أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 18 أكتوبر 2026

دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة الثانوية العامة بمدارس محافظات قطاع غزة أ.د. فؤاد علي العاجز - د. محمد بدر صيام بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني 

لدى طلبة الثانوية العامة بمدارس محافظات قطاع غزة

أ.د. فؤاد علي العاجز - د. محمد بدر صيام

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: تُعدّ المدرسة مؤسسة تربوية واجتماعية محورية في بناء شخصية الطلبة، وتوجيه سلوكهم، وتعزيز انتمائهم لمجتمعهم، وحمايتهم من المؤثرات الفكرية والسلوكية التي قد تهدد أمنهم واستقرارهم. ولا يقتصر دورها على تقديم المعارف والمهارات الأكاديمية، بل يمتد إلى تنمية الوعي، وترسيخ القيم الإيجابية، وتعزيز الشعور بالمسؤولية، وتحصين الطلبة من محاولات الاستقطاب والاستغلال والتأثير السلبي. 

ومن هنا تبرز أهمية الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة الثانوية العامة، من خلال توفير بيئة تعليمية آمنة، وتعزيز العلاقة بين المدرسة والطلبة وأولياء الأمور، وتنمية قدرة الطلبة على التمييز بين السلوكيات السليمة والممارسات التي قد تستهدف استغلالهم أو الإضرار بهم.

وتاريخيًا، أدّت المدرسة دورًا مهمًا في تنظيم العملية التربوية ونقل المعرفة والقيم بين الأجيال. ويشير أحمد شلبي إلى أن المدارس النظامية التي أنشأها الوزير نظام الملك السلجوقي في بغداد سنة 459 هـ مثّلت مرحلة مهمة في تطور المؤسسات التعليمية الإسلامية (أبو رزق، 1998: 286). 

وقد ارتبط ظهور المدارس بالحاجة إلى توفير بيئة منظمة للتعليم، وتطوير أساليب نقل المعرفة، واستيعاب ما يشهده المجتمع من تطورات علمية وثقافية (أبو دف، 2002: 173). ويمكن الإفادة من هذه الوظيفة التاريخية للمدرسة في التأكيد على أن المؤسسة التعليمية ليست مكانًا للتعلم الأكاديمي فحسب، بل هي بيئة لبناء الوعي وتشكيل الاتجاهات وتعزيز المناعة الفكرية والاجتماعية لدى الطلبة، بما يسهم في الحد من تعرضهم لمخاطر الإسقاط الأمني.

أولًا: مفهوم المدرسة ودورها في الوقاية من الإسقاط الأمني

تُعرَّف المدرسة بأنها مؤسسة تربوية نظامية تعمل على تنمية شخصية المتعلم في جوانبها العقلية والنفسية والاجتماعية والانفعالية والأخلاقية، وتهيئته للاندماج الإيجابي في المجتمع. وانطلاقًا من هذا المفهوم، فإن مسؤولية المدرسة في مكافحة الإسقاط الأمني تتمثل في إعداد طلبة يمتلكون الوعي والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة، والتعامل الواعي مع الضغوط والمؤثرات الخارجية، والإدراك المبكر للمخاطر التي قد تستهدفهم أو تستغل حاجاتهم وظروفهم.

وتتطلب هذه المسؤولية أن تتبنى المدرسة نهجًا وقائيًا متكاملًا، لا يقتصر على التعامل مع الحالات التي تظهر فيها مؤشرات الخطر، بل يشمل بناء بيئة مدرسية قائمة على الثقة والحوار والانضباط الإيجابي، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة، وتعزيز التعاون مع الأسرة والمؤسسات المجتمعية ذات الصلة. كما ينبغي أن تقوم جهود المكافحة على التوعية والوقاية والحماية، مع مراعاة خصوصية الطلبة وكرامتهم، وتجنب التسرع في الحكم عليهم أو وصمهم بناءً على سلوكيات أو مؤشرات غير كافية.

ثانيًا: وظائف المدرسة في مكافحة الإسقاط الأمني

1. نقل القيم والمعايير الاجتماعية الإيجابية

تؤدي المدرسة دورًا أساسيًا في نقل القيم والمعايير الاجتماعية بين الأجيال، بما يشمل احترام الآخرين، والالتزام بالمسؤولية، والمحافظة على المصلحة العامة، وتعزيز الانتماء للمجتمع. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في مكافحة الإسقاط الأمني؛ إذ تسهم في بناء منظومة قيمية تساعد الطلبة على مقاومة الاستغلال، ورفض السلوكيات الضارة، وإدراك أهمية المحافظة على أمنهم وسلامتهم وسلامة مجتمعهم.

ولا يتحقق ذلك بمجرد تقديم المعلومات النظرية، بل من خلال الممارسات اليومية داخل المدرسة، والقدوة الحسنة التي يقدمها العاملون فيها، وإتاحة الفرصة للطلبة للمشاركة في الأنشطة والمواقف التي تعزز المسؤولية والتعاون واحترام القواعد.

2. تنمية الوعي والقدرة على التفكير النقدي

تسهم المدرسة في تبسيط المعارف وتقديمها بصورة تتناسب مع خصائص الطلبة واحتياجاتهم، كما تساعدهم على فهم القضايا المحيطة بهم وتحليلها. ويمكن توظيف هذه الوظيفة في تعزيز الوعي بمخاطر الإسقاط الأمني، من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الحقائق والشائعات، وفهم أساليب التأثير والاستدراج والاستغلال التي قد يتعرض لها الطلبة في محيطهم الاجتماعي أو عبر الوسائل الرقمية.

ويُعدّ تنمية هذه المهارات من المداخل الوقائية المهمة؛ لأنها تساعد الطلبة على التريث قبل اتخاذ القرارات، وعدم الاستجابة للضغوط أو الوعود المضللة، واللجوء إلى الأشخاص الموثوقين عند مواجهة مواقف تثير الشك أو القلق.

3. تنسيق الجهود التربوية بين المدرسة والأسرة والمجتمع

يتعرض الطلبة لمؤثرات متعددة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وقد تتباين الرسائل التي يتلقونها من هذه المصادر. ولذلك تضطلع المدرسة بمهمة تنسيق الجهود التربوية، وتعزيز التكامل بين أدوار الأسرة والمعلمين والإدارة المدرسية والمرشدين التربويين.

وفي مجال مكافحة الإسقاط الأمني، يتطلب هذا الدور بناء قنوات اتصال فعّالة مع أولياء الأمور، وتبادل المعلومات التربوية ذات الصلة في إطار يحفظ الخصوصية، ومناقشة التغيرات السلوكية أو الاجتماعية التي تستدعي الاهتمام، وتوحيد الجهود لتقديم الدعم المناسب للطلبة. كما ينبغي أن تتسم العلاقة بين المدرسة والأسرة بالثقة والتعاون، بعيدًا عن التخويف أو الاتهام أو التعامل العقابي الذي قد يدفع الطالب إلى إخفاء مشكلاته والابتعاد عن مصادر المساعدة.

4. رعاية مواهب الطلبة واستثمار أوقات فراغهم

تساعد المدرسة على اكتشاف مواهب الطلبة وميولهم وتنميتها من خلال الأندية المدرسية والمسابقات والبرامج الثقافية والرياضية والعلمية. وتكتسب هذه الأنشطة أهمية وقائية؛ لأنها تتيح للطلبة فرصًا إيجابية للتعبير عن أنفسهم، وبناء علاقات اجتماعية سليمة، وتنمية الشعور بالإنجاز والانتماء، وتوظيف طاقاتهم في مجالات نافعة.

كما أن إشباع حاجات الطلبة إلى المشاركة والتقدير وتحقيق الذات قد يساعد في تقليل بعض عوامل الهشاشة التي تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال أو الاستقطاب. ومن ثم، ينبغي أن تحرص الإدارة المدرسية على تنويع الأنشطة، ومراعاة الفروق الفردية، وإشراك الطلبة في التخطيط لها وتنفيذها، بما يعزز إحساسهم بالمسؤولية تجاه المدرسة ومجتمعهم.

5. دعم الدور التربوي للأسرة

تُعدّ الأسرة شريكًا أساسيًا للمدرسة في حماية الطلبة من المخاطر السلوكية والاجتماعية والأمنية. وتستطيع المدرسة تعزيز هذا الدور من خلال مجالس أولياء الأمور، واللقاءات التوعوية، والندوات المتعلقة بخصائص مرحلة المراهقة، وأساليب الحوار مع الأبناء، ومتابعة استخدامهم للوسائل الرقمية، والتعامل مع الضغوط والمشكلات التي يواجهونها.

وفي هذا السياق، لا ينبغي أن تقتصر العلاقة مع الأسرة على إبلاغها بالمشكلات بعد وقوعها، بل يجب أن تقوم على الشراكة الوقائية المستمرة، وتبادل الخبرات، وتقديم الإرشاد المناسب، ومساعدة أولياء الأمور على اكتشاف احتياجات أبنائهم والاستجابة لها بأساليب تربوية سليمة.

ثالثًا: دور المعلم في مكافحة الإسقاط الأمني

يمثل المعلم عنصرًا أساسيًا في المنظومة المدرسية؛ نظرًا إلى قربه المستمر من الطلبة وقدرته على ملاحظة احتياجاتهم وتغيرات سلوكهم وعلاقاتهم. ولا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يشمل الإسهام في بناء الشخصية، وتعزيز القيم الإيجابية، وتوفير بيئة صفية يشعر فيها الطلبة بالأمان والاحترام والقدرة على التعبير عن مشكلاتهم.

وتتطلب فاعلية المعلم في مكافحة الإسقاط الأمني توافر مجموعة من الصفات والكفايات، من أبرزها:

  • التمكن العلمي والمهني: بما يساعده على تقديم المعرفة بصورة واضحة، وتنمية التفكير النقدي لدى الطلبة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة.

  • القدوة الحسنة: من خلال الصدق والنزاهة والعدل واحترام الآخرين والالتزام بالمسؤولية، بما يعزز ثقة الطلبة به.

  • الحكمة والصبر وحسن التواصل: بما يتيح له التعامل مع الطلبة باحترام، والاستماع إلى مشكلاتهم، ومساعدتهم على تجاوز الضغوط والصعوبات.

  • القدرة على ملاحظة التغيرات السلوكية: والانتباه إلى المؤشرات التي قد تدل على تعرض الطالب للاستغلال أو الضغط أو العزلة أو التهديد، دون تفسيرها تلقائيًا بوصفها دليلًا على تورطه في سلوك ضار.

  • معرفة آليات الإحالة والدعم: من خلال التعاون مع الإدارة المدرسية والمرشد التربوي والأسرة والجهات المختصة وفق الإجراءات المعتمدة، مع المحافظة على سرية المعلومات وحقوق الطالب.

وبذلك يصبح المعلم شريكًا في الوقاية والكشف المبكر وتقديم الدعم، لا جهة للتحقيق أو إصدار الأحكام؛ الأمر الذي يساعد على تعزيز الثقة داخل البيئة المدرسية، ويشجع الطلبة على طلب المساعدة عند مواجهة مواقف خطرة.

رابعًا: دور المنهج المدرسي في مكافحة الإسقاط الأمني

لا يقتصر المنهج المدرسي على المقررات الدراسية، بل يشمل الأهداف والمحتوى وطرائق التدريس والوسائل والأنشطة وأساليب التقويم. ومن ثم، فإن توظيف المنهج في مكافحة الإسقاط الأمني يقتضي تضمين ممارسات تعليمية تسهم في بناء الوعي، وتنمية المسؤولية، وتعزيز مهارات اتخاذ القرار والتعامل مع المخاطر.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال ما يأتي:

  • تضمين الموضوعات التعليمية أنشطةً تنمي قيم المسؤولية والصدق والأمانة واحترام القانون وحقوق الآخرين.

  • تنمية مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، والتعامل الواعي مع الشائعات والمحتوى الرقمي المضلل.

  • توعية الطلبة بمخاطر الاستغلال والابتزاز والاستدراج والضغط النفسي والاجتماعي، وسبل طلب المساعدة والإبلاغ الآمن عند الحاجة.

  • تدريب الطلبة على اتخاذ القرارات المناسبة في المواقف التي تنطوي على ضغط أو تهديد أو إغراء، وتعريفهم بالأشخاص والجهات الموثوقة التي يمكن الرجوع إليها.

  • ربط المحتوى التعليمي بمواقف حياتية واقعية ومناسبة لأعمار الطلبة، بما يساعدهم على تحويل المعرفة إلى ممارسات وقائية.

  • مراعاة الفروق الفردية والاحتياجات النفسية والاجتماعية للطلبة، وتجنب الأساليب التي تقوم على التخويف أو التمييز أو الوصم.

ويُشترط لفاعلية المنهج في هذا المجال أن تتكامل أهدافه ومحتوياته وطرائق تدريسه مع الممارسات الفعلية داخل المدرسة؛ إذ إن تعزيز الوعي لا يتحقق بالمعلومات وحدها، بل يحتاج إلى بيئة تعليمية داعمة تحترم الطلبة وتمنحهم فرصًا للتعبير والمشاركة والتعلم من المواقف.

خامسًا: دور النشاط المدرسي في مكافحة الإسقاط الأمني

يمثل النشاط المدرسي وسيلة تربوية مهمة لتنمية شخصية الطلبة وإكسابهم المعارف والمهارات والخبرات الاجتماعية والنفسية والقيمية. كما يتيح لهم فرصًا للتفاعل الإيجابي، والتعبير عن الميول، واكتشاف القدرات، وتنمية الشعور بالانتماء والمسؤولية. وقد أشار الجرجاوي (2002: 6) إلى أهمية الأنشطة المدرسية في تهذيب السلوك وبناء شخصية المتعلم، فيما بيّن مقبل (1978: 23) دورها في إشباع ميول الطلبة وحاجاتهم، والحد من بعض العوامل التي قد تؤدي إلى التمرد أو النفور من المدرسة.

وفي إطار مكافحة الإسقاط الأمني، يمكن توظيف النشاط المدرسي من خلال:

  • تنظيم ندوات ولقاءات توعوية حول أساليب الاستغلال والاستدراج والابتزاز، وكيفية التعامل معها وطلب المساعدة.

  • تنفيذ أنشطة جماعية تعزز التعاون والثقة المتبادلة، وتدرب الطلبة على حل المشكلات واتخاذ القرارات.

  • تفعيل الإذاعة المدرسية والمسرح والمناظرات والمسابقات لنشر الوعي بالسلوك الآمن والمسؤولية الاجتماعية.

  • تنظيم أنشطة رياضية وثقافية وفنية تستوعب اهتمامات الطلبة وتساعدهم على بناء علاقات إيجابية.

  • عقد لقاءات إرشادية حول السلامة الرقمية، وحماية الخصوصية، والتعامل الآمن مع الغرباء والرسائل المشبوهة والتهديدات الإلكترونية.

  • تشجيع الطلبة على المبادرات التطوعية التي تنمي إحساسهم بالمسؤولية تجاه المدرسة والمجتمع.

  • تفعيل دور المكتبة المدرسية في توفير مصادر معرفية مناسبة حول الوعي الرقمي والاجتماعي، ومهارات التفكير الناقد والتعامل مع المخاطر.

كما يمكن للمدرسة توظيف الأنشطة الدينية والتربوية، بما يتناسب مع طبيعة المجتمع واحتياجات الطلبة، في تعزيز القيم الأخلاقية والرحمة والتسامح والصدق وتحمل المسؤولية، مع التأكيد على أن الوقاية من الإسقاط الأمني تقوم على الوعي والحماية والدعم، وليس على التخويف أو الاشتباه غير المستند إلى أدلة.

وعليه، فإن فاعلية المدرسة في مكافحة الإسقاط الأمني لا تُقاس بقدرتها على اكتشاف الحالات المشتبه بها فحسب، بل بمدى نجاحها في الوقاية من عوامل الاستغلال، وتعزيز ثقة الطلبة بالمؤسسة التعليمية، وتمكينهم من اتخاذ قرارات واعية، وتوفير بيئة يشعرون فيها بالأمان والانتماء، ويجدون فيها الدعم المناسب قبل تفاقم المشكلات.

,تكشف الإحصائيات الواردة في الدراسة عن أهمية الدور الذي تضطلع به الإدارة المدرسية في تعزيز الوعي الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية في محافظات قطاع غزة، وذلك بالنظر إلى اتساع مجتمع الدراسة وتنوع الفئات الوظيفية التي يتكون منها. فقد بلغ حجم مجتمع الدراسة (3982) فردًا، توزّعوا بين (138) مديرًا ومديرة، و(3701) معلم ومعلمة، و(143) مرشدًا ومرشدة تربوية. 

وقد أوضحت الدراسة أن المعلمين يشكلون الفئة الأكبر في المجتمع الأصلي، إذ يمثلون نحو 92.9% منه، في حين تبلغ نسبة المدراء نحو 3.5%، والمرشدين التربويين نحو 3.6%. ويشير هذا التوزيع إلى أن المعلمين يمثلون عنصرًا أساسيًا في أي جهود مدرسية تستهدف تنمية الوعي الأمني لدى الطلبة، نظرًا إلى كثرة عددهم واتصالهم اليومي بالطلبة، بالإضافة إلى أهمية الدور التنظيمي والتوجيهي الذي تضطلع به الإدارة المدرسية، والدور الإرشادي المتخصص الذي يؤديه المرشدون التربويون.

أما عينة الدراسة، فقد بلغت (463) فردًا (من طلاب وطالبات الثانوية)، أي ما يعادل نحو 11.6% من مجتمع الدراسة، وهو حجم يتيح جمع تصورات متنوعة عن واقع الممارسة الإدارية والتربوية في المدارس الثانوية. وقد توزعت العينة إلى (218) ذكرًا بنسبة 47.08%، و(245) أنثى بنسبة 52.92%، بفارق قدره 27 فردًا لمصلحة الإناث. 

ويعكس هذا التقارب النسبي بين الجنسين توازنًا معقولًا في التمثيل العددي، بما يسمح بمقارنة تقديرات المشاركين والمشاركات عند تحليل الفروق المرتبطة بمتغير الجنس، مع ضرورة الرجوع إلى نتائج الاختبارات الإحصائية للحكم على دلالة تلك الفروق.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الدراسة اعتمدت قاعدة كمية مناسبة لاستطلاع آراء العاملين في المدارس الثانوية بشأن دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستوى فاعلية هذا الدور أو درجة ممارسته؛ إذ يتطلب ذلك تحليل استجابات أفراد العينة على فقرات الاستبانة، ودراسة المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية، ثم اختبار الفروق الإحصائية وفق متغيرات الدراسة. كما ينبغي التنبه إلى أن البيانات المعروضة تتعلق بتوزيع مجتمع الدراسة وعينتها، ولا تمثل إحصاءات مباشرة عن حجم ظاهرة الإسقاط الأمني أو مدى انتشارها بين الطلبة. 

_______________________________________________

مقدمة

في ظل وجود الاحتلال على أرض فلسطين، أرض التقاء الأديان، وميدان الصراع بين الحق والباطل، أصبحت قضية مكافحة العملاء أكثر لزومًا؛ فهو يهدف إلى تدمير أمن المجتمع الفلسطيني، والنيل من مقاومته وصموده وتماسكه، وسخّر في سبيل ذلك كل أجهزته الاستخبارية والأمنية، غير مبالٍ بما يرتكبه من أبشع صور الامتهان الإنساني ضد الشعب الفلسطيني، من خلال محاولاته المحمومة لسلخه عن دينه ومبادئه وقيمه، ليكون فريسة سهلة للانحراف الأمني والأخلاقي والفكري، ولتجنيد وإسقاط أكبر عدد ممكن من أبناء هذا الشعب، معتمدًا على قاعدة «المنتصر يخترق المهزوم»، ومستهدفًا المعنويات العامة والخاصة.

ولعل أبرز المؤسسات القادرة على تحصين الطلبة ورعايتهم هي مؤسسات التربية والتعليم؛ لأن لها نصيبًا كبيرًا في بناء فكر الإنسان وإعداده لمواجهة الحياة بكافة أصنافها وأطيافها. كما أن الوعي الأمني يُعوَّل عليه كثيرًا في صحة المعتقدات والعيش بانسجام داخل نسيج المجتمع الواحد. وعلى هذه القاعدة، «تعد المدرسة المؤسسة التربوية والاجتماعية ذات الأهمية الكبيرة؛ لأنها تلعب أدوارًا مهمة في تشكيل سلوك النشء بما تملكه من نظم وأساليب تربوية، وما تضمه من كفايات متخصصة ومدربة، وهي المدخل الحقيقي والموضوعي المعني بتكوين المفاهيم الصحيحة وتعزيزها في أذهان الناشئة بصورة مخططة» (السليمان، 2006: 1).

ولأن طلبة المرحلة الثانوية أمل المجتمع الفلسطيني ومستقبله، وعماد الأمة، وحملة لوائها، وهم القوة الذائدة عن حياضها، جعلهم الاحتلال اليهودي في بؤرة استهدافه، فحاول إسقاط بعضهم في وحل الفساد الأخلاقي، ومن ثم الإسقاط الأمني؛ لأنهم بفكرهم البكر وبروح الإيمان المتوقدة بين جوانحهم لا تختلج في نفوسهم معاني الخوف والتردد، فروحهم دائمًا هي روح الإقدام لا الإحجام، والإقبال لا الإدبار (واصل، 1984: 178).

ومن أجل ذلك، فإن طلبة المرحلة الثانوية بحاجة إلى التوعية المستمرة، والحد من الممارسات السلبية، وتعزيز الممارسات الإيجابية لديهم، مما يهيئ البيئة المناسبة التي تمكنهم من الوقوف في وجه التحديات. وتُعد المؤسسات التربوية الوسيلة التي يستطيع من خلالها المجتمع تحقيق أهدافه وترجمة قيمه ومبادئه إلى واقع ملموس بين أفراده، كما أن لها دورًا مهمًا في محافظة المجتمع على تقاليده وعاداته الاجتماعية، وضبط سلوكه وأفكاره، ويُعوَّل عليها كثيرًا في صحة المعتقد (الحوشان، 2004).

فلم تعد المسؤولية الأمنية للإدارات المدرسية، المتمثلة في تحقيق أمن العقول والنفوس لدى الطلبة، مجرد واجب وظيفي، بل أصبحت من أهم محصنات الأمن وأكبرها شأنًا؛ فالتعليم قادر على بناء شخصية الناشئة وصقلها بما يتوافق مع القيم الاجتماعية والمدنية، وأن يشكل سدًّا منيعًا ضد الانحراف وداعمًا رئيسًا للأمن والأمان في المجتمع. وكذلك فإن الأمن على العقول لا يقل أهمية عن الأمن على الأرواح والأموال؛ لذا فإن «الأمر يتطلب التدخل الوقائي والعلاجي من قبل المؤسسات التربوية لتبصير الطلبة بما هو مطلوب منهم» (نور، 1824: 12).

وفي دراسة أُجريت عام (1998) على عينة من العملاء المعتقلين بتهمة التخابر مع العدو، أظهرت نتائجها أن «الذين تبلغ أعمارهم ما بين (16–25 سنة) وصلت نسبتهم إلى (60%) من عينة الدراسة، بينما (19%) منهم أتموا الثانوية العامة، من عينة الدراسة التي بلغت (80) شخصًا» (عباس، 2004: 141).

وعلى ضوء النتائج السابقة وتحليلها، فإن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كانت تركز، عند تجنيد العملاء الفلسطينيين، على أن تكون التركيبة العمرية للمجنَّد من فئة الشباب اليافعين والأكثر حيوية، في مقابل قلة الخبرة وضعف الوعي، مما ييسر عليهم عملية التجنيد (صقر، 2011: 274).

ولأهمية مرحلة الشباب وخطورتها، لا بد من التركيز عليها تربويًا وتوعويًا وثقافيًا؛ لأن الشباب هم عماد كل حركة إصلاحية تبغي التغيير. كذلك لا بد من استغلال «هذه الفترة من عمر الإنسان وتوجيهها من خلال جيل تتحقق فيه صفة الانتماء للإسلام والالتزام بتعاليمه ومبادئه» (يكن، 1995: 14).

وعليه، فمن المهم إبراز دور الإدارة المدرسية تحديدًا في مكافحة التخابر لدى فئة الشباب وطلبة المرحلة الثانوية، باعتبار أن هذه الإدارات هي المسؤولة عن سلوكيات الطلبة، وتمتلك القدرة على قياس مدى انتمائهم ودرجة وعيهم الأمني، وهي القادرة على تصميم البرامج التربوية والتوعوية الداعمة لتنمية الوعي الأمني لدى طلبتها وتنفيذها، مما يحصنهم من الانزلاق نحو واقع معقد تملؤه المخاوف وعدم الاستقرار على كافة الأصعدة، ويحمي المجتمع من حالة التردي والضعف في بنيته المجتمعية، وتفكك أواصر الألفة والمودة بين أفراده.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى التعرف إلى دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظات غزة.

مشكلة الدراسة

تتحدد مشكلة الدراسة في السؤال الرئيس الآتي:

ما دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظات غزة؟

ويتفرع من السؤال الرئيس الأسئلة الفرعية التالية:

  1. ما درجة ممارسة الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظات غزة؟

  2. هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى (=0.05) في تقديرات عينة الدراسة لدور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية، تُعزى إلى متغيرَي النوع والمؤهل العلمي؟

أهداف الدراسة

هدفت الدراسة إلى تحقيق ما يلي:

  1. التعرف إلى دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظات غزة.

  2. الكشف عما إذا كانت هناك فروق ذات دلالة إحصائية في درجة تقدير عينة الدراسة لدور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية، تُعزى إلى متغيرَي النوع والمؤهل العلمي.

  3. وضع مجموعة من السبل لتطوير دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظات غزة.

أهمية الدراسة

تنبع أهمية الدراسة مما يلي:

  1. اعتبار مكافحة الإسقاط الأمني في المؤسسات التعليمية ضرورة اجتماعية وأمنية وسياسية ملحة.

  2. إمكانية الإفادة منها في تفعيل دور المؤسسات التعليمية في مواجهة التحديات التي يفرضها الاحتلال.

  3. إمكانية إفادة المسؤولين في الإدارات المدرسية بمعلومات عن أهمية دورهم في مكافحة الإسقاط الأمني.

  4. ندرة الدراسات التي تناولت الإسقاط الأمني على مستوى محافظات غزة.

حدود الدراسة

  1. الحد الموضوعي: تتحدد الدراسة في التعرف إلى دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمدارس محافظات غزة.

  2. الحد البشري: اقتصرت الدراسة على مديري ومعلمي ومرشدي المرحلة الثانوية.

  3. الحد المؤسسي: طُبقت الدراسة على المدارس الثانوية الحكومية التابعة لوزارة التربية والتعليم.

  4. الحد المكاني: محافظات غزة.

  5. الحد الزماني: الفصل الدراسي الأول من العام 2015.

مصطلحات الدراسة

مكافحة الإسقاط الأمني

مجموعة من التدابير الأمنية والأنشطة التربوية المنظمة التي تعمل على حماية الطلبة وتحصينهم من الانحرافات الأمنية والأخلاقية، وفضح أساليب الاحتلال وإفشال محاولاته لإسقاطهم.

طلبة المرحلة الثانوية

هم طلبة الصفين الحادي عشر والثاني عشر في المدارس الحكومية، بفرعيهما العلمي والأدبي، ذكورًا وإناثًا، الذين تتراوح أعمارهم في الوضع الطبيعي ما بين (17–18 عامًا).

الإطار النظري

ما زال الاحتلال يستخدم كل السبل المتاحة لإسقاط الشباب الفلسطيني في وحل العمالة، وتمثل «ظاهرة التخابر مع العدو معركة خفية تعتمد على الخيانة والتسلل لتمكين العدو» (الجزائري، 1992: 16). حيث تعتمد مصادر فلسفة التجسس السياسية اليهودية على أن يظل اليهود هم السادة، وكل شعوب الأرض لهم عبيد، ولن يتم ذلك إلا بدوام استخدام سلاح المعرفة، المتمثل في التجسس والعملاء (الرفاعي، 1946: 16).

والمتتبع لتاريخ اليهود يجد، وفقًا لما يورده النص، أن الخيانة وطريق الذل ديدنهم، وأنهم كانوا دائمًا يعتمدون على غيرهم في أمنهم، وعلى حبال الناس، وما يزالون كذلك. وظاهرة إسقاط العملاء هي جزء رئيس في منظومة الأمن اليهودية، ويدهم التي يبطشون بها بالفلسطينيين والعرب.

وتركز أجهزة الأمن الإسرائيلية نشاطها في الإسقاط على أصحاب المؤهل الثانوي، وذلك لأسباب عديدة، منها:

أ. أن النسبة الأكبر في المجتمع الغزي متعلمون؛ حيث إن نسبة الأمية تُعد من أقل النسب في العالم.

ب. أن الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني أنهوا تعليمهم للمرحلة الثانوية، وهذه النسبة طبيعية.

ج. بلغت نسبة الإسقاط لأصحاب المؤهل الثانوي فأقل (85%)، ووضعهم المادي في العادة سيئ إذا ما دخلوا سوق العمل والوظائف؛ حيث إن أغلب الموظفين منهم من ذوي الدخل المحدود. ونجد أن الجامعيين، الأكثر وعيًا بأساليب المخابرات في الإسقاط، ورغم ذلك هناك (15%) من العملاء هم من الجامعيين (التعبئة والتوجيه، 2012: 10).

تعريف الإسقاط الأمني

للعدو الصهيوني أجهزته الأمنية الخاصة التي تعمل في الداخل والخارج، ومن مهامها إعداد جيش من العملاء الذين باعوا دينهم ووطنهم له بدراهم معدودة أو بقضاء شهوة، ويمارسون أبشع الجرائم وأخس الأعمال ضد شعبهم وأمتهم، ويقدمون المعلومات للعدو.

لذا يمكن تعريف الإسقاط في العمالة بأنه: بيع الإنسان نفسه ودينه ووطنه للعدو، ليصبح أداة يوجهها عدوه كيفما يشاء لخدمة مصالحه، بما يتعارض مع أهداف شعبه ومصلحته.

دور الإدارة المدرسية

يُعرَّف دور الإدارة المدرسية إجرائيًا بأنه مجموعة من الإجراءات والأنشطة التي يقوم بها جهاز يتكون من مدير المدرسة في المرحلة الثانوية ونائبه والمعلمين والإداريين، ويسعى من خلالها إلى حماية الطلبة من المخاطر، والحد من تجاوزاتهم، وإحداث تغيير مرغوب فيه في سلوكهم.

أساليب الإسقاط الأمني

يستخدم الاحتلال اليهودي عددًا من أساليب التجنيد والإسقاط لاصطياد عملاء فلسطينيين جدد، وقد دأب العدو على التنوع في أساليب الإسقاط التي يمارسها مع العملاء، وربما تجتمع أساليب عديدة في حالة إسقاط واحدة. فهو يحرص على توريط العميل منذ بداية الإسقاط، وتُصنَّف طرق الإسقاط بصفة عامة إلى طريقتين:

الطريقة المباشرة: وهي التي يقوم ضابط المخابرات الإسرائيلية فيها بعرض الارتباط مباشرة على الشخص خلال المقابلة الشخصية، وذلك دون واسطة أو تدخل من قبل وسطاء آخرين.

الطريقة غير المباشرة: يتم فيها عرض الارتباط على أحد الأشخاص المرشحين عبر أحد العملاء الذين سبق ربطهم بأحد أجهزة المخابرات الإسرائيلية. وتتم غالبًا عبر عمليات الإسقاط الجنسي أو الملذات الحسية الأخرى، والضغط بتسهيل بعض المعاملات الشخصية، أو الإغراء بالمال أو الوجاهة والمركز الاجتماعي (الناطور، 1993: 143).

وتوضيحًا لما سبق، نذكر أهم الأساليب التي تستخدمها المخابرات الصهيونية في إسقاط الشباب الفلسطيني في وحل العمالة:

1. البحث عن نقاط الضعف وتبسيط الخيانة: يتمثل الدور الرئيس لرجل المخابرات في الاحتكاك بالناس، ومن خلاله يبحث عن نقاط الضعف ليستغلها ويهدد أصحابها بها، مثل الخوف الزائد أو الطمع الزائد، والشعور بالضعف والدونية، وارتكاب الفاحشة على خلفية معتقدات دينية أو عادات وتقاليد. فالكثيرون يفضلون الفضيحة على خيانة أهلهم، ولما أدرك الشاباك ذلك، بدأ يستخدم عبارات التعاون والتفاهم والخدمة البسيطة لمرة واحدة مقابل ثمن ما.

2. توريط الضحية وإجبارها على السقوط في وحل العمالة: وذلك من خلال توريط الضحية في مسألة أخلاقية، وإجبارها على فعل الفواحش، وخاصة الزنا واللواط، من خلال عمليات الاغتصاب (السنوار، 2009: 113–121).

3. أسلوب الترغيب: يعتمد الاحتلال اليهودي على استخدام الإغراءات لاستمالة الضحايا، ويُعد هذا الأسلوب قديمًا، ويُستخدم لحرف الشرفاء عن جادة الصواب والإيقاع بمرضى النفوس في وحل العمالة مقابل ثمن بخس، كالسماح لهم بالدراسة في الخارج (الجزائري، 1991: 57–18)، أو استغلال الطموح الزائد إلى المال والثروة لتحقيق الثراء والعيش في رفاهية وهمية (وزارة الداخلية، 2012: 6).

4. الإجبار والترهيب: أسلوب قهري لإجبار المرشح على القبول بالعمالة، ويُعد من أقوى الأساليب في يد العدو؛ إذ يضرب على وتر الخوف على الحياة أو الأهل أو المال أو السمعة أو المركز، مستغلًا أي جوانب ضعف في شخصية الضحية (شحادة، 1992: 18)، مثل التهديد بالقتل والاعتقال وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي وتشويه السمعة.

5. الإقناع بالتحايل والخداع: فالإقناع عملية تقوم على «الربط الجدلي بين أسلوبي الترغيب والترهيب من جانب، ومن جانب آخر على عمل منهجي قائم على خلق القاعدة الفكرية الميسرة لانسلاخ المستهدف عن ثوابته الدينية والوطنية، وتمرده على عاداته وتقاليده الأصلية، وإقناعه أن مصلحته الشخصية هي الهدف الأعلى، وأن السقوط في وحل العمالة لا يشكل ضررًا عليه، بل ينقذه من المصائب ويلبي له الرغبات. ويعتمد هذا الأسلوب على ربط المستهدف بالميزان المادي، وإبعاده عن الميزان الديني والوطني» (رابي، 2005: 31).

وتستخدم أجهزة الأمن الصهيونية الهاتف الجوال في عملية التواصل والإقناع، وخاصة في قطاع غزة، نتيجة لقلة فرص احتكاك العدو بالشباب. وتُغلَّف هذه الاتصالات بالحيل والخداع، ويجري من خلالها الاستدراج والتوريط، ويعتمد هذا الأسلوب على السقوط التدريجي، وتقوم به مؤسسات وهمية تتظاهر بخدمة المواطنين.

ومن هذه الأساليب استدراج الشباب من خلال قيام رجل الأمن أو الجاسوس بتمثيل دور المحب، أو انتحال شخصية رجل وطني يسعى لتنظيم خلايا جهادية تحت مسميات مشهورة، اعتمادًا على كسب ثقة الآخرين لاستدراجهم. ويستخدم العدو الصهيوني حاليًا هذا الأسلوب من خلال التواصل مع الشباب والفتيات الفلسطينيين عبر الجوال والإنترنت، وإجراء حوارات معهم لإقناعهم بالعمل مع المخابرات لإنجاز دراسات واستطلاعات رأي مقابل مبالغ مالية، ثم تهديدهم بالفضيحة إن لم يوافقوا على العمالة.

وأحيانًا تستخدم المخابرات الصهيونية فتيات يتحدثن اللغة العربية للتواصل مع الشباب والتحايل عليهم، بدءًا باستغلال الحس الوطني والعلاقات، ثم الوصول إلى الارتباط بالعدو (سيلينا، 1991: 63).

6. المساومة والابتزاز: يتم ذلك من خلال تقديم عروض مختلفة، مثل تخفيف مدة الحكم، أو إطلاق سراح المعتقل، أو الامتناع عن هدم بيت، أو استغلال جوانب الضعف في شخصية الضحية، كالحصول على مستمسكات، مثل الصور والتسجيلات لممارسات فاضحة، بغرض الابتزاز (صقر، 2011: 267).

7. الإنترنت وتوريط الضحايا: بدأت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية باستخدام أساليب جديدة في استهداف الشباب تعتمد على الشبكة العنكبوتية، وأجهزة الاتصال، وخاصة الهاتف الخلوي أو الجوال. ومن هذه الأساليب إرسال رسائل ملغومة مدمجة بفيروسات تجسسية إلى البريد الإلكتروني، ليفتحها الضحية فيصبح جهازه مخترقًا أو متاحًا لرجل المخابرات.

ومنها أيضًا الخداع العاطفي، حيث تقدم فتاة نفسها للشاب وتعمل على نسج علاقة عاطفية معه، وتوهمه بالرغبة في الزواج، وتدعوه إلى التضحية من أجل ذلك، حتى ينفذ ما يُطلب منه، ثم يُجر إلى العمالة (دان، 1991: 117).

ويلجأ الاحتلال الآن إلى استخدام أسلوب الصديق الحميم، وهو عملية خداع تستهدف القريبين من المقاومة للحصول على معلومات يدلون بها دون أن يعلموا أنهم باتوا عملاء. وتقوم هذه الطريقة على إنشاء علاقة صداقة عبر «فيسبوك» أو البريد الإلكتروني، ينشئها رجل أو فتاة من المخابرات باسم وهمي مع الأفراد الذين تربطهم علاقات قرابة بمقاومين أو مسؤولين، وقد تصل هذه العلاقة إلى الحديث في خصوصيات المقاومة.

ويمكن إضافة طرق جديدة لتجنيد العملاء، تتمثل فيما يلي:

أ. التلصص ومراقبة رسائل بريد إلكتروني معينة، ومحاولة الحصول على معلومات منها، واستخدام الأقمار الصناعية والبرامج الحديثة، مثل برنامج «جوجل إيرث».

ب. الدخول إلى المنتديات الإسلامية والوطنية واستغلالها في الحصول على معلومات سرية وحساسة، وتوجيه السذج للقيام بمهام في غير الاتجاه الصحيح.

ت. تغذية الفكر المتطرف لحرف الشباب الفلسطيني عن المسار الوطني الصحيح.

ث. توظيف التكنولوجيا الحديثة للحصول على أسرار خاصة يمكن توظيفها في عمليات الإسقاط.

ج. توزيع بيانات من الجو تتضمن رقم هاتف أو بريدًا إلكترونيًا، ودعوة المواطنين إلى التواصل معها، وإغراؤهم بمغريات عديدة مقابل الاتصال والإدلاء بأي معلومات أمنية، لتكون هذه بداية استكمال عملية ربطهم برجل مخابرات العدو.

ح. إنشاء مواقع خاصة بأجهزة مخابرات العدو، ووضع تعليمات للتواصل معها، مع تقديم مغريات تشكل عامل جذب لضعاف النفوس (تربان، 2013: 42).

استراتيجية الأجهزة الأمنية الصهيونية في إسقاط العملاء

مر مفهوم الأمن الإسرائيلي بعدد من المراحل المهمة للوصول إلى الحلم المتمثل في إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين، ويُعد العملاء من أهم الأدوات التي استخدمها العدو في الوصول إلى هذا الهدف. وتتمثل هذه المراحل في مرحلة «القاعدة الاستيطانية، وتوسيعها للوصول إلى إقامة الوطن القومي، ومرحلة تحويل القاعدة إلى دولة، واستكمال مستلزمات قوتها، وتبني استراتيجية هجومية للاستيلاء على مزيد من الأراضي، حرب (1948)، والتوسع خارج الأراضي الفلسطينية حرب (1956)، وفيها نقلت الحرب خارج حدود إسرائيل، ومرحلة التوسع والهيمنة (1967)، والسيطرة على ما يسمى بحدود الخط الأخضر» (باليس، 1992: 267)، وكذلك «التلويح بالردع النووي، لزرع اليأس في نفوس الفلسطينيين والعرب» (رودمان، 2003: 26).

ويحرص الاحتلال على إيجاد أجهزة أمنية قوية بدافع إجرامي وعنصري لاحتلال أرض فلسطين. وكانت منظمة «هشاي» (خدمة المعلومات)، التابعة لمنظمة الهاغاناه الإسرائيلية حتى اندلاع حرب عام 1948م، بمثابة الجهاز الأساس لجمع المعلومات الاستخبارية. وقد تمكن رجالها من التسلل جيدًا إلى بؤر الحسم العربية، وراقبوا الأجانب واليهود المشبوهين بكونهم عملاء مدسوسين من قبل الانتداب البريطاني.

ولقد كان واضحًا للجميع، حينما أُقيمت الدولة، أن المخابرات ستكون بمثابة أحد الدعائم المهمة التي يرتكز عليها الأمن الإسرائيلي (بار زوهر، 2011: 9).

وتتلخص مهام الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في جمع المعلومات والأبحاث، وتقدير الموقف الأمني والسياسي، ومواجهة المهددات الداخلية، والحفاظ على مصالحها وأهدافها في الخارج.

استعدادات ما قبل الإسقاط

تستخدم أجهزة الاستخبارات الصهيونية الأساليب التقليدية والمعروفة في عملية الإسقاط؛ لأنها، من وجهة نظرها، مجدية وفعالة وذات أثر. وتعتمد «استراتيجية خاصة لتحقيق ذلك باستغلال نقاط الضعف عند المستهدف، ودراسة كل شخصية على حدة، والاستفادة من المعلومات من أجل الإيقاع بالضحية، وفي أغلب الأحيان يتم إغراق العميل بكافة أساليب الإسقاط حتى تتم السيطرة عليه» (المجد، 2009).

وتبرز خطورة الإسقاط الأمني في مسخ شخصية الضحية، ليتحول من إنسان ذي كرامة وشرف إلى شخص يوجهه العدو كيف يشاء ومتى يشاء؛ لأن هذه الضحية فقدت عقلها وباعت نفسها، وأعطت ولاءها للعدو المسيطر عليها سيطرة كاملة.

وتُعد عملية زرع العملاء في الدول والمجتمعات سياسة استراتيجية متطورة باستمرار في التعامل مع الخصم. ويُطلق الإسقاط الأمني على كل من ارتبط بالأجهزة الأمنية للدول المعادية، ومن باع أرضًا للمحتلين، أو كان وسيطًا أو شاهدًا على ذلك، إضافة إلى كل من سلّم معلومات للمحتلين عن المجاهدين أو قام بمحاربتهم، أو نفذ أوامر المحتل التي تتعارض مع الدين ومصلحة الوطن.

ولقد تمكن العدو الصهيوني من تجنيد العديد من العملاء وتسخيرهم لضرب مقومات المجتمع الفلسطيني، وتهديد السلم الأهلي والاجتماعي، وضرب عناصر القوة العسكرية والأمنية لصالح مشروع الاحتلال.

دوافع الإسقاط الأمني

الدوافع لدى الإنسان هي التي تقف غالبًا وراء أنماط السلوك، ويقسم العلماء الدوافع إلى «دوافع فطرية بيولوجية أولية توجد عند جميع الناس مهما اختلفت بيئاتهم» (الحلو، 2001: 65)، ودوافع ذاتية داخلية تسيطر على سلوك الفرد وتدفعه نحو الانحراف، مثل ضعف الشخصية والشعور بالنقص والحاجة إلى التعويض (بتسيلم، 1993: 1)، وحب المغامرة (الكاشف، 1990: 30)، والنزعة العدوانية (مجدي، 1995: 70)، والشعور بالعظمة والتفوق (عباس، 2004: 79).

ومن أبرز الدوافع الذاتية للإسقاط الأمني:

1. الدوافع المادية والمالية: وهي الدوافع الأكثر شيوعًا وانتشارًا؛ فالعميل يرتبط بالمنفعة، ويتطلع إلى العيش في بحبوحة (شحادة، 1992: 44).

2. الدوافع العقائدية: وهي من أقوى الدوافع وأكثرها عمقًا. ويتسم العملاء العقائديون بالصلابة والثبات، ويكونون أكثر إخلاصًا وإنتاجًا. ويأتي هذا الدافع تعبيرًا عن الإيمان بفكر معين وأسلوب حياة معين، وينعدم هذا الدافع، وفقًا للمصدر، لدى العملاء مع الاحتلال في فلسطين (وود، 1990: 31).

3. الدوافع العاطفية: تنقسم الدوافع العاطفية في ظاهرة التعامل مع الأعداء إلى عاطفتين، هما مشاعر الحقد على المجتمع أو الدولة. وتستغل المخابرات ذلك لإقناع الفرد بأولوية الاختيار العاطفي على واجباته نحو بلاده. وتُعد العميلة «داليا المصري» من هذا النموذج، حيث دفعتها عاطفة الحقد على النظام الناصري إلى الارتباط بالمخابرات الإسرائيلية (عقيلان، 1989: 54).

4. دوافع المتعة الحسية: تشكل المتعة الحسية أحد الدوافع المهمة التي تدفع بعض الناس، ممن تستعبدهم شهوتهم، إلى التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي (عاقل، 1973: 232).

5. نقص الدافع الديني: ويظهر خاصة عند الذين يكثرون من الاختلاط بالأجانب، فيعملون على تقليدهم.

6. الضعف الخلقي والشذوذ الجنسي: من خلال استغلال الممارسات الجنسية مع البعض بهدف تجنيدهم، مع تصويرهم وتهديدهم بذلك.

7. الابتزاز والتهديد والمساومة: مثل الإفراج عن الشخص من السجن مقابل تنفيذ مهمات معينة، أو تخفيف العقوبة مقابل تجنيده، أو تهديده بأحد أفراد أسرته، كقتل طفله أو اغتصاب ابنته أو زوجته، أو ما شابه ذلك؛ فالعميل يُهدَّد في عرضه فيتخلى عنه، وعندها تضيع الأرض مع العرض (رابي، 2005: 33).

أهداف المخابرات الإسرائيلية من تجنيد العملاء

تسعى المخابرات الصهيونية، من خلال تجنيد العملاء، إلى ملء بنك الأهداف وجمع المعلومات عن الفصائل الفلسطينية المقاومة وتحديد مواطن القوة والضعف فيها؛ لذا يمكن تلخيص الأهداف فيما يلي:

1. إشاعة عدم الثقة: سيادة أجواء عدم الثقة في أوساط عناصر المقاومة وشبابها، بما يجعلها أقل كفاءة، وبث الروح الانهزامية؛ لأن تجنيد العملاء له بالغ الأثر في ذلك (التعامي، 2008: 1).

2. المشاركة في عمليات القتل: وذلك بصورة منفردة أو بالتعاون مع قوات الاحتلال (يوسي، 1991: 22–28).

3. تصفية القادة والمفكرين: تصفية القادة والمفكرين الفلسطينيين والعرب، والتجسس على الدول العربية والإسلامية.

4. التأثير على أجندة المجتمع الفلسطيني: وذلك بإثارة الفتن والنعرات، وتحويل اهتمامات المجتمع من قضيته الأساسية، وهي تحرير فلسطين كاملة، إلى قضايا ثانوية غير مهمة.

5. تحييد قطاعات المجتمع: تحييد أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع الفلسطيني وقطاعاته؛ لأن مجرد توريط الشخص في العمالة، حتى دون إرسال أي معلومة أمنية إلى مخابرات العدو، كفيل ببقائه على الحياد وعدم مشاركته في معركة التحرير (عباس، 2004: 36).

6. استكمال بنك الأهداف الاستخباري: ويتم من خلال قيام العملاء بجمع المعلومات عن أفراد المقاومة وقياداتها والعمل الوطني، وتحديد أماكن وجودهم وترددهم، ودوائر علاقاتهم الشخصية والاجتماعية والجهادية. ويُعد العميل الموجود على الأرض أحد مصادر المعلومات المهمة لاستكمال بنك الأهداف.

7. استخدام العميل في مهمات ميدانية: مثل التخريب ونشر الشائعات وأعمال النهب والسرقة، وصولًا إلى المشاركة الميدانية في إعاقة أعمال المقاومة أو تصفية قيادات وأفراد العمل المقاوم.

8. جمع المعلومات عن المواطنين: جمع المعلومات عن المواطنين بشكل عام، والتغطية والمتابعة الأمنية المستمرة للحدود البرية والبحرية والمناطق الداخلية، وتوفير الدعم اللوجستي بهدف اختيار عملاء جدد واستهدافهم، من خلال البحث عن مواطنين واستغلال نقاط ضعفهم أثناء مرحلة التجنيد (وزارة الداخلية، 2013: 7).

ومن أهم أهداف الأجهزة الأمنية الصهيونية من إسقاط العملاء إضعاف النسيج المجتمعي الفلسطيني وتفكيكه بالكامل، بالإضافة إلى خطورة التركيز على جيل الشباب في الإسقاط، بما يعني ضرب مصادر القوة الدافعة للمقاومة في المجتمع.

أسباب تفشي ظاهرة العملاء

من أهم الأسباب التي ساعدت على انتشار ظاهرة العملاء مع العدو الإسرائيلي ما يلي:

  1. وجود الاحتلال الإسرائيلي وتحكمه في مفاصل الحياة اليومية، خاصة الاقتصادية.

  2. تفشي الفساد بكل أشكاله وألوانه في مؤسسات السلطة الرسمية وغير الرسمية.

  3. عدم تقيد الفصائل، في كثير من الأحيان، بمبدأ السرية التامة في نشاطها.

  4. عدم وجود معايير سليمة لاختيار الأعضاء، مما يسهل على العدو اختراق الفصائل والتنظيمات.

  5. إهمال السلطة معالجة الظاهرة معالجة جدية وشاملة، وعدم تحصين عناصرها أمنيًا، وترك الشعب الفلسطيني نهبًا للحرب النفسية دون مقاومة أو تحدٍّ (صقر، 2011: 264).

لذا، على الجميع تحمل مسؤولياتهم في مواجهة ظاهرة التخابر والتقليل من خطرها، وينبغي للسلطة السياسية والأمنية ومؤسسات التربية والتعليم العمل المتواصل من أجل محاصرة هذه الظاهرة.

وسائل حماية طلابنا من خطر الإسقاط الأمني

لا يزال الاحتلال يستخدم أساليب جديدة ومتنوعة تعتمد على الحيل والإقناع، وخاصة مع فئة الشباب. ومن هنا كان لزامًا على المؤسسات التعليمية والمعنية بحماية أمن المجتمع أن تؤدي دورًا حاسمًا في توعية الشباب وحمايتهم وتحصينهم، ويتم ذلك من خلال:

1. التربية على تقوى الله: تحصين الطلبة وتعويدهم على عدم الرضوخ للانحرافات الدنيوية، وإقناعهم بأن ما عند الله خير وأبقى، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].

2. التوعية بعواقب الاستجابة لإغراءات العدو: تعريف الطلبة بأن استجابة أي شخص لإغراءات العدو لا تجلب له السعادة، بل على العكس، فقد تغرقه في وحل الشقاوة والتعاسة (رابي، 2005: 34).

3. تعريف الطلبة بالحكم الشرعي للعمالة والجاسوسية: وذلك وفق آراء الفقهاء في الجاسوس وتصنيفاته الفقهية؛ حيث يرى أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، تلميذ أبي حنيفة النعمان بن ثابت، أنه يجب معاقبة الجاسوس المسلم بشدة عن طريق الضرب والحبس حتى يتوب (السرخسي، 1971).

أما المالكية، فقد أباحوا قتل الجاسوس المسلم الذي يكاتب العدو ويزوده بأخبار المسلمين. وعلى الرغم من أن الإمام مالك بن أنس، حين سُئل عن ذلك، أقر بعدم وجود نص، وأرجع الحكم فيه إلى الإمام، فإنه انتهى أخيرًا إلى القول بشرعية قتله.

أما الإمام الشافعي، فيرفض عقوبة القتل بحجة أن المسلم لا يحل قتله إلا إذا ارتكب إحدى الكبائر الثلاث: الكفر بعد الإيمان، والقتل العمد، والزنا مع الإحصان (النووي، 2: 343).

وقد ظهر فيما بعد من فقهاء الحنابلة من يرى قتل الجاسوس المسلم، ومنهم الفقيه علي بن عقيل والإمام تقي الدين ابن تيمية الحراني (ابن تيمية، 1997: 93).

ولا بد أن يدرك الطلبة أن نهاية العميل، وفقًا لما يطرحه النص، تتمثل في الموت قتلًا، إما على يد العدو أو على يد الوطنيين، وكذلك، إن لم يُقتل حدًّا، فإنه سيُقتل نفسيًا واجتماعيًا، وسيصبح كالناقة الجرباء التي يبتعد عنها الناس.

ويجدر التنويه إلى أن العملاء في فلسطين لا ينطلقون في تعاملهم من منطلق عميق، أو عبر قناعة شخصية أو ذاتية، وإنما ينبع ذلك إما من مصلحة ذاتية ضاغطة على الفرد، وإما من ضغط تعرض فيه للابتزاز والتهديد، المباشر أو غير المباشر. فعملاء فلسطين، وفقًا للمصدر، ليسوا عملاء استراتيجيين أو معارضين أيديولوجيين، سواء أكانوا عقائديين أم سياسيين، وما زال هناك حيز في نفسية هؤلاء العملاء وذواتهم لم يصل العطب إليه بعد. وهذا يعني أنه بالإمكان، عبر عمليات التعبئة والتوجيه والإرشاد والإصلاح والتهذيب، تغليب كوامن الخير على كوامن الشر فيهم.

لذا، لا بد من شحذ همم الطلبة والعمل معهم على الخلاص من أخطبوط الاحتلال، المسؤول الأول والأخير عن ظاهرة العملاء في فلسطين (عباس، 2004: 112–113).

وينبغي ألا نغفل أن العميل يمثل ضحية للأساليب القذرة وغير الأخلاقية التي تستخدمها الأجهزة الأمنية في إسقاطه، وأن معظم العملاء الفلسطينيين، وفقًا للمصدر، غير عقائديين، ويمكن إصلاح بعضهم وإعادتهم إلى الصف الوطني.

ومن خلال البحث في هذه الظاهرة ودراستها، نلاحظ ما يلي:

أ. وجود إجماع على أن ظاهرة التخابر مع العدو ظاهرة قذرة ومخزية.

ب. تفضيل العميل مصلحته الخاصة على مصلحة المجتمع، وتسببه في إزهاق الأرواح وهدم المنشآت.

ت. تهديد العملاء للسلم الاجتماعي، وقيامهم بانتهاك الأعراض ونشر الفساد والفتن في المجتمع.

ث. إساءة العملاء إلى سمعة الفلسطينيين وكرامتهم، وتسببهم في اعتقال آلاف الأسرى الفلسطينيين.

الدراسات السابقة:

1. دراسة ضيف (2014)

عنوان الدراسة: الخضوع والتوحد مع المعتدي لدى عملاء الاحتلال الإسرائيلي بمحافظات غزة في ضوء بعض المتغيرات.

هدفت الدراسة إلى الكشف عن بعض الأبعاد النفسية للارتباط بالاحتلال الإسرائيلي، ومن ذلك الكشف عن العلاقة بين الخضوع والتوحد مع المعتدي، وعلاقة ذلك بالفروق ذات الصلة بالمتغيرات الديموغرافية.

وقد بلغ مجتمع الدراسة وعينتها (120) مدانًا بالتخابر. وأظهرت الدراسة أن نسبة (70.59%) من العينة متوسّطو الخضوع، وأن نسبة (15.29%) مرتفعو الخضوع، وأن نسبة (14.12%) منخفضو الخضوع. كما أظهرت وجود علاقة ارتباطية موجبة بين الخضوع والتوحد مع المعتدي لدى عملاء الاحتلال، تُعزى إلى متغير مدة التخابر.

وتوصل الباحث إلى توصيات، أهمها تكوين الاتجاهات الإيجابية في المجتمع الفلسطيني، وإزالة الحقد الاجتماعي من قلوب المكلومين جراء الاقتتال الداخلي، وذلك لسد الطريق أمام المخابرات الإسرائيلية لتوظيف الأحقاد والكراهية في تجنيد العملاء.

2. دراسة معمر (2013)

عنوان الدراسة: التربية الأمنية الإسلامية وحاجة المجتمع الفلسطيني إليها في مواجهة الاختراق الأمني الإسرائيلي.

هدفت الدراسة إلى إلقاء الضوء على الاختراق الأمني الإسرائيلي للمجتمع الفلسطيني، وتقديم توجيهات تربوية مستمدة من القرآن والسنة، تسهم في تدعيم الشخصية الفلسطينية في مواجهة هذا الاختراق.

وقد استخدم الباحث المنهج الوصفي في قراءته للواقع الفلسطيني، والمنهج التحليلي في استنباط تربية أمنية من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، مستفيدًا من الأدب الأمني في الموضوع.

وتوصل الباحث إلى وجود اختراق أمني إسرائيلي للشخصية الفلسطينية، بالرغم مما تملكه هذه الشخصية من مقومات فكرية وعقائدية حسنة، وأوصى بضرورة وضع خطة وطنية شاملة لمكافحة ظاهرة الإسقاط والوقاية منها.

3. دراسة الشهري (2008)

عنوان الدراسة: تطوير التعاون بين الإدارة المدرسية والمؤسسات الأمنية في مجال التوعية الأمنية لطلاب المرحلة الثانوية.

هدفت الدراسة إلى التعرف إلى الدور المطلوب من إدارات المدارس الثانوية والمؤسسات الأمنية في تطوير التعاون في مجال التوعية الأمنية للطلاب، والوقوف على واقع هذا التعاون. كما هدفت إلى التعرف إلى واقع تنفيذ برامج التوعية الأمنية المقدمة من المؤسسات الأمنية لطلاب المرحلة الثانوية، وتحديد الصعوبات التي تواجه التعاون بين الإدارة المدرسية والمؤسسات الأمنية في مجال التوعية الأمنية.

واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي، والاستبانة أداةً لها. وكان من أبرز نتائجها أن التعاون بين الإدارة المدرسية والمؤسسات الأمنية في مجال إدارة برامج التوعية الأمنية يُمارس في بعض الأحيان، وأن البرامج التوعوية المقدمة من المؤسسات الأمنية لا تُنفذ على طلبة المرحلة الثانوية بدرجة كافية.

وخلصت الدراسة إلى توصيات، أهمها تعزيز التعاون وتطويره بين الإدارة المدرسية والمؤسسات الأمنية في مجال إدارة برامج التوعية الأمنية المخصصة لطلاب المرحلة الثانوية.

4. دراسة العتيبي (2005)

عنوان الدراسة: إسهامات الإدارة المدرسية في تنمية الوعي الأمني: دراسة تطبيقية على مدارس التعليم الثانوي الحكومي للبنين بمدينة مكة المكرمة.

هدفت الدراسة إلى التعرف إلى درجة إدراك العاملين بالإدارة المدرسية في مدارس التعليم العام الثانوي الحكومي بمدينة مكة المكرمة للوعي الأمني، وتحديد مدى إسهام العاملين في الإدارة المدرسية فعليًا في تنمية الوعي الأمني لدى الطلاب.

واستخدم الباحث المنهج الوصفي، وتكوّن مجتمع الدراسة من جميع مديري ووكلاء ومعلمي المدارس الثانوية الحكومية للبنين بمدينة مكة المكرمة، والمشرفين التربويين بإدارة الإشراف التربوي بإدارة التربية والتعليم فيها، ومراكز الإشراف التابعة لها.

وخلصت الدراسة إلى نتائج عديدة، من أهمها أن العاملين بالإدارة المدرسية يسهمون فعليًا بدرجة عالية في تنمية الوعي الأمني لدى الطلاب.

وأوصى الباحث بالعمل على تلافي المعوقات التي تحد من إسهام العاملين بالإدارة المدرسية في تنمية الوعي الأمني لدى الطلاب، والتأكيد على أهمية التعاون المثمر والتنسيق المستمر بين مؤسسات المجتمع كافة، بما فيها المؤسسات التعليمية والتربوية والأمنية، لرفع مستوى الوعي الأمني لدى الطلبة.

5. دراسة غنوم (2005)

عنوان الدراسة: المسؤولية الأمنية للمؤسسات التعليمية.

هدفت الدراسة إلى بيان أن أحكام الشريعة الإسلامية عامة وشاملة لجميع نواحي الحياة في المجتمع، والتأكيد على أهمية دور المؤسسات التعليمية في تحقيق المسؤولية الأمنية، وأن المسؤولية الأمنية مسؤولية كل فرد من أفراد المجتمع، والسعي إلى رفع درجة الوعي الأمني والاجتماعي لوقاية المجتمع من الانحراف والفساد.

وخلصت الدراسة إلى نتائج عديدة، أهمها وجود دور وقائي فاعل للمؤسسات التعليمية في درء الوقوع في الفساد والانحراف والجريمة، وعدم اقتصار المسؤولية الأمنية على المؤسسات التعليمية وحدها، بل إنها مسؤولية كل فرد في المجتمع، مع اقتراح الحلول المناسبة والكفيلة بمعالجة هذا التقاعس.

وأوصى الباحث بترشيد أجهزة الإعلام ووسائله لتكون سبيلًا إلى غرس القيم الإسلامية السامية والفاضلة، والتحذير من نشر الرذيلة والفساد والانحراف والجريمة.

6. دراسة السميح (2003)

عنوان الدراسة: الإدارة المدرسية في مواجهة ظاهرة الانحراف الأمني.

هدفت الدراسة إلى رصد مظاهر الانحراف الأمني لدى طلاب المرحلة الثانوية بمنطقة الرياض التعليمية من وجهة نظر الإدارة المدرسية، وتحديد أهم أسباب هذه المظاهر، وتحليلها والتشخيص المبكر لها لدى الطلاب، وتنمية الحس الأمني لدى الإداريين التربويين ورجال الأمن على حد سواء في التعامل مع مظاهر الانحراف الأمني المنتشرة بين طلاب المرحلة الثانوية.

وقد استخدم الباحث منهج الدراسات المسحية، وتكونت عينة الدراسة من (27) مدرسة ثانوية، بنسبة قدرها (25%) من مجموع المدارس الثانوية بمنطقة الرياض التعليمية. وتألف أفراد عينة الدراسة من (135) فردًا، منهم (27) مديرًا، و(27) مرشدًا طلابيًا، و(81) معلمًا.

وخلصت الدراسة إلى أن رفقة السوء تُعد من الأسباب التي حصلت على نسبة (90%) فأكثر من آراء أفراد العينة بشأن انتشار مظاهر الانحراف الأمني بين الطلبة.

وأوصى الباحث بإقامة علاقات وثيقة بين المؤسسات التعليمية والأمنية، وإدخال الثقافة الأمنية في المناهج التعليمية في جميع المراحل.

7. دراسة مايك (1995)

عنوان الدراسة: اكتشاف عقلية الجاسوس.

هدفت الدراسة إلى التعرف إلى تصرفات الجاسوس ومخاطره ودوافعه وإدراكه الحسي من الناحية الأمنية، والوسائل والأساليب والمعدات التي تُستخدم في التجسس.

وقد استخدم الباحث المقابلة مع عينة الدراسة البالغ عددها (89) أمريكيًا ممن أُلقي القبض عليهم بتهمة التجسس للعدو، ونقل معلومات يمكن استغلالها عن طريق رجال أمن العدو.

وتوصلت الدراسة إلى نتائج، أهمها أن عددًا كبيرًا من الجواسيس تطوعوا بإرادتهم لتقديم خدمات للحكومات الأجنبية، ولم يتعرضوا للإجبار على الخيانة.

التعقيب على الدراسات السابقة

من خلال العرض السابق لبعض الدراسات، نجد أنه، في حدود علم الباحثين، لا توجد دراسات تناولت هذا الموضوع بصورة مباشرة. فالدراسات التي تناولت دور الإدارة المدرسية لم تتناول قضية الإسقاط الأمني بالتخصيص، لكن هناك دراسات تناولت موضوعات مختلفة مرتبطة بتفعيل دور الإدارة المدرسية في تنمية الوعي الأمني، كدراسة العتيبي (2005)، وتطوير التعاون بين الإدارة المدرسية والمؤسسات الأمنية، كدراسة الشهري (2008)، وقد اتبعت المنهج الوصفي.

ولعل ما يميز الدراسة الحالية عن سابقاتها أنها تختص بمعرفة درجة ممارسة الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظات غزة، والكشف عما إذا كانت هناك فروق ذات دلالة إحصائية في درجة تقدير عينة الدراسة لدور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظات غزة، تُعزى إلى متغيرَي النوع والمؤهل العلمي.

إجراءات الدراسة

منهج الدراسة

من أجل تحقيق أهداف الدراسة، استخدم الباحثان المنهج الوصفي، وهو أحد أشكال التحليل والتفسير العلمي المنظم لوصف ظاهرة أو مشكلة محددة، وتصويرها كميًا عن طريق جمع بيانات ومعلومات مقننة عن الظاهرة أو المشكلة، وتصنيفها وتحليلها وإخضاعها للدراسات الدقيقة (ملحم، 2000).

مجتمع الدراسة

يتكون مجتمع الدراسة من جميع مديري ومعلمي ومرشدي المدارس الثانوية في محافظات غزة، والبالغ عددهم (3982) فردًا.

جدول (1): توزيع أفراد مجتمع الدراسة حسب الجنس والوظيفة

الوظيفة

ذكر

أنثى

المجموع

المديرون

64

74

138

المعلمون

1655

2046

3701

المرشدون

67

76

143

المجموع

1786

2196

3982

عينة الدراسة

أ. العينة الاستطلاعية

استخدم الباحثان أسلوب الحصر الشامل، وقد أُخذت عينة استطلاعية من (50) فردًا من مديري ومعلمي ومرشدي المدارس الثانوية في محافظات غزة، من خارج أفراد العينة الأصلية، وذلك بغرض تقنين أداة الدراسة والتحقق من صدقها وثباتها. وبعد التأكد من صدق الاستبانة وسلامتها للاختبار، وُزعت على العينة الأصلية.

ب. عينة الدراسة

تكونت عينة الدراسة من (463) فردًا، منهم (67) مديرًا ومديرة، و(334) معلمًا ومعلمة، و(62) مرشدًا تربويًا ومرشدة، في المدارس الثانوية بمحافظات غزة للعام الدراسي 2012–2013.

والجدول التالي يوضح توزيع أفراد العينة حسب الجنس.

جدول (2): توزيع أفراد العينة حسب متغير الجنس

الجنس

العدد

النسبة المئوية

ذكر

218

47.08%

أنثى

245

52.92%

المجموع

463

100%

أداة الدراسة

استخدم الباحثان استبانة بعنوان: «دور الإدارة المدرسية في مكافحة الإسقاط الأمني لدى طلبة المرحلة الثانوية في محافظات غزة».

وبعد الاطلاع على الأدب التربوي الحديث الذي سبق عرضه، والدراسات السابقة المتعلقة بمشكلة الدراسة، واستطلاع رأي عينة من المتخصصين عن طريق المقابلات الشخصية التي استُخلصت منها أبعاد معينة، قام الباحثان ببناء الاستبانة.

وتكونت استبانة الدراسة من قسمين رئيسين، هما:

  • القسم الأول: معلومات شخصية عن المستجيب، وتشمل الجنس والمؤهل العلمي.

  • القسم الثاني: محور الاستبانة، ويتكون من (14) فقرة.

صدق الاستبانة

يقصد بصدق الاستبانة أن تقيس فقراتها ما وُضعت لقياسه. وقد تحقق الباحثان من صدق الاستبانة بطريقتين:

أولًا: صدق المحكمين

عُرضت الاستبانة في صورتها الأولية على مجموعة من أساتذة الجامعات المتخصصين ممن يعملون في الجامعات الفلسطينية، حيث أبدوا آراءهم وملاحظاتهم حول مناسبة فقرات الاستبانة، ومدى انتماء الفقرات إلى كل محور من المحاور الخمسة للاستبانة، وكذلك وضوح صياغاتها اللغوية.

وفي ضوء تلك الآراء، استُبعدت بعض الفقرات وعُدّل بعضها الآخر، ليصبح عدد فقرات الاستبانة (14) فقرة.

ثانيًا: صدق الاتساق الداخلي

يقصد بصدق الاتساق الداخلي مدى اتساق كل فقرة من فقرات الاستبانة مع المجال الذي تنتمي إليه هذه الفقرة.

وقد حسب الباحثان الاتساق الداخلي للاستبانة من خلال حساب معاملات الارتباط بين كل فقرة من فقرات مجالات الاستبانة والدرجة الكلية للمجال نفسه.

وجرى التحقق من صدق الاتساق الداخلي للاستبانة بتطبيقها على عينة استطلاعية مكونة من (50) فردًا. وحُسب معامل ارتباط بيرسون بين كل فقرة من فقرات الاستبانة والدرجة الكلية للمحور الذي تنتمي إليه، كما حُسب معامل ارتباط بيرسون بين درجات كل محور من محاور الاستبانة والدرجة الكلية للاستبانة، وذلك باستخدام البرنامج الإحصائي (SPSS).

التوصيات

في ضوء النتائج التي تم التوصل إليها، يمكن تقديم التوصيات التالية:

  1. وضع خطة وطنية شاملة لمكافحة ظاهرة الإسقاط الأمني.

  2. تبني استراتيجية عربية موحدة لتحصين الشباب العربي من الوقوع في براثن الإسقاط الأمني.

  3. تنفيذ برامج توعوية لمكافحة التخابر والإسقاط الأمني في جميع المدارس الثانوية في البلاد العربية.

  4. زيادة عدد المرشدين التربويين في المدارس الثانوية، وتفعيل دورهم الفني والإداري لمواجهة الآثار السلبية للتعامل مع الاحتلال.

  5. إخضاع مديري المدارس الثانوية والمرشدين التربويين والمعلمين بمحافظات غزة لدورات تربوية وإدارية في كيفية تطوير دورهم في مكافحة الجاسوسية لدى طلبة المرحلة الثانوية.

  6. تفعيل دور المؤسسات الأمنية والإعلامية المختلفة في تحصين طلبة المرحلة الثانوية من الوقوع في براثن الجاسوسية، من خلال البرامج التي تهتم بترسيخ القيم الإسلامية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق