أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 أبريل 2026

رجالٌ في الشمس غسان كنفاني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رجالٌ في الشمس

غسان كنفاني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: تُمثل هذه الرواية سيرة الاختناق الطويل الذي عاشه الفلسطينيون عقب النكسة، وقد كُتبت بتروٍّ تحت شمسٍ لا ترحم، وكل من يقرأها يراها كمرآةٍ كاشفة لزمانٍ غريب، تتآكل فيه المعاني قبل أن تتآكل الأجساد. يخرج أبطالها من فلسطين، وقد شكلوا أجزاءً من ذاكرةٍ مُثخنة بالفقر والجوع والحرمان، وقد انتُزعت صورتها من الواقع الفلسطيني المُر.

خرج ثلاثتهم يحمل همَّ الوطن بكل تفاصيله الصغيرة: في الخبز، وفي الحكايات، وفي الخوف، وفي المستقبل. يتجهون نحو الكويت، حيث يبدو الأفق في ظاهره مفتوحًا، غير أنه في العمق مُحاطٌ بأسوارٍ خفية، تُدار بمنطق الانتظار، وتُعاد فيه صياغة الإنسان على هيئة فرصةٍ في الحياة مؤجلة. 

يعبرون الأردن ويخترقون العراق، كمن يسير داخل خرائط الآخرين، حيث يكون الطريق قدراً يُملى عليهم الخطّة والمسار، وحيث الصحراء تملأ الفراغ الوجودي، الذي يختبر هشاشتهم في كل خطوة. وفي هذا الامتداد، تتكثف الرمزية في الرواية حتى تنقلب المعاناة إلى واقعٍ ماديٍّ قاسٍ: صهريجٌ من حديدٍ، مغلقٌ على احتمالات الموت والنجاة، يتحول تدريجيًا من وسيلة عبور إلى فضاءٍ نهائي، حيث لا يعود الخارج ممكنًا، ولا الداخل قابلًا للحياة. 

هناك -داخل الصهريج-، وفي العتمة المشبعة بالحرارة، تتعطل اللغة، ويصير الجسد هو النصّ الأخير. يموت الثلاثة "أسعد ومروان وأبو قيس"، في نهاية مأساوية مروّعة، ليس لأنهم أخطأوا في الحسابات، بل لأن الحساب ذاته كان مختلًا منذ البداية؛ ولأن الطريق الذي سلكوه لم يكن طريقًا للنجاة، بل مسارًا مُحكمًا نحو الفناء. 

وأما "أبو الخيزران" (سائق الصهريج)، فيظلّ معلقًا بين صورتين: صورة الدليل الذي يعرف الدروب، وصورة الوسيط الذي يُعيد إنتاج المأساة؛ يعد بالوصول، ويؤجل الخطر، لكنه في النهاية لا يفعل سوى إدارة اللحظة التي تسبق الكارثة.

تأتي الصرخة من داخل أبي الخيزران: "لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟!"، ويبدو في ظاهره سؤالًا متأخرًا، لكنه في جوهره إدانةٌ بنيوية، تكشف عن خللٍ عميق في تصور الفعل ذاته، تهرُّباً من عقدة الذنب، وتأنيب الضمير. فهل كان الدقّ ممكنًا حقًا؟ وهل يُطلب من المختنق أن يُحسن التعبير عن اختناقه؟ أم أن الرواية، في عمقها، تُحيل إلى مفارقةٍ أشدّ قسوة، وهي: أن الإنسان حين يُحاصر حتى آخر حدّ، يُسلب منه حتى حقّ الاحتجاج، فيصير الصمت ليس عجزًا طارئًا، بل نتيجةً حتمية لنظام يفرغ الفعل من معناه؟!

وعندما لا يأتي الجواب من داخل الصهريج.. تتحول الصرخة إلى مرآةٍ تُعيد مساءلة القارئ، وتضعه في مواجهة سؤالٍ أخلاقي: هل كان الصمت خيارًا، أم أنه كان الشكل الوحيد الممكن في عالمٍ يضيق بالجميع حتى يختنق؟ 

وعلى هذا النحو، لا تكتفي الرواية بسرد مأساة ثلاثة رجال، بل تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، لتفكك وهم "الخلاص الفردي"، وتكشف عن نظامٍ كاملٍ من اللامبالاة، والترف القاتل للمسؤوليات، حيث يُدفع الإنسان إلى حافة المخاطرة، ثم يُترك وحيدًا في مواجهتها. 

إنها تُعرّي "اقتصاد الأمل الزائف"، ذلك الذي يُغري أصحابه بالعبور، ويُخفي كلفته الحقيقية، لأن طريقه إلى المجهول.. حتى إذا انكشف الثمن، كان قد دُفع كاملًا -حيث لا يمكن التراجع. وفي هذا السياق، لا يبدو الموت نهايةً مفاجئة، بل نتيجةً منطقية لمسارٍ طويل من التضييق، حيث تتراكم العوامل الصغيرة—الفقر، الحدود، الانتظار، الخوف—حتى تُنتج لحظة الاختناق الكبير.

ومن خارج هذا الصهريج، لكن في مداره الواسع، تلوح تجبتي قبل هجوم 7 أكتوبر 2023 في غزة، حيث الحياة تُمارَس بوصفها محاولةً يومية للتماسك، لا مشروعًا مكتملًا لممارسة كل الرغبات أو تحقيق كل الأحلام والأماني.. في منتزه "برشلونة" (متنزه يقع في الجنوب الغربي لمدينة غزة، ويقطنه عشرات النازحين، حوله وفي داخله)، كان الفضاء المفتوح يمنح وهمًا مؤقتًا بالانفراج.. حيث الأشجارٌ تُظلّل القلق، والأضواءٌ تُخفف العتمة، والأصوات تؤكد أن الحياة ما زالت ممكنة -رغم كل شيء.

وهناك، كانت الضحكات تنطلق من بين التفاصيل المثقلة، تصدح من القلب، كانت الخطوات تُرسم كأنها تحدي صامت للأوجاع والقهر والظلام، كانت الأراجيح تمنح الجسد لحظة توازن؛ لتُثبت أن الإنسان لا يُختزل في شروطه القاسية، بل يمكن إعادة صياغة الطفولة التي لم تكبر بداخله.

غير أن المفارقة تبقى قائمة: بين "صهريجٍ مُحكم الإغلاق، ومتنزه مفتوحٍ على حدوده"، تتوزع التجربة الإنسانية بين شكلين من الحصار؛ أحدهما: يُنهي الحياة دفعةً واحدة، والآخر: يُبقيها في حالة تأجيلٍ دائم. 

وفي الحالتين، يتبدى أن الموت ليس دائمًا حدثًا فجائيًا، بل حركةٌ بطيئة من التآكل، تتسلل فينا عبر التفاصيل اليومية، وتعيد تشكيل الوجود الإنساني والبشري في صورةٍ أقلّ اكتمالًا. 

وهنا، تستقر الرواية في أفقها الأعمق، حيث نقف عند طرح مهم، وهو: أن السؤال ليس كيف ماتوا، بل كيف وُضعوا في موقعٍ لا يملكون فيه إلا أن يموتوا! وكيف صار الصمت—في عالمٍ كهذا—أقرب إلى الحقيقة من الصراخ.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق