أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

دور قناة الجزيرة الفضائية في إحداث التغيير السياسي في الوطن العربي (الثورة المصرية نموذجاً) إعداد محمد عارف محمد عبد الله بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 دور قناة الجزيرة الفضائية في إحداث التغيير السياسي في الوطن العربي (الثورة المصرية نموذجاً)

إعداد محمد عارف محمد عبد الله

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: تثير تجربة قناة الجزيرة الفضائية إشكاليات عميقة بشأن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة، وحدود الاستقلالية في ظل ارتباط المؤسسات الإعلامية بمصالح الدول والجهات الممولة لها. فعلى الرغم من الصورة التي سعت القناة إلى ترسيخها بوصفها منبرًا إعلاميًا يتبنى شعار «الرأي والرأي الآخر»، ويمنح مساحة للتعددية السياسية والفكرية، فإن مسيرتها، ولا سيما خلال التحولات السياسية التي شهدها العالم العربي، أثارت انتقادات واسعة شككت في مدى نزاهتها وموضوعيتها، وطرحت تساؤلات جوهرية حول حقيقة الدور الذي تؤديه، وما إذا كانت تغطياتها تنطلق من اعتبارات مهنية خالصة، أم تتداخل فيها حسابات سياسية واستراتيجية تخدم مصالح الجهات الداعمة لها.

وفي هذا السياق، يظهر دور القناة بوصفها أداةً غير بريئة ولا محايدة في العديد من المحطات المفصلية، بل شكل دورها الإعلامي إلى صناعة المشهد السياسي الموجه، والذي تجاوز حدود نقل الأحداث إلى التأثير في مساراتها وصناعة اتجاهات الرأي العام حيالها. وقد برزت هذه القضايا بصورة خاصة خلال أحداث ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، إذ ساهمت الجزيرة في تأجيج الاحتجاجات وتسريع انتشارها، من خلال تكثيف التغطية الميدانية، وتكرار بث مشاهد الاحتجاجات، وإبراز أصوات المعارضة، وتوجيه الاهتمام الإعلامي نحو إخفاقات الأنظمة الحاكمة. وبالطبع لم تكتفِ القناة بمواكبة الثورات، بل أسهمت في تهيئة المناخ الإعلامي والسياسي الذي أحاط بها، وفي التأثير في مساراتها وتداعياتها في عدد من الدول العربية.

كما أن القناة تلاعبت وعبثت بالسياقات الإعلامية للمشاهد المنقولة، وقدمت الوقائع بصورة انتقائية، وقامت بتحريف دلالات بعض الأحداث، والخلط بين الوقائع الثابتة والتفسيرات المحتملة، الطريقة التي أدت إلى توجيه المتلقي نحو استنتاجات تتوافق مع توجهات القناة أو مصالح الأطراف التي تدعمها.

وقد أُثيرت تساؤلات كبيرة حول الخطاب الإعلامي الذي قدمته الجزيرة منذ انطلاقها، ودورها في تأجيج الانقسامات السياسية والمذهبية، وإذكاء التوترات في أكثر من منطقة من مناطق العالم الإسلامي، بالإضافة إلى الطريقة المنحازة في معالجة الصراعات، وانتقاء الضيوف، وترتيب الأولويات الإخبارية، وإبراز بعض الروايات على حساب روايات أخرى. 

ووفقًا لهذا النقد الواقعي والمهني والذي يصبُّ في صُلب عمل القناة، فإن الخلل يمتد إلى طريقة صياغة الخبر، طريقة عرضه، والسياق الذي يُعرض فيه، والتوجيه الغير مباشر للمشاهد، بالإضافة إلى تكرار بعض الأحداث، والتركيز على أخرى، وانتهاج أسلوب الانتقاء والتأطير الإعلامي.

وقد اكتسب موضوع تمويل القناة أهمية خاصة في تفسير هذه الانتقادات؛ إذ إن اعتماد القناة على الدعم المالي القطري يثير تساؤلات حول العلاقة بين مصالح الدولة الممولة وتوجهات الخطاب الإعلامي، ومدى قدرة هذه المؤسسة على الفصل بين أولوياتها التحريرية والحسابات السياسية للدولة الراعية لها. 

وقد سعى بعض الباحثين من أصحاب الخلفيات السياسية التي تتفق مع سياسات قطر إلى إظهار الجزيرة بوصفها وجهًا إعلاميًا يتسم بالموضوعية والحرص على نقل الحقيقة، قد ركز على جانب من تجربتها، دون أن يمنح الاهتمام الكافي للأسئلة النقدية المتعلقة بوظيفتها السياسية وحدود استقلاليتها، أو يختبر بصورة معمقة مدى توافق خطابها المعلن مع ممارساتها الفعلية. 

ومن ثم، فإن المعالجة التي تقدم القناة في صورة منبر محايد لنقل الحقيقة تظل قاصرة إذا لم تتناول التناقضات المحتملة بين خطابها المهني وممارستها التحريرية، وبين رسالتها الإعلامية المعلنة ومصالح الجهات المرتبطة بتمويلها. وبذلك، فإن الباحث، وفقًا لهذا المنظور النقدي، لم يبلغ جوهر الإشكالية، ولم يُصب كبد الحقيقة؛ لأنه لم يضع الدور السياسي المحتمل للقناة في صلب التحليل، ولم يفحص بما يكفي أثر التوجيه والانتقاء والتأطير الإعلامي في تشكيل الأحداث وصناعة المواقف العامة.

وقبل الحديث عن البحث، أعرض علاقة الجزيرة بالسلطة الفلسطينية!

الجزيرة والسلطة الوطنية الفلسطينية

((من مصلحتك البحتة أن تهاجم محمود عباس شخصياً، والشرعية الفلسطينية، ومنظمة التحرير.. لمصلحة مَن يتم هذا التوقيت؟ أنت تعارض لأجل المعارضة فقط! هذا هو العرض الحقيقي، ورغم أنك قد ترفض تقبله، إلا أنني بالنسبة لك أُعتبر "سلطة" يجب أن تسقط وفقاً لموقفك وفكرك السياسي.. سلطة يجب أن تسقط..))

هكذا صرخ صائب عريقات في وجه أحمد منصور والعاملين في قناة الجزيرة. فهل كلام عريقات صحيح؟ صحيح أن هناك إشكالات سابقة بيننا وبين القناة، ونحن على دراية بمشكلات العرب مع الجزيرة، لكن لم يسبق أن تحدث أحد عن مشكلات الجزيرة مع فلسطين.

تحديدًا في سنة 2001، بعد ستة أشهر من اندلاع انتفاضة الأقصى، أصدر أبو عمار أمرًا بإغلاق مكتب الجزيرة في رام الله؛ لأن القناة حمّلت حركة فتح وعرفات مسؤولية الحرب الأهلية اللبنانية في أحد برامجها الوثائقية، في فتنة وُصفت بأنها جاءت في وقت حساس جدًا.

ولم يكن قرار إغلاق الجزيرة بدعة ابتدعتها السلطة الفلسطينية، فقد سبقتنا سبع دول عربية إلى إغلاق مكاتب الجزيرة لأسباب مختلفة. لكن بعد وساطات عدة، عادت الجزيرة إلى العمل في فلسطين مرة أخرى، إلى أن جاءت سنة 2003 ليتغير كل شيء. حينها عيّنت الجزيرة مديرًا جديدًا للقناة، وهو شاب في أواخر الثلاثينيات من عمره، فلسطيني من جنين يُدعى «وضاح خنفر»، وكان يعمل مراسلًا لهم في جنوب إفريقيا، ويقدم تقريرًا كل سنتين. فكيف لمراسل عادي أن يصبح مديرًا لقناة بحجم الجزيرة؟ بعد البحث والتحري، لم نجد سببًا سوى ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين، فعلاقاته قوية داخل الجماعة، وهو مقرّب جدًا من مفتي الناتو، الشيخ يوسف القرضاوي.

لكن بمجرد أن تولّى وضاح إدارته، لم يكن يعرف كيف يهاجم السلطة وعرفات كما ينبغي؛ فالرجل محاصر بالدبابات، فما عسانا نقول عن ذلك؟ ورغم ذلك، بدأت تحدث داخل الجزيرة مشكلات واستقالات أعقبت تعيين خنفر.

يقول مدير مكتب الجزيرة في واشنطن المستقيل، حافظ المرازي: «من اليوم الأول لعهد خنفر، تجلّى التغيير في المحطة، خصوصًا في ما يتعلق باختياره مساعدين ينتمي معظمهم إلى التيار الإسلامي المتشدد». ويضيف: «عبّرت عن تحفظي مرارًا تجاه السياسات المترتبة على مثل هذا التغيير، لا سيما أن الجزيرة تجاوزت الخط الأحمر، وكنت حريصًا على ألّا تتحول القناة إلى تلفزيون حماس».

يتساءل البعض على لسان أحدهم: لماذا يريدون منا مهاجمة خصوم حماس؟ أنا لست من الإخوان المسلمين، والمفترض أن يكون دورنا دعم جميع أبناء فلسطين. ولهذا السبب، كان عدد من المذيعين والمراسلين يستقيلون تباعًا من القناة بسبب وضاح خنفر، مثل جميل عازر، أحد المؤسسين، وغسان بن جدو وغيرهما كثيرون، ليأتي خنفر ببدلاء من ذوي التوجه الإخواني.

وهؤلاء لم يُرَد لهم أن يكونوا مجرد أدوات في يد الإخوان أو في يد الجزيرة ومن وراءها، بل وُظِّفوا للعمل ضد العربية؛ لأنه من المعروف أن سياسة التحريض والتلقين المستمر والتكرار اليومي تجعل قطاعًا من الشعوب يصدق أن الطرف الآخر «خائن»، وأن الخلاص الأبدي يكون بقتلهم، وقد حدث ذلك، وكانت البداية من فلسطين.

بعد سنوات من التحريض المستمر على الاقتتال بين حماس وفتح سنة 2006، وفي لقاء صحفي، قال أسر عبد ربه، أمين سر منظمة التحرير، صراحة: «الجزيرة شريكة في الجرائم التي ارتكبتها ميليشيات حماس ضد شعبنا». لقد كنا أول من استقبل هذه القناة ودعمها في المنطقة، ولكن حدث انقلاب في غزة، وكان دور الجزيرة مطابقًا تمامًا لدورها في العراق؛ ففي غزة، وأثناء الاقتتال الداخلي، كانت الجزيرة تعلن سقوط مواقع للأجهزة الأمنية قبل سقوطها الفعلي بساعات، وهو ما كان يؤثر سلبًا في معنويات المقاتلين في أماكن أخرى. ويشبه ذلك تمامًا ما فعلته في العراق حين أعلنت استسلام الجيش العراقي بينما كانت المعركة لا تزال مستمرة.

وأنا ألوم الجزيرة مرة أخرى؛ لأنها تروّج للرواية الأمريكية قبل أن تتأكد منها، وأرجوكم أن تدققوا وألّا تمارسوا هذا الدور. وبما أن القناة تقع بجوار القاعدة الأمريكية التي تنطلق منها الطائرات لقصف العراق، فماذا كنتم تتوقعون أن يكون دورها؟ وبعد الانقلابات، لم تنتهِ مهمة الجزيرة، بل استمر التحريض بلا توقف، ولهذا قررت القيادة الفلسطينية سنة 2009 إغلاق مكتب الجزيرة في رام الله مؤقتًا، والتوجه إلى القضاء للبت في القرار، وعلّلوا ذلك بالتحريض المستمر ضد منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. وبوساطات سعودية وعربية، حُلّت المشكلة مرة أخرى، وعادوا إلى العمل بعد أيام.

لكن المواجهة الحقيقية مع الجزيرة والاختبار الأكبر لنا كانا في سنة 2011؛ وهي السنة التي قيل فيها لعريقات إن هدفكم هو «سلطة يجب أن تسقط». فما الذي حدث؟ أعلنت أمريكا أنها تريد شرق أوسط جديدًا، وانطلقت الثورات العربية.

ومنذ ذلك الحين، رأينا ما حدث في اليمن وليبيا وسوريا ومصر وغيرها، وراقبنا دور الجزيرة في تأجيج شعوب هذه البلدان بخطابها الشعبي الموجَّه، وهناك دراسات أُجريت حول دور الجزيرة بالتفصيل في هذه الثورات. لكن بلدين فقط استطاعا الإفلات من هذه المحرقة: البحرين وفلسطين.

أما البحرين، فقد تدخلت السعودية بالدبابات وأنقذتها، وإلا لكانت اليوم ولاية إيرانية. وأما فلسطين، فكان الوضع مختلفًا تمامًا؛ إذ كانت الخطة موضوعة ومُعَدّة لنا منذ فترة طويلة. ففي عامي 2008 و2009، كانت هناك مفاوضات تُجرى بيننا وبين الإسرائيليين برعاية أمريكية، لكن هذه المفاوضات فشلت. وكانت محاضر هذه الاجتماعات التي عُقدت بيننا وبينهم تصل إلى الجزيرة أولًا بأول، لكنهم لم ينشروها، وظلوا ينتظرون اللحظة المناسبة.

وبعدما بدأت الثورات فيما يُسمّى «الربيع العربي»، شرعت الجزيرة في تسريب ملفات المفاوضات بيننا وبين الإسرائيليين، وقد جزّأتها واختصرتها باحترافية شديدة لغاية واحدة وهدف محدد: إظهار السلطة بمظهر الخائن والعميل الذي باع فلسطين، لتشجيع الناس على الخروج في ثورة على غرار باقي الشعوب لإسقاط السلطة. وصارت القناة تستضيف يوميًا خصوم فتح والسلطة عبر فترات بث مفتوحة لغرض التخوين والتجسس. وقد تناولوا يوم 28 يناير 2011 على أنه الموعد الحاسم لبدء الثورة وإسقاط النظام، وراحوا يناقشون سيناريوهات ما بعد السلطة وحركة فتح. ولهذا السبب قرر عريقات الذهاب إلى الجزيرة لتفنيد أكاذيبهم ودحضها قبل يوم واحد فقط من انطلاق تلك الثورة. يا سلام، لقد جئت، ولم يأتِ بك الهواء! تعالوا نوجّه إليكم الضربة الأخيرة، لكن في بداية هذا اللقاء...

وعوداً إلى الدراسة ذات الشأن:

هدفت الدراسة التي بين يدينا إلى التعرف على الدور الذي اضطلعت به قناة الجزيرة الفضائية في إحداث التغيير السياسي في الوطن العربي، من خلال اتخاذ الثورة المصرية نموذجًا للدراسة والتحليل. وانطلقت من فرضية أساسية مفادها أن التغطية الإعلامية المكثفة التي قدمتها القناة أسهمت في دعم الثورة المصرية وتعزيز فرص نجاحها، بما انعكس على مسار التغيير السياسي في المنطقة العربية. ولتحقيق أهدافها، اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، واستخدمت الاستبيان أداةً لجمع البيانات الميدانية من عينة بلغت مئة فرد من النخبة المصرية، ضمت صحفيين وسياسيين وأساتذة جامعات، جرى اختيارهم باستخدام أسلوب عينة كرة الثلج.

طبيعة دور قناة الجزيرة في الثورة المصرية والجدل المحيط به

أثار الدور الذي أدته قناة الجزيرة خلال الثورة المصرية تباينًا في وجهات النظر بين الباحثين والمراقبين. فقد رأى اتجاه أن القناة التزمت بدورها الإعلامي والمهني، وأسهمت من خلال تغطيتها المستمرة في دعم مطالب الثوار وتحفيز الحراك الشعبي في مصر والعالم العربي. في المقابل، اعتبر اتجاه آخر أن القناة تجاوزت حدود التغطية الإخبارية التقليدية، وتحولت إلى طرف فاعل في الأحداث، بما جعلها شريكًا في تشكيل مسارها والتأثير في اتجاهاتها.

وفي هذا السياق، استعرضت الدراسة عددًا من الأدبيات السابقة التي تناولت السياسة التحريرية للجزيرة وخطابها الإعلامي وعلاقته بالتحولات السياسية العربية، كما ناقشت الظروف التي أحاطت بإغلاق مكاتب القناة في بعض الدول، والإجراءات التي اتُّخذت ضدها، وانعكاسات ذلك على أدائها الإعلامي وعلاقاتها السياسية.

أبرز نتائج الدراسة

أظهرت نتائج الدراسة أن قناة الجزيرة أدت دورًا مؤثرًا في تشكيل رأي عام مصري وعربي مؤيد للثورة المصرية ومعارض للنظام السابق، وذلك من خلال توظيف أساليب تحريرية وفنية وإعلامية انسجمت مع مطالب المحتجين وتطلعاتهم. كما أشارت النتائج إلى أن التغطية الميدانية المتواصلة، ولا سيما النقل المباشر للأحداث من ميدان التحرير، أسهمت في تعزيز زخم الثورة ودعم استمراريتها، من خلال إبقاء الأحداث في صدارة الاهتمام الإعلامي والجماهيري.

وذهبت الدراسة كذلك إلى أن التغطية الإعلامية المكثفة زادت من صعوبة ارتكاب انتهاكات واسعة بعيدًا عن أنظار الرأي العام، نتيجة الحضور المستمر للكاميرات ووسائل الإعلام. ومع ذلك، ظلت مسألة الحياد والموضوعية في أداء القناة موضع نقاش، في ضوء ما اعتُبر انحيازًا واضحًا إلى مطالب الثورة، وما أثاره ذلك من تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين التغطية الإعلامية المهنية والمشاركة في توجيه الأحداث السياسية.

دور وسائل الإعلام في الحياة السياسية والاتصال الجماهيري

أبرزت الدراسة المكانة المحورية لوسائل الإعلام في المجال السياسي، باعتبارها وسيطًا بين الرأي العام وصنّاع القرار، وأداةً لنقل المعلومات وتشكيل المواقف والاتجاهات العامة والتأثير في القضايا التي تحظى باهتمام المجتمع. كما استعرضت مجموعة من النظريات المفسرة للتأثير الإعلامي، من بينها نظرية الرصاصة أو الحقنة تحت الجلد، ونظرية التأثير التراكمي، ونظرية التطعيم، ونظرية حارس البوابة، ونظرية الاستخدامات والإشباعات.

وتطرقت الدراسة إلى التمييز بين الإعلام والدعاية السياسية، موضحةً أن الإعلام يفترض أن يقوم على تقديم المعلومات وإتاحة المجال لتعدد الآراء، في حين قد تستهدف الدعاية توجيه الجمهور نحو مواقف محددة لخدمة مصالح سياسية أو أيديولوجية. وفي هذا الإطار، انتقدت الدراسة واقع قطاع واسع من وسائل الإعلام العربية، الذي اتسم في مراحل عديدة بالتبعية للسلطات الحاكمة، وبالاعتماد على خطاب إعلامي موجّه من أعلى إلى أسفل، بما حدّ من قدرته على التعبير عن التعددية السياسية والاجتماعية.

نشأة الفضائيات العربية وبروز قناة الجزيرة

شهد الإعلام العربي، لفترة طويلة، هيمنة واضحة من جانب الحكومات والأنظمة السياسية، التي استخدمت وسائل الإعلام الرسمية لنقل خطابها وترويج سياساتها وتعزيز صورتها أمام الجمهور. غير أن ظهور القنوات الفضائية العربية أسهم تدريجيًا في إضعاف هذه الهيمنة، وفتح المجال أمام أنماط جديدة من التغطية الإخبارية والبرامج الحوارية التي تناولت قضايا سياسية حساسة.

وفي هذا السياق، برزت قناة الجزيرة بوصفها تجربة إعلامية لافتة، تبنت خطابًا أكثر جرأة في مناقشة القضايا السياسية العربية وانتقاد أداء الحكومات، وأتاحت المجال لاستضافة المعارضين وطرح وجهات نظر متعددة. وقد منحها ذلك موقعًا مؤثرًا في المشهد الإعلامي والسياسي العربي، وجعلها موضع تأييد من قطاعات رأت فيها نموذجًا للإعلام الأكثر حرية، وانتقاد من جهات اعتبرت خطابها وتغطياتها متجاوزين للحدود المهنية أو متأثرين باعتبارات سياسية.

نشأة قناة الجزيرة وخلفيات تأسيسها

نشأت قناة الجزيرة بوصفها مشروعًا إعلاميًا قطريًا ارتبط بتوجهات دولة قطر نحو تطوير قطاع الإعلام وتعزيز حضورها على المستويات الخليجية والعربية والدولية. وقد تأثرت فكرة تأسيس القناة بتجربة هيئة الإذاعة البريطانية في خدمتها العربية (BBC Arabic)، التي مثلت نموذجًا للإعلام الإخباري القائم على المهنية والجرأة في تناول القضايا العامة.

وتأسست الجزيرة رسميًا بموجب مرسوم أميري في 8 فبراير 1996، برأسمال بلغ نحو 500 مليون ريال قطري، وبدأت بثها في الأول من نوفمبر من العام نفسه. واستفادت القناة في مراحلها الأولى من استقطاب عدد من الكفاءات الإعلامية والفنية، ولا سيما العاملين السابقين في خدمة BBC العربية، الأمر الذي ساعدها على بناء هويتها المهنية وتطوير أدائها الإخباري.

التطور الإعلامي وانتشار القناة دوليًا

تمكنت الجزيرة خلال فترة قصيرة من تحقيق انتشار واسع، مستفيدةً من تغطيتها للأحداث السياسية والأمنية الكبرى في المنطقة والعالم. وشكلت تغطيتها لهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب على أفغانستان محطة مفصلية في مسيرتها، إذ أصبحت تقاريرها وصورها مصدرًا اعتمدت عليه مؤسسات إعلامية غربية عديدة في متابعة الأحداث.

كما أسهم وصول تقارير القناة إلى الجمهورين الأمريكي والأوروبي في توسيع نطاق تأثيرها، والانتقال بها من مؤسسة إعلامية تستهدف النخب العربية بالدرجة الأولى إلى قناة ذات حضور جماهيري دولي. وقد عزز ذلك مكانتها بوصفها نموذجًا مختلفًا عن الأنماط التقليدية التي سادت قطاع الإعلام الفضائي العربي.

التمويل والملكية وحدود الاستقلالية

اعتمدت الجزيرة منذ تأسيسها بدرجة كبيرة على الدعم المالي الذي وفرته الحكومة القطرية، إذ خُصص لها مبلغ يقارب 500 مليون ريال قطري لتمويل أنشطتها خلال السنوات الخمس الأولى، على أساس أن تسعى لاحقًا إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلال المالي. غير أن هذا الاستقلال لم يتحقق بصورة كاملة، واستمر التمويل الحكومي في أداء دور أساسي في دعم عمليات القناة.

وفي إطار محاولاتها تنويع مصادر الإيرادات، اتجهت الجزيرة إلى الاستفادة من الإعلانات، وتسويق الكتب والمنشورات، وتطوير أنشطة مركز الجزيرة للدراسات ومركز التدريب والاستشارات، فضلًا عن الاستفادة من حقوق البث ومصادر الدخل الأخرى. ومع ذلك، ظل اعتمادها على التمويل القطري أحد العوامل التي أثيرت بشأنها تساؤلات حول مدى استقلاليتها التحريرية.

وعلى الرغم من تمتع القناة بهامش من الحرية أوسع مما كان متاحًا في عدد من وسائل الإعلام الرسمية العربية، فإن ذلك لا يعني استقلالها المطلق عن الاعتبارات السياسية. فقد أشارت الدراسة إلى محدودية تناولها النقدي للنظام القطري وبعض سياسات الدولة الداخلية والخارجية، وهو ما أوجد نقاشًا بشأن العلاقة بين التمويل الحكومي والاستقلال التحريري.

الأهداف السياسية والإعلامية لقناة الجزيرة

ارتبط تأسيس الجزيرة بأهداف سياسية وإعلامية متداخلة. فمن الناحية السياسية، مثّلت القناة إحدى الأدوات التي سعت قطر من خلالها إلى تعزيز حضورها الإقليمي والدولي، وتوسيع قدرتها على التأثير في القضايا العربية، في ظل التنافس القائم بين دول المنطقة وتباين مصالحها.

أما من الناحية الإعلامية، فقد استهدفت القناة تقديم نموذج إخباري عربي أكثر انفتاحًا وحرية، والارتقاء بمستوى التغطية السياسية بعيدًا عن التركيز المفرط على المضامين التجارية والترفيهية. كما سعت إلى منافسة المؤسسات الإعلامية الغربية في نقل الأحداث الدولية، وتقليص هيمنة القوى الإعلامية التي امتلكت نفوذًا واسعًا في الفضاء العربي، بما في ذلك المؤسسات السعودية ذات الحضور البارز آنذاك. وبذلك، لم يقتصر أثر الجزيرة على تطوير الممارسة الإعلامية، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل جانب من موازين النفوذ الإعلامي والسياسي في المنطقة العربية.

السياسة التحريرية ومبادئ العمل الإعلامي

استندت السياسة التحريرية للجزيرة، وفقًا لما عرضته الدراسة، إلى شعار «الرأي والرأي الآخر»، الذي يعكس توجهًا نحو إتاحة المجال أمام اتجاهات سياسية وفكرية متنوعة للتعبير عن مواقفها. كما أكدت القناة في خطابها المؤسسي مجموعة من القيم، من بينها الصدق والجرأة والإنصاف والتوازن والمصداقية والتنوع والاستقلالية.

وتجسدت هذه التوجهات في استضافة محللين وخبراء يمثلون رؤى مختلفة، وتناول القضايا من زوايا متعددة، مع التأكيد على عدم تحريف الوقائع وإتاحة حق الرد للأطراف المعنية. وقد ساعد هذا النهج في توسيع نطاق النقاش العام، والتأثير في الأجندات الإعلامية والسياسية العربية، والحد من قدرة الحكومات على احتكار الخطاب الإعلامي بصورة كاملة.

ومع ذلك، لم تسلم الممارسة التحريرية للقناة من الانتقادات، إذ أُثيرت تساؤلات بشأن مدى التزامها بالموضوعية والتوازن في تغطية بعض الأزمات والصراعات والثورات العربية. وقد ارتبط جانب من هذه الانتقادات بالاعتقاد بأن توجهاتها التحريرية لم تكن منفصلة تمامًا عن الحسابات السياسية الإقليمية.

أثر الجزيرة في الوعي السياسي العربي

أسهمت الجزيرة، من خلال برامجها الحوارية وتغطياتها الإخبارية، في توسيع مساحة النقاش السياسي داخل المجتمعات العربية، عبر طرح موضوعات كانت وسائل الإعلام الرسمية تتجنب تناولها أو تعالجها ضمن حدود ضيقة. وشملت هذه الموضوعات الاستبداد السياسي، وتقييد الحريات، والفساد، وغياب العدالة الاجتماعية، والفقر والبطالة، إلى جانب القضايا العربية المركزية، مثل القضية الفلسطينية واحتلال العراق والديمقراطية والإصلاح السياسي.

وقد ساعدت التغطية المتواصلة لهذه القضايا على إبقائها في صدارة الاهتمام الجماهيري، كما أتاحت للمشاهدين الاطلاع على تحليلات ووجهات نظر متعددة بشأنها. وأسهم ذلك في تعزيز اهتمام قطاعات من الجمهور العربي بالشأن العام، وتوسيع إدراكها للتحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه مجتمعاتها.

كذلك أدت القناة دورًا في كشف عدد من الممارسات التي اتهمت بها الأنظمة العربية، بما في ذلك التضييق على المعارضين، والانتهاكات المرتبطة بالأجهزة الأمنية، وقضايا الفساد السياسي والمالي والإداري. وقد أسهم تسليط الضوء على هذه الملفات في إثارة نقاشات عامة حول طبيعة الحكم والمساءلة والحقوق السياسية وسبل مواجهة الفساد والاستبداد.

ونتيجة لذلك، تعززت مكانة القناة لدى شرائح من الجمهور العربي التي رأت في تغطياتها تعبيرًا عن قضاياها وتطلعاتها. غير أن تقدير حجم هذا التأثير وطبيعته يظل مرتبطًا بعوامل متعددة، من بينها اختلاف السياقات السياسية، وتباين اتجاهات الجمهور، ومدى الثقة بالمؤسسة الإعلامية ومضامينها.

ردود الفعل الرسمية والضغوط التي واجهتها القناة

أثارت السياسة الإعلامية للجزيرة ردود فعل متباينة لدى الحكومات العربية، وتعرضت القناة في بعض الدول لإجراءات تضمنت إغلاق مكاتبها، ومنع مراسليها من العمل، وسحب التراخيص، واحتجاز بعض الصحفيين، والتشويش على بثها. كما أسهمت التغطيات المثيرة للجدل في نشوء توترات دبلوماسية بين قطر وعدد من الدول العربية.

وبرزت هذه التوترات في علاقة القناة بعدد من الدول، من بينها السعودية ومصر وتونس، فضلًا عن علاقتها بالسلطة الفلسطينية، وذلك على خلفية تناولها سياسات تلك الأطراف، واستضافة معارضيها، وفتح ملفات داخلية حساسة للنقاش العام. وازدادت حدة الخلافات عندما تناولت القناة قضايا حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، أو عندما غطت تحولات سياسية كبرى، مثل الثورتين التونسية والمصرية، أو نشرت مواد ووثائق تتعلق بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

وتعكس هذه الإجراءات حجم التداخل بين العمل الإعلامي والاعتبارات السياسية في المنطقة، كما تكشف عن التحديات التي واجهت القناة في ظل سعيها إلى الحفاظ على حضورها الإعلامي في بيئة اتسمت بتفاوت مستويات حرية الصحافة وتباين مواقف الحكومات من التغطية النقدية.

تغطية الحروب والأزمات الدولية

مثّلت تغطية الحرب في أفغانستان عام 2001 واحتلال العراق عام 2003 محطتين بارزتين في تطور الجزيرة وانتشارها الدولي. فقد تمكنت القناة من نقل مشاهد وتقارير ميدانية من مناطق الصراع، وأصبحت موادها الإخبارية مصدرًا لعدد من المؤسسات الإعلامية العالمية.

ففي أفغانستان، نقلت الجزيرة مشاهد العمليات العسكرية والقصف، كما بثت تسجيلات مرتبطة بتنظيم القاعدة، الأمر الذي منحها حضورًا واسعًا في التغطية الدولية للحرب. وفي العراق، ركزت على تطورات العمليات العسكرية والخسائر والأحداث التي كانت محل خلاف بين روايات الأطراف المتحاربة، كما نقلت مشاهد للمعارك والانتهاكات، بما في ذلك الأحداث المرتبطة بمدينة الفلوجة.

وقد أسهمت هذه التغطيات في تعزيز مكانة القناة بوصفها مصدرًا إخباريًا دوليًا، لكنها عرّضتها في الوقت نفسه لانتقادات وضغوط أمريكية، فضلًا عن تعرض مكاتبها للقصف وإغلاق مكتبها في بغداد لاحقًا، وفق ما أوردته الدراسة.

دور الجزيرة في تغطية الثورات العربية

أدت الجزيرة دورًا بارزًا في تغطية موجة الثورات والانتفاضات العربية التي شهدتها المنطقة، من خلال تخصيص مساحات واسعة للبث المباشر، ومتابعة التحركات الشعبية، واستضافة ممثلي المعارضة، ونقل الصور والمعلومات من مواقع الأحداث. وشملت تغطياتها التطورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، مع تفاوت طبيعة التغطية وحدودها تبعًا لظروف كل دولة وسياقها السياسي والأمني.

وقد برز هذا الدور أولًا في تونس، حيث واجهت القناة قيودًا على العمل، ثم تصاعد تأثيرها خلال الثورة المصرية، عندما خصصت بثًا متواصلًا لمتابعة الاحتجاجات في ميدان التحرير. واستمرت التغطية رغم إغلاق مكتبها في القاهرة، وفرض قيود على عمل مراسليها، والتشويش على بثها، وفق ما أوردته الدراسة.

وساعدت التغطية الميدانية المكثفة على إبقاء الاحتجاجات في دائرة الاهتمام العربي والدولي، وإتاحة مساحة إعلامية أوسع للأصوات المعارضة، وتسليط الضوء على مطالب المتظاهرين وممارسات السلطات. كما أسهمت في تنشيط النقاش السياسي العربي، وتعزيز حضور قضايا الحريات والإصلاح والمساءلة في المجال العام.

ومع ذلك، فإن تحديد مدى إسهام الجزيرة في اندلاع الثورات أو نجاحها يتطلب التمييز بين نقل الأحداث والتأثير في الرأي العام من جهة، وبين العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات من جهة أخرى. ومن ثم، يمكن النظر إلى القناة باعتبارها فاعلًا إعلاميًا مؤثرًا في تشكيل الخطاب العام المصاحب للثورات، مع بقاء طبيعة تأثيرها وحجمه موضع نقاش بين الباحثين والمراقبين.

خاتمة

يتضح من العرض السابق أن قناة الجزيرة مثلت تجربة مؤثرة في تطور الإعلام العربي، إذ أسهمت في توسيع نطاق التغطية الإخبارية والنقاش السياسي، وكسرت جانبًا من القيود التي فرضتها هيمنة الإعلام الرسمي على المجال العام. وقد برز تأثيرها بوضوح في تغطية الحروب والأزمات والثورات العربية، ولا سيما الثورة المصرية، من خلال البث المباشر، وإبراز مطالب المحتجين، واستضافة الأصوات المعارضة، وإبقاء الأحداث في صدارة الاهتمام الجماهيري.

وفي المقابل، كشفت تجربة القناة عن تعقيد العلاقة بين الإعلام والسياسة، خصوصًا في ظل اعتمادها المالي على الحكومة القطرية، وما أثير بشأن حدود استقلاليتها وتوازن تغطياتها في بعض الملفات الإقليمية. وعليه، فإن تقييم دور الجزيرة في التغيير السياسي العربي يستلزم الجمع بين دراسة إسهاماتها في توسيع المجال العام وتعزيز تداول المعلومات، وتحليل القيود والاعتبارات السياسية التي قد تؤثر في سياساتها التحريرية. وبالنسبة إلى الثورة المصرية، تبرز أهمية القناة بوصفها أحد العوامل الإعلامية التي رافقت الحراك الشعبي وأسهمت في تشكيل صورته محليًا وعربيًا ودوليًا، دون إغفال تعدد العوامل التي أسهمت في نشأة الثورة وتطورها في مصر، وواصلت الجزيرة تغطيتها المكثفة للثورة، إذ كانت حاضرة باستمرار في ميدان التحرير ونقلت صورًا حية ومتواصلة، مع تبنيها خطابًا قريبًا من مطالب شباب الثورة والابتعاد عن إبراز الانتماءات الحزبية أو الأيديولوجية. وفي ليبيا اتخذت موقفًا مؤيدًا للثورة ومعارضًا لنظام القذافي، وركزت على نقل أخبار القصف والمجازر وسقوط الضحايا حتى سقوط النظام. أما في اليمن، فجاءت التغطية متذبذبة نسبيًا تبعًا لتطور الأحداث، لكنها حظيت بتقدير قطاعات من الشعب اليمني.

اختلفت تغطية الجزيرة للثورات العربية من حالة إلى أخرى؛ ففي البحرين تعرضت لانتقادات بسبب ما وصف بأنه ضعف وعدم توازن في التغطية، وهو ما عُزي في الدراسة إلى حساسية القضايا الخليجية بالنسبة للقناة. وفي سوريا مرت التغطية بمرحلتين: بدأت بفتور وتهميش نسبي خلال الشهر الأول، ثم تحولت إلى تغطية مكثفة مع تصاعد الاحتجاجات والقتل، وأصبحت الثورة السورية تتصدر أخبار القناة وتحليلاتها، مع وضوح موقفها المؤيد للثورة. وأدى ذلك إلى انتقادات للقناة والتشويش على بثها، كما تسبب في استقالات بعض العاملين فيها، ومن أبرزهم مدير مكتبها في بيروت غسان بن جدو.

وتخلص تجربة الجزيرة في الثورات العربية، وفق الدراسة، إلى أنها لم تكن الأكثر نجاحًا مقارنة بتجربتها في تغطية حرب العراق، لكنها كانت من أكثر وسائل الإعلام تأثيرًا في مسار الثورات، خاصة من خلال التغطية المباشرة والمكثفة والتحليل والاستضافة. 

وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى الوقائع الميدانية لدور الجزيرة في الثورة المصرية، التي اعتمدت استبيانًا شمل 100 مبحوث من الصحفيين والسياسيين وأساتذة الجامعات، باستخدام عينة كرة الثلج وتحليل البيانات ببرنامج SPSS. وأظهرت النتائج أن 65% رأوا أن الجزيرة شاركت في صناعة الحدث، و83% اعتبروا تغطيتها منحازة للثورة والثوار، و59% رأوا فيها مهنية وموضوعية، بينما أكد 90% أنها خصصت مساحات واسعة للتحليل، و85% أنها أسهمت في تشكيل رأي عام مؤيد للثورة، و91% أن بثها المباشر والمستمر أعطى الثورة زخمًا أكبر.

وتشير النتائج إلى أن تغطية «الجزيرة» للثورة المصرية اتسمت باستخدام قاموس ومصطلحات إيجابية ومؤيدة للثورة، مثل: «حرية»، «عدالة»، «ثورة شعب» و«ثورة الكرامة»، حيث بلغت نسبة الموافقة على ذلك 85%. 

كما رأى 84% من المبحوثين أن الفواصل والقوالب التحريرية أسهمت في دفع المشاهد إلى التعاطف مع الثورة، واعتبر 86% أن الكلمات المستخدمة في الفواصل والبرامج أظهرت تعاطف القناة وانحيازها للثورة. كذلك أسهم استخدام الألوان المستوحاة من العلم المصري في تقديم صورة إيجابية عن الثورة بنسبة 77%، بينما رأى 79% أن الموسيقى الوطنية والثورية أججت مشاعر الجمهور ودفعته إلى التعاطف معها.

وتوضح النتائج أيضاً أهمية شهود العيان والصورة التلفزيونية في تعزيز تأثير التغطية؛ فقد رأى 90% من المبحوثين أن اعتماد الجزيرة على المواطنين والسياسيين والنشطاء كشهود عيان ساعد في إقناع الجمهور بما تبثه القناة، بينما رفض 76% فكرة أن هذا الاعتماد أضعف مصداقيتها. كما اعتبر 84% أن الحضور المستمر لصورة ميدان التحرير على الشاشة أثّر في الجماهير باتجاه تأييد الثورة، ورأى 73% أن هذه الصورة جعلت متابعي القناة أكثر معرفة بما يجري في الثورة. وأظهرت متابعة الثوار للجزيرة في الميدان، بما فيها نصب شاشة كبيرة لها، بحسب 82% من المبحوثين، مدى تأثر الثوار بتغطيتها.

أما بقية النتائج فتشير إلى وجود تأثير واضح للجزيرة في مسار الثورة وزخمها، مع بعض التباين في تقييم طبيعة هذا التأثير. فقد رأى 55% أن دور عزمي بشارة تجاوز التحليل السياسي إلى تقديم نصائح وإرشادات للثوار، في حين انقسم المبحوثون حول مدى تغييب وجهة نظر النظام السابق؛ إذ رأى 45% أنها غُيبت مقابل 36% رأوا أنها كانت حاضرة، بما يشير إلى أن حضورها كان أقل من حضور وجهة نظر المؤيدين للثورة. كما أكد 84% أن صورة ميدان التحرير أثرت في تأييد الثورة، بينما أظهرت نتائج الجدول الأخير أن 84% من المبحوثين رأوا أن الجزيرة كان لها تأثير في استمرار وتصاعد زخم الثورة المصرية.

تشير النتائج إلى أن قناة الجزيرة كان لها، وفق آراء المبحوثين، تأثير واضح في استمرار الثورة المصرية وتصاعد زخمها ونجاحها؛ إذ رأى 84% أن القناة أسهمت في استمرار وتصاعد الزخم، بينما رأى 58% أنها أسهمت في نجاح الثورة. كما اعتبر 49% أن الرأي العام الذي صنعته الجزيرة ساهم في نزع شرعية النظام السابق وإسقاطه، رغم وجود نسبة معارضة بلغت 28%. وتؤكد النتائج أن الجزيرة قدمت نفسها بوضوح كمناصرة للثورة والثوار، حيث بلغت نسبة الموافقين على ذلك 88%، من خلال الأخبار والبرامج والتحليلات والقوالب الفنية وطريقة تناول الأحداث.

وتوضح الدراسة أن أجندة الجزيرة وأهدافها السياسية كان لها حضور في تغطية الثورة؛ فقد وافق 54% على أن التغطية انطلقت من أجندة القناة وتبعيتها للسياسة الخارجية القطرية، مع وجود نسبة مرتفعة بلا رأي بلغت 24%. كما رأى 75% أن التغطية المكثفة للثورة المصرية ونقل صورتها إلى العالم أسهما في انتقال تجربتها إلى دول عربية أخرى مثل ليبيا وسوريا والبحرين. وتخلص الدراسة إلى أن الجزيرة كانت عاملاً مساعداً ومحفزاً للثورات، وأسهمت في زيادة الوعي السياسي ونقل مطالب الشعوب، مع التأكيد أن هذا التأثير جاء إلى جانب عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية أخرى.

وتخلص النتائج العامة إلى أن الجزيرة أدت دوراً محورياً في الثورة المصرية والثورات العربية، لكنها تجاوزت في بعض الأحيان حدود التغطية الصحفية إلى المشاركة والتأثير في الحدث، مما أثار إشكالات تتعلق بالمهنية والموضوعية والانحياز. كما تشير الدراسة إلى أن مستوى تغطية الشأن المصري تراجع بعد انتهاء الثورة بسبب انتهاء الحدث وظهور أزمات وثورات عربية أخرى، خاصة ليبيا. أما التوصيات، فتركز على تعزيز المهنية والموضوعية، وتقليل الأداء العاطفي والتحليل المفرط، وتنويع الضيوف والمحللين، وتوضيح طبيعة شهود العيان ومصداقيتهم، وفك الارتباط المدرك بين القناة والسياسة الخارجية القطرية، إضافة إلى تطوير التغطية وتجنب الأخطاء السابقة، وتشجيع الجمهور العربي على التلقي النقدي وعدم التعامل مع وسائل الإعلام بوصفها مصدراً مطلقاً للحقيقة.

وفي النهاية

يلعب الإعلام دوراً غاية في الأهمية والحساسية في آن واحد، وتزايدت أهمية هذا الدور حديثاً مع تزايد حاجة الناس ومتابعتهم للإعلام، ومع تنبه الأنظمة الحاكمة لأهمية الإعلام، ومع بدء عصر الاستخدام الموسع له، وبدء عصر وسائل الإعلام الجماهيرية، ويعيش الإعلام العربي كجزء من هذا الواقع، حيث يستطيع أن يلعب دوراً جوهرياً وثميناً يقوم على إيمانه بفكرة التغيير إذا ما قاده مجموعة من ذوي العقول النيرة المؤمنين بأهمية دور الإعلام كحاجة مجتمعية جماهيرية.

كما أن ما جرى في الوطن العربي من ثورات وتغيرات شكّل علامة فارقة على أكثر من صعيد، فهو كذلك على صعيد تغيير صورة الشعوب العربية النمطية، وعلى صعيد إعادة الحياة إلى مفاهيم كانت غائبة عن الواقع العربي مثل الحرية والديمقراطية وعدم تقديس الحاكم أو الحزب أو النظام، وعلى صعيد أثر وسائل الإعلام وعلاقتها بالتغيير السياسي وبالجماهير، وعلى صعيد مقدرة وسائل الإعلام على صنع الثورات أو قيادتها أو تنظيمها. 

وقد شكلت تجربة قناة الجزيرة في هذا المضمار –رغم ما شابها من أخطاء وثغرات- تجربة فريدة تستحق الدراسة والتمحيص والاحتذاء بها، فهي رغم أنها ولدت وعاشت في المنطقة العربية التي لم تعرف من قبل إعلاماً يتمتع بحرية الرأي وجرأة الطرح إلا أنها لم تستكن لهذا النمط الإعلامي العربي السائد، بل اختارت أن تكون إلى جانب الشعوب ومعبرة عنها وعن ما يجول في خواطرها من هموم ومشكلات وقضايا، فكانت بحق منبر من لا منبر له، فالشعوب العربية قبل الجزيرة لم يكن لها أي منبر، وبعدها أصبح لها منبر من أكبر المنابر وأكثرها متابعة.

وجاءت الثورات العربية وثورة مصر على وجه الخصوص لتؤكد هذه الفكرة عن الجزيرة، فانحازت الجزيرة إلى الشعوب العربية ومطالبها، وحينما حانت لحظة الحقيقة والثورة كشفت القناة عن كل أسلحتها الإعلامية لتغطية هذه اللحظات التاريخية الفارقة في تاريخ الأمة العربية ومسارها، وجاءت تغطيتها على قدر أهمية وضخامة وتاريخية الحدث، ففرغت نفسها والعاملين معها لتغطية الحدث ومتابعته ورصد مساره ومآله، واستمرت كذلك في أكثر من بلد وأكثر من ثورة عربية ولا زالت.

وبالتأكيد إن الناس قد يتفقون أو يختلفون حول حول الجزيرة وما قامت به من تغطية مكثفة للثورات العربية، وقد يتفقون أو يختلفون حول مدى انحيازها في تلك التغطية أو أهدافها وأجندتها من منها، ولكن يوجد حالة ما يشبه الإجماع أن الجزيرة لعبت دوراً هاماً جداً في تلك الثورات من خلال تغطيتها لها وخاصة الثورة المصرية، بغض النظر عن تقييم هذا الدور سلباً أو إيجاباً، فلكل تقييمه الخاص النابع من موقفه أصلاً من الثورات العربية ومن الجزيرة ومن عوامل عديدة رافقت هذه المرحلة التاريخية الفاصلة في حياة الأمة العربية. 

وجاءت هذه الدراسة لتعزز هذا التوجه العام بأن قناة الجزيرة لعبت دوراً هاماً ومحورياً في الثورات العربية وخاصة الثورة المصرية، وأسهمت إسهاماً عالياً في نجاحها واستمرارها وتنقلها من بلد عربي إلى آخر، وفي سحب تجربتها على مواقع عربية أخرى عانت ولا زالت تعاني من نفس الأمراض السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عانت منها دول "الربيع العربي".

لكن السؤال المطروح الآن أمام الجزيرة وغيرها من وسائل الإعلام العربية وغير العربية ليس سؤالاً يتعلق بصنعها للحدث الثوري العربي، أو صنع الإعلام للثورات، أو تأثيرها فيها أم لا، بل هو سؤال كيف يتعامل الإعلام وعلى رأسه القناة التي باتت رائدة الإعلام العربي "الجزيرة" مع مرحلة ما بعد الثورة بكل ما فيها من صراعات ومشكلات وتداخلات؟ 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق