أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 3 أكتوبر 2026

تعليم الصلاة محمد محمود الصواف بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تعليم الصلاة

محمد محمود الصواف

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: الصلاة عمود الدين، وشعار المسلمين، وحلية المتقين، ولباس عباد الله الصالحين؛ بها تحيا القلوب، وتزكو النفوس، وتستقيم الجوارح. فإذا أُقيمت على الخشوع والخضوع، أثمرت في النفس تهذيبًا، وفي السلوك تقويمًا، وفي الأخلاق جمالًا وسموًّا. وهي الدواء الشافي من أدواء القلوب، والنور الذي يبدد ظلمات الذنوب والآثام، والصلة التي تصل العبد بربه في خلوته وجلوته.

والصلاة أول عبادة فُرضت من العبادات، وقد فُرضت ليلة المعراج بلا واسطة، فكان في علو مكانها علو شأنها وعظيم منزلتها. ومن أعرض عنها، أو استخف بأمرها، فقد عرّض نفسه لسخط الله، وخالف أمره، وسلك سبيلًا من أعظم سبل الخسران. 

كما أن من أصر على المعصية ولم تنهَه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فعليه أن يراجع صلته بربه، ويقف مع صلاته وقفة صدق؛ إذ ليست الصلاة حركات تؤدى بالأجساد، وإنما هي عبادة تُقيم القلب، وتهذب السلوك، وتصد صاحبها عن مسالك الشر إذا أُقيمت على وجهها.

وهذا الكتاب الماتع مختصرٌ في تعليم الصلاة وبيان كيفية أدائها على الوجه المشروع، مع استيفاء أركانها وواجباتها، وما يتصل بها من خشوع وركوع وسجود، بأسلوب تعليمي مبسط، واضح العبارة، قريب المأخذ. وقد تناول الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة والجماعة، وصلاة العيدين، وصلاة المسافر، وصلاة الاستخارة، وغير ذلك من المسائل التي يحتاج إليها المسلم في عبادته.

وعلى بساطة الكتاب وسهولة عرضه، فإنه يحمل بين طياته رسائل تربوية وإشارات إيمانية تتجاوز بيان الأحكام إلى تعميق الشعور بجلال الصلاة وعظيم أثرها في حياة المسلم؛ فهي مدرسة للتوحيد والإخلاص، وميدان لتربية النفس على الانضباط والطاعة، ومظهر حيّ للوحدة والمساواة، ومحراب تتلاقى فيه القلوب على عبادة الله، فلا فضل فيها لغني على فقير، ولا لكبير على صغير، وإنما يقف الجميع بين يدي الواحد القهار صفًّا واحدًا، تجمعهم العبودية، وتؤلف بينهم الصلاة.

مكانة الصلاة في الإسلام:

أ- الصلاة عمود الدين
قال رسول الله ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». رواه الترمذي (2616).

ب- الحد الفاصل بين الإسلام والكفر
قال ﷺ: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». رواه مسلم (82).
وقال ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». رواه الترمذي (2621) والنسائي وأحمد.

ج- أمر الله بالمحافظة عليها
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ۝ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 9-11].

د- أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة
قال ﷺ: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر». رواه الترمذي (413) والنسائي (465).

هـ- أنها طريق الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ۝ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: 9-11].

و- أنها تأمر بكل خير وتنهى عن كل شر
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
وهذا نصٌّ صريح في أثر الصلاة في زجر صاحبها عن الشر والمعاصي.

ز- تطهير النفس من الذنوب والآثام
قال ﷺ: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». متفق عليه.

ح- مظهر من مظاهر العدل والمساواة والوحدة
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]، وقال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43].
وقال ﷺ: «ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟» قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف». رواه مسلم (430).
وفي الصلاة جماعةً يقف المسلمون صفًا واحدًا، لا يتميز غني ولا فقير، ولا حاكم ولا محكوم، فيتحقق معنى الوحدة والمساواة.

طا- أنها ذكرى لمن أراد أن يتذكر
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].

ك- أنها نور وبرهان ونجاة للعبد يوم القيامة
قال ﷺ: «الصلاة نور». رواه مسلم (223).
وقال ﷺ: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة». رواه أحمد والدارمي والبيهقي، وحسنه جماعة من أهل العلم.

ل- أن تاركها يوجب السلوك في سقر ولا تنفعه شفاعة
قال تعالى في وصف أهل سقر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۝ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ۝ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ۝ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ۝ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ۝ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 42-48]. فذكروا ترك الصلاة في مقدمة أسباب دخولهم سقر، وختم السياق ببيان أنه ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.

م- أنها إحدى عرى الإسلام وقواعد الدين وأساس الإسلام
قال ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». متفق عليه.
وقال ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة». رواه الترمذي.

ن- دعاء الصلاة لمن حافظ عليها، ودعاؤها على من ضيعها عن أوقاتها
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]، وقوله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].

وفي الحديث: «إذا أحسنَ الرجلُ الصلاةَ فأتمَّ ركوعَها وسجودَها قالتْ الصلاةُ: حفِظَكَ اللهُ كما حفظْتَنِي ، فتُرفعُ ، وإذا أساءَ الصلاةَ ، فلمْ يُتِمَّ ركوعَها وسجودَها ، قالت الصلاةُ: ضيَّعَكَ اللهُ كما ضيعتَني: فَتُلَفُّ كمَا يُلَفُّ الثوبُ الخَلَقُ فيضربُ بها وجهُهُ».

بعض المفاهيم التي وردت في الكتاب:

الحدث الأصغر هو ما يوجب الوضوء، ويكون بسبب خروج شيء من السبيلين، كالبول والغائط والريح. أما الحدث الأكبر فهو ما يوجب الغسل، ومن أسبابه الاحتلام، والتقاء الختانين، وانقطاع الحيض والنفاس. ولا تصح الصلاة بغير طهارة من الحدث، فمن صلى بغير وضوء مع علمه بوجوبه فقد أتى محرمًا وصلاته باطلة.

ومن رخص الشريعة المسح على الخفين، وهي سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيُمسح على ظاهرهما دون باطنهما، للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. ويشترط للمسح أن يلبسهما على طهارة، ويجوز المسح على الجوربين إذا استوفيا شروط المسح المعتبرة، سواء كانا من الصوف أو غيره. وما شرع الله هذه الرخصة إلا تيسيرًا على عباده، ورفعًا للحرج والمشقة عنهم.

تنبيهان: (الأول) ينبغي للمغتسل أن يستتر عن أعين الناس، ولا يجوز له كشف عورته إلا عند الحاجة، ويجوز له التجرد إذا كان في خلوة لا يراه فيها أحد، أو كان في ماء يستر عورته. (والثاني) لا ينبغي للمغتسل ولا للمتوضئ الإسراف في استعمال الماء، ولو كان على نهر جارٍ؛ فإن الاعتدال في استعماله من هدي الشريعة، والإسراف فيه منهيٌّ عنه.

وفي باب إزالة النجاسات، يحرم على الرجل جماع زوجته حال حيضها أو نفاسها؛ لما في ذلك من الأذى والضرر، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222].

وفي أوقات الصلاة، لا تصح الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، أي فرضًا ثابتًا مؤكدًا، جعل الله لكل صلاة منه وقتًا محددًا لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه بغير عذر شرعي.

وفي معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قولنا: «اللهم صل على محمد»، أي: عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وعظّمه في الآخرة برفع درجته، وإظهار فضله، وتشريف مقامه، وتعظيم أجره ومثوبته. وصلاة الله على نبيه ثناؤه عليه ورحمته به، وصلاة الملائكة استغفارهم له، وصلاة المؤمنين دعاؤهم له وسؤال الله أن يزيده تشريفًا وتعظيمًا.

والصلاة المفروضة فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، ذكرًا كان أو أنثى، قادرًا على أدائها، وقد بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تسقط عن المكلف بحال ما دام عقله ثابتًا، وإنما تتغير صفتها بحسب القدرة والاستطاعة؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

ويُؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنوات؛ ليألفها منذ صغره، وينشأ على محبتها، ويتعوّد أداءها والمحافظة عليها، فإذا بلغ عشر سنين وأصرّ على تركها ضُرب ضربًا غير مبرح تأديبًا له وتعويدًا على شأنها.

وفي مواقيت الصلاة، إذا نام المسلم عن صلاة ثم استيقظ وقد خرج وقتها، وجب عليه أن يصليها حين يستيقظ، ولا يجوز له تأخيرها؛ فهذا وقت أدائها في حقه. ويحرم عليه أن يتعمد النوم إذا غلب على ظنه فوات الصلاة بسببه، كما يحرم عليه تعمد تأخيرها عن وقتها من غير عذر، كسلًا أو تهاونًا.

وأما وقت صلاة العصر، فيُعرف بدخول وقتها إذا صار ظل الشيء مساويًا لطوله، مضافًا إليه ظل الاستواء، أي الظل الذي يكون موجودًا عند زوال الشمس. 

وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي أمر الله بالمحافظة عليها، فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. 

ولا يجوز تعمد تأخيرها حتى تصفر الشمس أو تدنو من الغروب، وقد ورد الوعيد الشديد في تضييعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله» متفق عليه.

وأما وقت المغرب فيدخل بغروب الشمس، ويمتد إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس، ويُستحب تعجيل صلاة المغرب وعدم تأخيرها.

وأما وقت العشاء، فيُكره النوم قبلها والحديث بعدها من غير حاجة، ويُستثنى من ذلك ما كان لمصلحة، كطلب العلم، وإكرام الضيف، ومؤانسة الأهل، ونحو ذلك. 

وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أفضل إذا لم يشق ذلك على المصلين، أما أداؤها مع الجماعة في أول وقتها ففيه فضل عظيم. وإذا أقيمت الصلاة وحضر الطعام، وكان الإنسان شديد التعلق به، فليبدأ بالطعام حتى يذهب عنه ما يشغله، ثم يصلي بقلب حاضر وطمأنينة؛ لأن المقصود من الصلاة حضور القلب والخشوع. 

كما تُكره الصلاة حال مدافعة البول أو الغائط؛ لما في ذلك من إشغال القلب وإذهاب الخشوع، وللنهي الوارد عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين.

وأما الأذان فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، تشتمل على ذكر الله تعالى، والدعوة إلى الصلاة والفلاح. وهو من أعظم شعائر الإسلام وأظهر معالم الدين، شُرع في السنة الأولى من الهجرة، وظل المسلمون يحافظون عليه في الحضر والسفر، حتى صار شعارًا ظاهرًا للمسلمين ودعوة متكررة إلى عبادة الله وإقامة الصلاة. 

وقد ورد الأمر به في أحاديث متعددة، مما يدل على عظيم منزلته ومكانته في شعائر الإسلام، وقد استمر عليه المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق