أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

الإعلام السياسي وصناعة الرأي العام خلال ثورات الربيع العربي قناة الجزيرة الإخبارية نموذجاً (2011 - 2016) رزاق عبد السلام بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الإعلام السياسي وصناعة الرأي العام خلال ثورات الربيع العربي

قناة الجزيرة الإخبارية نموذجاً (2011 - 2016)

رزاق عبد السلام

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: منذ تأسيسها عام 1996، قدمت الجزيرة نفسها باعتبارها مؤسسة إعلامية عربية الانتماء عالمية التوجه، تتبنى شعار «الرأي والرأي الآخر»، وتسعى إلى نشر الوعي وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والتعددية، مع التركيز على الجمهور العربي بدلًا من الحكومات، رغم بثها من الدوحة وتمويلها السنوي من وزارة الخارجية القطرية. 

وتندرج هذه الهوية ضمن تيار الديمقراطية الإعلامية والإعلام الإصلاحي وفق ما أعلنته وزراة الخارجية الأمريكية آنذاك على لسان مسؤوليها، وقد تزامن ولادة القناة مع تطور الصحافة الاستقصائية والتلفزيون الفضائي والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام ويوتيوب.

وحتى يكون الإعلام ديمقراطياً، كان لا بد أن يتوفر فيه أربعة شروط، وهي: عرض مختلف الآراء السياسية، وتقديم معلومات صحيحة وعميقة ومستقلة، ومراقبة السلطة والدفاع عن مصالح المجتمع، وتوفير فضاء عام قائم على الموضوعية والحياد والانفتاح والمصداقية، الأمر الذي لم تلتزم به الجزيرة في كل نشراتها الإخبارية، والتحليلية، ولقاءتها الخاصة والمفتوحة، فقد كانت نشراتها سياسية وموجهة، وكانت تستخدم ضيوفها لإيصال رسائل سياسية مُعيّنة، وتنفيذ أجنداتها الخاصة (القطرية والأمريكية) مع ادّعائها النزاهة ولموضوعية. 

وبالرغم من خلوص الدراسة إلى أن دور الجزيرة في الربيع العربي كان إيجابيًا إجمالًا، خصوصًا في دعم الثورات وكشف القوى المناهضة لها، إلا أن هناك تحفظات كبيرة على القناة تتعلق بالمهنية والحياد والتوازن في نقل الأحداث والآراء والتفاصيل، فضلًا عن الشكوك بشأن تقاطع سياساتها التحريرية مع التوجهات السياسية القطرية. 

وأكدت نتائج الدراسة أن الربيع العربي عبّر عن مطالب سياسية داخلية، وأن النخب السياسية أخفقت في مواكبة الثورات واستثمار مكتسباتها، وأن المنطقة العربية شهدت تغييرًا جزئيًا في الثقافة السياسية، وفق ما هو مرسوم لها بالضبط، كل ذلك وسط صراع مستمر بين مسار الانتقال الديمقراطي واحتمالات الفشل والانتكاس.

ولا شك أن الربيع العربي يعتبر من أخطر التحولات الواضحة في بنية المجتمعات العربية سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، ذلك أنه فصل بين مرحلتين مختلفتين من حيث القضايا الجوهرية والواقع العربي. وقد انقسم الكُتّاب والسياسيين وأهل الفكر في تقييمه إلى مسارين: 

الأول: يرى أن الربيع العربي تحوّل سريعًا إلى «خريف عربي»، وأدى إلى الفوضى الخلاقة والحروب الطائفية وصعود الإسلام السياسي والتدخلات الإقليمية، وفي المحصلة: لم ينجح في تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، بل ساهم في تكريس العجز الديمقراطي واستمرار الأنظمة الاستبدادية. 

أما المسار الثاني فيراه فرصة تاريخية للتغيير السياسي وتعزيز الديمقراطية، وجُلُّ هؤلاء من تيار الإسلام السياسي، الذين يرغبون في الوصول إلى الحكم بأي طريقة، ويرى أصحاب هذا المسار: أن الانتكاسات التي حدثت بين 2011 و2016 لا تعني فشل التجربة، لأن التحولات الكبرى -من وجهة نظرهم- تحتاج إلى وقت طويل، ويذكرون لذلك تجارب تاريخية مثل الثورة الفرنسية، التي استغرقت عقودًا حتى أنتجت نظامًا ديمقراطيًا مستقرًا.

وقد تجلت نتائج الربيع العربي في أربعة نماذج كبرى، أفرز بعضها تغيُّراً سياسياً كما في تونس ومصر، كما أفرز بعضها الاخر صراعات مسلحة وتدخلات خارجية في ليبيا وسوريا واليمن، بيما طغت سياسات الإصلاح والإحتواء على الاحتجاجات في المغرب والأردن، وبقيت دول الخليج في معزل عن كل تلك الاحتجاجات، باستثناء البحرين وبعض مناطق شرق السعودية.

وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة لتؤكد دور الإعلام السياسي عموماً في صناعة الرأي العام العربي، وتحول الإعلام العام من أداة لخدمة الحكومات، وتثبيت الرأي الواحد، إلى كونه وسيلة للنقاش الديمقراطي، والرقابة على الدولة. لذلك جاءت هذه الدراسة لتركز الضوء على دور الإعلام السياسي، باعتباره حقلًا علميًا يستحق الدراسة، سيما مع دوره البارز في التغيير السياسي، وعلاقته بمختلف أشكال السلطة، بما فيها سلطة الدولة والجماهير والرأي العام، مع التركيز على دور الفضائيات الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي في تغطية الثورات العربية والتأثير في اتجاهات الجمهور.

وقد اتخذت الدراسة من قناة الجزيرة الإخبارية، نموذجاً تطبيقياً للإعلام السياسي، نظراً لدورها المحوري في قضايا الربيع العربي، وتم دراسة مدى مساهمتها في دعم هذه الثورات، ومسانتدتها إعلامياً، بل وصناعة المواقف الشعبية تجاه مطالبهم المنشودة، والتي أبرزها الانتقال الديمقراطي. 

واعتمدت الدراسة على تحليل المحتوى الإخباري الذي بثته قناة الجزيرة، بالإضافة إلى استبيان موجّه إلى النخبة السياسية العربية لتقييم تأثير خطاب الجزيرة في الجمهور العربي، ودورها في تشكيل الرأي العام. وانطلقت الدراسة من فرضيات أساسية، أبرزها: [أن الربيع العربي يمثل تحولًا تاريخيًا في المجتمعات العربية]، ولم تكن الجزيرة الوحدية في هذا الميدان فقد عضدتها قنوات أخرى أدت نفس الدور، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي واكبت هذه الثورات وحفّزت الحراك الشعبي في مختلف البلدان العربية.

وقد سعت الدراسة إلى تقديم مقاربة علمية توضح كيف أسهم التطور التكنولوجي في توزيع القدرة على إنتاج المعلومات ونشرها، والحد من احتكار الدول والمؤسسات الإعلامية التقليدية للرسالة الإعلامية، بما أتاح ظهور فاعلين جدد قادرين على التأثير في الحياة السياسية وصناعة الرأي العام. وكيف أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي -مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب- المجال أمام المؤثرين الجدد لأجل تداول المعلومات والقضايا السياسية.

الإطار النظري للدراسة

وتعتمد الدراسة إطارًا نظريًا ومنهجيًا متعدد المداخل لفهم العلاقة بين ثورات الربيع العربي والإعلام السياسي وصناعة الرأي العام. وتشمل:

أ- نظرية (التحديث السياسي) لصامويل هنتنغتون، التي تفسر الانتقال السياسي من خلال الأزمات وفقدان شرعية الأنظمة والصراع بين الدولة والمجتمع.

ب- ونظريات (التأثير الإعلامي)، وهي تحديد الأولويات والتأطير وبناء الأجندة، والتي توضح كيفية اختيار القضايا وترتيبها وتقديمها للجمهور والتأثير في فهمه ومواقفه.

ج- إضافة إلى (التحليل النقدي للخطاب)، الذي يكشف علاقة اللغة بالصورة الإعلامية والتعليق الصحفي عليه، والسياسات التي تهيمن عليه. 

د- وظفت الدراسة (المنهج النسقي) لديفيد إيستون، مدعومًا بـ (منهج الشبكات السياسية)، لفهم التفاعلات بين الدولة والمجتمع والإعلام ودور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في التعبئة والتغيير السياسي.

الجانب التطبيقي للدراسة

اعتمدت الدراسة على تحليل ثلاثين نشرة إخبارية من برنامج «حصاد اليوم» على قناة الجزيرة خلال عام 2011، وق د تم اختيارها عشوائيًا مع تضمين محطات مفصلية، مثل:

أ-  مغادرة زين العابدين بن علي الحكم في تونس.

ب-  وتنحي حسني مبارك في مصر.

ج- ومقتل معمر القذافي في ليبيا. 

بالإضافة إلى استبيان شمل 400 مفردة من النخبة السياسية في 12 دولة عربية، موزعة وفق مدى تأثرها بالربيع العربي مباشرة أو بصورة غير مباشرة أو عدم تأثرها به بصورة بارزة. وذلك خلال الفترة من عام 2011 وحتى 2016. وامتد المجال المكاني للدراسة ليشمل العالم العربي عموماً.

أهداف الدراسة

هدفت الدراسة إلى ما يلي:

1- تحليل كيفية تغطية قناة الجزيرة القطرية لثورات الربيع العربي.

2- الكشف عن الضوابط التي احتكمت إليها القناة في أجندتها الإخبارية والتحريرية وسياقاتا السياسية.

3- تفسير الخطاب الإعلامي للجزيرة، ودوره في تشكيل الرأي العام العربي، مع الاستفادة من التحليل الخطابي في القناة، والتفسير لذلك الخطاب، والمقارنة بين النتائج. 

4- تحليل دور الجزيرة الإعلامي والسياسي خلال ثورات الربيع العربي، من خلال التساؤل عما إذا كانت ناقلًا للأحداث وشاهدًا عليها أم طرفًا منخرطًا فيها ومؤثرًا في الرأي العام.

العلاقة بين الإعلام والمجتمع والسلطة

عرضت الدراسة في فصولها المختلفة للمدخل البنائي الوظيفي للإعلام بوصفه نسقًا اجتماعيًا ينتج المعلومات والأخبار ويوزعها، ويسهم في التواصل والاندماج الاجتماعي وتوجيه السلوك.

ومن خلال (نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام) يظهر أن اعتماد الجمهور عليها يزداد في أوقات الأزمات والتحولات وعدم الاستقرار. 

ويقابل ذلك المدخل النقدي الذي ينتقد توظيف وسائل الإعلام لخدمة الطبقة الحاكمة والمصالح الرأسمالية، ونشر ثقافة الاستهلاك وترسيخ الهيمنة الأيديولوجية. وقد أظهرت الدراسة:

1- دور الإعلام الموجَّه في تنميط أفكار الأفراد واحتياجاتهم وإضعاف وعيهم النقدي.

2- تحويل الإعلام العام من قبل الدول إلى أداة للسيطرة بدلًا من دعم التغيير الاجتماعي. 

3- أهمية الحوار العقلاني الحر والتفاعل بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في بناء رأي عام ديمقراطي. 

أثر العولمة في تشكيل المجتمعات الحديثة

وتوضح الدراسة تأثير العولمة بأبعادها الاقتصادية والسياسية والإعلامية في إعادة تشكيل المجتمعات والعلاقات بين الدولة والمجتمع، خاصة بفعل تطور البث الفضائي والتكنولوجيا الرقمية والشبكات العنكبوتية التي قلّصت قدرة الدول على احتكار المعلومات والسيطرة عليها. 

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم مانويل كاستلز عن «المجتمع الشبكي»، الذي يعبر عن مرحلة جديدة تقوم على شبكات المعلومات والاتصال والإنتاج والقوة، وتتجاوز الحدود التقليدية للزمان والمكان، وتسهم في تشكيل الثقافة الافتراضية والعلاقات الاقتصادية والسياسية والإعلامية في العصر الرقمي.

ويرى مانويل كاستلز أن المجتمع الشبكي يقوم على الصراع بين الديمقراطية التواصلية والهيمنة السياسية، حيث تتيح عمليات التواصل للأفراد والجماعات حرية تبادل المعلومات وتكوين الوعي والرأي العام والمشاركة في صناعة القرار، بما قد يحد من سيطرة الدولة أو الحكومات على المجال العام، وهو ما يتقاطع مع مفهوم الفضاء العمومي والديمقراطية التداولية لدى هابرماس. 

الأمر الذي يؤسس لقاعدة تُميز بين إعلام ديمقراطي يدعم حرية تداول المعلومات والمشاركة والنقاش، وإعلام غير ديمقراطي يخضع للسلطة ويستخدم الدعاية والتضليل وصناعة الإجماع الزائف، والقضايا المزيفة. 

وتؤكد الدراسة على أن صناعة الرأي العام لا تعتمد على قوة الوسيلة الإعلامية وحدها، ولا على وعي الجمهور السياسي فقط، بل لا بد من التفاعل بينهما ضمن سياق سياسي واجتماعي مًعيّن، إذ تؤثر وسائل الإعلام تأثيراً كبيراً في ترتيب أولويات الجمهور وتأطير القضايا وتوجيه طريقة التفكير فيها بحيث تقلب الخبر رأساً على عقب. 

علاقة الإعلام السياسي العربي بالدولة والمجتمع

تناولت الدراسة أيضاً: الإعلام السياسي العربي، وتحول علاقته بالدولة والمجتمع عبر ثلاث مراحل إجرائية هي: إعلام السلطة، وسلطة الإعلام، والسلطة الخامسة، بهدف فهم طبيعة الرسالة الإعلامية للقنوات العربية ووظيفتها في توجيه وتغذية الرأي العام، ومدى إسهامها في تكوين الرأي العام، قبل وأثناء وبعد التحولات الكبيرة عبر ما يُسمى الربيع العربي، ويمكن تفصيل هذه المراحل كما يلي:

أ- قامت مرحلة «إعلام السلطة» في العالم العربي على هيمنة الدولة الوطنية على وسائل الإعلام، من خلال التشريعات والرقابة والتمويل والتوجيه السياسي، بهدف ضبط المجتمع وتعبئته وتعزيز شرعية الأنظمة الحاكمة. 

وقد صنّف (وليم راف) الصحافة العربية إلى صحافة الولاء، وصحافة التعبئة، وصحافة التعددية، التي ظلت في معظم الحالات تعددية محدودة وخاضعة لرقابة السلطة، سواء في الأنظمة الليبرالية أو الاشتراكية. كما احتكرت الدولة الإذاعة ووجّهت مضامينها لخدمة سياساتها، فتحول الإعلام عمومًا من خدمة عمومية إلى أداة للدعاية والسيطرة وتشكيل الوعي وفق مصالح النخب الحاكمة، مما حدّ من حرية تداول المعلومات وإمكانية تكوين رأي عام مستقل وواعٍ. 

ومع ذلك، مثّلت إذاعة «صوت العرب» مثلاً التي أُطلقت عام 1953 تجربة مميزة، إذ تجاوز بثها الحدود الوطنية وأسهمت في نشر الخطاب القومي ودعم قضايا التحرر، لكنها استخدمت أيضًا أداة للصراع السياسي بين الأنظمة العربية. وبذلك اتسمت العلاقة بين الإعلام والسلطة في هذه المرحلة بالطابع العمودي أحادي الاتجاه، وظل الجمهور موجّهًا أكثر من كونه مشاركًا في صناعة الرأي العام، قبل أن تبرز لاحقًا مرحلة «سلطة الإعلام».

ب- ثم ظهرت بعد ذلك «سلطة الإعلام»، والتي بسطت نفوذها على المشاهد العربي، وذلك مع بداية انتشار القنوات الفضائية الخاصة منذ تسعينيات القرن العشرين، وما أتاحته من تعدد نسبي في الأصوات والفاعلين السياسيين، مع استمرار تأثير المصالح السياسية والاقتصادية في توجيه الرسائل الإعلامية. وبصورة عامة، شهدت الفترة 1996–2006 تحولًا في الإعلام العربي نحو الإعلام الفضائي العابر للحدود، وتراجعًا نسبيًا لسيطرة الدولة الوطنية، نتيجة تطور تكنولوجيا البث والاستثمارات الخليجية، مما وسّع حرية التعبير ورفع الوعي السياسي، وأتاح للجمهور مقارنة التوجهات التحريرية للقنوات. 

قنوات إعلامية مؤثرة (الجزيرة، المنار، العربية، الحرة الأمريكية)

قناة الجزيرة 

انطلقت قناة الجزيرة الفضائية عام 1996 من العاصمة القطرية الدوحة، بمبادرة من أمير قطر الجديد حمد بن خليفة آل ثاني، لتكون أول قناة إخبارية عربية متخصصة في الأخبار السياسية والبرامج الحوارية والتغطيات المباشرة، مستفيدةً من التحول السياسي القطري وإغلاق شبكة BBC العربية بقرار سعودي بعد بث مقابلة مع المعارض محمد المسعري. 

وتعد قناة الجزيرة إحدى القنوات الأكثر تأثيراً في العالم العربي سيما في الجانب السياسي والاجتماعي والشعبي، وقد مرت هذه القناة إبان نشأتها بثلاث مراحل: 

الأولى: مرحلة الصدمة وكسر هيمنة الإعلام الرسمي منذ تأسيسها عام 1996 حتى 2001، وقد مرّت خلال هذه الفترة بالعديد من التحديات، نظراً بإثارتها العديد من القضايا الشائكة والفتن الداخلية وتعزيز الانقسامات الداخلية.

الثانية: مرحلة تعديل الأجندة والتوجه نحو العالمية من 2001 إلى 2011.

الثالثة: مرحلة تغطية ثورات الربيع العربي وتبني خطاب إعلام المواطنة منذ 2011، وهي مرحلة اتسمت بدعم مطالب الشعوب، وبث الاحتجاجات مباشرة، ومواجهة انتقادات الأنظمة الحاكمة التي اتهمتها بالتحريض المباشر، وإثارة القلاقل والفتن.

وتولى وضاح خنفر الإدارة العامة للشبكة بين 2003 و2011، فيما ظهرت قناة العربية عام 2003، أي بعد ثماني سنوات من انطلاق الجزيرة، بوصفها منافسًا إعلاميًا سعوديًا. ويرى منتقدو الجزيرة أنها مثّلت مشروعًا سياسيًا قطريًا لمواجهة النفوذ السعودي، خصوصًا خلال الفترة 1996–2001، بينما يؤكد القائمون عليها استقلالها التحريري النسبي عن الدولة الممولة. 

قناة المنار اللبنانية - التابعة لحزب الله

أما قناة المنار، فقد بدأت بثها الأرضي عام 1991 من الضاحية الجنوبية في لبنان، ثم انطلق بثها الفضائي عام 2000 تحت شعار «قناة العرب والمسلمين»، وهي مملوكة لحزب الله وناطقة بلسانه، وتتبنى مفهوم إعلام المقاومة المرتبط بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي. وقد تأسس حزب الله تنظيميًا وعسكريًا عام 1982، وارتبط خطابه السياسي والفكري بالثورة الإيرانية ومبدأ تصديرها. 

ووفق الدراسات الواردة المنشورة؛ فقد بلغت الميزانية السنوية للمنار عام 2004 نحو 15 مليون دولار، مصدرها إيران، فيما تراوح الدعم الإيراني السنوي لحزب الله بين 100 و200 مليون دولار لتغطية نفقاته العسكرية والتسليحية والاجتماعية والإعلامية. 

وتمثلت أبرز معايير السياسة التحريرية للمنار في معارضة السياسة الأمريكية في المنطقة، والدعوة إلى تدمير إسرائيل، ودعم حركات المقاومة الإسلامية، كما واجهت القناة ضغوطًا وعقوبات وحجبًا من جهات إقليمية ودولية، في سياق الصراع السياسي والإعلامي في المنطقة.

أظهرت استطلاعات الرأي منذ عام 2006 أن قناة المنار كانت من بين القنوات الإخبارية الأربع الأكثر مشاهدة في العالم العربي، لكنها اتجهت منذ عام 2011 نحو الانغلاق، مع استمرار ارتباط هويتها بالمقاومة والالتزام الديني والسياسي والمذهب الشيعي. 

قناة الحرة الأمريكية

أما قناة الحرة الأمريكية، فقد أُعلن عن تأسيسها عام 2004 في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وبدأت بثها في فبراير 2004 من ولاية فرجينيا، بميزانية أولية بلغت 62 مليون دولار، بهدف تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم العربي، والترويج للحرب على الإرهاب، واستقطاب الجمهور العربي، خاصة الشباب. غير أن القناة واجهت انتقادات بسبب حجب المعلومات المخالفة للسياسة الأمريكية وانتقاء الأخبار وتوظيف المصطلحات السياسية دعائيًا؛ وأظهر استطلاع لمجلس أمناء البث الإذاعي والتلفزيوني أن نسبة مشاهدة الحرة وإذاعة راديو سوا في 13 بلدًا عربيًا خلال 2007–2008 لم تتجاوز 9%، بينما قدّر المعهد الأمريكي العربي نسبة مشاهدة الحرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 2% في الفترة نفسها. 

ورغم ضخ 112 مليون دولار إضافية لإطلاق حملة جديدة، اعتبر باحثون، منهم مارك لينش وجيمس زغبي، أن القناة فشلت في استقطاب الجمهور العربي بسبب ضعف المهنية والارتباط بالأجندة الأمريكية والمنافسة مع الجزيرة. 

السلطة الخامسة = الإعلام الحُر

ج- وفي سياق موازٍ لسلطة الإعلام، ظهر مفهوم آخر له، وهو السلطة الخامسة الذي صاغه "وليام دوتون"، وبرز عمليًا خلال الحملة الانتخابية الأمريكية عام 2008 التي دعمت باراك أوباما، والانتخابات البريطانية عام 2010 التي استفادت من التفاعل عبر الإنترنت. 

وفي العالم العربي، تسارع دور هذه السلطة خلال 2010–2011، إذ ارتفع عدد مستخدمي فيسبوك من 21,377,282 مستخدمًا في 5 يناير 2011 إلى 27,711,503 مستخدمين في 5 أبريل 2011، بينما بلغ عدد مستخدمي تويتر النشطين في المنطقة العربية بنهاية مارس 2011 نحو 6,567,280 مستخدمًا، أنتجوا 22.75 مليون تغريدة خلال الربع الأول من العام، بمعدل 225 ألف تغريدة يوميًا، أو نحو 175 تغريدة في الدقيقة. 

وأظهر استطلاع شمل 126 مشاركًا من مصر و105 من تونس في مارس 2011 أن 31% رأوا أن فيسبوك يُستخدم لرفع الوعي السياسي، و33% لنشر معلومات الاحتجاجات، بينما ذكر 33% من التونسيين و24% من المصريين أنه يُستخدم للتنسيق بين الناشطين، مقابل أكثر من 15% استخدموه أساسًا للتسلية والأغراض الاجتماعية.

وقد أسهمت هذه الوسائل في دعم الثورات العربية، بدءًا من الثورة التونسية، مرورًا بالثورة المصرية التي شهدت ذروة نشاط الرسائل الإلكترونية يوم 11 فبراير 2011 مع تنحي الرئيس المصري حسني مبارك، وصولًا إلى الثورة الليبية التي اندلعت في 17 فبراير 2011، حيث نقل الناشط محمد نبوس الأحداث مباشرة حتى مقتله في 19 مارس 2011. 

وتؤكد هذه التطورات أن السلطة الخامسة، القائمة على التشبيك الرقمي وتفاعل الأفراد، تحولت إلى قوة مجتمعية قادرة على نشر المعلومات وتنظيم الاحتجاجات ومساءلة السلطة، بالتفاعل مع الإعلام الفضائي في تعزيز الوعي السياسي والمطالبة بالتغيير الديمقراطي.

وتؤكد الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها مصدر السلطة الخامسة، أسهمت في تحفيز التغيير السياسي خلال الربيع العربي الذي انطلق عام 2011، نتيجة تفاعل الأزمات الاجتماعية والسياسية المتراكمة منذ خمسينيات القرن العشرين مع التطور التكنولوجي وأدوات التشبيك، مما ساعد على كسر القيود السياسية، وتراجع هيمنة الدولة على المجتمع والمعلومات. 

كما استثمرت القنوات الإخبارية هذه الوسائل في نقل الأحداث وصياغة خطاب سياسي مستمد من الشارع، رغم ما يحيط بالمعلومات المنشورة فيها من مخاطر الشك والتحيز وضعف الموضوعية. 

وتشير الدراسة إلى انتقال الإعلام العربي عبر ثلاث مراحل تاريخية: النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومرحلة تأسيس الدولة الوطنية منذ خمسينيات القرن العشرين، ثم مرحلة الإعلام الفضائي الممتدة من 1996 إلى 2011، وصولًا إلى بروز السلطة الخامسة ودور المواطنين الصحفيين والشبكات الاجتماعية في التأثير السياسي. 

مراحل الربيع العربي وتطوراته السياسية والاجتماعية

تمثل ثورات الربيع العربي الفترة التي تم فيها التعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها عدة دول عربية منذ عام 2011، وأكدت الدراسة أنها ليست حدثًا واحدًا أو تجربة متطابقة، بل ثورات متعددة هدفت إلى تغيير أنظمة الحكم ومواجهة الاستبداد وتحقيق مطالب الشعوب. 

وقد مرّت هذه الثورات بثلاث مراحل أساسية: 

المرحلة الأولى: الهبة الثورية.

المرحلة الثانية: الثورة المضادة.

المرحلة الثالثة: الحسم الثوري، وهو الذي يحدد نجاح التجربة أو إخفاقها. 

وبالرغم من كون الربيع العربي حدثًا تاريخيًا مفصليًا، لكنه يطرح إشكالًا حول توصيفه باعتباره انتفاضات أم ثورات؛ فوفقًا لإميليو لوسو، تمثل الانتفاضة مرحلة من الدورة الثورية، بينما يرى لينين أنها تسبق الثورة وتتضمن اندفاعات شعبية ثورية. 

وتؤكد الدراسة أن الربيع العربي، الذي انطلق عام 2011، نتج عن تفاعل الأزمات الاجتماعية والسياسية المتراكمة منذ خمسينيات القرن العشرين مع التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أسهمت في تحفيز الحراك الشعبي وكسر هيمنة الدولة، وأصبحت مصدرًا للسلطة الخامسة. 

ويرى الباحث أن هذه الثورات مرت بثلاث مراحل أساسية: 

أولاً: الهبة الثورية من يناير 2011 إلى يناير 2012، وتميزت بخروج الجماهير العربية للمطالبة بإسقاط الأنظمة وسقوط مؤسسة الرئاسة في ثلاث دول.

ثانياً: مرحلة الثورة المضادة التي بدأت عام 2012، وشهدت صراعًا بين قوى التغيير والنخب الحاكمة القديمة، مع اختلاف مساراتها في الدول العربية.

ثالثاً: وأخيراً، مرحلة الحسم الثوري التي لم تكن قد تحققت بعد، إذ تحتاج إلى وقت طويل لحسم الصراع بين الثورة والثورة المضادة. 

وتحدد الدراسة مفهوم الثورة باعتباره تغييرًا سياسيًا واجتماعيًا جذريًا ومفاجئًا يستهدف استبدال نظام قائم بآخر جديد، وقد يتحقق سلميًا أو عنيفًا، مع التأكيد أن لكل تجربة ثورية خصوصيتها:

فالثورة الفرنسية بدأت عام 1789، والثورة الروسية بلغت مرحلة الحسم عام 1917 بعد تحولات بدأت عام 1905، بينما ارتبطت الثورة الإيرانية بسقوط نظام الشاه عام 1979، مع الإشارة إلى تجربة محمد مصدق عام 1957 والفترة الممتدة من 1958 إلى 1979 بوصفها مرحلة للثورة المضادة. 

الإصلاح الديمقراطي والانتقال الديمقراطي

وميّزت الدراسة بين الإصلاح الديمقراطي، الذي يتم داخل النظام القائم ويحافظ غالبًا على بنيته، والانتقال الديمقراطي، الذي يعني التحول من نظام غير ديمقراطي إلى نظام ديمقراطي قائم على المشاركة الشعبية وتداول السلطة، وقد يتم من الأعلى بمبادرة النظام أو من الأسفل بفعل المعارضة والتأييد الشعبي. 

الربيع العربي هو الموجة الخامسة للتحول الديقراطي في العالم

ويعتبر الربيع العربي -بحسب الدراسة وباحثين -هو الموجة الخامسة للتحول الديمقراطي بعد موجات سابقة، بدأت بالثورتين الفرنسية والأمريكية، ثم انتشرت في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وفي جنوب غرب أوروبا خلال أوائل السبعينيات، ثم في أوروبا الشرقية مع الثورات الملونة. 

وتخلص الدراسة إلى أن الربيع العربي مثّل منعطفًا تاريخيًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأن فشل الإصلاحات السياسية منذ ستينيات القرن العشرين، إلى جانب العولمة الإعلامية منذ تسعينياته، أسهما في دفع التغيير، فيما عزز الإعلام الفضائي العابر للحدود ووسائل التواصل مشاركة المواطنين في إنتاج المعلومات وتوجيه الخطاب السياسي، رغم استمرار تنافس القنوات الإخبارية والأجندات السياسية على صياغة مستقبل العالم العربي.

مشاريع القنوات المتلفزة العربية

أما الأهداف الاستراتيجية للمشاريع التلفزيونية العربية في التأثير على أكبر قاعدة من الجمهور وصناعة رأي عام عربي، ضمن صراع الأجندات الإعلامية والسياسية بين الدول والمحاور الإقليمية. وقد أظهر الربيع العربي دور التشبيك الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك وتويتر، في تحفيز الحراك السياسي، مما أدى إلى ظهور السلطة الخامسة، أي سلطة الشعب والجمهور المعتمدة على الإنترنت، ومنافستها للسلطات التقليدية، إلى جانب تفاعلها مع السلطة الرابعة، أي الإعلام. 

وكيف أثرت هذه القنوات في تحول الجمهور العربي من متلقٍ خاضع لسلطة الدولة إلى مستخدم تفاعلي يشارك في إنتاج المعلومات والتأثير في الرأي العام، الأمر الذي فرض على المؤسسات الإعلامية تطوير خطابها للحفاظ على المصداقية والتأثير، رغم التحديات المرتبطة بموثوقية الأخبار والمواد المصورة المنشورة عبر الشبكات الاجتماعية.

تحليل الخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة

انطلق تحليل الخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة، من اعتبار الخطاب الإعلامي: ممارسة اجتماعية تعكس وجهة نظر خاصة بالقناة، لا مجرد انعكاس محايد لما يجري على أرض الواقع، إذ تتصارع الخطابات داخل المجتمع وتسهم في تشكيل الأجندات الإعلامية والسياسية وصناعة الرأي العام من خلال التأثير والإقناع. 

وقد اعتمدت الدراسة أسلوب التحليل النقدي للخطاب في القناة عند نورمان فيركلاف، إلى جانب نظريات تحديد الأولويات والتأطير الإخباري وبناء الأجندات، لفهم كيفية انتقاء الأخبار وصياغتها وتفسيرها ضمن سياقها الاجتماعي والسياسي، ثم وسائل واساليب الجزيرة في التأثير على الرأي العام العربي خلال ثورات الربيع العربي، والسياسات الممهدة التي اتخذتها الجزيرة لتشييد مشروع الثورات.

 وتقوم عملية التحليل على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: الانتقاء التحريري للأحداث والأخبار.

المستوى الثاني: الصياغة التحريرية وصناعة الخبر وتأطيره بما يناسب الجمهور.

المستوى الثالث: السياق المعرفي والسياسي الذي يفسر العلاقة بين منتج الخطاب والرسالة الإعلامية والجمهور والواقع العام. 

وتُبرز الدراسة نظرية تحديد الأولويات (Priming) أن وسائل الإعلام تختار قضايا معينة وتكرر إبرازها، فتجعلها أكثر أهمية في وعي الجمهور. ومن خلال استقراء تحليل ثلاثين نشرة من نشرات «الحصاد» لقناة الجزيرة خلال عام 2011، تبين أن ثورات الربيع العربي احتلت الأولوية الإخبارية، وأن توزيع التغطية لم يكن متساويًا زمنيًا؛ إذ استحوذت أشهر يناير وفبراير ومارس على 81% من الحضور الإجمالي، بينما غابت التغطية المخصصة للحدث عن أشهر أبريل ومايو ويونيو ويوليو، ثم عادت بنسب محدودة في الأشهر اللاحقة، بما يعكس تصاعد الحدث الثوري في بدايته، ثم فتوره، ثم تجدد زخمه في نهاية العام. 

وقد برزت المحطات الحاسمة في تونس مع فرار زين العابدين بن علي في 15 يناير، وفي مصر مع تنحي حسني مبارك في 11 فبراير، بينما امتدت التجربتان اليمنية والليبية إلى الربع الأخير من السنة، وظلت الثورة السورية مفتوحة على احتمالات متعددة بفعل التدخلات الخارجية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية.

وعلى مستوى توزيع التغطية حسب البلدان، تصدرت مصر بنسبة 25.5%، تلتها تونس بنسبة 17.5%، ثم ليبيا بنسبة 11%، واليمن بنسبة 9.5%، وسوريا بنسبة 8%. وحصلت الدول الخمس الأكثر تأثرًا بالثورات على 53% من مجموع الأحداث والمساحة الزمنية في النشرات. 

أما التوزيع الإقليمي، فبلغ حضور الشرق الأوسط 47%، والمغرب العربي 34%، والخليج العربي 19% وفق تصنيف الدراسة الذي أدرج إيران ضمن منطقة الخليج. 

ويُفسَّر التركيز على مصر بإبراز الطابع الجماهيري للثورة، ورمزية ميدان التحرير بوصفه فضاءً لصناعة القرار الشعبي والضغط على السلطة، وتكريس الدور القيادي لمصر في الحراك العربي، مع اعتبار نجاح الثورة المصرية أو إخفاقها مؤثرًا في بقية التجارب. 

قوالب المحتوى الخطابي التي تقدمه قناة الجزيرة

أما من حيث محتوى الخطاب، فاعتمدت الجزيرة أربعة قوالب تحريرية هي التقرير الإخباري، والمقابلة الصحفية، والتغطية المفتوحة، والخبر المفرد، مع هيمنة القوالب الثلاثة الأولى. ويُعد التقرير الإخباري من أبرز أدوات صناعة الخبر والتأثير في الجمهور، إذ تتحدد قوته باختيار الحدث وزوايا معالجته والتفاصيل والتصريحات التي تُبرزها المؤسسة الإعلامية. وبذلك سعت الدراسة إلى الكشف عن كيفية بناء الأولويات وتأطير أحداث الربيع العربي، ودور الخيارات التحريرية والسياق السياسي في تشكيل الرسالة الإعلامية وتوجيه اهتمام الجمهور والرأي العام العربي.

توضح الدراسة أن قناة الجزيرة اعتمدت في تغطيتها لثورات الربيع العربي على 208 تقارير إخبارية، بمعدل 6.8 تقارير يوميًا ضمن نشرات الحصاد، توزعت بين 111 تقريرًا داخليًا أُعدت داخل غرفة الأخبار، منها 70 إخباريًا و41 تحليليًا، و97 تقريرًا خارجيًا أعدها المراسلون الميدانيون، منها 73 إخباريًا و24 تحليليًا. 

وبلغ مجموع التقارير الإخبارية 143 تقريرًا، مقابل 65 تقريرًا تحليليًا، بما يعادل نحو 54% و46% على التوالي، وهو تقارب يعكس التوازن النسبي بين نقل الأحداث وتحليلها، مع احتمال تأثر التقارير بالسياسة التحريرية للمؤسسة وقناعات الصحفيين. 

كما اعتمدت القناة على المقابلات الصحفية التي بلغ عدد ضيوفها 292 ضيفًا، منهم 256 عربيًا بنسبة 88%، و36 أجنبيًا بنسبة 12%، وتوزعوا حسب الاختصاص إلى 99 معارضًا عربيًا (34%)، و66 إعلاميًا عربيًا (23%)، و44 أكاديميًا عربيًا (15%)، و35 مسؤولًا حكوميًا عربيًا (12%)، و22 مسؤولًا حكوميًا غربيًا (7%)، و14 خبيرًا غربيًا (5%)، و12 خبيرًا عربيًا (4%). 

ووفق الوظيفة، انقسم الضيوف إلى دائرة الأخبار التي ضمت 66 ضيفًا (23%)، ودائرة التحليل التي ضمت 80 ضيفًا (27%)، ودائرة الرأي التي ضمت 146 ضيفًا (50%)، ما يبرز هيمنة الآراء والمواقف السياسية، ولا سيما أصوات المعارضة التي بلغ عدد ممثليها 99 مقابل 35 ضيفًا حكوميًا عربيًا. 

وأوضحت الدراسة أن المقابلات لم تقتصر على توضيح الأحداث، بل أسهمت في بناء تصورات معينة عنها وتوجيه الرأي العام، من خلال اختيار الضيوف وتقديم مواقفهم، بينما أتاحت التقارير التحليلية تفسير الأحداث وربطها بالخلفيات التاريخية والسياسية؛ وقد ظهر تأثيرها في تغطية محطات بارزة، مثل فرار زين العابدين بن علي في تونس، وتنحي حسني مبارك في مصر، ومقتل معمر القذافي في ليبيا.

واستنادًا إلى نظرية (التأطير الإخباري)، تؤكد الدراسة أن الخبر السياسي ليس نقلًا محايدًا للواقع بالضرورة، بل عملية اجتماعية ورمزية تتضمن انتقاء المعلومات وتأطيرها، بما قد يدعم موقفًا سياسيًا أو أيديولوجيًا. 

وبناءً على ذلك، تشير الدراسة إلى أن الجزيرة تجنبت إعلان انحيازها السياسي بصورة مباشرة في التقارير الإخبارية، لكنها أتاحت تمرير المواقف عبر التقارير التحليلية والمقابلات، بما يعكس ميلًا إلى الانتماء إلى دائرة المجتمع والقوى المطالبة بالتغيير في مواجهة الدولة. 

أما التغطيات المباشرة والمفتوحة، فتمثل القالب التحريري الثالث، وتقوم على نقل الأحداث الكبرى بصورة فورية ومتواصلة، مع متابعة تفاصيلها وفاعليها ونتائجها، وتمنح الجمهور فرصة لفهم الحدث في أبعاده المختلفة، رغم صعوبة الفصل التام بين التغطية المحايدة والتفسيرية والمتحيزة.

وقد شملت عينة الدراسة أن قناة الجزية وخلال العام 2011، قامت ببث 12 نشرة مفتوحة، توزعت إلى 7 نشرات للثورة المصرية، و3 للثورة الليبية، ونشرة واحدة للثورة التونسية، ونشرة تناولت أحداث ليبيا واليمن والبحرين والمغرب. 

ففي تونس، خُصصت نشرة 14 يناير 2011 لفرار الرئيس زين العابدين بن علي، وتضمنت 7 تقارير داخلية، منها 4 إخبارية و3 تحليلية، تناولت فراره، وردود الفعل الأمريكية، وتاريخه الأمني، والفساد المرتبط بأسرته، ومستقبل البلاد؛ كما بلغ عدد الضيوف التونسيين والعرب والأجانب المشاركين في التغطية 10 ضيوف وفق الجدول، منهم 5 تونسيين وضيف عربي و4 أجانب. 

وانتقلت التغطية من نقل الوقائع الميدانية إلى تفسير خلفيات النظام السابق وقضايا الفساد والانتهاكات. أما ليبيا، فقد تناولتها نشرات 22 فبراير و21 أغسطس و20 أكتوبر 2011، واشتملت على 9 تقارير، منها 7 داخلية و2 خارجيان، وبلغ عدد الضيوف 33 ضيفًا، بينهم 29 ليبيًا وضيفان عربيان وضيفان أجنبيان. 

وركزت التغطية على انضمام قيادات محسوبة على الحكومة إلى المعارضة، والمواجهات العسكرية، وسقوط طرابلس، ومقتل معمر القذافي بعد حكم دام أكثر من 42 سنة، مع توظيف تقارير تحليلية ربطت هذه الأحداث بتراجع المنظومة العسكرية وسقوط النظام، ولذلك وصف الباحث التغطية بأنها تفسيرية مع حضور عناصر إخبارية مباشرة. 

وفي مصر، حظيت الثورة بسبع نشرات امتدت من 25 يناير إلى 8 فبراير 2011، وشملت 28 تقريرًا، منها 24 داخليًا و4 خارجيًا، إضافة إلى 78 مقابلة صحفية بحسب التفصيل الوارد لاحقًا، شارك فيها 57 مصريًا و5 عرب و16 أجنبيًا. 

وتناولت التغطية مظاهرات «يوم الغضب» في 25 يناير، ومواجهات 28 يناير، وموقف الجيش في 31 يناير، وخطاب حسني مبارك في 1 فبراير، واستمرار الاعتصامات والمظاهرات في 5 و6 و8 فبراير، مع إبراز صوت الجماهير ومطالبها بإسقاط مبارك وحل المؤسسات المرتبطة بالنظام، مقابل عرض مواقف ممثلي النظام والجيش والمواقف الدولية، ولا سيما الأمريكية. 

ويخلص التحليل إلى أن التغطيات المباشرة لم تقتصر على نقل الوقائع، بل جمعت بين الخبر والتحليل والتفسير من خلال انتقاء التقارير والضيوف وطريقة صياغة الأحداث، بما أسهم في ترتيب أولويات الجمهور وتقديم الثورات بوصفها مسارات متتابعة لتراجع الأنظمة وصعود الحراك الشعبي، مع اختلاف أساليب التغطية بين تونس التي بدأت بمتابعة فرار الرئيس وتداعياته، وليبيا التي ركزت على المواجهات العسكرية وانهيار النظام، ومصر التي أبرزت الصراع بين الجماهير والسلطة ودور الجيش في تطور الأحداث حتى تنحي مبارك في 11 فبراير 2011.

وقد أوضحت الدراسة أن الجيش المصري مثّل الطرف الثالث الحاسم في معادلة الثورة، إلى جانب النظام السياسي والجماهير الشعبية؛ ففي 31 يناير 2011 أعلن التزامه «الحياد الإيجابي» والاعتراف بشرعية مطالب الشعب وعدم استخدام القوة ضده، وهو موقف أسهم في توجيه مسار الثورة، ثم أكد المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 13 فبراير 2011 توليه إدارة شؤون البلاد لمدة ستة أشهر وتعطيل الدستور وحل مجلسي الشعب والشورى، رغم استمرار الشباب في المطالبة باستكمال أهداف الثورة. 

وعلى الصعيد الخارجي، أبرزت تغطيات الجزيرة مخاوف إسرائيل من تغيير النظام المصري وتأثيره في العلاقات الأمنية واتفاقية كامب ديفيد، ولا سيما بعد تفجير أنبوب الغاز المصري المصدّر إلى إسرائيل، الذي كان يغطي 40% من احتياجاتها من الطاقة، كما سلطت الضوء على التردد والتضارب في الموقف الأمريكي؛ إذ تراوحت تصريحات إدارة أوباما بين الدعوة إلى الإصلاح، والإبقاء على مبارك خلال المرحلة الانتقالية، ثم المطالبة بانتقال ديمقراطي، وقد شهد الموقف الأمريكي تغيرات خلال أربعة أيام. 

وخلص التحليل إلى أن التغطيات المباشرة للجزيرة اتخذت أحيانًا نمط التغطية المتحيزة أو الملونة (Advocacy News Reporting)، من خلال التركيز على التردد الأمريكي والخوف الإسرائيلي، بما يعزز موقفًا سياسيًا قريبًا من تطلعات الجمهور العربي. 

ومن المثير للانتباه تغطية الجزيرة للربيع العربي عام 2011، يبين تحليل 30 نشرة إخبارية أن القناة قدمت الثورات العربية باعتبارها ثورة عربية واحدة ذات امتدادات إقليمية ودولية، يقودها الشباب احتجاجًا على الاستبداد وفشل السياسات الحكومية وعجز الأحزاب عن التغيير، مستفيدين من العالم الافتراضي والساحات العامة لحشد الجماهير والمطالبة بالانتقال إلى الديمقراطية. 

وظهر هذا التأطير بوضوح في نشرَتي 16 و20 فبراير 2011، اللتين ربطتا الاحتجاجات في تونس ومصر وليبيا واليمن والعراق والبحرين والجزائر والسودان وغيرها، وامتداداتها إلى إيران، ضمن مسار تغييري واحد. 

غير أن الدراسة تشير إلى أن هذا الربط اقترب أحيانًا من نظرية الدومينو، عبر افتراض قابلية تكرار النموذج التونسي والمصري في بقية الدول، رغم اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والنتائج؛ فتونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن تأثرت مباشرة، بينما تأثر المغرب والأردن بصورة غير مباشرة، وظلت معظم دول الخليج بمنأى عن الثورات باستثناء البحرين. 

كما ربطت الجزيرة بين الربيع العربي والاحتجاجات الإيرانية، ثم الاحتجاجات الروسية التي شهدت مشاركة نحو 30 ألف متظاهر في ديسمبر 2011، وعرضت أربعة شروط عامة لنجاح الثورات: 

1- الاستياء الشعبي الواسع.

2- ووجود قوة شبابية ذات مشروع تغييري وقيادة قوية.

3- وتوافر التمويل لمواصلة الاحتجاج.

4- والدعم السياسي والعسكري الخارجي. 

وتخلص الدراسة إلى أن التأطير الإعلامي للجزيرة أبرز وحدة المطالب العربية وأولوية التغيير، لكنه مال أحيانًا إلى تعميم التجربة المصرية والتونسية على حالات مختلفة، وإلى توظيف التغطية الإخبارية والتحليلية لبناء رؤية سياسية محددة لدى الجمهور.

ثورات تجسد الصراع بين الأنظمة السياسية والشعوب

تقوم أطروحة قناة الجزيرة الخبرية في تغطية ثورات الربيع العربي على اعتبارها حدثًا عربيًا واحدًا يجسد الصراع بين الأنظمة السياسية والشعوب، مع اختلاف الخصوصيات الإقليمية، إذ استلهمت بعض التجارب النموذج المصري في التغيير السياسي والنموذج الليبي في الحسم العسكري، وفق مقولة إن التجارب الثورية تُستلهم ولا تُستنسخ. 

وقد حللت الدراسة ثلاثة نماذج إقليمية: ليبيا مغاربيًا، والأردن مشرقيًا، والبحرين خليجيًا؛ ففي ليبيا، التي بدأت احتجاجاتها في 17 فبراير 2011، هيمن إطار الثورة المسلحة وإسقاط معمر القذافي، مع تصاعد المواجهات وتدخل حلف الناتو وفرض منطقة حظر جوي، وصولًا إلى مقتل القذافي في 20 أكتوبر 2011 بعد حكم دام 42 سنة. 

وبلغت التغطية الليبية 63 تقريرًا، واستضافت 76 ضيفًا، منهم 56 ضمن دائرة الرأي، ما عكس تغليب خطاب الثوار على خطاب النظام. أما الأردن، فتركز تأطيره على الجدل حول الهوية السياسية والعلاقة بين المواطنين والمؤسسة الملكية، وعلى المطالبة بالإصلاح ومكافحة الفساد بدل إسقاط النظام؛ وامتد الحراك، من 8 إلى 28 فبراير 2011، واعتمدت التغطية أربعة تقارير خارجية وثلاثة ضيوف، بينما استجابت المؤسسة الملكية لبعض المطالب، ومنها التضحية بأحد مسؤولي الأجهزة الأمنية، دون حسم الإشكالات المتعلقة بالهوية والإصلاح السياسي. 

وفي البحرين، بدأ الحراك في 15 فبراير 2011 وانتهى مرحلته الأولى في 15 مارس 2011، وهيمن إطار يربط الاحتجاجات بالاستقطاب الطائفي والتدخل الإيراني المحتمل، ويقدم تدخل قوات درع الجزيرة بوصفه حلًا عسكريًا لحماية النظام؛ وقد رفع المحتجون ستة مطالب رئيسية، منها: إقامة ملكية دستورية، وتشكيل حكومة منتخبة، وإطلاق المعتقلين السياسيين، وسحب الجيش من الشوارع، وتقليص هيمنة الأسرة الحاكمة، وتوفير حماية دولية. 

وأوضحت الدراسة بشكل واضح أن الجمهور السياسي العربي ظل مستبعدًا من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية لأكثر من خمسة عقود منذ تأسيس الدولة الوطنية، قبل أن تمثل ثورات الربيع العربي منذ 2011 تعبيرًا عن تحوله إلى قوة فاعلة تطالب بالتغيير. 

وقد توحدت المطالب المتنوعة تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، وتمحورت الأجندة الشعبية حول مطلبين رئيسيين، أولهما الديمقراطية والانتقال من الاستبداد إلى المواطنة الحقيقية، مع التأكيد أن تحقيق هذه المطالب مسار تاريخي ممتد، وأن الصراع بين الثورة والثورة المضادة يعكس استمرار هذا المسار.

ولتحليل تغطية الجزيرة، اعتمدت الدراسة مستويين: تحليل عناوين 30 نشرة من برنامج «الحصاد»، ودراسة الفواصل التحريرية واتجاهات المعالجة. وبلغ مجموع العناوين 151 عنوانًا، توزعت على 22 نشرة تضمنت ثلاثة عناوين لكل منها، بإجمالي 66 عنوانًا، و8 نشرات للتغطية المفتوحة تضمنت عنوانًا واحدًا لكل نشرة؛ وبلغ عدد العناوين المرتبطة بالمشرق العربي 70، والمغرب العربي 52، والخليج 29. وأظهرت النتائج هيمنة السياق السياسي بنسبة 46.3%، يليه السياق العسكري بنسبة 31.1%، ثم الدولي 7.3%، والقانوني 5.2%، والإنساني 4%، والديني 3.3%، والقيمي 2.6%؛ أي إن السياقين السياسي والعسكري استحوذا معًا على 77.4% من المعالجة، مقابل نحو 22% للسياقات الثانوية.

وفي منطقة المشرق، بلغت نسبة السياق السياسي 55.7%، والعسكري 20%، والديني والقانوني 5.7% لكل منهما، والدولي 7.1%، والإنساني والقيمي 2.8% لكل منهما. وبرزت مصر بوصفها محورًا رئيسيًا للتغطية، من خلال متابعة المظاهرات والفساد وتحرير الإعلام ودور المجلس العسكري وسقوط نظام مبارك واستمرار المطالب الثورية، بينما ظهرت سوريا في عناوين العينة بتاريخ 21 أغسطس 2011، وتناولت خمسة عناوين وعود الإصلاح مقابل العمليات الأمنية، ومقتل المتظاهرين، والإدانة الدولية، والدعوة إلى الإضراب، وخلافات المعارضة. 

وأشارت الدراسة إلى إعلان الأمم المتحدة مقتل أكثر من 400 سوري منذ مارس 2011، بما يعكس غلبة السياق العسكري والأمني في التغطية السورية، إلى جانب إبراز الخلافات السياسية داخل المعارضة. 

وتخلص الدراسة إلى أن الجزيرة قدمت الربيع العربي أساسًا باعتباره صراعًا بين مطالب الشعوب الساعية إلى الحرية والتغيير، والسلطات التي واجهت الاحتجاجات أمنيًا وعسكريًا، وأن عناوينها لم تكتفِ بتعريف الجمهور بالأحداث، بل أسهمت في بناء إطار سياسي لتفسيرها وتحديد المواقف منها.

كما أظهرت الدراسة أن تغطية قناة الجزيرة لثورات الربيع العربي في المنطقة المغاربية والخليج العربي اختلفت باختلاف طبيعة الأحداث؛ ففي المنطقة المغاربية، التي شملت ليبيا وتونس، هيمن السياق العسكري بنسبة 51.9%، مقابل 25% للسياق السياسي، ضمن 17 عنوانًا توزعت بين ليبيا بـ11 عنوانًا وتونس بـ6 عناوين. 

ففي ليبيا، عكست العناوين تصاعد العنف من سقوط عشرات القتلى والجرحى إلى سقوط مئات الضحايا، ثم انتقال المواجهة إلى التدخل العسكري لحلف الناتو، وصولًا إلى مقتل معمر القذافي في سرت يوم 20 أكتوبر 2011 والإعلان عن تحرير البلاد؛ بينما هيمن السياق السياسي على التغطية التونسية، متتبعًا فرار زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، والصراع بين أنصار الثورة والنظام السابق، وصولًا إلى حل الحزب الحاكم والاعتراف بالأحزاب. 

أما في الخليج العربي، فقد شملت العينة 13 عنوانًا، منها 11 لليمن وعنوانان للبحرين، وتوزعت السياقات بين العسكري بنسبة 62% والسياسي بنسبة 20.6%، حيث أبرزت تغطية اليمن المواجهات المسلحة وسقوط القتلى والجرحى إلى جانب التحولات السياسية، مثل تشكيل حكومة الوفاق وأدائها اليمين الدستورية في ديسمبر 2011، في حين اتخذت تغطية البحرين طابعًا سياسيًا ركز على مواقف الملك وولي العهد والمعارضة. 

وانتقلت الدراسة بعد ذلك إلى تحليل الفواصل التحريرية، وهي عبارات موجزة ترافقها الموسيقى وتؤدي دورًا في توضيح السياسة التحريرية وتوجيه فهم الجمهور للحدث؛ وقد ظهرت في 15 نشرة من أصل 30، وبلغ مجموعها 28 فاصلًا، توزعت دلالاتها بين مناصرة الشعوب ودعم الثورات بنسبة 64.2%، ونقض سياسة الحاكم العربي بنسبة 25%، وتحشيد الرأي العام المحلي والدولي بنسبة 7.1%، وحشد مواقف المنظمات الدولية بنسبة 3.5%. 

وتركزت هذه الفواصل على ثورات تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وعكست شعارات مثل «الشعب يصنع التغيير» في تونس يوم 14 يناير، و«مصر الشعب يريد» يوم 5 فبراير، و«مصر الشعب ينتصر» يوم 13 فبراير، و«ليبيا بعد القذافي» يوم 20 أكتوبر 2011. وبلغ عدد الفواصل الخاصة بتونس 6، غلب عليها دعم الثورات بنسبة 66.6%، بينما بلغ عدد الفواصل المصرية 8، استحوذ دعم الثورات على 87.5% منها، مقابل 12.5% لنقض سياسة الحاكم، أما ليبيا فشهدت 8 فواصل توزعت بين دعم الثورات بنسبة 50%، ونقض سياسة الحاكم بنسبة 25%، وتحشيد الرأي العام الدولي وحشد مواقف المنظمات الدولية بنسبة 12.5% لكل منهما. 

وخلصت الدراسة إلى أن الخط التحريري للجزيرة اتجه عمومًا إلى تبني مطالب الشعوب ومساندة التغيير، وأن هذا التوجه مهّد للبحث في استراتيجيات القناة لصناعة الرأي العام العربي، في سياق التحول نحو المجتمعات الشبكية وتنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الوعي والمقاومة السياسية. 

ووفقًا للدراسة، تقوم صناعة الرأي العام تقليديًا على ثلاثة مستويات: تتدرج من تأثر الفرد بوسائل الإعلام، إلى توظيفها لتبرير مواقفه والانتماء إلى الجماعة، ثم تبني الجمهور اتجاهات ومواقف بصورة إرادية؛ أما في المجتمعات الشبكية، فتتجه العلاقة إلى مزيد من التفاعل بين المؤسسة الإعلامية والجمهور السياسي الواعي والقادر على التعبير عن مطالبه وصناعة بدائل سياسية، وقد حددت الدراسة أربع استراتيجيات رئيسية لخطاب الجزيرة، بدأت باستراتيجية التماهي مع الجمهور السياسي وتبني مطالب الشارع، القائمة على توافق الأجندة المعرفية والسياسية للقناة مع تطلعات الجمهور العربي.

استراتيجية قناة الجزيرة في تشكيل الرأي العام العربي إبان ثورات الربيع العربي

تخلص الدراسة إلى أن قناة الجزيرة أسهمت في تشكيل الرأي العام العربي خلال ثورات الربيع العربي عبر أربع استراتيجيات رئيسية، هي: التماهي مع الجمهور السياسي وتبنّي مطالب الشارع، والتثوير والتحريض، وتركيز الاهتمام على الثورات وكشف الفساد، والمقارنة بين خيارات الدولة ومطالب المجتمع. 

واعتمد تحليل الخطاب على 30 نشرة إخبارية من عام 2011، تضمنت 12 نشرة ذات تغطية مباشرة وحية، مع إبراز الثورات العربية باعتبارها القضية المركزية، وتراجع أولوية القضية الفلسطينية خلال تلك المرحلة. 

وميّزت الدراسة بين تغطية الثورة التونسية بوصفها تغطية إخبارية محايدة، والليبية بوصفها تغطية تفسيرية، والمصرية بوصفها تغطية متحيزة أو مناصرة. كما ركزت على محطات زمنية بارزة، منها 25 يناير 2011 في مصر، و18 يناير 2011 في تونس، إلى جانب احتجاجات اليمن والأردن وسوريا خلال عام 2011. 

وفي القسم الميداني، اعتمدت الدراسة الفترة 2011–2016 لتحليل اتجاهات الرأي العام العربي، واستخدمت عينة طبقية عشوائية شملت 400 استمارة موزعة على 12 دولة عربية، هي مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن والمغرب والأردن وقطر والبحرين والجزائر والسعودية والإمارات، وقد جُمعت الاستمارات خلال الفترة من مارس 2015 إلى أبريل 2016، مع استكمال الاستمارات المتبقية خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 2016. 

وبعد المعالجة الإحصائية باستخدام برنامج SPSS، تبيّن أن 389 استمارة فقط كانت صالحة للتحليل العلمي. وخلصت الدراسة إلى أن استراتيجية الجزيرة قامت على التناغم بين أجندتها التحريرية ومطالب الجمهور العربي، بهدف دعم التغيير السياسي وإبراز الصراع بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، مع التأكيد على دور الإعلام في تشكيل الوعي السياسي والرأي العام خلال مرحلة الربيع العربي وما تلاها.

اعتمدت الدراسة الميدانية على عينة من 389 مفردة من النخبة السياسية العربية في 12 دولة من أصل 22 دولة عربية، موزعة وفق حجم السكان، حيث تصدرت مصر بنسبة 30.6% (119 مفردة)، تلتها الجزائر بـ13.4% (52)، والمغرب بـ11.8% (46)، وسوريا بـ10.8% (42)، واليمن بـ9.5% (37)، والسعودية بـ9% (35)، وتونس بـ4.1% (16)، والإمارات وليبيا بـ3.1% لكل منهما (12 لكل دولة)، والأردن بـ2.6% (10)، والبحرين وقطر بـ1% لكل منهما (4 لكل دولة). ومثّلت دول الربيع العربي الخمس، وهي تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، نحو 67% من العينة بواقع 226 مفردة، فيما توزعت العينة إقليمياً بين المشرق العربي بنسبة 44.2%، والمغرب العربي بـ32.1%، والخليج العربي بـ23.7%. وعلى مستوى الخصائص الديمغرافية، بلغت نسبة الذكور 79.4% (309 مفردات)، مقابل 18.8% للإناث، بينما امتنع 7 مستجوبين عن تحديد جنسهم. 

وشكّل من تقل أعمارهم عن 40 سنة 56.8% (221 مفردة)، وجاءت الفئة العمرية من 41 إلى 50 سنة في المرتبة التالية بنسبة 24.7%. كما حمل 47.3% شهادات فوق جامعية (184 مفردة)، و46.3% شهادات جامعية (180 مفردة)، أي إن 93.3% تقريباً من العينة كانوا من ذوي التعليم الجامعي فما فوق. مهنياً، مثّل الصحفيون 33.7% (131 مفردة)، والمدرسون 29.8% (116 مفردة)، فيما امتلك 53.5% من المستجوبين خبرة مهنية تقل عن عشر سنوات (208 مفردات)، و22% خبرة تتراوح بين 11 و20 سنة (85 مفردة). 

وأظهرت نتائج الدراسة أن 34.7% (135 مستجيباً) اعتبروا الربيع العربي ثورة شعبية، و26.5% (103) عدّوه انتفاضة شعبية، و24.9% (97) رأوه حراكاً اجتماعياً. 

واختلفت التوجهات إقليمياً؛ إذ رأى 53.2% من عينة المشرق العربي أنه ثورة، مقابل 38.1% من عينة المغرب العربي اعتبروه انتفاضة شعبية، بينما مال الرأي العام الخليجي إلى اعتباره حراكاً اجتماعياً بنسبة 31.5%، تليه الانتفاضة الشعبية بنسبة 29.3%، ثم الثورة بنسبة 26.1%. وفيما يتعلق بأسباب الربيع العربي، اعتبر 57.8% من إجمالي العينة (225 مفردة) أنه تعبير عن مطالب الحرية والكرامة، مقابل 37.3% (145) ربطوه بالعدالة الاجتماعية؛ وبلغت نسبة مؤيدي أولوية الحرية والكرامة 67.8% في المشرق العربي، بينما تقاربت النسب في المغرب العربي والخليج بين المطالب السياسية والاجتماعية. وأكد 63.8% من المستجوبين (248 مفردة) أن الربيع العربي افتقر إلى نخبة سياسية قادرة على توجيه مساراته، مقابل 8.2% (32) رفضوا ذلك، فيما أجاب 26% (101) بـ«إلى حد ما». 

إقليمياً، ارتفعت نسبة الإقرار بغياب النخبة إلى 76% في المشرق العربي، وبلغت 54% في المغرب العربي و58% في الخليج. وأخيراً، رأى 59.1% من العينة (230 مفردة) أن الربيع العربي صناعة عربية، مقابل 37.5% (146 مفردة) اعتبروه صناعة أجنبية. وتخلص الدراسة إلى أن العينة، رغم هيمنة الذكور والشباب والمتعلمين والعاملين في الإعلام والتدريس عليها، تتيح فهماً لاتجاهات النخبة السياسية العربية خلال مرحلة الربيع العربي، وتكشف عن تصوّر غالب له بوصفه مشروعاً للتغيير السياسي ارتبط أساساً بمطالب الحرية والكرامة، مع إدراك واسع لغياب قيادة سياسية قادرة على توجيه مساراته.

وتناولت الدراسة اتجاهات الرأي العام العربي نحو هوية الربيع العربي ودور وسائل الإعلام السياسية، وخاصة قناة الجزيرة، في انطلاق الثورات العربية ومواكبتها، اعتمادًا على عينة إجمالية بلغت 389 مفردة من المشرق والمغرب العربي والخليج. ففيما يتعلق بهوية الربيع العربي، رأى 59% من أفراد العينة أنه صناعة عربية داخلية، مقابل اتجاه يراه صناعة أجنبية؛ وبلغت نسبة من اعتبروه صناعة عربية 66% في المشرق، و67% في الخليج، و53% في المغرب العربي. أما من حيث ماهيته، فقد اعتبره 43% من العينة ثورة مكتملة العناصر، بينما تفاوتت التصورات الإقليمية بين اعتباره ثورة في المشرق بنسبة 53%، وانتفاضة شعبية في المغرب العربي بنسبة 38%، وحراكًا اجتماعيًا في الخليج بنسبة 32%. وبخصوص أسباب الربيع العربي، أكد 57% أن دوافعه سياسية بالدرجة الأولى، تتمثل في المطالبة بالحرية والكرامة، إلى جانب المطالب الاجتماعية والمعيشية، كما رأى 63.8% أن النخب السياسية العربية غابت عن مواكبة الثورات، مع ارتفاع النسبة إلى 76% في المشرق، و58% في الخليج، و54% في المغرب العربي.

وفيما يتعلق بدور وسائل الإعلام، أظهرت النتائج تقاربًا بين وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية في المساهمة في انطلاق الثورات ومواكبتها؛ إذ بلغت نسبة وسائل التواصل الاجتماعي 48.8%، مقابل 48.1% للقنوات الفضائية، أي ما مجموعه 96.9%، في حين كان تأثير الصحافة المكتوبة والإذاعة محدودًا. 

واختلفت النتائج إقليميًا؛ فقد تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي في المشرق بنسبة 55.6%، بينما تقدمت القنوات الفضائية في المغرب العربي بنسبة 63%، وتقاربت الوسيلتان في الخليج بنسبة 47% للقنوات الفضائية و46% لوسائل التواصل الاجتماعي. كما احتلت قناة الجزيرة موقع الصدارة بين القنوات التي رأى المستجيبون أنها ساهمت في انطلاق الربيع العربي ومواكبته، بنسبة 86.4%، مقابل 10.3% لقناة العربية، فيما لم تتجاوز نسب القنوات الأخرى مجتمعة مستويات محدودة. وأكد 67.9% من أفراد العينة أنهم تابعوا تغطيات الجزيرة بصورة مستمرة، مقابل 25.4% تابعوها أحيانًا؛ وبلغت المتابعة المستمرة 78.3% في الخليج، و67.3% في المشرق، و61.1% في المغرب العربي. 

أما ساعات المشاهدة، فأفاد 38.3% بأنهم شاهدوا التغطيات لأكثر من ساعتين يوميًا، و26% لمدة تتراوح بين ساعة وساعتين، و24.4% لمدة ساعة يوميًا.

وفي تقييم طبيعة تغطيات الجزيرة، رأى 53.5% من المستجيبين أنها أدت دور الوسيط المحرّض، مقابل 21.3% اعتبروها وسيطًا محايدًا، و20.8% اختاروا أدوارًا أخرى. وبشأن شعار «الرأي والرأي الآخر»، قال 43.2% إن القناة التزمت به إلى حد ما، بينما رأى 31.1% أنها لم تحافظ عليه، مقابل 23.4% أكدوا التزامها به. وفيما يخص توازن التغطية، اعتبر 46.5% أنها كانت متوازنة إلى حد ما، و31.1% أنها كانت متوازنة، مقابل 21.3% رأوا أنها لم تكن متوازنة. 

كذلك اعتقد 45.8% أن تغطيات الجزيرة ساهمت في ترجيح كفة حركات الإسلام السياسي، مقابل 34.7% اتخذوا موقفًا وسطًا، و17.5% رأوا أنها لم تفعل ذلك. 

وفي قضية التنافس بين الإسلاميين والعلمانيين، رأى 38.8% أن الجزيرة لم تتخذ مسافة موضوعية بين الطرفين، و37% أنها اتخذت موقفًا وسطًا، مقابل 22.1% اعتقدوا أنها حافظت على مسافة موضوعية. 

وقد تناولت الدراسة تقييم النخبة السياسية العربية لدور قناة الجزيرة في صناعة الرأي العام خلال الربيع العربي، وعلاقتها بالأجندات السياسية، وتأثير تغطياتها في الثقافة السياسية ومآلات الانتقال الديمقراطي، اعتمادًا على عينة إجمالية بلغت 389 مفردة. 

1- فقد أظهرت النتائج أن 47.8% من المبحوثين رأوا أن الجزيرة نجحت في صناعة رأي عام عربي مناصر للثورات، مقابل 9.8% نفوا نجاحها، بينما رأى 39.3% أن نجاحها تحقق إلى حد ما. 

2- وفيما يتعلق بعلاقة تغطيات الجزيرة بالأجندة السياسية القطرية، أكد 37% وجود تقاطع بينهما، ورأى 33.9% أن هذا التقاطع قائم جزئيًا، مقابل 26.7% نفوا وجوده؛ أي إن نحو 71% أقروا بوجود تقاطع كلي أو جزئي.

3- أما بشأن التدخل الأمريكي في تغطيات القناة، فقد رأى 36.8% عدم وجود تدخل، مقابل 34.2% اعتبروا احتمالية وجوده، و26.5% أكدوا وجوده. 

4- وفي محور التغيير السياسي، اعتبر 47.3% أن الجزيرة أسهمت إلى حد ما في تغيير الثقافة السياسية العربية، مقابل 29% رأوا أنها نجحت في ذلك بصورة واضحة، وقرابة 22% نفوا تحقق هذا التغيير. 

5- كما وصف 39.6% الوضع العربي منذ عام 2011 بأنه تقدم نحو الفوضى، و28.8% بأنه انتكاسة سياسية جديدة، بينما رأى 26.7% أنه انتقال نحو الديمقراطية. 

6- وبخصوص شكل الدولة العربية كما عكسته التغطيات، رأى 33.2% أنها دولة فاشلة، و32.6% أنها دولة في طريق الانتقال الديمقراطي، و22.4% أنها دولة هشة، و10.3% أنها دولة رخوة. 

7- وأكد 53.2% أن الجزيرة نجحت في كشف القوى المضادة للثورات العربية، مقابل 16.2% نفوا نجاحها، فيما بلغت نسبة من رأوا أنها كشفت تدخل الجيش في الحياة السياسية 66.3%، مقابل 24.9% قالوا إنها نجحت في ذلك إلى حد ما. 

خلاصة الدراسة

وخلصت الدراسة إلى أن الإعلام السياسي يمثل مجالًا معرفيًا جديدًا يدرس العلاقة المتداخلة بين الإعلام والسياسة، خصوصًا خلال مراحل الانتقال السياسي، مستندًا إلى نظريات التحديث السياسي والانتقال الديمقراطي ونظرية مانويل كاستلز حول الصراع بين الديمقراطية التواصلية والهيمنة السياسية. 

وأوضحت أن ثورات الربيع العربي جاءت نتيجة تراكم الأزمات السياسية، واتساع الفجوة بين مطالب المجتمع وخيارات الدولة، وتراجع شرعية الأنظمة العربية، بفعل الاستبداد والفساد وضعف الإصلاح، في حين أسهمت وسائل الإعلام الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي في تحفيز الاحتجاجات ومواكبتها ونشر مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. 

وأظهرت الدراسة اختلاف أدوار قناة الجزيرة في تغطية الثورات؛ إذ كانت ناقلًا للأحداث في تونس، وشاهدًا عليها في البحرين، وأكثر انخراطًا وتحريضًا في مصر، التي قدمتها نموذجًا ثوريًا قابلًا للتعميم. كما شمل التحليل 208 تقارير إخبارية، منها 143 تقريرًا إخباريًا و65 تحليليًا، و292 ضيفًا في المقابلات، غلبت فيها الآراء بنسبة 50%، مقابل 23% للأخبار و27% للتحليل، مع حضور بارز لأصوات المعارضة. 

وأكدت نتائج استطلاع الرأي أن 57% من العينة رأت أن الثورات هدفت إلى تحقيق الحرية والكرامة، و59% اعتبرتها نتاجًا عربيًا داخليًا، فيما رأى 64% أنها افتقرت إلى نخبة سياسية قادرة على توجيه مساراتها. 

وأكد 97% أهمية الدور المشترك للقنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي في إشعال الثورات ومواكبتها، فيما بلغت نسبة من رأوا أن الجزيرة أدت دورًا حاسمًا في التغيير السياسي 86.4%، مقابل 10.3% لقناة العربية، وأفاد 68% من النخبة السياسية بمتابعة تغطيات الجزيرة أكثر من ساعتين يوميًا. كذلك رأى 48% أن تغطيات الجزيرة نجحت في صناعة رأي عام عربي مناصر للثورات، مقابل 8.9% اعتبروا أنها فشلت في ذلك. 

وحددت الدراسة أربع استراتيجيات اعتمدتها الجزيرة لصناعة الرأي العام، هي التماهي مع الجمهور وتبني مطالب الشارع، والتثوير والتحريض، والتركيز على القضايا المركزية وكشف الحقائق، والمحاججة والمقارنة بين خيارات الدولة والمجتمع. 

ومع ذلك، لم يكن تأثير القناة في تغيير الثقافة السياسية شاملًا؛ إذ رأى 47.3% أن التغيير تحقق إلى حد ما، ووصف 40% المرحلة العربية بأنها اتجاه نحو الفوضى، و29% بأنها انتكاسة سياسية، مقابل 27% رأوا أنها مرحلة انتقال ديمقراطي. كما اعتبر 33.2% أن الدولة العربية تتجه نحو الفشل، بينما رأى 32.6% أنها تسير نحو الانتقال الديمقراطي، وحمّل 66% من أفراد العينة المؤسسة العسكرية مسؤولية كبيرة عن تعطيل الثورات. 

وانتهت الدراسة إلى أن الجزيرة تحولت خلال الربيع العربي إلى رافعة سياسية وفضاء عمومي داعم للتغيير، يتمثل دورها المستقبلي في مراقبة السلطة وتعزيز النقد العام والمساهمة في بناء رأي عام مساند للتحول الديمقراطي، مع التأكيد أن نجاح الثورات ظل مقيدًا بغياب القيادات السياسية الفاعلة، وتدخل المؤسسة العسكرية، وصعود القوى المضادة للثورة، وأن التحول الديمقراطي يحتاج إلى وقت طويل لتحقيق أهدافه.

وخلصت الدراسة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية كانتا محوريتين في مواكبة الربيع العربي، وأن الجزيرة احتلت موقعًا بارزًا في تغطيته، لكن تقييم أدائها كشف عن تباين في آراء النخبة السياسية العربية بشأن الحياد والتوازن والانحياز السياسي، بما يعكس صعوبة الفصل بين الدور الإعلامي والسياق السياسي الذي تجري فيه الأحداث.