أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 10 أكتوبر 2026

أفكار صغيرة لحياة كبيرة كريم الشاذلي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أفكار صغيرة لحياة كبيرة

كريم الشاذلي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: لكلٍّ منا حلم يراوده بين الحين والآخر؛ فمنّا من يتمنى بيتًا واسعًا، ومنّا من يطمح إلى امتلاك سيارة حديثة، ومنّا من يسعى إلى نيل شهادة علمية، أو تأسيس تجارة ناجحة. غير أن هذه الأحلام ستظل مجرد أمنيات ما لم نتخذ الخطوات الصحيحة لتحقيقها.

فالإنسان العاقل يحرص على أداء واجباته على أكمل وجه، مستعينًا بما يمتلكه من قدرات وإمكانات، ومتحليًا بروح العمل والجد والمثابرة. وليكن في علمك أن الأحلام الكبيرة والإنجازات العظيمة ليست مستحيلة، بل يمكن تحقيقها متى أحسنّا التخطيط لها، وقسّمناها إلى مراحل متدرجة، ووضعنا لكل مرحلة خطة عمل واضحة، وحددنا موعدًا للبدء وآخر للإنجاز.

وهكذا سار الناجحون وأصحاب الإنجازات العظيمة؛ فلم يبلغوا غاياتهم دفعة واحدة، وإنما شقّوا طريقهم بالصبر والعمل والمثابرة، حتى تركوا بصماتهم في حياة البشرية. وهو ما يحاول هذا الكتاب أن يتناوله بالبحث والبيان، إنه كتاب (simple idea for great life).

وقبل البدء، لا بد من نصيحة غالية، وهي إياك أن تنظر إلى الناس على أنهم ملائكة، فتُصدم حين تكتشف غير ذلك، ولا تنظر إليهم على أنهم شياطين، فتتحول إلى واحد منهم. فالناس مختلفون في طباعهم وأخلاقهم؛ فمنهم من يسير في ركاب الشر، ومنهم من يسمو بأخلاقه وأعماله حتى يكاد يحلّق في آفاق الملائكة.

فائدة: لماذا تهاجر الطيور في تشكيل يشبه الرقم سبعة؟

تشير التفسيرات العلمية إلى أن الطيور حين تطير في تشكيل يشبه حرف V، فإن حركة أجنحة كل طائر تُحدث تيارات هوائية تساعد الطائر الذي يليه على التحليق بجهد أقل. وبهذا التشكيل، تتعاون الطيور على توفير الطاقة وقطع مسافات أطول مما تستطيع قطعه لو طار كل طائر بمفرده. إنه مثال بديع على أثر التعاون والتنسيق في بلوغ الأهداف، وعلى أن العمل الجماعي قد يحقق ما يصعب على الفرد تحقيقه وحده.

لا تحمل كيس البطاطا

ذات يوم، طلب أحد الأساتذة من طلابه أن يحضر كلٌّ منهم كيسًا نظيفًا. وعندما نفّذوا ما أمرهم به، طلب منهم أن يضعوا في هذا الكيس ثمرة بطاطا عن كل ذكرى سيئة لا يريدون محوها من ذاكرتهم، وأن يكتبوا على كل ثمرة الموقف السيئ وتاريخه.

وبالفعل، قام الطلاب بما طلبه الأستاذ، وأصبح لدى كلٍّ منهم كيس لا بأس به من البطاطا. عندها طلب منهم الأستاذ ألا يتركوا هذا الكيس أبدًا، وأن يصطحبوه معهم في حلّهم وترحالهم؛ فهو معهم في غرفة النوم، والسيارة، والسوق، والنادي!

وما أتعس من يحملون كمًّا كبيرًا من الذكريات المؤلمة، وقد ترجموها إلى حبات بطاطا، فأرهق حملُها أكتافَهم بعدما تعبت منها نفوسهم!

لقد أوضح عبء حمل هذا الكيس طوال الوقت للطلاب العبء الروحي الذي تحمله نفوسهم بسبب ذكرياتهم المؤلمة، والثقل النفسي الذي تبعثه تلك الذكريات في داخلهم.

ومع مرور الوقت، أصبحت البطاطا عبئًا ماديًّا ثقيلًا، إذ صاروا يهتمون بها باستمرار خشية نسيانها في أماكن قد تتسبب لهم بالحرج. وبطبيعة الحال، تدهورت حالتها، وانبعثت منها رائحة كريهة، مما جعل حملها أمرًا غير مستحب.

ولم يمضِ وقت طويل حتى قرر كل واحد منهم التخلص من كيس البطاطا بدلًا من الاستمرار في حمله إلى كل مكان يذهب إليه.

إن النسيان، صديقي القارئ، نعمة تستحق الشكر، والتخلص من الذكريات السيئة هو مما يعيننا على العيش بسلام. أما اجترار الأحزان، واستعادة الذكريات المؤلمة، واستحضار المواقف السلبية باستمرار، فلا يزيدنا إلا تعبًا وألمًا، ويثقل حاضرنا بأعباء الماضي.

ليس المطلوب أن ننكر ما حدث، أو نتجاهل الدروس التي تعلمناها من تجاربنا، وإنما أن نتعلم كيف نترك الألم يمضي، ونحتفظ بالعبرة، دون أن نظل أسرى لما مضى. فالحياة أقصر من أن نقضيها في حمل أعباء لا نستطيع تغييرها، وأجمل من أن نحرم أنفسنا راحة الحاضر بسبب آلام الماضي.


المؤلمة؛ فإنه ما يفتأ يؤرّق عيشنا، ويُضجّ مضجعنا، ويعمل عمله فينا، فيهدم بنيان سعادتنا.

إن حمل تجاربنا الحزينة معنا أينما حللنا لهو أمر مؤسف وصعب، والأصلح هو النسيان والتجاوز والتسامح والتغافر.

ألقِ عن كاهلك، يا صديقي، ذلك الثقل الروحي الرهيب الذي خلّفته تجاربك الشخصية غير الموفقة، ومشاريعك الفاشلة، وعثراتك وكبواتك المختلفة.

تعلّم مهارة النسيان، ونظّف أرشيف عقلك باستمرار، ولا تحتفظ فيه إلا بالجميل من الذكريات. أمّا المؤلم منها، فاقطف منه العبرة والحكمة، وألقِ به في سلّة المهملات.

كُن فطناً

يُقال إن فلاحًا رأى ثعبانًا يرقد تحت شجرة ظليلة، فرفع فأسه عاليًا، وهوى بها على رأس الثعبان.

لكن الثعبان كان أسرع منه حركة، ففزع من رقدته واستدار بقوة، والشرر يتطاير من عينيه، وهمَّ بعضِّ الفلاح الخائف.

فما كان من الفلاح إلا أن قال بضعف: «مهلًا أيها الثعبان، إن قتلتني لم يُفدك قتلي شيئًا، ولكن ما رأيك أن نعقد صلحًا، فلا تؤذيني ولا أؤذيك، والله يشهد على اتفاقنا؟».

فقال الثعبان بعد برهة من التفكير: «لا بأس، أوافق على السلام، وألّا يؤذي أحدنا الآخر».

ويمرُّ بعض اليوم، ويأتي الفلاح إلى الثعبان الغافي، ويحاول مرة أخرى قطع رأسه غدرًا وغيلة.

فيلتفُّ الثعبان الحذر، والشرر يتطاير من عينيه، وقد همَّ بعضِّ قاتله، فيبادر الفلاح قائلًا في هوان: «سامحني، ولنتعاهد على ألّا يؤذي أحدنا الآخر».

فيقول له الثعبان: «قل لي: كيف آمن لك، وهذا أثر فأسك يحتلُّ موضع رأسي؟!».

ثم يعضُّه عضةً يموت على إثرها.

هل ستقضي عمرك في حل المشكلات؟

يُروى أنه في الأيام الأولى لتولّي محمد الفاتح، رحمه الله، الحكم بعد وفاة أبيه، ثارت المشكلات في وجهه، وكان صغير السن، لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، فظنّ الناس أنهم يستطيعون التلاعب به.

فبدأ الولاة بإثارة المشكلات رغبةً في الاستقلال، وكانوا يجسّون النبض ليروا مدى قدرة السلطان الجديد على ضبط الأمور.

وبدأ جيران الدولة وأعداؤها في الخارج يثيرون الزوابع، ليروا إن كان قد حان الوقت لاقتطاع بعض أجزاء الدولة العثمانية وضمّها إلى دولهم أم لا.

وأثار بعض المشكلات ضعاف النفوس ممن يرغبون في الحصول على عطايا السلطان ومنحه، فضلًا عن غيرها من المشكلات الكثيرة.

وكان السلطان يناقش هذه المسائل مع وزيره باستمرار. وفي إحدى جلسات النقاش الحامية، اقترح الوزير على السلطان أن تُرتَّب هذه المشكلات حسب أولويتها، حتى يشرع في معالجتها واحدة تلو الأخرى.

وهنا قال السلطان كلمة شديدة القوة والعجب، فقال: «وهل سأقضي عمري كله في حلّ المشكلات؟ أعطوني خرائط القسطنطينية!».

كانت القسطنطينية حصنًا استعصى على كثير من الملوك والسلاطين، فبدأ السلطان بالفعل في تجهيز الأمة لهذه الغاية النبيلة، حتى تحقق الحلم، وتبخّرت المشكلات الآنية أمام تيار عزمه واندفاعه نحو هدفه الكبير.

ومن هذا الموقف نتعلّم أن الهدف الكبير يقضي على المشكلات الصغيرة، والغاية النبيلة تسحق ترّهات الأيام، والعظمة تجلب معها جيشًا من الهمم يأسر دناءة النفس وصغر الطموح ومشكلات الحياة العادية.

التقارب المدروس

يُحكى أنه كانت هناك مجموعة من القنافذ تعاني البرد الشديد، فاقتربت من بعضها وتلاصقت طمعًا في شيء من الدفء، لكن أشواكها المدببة آذتها، فابتعدت عن بعضها، فأوجعها البرد القارس.

فاحتارت بين ألم الشوك والتلاصق، وعذاب البرد، ووجدت في النهاية أن الحل الأمثل هو التقارب المدروس؛ بحيث يتحقق الدفء والأمان بأقل قدر من الألم ووخز الأشواك.

فاقتربت، لكنها لم تقترب الاقتراب المؤلم، وابتعدت، لكنها لم تبتعد الابتعاد الذي يحطم أمنها وراحتها.

وهكذا يجب أن يفعل السائر في دنيا الناس؛ فالناس كالقنافذ، يحيط بهم نوع من الشوك غير المنظور، يصيب كل من ينخرط معهم بغير حساب، ويتفاعل معهم بغير انضباط.

لذا وجب علينا أن نتعلم هذه الحكمة من القنافذ؛ فنقترب من الآخرين اقتراب من يطلب الدفء ويمنحه، ونكون في الوقت نفسه منتبهين إلى عدم الاقتراب الشديد، حتى لا تنغرس أشواكهم فينا.

نفثة ثعبان

قرر أحد الثعابين يومًا أن يتوب ويكفّ عن إيذاء الناس وترويعهم، فذهب إلى راهب يستفتيه فيما يفعل، فقال له الراهب: «انتحِ من الأرض مكانًا معزولًا، واكتفِ من الطعام بالنزر اليسير».

ففعل الثعبان ما أُمر به، لكنّ ما كان يقضّ مضجعه أن بعض الصبية كانوا يذهبون إليه ويرمونه بالحجارة، وعندما يجدون منه عدم مقاومة، كانوا يزيدون في إيذائه.

فذهب إلى الراهب يشكو إليه حاله، فقال له الراهب: «انفث في الهواء نفثةً كل أسبوع؛ ليعلم هؤلاء الصبية أنك تستطيع ردّ العدوان إذا أردت».

فعمل بالنصيحة، فابتعد عنه الصبية، وعاش بعدها مستريحًا.

كثير من الناس، يا قارئي الحبيب، يغريهم الحلم، ويغريهم الرفق والطيبة بالعدوان والإيذاء. وكلما زاد المرء في حلمه، زاد المعتدي في عدوانه، وقد يخيل إليه أن عدم ردّ العدوان ضعف واستكانة وقلة حيلة.

هنا يأتي دور الثعبان ونفثته، التي تُخبر من غرّه حلم الحليم أن اليد التي لا تبطش قد ألجمها الأدب لا الضعف، وأن اللسان العفيف استمدّ عفّته من حسن الخلق، لا من ضعف المنطق وقلة الحيلة.

وأن مهانة المسيء هي التي منعتنا من مجاراته، لا الرهبة منه أو خشيته.

إن لنفثة الثعبان في زماننا هذا قيمة؛ فإظهار العصا بين الحين والآخر كفيل بإعلام الجهلاء أن أصحاب الضمائر الحية أقوياء أشداء، قادرون على الحفاظ على حقوقهم وخصوصياتهم.

الناس كالسلحفاة

يُحكى أن أحد الأطفال كان لديه سلحفاة يطعمها ويلعب معها، وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة، جاء الطفل إلى سلحفاته العزيزة، فوجدها قد دخلت في غلافها الصلب طلبًا للدفء.

فحاول أن يُخرجها، فأبت. وضربها بالعصا، فلم تأبه به. وصرخ فيها، فازدادت تمنعًا.

دخل عليه أبوه، وهو غاضب حانق، وقال له: «ماذا بك يا بني؟».

فحكى له مشكلته مع السلحفاة، فابتسم الأب وقال له: «دعها وتعال معي».

ثم أشعل الأب المدفأة، وجلس بجوارها هو وابنه يتحدثان. ورويدًا رويدًا، إذا بالسلحفاة تقترب منهما طلبًا للدفء.

فابتسم الأب لطفله وقال: «يا بني، الناس كالسلحفاة؛ إن أردتهم أن ينزلوا عند رأيك، فأدفئهم بعطفك، ولا تكرههم على فعل ما تريد بعصاك».

وهذه إحدى أسرار الشخصيات الساحرة المؤثرة في الحياة؛ فهم يدفعون الناس إلى حبهم وتقديرهم، ومن ثم طاعتهم، عبر منحهم الكثير والكثير من دفء قلوبهم ومشاعرهم.

هز ظهرك وارتفع

ذات يوم، كان فلاح عائدًا إلى بيته بعد يوم حافل بالعمل، وحصانه يمشي بجواره، وعلى ظهره شيء من ثمار أرضه. وفجأة، فزع الحصان وركض نحو بئر عميقة، فسقط فيها.

أسرع الفلاح ليتفقد فرسه الذي كان يئنّ في البئر، والهلع يملأ جوانحه. فكّر في حيلة يُخرج بها حصانه، لكن أعياه التفكير، ولم يهتدِ إلى حل.

وبعد مهلة من التردد، قرر أن يترك الحصان في البئر، بل اهتدى إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فالبئر جافة، وقد يسقط فيها فلاح آخر أو أحد حيواناته، فلماذا لا ينادي جيرانه من الفلاحين ليردموها؟ وبذلك يدفن الحصان بدلًا من أن تفوح رائحته الكريهة بعد موته، ويتخلص في الوقت نفسه من بئر لا فائدة منها.

وهكذا نادى المزارع جيرانه، وطلب منهم المساعدة في ردم البئر، وأخبرهم بمراده من ذلك والفائدة المرجوة منه، فوافقوه وبدأوا العمل.

ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأ التراب ينهال على ظهر الحصان القابع في البئر بلا حيلة. وسرعان ما أدرك الحصان حقيقة ما يجري، وأيقن أنه هالك لا محالة، فارتفع صهيله فزعًا وخوفًا. لكنه تأكد أن القوم قد أبرموا أمرهم ولن يتراجعوا عنه، فقرر أن يدبّر أمرًا ينقذ به نفسه.

وبينما القوم مستمرون في إلقاء الأتربة في البئر بلا توقف، انقطع صوت الحصان تمامًا؛ فلا عويل ولا صراخ ولا صهيل ألم وخوف.

وبعد فترة، قرر المزارعون أن يتوقفوا ليلقوا نظرة على الحصان الذي اختفى صهيله تمامًا، فإذا بهم يرون مشهدًا عجيبًا!

فبينما كان المزارع ورفاقه منهمكين في إلقاء التراب على الحصان، كان الحصان مشغولًا بهزّ ظهره كلما سقطت عليه الأتربة، فيلقيها أرضًا، ويرتفع بمقدار سنتيمترات إلى الأعلى.

واستمر الحال على هذا المنوال؛ هذا يلقي بالأتربة والأوساخ، وذاك ينفضها عن ظهره ويرتفع فوقها. ورويدًا رويدًا، وجد الجميع الحصان وقد أصبح قريبًا من النور.

وبدلًا من أن تغرقه القاذورات وتدفنه، اتخذها وسيلة للارتفاع فوقها والنهوض من خلالها، حتى صار حرًّا طليقًا، وكان الفضل في نجاته يعود إلى ما كان يظنه شرًّا خالصًا.

اللسان

كانت الأمور تسير بصورة طبيعية بين مجموعة من الضفادع التي تتسابق بين أشجار الغابة، قبل أن تسقط ضفدعتان في حفرة عميقة.

تجمّعت الضفادع حول الحفرة لتشاهد الضفدعتين المسكينتين، وما إن طالعتا عمق الحفرة حتى تأكدتا من استحالة إنقاذهما؛ فالحفرة عميقة جدًا.

فأخذت الضفادع تطالب الضفدعتين بالاستسلام للموت، والاكتفاء بما عاشتا من أيام، مؤكدةً أن محاولاتهما للخروج لن تجدي نفعًا.

لكن الضفدعتين لم تستمعا إلى كلام الضفادع، وحاولتا القفز والخروج من هذه الحفرة، غير أن محاولاتهما باءت بالفشل. ومع تصاعد أصوات الضفادع التي تطالبهما بالكفّ عن المحاولات اليائسة والاستسلام لمصيرهما المحتوم، استسلمت إحدى الضفدعتين بالفعل، وماتت في صمت.

أما الضفدعة الأخرى، فظلّت تقفز مرة تلو أخرى، بينما كان جمهور الضفادع يطالبها بالاستسلام والموت بهدوء. لكنها لم تُصغِ إليهم، واستمرت في محاولاتها حتى حققت ما بدا مستحيلًا، ووصلت إلى حافة الحفرة، ونالت حريتها بعدما ظنّ الجميع أنها في عداد الأموات.

التفّ جمهور الضفادع حول الضفدعة الناجية، يسألونها في لهفة: «ما أروع إصرارك! كيف صمدت رغم هتافنا لكِ بأن تستسلمي وتكفّي عن المحاولة؟».

فأخبرتهم الضفدعة ببساطة أنها تعاني مشكلة في السمع، ولم تكن تستطيع سماعهم بوضوح وهي في الأسفل؛ لذا لم تصل إليها هتافاتهم المثبطة والمحطمة، ولم تتأثر بها. بل على العكس من ذلك، كانت تظن أن هتافهم تشجيع لها، وتحذير من اليأس والقنوط، وأن صراخهم يحثّها على مواصلة المحاولة. واعترفت لهم بأن ذلك كان له بالغ الأثر في استمرارها في محاولاتها المضنية حتى نجحت في الخروج.

لا تحاول تغيير العالم

يُحكى أن ملكًا كان يحكم دولةً ممتدة الأطراف، وأراد يومًا أن يقوم برحلة برية تستغرق أيامًا ولياليَ طوالًا.

وبالفعل، قام الملك بجولته، لكنه في طريق العودة شعر بألم في قدميه. فنظر إليهما، فإذا هما متورمتان بشكل كبير ومؤلم، بسبب وعورة الطريق وصعوبة السير فيه.

فأصدر الملك مرسومًا يقضي بتغطية شوارع المملكة كلها بالجلد، حتى لا تتورم قدماه مرة أخرى!

لكن الأمر كان صعبًا؛ فليس من السهل تغطية المملكة كلها بالجلد. وهنا أبدى وزير الملك، ذو العقل النبيل، رأيًا آخر، فقال لسيده: «مولاي، ولماذا لا تغطي قدميك بالجلد، وتحكم تغطيتهما؟ فهذا أسهل وأيسر في التطبيق». وهكذا، بحسب هذه الحكاية، ظهرت فكرة النعل في العالم.

غيّر أسلوبك

على رصيف أحد الميادين، جلس رجل أعمى واضعًا قبعته أمامه، وبجانبه لوحة كُتب عليها: «أنا رجل أعمى، ساعدوني».

ومضى وقت غير قليل، ولم يكن في قبعته إلا القليل من القروش.

فمرّ به أحد الأشخاص، ووضع في قبعته بعض المال، ثم تأمّل اللوحة مليًّا، وقرّر تغيير العبارة المكتوبة عليها، ظنًّا منه أن هذه العبارة هي سبب عدم تعاطف الناس مع الأعمى المسكين.

وبالفعل، غيّر العبارة، ثم مضى في سبيله. ولم يمضِ وقت طويل حتى امتلأت قبعة الرجل بالأموال!

استبدّ الفضول بالرجل الأعمى، فأراد أن يعرف ما الذي كتبه ذلك الرجل، وما الذي أحدث هذا التأثير في الناس ودفعهم إلى مساعدته بشكل أكبر.

فطلب من أحد المارّة أن يقرأ له ما كُتب على اللوحة، فأخبره أن العبارة تقول:

«نحن في فصل الربيع، لكنني أعمى لا أستطيع رؤية جماله!».

وهنا أدرك الأعمى السبب!

لقد علّم هذا الرجل الأعمى، وعلّمنا معه، أن الأساليب والوسائل التي نستخدمها ينبغي أن نعيد النظر فيها إذا لم تَسِر الأمور على النحو المناسب.

فلا بدّ من مراجعة الذات ونقدها، وإعادة النظر فيما نفعله، والبحث عن أساليب جديدة لتحقيق أهدافنا؛ فقد لا تكون المشكلة في الهدف الذي نسعى إليه، بل في الطريقة التي نتبعها للوصول إليه.

الرضا

في إحدى قرى العالم الكبير، كانت تعيش أسرة صغيرة فقيرة، تتكوّن من أمّ وطفلتها ذات الأعوام الثلاثة. وعلى الرغم من الفقر الشديد الذي كانت تعاني منه الأسرة، فإن الرضا كان باديًا على أهل البيت.

لم تكن الأم تطمع في شيء؛ فقد كانت تعمل في بيوت الأغنياء طوال النهار، ثم تعود مع طفلتها إلى منزلهما ومعهما ما يسدّ جوعهما ويروي عطشهما، وأحيانًا تحملان معهما ثمرتين من البرتقال، تأكلانها وهما تشاهدان القمر من نافذة المنزل، بينما تحكي الأم لصغيرتها إحدى قصصها المسلّية.

لم يكن يشغل بال الأم سوى تلك الشقوق التي أخذت تتّسع في سقف الدار؛ فقد كانت تخشى أن يأتي يوم ينهمر فيه المطر، فيحوّل البيت إلى بركة من الماء، فتغرق هي وطفلتها الصغيرة.

وجاء الشتاء حاملًا غيومًا كثيفة، ولم يلبث المطر أن انهمر على القرية والبيت الصغير.

وجدت الأم بيتها وكأن سقفه قد أوشك على الانهيار من كثرة المياه المتدفقة منه. حاولت أن تحمي صغيرتها من المطر، لكنه كان شديدًا، ومضى الوقت والأم تجري بطفلتها من مكان إلى آخر، والصغيرة ترتجف من البرد والخوف.

وبعد مدة، اهتدت الأم إلى فكرة بسيطة؛ فقامت بخلع باب المنزل، وأسندته مائلًا إلى الجدار، ثم احتمت تحته هي وصغيرتها.

وقد حماهما الباب من انهمار المطر بعض الشيء.

وهنا التفتت الطفلة إلى أمها مبتسمة، وقالت: «الحمد لله يا أُمّاه! تُرى، ماذا يفعل الآن الفقراء الذين ليس لديهم باب يختبئون تحته من انهمار المطر؟!»

المشاكل الصغيرة

يُحكى أن الصينيين كانوا يستخدمون أسلوبًا غريبًا في التعذيب؛ إذ كانوا يجعلون السجين يستلقي على ظهره فوق لوح خشبي، ويربطون يديه، ويثبّتون رأسه بواسطة قطعتين خشبيتين، فلا يستطيع تحريكه إطلاقًا.

ثم يضعون المسكين تحت صنبور ماء، تتساقط منه نقطة واحدة كل عشر ثوانٍ، بانتظام ورتابة، بحيث تسقط النقطة على المنطقة الواقعة بين الأنف والجبهة.

إنها مجرد نقطة ماء، قد لا تلفت الانتباه في حد ذاتها، لكن الرتابة والتكرار المستمرين يجعلانها وسيلة تعذيب مروّعة؛ إذ يُقال إن السجين قد يفقد صوابه خلال يومين على الأكثر، ثم ينهار جهازه العصبي ويموت.

الركن الضعيف

اعتلى أحد قياصرة الروم سُدّة الحكم، بعد أن كان محكومًا عليه بالإعدام. وعندما رأى الجماهير تتوافد إلى قصره من شرفته لتهنئه وتبارك له، بعدما كانوا يلعنونه في السابق، قال: «أهلًا بالمصفقين لكل منتصر وغالب!».

إن الغوغاء لا ينصرون قضية بالضرورة، وعامة الجماهير قد تفتقر إلى الرؤية المستقلة، فتتأثر قراراتهم واتجاهاتهم بوسائل شتى؛ فقد يضللهم الإعلام، وقد يكون صوت الخوف على لقمة العيش هو الأعلى، وقد يميلون إلى صاحب الكفة الراجحة، فيصفقون للغالب وينفضّون عن المغلوب.

فجّر قواك الكامنة

يُحكى أن مجموعة من اللاجئين همّت بالفرار من إحدى مناطق الحرب، عبر اختراق بقعة شديدة الوعورة في بلادهم. وبينما كانوا على وشك الرحيل، اقترب منهم رجل عجوز ضعيف وامرأة تحمل طفلًا صغيرًا على كتفيها.

وافق قادة المجموعة على اصطحاب الرجل العجوز والمرأة، بشرط أن يتحمّل كلٌّ منهما مسؤولية السير بنفسه. أما الطفل الصغير، فقد اتفقوا على أن يتناوبوا على حمله بعد مرور عدة أيام من الرحلة.

وفي أثناء المسير، سقط الرجل العجوز على الأرض، وقال إن التعب قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا، وإنه لم يعد قادرًا على مواصلة السير. ثم توسّل إلى قادة المجموعة أن يتركوه ليواجه مصيره، وأن يواصلوا هم رحلتهم.

وأمام قسوة الموقف، قرّر قادة المجموعة ترك الرجل وراءهم ومواصلة الطريق. وهنا وضعت الأم طفلها بين يدي الرجل العجوز، وأخبرته بحزم أن دوره في حمل الطفل قد بدأ، ثم لحقت بالمجموعة دون أن تلتفت خلفها.

وبعد مرور بعض الوقت، نظرت الأم إلى الوراء، فإذا بها ترى الرجل العجوز، الذي لم يكن قادرًا على الوقوف أو السير خطوات إضافية، يهرول مسرعًا محاولًا اللحاق بهم، وهو يحمل الطفل الصغير بين يديه!

فما الذي حدث؟

عندما وجد العجوز هدفًا جديدًا يسعى إلى تحقيقه، استنهض في داخله قوةً ظنّ أنها قد خارت وانتهت. لقد أيقظ الطفل الصغير في نفسه مشاعر القوة والحماس والتصميم من جديد، فاستطاع أن يتجاوز ضعفه ويواصل السير.

إن الإنسان الذي أنهكه التعب، وحطّمته الصعوبات، وأثقلته خيبات الأمل، قد يكون في حاجة إلى هدف جديد يعيد إليه الدافع والحيوية. فكثيرًا ما يكون فقدان الهدف سببًا في الفتور واليأس، بينما يمنحنا وجود هدف واضح دافعًا للاستمرار، ويوقظ في داخلنا طاقات لم نكن نظن أنها ما تزال موجودة.

عصفور السعادة

زار أحد الباب وكان اسمه جبر إحدى المدن،فقرّر مضيفوه أن يطوفوا به في البلدة ترحيبًا بقدومه.

وفي نهاية الجولة، مرّوا بالقرب من المقابر، فدنا جبر من شاهدٍ من شواهد القبور، فوجد مكتوبًا عليه: «هذا قبر فلان بن فلان، وُلد سنة 1910، وتوفي سنة 1975، وعاش سبع سنوات».

ومرّ على شاهد آخر، فوجد مكتوبًا عليه: «هذا قبر فلان بن فلان، وُلد سنة 1922، وتوفي سنة 2000، وعاش أربع سنوات».

ومرّ على شاهد ثالث ورابع، فوجد على كلّ شاهد تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة، وعدد السنوات التي عاشها صاحب القبر، لكنها لم تكن متوافقة مع سنوات عمره الفعلية.

فتعجّب جبر وسألهم عن سرّ هذه الحسابات، فأخبروه أنهم يحسبون للإنسان من عمره عدد السنوات التي قضاها في سعادة، ويستثنون الأيام التعيسة والحزينة؛ لأنها لا تستحق أن تُحسب من عمره، إذ لم يعشها حقًّا ولم يستمتع بها.

فهذا الرجل، مثلًا، عاش خمسةً وستين عامًا، لكنه لم يسعد طوال هذه الأعوام سوى سبع سنوات فقط؛ لذا يكتبون هذه السنوات السبع على أنها كل ما عاشه هذا الرجل.

وهنا التفت إليهم جبر، مبتسمًا في مرارة، وقال: «إذًا، يا أصدقائي، أرجوكم، إذا وافتني المنية في أرضكم، فاكتبوا على قبري: هذا قبر جبر، من بطن أمه إلى القبر».

لقد فطن أهل هذه المدينة إلى أن عدّاد السنين لا يسجّل إلا تلك اللحظات الجميلة السعيدة، وأن لحظات الشقاء ينبغي إسقاطها من حساب العمر، وكأنها لم تكن.

اختلف مع من تُحب

رُوي أن أحد طلاب الإمام أحمد بن حنبل كتب كتابًا في اختلاف الأئمة، وسمّاه «كتاب الاختلاف»، ثم دفعه إلى الإمام أحمد ليطّلع عليه ويبدي رأيه فيه.

فقال له الإمام أحمد ذات يوم: «سمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمِّه كتاب السعة».

نعم، إنه دليل على سعة هذا الدين، وسعة صدره لآراء المختلفين ورؤاهم المتباينة. والاختلاف، ما دام في المسائل الفرعية، ليس بالضرورة سببًا للنزاع، بل قد يكون فسحةً وسعةً في الدين.

يقول أبو حيان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»:

«ما دام الناس على فِطَر كثيرة، وعادات حسنة وقبيحة، ومناشئ محمودة ومذمومة، وملاحظات قريبة وبعيدة، فلا بد من الاختلاف فيما يختار ويستنبط، وكل من حاول رفع هذا فقد حاول رفع الفطرة، ونفي الطباع، وقلب العكس، وعكس الأمر، وهذا غير مستطاع ولا ممكن».

هل تعلم كيف تهرب الأسماك الصغيرة؟

هل تعلم كيف تستطيع الأسماك الصغيرة الهرب من براثن الأسماك المفترسة؟ إنها تهرب منها بحيلة بسيطة؛ إذ تعكّر الماء بذيولها وزعانفها، حتى تصبح الرؤية صعبة أمام الأسماك الكبيرة، مما يتيح للأسماك الصغيرة فرصة الهرب والاختباء.

وقد تعلّم البحّارة هذه الحيلة واستخدموها في صيد الأسماك؛ إذ يعكّرون الماء، فتضطرب حركة الأسماك وتفقد هدوءها، وتصبح الرؤية أمامها مشوشة، فتتخبط يمينًا ويسارًا، حتى تجد نفسها في براثن الشباك.

ومن هذا المشهد نتعلّم أمرًا بالغ الأهمية، وهو ضرورة الحفاظ على ثباتنا وهدوئنا عندما تتعسّر أمور الحياة وتتشوّش الرؤية أمام أعيننا، سواء أكان هذا التعكير بفعل عدو، أم نتيجة تقلبات القدر وتقلّبات الأيام.

الملك عارياً

يُحكى أن ملكًا كان مولعًا بثيابه الجديدة، ينفق عليها مبالغ طائلة، ويهتم بلباسه أكثر من اهتمامه بمهام مملكته.

وذات يوم، جاء رجلان محترفان يدّعيان أنهما نسّاجان، ويزعمان أنهما قادران على صناعة ثوب فريد من نوعه؛ ثوب لا يراه إلا الحكيم الذي يستحق منصبه، أما الأحمق أو غير الجدير بمنصبه فلا يستطيع رؤيته.

فكّر الملك قليلًا، ثم قال في نفسه: «لا شك أن هذه الثياب ستكون رائعة! لو استطعت الحصول عليها، لأمكنني معرفة من في مملكتي يتّسم بالحكمة والعقل، ومن هم الحمقى والمغفّلون. وهكذا أستطيع اختيار الأكفاء من حولي، وطرد كل من لا يستحق العمل في خدمة ملك عظيم مثلي».

ثم أمر النسّاجين بالبدء في صناعة الثوب، وأعطاهما مبلغًا باهظًا من المال، كي يشرعا في العمل دون إبطاء.

أقام المحتالان نَوْلَين، وأخذا يتظاهران بالانشغال في عملهما؛ يديران آلات النسيج الفارغة، ولا يضعان فيها شيئًا، بينما يُخفيان الحرير الفاخر وخيوط الذهب التي أحضراها للملك في مكان لا يعرفه سواهما.

وسرعان ما انتشر خبر الثوب العجيب في أرجاء المملكة، وأصبح الجميع متشوقين لمعرفة حقيقته؛ إذ أراد كل واحد منهم أن يعرف هل هو حكيم يستحق منصبه، أم أحمق لا يستحقه.

وبعد فترة من بدء العمل المزعوم، قرر الملك أن يرسل شخصًا إلى النسّاجين ليستطلع أخبار الثوب ويحثّهما على إتمامه. وقال في نفسه: «لا بد أن أرسل رجلًا حكيمًا رصينًا، كي يستطيع رؤية الثوب. وليس في المملكة، بعدي، من هو أحكم من الوزير العجوز؛ فهو أجدر الناس بهذه المهمة».

ذهب الوزير الحكيم إلى القاعة التي يعمل فيها المحتالان، فوجدهما منهمكين في العمل أمام النولين الفارغين.

فقال في نفسه: «عجبًا، ما الذي يفعله هذان الرجلان؟ لا يوجد شيء على النولين، ولا خيط واحد في آلات النسيج! لكنهما يقولان إن الثوب لا يراه إلا الحكيم الذي يستحق منصبه. لا شك أنني لست بالحكمة التي كنت أظنها! عليّ أن أكتم أمري وألا أفضح نفسي».

وما إن رآه المحتالان حتى استقبلاه، وقالا له: «ما رأيك، سيدي، في هذا الثوب الرائع؟ لم يتبقَّ إلا أيام قليلة حتى ننتهي منه. هل أعجبتك الألوان التي اخترناها للملك؟».

أجاب الوزير مسرعًا: «إنه عمل رائع جدًا! نوع القماش والألوان في غاية الجمال، وهذا إبداع حقيقي. سأخبر الملك بجماله فور عودتي».

وأخذ المحتالان يصفان له الثوب وألوانه، بينما كان الوزير يهزّ رأسه كأنه يراه ويفهم تفاصيله، مع أنه لم يكن يرى شيئًا على الإطلاق. وكان يُسجّل في ذهنه كل ما يسمعه، ليخبر به الملك وكأنه قد شاهد الثوب بنفسه.

ثم طلب المحتالان من الوزير مزيدًا من الحرير وخيوط الذهب لاستكمال العمل، فأمرهما بما طلبا، فأخذا المواد وأخفياها، ثم واصلا التظاهر بالعمل على النولين الفارغين بكل نشاط.

وبعد أيام، قرر الملك أن يرسل رئيس حراسه ليستطلع أخبار الثوب. وقال في نفسه: «إنه أحد كبار رجال المملكة، والرجل الثاني بعد الوزير في المكانة؛ فمن يكون حكيمًا إن لم يكن هو؟».

ذهب رئيس الحرس إلى النسّاجين، وحدث له ما حدث للوزير؛ إذ لم يرَ شيئًا على النولين، لكنه خشي أن يُتّهم بالغباء أو بعدم استحقاق منصبه.

فسأله المحتالان: «ما رأيك، سيدي؟ هل أعجبك الثوب كما أعجب الوزير؟».

فأجابهما على الفور: «نعم، نعم! إنه ثوب رائع، وسأخبر جلالة الملك بجماله بكل تأكيد».

وهكذا تناقلت المدينة أخبار هذا الثوب الرائع، الذي سيكشف به الملك الرجل الأحمق من الرجل الحكيم، ويعرف من خلاله من يستحق منصبه ومن يجب عزله فورًا.

وحانت الساعة المنتظرة، فأعلم المحتالان الملك أن الثوب قد أصبح جاهزًا. وقرر الإمبراطور أن يقيم موكبًا كبيرًا يجوب المدينة، مرتديًا فيه ثوبه الجديد.

جاء المحتالان إلى الملك، وهما يحملان على أكتافهما الثوب المزعوم، بينما كان الناس ينظرون إليهما في تعجب، ويطلقون صيحات الاستحسان والانبهار، متظاهرين بأنهم يرون الثوب؛ كي يثبتوا للجميع أنهم قادرون على رؤيته.

وحين دخل المحتالان إلى غرفة الملك، أدرك أنهما لا يحملان شيئًا، وأن أيديهما فارغة، لكنه استدرك قائلًا في نفسه: «والله، لن أكون أنا الأحمق الوحيد بينهم! ما دام الجميع حكماء، فلن أجعل نفسي أضحوكة أمام الناس».

ثم صاح بصوت سعيد: «جميل جدًا! هذا الثوب رائع! أحسنتما صنعًا أيها السيدان، وأنتما تستحقان وسام الإمبراطورية. هيا، ألبساني هذا الثوب، ولأخرج إلى الشعب الذي ينتظرني بفارغ الصبر».

وساعد المحتالان الملك على ارتداء الثوب الوهمي، ثم خرج الملك في موكبه أمام شعبه، عاريًا تمامًا، بينما كان الوهم يسيطر على أذهان الجميع. أخذ الناس يهتفون بإعجاب وثناء، مستحسنين هذا الثوب البديع، ولم يجرؤ أحد على الاعتراف بأنه لا يراه؛ خوفًا من أن يُتهم بالحمق، أو بأنه لا يستحق منصبه.

إلا طفلًا صغيرًا، هتف مندهشًا: «لكني أراه عاريًا!». ثم رفع صوته قائلًا: «إني أرى الملك عاريًا! إنه لا يرتدي شيئًا!».

وسرعان ما تناقل الناس خبر الطفل الصغير، وأخذوا يفيقون من وهمهم واحدًا تلو الآخر، حتى انكشف أمر الجميع، وكان السبب طفلًا صغيرًا.

هذه القصة كتبها المبدع الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، ويكشف لنا من خلالها كيف أننا، نحن الكبار، قد نحتاج إلى براءة الأطفال كي تكشف لنا ما أعمتنا عنه الأوهام، وما عجزنا عن رؤيته بسبب الخوف من مخالفة الآخرين.

وحول هذا المعنى، يُنسب إلى القائد الفرنسي نابليون بونابرت أنه قال لجنوده: «لا تخدعوا أنفسكم؛ فالعامة لا ينصرون قضية».

كُن مخلتفاً

ماذا يحدث لو وضعنا خمس ذبابات في زجاجة، ووضعنا معها العدد نفسه من النحل، ثم وضعنا الزجاجة أفقيًّا، بحيث تكون قاعدتها إلى أعلى، وتركناها مفتوحة، ووجّهنا الضوء نحو القاعدة، بينما تركنا الطرف الآخر غارقًا في الظلام؟

هل تعلم ما الذي سيحدث؟

ستحاول أسراب النحل الخروج باتجاه الضوء؛ لأنها اعتادت هذا السلوك منذ نشأتها، فهي في الخلية تتجه دائمًا نحو الضوء، ولا تعتاد البحث عن طريق للخروج قد يكون مختبئًا في ظلام الخلية. لذلك، ستواصل محاولاتها بإصرار للخروج من أعلى الزجاجة، حتى ينتهي بها الأمر إلى الموت بعد فترة من المحاولة، بسبب التعب أو الجوع.

أما الذباب، فلن يستغرق أكثر من لحظات قليلة حتى يخرج من الزجاجة؛ لأنه يبحث في جميع الاتجاهات الممكنة، ولا يحصر محاولاته في اتجاه واحد.

العبرة: قد يقودنا التمسك بطريقة واحدة في التفكير إلى الهلاك، بينما يمنحنا البحث عن بدائل وطرق مختلفة فرصةً للوصول إلى الحل. فليس المهم أن نواصل المحاولة بالطريقة نفسها، بل أن نكون مستعدين لتغيير اتجاهنا عندما لا تقودنا محاولاتنا إلى النتيجة المرجوة.

بئر الرغبات

ذهب صديقان إلى صيد السمك، فاستطاع أحدهما أن يصطاد سمكة كبيرة، فوضعها في حقيبته وهمَّ بالانصراف.

فسأله صديقه مندهشًا: «إلى أين تذهب؟».

أجابه: «إلى البيت، فقد اصطدت سمكة كبيرة تكفيني».

فقال له صديقه: «انتظر قليلًا، وواصل الصيد حتى تصطاد المزيد من الأسماك الكبيرة مثلي».

فسأله: «ولماذا أفعل ذلك؟».

أجابه: «لكي تبيع الأسماك التي تصطادها، وتحصل على المزيد من المال».

فسأله: «ولماذا أفعل ذلك؟».

قال: «لكي تدخر المال وتزيد رصيدك في البنك».

فسأله مجددًا: «ولماذا أفعل ذلك؟».

أجاب الرجل: «لكي تصبح ثريًّا».

فسأله صديقه: «وماذا سأفعل بالمال؟».

قال: «ستتمكن، عندما تكبر وتبلغ سن الشيخوخة، من الاستمتاع بحياتك، وقضاء أوقات سعيدة مع أولادك وأحفادك».

فابتسم الصديق وقال: «وهذا بالضبط ما أفعله الآن! فأنا أستمتع بحياتي، وأقضي وقتًا جميلًا، وأشعر بالسعادة بما لديَّ. فلماذا أؤجل سعادتي إلى المستقبل، وأنتظر حتى أكبر، وقد يمضي العمر قبل أن أعيش الحياة التي أريدها؟».




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق