أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

فتح العزيز الوهاب بتفسير ومسائل فاتحة الكتاب خليل بن هزاع الفقير بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

فتح العزيز الوهاب بتفسير ومسائل فاتحة الكتاب

خليل بن هزاع الفقير

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: هذا الكتاب هو تفسير لفاتحة الكتاب، جمع فيه بعضاً من فوائدها وأسرارها، كما بيّن فيه بعضاً من أحكامها ومسائلها المشهورة، وقد جعله في بابين على ذلك الترتيب، الأول في تفسير السورة إجمالاً مع بيان تلك الفوائد والنكت واللطائف، والثاني في الأحكام والمسائل، وقد ذكر في كتابه إحدى وأربعين مسألة، وأنا أدرجها في نفس الكلام على التفسير.

 والمؤلف أحد تلامذة الشيخ الطرفي، والذي قرّظ للكتاب بتقريظ حزين، متألماً على وفاة مؤلفه، وكان يتوسم فيه الخير والنبوغ، وقد أثنى عليه بالشيخ الشاب الصالح، وكان المؤلف قد تُوفي في ريعان شبابه، وقد أوصى أحد أصقائه بنشر هذه الرسالة من بعده، وهو ما تمَّ له، حتى رثاه ذلك الصديق في المقدمة وسماه (الصبر الجميل على فقد أخينا خليل).

وكان المؤلف توفي ضُحى يوم الجمعة، الرابع من شهر شعبان، عام 1428 هـ، وهو متوجه إلى صلاة الجمعة، مغتسلاً متطيباً، لا بساً أبهى حلله في حادث سيارة، في محافظة العلا مسقط رأسه، التابعة للمدينة المنورة، وله أربع وعشرون سنة، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنّاته.

والذي يظهر من مباحث الكتاب أن المؤلف -رحمه الله- أراد أن يجعل تفسير هذه السورة مدخلاً إلى جملة من القضايا العلمية والتربوية التي تتصل بأصول الاعتقاد، ومسائل العبادات، وأعمال القلوب، وآداب الدعاء، وموقف المسلم من الشرك وأسبابه. 

ولذلك انتقل من بيان المعنى اللغوي والشرعي للألفاظ إلى استنباط ما تدل عليه من مسائل وأحكام، مع الاستشهاد بالنصوص الشرعية، ونقل أقوال العلماء، والتنبيه على ما يراه من الأخطاء العقدية والفقهية. وبهذا جمع كتابه بين التفسير والتأصيل والاستنباط، وجعل الفاتحة ميداناً لتربية المسلم على تصحيح عقيدته، وإخلاص عبادته، واستقامة سلوكه.

يقول المؤلف الشّاب -رحمه الله: [وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)...ولما أراد راقم هذه الرسالة أن يكون له نصيبٌ من هذه الخيرية، مع توفر أسبابٍ تحثُّ على ما أراد ن خوف اخترام المنيّة له، على صغر سنٍّ، وقلة مالٍ، وانعدام ولد؛ آثر أن يكتبها مستعيناً بالله، بعد تردد دام زمناً طويلاً، يُقدّم رجلاً ويؤخّر أخرى، والله أسأل أن يغفر لي جرأتي هذه، وأن يرفقني والقارئ للعلم النافع، مقروناص بالعمل الصالح، وأن يوفقنا على هداه، الذي هدى به نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى نلقاه غير مغيرين ولا مُبدلين].

ولا يخفى على القارئ أن هذا الشاب -رحمه الله- كان متأثراً بما يكتب، وكأن كلماته تسيل من عيون صدره، بل إنها تنبض كقلبه الطاهر الطيب، يقول عند حديثه عن (الرحمن الرحيم): 

[كما أن الله رحمن رحيم في حق بعض الخلق فهو جبار منتقم في حق آخرين، وأما المسلم الصالح المبتلى فإن غاية بلاءه إن زاد هو الموت، وهو رحمة له؛ لأن ما بعده جنة عرضها السماء والأرض ونعيم مقيم لا يزول، والكافر مهما بلغ سروره في الدنيا، فإنه منغص بالموت وهو شرٌّ له لأن ما بعده هو شر منه، حيث مآله ناراً تلظى خالدا مخلدا فيها. ومن تأمل ذلك قرَّت عينه بكل بلاء يصيبه، ما دام على طاعة ربه مقيما وجعل بينه وبين محارم الله حريما، بل جاءه سرور يشعر بحلاوته وهو في ظلمات وبلايا وغصص ورزايا رحمة من ربه، إنه كان بە رحیما.

وكأنَّ يَرَاعي (قلمي) في ختام هذا الكلام عن الرحمة وقد دق عوده وتقطَّعَ مداده قد هزه ما سطر عن ربه الرحمن الرحيم، وكأني ببدني ولحمي ودمي قد اضطرب واشتاق لخالقه مما نقلته عيناه له عن رحمة أرحم الراحمین، والله یتولّانا برحمته].

أما أبرز المسائل التي تناولها في كتابه:

(بسم)

الاسم في اللغة، والفرق بين الاسم والوسم، ومعنى الباء في (باسم)، وهل المستعان به الاسم أو المسمى؟ وذكر مسألة: هل الاسم هو المسى ام غيره، وأن المسألة فيها إجمال، يحتاج إلى بيان وتفصيل على ما ذكره. 

مسألتان: متى تُشرع البسملة؟ واستحباب الاستعاذة قبلها. 

(الله)

أصل مادته في اللغة، وتصريفه، ومعناه.

مسألتان: اسم الله الاعظم. والبسملة آية من الفاتحة، لا تصح إلا بها.

(الرحمن الرحيم)

معنى هذين الاسمين، والصفة التي تضمناها، والفرق بينهما من حيث التعلق، والإيمان بأسماء الله وصفاته، وأن لهذه الصفات آثار، ودلالات الأسماء: (دلالة وجود "مطابقة"، ودلالة تضمن "المعنى الذي تضمنته"، ودلالة التزام "المعنى القريب منه")، وذكر دلائل رحمة الله بعباده، من بعث الرسل وإنزال الكتب وهداية الفطرة والعقل والآيات المبثوثة في الكون، وما يستلزم من ذلك من الشكر لله والثناء عليه.

خمس مسائل: شمول رحمته تعالى، والدلائل عليها، وأعظمها الهداية لهذا الدين، وأن توحيد الله تعالى وطاعته من اعظم موجبات رحمته، وان المعاصي وأعظمها الكفر من أكبر أسباب منع الرحمة عن العبد.

(الحمد لله رب العالمين)

الألف واللام في الحمد، واللام في لله، وما أفادته كل واحدة منهما من المعنى، وهل المعنى الإنشاء أو الخبر. ومعنى الرب والعالمين. والفرق بين الحمد والمدح والشكر. ونقل بعضاً من فضائل الفاتحة، والأحاديث الورادة فيها، وتكلم عن تفسير الرازي، ومن اكمله بعده.

سبع مسائل: عظم وسورة الفاتحة وفضلها. وأن  الصلاة لا تصح بدونها فرضاً أو نفلاً. واللحن الجلي المخل بمعنى من معاني كلماتها يُبطل الركعة. ووجوب قراءة الفاتحة وتعلمها. عظم تأثير الفاتحة في الشفاء وكونها رُقيةً شرعية. ووجوب قراءتها بعد التكبيرة الأولى من الجنازة. وسبب تسميتها بفاتحة الكتاب. 

(الرحمن الرحيم)

الحكمة من تكرارها بعد البسملة، وكون الرحمن عربي اللفظ، وأن الرحمن ذكرت في القرآن 57 مرة، بينما الرحيم ذكرت 111 مرة، والفرق بين هذين الاسمين، وموقف مشركي العرب من اسم الرحمن، الذي سجله القرآن عليهم في وسورة الفرقان. ثم تطرق إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي: حكم التسمي بأسماء الله تعالى، وما يختص به منها، وما لا يختص، ثم بيّن وجوه رحمة الله بعباده: شاملة عامة، خاصة، وعلى وجه المقابلة، وعلى وجه المجازاة، وكون الرحمن هو الاسم الذي اختصه الله بأعظم مخلوقاته "العرش"، ثم بيّن شيئا من آثار رحمته تعالى، منها: إنزاله رحمةً لأجل أن يتراحم الخلق بها، وفتح باب التوبة، .


(مالك يوم الدين)

وفيها تحدث عن القيامة، ووجوب الإيمان بها، وما فيها من أهوال وشدائد وكرامات ومنح، ومعنى يوم الدين، ووجه الدلالة في اختصاص الله بملك ذلك اليوم، وما ينبغي على المسلم عمله لذلك اليوم.

مسألةك الاستعداد للقاء الله.

(إياك نعبد وإياك نستعين)

وجه تقديم إياك، ثم تقديم العبادة على الاستعانة، وإفراد الاستعانة بالذكر مع دخولها ضمناً في العبادة، ومعنى العبادة والاستعانة، وتعلقهما (بالأولهية والربوبية)، ثم انتقاد ما يجري عند الأضرحة والقبور من الأفعال الشركية والكفرية، وحكم الاستعانة بغير الله، فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه، ويختم بقوله: [فيا خيبة من استعان بالقبور والموتى والأشجار والأحجار، وترك الاستعانة بالله القادر القوي].

أربع مسائل: واجب العلماء في بيان التوحيد، والتحذير من الشرك، وأن صرف شيء من العبادات لغير الله شرك، بيان بعض مسائل الشرك: كالذبح والنذر والطواف والحلف والاستغاثة والاستعانة و الدعاء لغير الله، وتفكر العبد بضرورته واضطراره وفقره إلى الله.

(اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم)

عظم هذا الدعاء، وأدب الداعي بحسن الثناء قبل التوجه بالطلب، ومعنى الصراط المستقيم، ومعنى الهداية إليه، بالثبات والزيادة.

سبع مسائل: وجوب سؤال الهداية. وتعظيم عبادة الدعاء وصرفها إلى الله. آداب الدعاء. بيان معنى الصراط المستقيم. وأن الهداية إلى الحق وسلوك طريق محض هداية من الله. وأن الدعاء من أعظم اسباب الثبات على الحق.  الهداية تقتضي معرفة أسباب الهدى والثبات عليه ومكائد أهل الباطل. 

(غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

بيان المغضوب عليهم والضالين، وأن الهداية تقتضي مخالفتها في طريق الدين، وتضمن الآية للتحذير من سلوك طريقهم، ووجه كون اليهود مغضوباً عليهم، وكون النصارى ضالين. وكلام ابن تيمية في الفرق التي شابهت اليهود في معرفة الحق وتنكبه، والتي شابهت النصارى في جهل الحق والعمل بغيره.

ثلاثة عشر مسألة: الحق ليس بالدعوى ولكنه منهج صحيح وسلوك سوي. جهاد الباطل جزء من بيان الحق ونشره بين الناس. وأن اخبث طوائف البشر هم اليهود والنصارى. اختصاص الفاتحة بلفظ (آمين) عند الفراغ منها، والجهر بها مع الإمام في الجهرية والإسرار بها في السرية. وأن المأموم يؤمّن بها في الجهرية وإن نسي الإمام التأمين. استحباب السكوت بعدها مدة يسيرة قبل الشروع في السورة أو قبل الركوع. ووجوب ترتيب آيات الفاتحة. ووجوب الفتح على الإمام وتصويب قراءته فيها إن اخطأ. وعدم صحة إمامة الأمي إلا بمثله. حكم تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة. ومتى يدرك المسبوق الركعة؟. ومن شك هل أخطا في الفاتحة أم لا؟ وأن من تعلم أحكام هذه السورة وجب عليه العمل بها.

وهكذا تبدو سورة الفاتحة في هذا الكتاب أوسع من أن تكون مجرد سورة يرددها المسلم في صلاته؛ فهي سورة تجمع أصول الدين، وتوجه القلب إلى ربه، وتعلم العبد كيف يثني على الله، وكيف يعبده ويستعين به، وكيف يسأله الهداية إلى صراطه المستقيم. وقد حاول خليل بن هزاع الفقير -رحمه الله- أن يكشف عن شيء من هذه المعاني، وأن يستخرج من آياتها جملة من الفوائد والمسائل العقدية والفقهية والتربوية. وتبقى رسالته، على قصرها وقصر عمر مؤلفها، أثراً من آثار عنايته بالقرآن الكريم، وشاهداً على أن الاشتغال بالعلم وخدمة كتاب الله باب واسع للعمل الصالح، يرجو صاحبه أن يمتد نفعه بعد رحيله. فرحم الله مؤلفها، وجعل ما كتبه في ميزان حسناته، ونفع به قارئه.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق