الجنة قريبةٌ من البيت
عبد الفتاح شحادة
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: نادراً ما يعرف أهل هذا الزمان طعم النوم؛ إذ لم تعد الليالي موطناً للسكينة، بل مسرحاً مفتوحاً لطبول القصف، تدوي في الأعماق قبل الآذان، وتوقظ في الإنسان إحساسه العاري بالهشاشة. نمضي نحو البحر، لا لأننا عشاق موجٍ أو هواة زرقة، بل لأننا نبحث عن فسحةٍ من وهم الأمان، عن بقعةٍ لا تصلها يد الخراب، وإن كانت في الحقيقة لا تبعد عنه إلا بضع خطوات.
وعلى الرمال، تنطبع آثار أقدامنا كأنها شهادات حياةٍ مؤقتة، فيما تتكئ خلفنا تلال الركام كقبورٍ مفتوحة لذكريات البيوت والوجوه. هناك، تحت ظل برجٍ أنهكه الانتظار، تمتد الأرجل ويهيم البصر في السماء، كأننا نفاوض القدر بصمت، ونسترق النظر إلى “الجنّة” التي تطمع فيها الأرواح، وقد هاجر إليها من سبق، بينما نظل نحن عالقين في جغرافيا النزوح، نعدّ الأيام لا بالأرقام، بل بالخسارات.
لكن العزم هنا مثخن، والكرم مصلوب، والناس بين صبرٍ يتهدّل، وأملٍ يُرمم نفسه كل صباح. غير أنّ الحديث عن “الجنّة” لا ينبغي أن يبقى حبيس المعنى الغيبي، ولا رهين التعزية المؤجلة، بل يجب أن يُستعاد إلى أرض الواقع بوصفه قيمةً إنسانيةً وسياسية، اسمها الحرية.
فالحرية ليست ترفاً فكرياً، ولا شعاراً يُرفع في مواسم الخطابة، بل هي شرط الكرامة، وروح الوجود، ومناط الاستخلاف. هي أن يقول الإنسان كلمته دون أن يتهجّى الخوف بين حروفها، وأن يعبّر عن ألمه دون أن يُتّهم بالخيانة، وأن يحلم دون أن يُلاحَق حلمه بتهمة التجاوز.
الحرية أن يتمرّد المرء على كل ما يحاول تحويله إلى رقمٍ في سجل، أو تابعٍ في قطيع، أو صدىً لصوتٍ أعلى. وقد قال عمر بن الخطاب كلمته الخالدة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”، وهي كلمة لا تزال تُحرج كل أنظمة القهر، وتفضح كل أشكال التسلط.
إن الحرية الحقّة هي التي تجعل القلم يغرس سنّه في فوهة البندقية، لا لينازعها القوة المادية، بل ليعيد ترتيب الأولويات: فالعقل قبل الرصاص، والوعي قبل الانتصار، والإنسان قبل كل شيء.
ومن هنا، يصبح القلم فعلاً ثورياً، لا بمعناه الصاخب، بل بعمقه التغييري. قلمٌ يفضح الخلل، ويُعرّي الادعاء، ويُعيد طرح الأسئلة الكبرى: لماذا فشلت المشاريع السياسية والدينية في جمع الأمة؟ لماذا تعمّقت الفجوات بين أبناء البيت الواحد؟ ولماذا أصبح الدين – في كثير من تجلياته – طقساً بلا روح، وشعاراً بلا أثر؟ إن الأزمة، في جوهرها، ليست نقصاً في النصوص، بل خللاً في طرائق الفهم والتلقي، واضطراباً في مناهج التفكير والبحث.
وقد أشار عبد الرحمن الكواكبي إلى هذا المعنى حين قال: “الاستبداد أصل لكل فساد”، فهو لا يفسد السياسة فحسب، بل يمتد إلى العقل، فيُعطّله، وإلى العلم، فيُشوّهه، وإلى الدين، فيُسخّره. والحضارة، في حقيقتها، ليست أبراجاً شاهقة، ولا أدواتٍ متقدمة، بل هي قدرة الإنسان على تسخير ما حوله في خدمة رسالته، بحيث يُحسن صلته بالله توحيداً وعبادة، ويُحسن صلته بالناس عدلاً ورحمة، في توازنٍ يليق بكرامة الاستخلاف.
أما “الجنّة القريبة” التي ننشدها، فهي ليست وعداً مؤجلاً، بل مشروعٌ معطّل، ينتظر صحوة الوعي قبل أي شيء آخر. إنها اللحظة التي يخرج فيها القادة من شرنقة الأوهام، وينزلون إلى أرض الواقع، فيرون ما خلّفته قراراتهم من خراب، وما أنتجته خطاباتهم من فراغ.
ليست الشعوب بحاجة إلى مزيد من البيانات، ولا إلى خطبٍ منمّقة تُتقن فنّ الإنكار، بل إلى صدقٍ يُصارح، وإرادةٍ تُصلح، وعقلٍ يُخطّط.
“إذا كان ربُّ البيتِ بالدفِّ ضارباً **فشيمةُ أهلِ البيتِ كلِّهم الرقصُ”، كما قال أبو العتاهية.
وهي حكمة تختصر حال كثيرٍ من الأنظمة التي تفسد في القمة، فيتسرّب الفساد إلى القاعدة. إن قراءة الواقع بصدق هي أول الطريق إلى الخلاص، ومعرفة الحاجات الحقيقية، وتحديد الأهداف بوضوح، ورسم الاتجاه بعقلٍ راشد؛ عندها فقط، يمكن أن نقول إن “الجنّة” لم تعد بعيدة، بل صارت ممكنة، بل قريبة من البيت.
ولستُ في هذا المقام محللاً سياسياً بقدر ما أنا شاهدٌ على يوميات هذا الوطن، وقارئٌ لما بين السطور، وما وراء الشاشات. فالفطرة السليمة كفيلة بأن تميّز بين من يحمل همّ الناس، ومن يحملهم سلّماً لطموحه، بين من يقود بروح المسؤولية، ومن يتزيّا بزينة الزعامة.
لقد كثرت “المعاطف” في هذا الزمن؛ معاطفُ فاخرة تُخفي برودة الضمير، ولحىً كثيفة تُجيد أداء الدور أكثر مما تُجيد أداء الرسالة. هذه المعاطف لم تحتضن طفلاً يرتجف من البرد، ولم تنحنِ على جريح، بل احتضنت أموالاً، ونسجت من المأساة مشاريع، حتى صار الدم استثماراً، والخراب فرصة، والأشلاء مادةً للربح.
وقد قيل في الحكمة: “إذا رأيتَ الرجلَ يطلبُ الربحَ من دموعِ الناس، فاعلم أن قلبه قد مات”، وهي وإن لم تُنسب لقائلٍ بعينه، إلا أنها تختصر مشهداً كاملاً من التواطؤ الصامت.
كنتُ أظن – ككثيرين – أن المعطف للدفء، فإذا به عنوانٌ للسلطة، ومفتاحٌ للهيمنة، وزينةٌ تُخفي عري المعنى. وهكذا تنقلب المفاهيم في زمن الاختلال، فيُمدح من يملك، لا من يُنقذ، ويُشكر من يُعطي الفتات، لا من يحفظ الكرامة.
“ولا تحسبنّ المجدَ تمراً أنت آكله **لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصبرا”، كما قال أبو تمام، غير أن بعضهم يريد مجداً بلا ثمن، وسلطةً بلا مسؤولية، وقيادةً بلا تضحية.
وفي ختام هذا المشهد المثقل، تبقى الحكمة ملاذاً أخيراً، تردّ الإنسان إلى ميزانه الأول: أن الكرامة لا تُوهب بل تُصان، وأن التواضع رفعة، وأن الكِبر سقوطٌ مقنّع. وأن من أصلح ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه وبين الناس. وأن السياسة، في جوهرها، امتحانٌ للأخلاق قبل أن تكون لعبة مصالح. وأن العقل – كما قيل – له حدٌّ ينتهي إليه، كما أن للبصر مدىً يقف عنده، فإذا تجاوز الإنسان حدّه، ضاع في ظلمات الوهم.
وهنا، تتكثف الحقيقة في جملة واحدة: لقد خلق الله الإنسان حراً، فلا يليق به أن يرضى لنفسه القيد، ولا أن يعتاد السلاسل، ولا أن يطلب الجنّة في السماء وهو يُضيّع أسبابها في الأرض. فإذا استيقظ الوعي، واستقامت الإرادة، وعاد الإنسان إلى مركز المعنى، عندها فقط… تصبح الجنة قريبةً من البيت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق