أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 3 أكتوبر 2026

العائدون إلى الله علي أحمد عبد العال الطهطاوي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

العائدون إلى الله

علي أحمد عبد العال الطهطاوي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: كثيرون يمضون أيامهم في تيه الضمير وسُكر الغفلة، ويستسلمون لما هم فيه حتى يخيَّل إليهم أن تلك الحال قدرٌ لا يتغير، وأن لذة عابرةً يمكن أن تمتد إلى الأبد.. يطوون لياليهم في صخب اللهو، وبين مجالس الطرب والخمر، ويتلمسون في ضجيجها فرحًا يطفئ شيئًا من وحشة أرواحهم، غير أن الليل ينقضي، ويبقى في القلب فراغه، وفي النفس حيرتها، وفي الضمير ثقل ما اقترفته الجوارح. 

بينما يغرق آخرون في بحر الشهوات، حيث تستدرجهم أضواء المدن، وتستهويهم أنغام البحر، وتخدعهم لحظات السكينة العابرة، فيبحثون عن متعة تنسيهم ما وراءها من ذنوب الليل وآثام النهار، فإذا انقشعت نشوة اللحظة عادوا إلى أنفسهم أكثر وحشة وأشد اضطرابًا.

وهكذا تتعدد صور الغفلة، وتتغير وجوهها، ويبقى جوهرها واحدًا (قلبٌ يبحث عن الراحة في غير موضعها).. هنا شباب تستنزفهم الطرقات، يبددون أعمارهم في التسكع والعبث، وربما حملهم طيشهم إلى إيذاء الآخرين والتعدي على حرماتهم.

وبين هذا وذاك تتسع دوائر الاختلاط والمزاح والتضاحك والتواصل، وكأن الإنسان يستطيع أن يطرد عن قلبه أحزانه بكثرة الضحك، أو أن يملأ فراغ روحه بكثرة اللقاءات، وربما يكون وراء كل ذلك جرحٌ قديم يبحث صاحبه عن مخدِّر؛ ففراقٌ هزَّ القلب، أو مظلمةٌ أثقلت الروح، أو صدمةٌ قلبت الحياة رأسًا على عقب، أو عيشٌ أضناه الفقر والحرمان، حتى غدت السهرات متنفسًا من واقع موجع، وصار الهروب من الألم طريقًا إلى مزيد من الألم. 

وقد يستحكم الوهم بصاحبه، وتتراكم ظلمات اليأس وضيق العيش وسوء الفهم، حتى يظن البعض أن التدين تضييقٌ على الحياة، وأن الالتزام مصدر شؤم، وأن الحرية لا تكون إلا في الانفلات من كل قيد. وما هي إلا أوهام تحجب عن القلب حقيقة النور، وتطفئ فيه بارقة الرجاء، حتى يتوهم أن طريق العودة قد طال عليه، وأن المسافة بينه وبين الله قد اتسعت بما لا سبيل إلى قطعه! 

غير أن الإنسان، مهما أوغل في الطريق، لا يفقد في داخله تلك البقية الخفية من الفطرة التي تذكّره بأن له ربًّا، وأن وراء هذا الضجيج سكينةً لم يجدها، وأن وراء هذه الشهوات لذةً أصفى وأبقى. 

قد يطول به التيه، وقد تكثر عثراته، وقد يظن أنه ابتعد حتى لم يعد يصلح للعودة، لكن لحظة صدق واحدة قد تغيّر وجه حياته كلها؛ دمعةٌ في خلوة، أو آيةٌ تهز القلب، أو كلمةٌ تقع في موضعها، أو موقفٌ يكشف للإنسان حقيقة نفسه، فيستيقظ بعد طول غفلة، وينظر إلى الطريق الذي قطعه، ثم يلتفت إلى الباب الذي ظل مفتوحًا طوال غيابه.

ومن هنا جاء هذا الكتاب؛ ليقول للغارقين في العتمة: إن الطريق لم يُغلق، وإن باب الله لم يُوصد، وإن وراء كل ليل فجرًا، ووراء كل انكسار فرصةً للبدء من جديد. جاء ليعيد إلى النفس ثقتها بربها، ويوقظ فيها معنى التوبة، ويبعث فيها قوة الصبر والاحتمال، ويكشف لها أن الفرار إلى الله تعالى ليس هروبًا من الحياة، وإنما هو الفرار من الضياع إلى الهدى، ومن القلق إلى السكينة، ومن ظلمة الشهوة إلى نور الإيمان.

ولهذا لم يكتفِ الكتاب بالكلام عن التوبة، بل ترك للتائبين أن يتحدثوا عن الطريق بأنفسهم؛ فضم تجربة المؤلف، وتجربة صديقه الأستاذ عبد المنعم الجداوي، وقصة المغني البريطاني كات ستيفنز، الذي عُرف بعد إسلامه باسم يوسف إسلام، والممثلة المصرية هناء ثروت، والداعية سوزي مظهر، إلى جانب قصص خمس فتيات في مقتبل العمر وشابين ذاقوا مرارة التيه ثم عرفوا طريق العودة. وهي قصص تكشف أن التحول الحقيقي قد يبدأ من لحظة صادقة، وأن القلب الذي أرهقته الشهوات قد يجد راحته في الإيمان، وأن الإنسان مهما ابتعد يستطيع أن يعود متى صدق مع الله.

وليس العائدون إلى الله صنفًا من الناس لا يشبهوننا؛ إنهم بشرٌ عرفوا الضعف كما نعرفه، أخطأوا كما نخطئ، وذاقوا من مرارة البعد ما جعلهم يعرفون حلاوة القرب. وما يميزهم أنهم لم يجعلوا من عثراتهم نهايةً لحياتهم، بل جعلوها بدايةً لطريق آخر. فالتوبة ليست أن يعود الإنسان إلى ماضيه، وإنما أن يولد من جديد؛ أن يسترد قلبه بعد أن تاه، ووجهته بعد أن ضل، ونوره بعد أن أثقلته الظلمات.

ومن أبلغ ما عبّر به يوسف إسلام عن رحلته قوله: «وبعد قراءة القرآن الكريم كله خلال عام كامل بدأت أطبق الأفكار التي قرأتها فيه، فشعرت في ذلك الوقت أنني المسلم الوحيد في العالم». وتقول إحدى الفتيات التائبات: «عشت في رحاب القرآن هادئة النفس، مطمئنة السريرة، قريرة الضمير، وانتهيت إلى يقين حاسم أنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا رفعة ولا طهارة، إلا بالرجوع إلى الله تعالى».

وبالفعل، فإننا نحتاج إلى صدقٍ نُبدِّد به كل هذا الخداع والفساد والظلم من حولنا، وتوبةٍ تردُّ الشاردة، وتُبقي الواردة، وبعد ذلك سلامٍ يدهش العقل، وإيمانٍ لا نظمأ بعده أبدًا.

وإني أتوجه إلى كل داعية، وكل مسلم ومسلمة، أيًّا كان مركزه، ألّا يتهاون في إسداء النصيحة وتقديم الكلمة الطيبة، حتى لو أُغلقت في وجهه جميع الأبواب، ولم يحظَ إلا بإجابة الخليل؛ فإن السعادة كل السعادة في طاعة الله والعودة إليه.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق