أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 18 أبريل 2026

نتائج الأفهام في تحقيق مولده وعمره عليه الصلاة والسلام محمد باشا الفلكي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

نتائج الأفهام في تحقيق مولده وعمره عليه الصلاة والسلام

محمد باشا الفلكي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: على الرغم من التقدّم الهائل في الآلات، وتكاثر وسائل المعرفة، فإنّ ملكة النبوغ والتحقيق الدقيق قد خفَا بريقها في واقع الأمة؛ إذ غلبت السطحية على كثير من الدراسات، وندر ذلك النَّفَسُ العلمي الذي يجمع بين الرواية والحساب، وبين الخبر والتحقيق. وفي هذا السياق تأتي هذه الرسالة محاولةً جادّة لإحياء منهجٍ علميٍّ أصيل، يقوم على استنطاق الوقائع الكونية وربطها بالأحداث التاريخية، لا سيما تلك المتعلّقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد اتخذ المؤلف من حادثة كسوف الشمس يوم وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم منطلقاً بحثياً، لما تمتاز به هذه الواقعة من قابليةٍ للحساب الفلكي الدقيق، إذ يمكن تحديد زمنها باليوم والساعة، اعتماداً على قوانين حركة الأفلاك. ومن خلال الجمع بين هذه الحقيقة الكونية والروايات التاريخية المتفق عليها—ككون مولده عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين من شهر ربيع الأول—سعى المؤلف إلى إعادة النظر في التاريخ المشهور لمولده، مرجّحاً أنه كان في التاسع من ربيع الأول لا في الثاني عشر، مع محاولة إسناد هذا الترجيح بالأدلة النقلية والحسابية.

ثم توسّع البحث ليشمل إشكالاتٍ تاريخية أخرى، كمسألة موافقة يوم عاشوراء لزمن الهجرة، وطبيعة التقويم الذي كان معتمداً عند العرب واليهود، ومعنى "النسيء" وأثره في اضطراب التواريخ. وقد قسّم المؤلف عمله إلى قسمين: 

الأول: جمع فيه الروايات والحجج التي بنى عليها حسابه.

الثاني: مزج فيه بين الدلائل وبعضها حتى وصل إلى تعيين نوع التاريخ الذي استعمله العرب قبل الإسلام، ومن ثمَّ تحديد عمره ومولده عليه الصلاة والسلام.

وهكذا تتبدّى الرسالة نموذجاً لمحاولة الجمع بين دقّة الحساب الفلكي ونقد الرواية التاريخية، في سبيل الوصول إلى صورةٍ أقرب إلى اليقين.

وخلاصة ما في هذا الكتاب نُسجّله فيما يلي:

أولاً: أن كسوف الشمس في المدينة، يوم وفاة إبراهيم عليه السلام، الساعة الثامنة والنصف، من صباح يوم 27/ يناير/ 632 م، الموافق: 29/ شوال/ 10 هـ.

ثانياً: كانت ولادته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين 9/ ربيع أول.. الموافق: 20/ 4/ 571 م. الموافق 882 من ملك الإسكندر الأكبر، وسنة 1315 من تاريخ بختنصّر.

ثالثاً: كان دخوله المدينة التي هاجر إليها يوم الاثنين 8/ ربيع أول .. الموافق: 20/ سبتمبر/ 622 م، والموافق: 10/ تشري/ 4383 للخليقة -تقويم يهودي-، والذي هو يوم عاشوراء.

رابعاً: عاشوراء هو اليوم العاشر من محرّم عند المسلمين، يظهر أن اليهود والعرب كانوا يُطلقون هذا الاسم على اليوم العاشر من تشرين، الذي هو أول شهور سنتهم المدنية، وسابع شهور سنتهم الدينية، وهي الموافقة للسنة 4383 من الخليقة.

خامساً: أن طريقة الحساب التي اعتمدها المؤلف، هي:

ما ارتكز إليه من قول المسعودي في "مروج الذهب"، أن بين تاريخ يزدجرد وتاريخ الهجرة (3624) يوماً. وأجمعوا أن دخول النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة كان في اليوم 67 بعد اليوم الأول من محرم، الذي هو أول شهر في التاريخ الهجري.

وحينئذٍ يكون الفرق بين تاريخ يزدجرد وَتاريخ الهجرة، هو:

3624 - 67 = 3557

وحيث أول تاريخ يزدجرد هو يوم الثلاثاء 16/ يونيو: 632 مسيحية، أي: بعد موته -يعني عيسى عليه السلام- بثمانة أو تسعة أيام. فإنه يكفي لمعرفة اليولياني المقابل ليوم الهجرة: 

أن نحسب 3557 يوماً راجعين إلى الخلف، من ابتداء: 16/ يونيو/ سنة 632 م

سادساً: السنة عند العرب مركبة من 12 دورة قمرية، وكانوا يُضيفون إلى سنتهم دورة ثالثة عشرة؛ ليجعلوها شمسية، واختلفوا في هذه الزيادة: 

-فقيل: إنهم كلما مضى 24 سنة، ضموا إليها 9 أشهر.

-وقيل: كلما مضى 19 سنة، أضافوا إليها 7 شهور.

-وقيل: كلما مضى ثلاث سنوات، أضافوا شهراً واحداً.

سابعاً: أن العدد 18780 يوماً - عبارة عن عدد سنين كاملة، ينقصها يوم واحد على مقتضى حساب الجاهلية. والسنة القمرية 364 يوماً، وكسور.

فإذا قسّمنا هذا العدد 18780 على أيام السنين القمرية.

………. 18780  ÷ 364,367 =53 إلا يوماً واحداً.

____________________________________________

فوائد من الكتاب:

أ- قوله تعالى: (يا أيه المُدثّر)

يقول الفلكي: وهذه الآية لعمري تدلُّ بلفظها الرائق، ومعناها الفائق، ومبناها الشائق على أنه صلى الله عليه وسلم أُوحي إليه في وقت اشتداد البرد القارس، ذلك أنه وُلد في 20 إبريل/ 571 مسيحية، فإذا حسبنا 40 سنة قمرية أو 14174 يوماً، مبتدئين باليوم المذكور، انتهينا إلى اول شهر فبراير/ سنة 610 مسيحية، وهو شهر فصل الشتاء. (انظر: ص 48)

يقول محيي الدين بن عربي: والتدثر إنما يكون من البرودة، التي تحصل عقيب الوحي، وهو معنى نفسي.

ب- سُميت الشهور الهجرية بهذه الأسماء نظراً للاحوال الجارية فيها، فـ "المُحرّم" لأنهم كانوا يُحرّمون القتال والإغارة فيه. و"صفر" لما كنا يعتريهم فيه من المرض الذي تصفرُّ منه ألوانهم، و"الربيعان: الأول والآخر" لأنهما كانا ياتيان في الخريف، وكانت العرب تُسميه ربيعاً. و"الجمادان: الأول والآخر" سُميا بذلك لإتيانهما في أيام الشتاء، عند جمود الماء ووقع الجليد. و"رجب" سُمي بذلك؛ لأنه يُقال فيه: ارجبوا -أي: كُفّوا عن القتال-. و"شعبان" سُمّي بذلك؛ لانشعاب القبائل فيه إلى طلب المياه والغارات. و"رمضان" سُمي بذلك؛ لأنه كان يأتي في شدة الحرّ، حيث ترمض الأرض فيه. و"شوال" سُمي بذلك؛ لقولهم فيه: شولوا -أي: ارتحلوا -وقيل: لأن الإبل تشول فيه بأذنابها؛ لشهوتها إلى الضراب -ولذلك كانت العرب لا تستحب الزواج فيه. ثم "ذو القعدة"؛ لقعودهم عن القتال فيه، ثم "ذو الحجة" لإقامتهم الحج فيه. (ص 56).

ج-قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الزمان قد استدار).

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك في يوم الجمعة، في يوم حجة الوداع، في ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، ومن العجيب موافقة ذلك لآخر شهرٍ من سنة اليهود الدينية، بحيث أن شهر المحرم الذي هو بداية السنة الحادية عشرة الهجرية، كان هو عين شهر نيسان الذي هو أول الشهور الدينية عند اليهود، وربما قال ذلك؛ لأن أبوا العرب إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، كانا يستعملان السنة القمرية، مثل أبيهما إبراهيم عليه السلام، إلى أن غيّرت اليهود ذلك بالزيادة والكبس. (ص 62) 

د- ذكر المسعودي في "مروج الذهب" والبيروني في "الآثار" أسماء أيام الأسبوع عند العرب قديماً، وهي "أوّل" الأحد، ثم "أهون"، ثم "جُبار"، ثم "دُبار"، و"مؤنس"، و"عروبة"، و"شبار" السبت.

وقد نظمها بعضهم في قوله:

أوؤمّل أن اعيش وإنَّ يومي … بأوّل أو بأهون أو جُبار

أو المَردَى دُبارٌ فإن أَفُتْهُ … فمؤنس أو عروبة أو شُبار




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق