به، لا عن حقيقة في القرآن نفسه، فيقول تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣-٣٤].
٤- دعوتهم إلى الإعراض عنه واللغو فيه
يحكي القرآن عن الماديين أنهم لم يكتفوا برفض القرآن، بل دعوا إلى عدم الاستماع إليه، وإثارة اللغط حوله، والتشويش على من يستمع إليه، لعلهم بذلك يتمكنون من صرف الناس عنه. يقول تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
فهم يدعون إلى عدم الاستماع إليه، ثم إلى التشويش عليه باللغو والافتراء، لعل ذلك يخلق جوًّا من الشك حوله ويحول دون تأثيره في النفوس.
٥- وصفهم القرآن بأنه أساطير الأولين
ومن وسائلهم في التشكيك في القرآن وصفه بأنه خرافة من صنع الوهم، لا حقيقة يقينية يُبنى عليها توجيه سليم. فيحكي القرآن قولهم:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤].
ويقول تعالى في وصف من يستقبل آيات الله بالرفض:
﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥].
فالأسطورة، في هذا السياق، ما يزعمون أنه من صنع الوهم والخيال، وليس أمرًا متيقنًا يمكن أن يُبنى عليه توجيه الإنسان وحياته.
٦- زعمهم أن الرسول تعلم القرآن من غيره
ومن اتهاماتهم للرسول عليه السلام زعمهم أنه تعلّم القرآن من بشر، وقد حكى القرآن هذا الادعاء في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
وقد توسّع بعض أهل الكتاب، ولا سيما من تناولوا هذه المسألة من المحدثين، في هذا الادعاء، وجعلوه وسيلة لتبرير ما يرونه من اختلاف بين التوراة والإنجيل والقرآن. فإذا قرر القرآن بشرية عيسى عليه السلام، أو تناول ما يتعلق بعزير، أو أكد وحدانية الله، اتهموه بالتحريف في النقل عن التوراة أو الإنجيل، أو زعموا أن الرسول عليه السلام لم يفهم ما نُقل إليه من بعض النصارى أو اليهود.
ويعرض المؤلف هذا الموقف بوصفه صورة من صور إنكار المصدر الإلهي للقرآن، ومحاولة تفسيره تفسيرًا بشريًّا بدل الإقرار بوحيه.
٧- وصفهم القرآن بالسحر والخداع
ويحكي القرآن عن الماديين والجاهليين وصفهم الآيات بالسحر، وإعراضهم عنها إذا رأوا ما يدل على صدق الرسالة، فيقول تعالى:
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٢-٣].
فكلما رأوا الناس مقبلين على الدعوة ومتمسكين بالإيمان بها، ازدادوا إعراضًا عنها، وعزوا إقبال الناس إلى خداع الرسول عليه السلام لهم. وبهذا التصوير يظلّون في دائرة الكذب واتباع الأهواء، إلى أن تظهر عاقبة الدعوة ومصيرها الذي يقدّره الله.
ويشير المؤلف إلى أن لكل أمر نهاية يستقر عندها، وأن مآل الدعوة الإسلامية قد ظهر في اكتمال الدين وتمام النعمة، كما يقول تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ثالثًا: في موقفهم من الرسول عليه السلام
أما موقف هؤلاء الماديين أو الجاهليين من الرسول عليه السلام، فهو موقف الحاقد عليه، المترقّب لفشله، الذي يشيع عنه السوء ويختلق عليه الباطل. فقد كان بينه وبينهم صراع مرير من جانبهم؛ لأن نجاحه في دعوته يعني تفويت فرصة الزعامة عليهم في مكة إلى الأبد، وهم الذين اعتادوا السيادة والعيش على ما تتيحه لهم من مصالح ومنافع.
أما ما يترتب على نجاح هذه الدعوة من خير للبشرية، وإعادة الاعتبار إلى القيم الإنسانية، وإنهاء سيادة الإنسان على الإنسان، وسخرية الإنسان من الإنسان، فلم يكن يعنيهم في قليل أو كثير؛ لأن اتجاههم المادي أو الجاهلي في الحياة كان يزيّن لهم الأنانية ويجعل مصالحهم الخاصة محور تفكيرهم ومواقفهم.
رابعًا: في موقف الرسول عليه السلام منهم
١- الإعراض عنهم في بداية الدعوة
كان موقف الرسول عليه السلام من الماديين في بداية الدعوة قائمًا على الإعراض عنهم وعن أقوالهم وما يثيرونه حوله، توفيرًا للوقت والجهد، وتفرغًا لمواصلة الدعوة. وقد وجّهه القرآن إلى ذلك في قوله تعالى:
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩].
فيطلب إليه القرآن هنا أن يغضّ النظر عنهم، بسبب إعراضهم عن القرآن وعن دعوته إلى مبادئه. فهم ماديون أو جاهليون يقفون باهتمامهم وإيمانهم عند حدود متع الحياة الدنيا وحدها، ولا يفسحون في تفكيرهم مجالًا للقيم الإنسانية، ويرفضون النظر في اعتبارها مهما كانت واضحة.
٢- عموم الرسالة وعدم اقتصارها على العرب
وكما يطلب القرآن من الرسول عليه السلام الإعراض عنهم في بداية الدعوة، فإنه يبيّن له كذلك أن كتاب الله الذي أوحاه إليه، وما تضمنته دعوته من رفض الشرك والوثنية والعودة بالناس إلى توحيد الله، موجّه إلى الناس جميعًا؛ لأنه دعوة إلى تحويلهم من المادية والجاهلية إلى القيم الإنسانية التي تربط بعضهم ببعض. فهو ذكر للعالمين، لا يخص العرب وحدهم، ولا قريشًا بالتالي.
وقد ضاق أفق زعماء قريش بسبب تحزبهم لمصالحهم، ولا سيما مصلحة الزعامة؛ ولذلك وصفوا الرسول عليه السلام بالجنون، إذ لم يستطيعوا أن يتصوروا أن يدعوهم رجل من مكة إلى رفض الشرك والوثنية، والوقوف بالإيمان عند توحيد الله، دون أن يكون في نظرهم فاقدًا لقواه العقلية.
وعندما يتحدث القرآن عنهم، يقول تعالى:
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١].
ثم يردّ القرآن على هذا الاتهام، ويبيّن حقيقة الرسالة وعمومها، فيقول تعالى:
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢].
فاتهامهم الرسول عليه السلام بالجنون يعكس ضيق أفقهم، وعجزهم عن فهم دعوته التي تتجاوز مصالحهم الضيقة وتدعو إلى قيم إنسانية عامة.
٣- عدم الانشغال باتهاماتهم ومواصلة الدعوة
لم يكن توجيه القرآن إلى الرسول عليه السلام بالإعراض عن الماديين في المرحلة الأولى من الدعوة، وعدم الاستغراق فيما يثيرونه من أسئلة واعتراضات، معناه أن يتوقف عن الدعوة أو يجمّد رسالته. وإنما كان المطلوب منه أن يتجاوز مؤقتًا موقفهم منه ومن القرآن، وأن يستمر في نشاط الدعوة لهم ولغيرهم، رغم تحدياتهم واتهاماتهم الباطلة المتعددة.
ومعنى ذلك ألّا يسمح لمواقفهم بأن تؤثر في نفسه تأثيرًا سلبيًّا يسيء إلى استمرار الدعوة وقوتها. وقد جاء في سورة الطور نداء قوي يدعوه إلى مواصلة مهمته، رغم ما وجهه إليه الماديون والجاهليون من اتهامات، فقال تعالى:
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩].
فالآية تطلب إليه أن يستمر في دعوته، وتنفي عنه في الوقت نفسه أن يكون كاهنًا أو مجنونًا. ويشير المؤلف إلى أن الكهانة كانت مرتبطة بادعاء معرفة الغيب، وأن القرآن تناول إبطال هذه التصورات في مواضع أخرى.
ثم يعرض القرآن اتهاماتهم المتعددة، ويردّ عليها، فيقول تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَٰذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٠-٣٤].
ثم يواجههم القرآن بأسئلة تتعلق بأصل الخلق، ودلائل القدرة الإلهية، وحقيقة ما يدّعونه من العلم والقوة، فيقول تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥-٣٧].
ويتابع القرآن أسئلته التي تكشف تناقض مواقفهم، فيقول تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٣٨-٤٣].
فهذه الآيات، كما يعرضها المؤلف، تواجه أبرز الاتهامات التي وجّهها الماديون والجاهليون إلى الرسول عليه السلام وإلى كتاب الله؛ فقد وصفوه بالشاعر والكاهن والمجنون، وزعموا أنه اختلق القرآن أو نقله عن غيره، مع أن هذه الادعاءات لا تقوم مقام الحجة ولا تثبت بطلان الرسالة.
وتكشف الأسئلة القرآنية كذلك عن تناقض موقفهم؛ فهم لا يملكون دليلًا على ما يزعمونه من سلطة أو علم بالغيب، ولا يستطيعون تقديم ما ينقض حجج القرآن، وإنما تدفعهم أهواؤهم ومصالحهم إلى المعارضة. ولذلك كان توجيه القرآن إلى الرسول عليه السلام واضحًا: الاستمرار في الدعوة، وعدم الاستسلام للاتهامات، ومواجهة الباطل بالحجة، مع الثبات على الرسالة التي أوحاها الله إليه.
كيف واجه الإسلام المادية؟
١- خضع الإسلام الطغيان المادي، ودعا إلى امتثال القيم والمبادئ، وجعلها فوق كل مادة.
٢- أعاد الإسلام التوازن بين الروح والمادة، والفرد والجماعة؛ فلم يُلغِ الجانب المادي، ولكنه هذَّبه ونظَّمه.
٣- جعل الإسلام المادة وسيلةً لتحقيق غايات أسمى، من تحقيق العبودية لله، ورفع الظلم والعدوان عن البشرية، ورفض تفسير المادية للظلم والعدوان.
٤- الإسلام في أسمى صوره دعوةٌ إلى القيم الإنسانية العليا.
٥- نهى الإسلام عن الإسراف في الاستمتاع، فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
٦- نهى الإسلام عن مباشرة الفواحش، وبالأخص الجرائم الاجتماعية، كالزنا والسرقة وقتل النفس التي حرَّم الله قتلها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق