الزير سالم
ألفريد فرج
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد
في فضاء القرن الخامس الميلادي، حيث تمتدّ الصحراء على مدّ البصر، وتتشابك حدود الشام مع تخوم الجزيرة العربية، وُلدت واحدة من أخلد السير في الذاكرة العربية: سيرة الزير سالم، ابن ربيعة، وأخ كليب، سيد بادية الشام وحارس هيبتها. هناك، حيث كانت القبيلة وطنًا، والسيف قانونًا، والكلمة عهدًا لا يُنقض، تشكّلت ملامح حكايةٍ لم تُكتب بالحبر وحده، بل نُقشت بالدم والدمع، وتناقلتها الألسن جيلاً بعد جيل، حتى غدت جزءًا من الوجدان الشعبي، تتردّد في المقاهي، وتُروى في المجالس، وتُبعث حيّة كلما ذُكر الوفاء أو استُحضرت المروءة.
كان سالم، المهلهل، شخصيةً مركّبة، تجمع بين النقيضين: شاعرٌ رقيق الحس، وفارسٌ لا يلين، عاشقٌ للهو والغناء، ثم رجلٌ تجرّع مرارة الفقد فتحوّل إلى نارٍ لا تخبو. لم يكن انتقامه نزوة عابرة، بل قدرًا ساقه إليه مقتل أخيه كليب، ذلك الحدث الذي شقّ التاريخ نصفين، وأشعل حربًا امتدّ لهيبها أربعين عامًا، كأنها لعنةٌ تسري في الدم، لا تهدأ ولا تُغتفر.
وتبدأ خيوط المأساة حين تُدبَّر المكائد في الخفاء، وتتشابك المصالح مع الأحقاد. تُطرد روح سالم من مضارب قومه، فيغدو طريدًا في الفلاة، يتنقّل بين السراب والليل، بينما يبقى كليب وحيدًا، محاطًا بسلطانه، لكنه مكشوف الظهر. وفي لحظةٍ تختلط فيها الخديعة بالغواية، يُغتال كليب غدرًا على يد جساس، في مشهدٍ تختصر فيه الطعنة تاريخًا من القرابة، وتفتح بابًا لا يُغلق من الدم.
ومن هناك، تنفجر الحكاية بكل ما فيها من وجعٍ وعناد. يقف سالم على أطلال أخيه، لا يبكيه فقط، بل يحمله راية حربٍ لا تعرف السكون. تسير معه يمامة، ابنة كليب، وهي تحمل في قلبها سؤالًا لا يُجاب: كيف يعود الأب؟ ترفض المال والدماء، وترفض أن يكون العزاء بديلاً عن الحياة، فتغدو رمزًا للفقد الذي لا يُعوّض.
وتتعاقب المشاهد كأنها قدرٌ يتكرّر: حصارٌ يطول، وجوعٌ ينهك، وخياناتٌ تتوالد من رحم الحرب. جليلة، المرأة التي كانت بين نارين، تقف في وجه سالم، تسائله: هل يعيد الخراب ما مضى؟ فيجيبها بيقينٍ أعمى، كأن الانتقام وحده قادرٌ على إحياء الموتى. وبين هذا وذاك، يضيع الناس، وتضيع القبائل، ويغدو الدم لغةً وحيدة.
ويمتدّ الصراع حتى يطال الجميع، فلا يبقى أحدٌ بمنأى عنه. جساس، القاتل، يتحوّل إلى طريدٍ يطارده مصيره، وسالم، المنتقم، يُساق إلى الأسر بالحيلة، فيغيب سنواتٍ كأنها موتٌ مؤجّل، فيما تُستباح الأرض ويُذلّ القوم. وحين يعود، يعود بذاكرةٍ مثقلة، يرى ما خلّفته الحرب من خراب، وكأن الزمن قد دار عليه ليُريه وجهه الآخر.
وفي الذروة، يلتقي الخصمان، لا بوصفهما رجلين فحسب، بل بوصفهما تاريخًا كاملاً من الدم. يتقابلان في لحظةٍ صافية من القدر، تتجرّد فيها الأسماء من كل شيء إلا من نهايتها. يضرب كلٌّ منهما الآخر، كأنهما يُسدلان الستار على ملحمةٍ طال أمدها، ويتركان خلفهما سؤالًا أكبر من الحرب: ماذا بقي؟
وحين يسكن الغبار، لا يرتفع صوت السيوف، بل صوت الحكمة المتأخرة. يقف هجرس، ابن كليب، أمام هذا الإرث الثقيل، لا ليحمله كما هو، بل ليغيّره. يطلب الرحمة بدلًا من الثأر، ويُعلن أن الملك ليس سيفًا يُشهر، بل قلبًا يُصلح. وفي كلمته، كأن الحكاية كلها تنتهي عند معنى واحد: أن الدم، مهما طال، لا يبني وطنًا، وأن الرحمة وحدها قادرة على أن تُعيد للإنسان إنسانيته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق