غيث أو الفتى الشهيد
محمد أحمد وريث
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: هذا الكتاب هو قصيدة شعرية، من أشهر القصائد التي كتبها الشاعر أحمد رفيق المهدوي (۱۸۹۸ - ١٩٦١م)، والتي أكسبته مكانة مرموقة بين شعراء الوطن العربي، وهي تحكي مأساة البطولة، التي لا تُمجّد فرداً بذاته، وإنما تُمجّد أمةً من الثائرين والأبطال، بل تُمجّد الإنسانية جمعاء ضد ألوان القهر والظلم والعذاب.
إنها بطولة اليتيم والأسير والطفولة، "غيث" أحد ضحايا العدوان الإيطالي الهمجي على ليبيا، والتي انتهت بمأساة وفاجعة كبرى، حيث دسُّوا السُّم في الطعام؛ ليتخلصوا من بيانه وفصاحته وجهاده الفكري، دهم فمات غدراً وخيانةً. كما توضح مخططات الجنرالات: "بالبوو"، و"دي بونو"، و"دودو لفوجو".
وقد زخرت القصيدة بلغة شعرية راقية، جمعت ألوان الأدب والحكمة والجمال، وكانت كل كلمة لها معناها، والأبيات تلامس الوجدان وتسكنها المشاعر، فتشع في عيون القراء ألماً وأملاً، فكانت في مصافّ قصائد الكبار أمثال: معروف الرصافي (١٩٤٥م)، وحافظ إبراهيم (ت ١٩٣٢م)، وأحمد شوقي، وغيرهم.
وجاءت هذه القصيدة على بحر الرمل، وبلغت أبياتها ثمانية وتسعين ٩٨ بيتاً، ويُرجّح أنها كُتبت ما بين عامي ١٩٣١ و ١٩٣٦، وهو العام الذي نُفي فيه المهدوي إلى تركيا، ومطلعها:
ملجأ قالوا جعلـــــناه مقــــــــــــاماً … رأفةً منّا وأمناً لليتامى
خدعةٌ منها بها يُخفون خُبثاً … ظهرت آثاره عاماً فعاماً
ويُجسّد الشاعر "غيث" بأنه الروح التي تمتلئ ثورةً وعنفواناً، وأخلاقاً وكرماً:
والفتى -أنعم به- لم يرضَ أن … يقبل الظلمَ في الذُّل ناما
اسمه غيــــــــــــــثٌ وفي قصته … قدوة حـــــــــازت فخـــاراً ودواما
فيك يا غيثُ توسمتُ فتىً … أروعاً حُراً وآبـــــــــاءاً كراما
ويتهكم الشاعر بجنون على أساليب الطليان في خداع المحاصرين والمشردين؛ فيقول:
فإذا صدَّقتَ أن الذئب يرعى … حملاً كُنت كمن في الوهم هاما
وقد تضمنت هذه القصيدة أبياتاً من الحكمة، منها:
واضحُ الجدّ قليلاً ما يُرى … ضاحكاً إلا إذا استحيا ابتساما
وإذا الجِدُّ مع العزم التقى … جعلا للمرء في الناس مقاما
كما تضمنت القصيدة أبياتاً وافيةً في الأخلاق يقول:
لا أُحبُّ البخل إنا معشرٌ … نؤثر الغير ولو بتنا صياما
إن أخلاق الفتى إن لم تكن … عن غزير الطبع لم تلقَ دواما
ويقول أيضاً:
إن حُرَّ النفسِ لا يُحجم عن … أن يقول الحقَّ للصّدق التزاما
ويقول كذلك:
لا أرى المال إذا لم أكتسب … منه ذكراً حسناً إلا حراما
وفي ميدان المعارك، يصف الأبطال والثوار بقوله:
ورأى الأبطال أن الموتَ لا شكَّ … فيه فتلّقوه زؤاما
ويجعل الشاعر من النفس ثمناً رخيصاً لقاء الحرية والكرامة؛ فيقول:
حبذا الموتُ ولا العيشُ هنا … خاضعاً في ربقة الأسر مُضاما
ويصف شدة حنقه على الطليان، واستعداده للموت انتقاماً منهم؛ فيقول:
إن لي ثأراً إذا أدركتُه … لا أُبالي -بعدُ -إن ذُتُ حماما
لو تحصلت على مالٍ به … أشتري عدَّة حربٍ وحُساما
وفي هذه القراءة الأدبية والسياسية خيوط النضال العربي، فمن "غيث" الذي جسّد مأساة ليبيا تحت وطأة الاحتلال الإيطالي، وصولاً إلى معاناة الأسرى الفلسطينيين في وجه القوانين الجائرة.
أولاً: آلام الأسرى الفلسطينيين وقانون الإعدام:
يعيش الأسرى الفلسطينيون واقعاً يجسد قمة القهر الإنساني، حيث تُنتهك أبسط الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية. وتتجلى معاناتهم في:
التعذيب الممنهج والظروف القاسية: العزل الانفرادي، الإهمال الطبي المتعمد (القتل البطيء)، والحرمان من الزيارات.
قانون الإعدام الأخير: يمثل هذا القانون، الذي يسعى الاحتلال لإقراره بحق الأسرى الذين نفذوا عمليات مقاومة، أداة قتل شرعية تضرب بعرض الحائط القوانين الدولية. إنه محاولة لكسر إرادة الصمود وترهيب الشعب الفلسطيني، لكنه في الوعي الجمعي لا يزيد الأسرى إلا إصراراً على أن "الثمن هو الحرية أو الشهادة".
ثانياً: العدوان الإيطالي على ليبيا والمجازر الوحشية:
بدأ الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911، وكان من أبشع صور الاستعمار في العصر الحديث، حيث اتسم بـ:
سياسة الأرض المحروقة: استخدم الجنرالات أمثال "بالبو" و"غراتسياني" القوة المفرطة ضد المدنيين.
المعتقلات الجماعية: سِيقت قبائل بأكملها إلى معتقلات صحراوية (مثل معتقل العقيلة وسلوق) حيث قضى الآلاف بسبب الجوع والمرض.
الغدر والمكيدة: كما ورد في قصة "غيث"، لم يتورع الاحتلال عن استخدام السم والخديعة للتخلص من رموز الوعي والمقاومة الفكرية، ممارسين أقصى درجات "الخُبث" تحت ستار "الإيواء والرأفة".
ثالثاً: استقلال ليبيا:
بعد عقود من الجهاد المرير وتضحيات جسام سقط فيها قرابة نصف سكان ليبيا بين شهيد ومهجر، ونالت ليبيا استقلالها في 24 ديسمبر 1951 كدولة اتحادية مستقلة، لتكون من أوائل الدول العربية التي نالت استقلالها عبر الأمم المتحدة، مكللةً بذلك نضال أبطالها الذين لم يقبلوا "الظلم في الذل".
رابعاً: أهم الأبطال والثوار الليبيين (نبذة موجزة):
خلاصة: إن قصيدة "غيث" للشاعر أحمد رفيق المهدوي لم تكن مجرد رثاء لطفل، بل هي وثيقة تاريخية تُدين التوحش الاستعماري وتربط وجع الأمس بوجع اليوم، مؤكدة أن "حر النفس لا يحجم عن قول الحق" مهما بلغت التضحيات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق